٩ - قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ (الإسراء).
المعنى الظاهر:
«وكُنْ لأمك وأبيك ذليلًا متواضعًا رحمة بهما، واطلب من ربك أن يرحمهما برحمته الواسعة أحياءً وأمواتًا، كما صبرا على تربيتك طفلًا ضعيف الحول والقوة» (١).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال السعدي ﵀: «وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة -غير الأبوين-، فإن له على من ربَّاه حقَّ التربية» (٢).
١٠ - قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ (الأنبياء).
المعنى الظاهر:
«لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله تُدَبِّر شؤونهما، لاختلَّ نظامهما، فتنزَّه الله رب العرش، وتقدَّس عَمَّا يصفه الجاحدون الكافرون، من الكذب والافتراء وكل نقص» (٣).
стр. 212
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال ابن القيم ﵀: «كما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا؛ كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢)، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يُرجى صلاحه؛ إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه، ويتوكل عليه وينيب إليه» (١).
١١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ (القصص).
المعنى الظاهر:
«ولما قصد موسى بلاد (مَدْيَن) وخرج من سلطان فرعون قال: عسى ربي أن يرشدني خير طريق إلى (مَدْيَن)» (٢).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال السعدي ﵀: «إن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب مَنْ هذه حاله» (٣).
١٢ - قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ (الروم).
стр. 213
المعنى الظاهر:
«فانظر -أيها المُشاهِد- نَظَر تَأَمُّل وتَدَبُّر إلى آثار المطر في النبات والزروع والشجر، كيف يُحيي به الله الأرض بعد موتها، فينبتها ويُعْشِبُها؟ إن الذي قَدَر على إحياء هذه الأرض لمُحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير لا يُعْجِزُه شيء» (١).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال السعدي ﵀: «فإذا كانت الأرض الخاشعة الخالية من كل نَبْت إذا أنزل الله عليها المطر اهتزت ورَبَت وأنبتت من كل زوج بهيج، واختلط نَبْتُها وكثرت أصنافه ومنافعه جعله الله تعالى من أعظم الأدلة الدالة على سعة رحمته وكمال قدرته، وأنه سَيُحْيي الموتى للجزاء؛ فالدليل في القلب الخالي من العلم والخير حين يُنزل الله عليه غيث الوحي فيهتز بالنبات ويُنبت من كل زوج بهيج من العلوم المختلفة النافعة، والمعارف الواسعة، والخير الكثير، والبِرّ الواسع، والإحسان الغزير، والمحبة لله ورسوله، وإخلاص الأعمال الظاهرة والباطنة لله وحده لا شريك له، والخوف والرجاء والتضرع والخشوع لله، وأنواع العبادات، وأصناف التقربات، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وغير ذلك من العلوم والأعمال الظاهرة والباطنة، والفتوحات الربانية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ أعظم من الأرض بكثير على سعة رحمة الله، وواسع جُودِه، وتَنَوّع هِبَاته، وكمال اقتداره وعزته، وأنه يحيي الموتى للجزاء، وأن عنده في الدار الأخرى من الخيرات والفضل ما لا يعلمه أحد غيره» (٢).
стр. 214
١٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (يس: ١٢).
المعنى الظاهر:
«إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة» (١).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال ابن كثير ﵀: «أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ (الحديد)» (٢).
١٤ - قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (الواقعة: ٧٣).
المعنى الظاهر:
«نحن جعلنا ناركم التي توقدون تذكيرًا لكم بنار جهنم ومنفعة للمسافرين» (٣).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال ابن القيم ﵀: «تذكرة تُذْكَر بها الآخرة، ومنفعة للنازلين بالقَواءِ وهم المسافرون؛ يقال: أقوى الرجل: إذا نزل بالقِيِّ والقَوَى وهي الأرض الخالية، وخص المُقْوِين بالذِّكْر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين؛ تنبيهًا لعباده -والله
стр. 215
أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم فى هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين» (١).
١٥ - قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (الواقعة).
المعنى الظاهر:
«لا يَمَسُّ القرآن إلا الملائكة الكرام الذين طهرهم الله من الآفات والذنوب» (٢).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال شيخ الإسلام ﵀: «كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين» (٣).
قال ابن القيم ﵀: «ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المُتَلَوِّث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي.
قال البخاري في «صحيحه» في هذه الآية: «لا يجد طعمه إلا من آمن به» (٤)، وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره
стр. 216
إلا من شهد أنه كلام الله، تكلم (به) (١) حقًّا، وأنزله على رسوله وحيًا، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه حرج منه بوجه من الوجوه، فمن لم يؤمن بأنه حق من عند الله، ففي قلبه منه حرج، ومن لم يؤمن بأن الله سبحانه تكلم به وحيًا وليس مخلوقًا من جملة مخلوقاته، ففي قلبه منه حرج، ومن قال: إن له باطنًا يخالف ظاهره، وإن له تأويلًا يُخالِف ما يُفْهَم منه ففي قلبه منه حرج، ومن قال: إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما نتلوه متعبدين بألفاظه ففي قلبه منه حرج.
وأنت إذا تأملت قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وأعطيت الآية حقها من دلالة اللفظ وإيمائه وإشارته وتنبيهه وقياس الشيء على نظيره واعتباره بِمُشاكِله وتأملت المشابهة التي عقدها الله سبحانه وربطها بين الظاهر والباطن- فهمت هذه المعاني كلها من الآية وبالله التوفيق» (٢).
وقال في موضع آخر: «وأنت إذا تأمَّلت قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (الواقعة)، وجدت الآية من أظهر الأدلة علَى نبوة النبي ﷺ ، وأنَّ هذا القرآن جاء من عند الله، وأنَّ الذي جاء به رُوح مُطهَّر، فما للأَرواح الخبيثَة عليه سبيل؛ ووجدت الآية أُختَ قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ (الشعراء)، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ (الشعراء)، ووجدتها دالة بأحسن الدَّلالَة على أنَّه لا يَمس المصحف إلا طاهر، ووجدتها دالة أيضًا بِألطف الدَّلالَة على أنَّه لا يجد حلاوته وطعمه إلا من آمن به وعمل به، كما
стр. 217
فَهمه البخاري من الآية فقال في صحيحه في باب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ (آل عمران): ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ لا يَجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالْقرآن، ولا يحمله بحقه إلا الْمؤمن؛ لقَوله تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: ٥)، وتجد تحته أيضًا أَنَّه لا ينال معانيَه ويفهمُهُ كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه مصروفة عنه، فتأمَّل هذا النَّسَب القريب وعَقْد هذه الأُخُوَّة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية واستنباط هذه المعاني كلها من الآية بِأحسنِ وجهٍ وأبينِهِ، فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي ﵁ (١)».
وقال: «فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: لكن تَدل الآية بإشارتها على أنَّه لا يَمس المصحف إِلا طاهر؛ لأنَّه إذا كانت تلك الصحف لا يمسها إلا المُطهَّرون، لِكرامتها على الله، فهذه الصحف أولى ألَّا يمسها إلا طاهر» (٢).
وقال أيضًا ﵀: «فحقيقة هذا أنه لا يمس محله إلا المُطَهَّر، وإشارته أنه لايجد حلاوته ويذوق طعمه ويباشر حقائق قلبه إلا القلب المُطَهَّر من الأنجاس والأدناس، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في صحيحه؛ فهذه من أصح الإشارات» (٣).
стр. 218
١٦ - قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ (الكوثر).
المعنى الظاهر:
«إن مبغضك ومبغض ما جئت به من الهدى والنور، هو المُنْقَطِع أثره المقطوع من كل خير» (١).
ما يؤخذ من إشارة الآية:
قال شيخ الإسلام ﵀: «فمن شَنَأ شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ، فله من ذلك نصيب؛ ولهذا قال أبو بكر بن عَيَّاش: ... أهل السنة يبقون ويبقى ذِكْرُهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذِكْرُهم.
وذلك أن أهل البدعة شَنَؤُوا بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، فأبترهم بقدر ذلك، والذين أعلنوا ما جاء به النبي ﷺ ، فصار لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: ٤)، فإن ما أكرم الله به نبيه من سعادة الدنيا والآخرة، فللمؤمنين المُتابعين نصيب بقدر إيمانهم، فما كان من خصائص النبوة والرسالة، فلم يشارك فيه أحد من أمته، وما كان من ثواب الإيمان والأعمال الصالحة، فلكل مؤمن نصيب بقدر ذلك» (٢) ا. هـ.
وقال: «أهل السنة يموتون ويحيا ذِكْرُهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فكان لهم نصيب من قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح: ٤)، وأهل البدعة شَنَؤُوا ما جاء به الرسول ﷺ ؛ فكان لهم نصيب من قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر: ٣)» (٣).
стр. 219
الباب السادس
التدبُّر العملي
стр. 220
التدبر العمليُّ نوعان:
الأول: التطبيق والعمل والامتثال (١)
التطبيق:
١ - من مفاتيح الرزق (تدبر عملي):
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (طه: ١٣٢).
قال ابن جُزَي ﵀: «كان بعض السلف إذا أصاب أهلَه خصاصة، قال: قوموا فصَلُّوا؛ بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية» (٢).
٢ - قال عبد الله بن إبراهيم الإسكافي (٣) ﵀: «حضرت مجلس المُهتدي (٤) وقد جلس للمظالم، فاستعداه رجل على ابن له، فأمر بإحضاره، فأُحضر وأقامه إلى جنب الرجل، فسأله عما ادعاه عليه، فأقر به، فأمره بالخروج له من حقه، فكتب له بذلك كتابًا، فلما فرغ، قال له الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما أنت إلا كما قال الشاعر:
حَكَّمْتُموه فقضى بينكمْ ... أبلجُ مِثْلُ القمرِ الزاهرِ
لا يقبلُ الرشوة في حُكمه ... ولا يبالي غَبَنَ الخاسر (٥)
стр. 221
فقال له المُهْتَدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، وأما أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت المصحف: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧)، فقال لي عمي: فما رأيت باكيًا أكثر من ذلك اليوم» (١).
٣ - قال ابن مفلح ﵀: «قَارِن بين تَأَدّب السلف بهدي القرآن وبين فعل بعض الناس مع علمائهم؛ قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: ما استأذنت قط على مُحدِّث! كنت أنتظر حتى يخرج إليّ، وتأولت قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (الحجرات: ٥)» (٢).
٤ - قال أحدهم: كان لي موعد بعد صلاة العشاء مع معصية، وفي صلاة العشاء قرأ الإمام قولَه تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: ٣٤)، فتذكرت ما أنا فيه من الخير والنعيم .. واستحييت، فأحمد الله على التوبة (٣).
٥ - قال أحدهم: أنا طالب علم، وذات مرة توقَّفْتُ عند قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩)، فبكيت كثيرًا على ضياع ليالٍ كثيرة في هذه الليالي الشاتية الطويلة، وأنا لم أشرّف نفسي بالانتصاب قائمًا لربي ولو لدقائق، فكان هذا البكاء مفتاحًا لبداية أرجو ألا تتوقف حتى ألقى ربي (٤).
стр. 222
٦ - قال يونس المكي ﵀: «زرع رجل من أهل الطائف زرعًا، فلما بلغ أَصَابَتْه آفة فاحترق، فدخلنا عليه نُواسيه عنه فبكى، وقال: والله ما عليه أبكي، ولكني سمعت الله ﵎ يقول: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (آل عمران: ١١٧)، فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني» (١).
٧ - كان أويس إذا نظرَ إلى الرؤوسِ المشويةِ يذكرُ هذه الآية: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾، فيقعُ مغشيًّا عليه؛ حتى يظنَّ الناظرون إليه أنه مجنونٌ (٢). ٨ - وكانَ لطاوس طريقانِ إذا رجعَ من المسجدِ أحدُهُما فيها روَّاس، وكان يرجعُ إذا صلَّى المغربَ، فإذا أخذَ الطريقَ الذي فيه الروَّاس لم يستطعْ أن يتعشى، فقيلَ لهُ: فقالَ: إذا رأيتُ الرؤوسَ كالحةً، لم أستطعْ آكلُ (٣).
٩ - وقال الأصمعيُّ: حدثنا الصقرُ بنُ حبيب (٤)
قالَ: مرَّ ابنُ سيرين بروَّاسٍ قد أخرجَ رأسًا، فغشي عليه (٥).
стр. 223
١٠ - عن عبد الله بن عمر أنه شرب ماء باردًا، فبكى واشتد بكاؤه، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: ذكرت آية في كتاب الله وهي قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (سبأ: ٥٤)، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئًا، شهوتهم الماء البارد، وقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (الأعراف: ٥٠) (١).
١١ - وأُتي الحسن بكُوز من الماء؛ ليفطر عليه، فلما أدناه إلى فيه بكى، وقال: ذَكَرتُ أُمنية أهل النار وقولهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (الأعراف: ٥٠)، وذكرت ما أُجيبوا به: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ (الأعراف) (٢).
١٢ - وعن إبراهيم النخعي قال: قَلّما قرأتُ هَذِهِ الآية إلا ذكرتُ بَرْدَ الشَّرَابِ، وقرأ: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ (سبأ: ٥٤) (٣).
١٣ - عن عبد الملك بن مروان، أنه شرب ماءً باردًا، فقطعه وبكى، فقيل: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ ! قال: ذكرت العطش يوم القيامة، وذكرت أهل النار وما مُنعِوا من ماء بارد الشراب، ثم قرأ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ (إبراهيم: ١٧) (٤).
стр. 224
١٤ - استقى محمد بن مصعب العابد (١) ماء، فسمع صوت البرادة فصاح، وقال لنفسه: من أين لك في النار برادة؟ ! ثم قرأ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ (الكهف: ٢٩) (٢).
١٥ - أُتي عبد الرحمن بن عوف ﵁ بعشائه وهو صائم، فقرأ: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ (المزمل)، فلم يزل يبكي حتى رُفِع طعامه، وما تعشى، وإنه لصائم (٣).
١٦ - أمسى الحسن صائمًا فأُتي بعشائه، فَعَرَضَت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ فَقَلَصَت يَدُه، وقال: ارفعوه، فأصبح صائمًا، فلما أمسى، أُتي بإفطاره، فَعَرَضَتْ له الآية، فقيل له: يا أبا سعيد، تهلك وتضعف! ! فأصبح اليوم الثالث صائمًا، فذهب ابنه إلى يحيى البَكَّاء وثابت البُنَاني ويزيد الضَّبي، فقال: أَدْرِكُوا أبي، فإنه هالك، فلم يزالوا به، حتى سقوه شربة ماء من سويق (٤).
стр. 225
١٧ - عن صالح المُرِّي (١) قال: كان عطاء السَّلِيمِي (٢)،
قد أضر بنفسه حتى ضعف، فقلت له: إنك قد أضررت بنفسك، وأنا متكلف لك بشيء، فلا ترد كرامتي، قال: أَفْعَل، قال: فاشتريت سويقًا، من أجود ما وجدت، وسمنًا، قال: فجعلت له شُرَيبة، فَلَتَّيْتُها وحَلَّيْتُها، وأرسلت بها مع ابني وكُوزًا من ماء، فقلت له: لا تبرح حتى يشربها، فرجع فقال: قد شربها، فلما كان من الغد، جعلت له نحوها، ثم سَرَّحْتُ بها مع ابني، فرجع بها لم يشربها، قال: فأتيته فَلُمْتُه، وقلت: سبحان الله! أَردَدْتَّ علي كرامتي؟ ! إن هذا مما يُعينك ويقويك على الصلاة، وعلى ذِكْر الله تعالى، فلما رآني قد وجدت من ذلك، قال: يا أبا بشر، لا يَسُؤك، والله لقد شَرِبْتُها أول ما بعثت بها، فلما كان الغد راودتُّ نفسي على أن أسيغها، فما قدرت على ذلك، إذا أردت شربه ذكرت هذه الآية: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ (إبراهيم).
فبكى صالح عند هذا، وقال: قلت لنفسي: ألا أراني في واد وأنت في آخر! (٣)(٤).
١٨ - وآخر بكى في وليمة رأى فيها الخدم يطوفون على الحضور بالطعام والشراب، وتذكر قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ (الإنسان: ١٩).
стр. 226
الثاني: النظر في الكون والآيات المشهودة:
التطبيق:
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (الغاشية).
كان شريح القاضي يقول: «اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ » (١).
ومما يدخل في ذلك: هذه النماذج والأمثلة:
١ - مراحل تكوين الجنين في بطن أمه (فيديو):
http://www.youtube.com/watch? v=EJKcwR ٢ kWeE
٢ - إعصار فيه نار:
http://www.youtube.com/watch? v=_٧ JD ٩٣ jxe- Y
стр. 227
٣ - فَقْسُ بيضة:
http://youtu.be/pm ٧ qUFkFqso
٤ - تعاقب الليل والنهار:
http://youtu.be/xIz_XB-٧ DdY
٥ - دورة الحياة:
http://youtu.be/K ٣ T ٩ Z ٢٩ OhWs
стр. 228
تنبيهان
١ - ما ذُكر إنما هو للتقريب وليس للحصر، وباب التدبر واسع كما لا يخفى.
٢ - ليس المقصود مما ذكرنا سابقًا دراسة هذه الدلالات ونحوها دراسة أصولية أو لغوية، وإنما التطبيق العملي المتفرع عنها من غير مراعاة لترتيب.
стр. 229
الخاتمة
تبين من خلال هذا الكتاب:
١ - معرفة قدر صالح من أنواع الدلالة، وقواعد التفسير، والقواعد القرآنية، وغير ذلك من الأُسُس والأصول التي يُتوصل بها إلى استخراج المعاني والهدايات من القرآن الكريم.
٢ - عرض نماذج متميزة من الوقفات التدبرية.
٣ - الربط بين النماذج التطبيقية وطُرق الدلالة المتنوعة.
٤ - ظهر من خلال ما ذكرنا في هذا الكتاب ما يتطلب آلة لاستخراج المعاني التدبرية، وما لا يتوقف على شيء من ذلك، وبهذا نتبين التفصيل في هذه الجزئية، بأن من التدبر ما يكون الوصول إليه بسلوك الطرق المعروفة في الاستدلال، ومعرفة الأصول التي تُستخرج بها المعاني والهدايات، ومنه ما ليس كذلك.