← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133376

القواعد والأصول وتطبيقات التدبر

خالد السبت

Полный текст (230 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣ - زيادة المبنى لزيادة المعنى (١): توضيح القاعدة: «جميع ألفاظ القرآن دالة على معانٍ بليغة، وحِكَم وأحكام بديعة، ومن هنا فإن القرآن مُنَزَّه عن أن يقع فيه لفظ لا معنى له. ومن ثَمّ فإن أي زيادة تَطْرَأ على اللفظ في كتاب الله تعالى، فإنما تدل على معنى زائد على ما يدل عليه اللفظ دونها. وسواء في ذلك ما إذا كانت هذه الزيادة حرفًا، أم كانت زيادة في وزن الكلمة، أو تضعيفها» (٢). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ (البقرة). قال السعدي ﵀: «وفي الإتيان بـ «كسب» في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه، بل بمجرد نية القلب، وأتى بـ «اكتسب» في عمل الشر؛ للدلالة على أن عمل الشر لايكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه» (٣).

стр. 72

٢ - قال تعالى في حكاية قول الخضر لموسى ﵇: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾ (الكهف)، ثم قوله بعد ذلك في قصة قتل الغلام: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ (الكهف). قال الغرناطي ﵀: «للسائل أن يسأل عن الفَرْق المُوجِب لزيادة «لك» في هذا القول الثاني؟ والجواب: أن الخضر قد كان قال لموسى حين قال له موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ (الكهف)، فلما كان من موسى عند خرق السفينة ما كان من الإنكار بقوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ (الكهف)، ذَكَّره الخضر بما كان قد قاله له من غير أن يزيده على إيراد ما كان قد قاله، فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾، فاعتذر موسى ﵇ بقوله: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾، فلما وقع منه بعد ذلك إنكار قتل الغلام بقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، وأبلغ في وصف الفعلة بقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ قَابَل الخضر ذلك بتأكيد الكلام المُتَقَدِّم، فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾، فالضمير المجرور بيانٌ جيء به تأكيدًا؛ لِيُقَابَل بالكلام ما وقع جوابًا له من قول موسى ﵇ زيادةً للتناسب» (١).

стр. 73

٤ - حذف المُقْتَضَى --المُتَعَلَّق- يفيد العموم النِّسْبِي (١): توضيح القاعدة: «المُقْتَضَى» بالفتح هو المحذوف، أما بالكسر فهو الكلام المُحْتَاج إلى إضمار. وقولنا: «يفيد العموم النسبي»؛ أي: يفيد تعميم المعنى المُنَاسِب له (٢). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ (المجادلة). حيث لم يُقَيِّد ذلك الفَسْح بكونه في الرزق أو الصدر أو القبر أو الجنة أو غير ذلك. ومن هنا «دل قوله تعالى: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ (١١)﴾ (المجادلة)، على أن كل من وَسَّع على عباد الله أبواب الخير والراحة وَسَّع الله عليه خيرات الدنيا والآخرة، ولا ينبغي للعاقل أن يُقيد الآية بالتفَسُّح والتوسُّع في المجلس، بل المُراد منه إيصال أي خير إلى المسلم، وإدخال السرور في قلبه» (٣).

стр. 74

٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ (الانفطار). حيث لم يُقيد هذا النعيم هنا في كونه في الدنيا أو البرزخ أو الآخرة، مع أن ما بعده مُشْعِر أنه في الآخرة. قال ابن القيم ﵀: «لا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دُورهم الثلاثة كذلك -أعني: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار- فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ ! وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة، وتعلقه بغير الله، وانقطاعه عن الله، بكل وادٍ منه شعبة؟ ! وكل شيء تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ (الإخلاص). حيث لم يقيد أحديته تعالى بذاته، أو صفاته ... إلخ. قال السعدي ﵀: «أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المُقَدَّسَة، الذي لا نظير له ولا مثيل» (٢).

стр. 75

٥ - الأوصاف المُخْتَصَّة بالإناث إذا أُريد بها الوصف، جُرِّدت من التاء، وإذا أُريد به المُبَاشَرة، أُلحِقَت بها التاء (١): التطبيق: قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ (الحج: ٢). «فإن قلت: لم قيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾ دون (مُرضع)؟ قلت: المُرضعة التي هي في حال الإرضاع مُلْقِمَة ثَديَها الصبي، والمُرضِع: التي من شأنها أن تُرضع، وإن لَم تُباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾؛ ليدل على أن ذلك الهَول إذا فُوجئت به هذه وقد أَلْقَمَت الرضيع ثديها، نزعته عن فيه؛ لِمَا يلحقها من الدَّهْشَة» (٢).

стр. 76

خامسًا: قواعد قرآنية (١): ١ - قاعدة: «من تَرَك شيئًا لله عَوَّضَه الله خيرًا منه» (٢): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ (الأنعام). قال ابن كثير ﵀: «وكان هذا مُجَازَاة لإبراهيم ﵇ حين اعتزل قومه وتركهم، ونَزَح عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فَعَوَّضَه الله عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صُلْبه على دينه؛ لِتَقَرَّ بهم عينه؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ (مريم)، وقال ها هنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾» (٣). قال السعدي ﵀: «ولما كان مُفَارَقة الإنسان لوطنه ومَأْلَفِه وأهله وقومه من أشق شيء على النفس لأمور كثيرة معروفة، ومنها انفراده عمن يَتَعَزَّز بهم ويتكثر، وكان من تَرَك شيئًا لله عَوَّضَه الله خيرًا منه، واعتزل إبراهيم قومه -قال الله في حقه:

стр. 77

﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا﴾ -من إسحاق ويعقوب- ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾؛ فحصل له هبة هؤلاء الصالحين المُرسَلين إلى الناس الذين خَصَّهم الله بوحيه، واختارهم لرسالته، واصطفاهم من العالمين» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ (النحل). قال ابن كثير ﵀: «فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم، فعوَّضهم الله خيرًا منها في الدنيا؛ فإن من ترك شيئًا لله، عَوَّضَه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع، فإنهم مَكَّن الله لهم في البلاد وحَكَّمَهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حُكَّامَا، وكل منهم للمتقين إمامَا» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ (النور). قال السعدي: ﵀: «فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله بسبب ترك المُحَرَّم الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئًا لله عَوَّضَه الله خيرًا منه، ومن غَضّ بصره عن المُحَرَّم أنار الله بصيرته» (٣).

стр. 78

٤ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ (النور). قال ابن القيم ﵀: «قال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وسِرّ هذا الخبر: أن الجزاء من جنس العمل، فمن غَضّ بصره عما حَرَّم الله عليه، عَوَّضَه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه، فكما أمسك نور بصره عن المُحَرَّمَات، أَطْلَق الله نور بصيرته وقلبه، فرأى به ما لم يَرَه من أَطْلَق بصره ولم يغضه عن مَحَارِم الله تعالى» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (السجدة). قال ابن رجب ﵀: «فإن المُتَهَجِّد قد ترك لذة النوم بالليل ولذة التَّمَتّع بأزواجه؛ طلبًا لما عند الله ، فَعَوَّضَه الله تعالى خيرًا مما تركه وهو الحُور العِين في الجنة» (٢).

стр. 79

٦ - قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾ (ص). قال السعدي: ﵀: «من ترك شيئا لله عَوَّضَه الله خيرًا منه؛ فسليمان ﵇ عَقَر الجِيَاد الصَّافِنَات المحبوبة للنفوس على هذا التفسير تقديمًا لمحبة الله، فَعَوَّضَه الله خيرًا من ذلك، بأن سَخَّر له الريح الرُّخَاء اللَّيِّنَة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غُدُوُّها شهر، ورَوَاحُها شهر، وسَخَّر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ (المجادلة). قال ابن كثير ﵀: «وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (٢٢)﴾، سِرٌّ بديع وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله، عَوَّضَهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المُقيم، والفوز العظيم والفضل العميم» (٢).

стр. 80

٢ - قاعدة: «الجزاء من جنس العمل»: التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (الفاتحة). قال ابن القيم ﵀: «من هُدِي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هُدِي هناك إلى الصراط المستقيم، المُوصِل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قَدْر ثُبوت قَدَم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثُبُوت قَدَمِه على الصراط المَنْصُوب على مَتْن جهنم، وعلى قدر سَيْره على هذه الصراط يكون سَيْره على ذاك الصراط؛ فمنهم من يَمُر كالبرق، ومنهم من يَمُر كالطَّرْف، ومنهم من يَمُر كالريح، ومنهم من يَمُر كشَدّ الرِّكَاب، ومنهم من يسعى سَعْيَا، ومنهم من يمشي مَشْيَا، ومنهم من يَحْبُو حَبْوَا، ومنهم المَخْدُوش المُسَلَّم، ومنهم المُكَرْدس في النار، فلينظر العبد سَيْرَه على ذلك الصراط من سَيْرِه على هذا، حَذْو القُذَّة بالقُذَّة، جزاء وفاقًا: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ (النمل)» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀: «وإنما اختص أهل الإحسان بقُرْب الرحمة منهم؛ لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بَعُد عن الإحسان بَعُدت عنه الرحمة بُعدًا بِبُعْد، وقُرْبًا بِقُرْب، فمن تَقَرَّب بالإحسان تَقَرَّب الله إليه برحمته، ومن تباعد

стр. 81

عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يُحِب المُحسنين، ويُبْغِض من ليس من المُحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه» اهـ (١). ٣ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾ (الأعراف). قال ابن كثير ﵀: «أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة، وذلك كما أرجفوا شُعيبًا وأصحابه وتَوَعَّدُوهم بالجَلَاء. كما أخبر عنهم في سورة هود فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ (هود)، والمُنَاسَبة في ذلك والله أعلم: أنهم لما تَهَكَّموا بنبي الله شعيب في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ (هود)، فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ (الشعراء)، وماذاك إلا لأنهم قالوا له في سِيَاق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ (الشعراء)، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظُّلَّة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله» (٢).

стр. 82

٤ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ (التوبة). قال الشنقيطي ﵀: «عاقب الله في هذه الآية الكريمة المُتَخَلِّفِين عن غزوة تبوك بأنهم لا يُؤْذَن لهم في الخروج مع نبيه ﷺ ، ولا القتال معه ﷺ ؛ لأن شُؤْم المُخَالَفة يُؤَدِّي إلى فَوَات الخير الكثير» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ (النحل). قال ابن القيم ﵀: «وقد ضَمِن الله سبحانه لكل من عمل صالحًا أن يُحييه حياة طيبة، فهو صادق الوعد الذي لا يُخْلِف وعده، وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هَمًّا واحدًا في مَرْضَاة الله، ولم يتشعب قلبه؟ ! بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت مُتَقَسِّمة بكل واد منها شُعبة على الله، فصار ذِكْره بمحبوبه الأعلى، وحُبّه والشوق إلى لقائه والأُنْس بقُربه هو المُسْتَولي عليه، وعليه تدور همومه وإرادته وقُصُودُه بكل خطرات قلبه، فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر، وبه يَبْطِش، وبه يمشي، وبه يسكن، وبه يحيا، وبه يموت، وبه يُبعث» (٢). ٦ - قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ (السجدة).

стр. 83

قال الحسن البصري ﵀: «أخفى قومٌ عملهم، فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ (السجدة). قال ابن كثير ﵀: «قال ابن عُيينة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا (٢٤)﴾ (السجدة)؛ قال: «لما أخذوا برأس الأمر، صاروا رؤوسًا. قال بعض العلماء: بالصبر واليقين، تُنال الإمامة في الدين» (٢). ٨ - قال تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ (فاطر). قال ابن القيم ﵀: «وقد شَاهَد الناس عيانًا أن من عاش بالمَكْر مات بالفقر» (٣). ٩ - قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ (الإنسان). قال ابن تيمية ﵀: «ولما كان في الصبر من حَبْس النفس والخشونة التي تلحق الظاهر والباطن من التعب والنَّصَب والحرارة ما فيه، كان الجزاء عليه بالجنة التي فيها السعة والحرير الذي فيه اللِّين والنعومة والاتِّكَاء الذي يتضمن الراحة والظلال المُنافية للحَر» (٤).

стр. 84

١٠ - قال تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧)﴾ (المطففين). قال ابن القيم ﵀: «قال ابن عباس ﵄ وغيره: يشرب بها المُقَرَّبُون صِرْفًا، ويُمْزَج لأصحاب اليمين مَزْجًا، وهذا لأن الجزاء وِفَاق العمل، فكما خلصت أعمال المُقَرَّبين كلها لله، خلص شرابهم، وكما مَزَج الأبرار الطاعات بالمُبَاحَات، مُزِج لهم شرابهم، فمن أخلص أُخْلِص شرابه، ومن مَزَج مُزِج شرابه» (١). ١١ - قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾ (الأعلى). قال ابن تيمية ﵀: «فالجزاء من جنس العمل؛ لما كان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة التي خُلِق لأجلها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتًا عديم الإحساس؛ كان في الآخرة كذلك» (٢). ١٢ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ (الليل). قال ابن القيم ﵀: «فالنفس المُطيعة هي النافعة المُحسِنة التي طَبْعُها الإحسان وإعطاء الخير اللازم والمتعدي، فَتُعطي خيرها لنفسها ولغيرها، فهي بمنزله العين التي ينتفع الناس بشربهم منها، وسَقْي دوابهم وأنعامهم وزرعهم، فهم ينتفعون بها كيف شاؤوا، فهي مُيَسَّرة لذلك، وهكذا الرجل المبارك مُيَسَّر للنفع حيث حَل، فجزاء هذا أن يُيَسِّره الله لليُسرى كما كانت نفسه مُيسَّرة للعطاء» (٣).

стр. 85

٣ - قاعدة: «من ترك الإقبال على ما ينفعه ابتُلي بالاشتغال بما يضره» (١): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ (البقرة). قال السعدي ﵀: «ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع، ابتُلي بالاشتغال بما يضره؛ فمن ترك عبادة الرحمن ابتُلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل. كذلك هؤلاء اليهود لما نَبَذُوا كتاب الله اتَّبَعُوا ما تتلوا الشياطين وتَخْتَلِق من السحر على مُلْك سليمان؛ حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أن سليمان ﵇ كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم» (٢).

стр. 86

٢ - قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (الأنعام). قال ابن القيم ﵀: «من عُرِض عليه حق فَردَّه ولم يقبله، عُوقِب بفساد قلبه وعقله ورأيه» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ (الأحزاب). قال ابن القيم ﵀: «فأخبر الله أن الفرار من الموت بالشهادة لا ينفع، فلا فائدة فيه، وأنه لو نفع لم ينفع إلا قليلًا؛ إذ لابد له من الموت، فيفوته بهذا القليل ما هو خير منه وأنفع من حياة الشهيد عند ربه. ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾ (الأحزاب). فأخبر سبحانه أن العبد لايعصمه أحدٌ من الله إن أراد به سوءًا غير الموت الذي فَرَّ منه؛ فإنه فَرّ من الموت لمّا كان يسوءه، فأخبر الله سبحانه أنه لو أراد به سوءًا غيرَه لم يعصمه أحدٌ من الله، وأنه قد يَفِر مما يسوءه من القتل في سبيل الله، فيقع فيما يسوءه مما هو أعظم منه. وإذا كان هذا في مُصِيبة النفس، فالأمر هكذا في مُصِيبة المال والعِرْض والبدن؛ فإن من بخل بماله أن ينفقه في سبيل الله تعالى وإعلاء كلمته، سَلَبه الله إياه أو قَيَّض له إنفاقه فيما لا ينفعه دنيا ولا أُخرى، بل فيما يعود عليه بمضرته

стр. 87

عاجلًا وآجلًا! وإن حَبَسَه وادَّخَره مَنَعه التَّمَتُّع به ونَقَلَه إلى غيره فيكون له مَهْنَؤُه وعلى مُخلِّفه وِزْرُه! وكذلك من رَفَّه بدنه وعِرْضه وآثر راحته على التعب لله وفي سبيله؛ أتعبه الله سبحانه أضعاف ذلك في غير سبيله ومرضاته، وهذا أمر يعرفه الناس بالتجارب. قال أبو حازم ﵀ (١): لَمَا يلقى الذي لا يتقي الله من مُعَالَجة الخلق، أعظم مما يلقى الذي يتقي الله من مُعَالَجة التقوى (٢). واعْتَبِر ذلك بحال إبليس؛ فإنه امتنع من السجود لآدم فِرَارًا أن يخضع له ويذل، وطلب إِعْزَاز نفسه؛ فَصَيَّره الله أذل الأذلين، وجعله خَادِمًا لأهل الفسوق والفجور من ذريته، فلم يرض بالسجود له ورضي أن يخدم هو وبنوه فُسَّاق ذريته. وكذلك عُباد الأصنام؛ أَنِفُوا أن يتّبعوا رسولًا من البشر، وأن يعبدوا إلهًا واحدًا سبحانه، ورضوا أن يعبدوا آلهة من الأحجار! وكذلك كل من امتنع أن يَذِل لله، أو يَبْذُل ماله في مرضاته، أو يُتْعِب نفسه في طاعته؛ لابد أن يَذِل لمن لا يَسْوَى ويبذل له ماله ويُتعِب نفسه وبدنه في طاعته ومرضاته؛ عقوبة له؛ كما قال بعض السلف: من امتنع أن يمشي مع أخيه خطوات في حاجته، أمشاه الله تعالى أكثر منها في غير طاعته» (٣).

стр. 88

الباب الثالث النظر والتدبُّر في المناسبات (١)

стр. 89

النظر والتدبر في المناسبات (١) بأنواعها: أ. الربط بين السورة والتي قبلها، والسورة والتي بعدها (عند القائل بأن ترتيب السور توقيفي): التطبيق: ١ - (سورتا: القمر والرحمن): قال ابن الزبير الغرناطي ﵀ (٢): «إذا تأملت سورة القمر، وجدت خطابها وإعذارها خاصًّا ببني آدم، بل بمشركي العرب منهم فقط، فأُتْبِعَت بسورة الرحمن؛ تنبيهًا للثقلين وإعذارًا إليهم، وتقريرًا للجنس على ما أودع الله تعالى في العالم من العجائب والبراهين الساطعة؛ فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ خطابًا للجنسين، وإعذارًا للثقلين، فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان» (٣).

стр. 90

٢ - (سورتا: الفيل وقريش): قال السيوطي ﵀: «والمعنى أن الله أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش» (١). وقيل: «حَبَسْنَا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله؛ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين» (٢). وقيل: «كأنه قال سبحانه: أهلكتُ أصحاب الفيل لأجل تَأَلُّف قريش» (٣). قال الفراء (٤): «هذه السورة متصلة بالسورة الأولى؛ لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة، ثم قال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ أي: فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش، وذلك أن قريشًا كانت تخرج في تجارتها فلا يُغَار عليها في الجاهلية، يقولون: هم أهل بيت الله ، حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبني بها بيتًا في اليمن يحج الناس إليه، فأهلكهم الله ، فَذَكَّرَهم نعمته؛ أي: فعل ذلك لإيلاف قريش؛ أي: ليألفوا الخروج ولا يُجترأ عليهم»، وذكر نحو هذا ابن قتيبة. قال الزجاج: «والمعنى: فجعلهم كعصف مأكول لإلف قريش؛ أي: أهلك الله أصحاب الفيل؛ لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف» (٥). وقال في الكشاف: «إن اللام متعلق بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أمرهم أن يعبدوه؛ لأجل إيلافهم الرحلتين» (٦).

стр. 91

ب. الربط بين صدر السورة وخاتمتها: التطبيق: ١ - سورة النحل: «افتُتِحت بالنّهي عن الاستعجال، وخُتِمت بالأمر بالصبر» (١). قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ (النحل)، وخُتمت بقوله سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ (النحل). ٢ - سورة الإسراء: «افتُتحت بالتسبيح، وخُتمت بالتحميد» (٢). قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ (الإسراء)، وخُتمت بقوله سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ (الإسراء). ٣ - سورة المؤمنون: «جعل فاتحة السورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، وأورد في خاتمتها ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾، فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة» (٣).

стр. 92

ج. الربط بين الآية والتي قبلها، والآية والتي بعدها: قال شيخ الإسلام ﵀: «فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن؛ تبين له الُمراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج» (١). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ (الفاتحة). قال القرطبي ﵀: «وصف الله تعالى نفسه بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، بأنه: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه لما كان في اتصافه بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيب، قرنه بـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لما تضمن من الترغيب؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه؛ فيكون أعون على طاعته وأمنع» (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة). قال ابن القيم ﵀: «ولما كان طالبُ الصراط المستقيم طالبَ أمر أكثرُ الناس ناكبون عنه، مُرِيدًا لسلوك طريقٍ مُرَافِقُه فيها في غاية القلة والعزة، والنفوس مَجبولة على وحشة التَّفَرُّد، وعلى الأُنْس بالرفيق نَبَّه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم الذين: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (النساء)، فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم؛ لِيَزول عن الطالب للهداية وسلوك

стр. 93

الصراط وحشةُ تَفَرُّدِه عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قَدْرًا، وإن كانُوا الأكثرين عددًا ... » (١). وقال ﵀ في موضع آخر: «أفلا ترى كيف أفاد وصفك لها بأنها طريق السالكين الناجين قَدْرًا زائدًا على وصفك لها بأنها طريق موصلة وقريبة سهلة مستقيمة؟ ! فإن النفوس مجبولة على التأسي والمتابعة، فإذا ذُكِر لها من تتأسى به في سلوكها، أنست واقتحمتها، فتأمله» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة). قال السعدي ﵀: «ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾؛ أي: يستيقنون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ فيجازيهم بأعمالهم، ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ فهذا الذي خفف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونَفَّسَ عنهم الكُربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغُرُفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه» (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ (البقرة).

стр. 94

«لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر والصلاة؛ فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نِقْمَة فيصبر عليها» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (البقرة). قال ابن رجب ﵀: «بعد ذِكْرِ تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار، ذَكَر تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل؛ فإنه مُحَرَّم بكل حال، لا يباح في وقت من الأوقات» (٢). ٦ - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ (آل عمران).

стр. 95

قال ابن عاشور ﵀: «لأنه لما أَظهر لهم نِعْمة نَقْلِهم مِن حالَتَي شقاء وشَنَاعة، إلى حالَتَي نعيمٍ وكمالٍ، وكانوا قد ذاقوا بين الحالتين الأَمَرَّيْن، ثم الأَحْلَوَيْن، فَحَلَبُوا الدهر أَشَطْرَيْه كانوا أَحْرِيَاء بأن يَسْعَوا بكل عزمهم إلى انتشال غيرهم من سوء ما هو فيه، إلى حُسْنَى ما هم عليه؛ حتى يكون الناس أمة واحدة خَيِّرة» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ (آل عمران). قال ابن عثيمين ﵀: «النهي عن التَّفَرُّق بعد ذِكْرِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يدل على أن تركه هو سبب للتفرق» (٢). ٨ - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ (النساء). فالأمر بالاستغفار بعد قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، يدل على أن الحاكم -القاضي- والمفتي ونحوهما بحاجة إلى الاستغفار؛ ليقع الحكم والفتيا على الصواب. قال شيخ الإسلام ﵀: «إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تُشْكِل علي، فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينحل إشكال ما أشكل»، قال: «وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة، لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي» (٣).

стр. 96

٩ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ (الأعراف). قال البقاعي ﵀ (١): «ولما ذكر المُصِرِّين على المعصية، عطف عليه التائبين؛ ترغيبًا في مثل حالهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾» (٢). ١٠ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ (الأنبياء). قال ابن كثير ﵀: «الحكمة من ذكر عجلة الإنسان ها هنا: أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستُعْجِلَت، فقال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾؛ لأنه تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته، يُؤجَّل ثم يُعجَّل، ويُنْظَر ثم لا يُؤَخَّر؛ ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: نقمتي واقتداري على من عصاني، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾» (٣). ١١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (الفرقان).

стр. 97

قال الزركشي ﵀: «أذهلني يومًا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ (٢٦)﴾، فقلت: يا لطيف! ! عَلِمْتَ أن قلوب أوليائك الذين يعقلون هذه الأوصاف عنك وتتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك فَلَطَفْت بهم فَنَسَبْت ﴿الْمُلْكُ﴾ إلى أَعَمِّ اسم في الرحمة فقُلْت: ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾؛ ليلاقي هذا الاسم تلك القلوب التي يحل بها الهول فَيُمَازِج تلك الأهوال، ولو كان بدله اسمًا آخر من عزيزٍ وجبارٍ لتفطرت القلوب» (١). ١٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ (الأحزاب). لما ذكر الله تعالى آيات الحجاب في سورة الأحزاب، تَوَعَّد قبلها المنافقين وأضرابهم الذين يؤذون الله ورسوله وأهل الإيمان، وهم حرب على الفضيلة وأهلها، ثم أعقبها بِتَوَعُّد المنافقين وأصحاب القلوب المريضة، وأهل الإرجاف وقالة السوء، فيدخل في ذلك الطاعنون في الحجاب والسَّتْر والعفاف، والمُؤذُون لذوات الطُّهر والحِشْمة.

стр. 98

١٣ - قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ (الصافات). «قيل: رُوعي هنا مقابلة قولهم: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾؛ لأنه يُفهم منه إرادتهم علو أمرهم بفعلهم ذلك، فَقُوبلوا بالضد، فَجُعِلوا الأسفلين» (١). ١٤ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ (ق). قال ابن القيم ﵀: «وتأمل قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾، فإن أعداء الرسول ﷺ نسبوه إلى ما لا يليق به، وقالوا فيه ما هو مُنَزَّه عنه، فأمره الله أن يصبر على قولهم، ويكون له أسوة بربه ، حيث قال أعداؤه فيه ما لا يليق» (٢). ١٥ - قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (الإنسان). قال ابن القيم ﵀: «إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا ونهارًا لله، وتحمل لأجله المشاقَّ في مرضاته وطاعته، خَفَّ عليه الوقوفُ في ذلك اليوم وسَهُلَ عليه، وإن آثر الراحة هنا والدَّعَة والبَطَالَة والنعمة، طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه» (٣).

стр. 99

١٦ - قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (الشرح). من القواعد العامة: (التخلية قبل التحلية)، وقد وردت في القرآن كثيرًا؛ في مثل قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، وهذا مقام التخلية، فلما خَلَّاه بوضع الوزر عنه، حلَّاه برفع الذِّكْر: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، واعْتَبِر هذا في القرآن في كلمة التوحيد وغيرها تجده كثيرَ الوقوع في القرآن (١). ١٧ - قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ (الماعون). قال ابن عاشور ﵀: «هذا إيذانٌ بأنَّ الإيمانَ بالبعث والجزاء هو الوازع الحق الذي يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة؛ حتى يصير ذلك لها خُلُقًا إذا شَبَّت عليه، فزكت وانساقت إلى الخير بدون كلفة ولا احتياج إلى أمر، ولا إلى مخافة ممن يقيم عليه العقوبات، حتى إذا اختلى بنفسه، وأَمِنَ الرُّقَباء، جاء بالفحشاء والأعمال النكراء! » (٢).

стр. 100

د. الربط بين الجمل: التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة). قال ابن القيم ﵀: «إن القلب يَعْرِض له مرضان عظيمان، إن لم يَتَدَارَكهما العبد تَرَامَيَا به إلى التَّلَف ولابد؛ وهما: الرياء، والكِبْر، فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ودواء الكِبْر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء. فإذا عُوفِيَ من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ومن مرض الكبرياء والعُجْب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، عُوفِيَ من أمراضه وأسقامه، وَرَفَلَ في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان مِنَ المُنْعَمِ عليهم، غير المغضوب عليهم؛ وهم أهل فساد القصد، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين؛ وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحَقَّ لسورة تشتمل على هذين الشِّفَاءَيْن أن يُسْتَشْفَى بها من كل مرض» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ (البقرة). «الخادم متى علم أن مخدومه مُطَّلِع عليه؛ كان أحرص على العمل وأكثر الْتذاذًا به، وأقل نُفرة عنه، وكان اجتهاده في أداء الطاعات وفي الاحتراز عن

стр. 101

المحظورات أشد؛ فلهذه الوجوه أَتْبَع الله تعالى الأمر بالحج والنهي عن الرفث والفسوق والجدال بقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ (الأنفال). قال ابن القيم ﵀: «تأمل كيف أخبر عن حيلولته بين المرء وقلبه بعد أمره بالاستجابة له ولرسوله، كيف تجد في ضمن هذا الأمر والخبر أن من ترك الاستجابة له ولرسوله، حال بينه وبين قلبه؛ عقوبة له على ترك الاستجابة، فإنه سبحانه يعاقب القلوب بإزاغتها عن هداها ثانيًا، كما زاغت هي عنه أولًا؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: ٥)» (٢). ٤ - قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ (غافر). قال ابن القيم ﵀: «تأمل كيف وقع الوصف بشديد العقاب بين صفة رحمة قبله وصفة رحمة بعده، فقبله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾، وبعده: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾؛ ففي هذا تصديق الحديث الصحيح وشاهد له، وهو قوله ﷺ : «لما قضى اللهُ الخلقَ، كتب كتابًا عنده: غلبَتْ -أو قال: سبَقَتْ- رحمتي غضَبي، فهو عنده فوقَ العَرْشِ» (٣) ... وقد سبقت صفة الرحمة هنا وغلبت» (٤).

стр. 102

٥ - قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ (النجم). قال شيخ الإسلام ﵀: «فوصفَه بأنه ليس بضال وهو الجاهل، ولا غاوٍ وهو الظالم، فإن صلاحَ العبد في أن يعلمَ الحقَّ ويَعمَلَ به، فمن لم يَعلمِ الحقَّ فهو ضالٌّ عنه، ومَن عَلِمَه فخالفَه واتبَعَ هواه فهو غاوٍ، ومَن علمه وعَمِل به، كان من أولي الأيدي عملًا، ومن أولي الأبصار علمًا» (١). ٦ - قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (الإنسان: ٢١). قال ابن كثير ﵀: «ولما ذكر تعالى زينة الظاهر بالحرير والحلي، قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾؛ أي: طَهَّر بواطنهم من الحسد والحقد والغل والأذى وسائر الأخلاق الردية» (٢).

стр. 103

هـ. الربط بين موضوع الآية وخاتمتها: - قال البقاعي ﵀: «ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم، لاح له الابتداء» (١). التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: ٢٠٣). قال ابن كثير ﵀: «فإنه لما ذكر الله تعالى النَّفْر الأول والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق، بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تجتمعون يوم القيامة» (٢). وقال السعدي ﵀: «﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، فمجازيكم بأعمالكم؛ فمن اتقاه وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله؛ فلهذا حث تعالى على العلم بذلك» (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ (البقرة).

стр. 104

قال في الكشاف: «ورُوي أنّ قارئًا قرأ (غفور رحيم)، فسمعه أعرابي فأنكره -ولم يقرأ القرآن- وقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم! ! لا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه» (١). ٣ - قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ (النساء). لما ذكر الله قوامة الرجل على المرأة، وحق الزوج في تأديب امرأته الناشز، ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، فَذَكَّر بعلوه وكبريائه ترهيبًا للرجال؛ لئلا يعتدوا على النساء، ويتعدوا حدود الله التي أمر بها (٢). قال القاسمي ﵀: «﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ فاحذروه؛ تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم؛ فالله علي كبير، قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن، وأكبر درجة منهن، فإن الله أعلى منكم، وأقدر منكم عليهن، فخَتْمُ الآية بهذين الاسمين فيه تمام المناسبة» (٣).

стр. 105

٤ - قال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: ١١٨). قال ابن القيم ﵀: «ولم يقل: (الغفور الرحيم) وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى؛ فإنه قاله في وقت غضب الرب عليهم، والأمر بهم إلى النار، فليس هو مقام استعطاف ولا شفاعة، بل مقام براءة منهم» (١). وكذلك فإنه حينما يعذبهم أو يغفر لهم، فإن ذلك صادر عن عزة وحكمة، وليس عن ضعف وعجز عن المؤاخذة حال المغفرة، أو وَضْع للأمر في غير موضعه. ٥ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (الأعراف). قال شيخ الإسلام ﵀: «لما كان قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي: الحُبُّ والخوف والرجاء، عَقَّبها بقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: إنما تَنَالُ من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسن، والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة» (٢). ٦ - قال تعالى في سياق خطاب شعيب ﵇ لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (هود).

стр. 106

قال السعدي ﵀: «أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي، ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ (يوسف). قال شيخ الإسلام ﵀: «من احتمل الهوان والأذى في طاعة الله على الكرامة والعز في معصية الله -كما فعل يوسف ﵇ وغيره من الأنبياء والصالحين- كانت العاقبة له في الدنيا والآخرة، وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيمًا وسرورًا» (٢). ٨ - قال تعالى بعد أن ذكر آيات المُلَاعَنَة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ (النور). قال السيوطي ﵀: «فإن بادئ الرأي يقتضي «تواب رحيم»؛ لأن الرحمة مناسبة للتوبة، لكن عبر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللعان وحكمته، وهي السَّتْر عن هذه الفاحشة العظيمة» (٣).

стр. 107

٩ - قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣٠، ٣١). قال شيخ الإسلام ﵀: «في قوله في آخر الآية: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فوائد جليلة؛ منها: أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة في هذا السياق؛ تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التي هي: ترك غض البصر، وحفظ الفرج، وترك إبداء الزينة، وما يتبع ذلك، فَمُسْتَقِل ومُسْتَكْثِر» (١). ١٠ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ (القصص). قال ابن هبيرة ﵀: «إنما ذكر السماع عند ذكر الليل، والإبصار عند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار، ويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل».

стр. 108

قال المُبَرِّد ﵀ (١): «سلطان السمع في الليل، وسلطان البصر في النهار» (٢). ١١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ (السجدة). «تلحظ هنا توافق النسق القرآني بين صدر الآيات وعَجُزها، ففي الآية السابقة قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... ﴾؛ أي: يدلُّ ويرشد، والكلام فيها عن قصص تاريخي، فناسبها: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، أما هنا فالكلام عن مَشَاهِد مَرْئية، فناسبها: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾؛ فهذا ينبغي أنْ يُسمع، وهذا ينبغي أنْ يُرى» (٣). ١٢ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ (الشورى). قال ابن عاشور ﵀: «وذكر صفتي الولي الحميد دون غيرهما؛ لمناسبتهما للإغاثة؛ لأن الولي يُحسِن إلى مواليه، والحميد يعطي ما يُحْمَد عليه» (٤).

стр. 109

و. الربط بين المقاطع في السورة: التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (النساء). ثم قال بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (النساء). قال السيوطي ﵀: «تقدم أن صورة السبب قطعية الدخول في العام، وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحُسْن السياق، فيكون ذلك الخاص قريبًا من صورة السبب في كونه قطعي الدخول في العام، كما اختار السُّبْكِي أنه رُتْبَة متوسطة دون السبب وفوق المُجَرَّد. مثالُه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ... إلى آخِرهِ، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لَمَّا قَدِموا مكة وشَاهدوا قتلى بدرٍ حَرَّضوا المُشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النَّبي ﷺ فَسَألوهم: من أهدى سبيلًا؟ محمد وأصحابه أم نحن؟ فقالوا: أنتم! !

стр. 110

مع علمهم بما في كتابهم من نعت النَّبي ﷺ المُنْطَبِق عليه، وأخذ المواثيق عليهم ألا يكتموه، فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يُؤَدُّوها حيث قالوا للكفار: أنتم أهدى سبيلًا، حسدًا للنبي ﷺ . فقد تضمنت هذه الآية مع هذا القول: التَّوَعُّدَ عليه؛ المفيد للأمر بِمُقَابِلِه المُشْتَمِل على أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبي ﷺ بإفادة أنَّه الموصوف في كتابهم، وذلك مناسب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فهذا عام في كلِّ أمانة، وذلك خاص بأمانة هي صفة النبي ﷺ بالطريق السابق، والعامُّ تَالٍ للخاص في الرَّسم مُتراخٍ عنه في النزول، والمناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص في العام؛ ولذا قال ابن العربي في تفسيره: وجه النظم: أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد، وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلًا، فكان ذلك خيانة منهم، فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات» (١). ولمزيد من الإيضاح فإن هذه الآيات: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (النساء: ٥١ - ٥٧) نزلت -فيما رُوي (٢) - بسبب سؤال المشركين لليهود: أنحن أهدى أم محمد؟ فأجابهم اليهود: أنتم أهدى من محمد! ! وسجدوا لأصنامهم؛ فكان ذلك منهم كتمانًا للشهادة بالحق، وتضييعًا للأمانة التي حُمِّلُوها. ثم قال بعد هذه الآيات: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فهذه الآية نزلت -فيما رُوي- بسبب مفاتيح الكعبة.
следующие страницы →