← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133376

القواعد والأصول وتطبيقات التدبر

خالد السبت

Полный текст (230 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال القرطبي ﵀: «ففي دعاء رسول الله ﷺ للمُحَلِّقين ثلاثًا وللمُقَصِّرين مرة (١)، دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير؛ وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، ولم يقل: تُقَصِّروا» (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ (التحريم). قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «فقوله سبحانه: ﴿تَحْتَ﴾ إعلام بأنه لا سلطان لهما على زوجيهما، وإنما السلطان للزوجين عليهما؛ فالمرأة لا تُسَاوَى بالرجل ولا تعلو فوقه أبدًا» (٣). الصورة الثانية: ما يُسْتَخْرَج من مجموع دليلين فأكثر: التطبيق: ١ - «إن موسى ﵇ سأل أَجَلَّ الأشياء؛ فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف: ١٤٣)، وسأل أقل الأشياء؛ فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ (القصص)، فنحن أيضًا نسأل الله أَجَلَّ الأشياء؛ وهي خيرات الآخرة، وأقلها؛ وهي خيرات الدنيا؛ فنقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (البقرة: ٢٠١)» (٤).

стр. 37

٢ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣)، وقال في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: ١٥). قال القرطبي ﵀: «استنبط عليٌّ ﵁ مدة أقل الحمل -وهو ستة أشهر- من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، فإذا فَصَلْنا الحولين من ثلاثين شهرًا، بقيت ستة أشهر» (١). ٣ - قال تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ (طه: ٩٤)، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ ... إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٨٤ - ٩٠). قال الشنقيطي ﵀: «هذه الآية الكريمة بِضَمِيمَةِ آية (الأنعام) إليها تدل على لزوم إعفاء اللِّحية؛ فهي دليل قرآني على إعفاء اللِّحية وعدم حلقها» (٢). ٤ - قال تعالى عن أيوب ﵇ في سورة الأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ (الأنبياء)، وقال عنه في سورة ص: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٤٣).

стр. 38

قال الشنقيطي ﵀: «قوله في (الأنبياء): ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾، مع قوله في (ص): ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم: إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس؛ أن تلك الوصية تُصْرَف لأتقى الناس وأشدهم طاعة لله تعالى؛ لأنهم هم أولو الألباب؛ أي: العقول الصحيحة السالمة من الاختلال» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (الحديد: ١٠)، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠١). قال ابن حزم ﵀: «فجاء النص أن من صَحِبَ النبي ﷺ ، فقد وعده الله تعالى الحسنى، وقد نص الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (آل عمران: ٩)» (٢). ٦ - قال الإمام سفيان بن عيينة ﵀: «إني قرأت القرآن، فوجدت صفة سليمان ﵇ مع العافية التي كان فيها: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٣٠)، ووجدت صفة أيوب ﵇ مع البلاء الذي كان فيه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص: ٤٤)، فاستوت الصفتان؛ وهذا مُعَافى، وهذا مُبتلى، فوجدت الشكر قد قام مقام الصبر، فلما اعتدلا كانت العافية مع الشكر أحبَّ إلي من البلاء مع الصبر» (٣).

стр. 39

٧ - قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ (الشورى)، مع قوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ (لقمان: ١٥)، مع العلم بأحوال الصحابة ﵃، وشدة إنابتهم دليل على أن قولهم حجة، خصوصًا الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين (١). ٨ - قال تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨)، وقال في سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ (البينة). قال ابن جماعة ﵀ (٢): «فاقتضت الآيتان: أنَّ العلماء هم الذين يخشون الله تعالى، وأنَّ الذين يخشون الله تعالى هم خير البريَّة؛ فينتج بهذا أن العلماء هم خير البريَّة» (٣).

стр. 40

الثالث: دلالة الإيماء والتنبيه (١): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ (المائدة). قال السعدي ﵀: «دل على أن طهارة القلب سبب لكل خير، وهو أكبر داعٍ إلى كل قول رشيد وعمل سديد» (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم: «في قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ عقب قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، دليل على أن من لم يَدْعُه تضرعًا وخُفْيَة، فهو من المُعتدين الذين لايُحبهم، فقسمت الآية الناس إلى قسمين: داعٍ لله تضرعًا وخُفية، ومُعْتَدٍ بترك ذلك» (٣).

стр. 41

٣ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (الأعراف). قال السعدي ﵀: «فإن مَن لازَم على هذين الأمرين حين يُتلَى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرا، وعلمًا غزيرا، وإيمانًا مستمرًّا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه؛ ولهذا رَتَّب الله حصول الرحمة عليهما؛ فدل ذلك على أن من تُلي عليه الكتاب، فلم يستمع له ويُنْصِت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خيرٌ كثير» (١). ٤ - قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ (مريم). قال السعدي ﵀: «ولما كان مُفَارَقة الإنسان لوطنه ومَأْلَفِه وأهله وقومه من أشق شيء على النفس؛ لأمور كثيرة معروفة، ومنها انفراده عمن يتعزز بهم ويتكثر، وكان من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، واعتزل إبراهيم قومه، قال الله في حقه: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا﴾ ... -من إسحاق ويعقوب- ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾» (٢). وقال الشنقيطي ﵀ عند تفسير الآية: «بين تعالى ... أن اعتزال الكفار والأوثان والبراءة منهم من فوائده: تفضل الله تعالى بالذرية الطيبة الصالحة» (٣).

стр. 42

٥ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ (طه). قال ابن القيم ﵀: «وظاهر الآية أن الحامل لموسى على العجلة هو طلب رضا ربه، وأن رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها؛ ولهذا احتج السلف بهذه الآية على أن الصلاة في أول الوقت أفضل؛ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر ذلك، قال: إن رضا الرب في العجلة إلى أوامره» (١). النوع الثاني: «دلالة المفهوم» (٢): وهو قسمان: ١ - مفهوم الموافقة (٣)؛ وهو نوعان: الأول: الأَوْلَوي (٤): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (البقرة: ٩٣).

стр. 43

قال شيخ الإسلام ﵀: «أي أُشرِبوا حُبَّه، فإذا كان المخلوق الذي لا تجوز به محبته قد يُحِبه القلب حُبًّا يجعل ذلك شرابًا للقلب، فحُب الربّ تعالى أن يكون شَرابًا يشربه قلوب المؤمنين أولى وأحرى» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ (البقرة). قال ابن كثير ﵀: «روى ابن أبي حاتم ... عن وُهَيْب بن الورد، أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق ألا يتقبل منك! » (٢)؛ يعني: أنه مع منزلته وعِظَم عمله هذا مُشْفِق، فغيره من باب أولى. ٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ (البقرة)

стр. 44

قال الشنقيطي ﵀: «قال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله آية الدَّيْن، وهي أطول آية في القرآن العظيم، وقد أوضح الله ﵎ فيها الطُّرُقَ الكفيلةَ بصيانة الدَّيْنِ من الضياع ولو كان الدَّيْنُ حقيرًا؛ كما يدل عليه قوله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ الآية (البقرة: ٢٨٢)؛ قالوا: هذا من المحافظة في آية الدَّيْنِ على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه ولو قليلًا يدل على العناية التَّامَّةِ بمصالح المسلم، وذلك يدل على أن اللَّطيف الخبير لا يُضَيِّعُهُ يوم القيامة عند اشتداد الهولِ، وشدة حاجته إلى ربه» (١). يعني: أنه إذا احترز لماله من أجل حِفْظِه؛ فذلك يدل على أن حِفْظ عبده المؤمن من باب أولى. ٤ - قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (آل عمران: ١٧). قال شيخ الإسلام ﵀: «قد أمر الله سبحانه عباده أن يَخْتِمُوا الأعمال الصالحات بالاستغفار؛ فكان النَّبِيُّ ﷺ إذا سلَّمَ من الصلاة يستغفر ثلاثًا ويقول: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (٢)؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالأسحار. وكذلك ختم سورة المزمل -وهي سورة قيام الليل- بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (المزمل)» (٣).

стр. 45

وإذا كان ذلك بعد هذه الطاعات؛ فإنه يكون بعد التقصير والمعصية أولى وآكد. ٥ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ (٣٢)﴾ (النساء). قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «فإذا كان هذا النهي - بنص القرآن - عن مجرد التمني، فكيف بمن ينكر الفوارق الشرعية بين الرجل والمرأة، وينادي بإلغائها، ويطالب بالمساواة، ويدعو إليها باسم المساواة بين الرجل والمرأة؟ ! » (١). ٦ - قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥). قال ابن مفلح ﵀ (٢): «وإذا كان توقف القلب عن الرضا بحكم الرسول ﷺ يُخْرِج عن الإيمان، فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على الله تعالى؟ ! » (٣). ٧ - قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (الأعراف: ٢١). قال ابن كثير ﵀ في تفسير الاستعاذة: «وقد أقسم للوالد: إنه لمن الناصحين، وكذب، فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (ص)؟ ! » (٤).

стр. 46

٨ - قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٥، ٦٦). قال ابن تيمية ﵀: «وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وآياته وبرسوله كفر، فالسَّبّ المقصود بطريق الأولى» (١). ٩ - قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ (التوبة). قال العز بن عبد السلام ﵀: «إذا أحب مولاك المتطهرين من الأحداث والأنجاس، فما الظن بمن تطهر من الذنوب والأدناس؟ ! » (٢). ١٠ - قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ (يوسف). قال الطنطاوي ﵀: «كيف تُبرّئ نفسك وهناك من هو خير منك؛ يوسف ﵇ يقول عن النساء: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (يوسف: ٣٣)» (٣). ١١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (طه).

стр. 47

قال ابن القيم ﵀: «فإذا كان هذا حال المُعرِض عنه، فكيف حال المُعَارِض له بعقله أو عقل من قَلَّده وأحسن الظن به؟ ! فكما أنه لا يكون مؤمنًا إلا من قَبِلَه وانقاد له، فمن أعرض عنه وعارضه من أبعد الناس عن الإيمان به» (١). ١٢ - قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ (الروم). قال السعدي ﵀: «فإذا كانت الأرض الخاشعة الخالية من كل نبت إذا أنزل الله عليها المطر اهتزت ورَبَت وأنبتت من كل زوج بهيج، واختلط نبتها، وكثرت أصنافه ومنافعه؛ جعله الله تعالى من أعظم الأدلة الدالة على سعة رحمته وكمال قدرته، وأنه سيُحيي الموتى للجزاء -فالدليل في القلب الخالي من العلم والخير حين يُنزل الله عليه غيث الوحي فيهتز بالنبات ويُنْبِت من كل زوج بهيج من العلوم المختلفة النافعة، والمعارف الواسعة، والخير الكثير، والبِرّ الواسع، والإحسان الغزير، والمحبة لله ورسوله، وإخلاص الأعمال الظاهرة والباطنة لله وحده لا شريك له، والخوف والرجاء، والتضرع والخشوع لله، وأنواع العبادات، وأصناف التَّقَرُّبات، والنُّصْح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وغير ذلك من العلوم والأعمال الظاهرة والباطنة، والفتوحات الربانية مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر-: أعظم من الأرض بكثير على سعة رحمة الله، وواسع جوده، وتنوع هِبَاته، وكمال اقتداره وعزته، وأنه يُحيي الموتى للجزاء، وأن عنده في الدار الأخرى من الخيرات والفضل ما لا يعلمه أحد غيره» (٢).

стр. 48

١٣ - قال تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾ (الأحزاب). قال ابن القيم ﵀: «فإذا سُئِل الصادقون وحُوسبوا على صدقهم، فما الظن بالكاذبين؟ ! » (١). ١٤ - قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (الأحزاب: ٣٢). إذا كان هذا الطمع في أمهات المؤمنين، فلا بد أن يكون في غيرهن بطريق الأولى؛ فإن الله اختار لنبيه أفضل النساء وأعفهن، ومع ذلك أمرهن بالحجاب ونهاهن عن الخضوع بالقول؛ صيانة لهن؛ فغيرهن أولى بالصيانة والتحفظ والبعد عن أسباب العهر والفتنة (٢). ١٥ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (الجمعة: ٩). قال السعدي ﵀: «أي: اتركوه في هذه الحالة التي أُمِرتم بالمُضِيّ فيها إلى الصلاة؛ وإذا أُمر بترك البيع الذي ترغب فيه النفوس، وتحرص عليه، فترك غيره من الشواغل من باب أولى؛ كالصناعات وغيرها» (٣). ١٦ - قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ (الشمس).

стр. 49

قال شيخ الإسلام ﵀: «إذا كان هذا عذابه لهؤلاء، وذنبُهم مع الشركِ عقرُ الناقة التي جعلها الله آية لهم، فمن انتهك محارم الله، واستخف بأوامره ونواهيه، وعقر عِبَادَه وسَفَك دماءهم، كان أشد عذابًا» (١). ١٧ - قال تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ (التكاثر). إذا كانت الإقامة في القبر مجرد زيارة مع أنها قد تمتد آلاف السنين، فَبِم نَصِف إقامتنا في الدنيا التي لا تتجاوز عدد سنين؟ ! تأمل: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ (المؤمنون: ١١٣)، فيا طول حسرة المُفَرِّطين! (٢). ١٨ - قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (الماعون). قال الطبري ﵀: «ويمنعون الناس منافع ما عندهم، وأصل الماعون من كلّ شيء منفعته؛ يقال للماء الذي ينزل من السحاب: ماعون» (٣)، فإذا كانوا يمنعون ما لايتضررون ببذله، فهم لما سواه أمنع. الثاني: المُسَاوي (٤): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ (النساء).

стр. 50

قال السعدي ﵀: «يُؤْخَذ من المعنى: أن كل من له تَطَلُّع وتَشَوُّف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ (المائدة). قال السعدي ﵀: «فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب، والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لايوفق للصواب، ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لابد أن يُبتلى بالخيانة، نسأل الله العافية» (٢).

стр. 51

٢ - مفهوم المخالفة (١)، وهو أنواع: الأول: مفهوم الحصر (٢): التطبيق: قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ (الإنسان). قال شيخ الإسلام ﵀: «ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثَّناء، خرج من هذه الآية؛ فإن في الحديث الذي في سنن أبي داود: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه» (٣)؛ ولهذا كانت عائشة إذا أرسلت إلى قومٍ بهدية تقول للرسول: اسمع ما دَعَوا به لنا؛ حتى ندعو لهم بمثل ما دَعَوا ويبقى أجرنا على الله» (٤) (٥).

стр. 52

الثاني: مفهوم الصفة (١): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ (آل عمران). «دلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيًّا، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيُه وخاب عمله، وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مُونِقَة بمنظرها ولا منفعة بثمرها؛ ولهذا قال ﵊: «نعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع» (٢)» (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ (القصص). قال ابن هبيرة ﵀: «إيثار ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء؛ فمن كان هكذا فهو عالم، ومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم» (٤).

стр. 53

٣ - قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٦). قال ابن القيم ﵀: «وهذا دليل ظاهرٌ أن الذي نراه مُعارِضًا للنقل، ويُقَدِّم العقل عليه، ليس من الذين أوتوا العلم في قَبِيل ولا دَبِير، ولا قليل ولا كثير» (١). ٤ - قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ (المطففين). قال ابن كثير ﵀: «قال الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵀: «في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ». وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحُسْن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية؛ كما دل عليه منطوق قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: ٢٢ - ٢٣)» (٢).

стр. 54

ثانيًا: العموم والخصوص (١): ويلحق بذلك: حَمْل المُشْتَرَك (٢) على معنييه أو معانيه، ومَرْجِعُ الاستثناء، وذِكْرُ العام بعد الخاص، والعكسُ. التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (الفاتحة) (٣). في وجه ذكر الاستعانة بعد العبادة دون غيرها؛ قال ابن القيم ﵀: «الناس في هذين الأصلين -وهما العبادة والاستعانة- أربعة أقسام: أَجَلّها وأفضلها: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، فعبادة الله غاية مُرَادِهم، وطلبهم منه أن يعينهم عليها، ويوفقهم للقيام بها؛ ولهذا كان من أفضل ما يُسْأَل الرب ﵎ الإعانة على مرضاته،

стр. 55

وهو الذي علمه النبي ﷺ لِحِبِّه معاذ بن جبل ﵁، فقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تَنْسَ أن تقول دُبُر كل صلاة: اللهم أعني على ذِكْرِك وشُكرك وحُسْن عبادتك» (١). فأنفع الدعاء: طلب العَون على مرضاته، وأفضل المواهب: إسعافه بهذا المطلوب، وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دَفْع ما يُضَاده، وعلى تكميله وتيسير أسبابه، فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله رُوحه: تَأَمَّلْتُ أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيتُه في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾» (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ (الإسراء). قال ابن القيم ﵀ أخذًا من العموم في قوله: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ (٣): «فما ظن من اتخذ غير الرسول إمامَهْ، ونبذ سنته وراء ظهره وجعل خواطر الرجال وآراءها بين عينيه وأمامه، فسيعلم يوم العَرْض أي بضاعة أضاعْ، وعند الوزن ماذا أحضر من الجواهر أو خُرْثِيّ (٤) المتاعْ» ا. هـ (٥).

стр. 56

٣ - قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (الكهف: ٣٩). قال ابن هبيرة ﵀: «ما قال: (ما شاء الله كان) ولا: (يكون)، بل أطلق اللفظ؛ لِيَعُم الماضي والمستقبل والراهن» (١). ٤ - قال تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ (مريم). في وجه تخصيص السلام عليه في هذه المواطن الثلاثة؛ قال ابن كثير ﵀: «قال سفيان بن عيينة ﵀: أَوْحَش ما يكون الخَلْق في ثلاثة مواطن: يوم وُلِد؛ فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت؛ فيرى قومًا لم يكن عَايَنَهم، ويوم يُبعَث؛ فيرى نفسه في مَحْشَر عظيم؛ قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه» (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ (الأنبياء). في وجه تخصيص علمه بالجهر من القول مع أن ذلك لا يخفى؛ قال ابن هبيرة ﵀: «المعنى أنه إذا اشتدت الأصوات وتَغَالَبَت، فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان، والله يسمع كلام كل شخص بعينه، ولا يشغله سمعٌ عن سمع» (٣).

стр. 57

٦ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ (النمل). قال السبكي ﵀: «فإن الله تعالى آتى داود وسليمان من نعم الدنيا والآخرة ما لا يَنْحَصِر، ولم يذكر من ذلك -في صدر الآية- إلا العلم؛ ليبين أنه الأصل في النعم كلها» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ (الواقعة). قال ابن القيم ﵀: «تَذْكِرَة تُذْكَر بها الآخرة، ومنفعة للنازلين بالقَوَاءِ -وهم: المسافرون؛ يقال: أقوى الرجل: إذا نزل بالقِيِّ والقَوَى؛ وهي الأرض الخالية- وخص المُقْوِين بالذكر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين؛ تنبيهًا لعباده -والله أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم فى هذه الدار على جناح سفر، ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين» (٢). ٨ - قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (الكوثر). قال السعدي ﵀: «خص هاتين العبادتين بالذِّكْر؛ لأنهما من أفضل العبادات وأَجَلّ القُرُبَات؛ ولأن الصلاة تتضمن الخضوع في القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر تَقَرُّب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جُبِلَت النفوس على محبته والشح به» (٣).

стр. 58

٩ - قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق: ٥). قال ابن القيم ﵀: «العائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد؛ ولهذا -والله أعلم- إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن؛ لأنه أعم، فكل عائن حاسد ولا بد، وليس كل حاسد عائنًا، فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته» (١). ثالثًا: الإطلاق والتقييد (٢): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (الفاتحة: ٥). قال ابن القيم: «وصاحب التَّعَبُّد المُطْلَق ليس له غرض في تَعَبُّدٍ بعينه يُؤْثِره على غيره، بل غرضه تَتَبُّع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تَعَبُّده عليها، فهو لايزال مُتَنَقِّلًا في منازل العبودية، كلما رُفِعَت له مَنْزِلَة، عمل على سَيرِه إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السَّيْر حتى ينتهي سَيْره؛ فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العُبَّاد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم ... فهذا هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم، ولم تُقيده القيود، ولم يكن عمله على مُرَاد نفسه، وما فيه لذتها وراحتها من العبادات، بل هو على مُرَاد ربه ولو كانت راحة نفسه ولذتها في سواه.

стр. 59

فهذا هو المُتَحَقِّق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ حقًا، القائم بهما صدقًا، مَلْبَسه ما تهيأ، ومأكله ما تيسر، واشتغاله بما أمر الله به في كل وقت بوقته، ومجلسه حيث انتهى به المكان ووجده خاليًا، لا تملكه إشارة، ولايتعبده قَيْد، ولا يستولي عليه رَسْم، حُرٌّ مُجرد، دائر مع الأمر حيث دار، يَدِين بدين الآمر أَنَّى توجهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مَضَارِبه، يَأْنَس به كل مُحِقّ، ويستوحش منه كل مُبْطِل؛ كالغيث حيث وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغِلْظَة منه على المخالفين لأمر الله، والغضب إذا انْتُهِكَت محارم الله. فهو لله وبالله ومع الله، قد صَحِب الله بلا خَلْق، وصَحِب الناس بلا نَفْس. بل إذا كان مع الله عَزَل الخلائق عن البَيْن وتَخلَّى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتَخَلَّى عنها، فواهًا له! ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أُنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الانفطار). قال ابن القيم ﵀: «لا تظن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دُورِهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دُورِهم الثلاثة، وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بِرّ القلب، وسلامة الصدر، ومعرفة الرب ﵎ ومحبته، والعمل على موافقته» (٢).

стр. 60

رابعًا: ما يُسْتَفَاد من بعض القواعد في التفسير (١)؛ مثل: ١ - قاعدة: «عَسَى» من الله واجبة: توضيح القاعدة: أي أن «عَسَى» إذا جاءت من قول الله تعالى، فإن ذلك يعني أنها مُتَحَقِّقَة الوقوع؛ وذلك جَرْيًا على عادة العرب؛ حيث إن العظيم منهم يُخرج الوعد بمثل هذه العبارة وهو يُريد تحقيقه. مع أن أصل معناها التَّرجِّي، لكنه غير مُراد هنا (٢). التطبيق: قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ (المائدة). قال الشنقيطي ﵀: «وبَيَّن في هذه الآية: أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، أنها لاتدور إلا على اليهود والكفار، ولا تدور على المسلمين بقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ الآية. و «عَسى» من الله نافذة؛ لأنه العظيم الذي لا يُطْمِع إلا فيما يُعْطِي» (٣).

стр. 61

٢ - الحُكْم المُعَلَّق على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه (١): توضيح القاعدة: إذا وقع الحمد أو الذم أو الوعد أو الوعيد على جِنْسِ فِعْلٍ من الأفعال أو وَصْف من الأوصاف، فإنه يحصل للمُكَلَّف من ذلك الحمد أو الذم أو الجزاء بقدر نصيبه من ذلك الفعل أو الوصف ومدى تَحَقُّقِه فيه، فيزداد بزيادته وكماله، وينقص بنقصه وضعفه، وينعدم بانعدامه وزواله (٢). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ (آل عمران). قال السعدي ﵀: «دَلَّت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بِرُّه، وأنه يَنْقُص من بِرِّه بحسب ما نقص من ذلك» (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ (آل عمران). فللعبد من الرحمة بحسب ما يكون له من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران).

стр. 62

قال ابن القيم ﵀: «للعبد من العلوِّ بحسب ما معه من الإيمان! » (١). ٤ - قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ (آل عمران). قال ابن القيم ﵀: «وعلى قَدْر الشرك يكون الرُّعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفًا ورعبًا» اهـ (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (النساء). قال ابن القيم ﵀: «والتحقيق: ... أن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان، صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب مانقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مُؤَيَّد منصور مكفي مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها؛ إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته ظاهرًا وباطنًا؛ وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ (آل عمران)» (٣).

стр. 63

٦ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧). قال ابن القيم ﵀: «وهكذا المُبَلِّغون عنه من أمته؛ لهم من حِفْظ الله وعِصْمته إيَّاهُم بِحَسب قيامهم بِدِينِهِ وتبليغهم له» اهـ (١). ٧ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (الأنعام: ٣٦). فبقدر الإقبال بالأسْمَاع على الوحي والهدى تكون الاستجابة. ٨ - قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام). «دلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به» (٢). ٩ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀: «فيه تنبيه ظاهر على أن فِعْل المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته، ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أُمروا به من دعائه خوفًا وطمعًا، فَقُرْب مطلوبكم منه -وهو الرحمة-

стр. 64

بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم؛ فإن الله تعالى هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم» (١). ١٠ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ (الأنفال). قال ابن القيم ﵀: «الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله ﷺ ، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة، فلا حياة له، وإن كانت له حياة بهيمية مُشْتَرَكَة بينه وبين أرذل الحيوانات؛ فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا. فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول ﷺ ؛ فإن كل ما دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول ﷺ » (٢). ١١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ (الأنفال). قال ابن القيم ﵀: «ومن الفرقان: النور الذي يُفَرِّق به العبد بين الحق والباطل، وكلما كان قلبه أقرب إلى الله كان فرقانه أتم» اهـ (٣).

стр. 65

١٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ (الأنفال). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أي: الله كافيك، وكافي من اتبعك من المؤمنينَ، فلو كانت كِفَايَته للْمُؤْمِنين المُتبعين للرسول؛ سَوَاء اتَّبعُوهُ أو لم يتبعوه لم يكن للإيمَان واتِّبَاع الرَّسُول ثَمَّ أثر في هذه الكِفَايَة، ولا كان لتخصصهم بذلك معنى، وكان هذا نَظِير أن يقال: هو خالقك وخالق من اتبعك من المؤمنينَ، ومعْلُوم أن المُرَاد خلاف ذلك ... والله تعالى إذا وعد على العمل بوعد أو خص أهله بكرامة فلا بد أن يكون بين وجود ذلك العمل وعَدَمه فَرْق في حُصُول تلك الكرامة، وإن كان قد يحصل نظيرها بسبب آخر، فقد يَكْفِي الله بعض من لم يتوكل عليه كالأطفال، لكن لا بد أَن يكون للمتوكل أثر في حصول الكفاية الحاصلة للمتوكلين، فلا يكون ما يحصل من الكفاية بالتوكل حاصلا مُطلقًا وإن عدم التَّوَكُّل» اهـ (١). ١٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ (التوبة). قال ابن كثير ﵀: «فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله» (٢).

стр. 66

١٤ - قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ (يونس). فبقدر ما يكون للعبد من الإيمان والتقوى يكون له من ولاية الله تعالى، وكذلك يكون انتفاء الخوف والحزن عنه بحسب ما له من ولاية الله التي مبناها على الإيمان والتقوى. ١٥ - قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: ٧). فعلى قدر تحقيق الشكر تكون الزيادة؛ فـ «الشكر جَلَّاب النعم، ومُوْجِب للمزيد» (١). ١٦ - قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ (طه). قال الشنقيطي ﵀: «يعم الشرك وغيره من المعاصي، وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم» (٢). ١٧ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (طه). قال ابن القيم ﵀: «فإنه سبحانه رتَّب المعيشة الضَّنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعَّم في الدُّنيا بأصناف النِّعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب، والأماني الباطلة

стр. 67

والعذاب الحاضر ما فيه، وإنَّما يواريه عنه سكرات الشَّهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يُفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إِلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات. فالمعيشة الضَّنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده، ولا تقر العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس؛ إلا بإلاهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل، فمن قَرَّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات، والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن به وعمل صالحًا» (١). ١٨ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ (الحج). قال ابن القيم ﵀: «وفي القراءة الأخرى: ﴿إن الله يَدْفَع﴾ (٢)، فَدَفْعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله، ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وأكثر ذِكْرًا، كان دَفْع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نَقَص نُقِص؛ ذِكْرًا بِذِكْر، ونسيانًا بنسيان» (٣).

стр. 68

١٩ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩). قال ابن القيم ﵀: «علَّق سبحانه الهداية بالجهاد؛ فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا؛ فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سُبُل رضاه المُوصِلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عَطَّل من الجهاد» (١). ٢٠ - قال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ (لقمان). فللعبد من الاهتداء بالقرآن بقدر ما يتحقق فيه من وصف الإحسان؛ كما يكون له من الهدى بحسب ما يكون عليه من الاتصاف بالأوصاف المذكورة للمحسنين (٢). ٢١ - قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ (محمد). قال ابن القيم ﵀: «فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جُنْد من جنود الله، يحفظهم بها ولا يفردها عنهم ويَقْتَطِعها عنهم فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم؛ إذ كانت لغيره ولم تكن مُوَافِقَة لأمره» (٣).

стр. 69

٢٢ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (الحشر). قال ابن عاشور ﵀: «فمن وُقي شُحَّ نفسه؛ أي: وُقِي من أن يكون الشُّح المذموم خُلُقًا له؛ لأنه إذا وُقِي هذا الخُلُق سَلِم من كل مَوَاقع ذَمِّه، فإن وُقِي من بعضه كان له من الفلاح بمقدار ما وُقِيَه» اهـ (١). ٢٣ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ (المنافقون). قال ابن القيم ﵀: «فله من العِزّة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حَظّ من العلو والعِزّة ففي مُقَابلة ما فاته من حقائق الإيمان؛ عِلْمًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا» اهـ (٢). ٢٤ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق: ٢، ٣). فيكون للعبد من الفرج والخروج من الشدة وحصول الرزق، بحسب تقواه (٣). ٢٥ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣). فيكون للعبد من الكفاية بحسب توكله (٤).

стр. 70

٢٦ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (الليل). «ودخول النَّقْص بحسب نُقصانها أو بعضها؛ فمن الناس من يكون قوة إعطائه وبذله أتم من قوة انكفافه وتركه، فقوة الترك فيه أضعف من قوة الإعطاء، ومن الناس من يكون قوة الترك والانكفاف فيه أتم من قوة الإعطاء والمنع، ومن الناس من يكون فيه قوة التصديق أتم من قوة الإعطاء والمنع، فَقُوَّتُه العلمية والشُّعُورية أتم من قوته الإرادية وبالعكس، فيدخل النقص بحسب مانقص من قوة هذه القوى الثلاث، ويفوته من التيسير لليُسْرَى بحسب ما فاته منها، ومن كملت له هذه القوى يُسِّر لكل يُسرى» (١). ٢٧ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ (الشرح). قال ابن القيم ﵀: «شَرَح الله صدر رسوله أَتَمَّ الشَّرْح، ووَضَع عنه وِزْرَه كل الوضع، وَرَفَع ذِكْره كل الرفع، وجعل لأتباعه حظًّا من ذلك؛ إذ كل مَتْبُوع فلأتباعه حظ ونصيب من حظ متبوعهم في الخير والشر؛ على حسب اتباعهم له. فأَتْبَعُ الناس لرسوله ﷺ أشرحهم صدرًا، وأَوْضَعهم وِزْرًا، وأرفعهم ذِكْرًا، وكلما قويت متابعته علمًا وعملًا وحالًا وجهادًا، قويت هذه الثلاثة حتى يصير صاحبُها أشرحَ الناس صدرًا، وأرفعهم في العالمين ذِكْرًا. وأما وَضْع وِزْره فكيف لا يُوضَع عنه ومن في السموات والأرض ودَوَابّ البر والبحر يستغفرون له؟ ! » (٢).

стр. 71

٣ - زيادة المبنى لزيادة المعنى (١): توضيح القاعدة: «جميع ألفاظ القرآن دالة على معانٍ بليغة، وحِكَم وأحكام بديعة، ومن هنا فإن القرآن مُنَزَّه عن أن يقع فيه لفظ لا معنى له. ومن ثَمّ فإن أي زيادة تَطْرَأ على اللفظ في كتاب الله تعالى، فإنما تدل على معنى زائد على ما يدل عليه اللفظ دونها. وسواء في ذلك ما إذا كانت هذه الزيادة حرفًا، أم كانت زيادة في وزن الكلمة، أو تضعيفها» (٢). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ (البقرة). قال السعدي ﵀: «وفي الإتيان بـ «كسب» في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه، بل بمجرد نية القلب، وأتى بـ «اكتسب» في عمل الشر؛ للدلالة على أن عمل الشر لايكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه» (٣).

стр. 72

٢ - قال تعالى في حكاية قول الخضر لموسى ﵇: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ (الكهف)، ثم قوله بعد ذلك في قصة قتل الغلام: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ (الكهف). قال الغرناطي ﵀: «للسائل أن يسأل عن الفَرْق المُوجِب لزيادة «لك» في هذا القول الثاني؟ والجواب: أن الخضر قد كان قال لموسى حين قال له موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ (الكهف)، فلما كان من موسى عند خرق السفينة ما كان من الإنكار بقوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ (الكهف)، ذَكَّره الخضر بما كان قد قاله له من غير أن يزيده على إيراد ما كان قد قاله، فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾، فاعتذر موسى ﵇ بقوله: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾، فلما وقع منه بعد ذلك إنكار قتل الغلام بقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، وأبلغ في وصف الفعلة بقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ قَابَل الخضر ذلك بتأكيد الكلام المُتَقَدِّم، فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾، فالضمير المجرور بيانٌ جيء به تأكيدًا؛ لِيُقَابَل بالكلام ما وقع جوابًا له من قول موسى ﵇ زيادةً للتناسب» (١).

стр. 73

٤ - حذف المُقْتَضَى --المُتَعَلَّق- يفيد العموم النِّسْبِي (١): توضيح القاعدة: «المُقْتَضَى» بالفتح هو المحذوف، أما بالكسر فهو الكلام المُحْتَاج إلى إضمار. وقولنا: «يفيد العموم النسبي»؛ أي: يفيد تعميم المعنى المُنَاسِب له (٢). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ (المجادلة). حيث لم يُقَيِّد ذلك الفَسْح بكونه في الرزق أو الصدر أو القبر أو الجنة أو غير ذلك. ومن هنا «دل قوله تعالى: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ (١١)﴾ (المجادلة)، على أن كل من وَسَّع على عباد الله أبواب الخير والراحة وَسَّع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للعاقل أن يُقيد الآية بالتفَسُّح والتوسُّع في المجلس، بل المُراد منه إيصال أي خير إلى المسلم، وإدخال السرور في قلبه» (٣).

стр. 74

٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (الانفطار). حيث لم يُقيد هذا النعيم هنا في كونه في الدنيا أو البرزخ أو الآخرة، مع أن ما بعده مُشْعِر أنه في الآخرة. قال ابن القيم ﵀: «لا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دُورهم الثلاثة كذلك -أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار- فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ ! وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل وادٍ منه شعبة؟ ! وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (الإخلاص). حيث لم يقيد أحديته تعالى بذاته، أو صفاته ... إلخ. قال السعدي ﵀: «أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المُقَدَّسَة، الذي لا نظير له ولا مثيل» (٢).

стр. 75

٥ - الأوصاف المُخْتَصَّة بالإناث إذا أُريد بها الوصف، جُرِّدت من التاء، وإذا أُريد به المُبَاشَرة، أُلحِقَت بها التاء (١): التطبيق: قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ (الحج: ٢). «فإن قلت: لم قيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ دون (مُرضع)؟ قلت: المُرضعة التي هي في حال الإرضاع مُلْقِمَة ثَديَها الصبي، والمُرضِع: التي من شأنها أن تُرضع، وإن لَم تُباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾؛ ليدل على أن ذلك الهَول إذا فُوجئت به هذه وقد أَلْقَمَت الرضيع ثديها، نزعته عن فيه؛ لِمَا يلحقها من الدَّهْشَة» (٢).
следующие страницы →