← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133376

القواعد والأصول وتطبيقات التدبر

خالد السبت

Полный текст (230 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

١٥ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ (عبس). قال شيخ الإسلام ﵀: «لِمَ ابتَدأَ بالأَخ، ومن عادة العرب أَن يُبدأَ بِالأَهم؟ فلما سُئِلْتُ عن هذا قلت: إن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه، فتارة يقتضي الابتداء بالأعلى، وتارة بالأدنى. وهنا المناسبة تقتضي الابتداء بالأدنى؛ لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه مُفَصَّلًا شيئًا بعد شيء، فلو ذَكَر الأقرب أولًا لم يكن في ذِكْر الأبعد فائدةٌ طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فَرَّ من الأقرب فَرَّ من الأبعد» (١). ١١ - الإيجاز والبسط والاستطراد (٢): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀ عن هذه الآية: «جمعت أصول أحكام الشريعة كلها، فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر» (٣).

стр. 177

٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ (النجم). قال ابن القيم ﵀: «ولما ذَكَر رؤيته لجبريل عند سِدْرَة المُنْتَهَى، استطرد منها، وذكر أن جنة المأوى عندها، وأنه يغشاها من أَمْرِه وخَلْقِه ما يغشى، وهذا من أحسن الاستطراد، وهو أسلوبٌ لطيفٌ جدًّا في القرآن؛ وهو نوعان: أحدهما: أن يَسْتَطْرِد من الشيء إلى لَازِمه، مثل هذا، ومثل قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ (الزخرف)، ثم استطرد من جوابهم إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (الزخرف)، وهذا ليس من جوابهم، ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم. ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (طه)، فهذا جواب موسى، ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ (طه)، ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه.

стр. 178

والنوع الثاني: أن يَسْتَطْرِد من الشخص إلى النوع؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ (المؤمنون)، إلى آخره؛ فالأول: آدم، والثاني: بَنُوه. ومثله قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ ... (الأعراف) إلى آخر الآيات. فاستطرد من ذِكْر الأبوين إلى ذِكْر المشركين من أولادهما. والله أعلم» (١). ١٢ - الأمثال والتشبيهات: التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤). قال السعدي ﵀: «وصف قسوتها بأنها ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ التي هي أشد قسوة من الحديد؛ لأن الحديد والرصاص إذا أُذيب في النار ذاب، بخلاف الأحجار» (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ (النور).

стр. 179

قال البغوي ﵀: «شَبَّهَه بالكواكب، ولم يُشَبِّهه بالشمس والقمر؛ لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ (الإنسان). قال الثعالبي (٢): «قال بعضهم: هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا، كان أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على بعض» (٣).

стр. 180

الباب الخامس ما لا يدخل في شيء مما سبق

стр. 181

ما لا يدخل في شيء مما سبق؛ وهو نوعان: الأول: صور من التدبُّر لا تدخل تحت أحد الأنواع المذكورة: التطبيق: ١ - قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ (البقرة). قال ابن عاشور ﵀: «قَوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ مع أن مقتضى الظاهر أن يكون كلامهم بعكس ذلك؛ لأن المؤمنين يَشُكُّون في إيمان المنافقين، وقومهم لا يَشُكُّون في بقائهم على دينهم، فجاءت حكاية كلامهم الموافقة لمدلولاته على خلاف مقتضى الظاهر لمراعاة ما هو أجدر بعناية البليغ من مُقْتَضَى الظاهر. فَخُلُوّ خطابهم مع المؤمنين عما يفيد تأكيد الخبر؛ لأنهم لا يريدون أن يَعْرِضُوا أنفسهم في مَعْرِض من يَتَطَرَّق ساحته الشك في صِدْقِه؛ لأنهم إذا فَعَلُوا ذلك فقد أيقظوهم إلى الشك، وذلك من إتقان نفاقهم؛ على أنه قد يكون المؤمنون أَخْلِيَاء الذِّهْن من الشك في المنافقين لعدم تَعَيُّنِهم عندهم، فيكون تجريد الخبر من المُؤَكِّدات مُقْتَضَى الظاهر. وأما قولُهُم لقومِهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ بالتأكيد فذلك؛ لأنه لَما بدا من إبداعهم في النفاق عند لقاء المسلمين ما يُوجِب شك كبرائهم في البقاء على الكفر، وتَطْرُق به التُّهْمة أبواب قلوبهم، احتاجوا إلى تأكيد ما يدل على أنهم باقون علَى دينهِم» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ (البقرة).

стр. 182

قال ابن القيم ﵀: «تأمل قوله تعالى: ﴿أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ كيف جعل ضوءها خارجًا عنه مُنفصلًا، ولو اتصل ضَوْءها به ولابسَه لم يذهب، ولكنه كان ضَوء مُجاورة، لا مُلابَسة ومُخالَطة، وكان الضَوء عارضًا والظُّلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه وبقيت الظلمة في معدنها، فرجع كل منهما إلى أصله اللائق به» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ (البقرة). قال ابن القيم ﵀: «فالمَلَك والشيطان يتعاقبان على القلب تَعَاقُب الليل والنهار؛ فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهارًا كله، وآخر بضده، نستعيذ بالله تعالى من شر الشيطان» (٢). ٤ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ (آل عمران). قال ابن القيم ﵀: «فمن ظن بأنه لاينصر رسوله، ولا يُتِم أمره، ولا يُؤيده ويُؤيد حزبه، ويُعليهم ويُظفِرهم بأعدائه، ويُظهرهم عليهم، وأنه لاينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إِدَالَة مُسْتَقِرَّة يَضْمَحِل معها التوحيد

стр. 183

والحق اضْمِحْلَالًا لايقوم بعده أبدًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونَسَبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله، وصفاته ونعوته، فإن حَمْدَه وعِزَّته وحِكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النُّصْرَة المُستقرة والظَّفَر الدائم لأعدائه المشركين به، العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله، وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقَدَرِه فما عرفه، ولا عرف ربوبيته ومُلْكَه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قَدَّر ما قَدَّرَه من ذلك وغيره لحِكْمَة بالغة، وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مُجَرَّدَة عن حِكْمة، وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فَوْتِها، وأن تلك الأسباب المكروهة المُفْضِية إليها لايخرج تقديرها عن الحِكْمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له، فما قَدَّرَها سُدًى، ولا أنشأها عبثًا، ولا خلقها باطلًا؛ ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ (ص)، وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظَنَّ السَّوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف مُوجِبَ حَمْدِه وحكمته، فمن قَنَطَ من رحمته، وأَيِسَ من رَوْحه، فقد ظن به ظن السوء» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ (آل عمران). قال السعدي ﵀: «وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته والعمل المُوصِل إليه، فلا يُوصَل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يُدرَك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مَكَارِه الدنيا التي تُصيب العبد في سبيل الله عند تَوطِين النفس لها، وتَمْرِينها

стр. 184

عليها ومعرفة ما تَؤُول إليه تَنْقَلِب عند أرباب البصائر مِنَحًا يُسَرُّون بها، ولا يُبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (١). ٦ - هل سمعت بطفل يتدبر القرآن؟ قال أحدهم: كنت مع ابنتي (٧ سنوات)، فَسَمِعَت قارئًا عَبْر الإذاعة يتلو: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ (١٨١)﴾ (آل عمران)، فسَأَلَتْ ببراءة: إذا كان الله فقيرًا وهم أغنياء، فمن الذي أغناهم؟ ! (٢). ٧ - قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ (النساء). قال السعدي ﵀: «ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يُوعَظُون به؛ أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هِمَمَهم، ووَفَّروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تَطْمَح نفوسهم لِمَا لم يَصِلوا إليه، ولم يكونوا بصَدَدِه، وهذا هو الذي ينبغي للعبد؛ أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا، حتى يصل إلى ما قُدِّر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طَمَحَت نفسه إلى أمر لم يَصِل إليه، ولم يُؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهِمَّة، وحصول الكسل وعدم النشاط» (٣). ٨ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ (النساء).

стр. 185

قال ابن القيم ﵀: «فمن تَعَبَّد الله بِمُرَاغَمَة عدوه، فقد أخذ من الصِّدِّيقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته ومعاداته لعدوه، يكون نصيبه من هذه المُراغَمة. ولأجل هذه المُراغَمة حُمِدَ التَّبَخْتُر بين الصَّفَّيْن، والخيلاء والتَّبَخْتُر عند صَدَقَة السر، حيث لا يراه إلا الله؛ لما في ذلك من إرغام العدو، وبَذْل محبوبه من نفسه وماله لله ، وهذا باب من العبودية لايعرفه إلا القليل من الناس، ومن ذاق طعمه ولَذَّته، بكى على أيامه الأُوَلِ ... وصاحب هذا المقام إذا نظر إلى الشيطان، ولَاحَظَه في الذنب، رَاغَمَه بالتوبة النصوح، فأحدثت له هذه المُراغَمة عبودية أخرى» (١). ٩ - قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ (النساء). قال السعدي ﵀: «وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يُتوَهَّم من مصالح الدنيا المُتَرَتِّبة على ترك أوامر الله، أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة، أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أَمَرَتْه نفسُه بترك أمر الله: ها أنتِ تركتِ أمره كسلًا وتفريطًا، فما النفع الذي انتفعتِ به؟ ! وماذا فاتكِ من ثواب الآخرة؟ ! وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟ !

стр. 186

وكذلك إذا دعتُه نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المُحَرَّمة، وقال لها: هَبْكِ فعلتِ ما اشتهيتِ، فإن لذته تنقضي، ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبد تَدَبُّره، وهو خَاصَّة العقل الحقيقي؛ بخلاف الذي يَدَّعي العقل وليس كذلك، فإنه بجهله وظُلْمه يُؤْثِر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان» (١). ١٠ - قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ (الأنعام). قال ابن القيم ﵀: «منهم من يكون على أخلاق السِّبَاع العادية، ومنهم من يكون على أخلاق الكلاب، وأخلاق الخنازير، وأخلاق الحمير، ومنهم من يَتَطَوَّس بثيابه، كما يَتَطَوَّس الطاوس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، ومنهم من يُؤْثِر على نفسه كالديك، ومنهم من يألف ويُؤْلَف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل، ومنهم الذي هو خير كله كالغنم، ومنهم أشباه الثعالب تروغ كروغانها. وقد شَبَّه الله تعالى أهل الجحيم والغَي: بالحُمر تارة، وبالكلب تارة، وبالأنعام تارة، وتقوى هذه المشابهة باطنًا، حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهورًا خفيًّا، يراه المُتفَرِّسُون، وتظهر في الأعمال ظهورًا يراه كل أحد» (٢).

стр. 187

١١ - قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ (الأنعام). قال السعدي ﵀: «ومن لُطْفِه أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويُوصِلها إليه بالطُّرُق التي لا يَشْعُر بها العبد، ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السَّرْمَدي، من حيث لا يحتسب، حتى إنه يُقَدِّر عليه الأمور التي يكرهها العبد، ويتألم منها، ويدعو الله أن يُزِيلَها؛ لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله مُتَوَقِّف عليها، فسبحان اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين» (١). ١٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀: «ومن تدبر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﷺ ، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله ﷺ . ومن تدبر هذا حق التدبر، وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين؛ وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه، وفي حق غيره عمومًا وخصوصًا، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٢).

стр. 188

١٤ - قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا (٥٦)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀: «وذكر الطمع - الذي هو الرجاء- في آية الدعاء؛ لأن الدعاء مبني عليه، فإن الداعي ما لم يطمع في سؤاله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبه؛ إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع» (١). ١٥ - قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ (الأعراف). قال السعدي ﵀: «وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ على أن العبد لاينبغي له أن يكون آمنًا على ما معه من الإيمان، بل لايزال خائفًا وَجِلًا أن يُبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وألا يزال داعيًا بقوله: «يا مقلب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك»، وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يُخَلِّصه من الشر عند وقوع الفتن، فإن العبد -ولو بلغت به الحال ما بلغت- فليس على يقين من السلامة» (٢). ١٦ - قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا﴾ (الأعراف: ١١٥ - ١١٦)، وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ (طه: ٦٥ - ٦٦). فما وجه طلب موسى ﵇ أن تكون البَدَاءَة منهم؟ قال ابن كثير ﵀: «لأن موسى أراد أن تكون البَدَاءَة منهم؛ ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده، فيدمغ باطلهم» (٣).

стр. 189

١٧ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ (الأعراف). قال السعدي ﵀: «ينبغي لمن طَمَحَت نفسه لما لا قدرة له عليه، أو غير ممكن في حقه، وحَزِنَت لعدم حصوله أن يُسليها بما أنعم الله به عليه مما حصل له من الخير الإلهي الذي لم يحصل لغيره؛ ولهذا لما طَمَحَت نفس موسى ﵇ إلى رؤية الله تعالى وطلب ذلك من الله، فأعلمه الله أن ذلك غير حاصل له في الدنيا وغير ممكن، سَلَّاه بما آتاه فقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ (الأعراف)، وكذلك نبه الله رسوله وعباده المؤمنين على هذا المعنى بقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ (النساء)» (١). ١٨ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ (الأنفال). قال الشنقيطي ﵀: «والمُحِب الصادق في حُبّه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد» (٢).

стр. 190

١٩ - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (التوبة)، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ (التوبة). قال شيخ الإسلام ﵀: «قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غمًّا وحزنًا، وقسوة وظُلمة قلب وجهلًا، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم؛ ولهذا تجد غالب هؤلاء لا يُطيّبون عيشهم إلا بما يُزيل العقل، ويُلهي القلب ومن تناول مسكر، أو رؤية مُلْهٍ، أو سماع مُطْرب، ونحو ذلك. وفي مُقَابِل ما حكاه الله عن الكافرين، قوله في المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ (٧١)﴾ (التوبة)، فإن الله يُعَجِّل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم، وغيرها بما يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان، والعلم، والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه» (١). ٢٠ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ (التوبة). قال السعدي ﵀: «وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعِدُّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها ويُوفر وقته عليها، ويجتهد فيها ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم

стр. 191

وتتم منافعهم؛ ولتكون وِجْهَة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قَصْدًا واحدًا وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تَفَرَّقت الطرق وتعددت المَشَارِب، فالأعمال مُتباينة والقصد واحد؛ وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور» (١). ٢١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (يونس). قال ابن حزم ﵀: «إذا حَقَّقْت مدة الدنيا لم تجدها إلا (الآن) الذي هو فَصْل الزمانين فقط» (٢). ٢٢ - قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ (يوسف). قال ابن القيم ﵀: «وفي ذلك تنبيه على أن العلم الدقيق بلطيف الحيل المُوصلة إلى المقصود الشرعي الذي يُحبه الله تعالى ورسوله ﷺ ... صفة مدح يرفع الله تعالى بها درجة العبد» (٣). ٢٣ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ (النحل).

стр. 192

قال السعدي ﵀: «فما فات أحدًا شيء من الخير إلا لعدم صبره وبَذْل جُهده فيما أُريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله» (١). ٢٤ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ (الإسراء). قال ابن كثير ﵀: «وقَد أخذ الإمام الحَبْر ابن عباس ﵄ من عموم هذه الآية الكريمة ولاية معاوية السَّلْطَنة، وأنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثْمان، وقَد قُتِل عثْمان مظلومًا ﵁» (٢). ٢٥ - قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ (الكهف). قال السعدي ﵀: «وفي هذه القصة دليل على أن من فَرَّ بدينه من الفتن سَلَّمَه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله، ومن أوى إلى الله آواه الله، وجعله هداية لغيره، ومن تَحمَّل الذُّل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب؛ ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران)» (٣). ٢٦ - قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ (الكهف).

стр. 193

قال ابن كثير ﵀: «وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال؛ وهذا فائدة صُحْبَة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذِكْر وخبر وشأن» (١). ٢٧ - قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (٤٩)﴾ (الكهف). قال قَتَادَة ﵀: «يَشْتَكِي القوم كما تسمعون الإحصاء، ولم يَشْتَكِ أحد ظلمًا؛ فإياكم والمُحَقَّرَات من الذنوب؛ فإنها تجتمع على صاحبها حتى تُهلكه» (٢). ٢٨ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (الكهف). قال ابن القيم ﵀: «ويُشْبِه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العِتَاب لطيف عجيب، وهو أني عاديتُ إبليس؛ إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكتي، فكانت معاداته لأجلكم، ثم كان عاقبة هذه المعاداة أن عَقَدتُّم بينه وبينكم عَقْد المُصَالَحة! » (٣). ٢٩ - قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ إلى قوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)﴾ (طه).

стр. 194

في هذه الآيات أدب من آداب الدعاء، وهو نُبْل الغاية، وشَرَف المقصد، وقريب منه قوله ﷺ : «اللهم اشْفِ عبدك فلانًا؛ يَنْكَأ لك عدوًّا، ويمشي لك إلى صلاة» (١) (٢). ٣٠ - «ومن أعجب ما ظاهره الرجاء وهو شديد التخويف، قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ (طه)، فإنه عَلَّق المغفرة على أربعة شروط، يَبْعُد تصحيحها» (٣). ٣١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ (الأنبياء). قال السعدي ﵀: «وهذه الآية مِصْداقها ما وقع؛ فإن المؤمنين بالرسول الذين تَذَكَّروا بالقرآن، من الصحابة فمن بعدهم حصل لهم من الرِّفْعَة والعلو الباهر والصِّيت العظيم والشرف على الملوك ما هو أمر معلوم لكل أحد، كما أنه معلوم ما حصل لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسًا، ولم يهتد به ويَتَزَكّ به من المقت والضَّعَة والتَّدْسِية والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب» (٤). ٣٢ - قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ (المؤمنون).

стр. 195

«قال قتادة ﵀: «والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أُمنية الكافر المُفَرِّط فاعملوا بها» (١). وقال ﵀: «طَلَبَ الرجوع ليعمل صالحًا، لا ليجمع الدنيا، ويقضي الشهوات، فرحم الله امرأً عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب» (٢). ٣٣ - قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ (النمل). قال الشنقيطي ﵀: «ألا ترى أن مَلِكَة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لَمَّا قالت كلامًا حقًّا صَدَّقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعًا من تصديقها في الحق الذي قالته، وذلك في قولها فيما ذكر الله عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (النمل: ٣٤)، فقد قال تعالى مُصَدِّقًا لها في قولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ (النمل)، وقد قال الشاعر: لا تَحْقِرَنَّ الرأي وَهْوَ مُوَافِقٌ ... حُكمُ الصواب إذا أتى من ناقصِ فالدُّر وَهْوَ أَعَز شيء يُقْتَنى ... ما حَط قيمتَه هَوَانُ الغائص» (٣) (٤). ٣٤ - قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (العنكبوت).

стр. 196

قال ابن القيم ﵀: «فمن كان ظهيرًا للمجرمين من الظَّلَمة على ظُلمهم، ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم، ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم؛ ليتخلص بمُظَاهَرَتهم من أَلَم أذاهم، أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلًا وآجلًا أضعاف أضعاف ما فرّ منه، وسنة الله في خلقه أن يعذبهم بإنذار من إيمانهم وظاهرهم، وإن صبر على أَلَم مُخالفتهم ومُجانَبتهم، أعقبه ذلك لَذَّة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة، وسنة الله في خلقه أن يرفعه عليهم ويُذلهم به بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه، وإذا كان لا [بد] (١) من الألم والعذاب فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مُرَادَاتهم» (٢). ٣٥ - قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «ومن نظر في آيات القرآن الكريم، وجد أن البيوت مُضَافَة إلى النساء في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى، مع أن البيوت للأزواج أو لأوليائهن؛ وإنما حصلت هذه الإضافة -والله أعلم- مراعاةً لاستمرار لزوم النساء للبيوت، فهي إضافة إسكان، ولزوم للمسكن، والتصاق به، لا إضافة تمليك. قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (الأحزاب: ٣٣)، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤)، وقال عز شأنه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١)» (٣).

стр. 197

٣٦ - قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ (فاطر). قال ابن القيم ﵀: «فمن لم يُورثه التعمير وطُول البقاء إصلاح معائبه، وتَدَارُك فَارِطه، واغتنام بقية أنفاسه، فيعمل على حياة قلبه، وحصول النعيم المقيم، وإلا فلا خير له في حياته ... فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيء من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه، وكلما نقص شيء من دنياه جعله زيادة في آخرته، وكلما مُنع شيئًا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله هَمّ أو حزن أو غم جعله في أفراح آخرته. فَنُقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إن زاد في حصول ذلك وتوفيره عليه في معاده، كان رحمة به وخيرًا له، وإلا كان حرمانًا وعقوبة على ذنوب ظاهرة أو باطنة، أو ترك واجب ظاهر أو باطن؛ فإن حرمان خير الدنيا والآخرة مُرَتَّب على هذه الأربعة» (١). ٣٧ - قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ (يس). قال قتادة: ﵀: «لا تَلقَى المؤمن إلا ناصحًا، لا تلقاه غاشًّا؛ لَمّا عَاين ما عَاين من كرامة الله تعالى: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾، تمنى على الله أن يعلم قومه بما عَاين من كرامة الله له، وما هجم عليه» (٢).

стр. 198

٣٨ - قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ (الزمر). قال ابن القيم ﵀: «وتأمل ما في سَوْق الفريقين إلى الدارين زُمَرًا من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسَيْرِهم معهم كل زُمْرة على حِدَة، كل مُشْتَرِكِين في عمل مُتَصَاحِبِين فيه على زُمْرَتهم وجماعتهم مُسْتَبْشِرين أقوياء القلوب كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير، كذلك يؤنس بعضهم بعضًا ويفرح بعضهم ببعض. وكذلك أصحاب الدار الأُخرى يُساقون إليها زُمرًا يلعن بعضهم بعضًا ويتأذى بعضهم ببعض، وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهَتِيكَة من أن يُساقُوا واحدًا واحدًا؛ فلا تُهْمِل تدبر قوله سبحانه: ﴿زُمَرًا﴾» (١). ٣٩ - قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ (الأحقاف). قال ابن هبيرة ﵀: «هذا من تمام بر الوالدين، كأن هذا الولد خاف أن يكون والداه قَصَّرا في شُكر الرب ، فسأل الله أن يُلْهِمَه الشُّكْر على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليقوم بما وجب عليهما من الشُّكْر إن كانا قَصَّرا» (٢).

стр. 199

٤٠ - قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (الفتح). لما ذكر مُبتغَى العابدين بعبادتهم هنا قال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وحين ذكر وعده لهم قال: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (فاطر: ٣٠). وفيه «إشارة إلى معنى لطيف؛ لأنَّ الله تعالى إذا قال: (لكم أجر) كان ذلك منه تَفَضُّلًا، وإشارة إلى أنَّ عملكم جاء على ما طلب الله منكم؛ لأنَّ الأُجرة لا تُسْتَحَقُّ إلا على العمل الموافق للطَّلب من المالك، والمؤمن إذا قال: أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافًا بالتَّقصير؛ فقال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾، ولم يقل: أجرًا» (١). ٤١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ (الحجرات). قال شيخ الإسلام ﵀: «ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحدًا بنسبه، ولا يذم أحدًا بنسبه؛ وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان» (٢). ٤٢ - قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ (النجم). قال ابن القيم ﵀: «قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ (النجم) مُتَضَمِّن لكنز عظيم، وهو أن كل مُراد إن لم يُرَد لأجل الله ويتصل به وإلا فهو

стр. 200

مُضمحِل مُنقطع؛ فإنه ليس إليه المُنْتَهى، وليس المُنْتَهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها، فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يُحبّ لأجله فمحبته عناء وعذاب» (١). ٤٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ (الواقعة). «وَصْفُ القرآن بأنه كريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ فيه ميزة؛ وهي: أن الكلام إذا قُرئ وتردد كثيرًا يهون في الأعين والآذان؛ ولهذا ترى من قال شيئًا في مجلس الملوك لا يذكره ثانيًا ولا يكرره، فقوله تعالى ﴿كَرِيمٌ﴾؛ أي: لا يهون بكثرة التلاوة، بل يبقى أبد الدهر كالكلام الغَض والحديث الطَّري» (٢). ٤٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (المزمل). قال السعدي ﵀: «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وليُعلم أن مثقال ذرة من الخير في هذه الدار، يقابله أضعاف أضعاف الدنيا وما عليها في دار النعيم المقيم من اللذات والشهوات، وأن الخير والبِر في هذه الدنيا

стр. 201

مادة الخير والبِر في دار القرار، وبذره وأصله وأساسه، فوا أسفاه على أوقات مضت في الغفلات، ووا حسرتاه على أزمان تَقَضَّت بغير الأعمال الصالحات، وواغوثاه من قلوب لم يُؤَثِّر فيها وعظ بارئها، ولم ينجع فيها تشويق من هو أرحم بها منها. فلك اللهم الحمد، وإليك المُشتكى، وبك المُستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك» (١). ٤٥ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (الليل). قال ابن القيم ﵀: «وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه، فيجري الخير ويُيسر على قلبه ويديه ولسانه وجوارحه، فتصير خصال الخير مُيسَّرة عليه مُذللة له مُنقادة، لا تستعصي عليه ولا تَسْتَصْعِب؛ لأنه مُهيأ لها، مُيسَّر لفعلها، يسلك سبلها ذُلُلًا، وتُقاد له علمًا وعملًا، فإذا خَالَلْتَه قلت هو الذي قيل فيه: مُباركُ الطَّلْعَة ميمونها ... يصلح للدنيا وللدينِ» (٢). ٤٦ - قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (التكاثر). قال ابن القيم ﵀: «وكل من كاثر إنسانًا في دنياه أو جاهه أو غير ذلك، شغلته مُكَاثَرته عن مُكَاثَرة أهل الآخرة. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تُكاثر بما يدوم عليها نفعه، وتكمل به وتزكو، وتصير مُفْلِحة، فلا تُحب أن يكثرها غيرها في ذلك، ويُنافسها في هذه المُكاثرة، ويُسابقها إليها؛ فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد ... وصاحب هذا التكاثر لايهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولًا، وأحسن منه عملًا، وأغزر علمًا، وإذا رأى غيره أكثر منه

стр. 202

في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها كَاثَره بخصلة أخرى، وهو قادر على المُكاثرة بها، وليس هذا التكاثر مذمومًا ولا قادحًا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة، واستباق الخيرات» (١). ٤٧ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ (الفلق). قال أبو السعود ﵀ (٢): «الفَلَقُ: الصُّبْحُ كالفرقِ؛ لأنَّه يفلق عنه الليل ويفرق ... وقيلَ: هُوَ ما انفلقَ منْ عمودِهِ ... وفي تعليق العياذ باسم الرب المُضَاف إلى الفَلَق المنبئ عن النور عَقِيب الظُّلْمة، والسَّعَة بعد الضيق، والفَتْق بعد الرَّتْق، عِدَةٌ كريمة بإعاذة العائذ مما يعوذ منه، وإنجائه منه، وتقوية لرجائه بتذكير بعض نظائره، ومزيد ترغيب له في الجد والاعتناء بِقَرْع باب الالتجاء إليه تعالى؛ ففيه إشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل من هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ ما يخافه» (٣).

стр. 203

الثاني: التفسير الإشاري (١): قال ابن القيم ﵀: «وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ؛ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى؛ وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة والقياس؛ وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم. وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ألا يُنَاقِض معنى الآية، وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه، وأن يكون في اللفظ إشعار به، وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا» (٢). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ (البقرة).

стр. 204

المعنى الظاهر: «يسألك أصحابك -أيها النبي- عن الأهلة وتغيُّر أحوالها، قل لهم: جعل اللهُ الأهلة علامات يعرف بها الناس أوقات عباداتهم المُحَدَّدة بوقت مثل الصيام والحج، ومعاملاتهم، وليس الخير ما تعودتم عليه في الجاهلية وأول الإسلام من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قُربة إلى الله، ولكن الخير هو فِعْلُ مَنِ اتقى الله واجتنب المعاصي، وادخلوا البيوت من أبوابها عند إحرامكم بالحج أو العمرة، واخشوا الله تعالى في كل أموركم؛ لتفوزوا بكل ما تحبون من خيري الدنيا والآخرة» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال السعدي ﵀: «ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب، الذي قد جُعِل له مُوصلًا، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور ويستعمل معه الرفق والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمُتعلم والمُعَلِّم ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمرًا من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه، فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود» (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ (النساء).

стр. 205

المعنى الظاهر: «ولا تؤتوا -أيها الأولياء- من يُبَذِّر من الرجال والنساء والصبيان أموالهم التي تحت أيديكم فيضعونها في غير وجهها، فهذه الأموال هي التي عليها قيام حياة الناس، وأَنْفِقُوا عليهم منها واكسوهم، وقولوا لهم قولًا معروفًا من الكلام الطَّيِّب والخُلُق الحسن» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال الغزالي ﵀: «تنبيهًا على أن حفظ العلم ممن يُفسده ويضره أولى، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ (الأعراف). المعنى الظاهر: «قال الله لإبليس: فاهبط من الجنة، فما يصح لك أن تتكبر فيها، فاخرج من الجنة، إنك من الذليلين الحقيرين» (٣). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن عاشور ﵀: «هذه الآية أصل في ثبوت الحق لأهل المَحَلَّة، أن يُخرِجوا من مَحَلَّتِهم من يُخشى من سيرته فُشُو الفساد بينهم» (٤).

стр. 206

٤ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٣). المعنى الظاهر: «وما كان الله ليعذِّب هؤلاء المشركين، وأنت -أيها الرسول- بين ظهرانَيْهم، وما كان الله معذِّبهم وهم يستغفرون من ذنوبهم» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن القيم ﵀: «فأشارت هذه الآية أن محبة الرسول وحقيقة ما جاء به إذا كان في القلب، فإن الله لا يعذبه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإذا كان وجود الرسول في القلب مانعًا من تعذيبه، فكيف بوجود الرب تعالى في القلب؟ فهاتان إشارتان» (٢). وقال في موضع آخر: «وتأمل ... كيف يُفهم منه أنه إذا كان وجود بدنه وذاته فيهم دفع عنهم العذاب وهم أعداؤه، فكيف وجود سرِّه والإيمان به ومحبَّته ووجود ما جاء بِه إذا كان في قوم أو كان في شخص، أفليس دفعه العذاب عنهم بطريق الأولى والأحرى؟ » (٣). ٥ - قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ (التوبة).

стр. 207

المعنى الظاهر: مِن سنة الله الابتلاء، فلا تظنوا يا معشر المؤمنين أن يَتْرُكَكُم الله دون اختبار؛ ليعلم الله عِلْمًا ظاهرًا للخَلْق الذين أخلصوا في جهادهم، ولم يتخذوا غير الله ورسوله والمؤمنين بطانة وأولياء، والله خبير بجميع أعمالكم، ومجازيكم بها (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن القيم ﵀: «ولا وَلِيجَة أعظم ممن جعل رجلًا بعينه مُختارًا على كلام الله ورسوله ﷺ وكلام سائر الأمة يُقَدِّمه على ذلك كله، ويَعْرِض كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة على قوله، فما وافقه منها قبله لموافقته لقلبه، وما خالفه منها تلطف في رده وتَطَلَّبَ له وجوه الحيل، فإن لم تكن هذه وَلِيْجَة فلا ندري ما الوَلِيْجَة! » (٢). ٧ - قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ (التوبة). المعنى الظاهر: «يا معشر أصحاب رسول الله ﷺ إلا تنفروا معه أيها المؤمنون إذا استَنْفَركم، وإلا تنصروه؛ فقد أيده الله ونصره يوم أخرجه الكفار من قريش من بَلَدِه (مكة)، وهو ثاني اثنين (هو وأبو بكر الصديق ﵁) وألجؤوهما إلى نقب في جبل ثور

стр. 208

بـ «مكة»، فمكثا فيه ثلاث ليال، إذ يقول لصاحبه (أبي بكر) لما رأى منه الخوف عليه: لا تحزن إن الله معنا بنصره وتأييده، فأنزل الله الطمأنينة في قلب رسول الله ﷺ ، وأعانه بجنود لم يرها أحد من البشر وهم الملائكة، فأنجاه الله من عدوه وأذل الله أعداءه، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمةُ الله هي العليا؛ وذلك بإعلاء شأن الإسلام، والله عزيز في ذاته وصفاته وملكه، حكيم في تدبير شؤون عباده. وفي هذه الآية مَنْقَبة عظيمة لأبي بكر الصديق ﵁» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال شيخ الإسلام ﵀: «كل من وافق الرسول ﷺ في أمر خالف فيه غيره فهو من الذين اتبعوه في ذلك؛ وله نصيب من قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠)، فإن المعية الإلهية المُتَضَمِّنة للنصر هي لِمَا جاء به إلى يوم القيامة، وهذا قد دلّ عليه القرآن، وقد رأينا من ذلك وجَرَّبْنا ما يطول وصفه» (٢). وقال ابن القيم ﵀: «فَمِن أصح الإشارات إشارة هذه الآية، وهي أن من صحب الرسول ﷺ وما جاء به بقلبه وعمله وإن لم يصحبه ببدنه، فإن الله معه» (٣). ٦ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ (التوبة).

стр. 209

المعنى الظاهر: «يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وانقادت قلوبهم وأذعنت، وأقروا بألسنتهم، وعملوا بشرعه، ابدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب إلى دار الإسلام من الكفار، وليجد الكفار فيكم غِلْظة وشدة، واعلموا أن الله مع المتقين بتأييده ونصره» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن القيم ﵀: «الدنيا والشيطان عدوان خارجان عنك، والنفس عدو بين جنبيك؛ مِن سُنَّة الجهاد: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ (١٢٣)﴾ (التوبة)» (٢). ٨ - قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ (الرعد). المعنى الظاهر: «لله تعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه بأمر الله ويُحْصُون ما يصدر عنه من خير أو شر؛ إن الله لا يغيِّر نعمة أنعمها على قوم إلا إذا غيَّروا ما أمرهم به فعصوه، وإذا أراد الله بجماعةٍ بلاءً، فلا مفرَّ منه، وليس لهم مِن دون الله مِن وال يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه» (٣).

стр. 210

ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن القيم ﵀: «فدلالة لفظها: أنه لا يغيِّر نِعَمه التي أنعم بها على عباده حتى يُغيِّروا طاعته بمعصيته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الأنفال). وإشارتها: أنه إذا عاقب قومًا وابتلاهم لم يغيِّر ما بهم من العقوبة والبلاء حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم من المعصية إلى الطاعة، كما قال العباس عمُّ رسول الله ﷺ : ما نزلَ بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة (١). ومنه قول النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة» (٢) فإذا مَنع الكلب والصورة دخول الملك إلى البيت، فكيف تدخل معرفة الرب ومحبته في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصُوَرها؟ وكذلك قوله ﷺ : «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ» (٣)؛ فإذا حرم بيت الرب على الحائض والجنب، فكيف بمعرفته ومحبته والتنعم بذِكْرِه على حائض القلب وجُنُبه؟ فهذه إشارات صحيحة، وهي من جنس مقاييس الفقهاء، بل أصح من كثير منها» (٤).

стр. 211

٩ - قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ (الإسراء). المعنى الظاهر: «وكُنْ لأمك وأبيك ذليلًا متواضعًا رحمة بهما، واطلب من ربك أن يرحمهما برحمته الواسعة أحياءً وأمواتًا، كما صبرا على تربيتك طفلًا ضعيف الحول والقوة» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال السعدي ﵀: «وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة -غير الأبوين-، فإن له على من ربَّاه حقَّ التربية» (٢). ١٠ - قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ (الأنبياء). المعنى الظاهر: «لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله تُدَبِّر شؤونهما، لاختلَّ نظامهما، فتنزَّه الله رب العرش، وتقدَّس عَمَّا يصفه الجاحدون الكافرون، من الكذب والافتراء وكل نقص» (٣).

стр. 212

ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن القيم ﵀: «كما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا؛ كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢)، فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يُرجى صلاحه؛ إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه، ويتوكل عليه وينيب إليه» (١). ١١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ (القصص). المعنى الظاهر: «ولما قصد موسى بلاد (مَدْيَن) وخرج من سلطان فرعون قال: عسى ربي أن يرشدني خير طريق إلى (مَدْيَن)» (٢). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال السعدي ﵀: «إن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب مَنْ هذه حاله» (٣). ١٢ - قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ (الروم).

стр. 213

المعنى الظاهر: «فانظر -أيها المُشاهِد- نَظَر تَأَمُّل وتَدَبُّر إلى آثار المطر في النبات والزروع والشجر، كيف يُحيي به الله الأرض بعد موتها، فينبتها ويُعْشِبُها؟ إن الذي قَدَر على إحياء هذه الأرض لمُحيي الموتى، وهو على كل شيء قدير لا يُعْجِزُه شيء» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال السعدي ﵀: «فإذا كانت الأرض الخاشعة الخالية من كل نَبْت إذا أنزل الله عليها المطر اهتزت ورَبَت وأنبتت من كل زوج بهيج، واختلط نَبْتُها وكثرت أصنافه ومنافعه جعله الله تعالى من أعظم الأدلة الدالة على سعة رحمته وكمال قدرته، وأنه سَيُحْيي الموتى للجزاء؛ فالدليل في القلب الخالي من العلم والخير حين يُنزل الله عليه غيث الوحي فيهتز بالنبات ويُنبت من كل زوج بهيج من العلوم المختلفة النافعة، والمعارف الواسعة، والخير الكثير، والبِرّ الواسع، والإحسان الغزير، والمحبة لله ورسوله، وإخلاص الأعمال الظاهرة والباطنة لله وحده لا شريك له، والخوف والرجاء والتضرع والخشوع لله، وأنواع العبادات، وأصناف التقربات، والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وغير ذلك من العلوم والأعمال الظاهرة والباطنة، والفتوحات الربانية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ أعظم من الأرض بكثير على سعة رحمة الله، وواسع جُودِه، وتَنَوّع هِبَاته، وكمال اقتداره وعزته، وأنه يحيي الموتى للجزاء، وأن عنده في الدار الأخرى من الخيرات والفضل ما لا يعلمه أحد غيره» (٢).

стр. 214

١٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (يس: ١٢). المعنى الظاهر: «إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة» (١). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن كثير ﵀: «أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ (الحديد)» (٢). ١٤ - قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ (الواقعة: ٧٣). المعنى الظاهر: «نحن جعلنا ناركم التي توقدون تذكيرًا لكم بنار جهنم ومنفعة للمسافرين» (٣). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال ابن القيم ﵀: «تذكرة تُذْكَر بها الآخرة، ومنفعة للنازلين بالقَواءِ وهم المسافرون؛ يقال: أقوى الرجل: إذا نزل بالقِيِّ والقَوَى وهي الأرض الخالية، وخص المُقْوِين بالذِّكْر وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين؛ تنبيهًا لعباده -والله

стр. 215

أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم فى هذه الدار على جناح سفر ليسوا هم مقيمين ولا مستوطنين» (١). ١٥ - قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ (الواقعة). المعنى الظاهر: «لا يَمَسُّ القرآن إلا الملائكة الكرام الذين طهرهم الله من الآفات والذنوب» (٢). ما يؤخذ من إشارة الآية: قال شيخ الإسلام ﵀: «كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين» (٣). قال ابن القيم ﵀: «ودلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المُتَلَوِّث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه وأن يفهمه كما ينبغي. قال البخاري في «صحيحه» في هذه الآية: «لا يجد طعمه إلا من آمن به» (٤)، وهذا أيضًا من إشارة الآية وتنبيهها، وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره
следующие страницы →