كتاب
القواعد والأصول
وتطبيقات التدبر
د/ خالد بن عثمان السبت
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذه جُملة من الأصول والقواعد والضوابط وطرق الدلالة المُنوعة، وما له نوع اتصال بذلك مما يُتَوَصَّل به إلى استخراج المعاني والهدايات من القرآن الكريم، مقرونة بتطبيقاتها وأمثلتها التي توضحها وتجليها، إلى غير ذلك مما تجده مسطورًا في هذا الكتاب.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «ومن أصول التفسير: إذا فَهِمْت ما دلت عليه الآيات الكريمة من المعاني مُطَابَقَة وتَضَمُّنًا، فاعلم أن لوازم هذه المعاني، وما لا تتم إلا به، وشروطَها وتوابعَها؛ تابعةٌ لذلك المعنى؛ فما لا يتم الخبر إلا به فهو تابع للخبر، وما لا يتم الحكم إلا به فهو تابع للحكم. وأن الآيات التي يُفْهَم منها التَّعَارُض والتناقُض، ليس فيها تَنَاقُضٌ ولا تَعَارُض، بل يجب حَمْل كل منها على الحالة المُنَاسِبة اللائقة بها. وأن حَذْف المُتَعَلَّقَات -من مَفْعُولاتٍ وغيرها- يدل على تعميم المعنى؛ لأن هذا من أعظم فوائد الحذف. وأنه لا يجوز حذف ما لا يدل عليه السياق اللفظي، والقرينة الحالية» اهـ (١).
وقبل الشروع في المقصود، فإني أضع بين يدي القارئ الكريم بعض الجوانب التي ينبغي اعتبارها؛ فمن ذلك:
стр. 4
أولًا: لم أتعرض لمعنى التدبر وبعض المقدمات المتعلقة به اكتفاء بما ذكرته في الكتاب الآخر الموسوم بـ (الخلاصة في تدبر القرآن) الذي يختص بالجوانب النظرية المتصلة بموضوع التدبر.
ثانيًا: ينبغي أن نعلم أن التدبر لا يخضع لقواعد محددة، لكن إذا كان المُتَدَبِّر مُتَحَقِّقًا بالعلوم التي يُسْتَخْرَج بواسطتها أنواع المعاني والحِكَم والأحكام؛ فإن ذلك يكون أدعى إلى نَظَرٍ أَسَدّ، وتَدَبُّرٍ أَدَقّ، وغَوْصٍ أعمق عند قراءة القرآن الكريم.
ثالثًا: تتنوع مطالب المتدبرين من تدبرهم للقرآن الكريم (١)؛ فمنهم من يقرؤه ليُرَقِّق قلبه، ويقرؤه آخر للوقوف على مواعظه ومواطن العِبَر فيه، ويقرؤه ثالث ليتعرف على مَحَابِّ الله ومَسَاخِطِه، وأوصاف أوليائه، وسِمَات أعدائه، وربما قرأه لمعرفة ربه ومولاه بأسمائه وصفاته ودلائل قدرته وعظمته، أو يقرأ لاستخراج هداياته المتنوعة من الحِكَم والأحكام والآداب وغيرها؛ فإن ذلك لا يُتَوَصَّل إليه إلا بالتدبر، ولا يصح الفصل بين هذه المطالب وبين التدبر بحال.
ولا يخفى أن هذه المطالبَ متفاوتة فيما يتوقف حصولها عليه؛ فمنها ما يفتقر إلى آلة يتمكن معها المُتَدَبِّر من استخراج المعاني والهدايات الدقيقة المبنية على أُسُس وقواعد صحيحة في الاستدلال.
ومن هنا جاءت الإشارة إلى هذه الجملة من طُرق الدلالة والقواعد التي تضبط الفهم.
стр. 5
رابعًا: إنما أردت في هذا الكتاب إيراد قدر صالح من طُرق الدلالة وما من شأنه أن يُوصِل إلى المطلوب من المعاني ونحوها؛ ليتعرف به القارئ الكريم على هذه الأصول والقواعد وطُرق الدلالة من جهة، ومن جهةٍ أخرى يربط بين ذلك وبين الجانب التطبيقي؛ ليكون ذلك أوعى وأبين وأرسخ في الفهم.
ولم يكن المقصود الاستيعاب والاستقراء للأصول النظرية، ولا النماذج التطبيقية؛ فذلك مما يفوت الحصر، ولكن أردت ذِكْر طَرَف منها يحصل به المقصود، ويتضح به المراد، ويدل على غيره، فيتتبعه طالب العلم في مَظَانِّه.
خامسًا: انتقيتُ النماذج التطبيقية مما كنتُ أجمعه عند قراءتي في كتب التفسير وغيرها؛ إذ كنتُ أُدَوِّن ما أستحسنه من اللطائف واللفتات الدقيقة المُستخرجة بثاقب النظر والفِكْر مما جَادَتْ به قَرَائح العلماء وفُهومهم، كما قرأت المجموعات الخمس (١) التي صدرت عن (مركز تدبر للدراسات والاستشارات) تحت عنوان (ليدبروا آياته)، وانتقيت بعض الأمثلة منها، فأوردتُّ في هذا الكتاب من هذا وذاك أحسن ما جمعتُ.
سادسًا: رتبتُ الكتاب على طريقة مُتَسَلْسِلة بالنظر إلى الطُّرق التي يُتَوَصَّل بها إلى المُراد من ألوان الدلالات.
وهناك بعض النماذج والأمثلة لا تخضع لشيء من الطُرق والأنواع، فألحقتُها في آخر الكتاب وجعلتُها تحت عنوان يُوَضِّح ذلك.
стр. 6
ومما يدخل في هذا النوع ما يُسمَّى بـ (التفسير الإشاري).
وهذا النوع من التفسير إنما يُقال له: (تفسير)، على سبيل التَّجَوُّز، وإلا فإنه لا يدخل تحت التفسير، كما أن عامة ما يُذكر فيه لا يصح.
وقد أفردتُّ له عنوانًا في آخر الكتاب وأَوردتُّ فيه نماذج صالحة مُسْتَحْسَنة مما ذكره العلماء الثقات: كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والحافظ ابن كثير، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي؛ ﵏، سواء صَرَّحُوا فيه بأنه من قبيل الإشارة، أو لم يُصَرِّحوا بذلك، لكنه داخل تحته.
كما أوردتُّ في آخر الكتاب ما يتصل بالتطبيق والعمل والامتثال؛ لكون ذلك يتصل بالتدبر من جهة أن بعض السلف قد فسَّر التدبر بالعمل به؛ كما أوضحنا ذلك في كتاب (الخلاصة في تدبر القرآن). ولا شك أن من مطالب المتدبرين: العمل والامتثال.
هذا بالإضافة إلى الربط بين تدبُّر الآيات المتلوة، والتفكر في الآيات المشهودة، وقد صار ذلك مُتاحًا لكل أحد بصورة أعمق في هذا الوقت؛ نظرًا لما توفر من الوسائل الحديثة التي يمكن لعموم الناس مشاهدة ذلك من خلالها.
وفي هذا الكتاب أَوْرَدتُّ نماذج من هذا النوع؛ لتدل على غيرها.
قال ابن القيم ﵀: «والتفكر في القرآن نوعان: تفكر فيه ليقع على مُراد الرب تعالى منه، وتَفَكُّر في معاني ما دعا عباده الى التَّفَكُّر فيه؛ فالأول: تَفَكُّر في الدليل القرآني، والثاني: تَفَكُّر في الدليل العياني؛ الأول: تفكُّر في آياته المسموعة، والثاني: تفكُّر في آياته المشهودة؛ ولهذا أنزل الله القرآن ليُتدبَّر، ويُتفكَّر فيه، ويُعمَل به» اهـ (١).
стр. 7
وحاصل ذلك جاء مستوفى في ستة أبواب ومقدمة وخاتمة؛ وإليك مجملها:
الباب الأول: النظر الكلي - الإجمالي - لآيات السورة؛ وذلك يشمل:
١ - تدبر الآيات إجمالاً للتوصل إلى الموضوع أو الموضوعات التي تدور حولها الآيات في السورة.
٢ - تدبر الآيات إجمالًا للتوصل إلى مقاصد السورة.
٣ - تدبر المعنى العام للآية للتوصل إلى المعنى الأساسي الذي نزلت لتقريره.
الباب الثاني: في المعاني والهدايات المستخرجة وفق القواعد والأصول المعتبرة:
فمن ذلك:
أولًا: إعمال أنواع الدلالة في استخراج الهدايات من الآيات الكريمة؛ وذلك نوعان:
النوع الأول: دلالة المنطوق؛ وهو قسمان:
١ - المنطوق الصريح؛ وهو نوعان:
١) دلالة المطابقة.
٢) دلالة التَّضَمُّن.
٢ - المنطوق غير الصريح (دلالة الالتزام)؛ ويدخل تحتها ثلاثة أنواع:
الأول: دلالة الاقتضاء.
стр. 8
الثاني: دلالة الإشارة؛ وله صورتان:
الثالث: دلالة الإيماء والتنبيه.
النوع الثاني: دلالة المفهوم؛ وهو قسمان:
١ - مفهوم الموافقة.
٢ - مفهوم المخالفة.
ثانيًا: العموم والخصوص.
ثالثًا: الإطلاق والتقييد.
رابعًا: ما يُسْتَفَاد من بعض القواعد في التفسير.
خامسًا: القواعد القرآنية.
الباب الثالث: النظر والتدبر في المناسبات.
الباب الرابع: ما يتوصل إليه بالنظر إلى النواحي اللغوية والجوانب البلاغية:
فمن ذلك:
١ - الحقيقة والمجاز (عند القائل به).
٢ - ما يتصل بمرجع الضمير.
٣ - ما يُؤْخَذ من الإظهار في موضع الإضمار، وعكسه.
٤ - الالتفات.
стр. 9
٥ - الفروق اللفظية.
٦ - المتشابه اللفظي.
٧ - دلالات الجملة (الاسمية والفعلية).
٨ - ما يرجع إلى تصريف اللفظ.
٩ - ما يرجع إلى معاني الحروف، ودلالاتها، والتضمين.
١٠ - التقدير والحذف والزيادة، والتكرار، والتقديم والتأخير والترتيب بين الأمور المذكورة في الآية.
١١ - الإيجاز والبسط والاستطراد.
١٢ - الأمثال والتشبيهات.
الباب الخامس: ما لا يدخل في شيء مما سبق؛ وهو نوعان:
الأول: صور من التدبر لا تخضع لشيء مما سبق.
الثاني: التفسير الإشاري.
الباب السادس: التدبر العَمَلي؛ وهو نوعان:
الأول: التطبيق والعمل والامتثال.
الثاني: النظر في الكون والآيات المشهودة.
الخاتمة.
стр. 10
سابعًا: تجد في هذا الكتاب تخريج الأحاديث تخريجًا موجزًا، فما أخرجه الشيخان أو أحدهما اكتفيتُ به، وإن لم يكن فيهما فأكتفي بتخريجه من بقية الكتب الستة، فإن لم يكن في شيء منها فمن بقية الكتب التسعة، فإن لم يكن في شيء منها خَرَّجْتُه من غيرها.
كما عَرَّفْتُ بالمصطلحات العلمية التي يحتاج القارئ إلى معرفة المراد بها، وترجمتُ لغير المشاهير من الأعلام ترجمةً مُوجَزَة.
وألحقت بالكتاب فهرسًا للمصادر، وآخر للموضوعات.
وقد أسميتُه بـ (القواعد والأصول وتطبيقات التدبر).
هذا، وأسأل الله تعالى أن يتقبله بقبول حسن، وأن يجعله ذخرًا لي يوم أن ألقاه؛ إنه سميع مجيب.
وكتبه: خالد بن عثمان السبت
٠٥/ ٠٩/١٤٣٦ هـ
Khaled ٢٢٢٤@gmail.com
стр. 11
الباب الأول
النظر الكلي -الإجمالي- في آيات السورة (١)
стр. 12
١ - تدبر الآيات إجمالًا للتوصل إلى الموضوع أو الموضوعات التي تدور حولها الآيات في السورة (١).
التطبيق:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد ذكرتُ في مواضع ما اشتملت عليه (سورة البقرة) من تقرير أصول العلم وقواعد الدين: أن الله تعالى افتتحها بذِكْر كتابه الهادي للمتقين، فوَصَفَ حال أهل الهدى، ثم الكافرين، ثم المنافقين؛ فهذه (جمل خبرية). ثم ذكر (الجمل الطلبية)، فدعا الناس إلى عبادته وَحْده، ثم ذكر الدلائل على ذلك من فَرْش الأرض، وبناء السماء، وإنزال الماء، وإخراج الثمار رِزْقًا للعباد، ثم قَرَّر الرسالة، وذَكَر الوعد والوعيد، ثم ذَكَر مَبْدَأ النبوة والهدى، وما بَثَّه في العالَم من الخلق والأمر، ثم ذَكَر تعليم آدم الأسماء، وإسجاد الملائكة له لِمَا شَرَّفه من العلم؛ فإن هذا تقرير لجِنْس ما بُعِث به محمد ﷺ من الهدى ودين الحق، فَقَصّ جِنْس دعوة الأنبياء.
ثم انتقل إلى خطاب بني إسرائيل وقصة موسى معهم، وضَمَّن ذلك تقرير نبوته؛ إذ هو قرين محمد ﷺ ، فذكر آدم الذي هو أول، وموسى الذي هو نَظِيره، وهما اللذان احتجا، وموسى قَتَل نفسًا فغُفِر له، وآدم أَكَل من الشجرة فتاب عليه، وكان في قصة موسى رَدٌّ على الصابئة ونحوهم ممن يُقِرّ بجنس النبوات، ولا يُوجِب اتّباع
стр. 13
ما جاؤوا به، وقد يتأوَّلُون أخبار الأنبياء، وفيها ردٌّ على أهل الكتاب بما تَضَمَّنه ذلك من الأمر بالإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، وتقرير نبوته، وذِكْر حال من عَدَل عن النبوة إلى السِّحْر، وذِكْر النَّسْخ الذي ينكره بعضهم، وذِكْر النصارى، وأن الأُمَّتَين لن يرضوا عنه حتى يَتَّبِع مِلَّتَهم؛ كل هذا في تقرير أصول الدين؛ من الوحدانية والرسالة.
ثم أخذ سبحانه في بيان شرائع الإسلام التي على مِلَّة إبراهيم، فَذَكر إبراهيم الذي هو إمام، وبناء البيت الذي بتعظيمه يَتَمَيَّز أهل الإسلام عما سواهم، وذَكَر استقباله، وقَرَّر ذلك؛ فإنه شعار المِلَّة بين أهلها وغيرهم؛ ولهذا يُقَال: أهل القبلة، كما يُقال: «مَن صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلتنا، وأكل ذبيحتنا؛ فهو المُسْلِم» (١).
وذَكَر من المناسك ما يختص بالمكان؛ وذلك أن الحج له مكان وزمان، والعمرة لها مكان فقط، والعكوف والركوع والسجود شُرِع فيه ولا يتقيد به ولا بمكان ولا بزمان، لكن الصلاة تتقيد باستقباله، فذكر سبحانه هذه الأنواع الخمسة: من العكوف، والصلاة، والطواف، والعمرة، والحج؛ والطواف يختص بالمكان فقط، ثم أتبع ذلك ما يتعلق بالبيت، من الطواف بالجبلين، وأنه لا جُنَاح فيه؛ جوابًا لما كان عليه الأنصار في الجاهلية من كراهة الطواف بهما لأجل إهلالهم لمَنَاة، وجوابًا لقوم تَوَقَّفُوا عن الطواف بهما. وجاء ذكر الطواف بعد العبادات المُتَعَلِّقة بالبيت -بل وبالقلوب والأبدان والأموال- بعد ما أُمِرُوا به من الاستعانة بالصبر والصلاة اللَّذَين لا يقوم الدين إلا بهما، وكان ذلك مفتاح الجهاد المؤسس على الصبر؛ لأن ذلك من تمام أمر البيت؛ لأن أهل المِلَل لا يُخَالِفُون فيه، فلا يقوم أمر البيت إلا بالجهاد عنه.
стр. 14
وذكر الصبر على المشروع والمقدور، وبيَّن ما أنعم به على هذه الأمة من البشرى للصابرين؛ فإنها أُعْطِيَت ما لم تُعْطَ الأممُ قبلها، فكان ذلك من خصائصها وشعائرها؛ كالعبادات المُتَعَلِّقة بالبيت؛ ولهذا يَقْرِن بين الحج والجهاد؛ لدخول كل منهما في سبيل الله؛ فأما الجهاد فهو أعظم سبيل الله بالنص والإجماع، وكذلك الحج في الأصح؛ كما قال: «الحج من سبيل الله» (١). وبيَّن أن هذا معروف عند أهل الكتاب، بِذَمِّه لكاتِم العلم.
ثم ذكر أنه لا يقبل دينًا غير ذلك؛ ففي أولها: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (البقرة)، وفي أثنائها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ (البقرة: ١٦٥)، فالأول نهي عام، والثاني نهي خاص، وذَكَرَها بعد البيت ليُنْتَهَى عن قَصْد الأنداد المُضَاهِيَة له، ولِبَيْتِه من الأصنام والمقابر ونحو ذلك، ووَحَّد نَفْسه قبل ذلك، وأنه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ (البقرة).
ثم ذَكَر ما يَتَعَلَّق بتوحيده من الآيات؛ ثم ذكر الحلال والحرام، وأَطْلَق الأَمْر في المَطاعِم؛ لأن الرسول بُعِث بالحَنِيفيَّة وشعارها؛ وهو البيت، وذَكَر سَماحَتها في الأحوال المباحة، وفي الدماء بما شَرَعه من القِصَاص، ومن أَخْذ الديّة؛ ثم ذكر العبادات المُتَعَلِّقة بالزمان؛ فذكر الوصية المُتَعَلِّقة بالموت، ثم الصيام المُتَعَلِّق برمضان وما يتصل به من الاعتكاف ذَكَرَه في عبادات المكان، وعبادات الزمان؛ فإنه يختص بالمسجد وبالزمان استحبابًا أو وجوبًا بوقت الصيام، وَوَسطه أولًا بين الطواف والصلاة؛ لأن الطواف يختص بالمسجد الحرام، والصلاة تُشْرَع في جميع
стр. 15
الأرض، والعكوف بينهما. ثم أتبع ذلك بالنهي عن أكل الأموال بالباطل، وأخبر أن المُحَرَّم نوعان: نوع لعَيْنِه؛ كالميتة، ونوع لكَسْبه؛ كالربا والمغصوب، فأَتْبَع المعنى الثَابِت بالمُحَرَّم الثابِت تحريمه لعَيْنِه، وذكر في أثناء عبادات الزمان المنتقلِ الحرامَ المُنْتَقِلَ؛ ولهذا أَتْبَعَه بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ الآية (البقرة: ١٨٩)، وهي أعلام العبادات الزمنية، وأخبر أنه جعلها مواقيت للناس في أمر دينهم ودنياهم وللحج؛ لأن البيت تَحُجُّه الملائكة والجن، فكان هذا أيضًا في أن الحج مُوَقَّت بالزمان، كأنه مُوَقَّت بالبيت المكاني؛ ولهذا ذكر بعد هذا من أحكام الحج ما يختص بالزمان مع أن المكان من تمام الحج والعمرة.
وذكر المُحْصَر، وذَكَر تقديم الإحلال المُتَعَلِّق بالمال -وهو الهدي- عن الإحلال المُتَعَلِّق بالنَّفْس -وهو الحلق- وأن المُتَحَلِّل يَخْرُج من إحرامه، فيَحِلّ بالأسهل فالأسهل؛ ولهذا كان آخر ما يَحِل عين الوطء؛ فإنه أعظم المحظورات، ولا يَفْسُد النُّسُك بمحظور سواه.
وذكر التمتع بالعمرة إلى الحج لتَعَلُّقه بالزمان مع المكان؛ فإنه لا يكون مُتَمَتِّعًا حتى يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، وحتى لا يكون أهله حاضري المسجد الحرامَ -وهو الأُفُقِيّ- فإنه الذي يَظْهَر التَّمَتُّع في حقه؛ لتَرَفُّهِه بسقوط أحد السفرين عنه، أما الذي هو حاضر فسِيَّانِ عنده تمتع أو اعتمر قبل أشهر الحج.
ثم ذكر وقت الحج، وأنه أشهر معلومات، وذكر الإحرام والوقوف بعرفة ومزدلفة؛ فإن هذا مختص بزمان ومكان؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (البقرة: ١٩٧)، ولم يقل: والعمرة؛ لأنها تُفْرَض في كل وقت، ولا ريب أن السُّنَّة فَرْض الحج في أشهره، ومن فَرَض قبله خالف السُّنَّة؛ فإما أن يلزمه ما التزمه
стр. 16
كالنذر -إذ ليس فيه نَقْض للمشروع، وليس كمن صلى قبل الوقت- وإما أن يَلْزَم الإحرام، ويَسْقُط الحج، ويكون مُعْتَمِرًا؛ وهذان قولان مشهوران.
ثم أمر عند قضاء المناسك بذِكْره، وقضاؤها -والله أعلم- قضاء التَّفَث والإحلال؛ ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة: ٢٠٣)، وهذا أيضًا من العبادات الزمانية المكانية؛ وهو ذكر الله تعالى مع رمي الجمار، ومع الصلوات، ودلّ على أنه مكاني قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ الآية (البقرة: ٢٠٣)، وإنما يكون التعجيل والتأخير في الخروج من المكان؛ ولهذا تُضَاف هذه الأيام إلى مكانها فيُقال: أيام منى، وإلى عملها فيُقال: أيام التشريق، كما يُقال: ليلة جَمْع، وليلة مزدلفة، ويوم عرفة، ويوم الحج الأكبر، ويوم العيد، ويوم الجمعة؛ فُتضاف إلى الأعمال وأماكن الأعمال؛ إذ الزمان تابِع للحركة، والحركة تابعة للمكان.
فتدبَّر تناسب القرآن، وارتباط بعضه ببعض، وكيف ذَكَر أحكام الحج فيها في موضعين: مع ذكر بيته، وما يتعلق بمكانه، ومَوْضِعٍ ذَكَر فيه الأَهِلَّة، فذكر ما يتَعَلَّق بزمانه، وذكر أيضًا القتال في المسجد الحرام، والمقَاصَّة في الشهر الحرام؛ لأن ذلك مما يتعلَّق بالزمان المُتَعَلِّق بالمكان؛ ولهذا قَرَن سبحانه ذِكْر كون الأهلة مواقيت للناس والحج وذِكْر أن البِرّ ليس أن يُشْقِي الرجلُ نَفْسَه، ويفعل ما لا فائدة فيه؛ من كونه يَبْرُز للسماء فلا يَسْتَظِلّ بسَقْف بيته، حتى إذا أراد دخول بيته لا يأتيه إلا من ظهره، فأخبر أن الهلال الذي جُعِل مِيقاتًا للحج شَرْعٌ مثل هذا، وإنما تَضَمَّن شَرْعَ التقوى.
стр. 17
ثم ذكر بعد ذلك ما يتَعَلَّق بأحكام النكاح والوالدات، وما يتعلَّق بالأموال والصدقات والربا والديون وغير ذلك، ثم ختمها بالدعاء العظيم المُتَضَمِّن وَضْع الآصار والأغلال، والعفو والمغفرة، والرحمة وطلب النصر على القوم الكافرين الذين هم أعداء ما شَرَعَه من الدين في كتابه المبين. والحمد لله رب العالمين» اهـ (١).
وقال الشاطبي ﵀: «ثم لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة كان من أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قرَّرَت قواعد التقوى المَبْنِيَّة على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بَيَّنَت من أقسام أفعال المكلفين جُمْلَتها، وإن تَبَيَّن في غيرها تفاصيل لها؛ كالعبادات التي هي قواعد الإسلام، والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما، والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دَارَ بها، والجنايات من أحكام الدماء وما يليها.
وأيضًا؛ فإن حِفْظ الدين فيها، وحِفْظ النَّفْس والعقل والنسل والمال مُضَمَّن فيها، وما خرج عن المُقَرَّر فيها فبحكم التَّكْمِيل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مَبْنِي عليها، كما كان غير الأنعام من المَكِّي المُتَأخِّر عنها مَبْنِيًّا عليها، وإذا تَنَزَّلْت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب؛ وجدتَّها كذلك، حذو القُذَّة بالقُذَّة؛ فلا يَغِيبَنّ عن النَّاظر في الكتاب هذا المعنى؛ فإنه من أسرار علوم التفسير، وعلى حَسَب المعرفة به تَحْصُل له المعرفة بكلام ربه سبحانه» اهـ (٢).
стр. 18
٢ - تدبر الآيات إجمالًا للتوصل إلى مقاصد السورة (١).
التطبيق:
١ - (سورة العنكبوت):
قال ابن القيم ﵀: «فمضمون هذه السورة هو سِرُّ الخلق والأمر؛ فإنها سورة الابتلاء والامتحان، وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها، وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ونصر» (٢).
٢ - (سورة الرحمن):
قال ابن القيم ﵀: «تأمل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ (الرحمن)، كيف جعل الخلق والتعليم ناشئًا عن صفة الرحمة مُتَعَلِّقًا باسم الرحمن، وجعل معاني السورة مُرتبطة بهذا الاسم، وختمها بقوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ (الرحمن)، فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتَتَح به السورة؛ إذ مجيء البركة كلِّها منه، وبه وُضِعَت البركة في كل مبارك، فكل ما ذُكِر عليه بُورك فيه، وكل ما خَلِيَ منه نُزِعَت منه البركة» (٣).
стр. 19
٣ - (سورة الليل):
«عن ابن عباس ﵄ قال: «إني لأقول: هذه السورة نزلت في السماحة والبخل» (١).
٤ - (سور: الكافرون، الإخلاص، المعوذتان):
فمقصود سورة الكافرون: تقرير البراءة من عبادة الكافرين ومن معبوداتهم؛ فهي في توحيد الطلب والقصد (توحيد العبادة).
أما سورة الإخلاص، فمقصودها: تقرير الوحدانية لله تعالى بذكر صفاته الدالة على ذلك؛ فهي في توحيد الإثبات والمعرفة (الأسماء والصفات).
وأما المعوذتان، فمقصود سورة الفلق: الاستعاذة من جميع الشرور.
وأما الناس: فالاستعاذة من شر الوسواس الخناس.
стр. 20
٣ - تدبُّر المعنى العام للآية للتوصُّل إلى المعنى الأساسي الذي نزلت لتقريره .
وهذا أمر لابد من مراعاته؛ ذلك أن المعنى المقصود أصالةً، قد يُفْقَد عند تَتَبُّع اللَّطائف البلاغية، والمُلَح التدبُّريَّة في وجوه التعبير المتنوعة؛ ولذا نجد أن ابن جرير ﵀ يُورِد المعنى العام بعد الآية مباشرة، ثم يذكر التفاصيل والأقوال بعد ذلك.
وهذا وسط بين رأي من أنكر الاشتغال بالمناسبات والدقائق واللطائف، ومن أغرق في ذلك على حساب المعنى الأصلي للآية، مما يصرف القارئ عن ملاحظته (١).
стр. 21
الباب الثاني
في المعاني والهدايات المستخرجة
وفق القواعد والأصول المعتبرة (١)
стр. 22
أولاً: إعمال أنواع الدلالة في استخراج الهدايات من الآيات الكريمة .
توطئة:
من المعلوم أن معاني الألفاظ: إما أن تكون مُسْتَفادة من منطوق اللفظ، أو من مفهومه.
وكل نوع من هذين (المنطوق والمفهوم) تحته أنواع، سنعرض جملة منها مع تطبيقاتها.
قال السعدي ﵀: «القاعدة الحادية عشرة: مُرَاعَاة دلالة التَّضَمُّن والمُطَابَقة والالتزام.
كما أن المُفَسِّر للقرآن يُرَاعِي ما دلت عليه ألفاظه مُطَابَقة، وما دخل في ضمنها، فعليه أن يُرَاعِي لوازم تلك المعاني، وما تستدعيه من المعاني التي لم يُعَرَّج في اللفظ على ذِكْرِها.
وهذه القاعدة: من أَجَلّ قواعد التفسير وأنفعها، وتَسْتَدعي قوة فِكْر، وحُسْن تدبر، وصحة قصد؛ فإن الذي أنزله للهدى والرحمة هو العَالِم بكل شيء، الذي أحاط علمه بما تُكِنّ الصدور، وبما تَضَمَّنَه القرآن من المعاني، وما يتبعها وما يتقدمها، وتتوقف هي عليه.
ولهذا أجمع العلماء على الاستدلال باللوازم في كلام الله لهذا السبب.
والطريق إلى سلوك هذا الأصل النافع: أن تَفْهَم ما دل عليه اللفظ من المعاني، فإذا فهمتها فهمًا جيدًا، فَفَكِّر في الأمور التي تتوقف عليها، ولا تحصل بدونها، وما يُشْتَرط لها، وكذلك فَكِّر فيما يترتب عليها، وما يتفرع عنها، وينبني عليها،
стр. 23
وأَكْثِر من هذا التفكير ودَاوِم عليه، حتى تصير لك مَلَكَة جيدة في الغَوْص على المعاني الدقيقة؛ فإن القرآن حق، ولَازِم الحق حق، وما يتوقف على الحق حق، وما يتفرع عن الحق حق؛ ذلك كله حق ولا بد.
فمن وُفِّق لهذه الطريقة، وأعطاه الله توفيقًا ونورًا، انفتحت له في القرآن العلوم النافعة، والمعارف الجليلة، والأخلاق السامية، والآداب الكريمة العالية» اهـ (١).
تطبيقات شاملة (٢):
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (الأعراف).
قال ابن القيم ﵀: «وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه؛ فدلالته بمنطوقه على قُرْب الرحمة من أهل الإحسان، ودلالته بتعليله وإيمائه على أن هذا القُرْب مُسْتَحَقٌّ بالإحسان؛ فهو السبب في قُرْب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه على بُعْد الرحمة من غير المحسنين؛ فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة» (٣).
٢ - قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ (غافر).
стр. 24
قال ابن القيم ﵀: «وتَأَمَّل كيف افْتَتَح الآية بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾، والتنزيل يَسْتَلْزِم عُلُوَّ المُنَزَّل من عنده؛ لا تَعْقِل العرب من لغتها -بل ولا غيرها من الأمم السليمة الفطرة- إلا ذلك.
وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه، فهذا يدل على شيئين:
أحدهما: عُلُوّه تعالى على خلقه.
والثاني: أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره.
فإنه أخبر أنه منه، وهذا يقتضي أن يكون منه قولًا، كما أنه منه تنزيلًا. فإن غيره لو كان هو المتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير، فإن الكلام إنما يُضَاف إلى المُتَكَلِّم به، ومثل هذا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (السجدة: ١٣)، ومثله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (النحل: ١٠٢)، ومثله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤٢)، فاسْتَمْسِك بحرف (مِن) في هذه المواضع، فإنه يقطع حُجَج شَغْب المعتزلة والجهمية.
وتأمل كيف قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ﴾، ولم يقل: (تنزيله)، فتضمنت الآية إثبات علوه، وكلامه، وثبوت الرسالة.
ثم قال: ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٢)، فتضمن هذان الاسمان صِفَتَي القُدرة والعلم وخلق أعمال العباد وحُدُوث كل ما سوى الله؛ لأن القَدَر هو قُدرة الله؛ كما قال أحمد بن حنبل؛ فتضمنت إثبات القدر؛ ولأن عزته تمنع أن يكون في مُلْكِه ما لا يشاؤه، أو أن يشاء ما لا يكون؛ فكمال عزته تُبْطِل ذلك.
وكذلك كمال قدرته تُوجب أن يكون خالق كل شيء، وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه؛ لأن كمال قدرته وعزته يُبْطِل ذلك.
стр. 25
ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر: ٣)، والذنب مخالفة شرعه وأمره، فتضمن هذان الاسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله.
ثم قال تعالى: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وهذا جزاؤه للمذنبين، ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ جزاؤه للمحسنين، فتضمنت الثواب والعقاب.
ثم قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (غافر: ٣)، فتضمن ذلك التوحيد والمعاد.
فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو، والكلام، والقدرة، والعلم، والشرع، والقَدَر، وحدوث العالم، والثواب والعقاب، والتوحيد والمعاد، وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله ﷺ يتضمن الرسالة والنبوة؛ فهذه عشرة قواعد الإسلام والإيمان تجلى على سمعك في هذه الآية العظيمة.
ولكن ..
خَوْدٌ تُزَفُّ إلى ضرير مُقْعَد ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١).
فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إياها؟ ! وهكذا سائر آيات القرآن، فما أشَدَّها من حسرة وأعظمها من غَبْنَة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه، فالله المستعان» (٢).
стр. 26
وبعد هذا الإجمال إليك شيئًا من التفصيل في هذه الأنواع:
النوع الأول: «دلالة المنطوق» (١):
وهو قسمان:
١ - المنطوق الصريح؛ وهو نوعان:
(أ) دلالة المطابقة (٢):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ (البقرة).
قال ابن عثيمين ﵀: «هذه الهداية تشمل: هداية العلم وهداية العمل، وهي التي يُعَبَّر عنها أحيانًا بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل.
стр. 27
قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: تقومون بشكر الله ؛ و (لعل) هنا للتعليل، و ﴿تَشْكُرُونَ﴾ على أمور أربعة: إرادة الله بنا اليُسْر، عدم إرادته العُسْر، إكمال العِدَّة، التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله عليها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، و (الشكر) هو القيام بطاعة المُنْعِم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه» (١).
٢ - قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٦).
لا تُفَكِّر في تصميم حج مُختصر (٢).
٣ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: ٢٣١).
إنها تربية قرآنية تؤكد على أن الاعتداء على الآخرين هو ظلم للنفس أولًا؛ بتعريضها لسخط الله وغضبه (٣).
٤ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩).
قال السعدي ﵀: «دل هذا على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أُمِرَ به أعانه الله ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل
стр. 28
مطلوبه أمور إلهية خارجة عن مُدْرَك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم؛ فإن طلب العلم الشرعي من الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نوعي الجهاد الذي لايقوم به إلا خواص الخلق» (١).
وقال ابن القيم ﵀: «عَلَّق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكملُ الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأَفْرَضُ الجهاد: جهاد النَّفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشَّيطان، وجهاد الدُّنيَا؛ فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رِضاهُ الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد، فَاتَهُ من الهدى بِحَسب ما عَطَّل من الجهاد، قال الجُنَيد: والَّذين جاهدوا أهواءهم فِينَا بالتوبة، لنهدينهم سبل الإخلاص. ولا يتَمَكَّن من جهاد عدوه في الظَّاهر إلا من جاهد هذه الأعدَاء باطنًا؛ فمن نُصِر عَلَيهَا نُصِر على عدوه، ومن نُصِرت عليه نُصِر عليه عدوه» (٢).
ب- دلالة التَّضَمُّن (٣):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ (البقرة).
قال شيخ الإسلام ﵀: «لكن أهل الكتابين بدّلوا؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن تقدم رمضان باليوم واليومين، وعَلَّل الفقهاء ذلك بما يُخَاف من أن يُزَاد في الصوم
стр. 29
المفروض ما ليس منه، كما زاده أهل الكتاب من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين الشتاء والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه بها» (١).
وقال السعدي ﵀: «وفيه تنشيطٌ لهذه الأمة بأنه ينبغي لكم أن تُنَافِسُوا غيركم في تكميل الأعمال، والمُسارعة إلى صالح الخِصَال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختصيتم بها» (٢)؛ إشارة إلى أصل الفرضية، وذلك بعض معنى الآية.
٢ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ (آل عمران).
قال ابن كثير ﵀: «قال الضحاك ﵀: ... حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا» (٣). وذلك أحد المعاني الداخلة تحت هذا الوصف (الرباني).
٣ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (السجدة).
قال ابن كثير ﵀: «قال قتادة وسفيان: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ عن الدنيا ... قال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إمامًا يُقْتَدَى به حتى يتحامى عن الدنيا» (٤)؛ وهو بعض معنى الآية.
стр. 30
٢ - المنطوق غير الصريح (دلالة الالتزام) (١):
ويدخل تحتها ثلاثة أنواع: (اقتضاء، وإشارة، وإيماء وتنبيه):
الأول: دلالة الاقتضاء (٢):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ (البقرة).
قال القَصَّاب ﵀ (٣): «دليل واضح لمن تدبره أن حرمان التوفيق أقعدهم عن الإيمان؛ لما حسدوا عليه غيرهم وتبين لهم حقيقته؛ إذ محال أن يحسدوا غيرهم على ما هو باطل وفي أيديهم -بزعمهم- ما هو خير منه» (٤).
стр. 31
٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (النساء: ٨).
قال السعدي ﵀: «ويُؤْخَذ من المعنى أن كل من له تَطَلُّع وتَشَوّف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر؛ كما كان النبي ﷺ يقول: «إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فَلْيُجْلِسْه معه، فإن لم يُجْلِسْه معه فَلْيُنَاوِلْه لُقْمَة أو لُقْمَتَين» (١)،
أو كما قال. وكان الصحابة ﵃ إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك (٢)؛ علمًا منه بشدة تَشَوّفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء» (٣).
٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ (المائدة).
قال السعدي ﵀: «وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم؛ فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتَفْتُر قوته عند عَذْل العاذلين، وفي قلوبهم تَعَبُّد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم
стр. 32
رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله؛ حتى لا يخاف في الله لومة لائم» (١).
٤ - قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ (الأنبياء). وفي قراءة الجمهور: ﴿قل رب احكم بالحق﴾ (٢).
قال ابن هبيرة ﵀ (٣): «المُراد منه: كُن أنت - أيها القائل - على الحق لِيُمكنك أن تقول: احكُم بالحق؛ لأن المُبْطِل لا يمكنه أن يقول: احكُم بالحق» (٤).
٥ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾ (النور).
قال ابن القيم ﵀: «فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لَوَازِمِهِ ألا يذهبوا إلى قولٍ ولا مذهبٍ علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يُعرف بدلالة ما جاء به على أنه أَذِن فيه» (٥).
стр. 33
٦ - قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ (الحشر).
قال أبو بكر بن عَيَّاش ﵀ (١): «أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ في القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، فمن سَمَّاه الله صادقًا فليس يكذب، هم قالوا: يا خليفة رسول الله ﷺ » (٢).
٧ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (الحشر).
قال السعدي ﵀: «ذَكَر الله في هذا الدعاء نَفْي الغِلّ عن القلب، الشامل لقليل الغِلّ وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين» (٣).
«والمُراد بدعاء اللَّاحِق للسابق، والخَلَف للسلف: أنهم متبعون لهم، أو هو تعليم لهم بأن يدعوا لمن قبلهم، ويذكروهم بالخير» (٤).
стр. 34
٨ - قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ (التكاثر).
عن ميمون بن مِهْران ﵀ قال: «قرأ عمر بن عبد العزيز ﵀: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فبكى، ثم قال: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: ما أرى المقابر إلا زيارة، ولا بد لمن يزورها أن يرجع إلى الجنة، أو إلى النار» (١).
وقال ابن القيم ﵀: «وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مُسْتَودَعون في المقابر مدة، وبين أيديهم دار القرار، فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ ! فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم مُنتقِلون من محل الزيارة إلى المُستقر» (٢).
الثاني: دلالة الإشارة: (٣) وله صورتان:
الصورة الأولى: ما يُسْتَخْرَج من نص واحد:
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (البقرة: ١٦٨).
فتسمية استدراج الشيطان (خطواتٍ) فيه إشارتان:
(١) الخطوة مسافة يسيرة؛ وهكذا الشيطان يبدأ بالشيء اليسير من البدعة، أو المعصية، حتى تألفها النفس.
стр. 35
(٢) قوله: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بالجمع، دليل على أن الشيطان لن يقف عند أول خطوة في المعصية (١).
٢ - قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (البقرة: ١٨٧).
تأمل قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وما فيها من تربية الذَّوْق والأدب في الكلام، إضافةً إلى ما في اللباس من دلالة الستر، والحماية، والجمال، والقرب ... وهل أحد الزوجين للآخر إلا كذلك؟ ! وإن كانت المرأة في ذلك أظهر أثرًا كما يشير إلى ذلك البَدْء بضميرها: ﴿هُنَّ﴾ (٢).
٣ - قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (البقرة: ١٨٧).
قال البيضاوي ﵀: «وفي تجويز المُبَاشَرة إلى الصبح؛ الدلالة على جواز تأخير الغُسل إليه، وصحة صوم المُصبح جُنُبًا» (٣).
٤ - قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ (البقرة).
стр. 36
قال القرطبي ﵀: «ففي دعاء رسول الله ﷺ للمُحَلِّقين ثلاثًا وللمُقَصِّرين مرة (١)،
دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير؛ وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، ولم يقل: تُقَصِّروا» (٢).
٥ - قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ (التحريم).
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «فقوله سبحانه: ﴿تَحْتَ﴾ إعلام بأنه لا سلطان لهما على زوجيهما، وإنما السلطان للزوجين عليهما؛ فالمرأة لا تُسَاوَى بالرجل ولا تعلو فوقه أبدًا» (٣).
الصورة الثانية: ما يُسْتَخْرَج من مجموع دليلين فأكثر:
التطبيق:
١ - «إن موسى ﵇ سأل أَجَلَّ الأشياء؛ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٤٣)، وسأل أقل الأشياء؛ فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ (القصص)، فنحن أيضًا نسأل الله أَجَلَّ الأشياء؛ وهي خيرات الآخرة، وأقلها؛ وهي خيرات الدنيا؛ فنقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (البقرة: ٢٠١)» (٤).
стр. 37
٢ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، وقال في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: ١٥).
قال القرطبي ﵀: «استنبط عليٌّ ﵁ مدة أقل الحمل -وهو ستة أشهر- من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، فإذا فَصَلْنا الحولين من ثلاثين شهرًا، بقيت ستة أشهر» (١).
٣ - قال تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ (طه: ٩٤)، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ ... إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٨٤ - ٩٠).
قال الشنقيطي ﵀: «هذه الآية الكريمة بِضَمِيمَةِ آية (الأنعام) إليها تدل على لزوم إعفاء اللِّحية؛ فهي دليل قرآني على إعفاء اللِّحية وعدم حلقها» (٢).
٤ - قال تعالى عن أيوب ﵇ في سورة الأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ (الأنبياء)، وقال عنه في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٤٣).
стр. 38
قال الشنقيطي ﵀: «قوله في (الأنبياء): ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾، مع قوله في (ص): ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم: إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس؛ أن تلك الوصية تُصْرَف لأتقى الناس وأشدهم طاعة لله تعالى؛ لأنهم هم أولو الألباب؛ أي: العقول الصحيحة السالمة من الاختلال» (١).
٥ - قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (الحديد: ١٠)، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠١).
قال ابن حزم ﵀: «فجاء النص أن من صَحِبَ النبي ﷺ ، فقد وعده الله تعالى الحسنى، وقد نص الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: ٩)» (٢).
٦ - قال الإمام سفيان بن عيينة ﵀: «إني قرأت القرآن، فوجدت صفة سليمان ﵇ مع العافية التي كان فيها: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٣٠)، ووجدت صفة أيوب ﵇ مع البلاء الذي كان فيه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤٤)، فاستوت الصفتان؛ وهذا مُعَافى، وهذا مُبتلى، فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر، فلما اعتدلا كانت العافية مع الشكر أحبَّ إلي من البلاء مع الصبر» (٣).
стр. 39
٧ - قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ (الشورى)، مع قوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (لقمان: ١٥)، مع العلم بأحوال الصحابة ﵃، وشدة إنابتهم دليل على أن قولهم حجة، خصوصًا الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين (١).
٨ - قال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨)، وقال في سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ (البينة).
قال ابن جماعة ﵀ (٢): «فاقتضت الآيتان: أنَّ العلماء هم الذين يخشون الله تعالى، وأنَّ الذين يخشون الله تعالى هم خير البريَّة؛ فينتج بهذا أن العلماء هم خير البريَّة» (٣).
стр. 40
الثالث: دلالة الإيماء والتنبيه (١):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ (المائدة).
قال السعدي ﵀: «دل على أن طهارة القلب سبب لكل خير، وهو أكبر داعٍ إلى كل قول رشيد وعمل سديد» (٢).
٢ - قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (الأعراف).
قال ابن القيم: «في قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ عقب قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، دليل على أن من لم يَدْعُه تضرعًا وخُفْيَة، فهو من المُعتدين الذين لايُحبهم، فقسمت الآية الناس إلى قسمين: داعٍ لله تضرعًا وخُفية، ومُعْتَدٍ بترك ذلك» (٣).