أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١)
ويكون ذلك بالمعروف لحديث: (من أمَرَ بمعروفٍ فليكنْ أمرهُ بمعروفٍ) (٢).
/ [١٢٩/أ] وظاهر الحديث: أنَّه لا يتوقَّف على إذنِ الإمام أو نائبه، ومحلُّه إن لم يَخفْ من عدم استئذانه مفسدةً راجحةً أو مُسَاويةً، وإلا توقَّف على إذنه.
(بِيَدِهِ) لأنَّها أبلغ في تغييره، كإراقة الخمر، وتفكيك آلة اللهو، والحيلولة بين الضارب
стр. 179
والمضروب، كذا قرَّره شارحٌ (١)، وقال آخرُ: يغيِّرُهُ بيده إن توقَّفَ تغييره عليها (٢).
(فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) ذلك بيده (فَبِلِسَانِهِ) أي: بقوله، كأن يصيحَ عليهم فيتركوه، أو يسلِّط عليهم من يغيِّره، كذا قرَّره جمع من الشرَّاح (٣).
وقضيَّته: أنَّه لو أمكنه إزالتُه بالمباشرة [وإزالتُه بالقول: أنَّه يجب إزالته بالمباشرة] (٤) ولا يكفي إزالته بالقول, كصياحٍ واستغاثة، وهذا لا يسوغ المصير إليه؛ لأنَّ المقصود من الأمر: إنَّما هو الإزالة بأيِّ طريقٍ كان (٥)، فلزوم تقديم الإزالة باليد (٦) التي هي عبارةٌ عن التصرُّف الفعليِّ بأن يريق الخمر مثلًا بنفسه، أو يصيح على من أَوْلَج أو يريد الإيلاج في أجنبيَّةٍ ليفارقها، أو يهدِّده إن لم يترك شرب الخمر أو الزِّنا بإحضار أعوان السلطان والقبض عليه ونحو ذلك، فإن أمكنه ذلك فهو الواجب أصالةً، وإن عجز عنه سقط التكليف بذلك، ولزمه الإنكار باللسان بنحو: توبيخٍ، وتحذيرٍ من لحوق العارِ بِه، وسقوط جاهه ومنزلته من القلوب، وتذكيره بالله وأليم عقابه، مع لينٍ أوإغلاظٍ بحسب ما يقتضيه الحال، وقد يبلغ في ذلك بالرفق ما لم يبلغ بغيره (٧).
حكى التَّاج السبكيُّ (٨) عن أبيه (٩): أنَّه كان يجتمع ببعض الأمراء، وكان الأمير يُلَازم
стр. 180
الحرير، فقال يا أميرُ: بِكَمْ هذا الذِّراعُ؟ قال: بدينارٍ، قال: من الصوف ما كلّ ذراعٍ منه بدنانيرَ، ومماليكُكَ وخدَمُك يشاركونك في لُبس الحرير، ولا يليق بشَهامتك أن يُساووكَ؛ فاعدل إلى الصوف؛ فإنَّه أعلى وأغلى، مع ما فيه من السلامة من العقاب الأخرى! (١) فاستحسن كلامه وترك الحرير (٢)،
ولو قال له ابتداءً: هذا حرامٌ فاتركه لم يُفِدْ، فهذا النوع من الرفق والتلطف واجبٌ فيمن يليق به.
وقول الشيخ الهيتميِّ: عقب قوله: (فبلسانه): (أي: بقوله المرتَجَى نفعه) (٣): غير سديدٍ؛ إذ لا يُلائِمُ المصحَّحَ في مذهبه في وجوب / [١٢٩/ب] الإنكار, وإن عَلم أنه لا يفيد، كما نَقَل هو عن الروضة (٤) -بعد ذلك- أنَّه حكى عليه فيها إجماع العلماء وانتصر له وردَّ على من خالفه (٥).
стр. 181
نعم (١) يشترط ألَّا يغلب على الظنِّ (٢) أنَّ المنهيَّ يزيد فيها عِنَادًا، وألَّا يتولَّد من الأمر ما هو أنكرُ (٣)، وأن يكون المنكَر مُجْمَعًا عليه (٤)، وأن يعتقد فاعلُه تحريمَه، أو حِلَّه وضعفتْ
стр. 182
شُبْهَتُه جدًّا كنكَاحِ مُتْعَةٍ، ولا يناقضُ الحديثَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ (١) لأنَّ معناه: إذا فعلتمْ ما أُمرتمْ به لا يضرُّكم تقصيرُ غيرِكم.
وظاهر الحديثِ: أنَّه يلزمه الأمر والنهي وإن كان هو لم يمتثلْ ذلك، وبه صرَّح في رواية الطبرانيِّ من حديث أنسٍ: «قلت يا رسول الله: لا نأمرُ بالمعروف حتى نفعلَه، ولا ننهَى عن المنكر حتَّى نجتنبَه، فقال: مُرُوا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهَوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله» (٢).
أي: لأنَّه يجب ترك المنكر وإنكاره، فلا يسقُط بترك أحدهما وجوب الآخر، ولهذا قيل للحسن: فلانٌ لا يعظُ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال وأيُّنا يفعل ما يقول؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذا، فلم يأمر أحدٌ بمعروفٍ، ولم ينهَ عن منكرٍ (٣).
ولو توقَّف الأمرُ والنَّهيُ على الِاجتناب لرُفع الأمرُ بالمعروف، وتعطَّل النَّهيُ عنِ المنكر،
стр. 183
وانسدَّ بابُ النَّصيحة التي حثَّ الشَّارعُ عليها، سيَّما في هذا الزمان الذي صار التلبُّس فيها بالمعاصي شعارَ الأنام، ودثارَ الخاصِّ والعامِّ! .
ولهذا قال العارفُ ابن عربيٍّ (١): لو كُشِفَ لوليٍّ أنَّ فلانًا لا بدَّ أن يزنيَ بفلانةَ، أو يشربَ الخمرَ لزمه النَّهيُ ولم يسقُطْ عنه؛ لأنَّ نور الكشف لا يطغى (٢) نورَ الشَّرْع، فمشاهدته من طريق الكشْفِ لا يسقط النهي عنه؛ لأنَّه -تعالى- تعبَّدَنا بإزالة المنكر، وإن شهدنا كشفًا أنَّه [منكرٌ] (٣)
متحتِّمُ الوقوع، ولا يعارِض ذلك: أنَّ المصطفى: (رأى في النَّار قومًا يدورون كما تدور الرَّحَى، فسأل جبريلَ، فقال: كانوا يأمرون بالمعروف ولا يفعلونه، وينْهَون عن المنكر ويفعلونه) (٤)، ما ذاك إلَّا لأنَّ تعذيبهم إنما هو على [فعل] (٥) المنكر،
стр. 184
لا على إنكاره مع التلبُّس بفعله بشهادة الحديث المتقدِّم.
وعلى الإمام نصبُ محتسِبٍ (١) يأمرُ وينهى وإن لم يختصَّ بذلك به.
(فإن لم يستطع) الإنكارَ بلسانه لوجود مانعٍ كخوف فتنةٍ، وشَهْرِ سلاحٍ، أو خوفٍ على نفسٍ أو عضوٍ أو مالٍ محترمٍ أو نحو ذلك (فبقلبه) ينكرُهُ وجوبًا بأن يكرهه به، / [١٣٠/أ] ويعْزِم أنَّه لو قدر بقولٍ أو فعلٍ فَعلَ، وهذا واجبٌ عينًا على كلِّ أحدٍ بخلاف الّلَذَين قبله، وذلك لأنَّهُ يجب على الإنسان كراهة ما يكرهه الله من المعاصي، والأعمال بالنيَّات، وهذا تدرُّجٌ في تغييره بحسَبِ الاستطاعة الأبلغ فالأبلغ، كما في قول المصطفى ﷺ لعمرانَ بنِ حُصَينٍ: (صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ) (٢).
وعكسُهُ قول الفقهاء في دفع الصَّائل (٣): يُتنزَّل من الكلام، إلى العصا، إلى السَّيف، الأسهل فالأسهل (٤).
وأفاد الحديثُ: وجوبَ تغيير المنكر بكلِّ طريقٍ ممكنٍ، وأنَّه لا يكتفي بالوعظ لمن أمكنه
стр. 185
تغييره باليد ولم يخفْ فتنةً، ولا بالقلب لمن يمكنه اللسان.
(وذلك) أي: الإنكار بالقلب (أضعفُ الإيمان) أي: أقلُّ خصاله، فالمراد به: الإسلام، وأقلُّ آثار الإيمان وثمراته (١)؛
لما مرَّ في حديث جبريل: أن الإيمان هو التصديق (٢).
وصلاحُ الإيمان، وجرَيانُ شرائع الأنبياء الكرام: إنَّما يستمرُّ عند استحكام هذه القاعدة.
وإنَّما كان تغييره بالقلب أضعفَ الإيمان لأنَّ مجرَّد كراهته له بقلبه لا يحصل بها زوالُ
стр. 186
مفسدةِ المنكر المطلوب زوالُه، فهو قاصرٌ بخلافه باليد واللسان فإنه متعدٍّ؛ لأنَّه كراهةٌ وإزالةٌ.
وفي رواية زيادةُ: (وليس وراء ذلك من الإيمان حبَّةُ خردلٍ) (١) أي: ليس وراء هذه المرتبة مرتبةٌ أخرى؛ لأنَّه إذا لم يكرهه بقلبه رضي به، وذلك ليس شأن أهل الإيمان، وقد قيل: التغيير باليد للأمراء، وباللِّسان للعلماء (٢)، وبالقلب للعامَّة (٣)(٤).
قال بعض الأعيانِ: وينبغي للآمر بالمعروف: أن يقصدَ به وجه الله، وإعزازَ الدين لينصره الله تعالى، فإنه بذلك القصد لا يخِيْبُ.
ولو رضي بالمنكَر بقلبه: فإنْ رضيَه معتقِدًا جوازَه كَفَرَ؛ لتضمِّنِه تكذيبَ الشرع في تحريمه، أو رَضِيَ به لغلبة الهوى والشهوة مع اعتقاد تحريمه: فَسَقَ.
والحديث يصلُح أن يكون نصف الإسلام، من حيث إنَّ أعمال الشريعة إمَّا: معروفٌ يجب الأمر به، أو منكرٌ يجب النَّهي عنه، وهو أصلٌ في صفة التغيير، فلمن قام به أن يغيِّره بكل طريقٍ أمكن زواله به قولًا أو فعلًا، بنفسه أو بغيره مخلصًا بنيَّتِه، ولا يهابُ من يُنكَر عليه وإن علت رتبته؛ فإن الله ينصره بدليل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٥)
стр. 187
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾ (١) ولا يتركه لمداهنةٍ وطلب جاهٍ، / [١٣٠/ب] أو وجاهةٍ، ولا لِصَداقةٍ ومَودَّةٍ؛ لأنَّ صداقته ومودَّته تُوجب له حُرْمَةً وحقًّا، [ومن حقِّه]: (٢) أنْ يَنْصَحَه ويَهْديَهُ إلى مصالح آخرته، ويُنقذه من مَضارِّها، وصديقُ الرَّجُل: من سعى في عِمَارة آخرته، وعدوُّه: مَنْ يَسْعَى في خرابها.
هذا، ولا يُشْترط في المنكِر: كونُه مُطاعًا نافذَ الأمر [كما مَرَّ] (٣)، فإذا لم يمتثل المخاطَب فلا لوم على المنكِر؛ لأنَّه أدَّى ما عليه، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٤) ولا يتجسَّس إلَّا إنْ أخبره ثقةٌ بأنَّ هناك ما لا يجوز فعلُه، كرجلٍ خلَا بامرأة ليزْنيَ بها، فله البحث عنها حَذَرًا من فَوْتِ ما لا يمكنه تداركُهُ.
وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مِنْ شُعَبِ الإيمان، وبه قِوام الدِّين ومِلاكه، وقد سدَّه الظلمة وأعوانُهم بتغلُّبهِمْ على العلماء وغيرهم حتَّى لا يبقَى للعالم معهم كلمة (٥).
تنبيه: قال الطُّوفي: الناس: إمَّا آمرٌ بمعروفٍ ناهٍ عن المنكَر فهو المؤمن العدْل، أو لا آمرٌ بمعروفٍ ولا ناهٍ عن منكَرٍ، فإن كان مع عدم الحاجة إلى ذلك فهو معذورٌ، وإن كان مع الحاجة إليه: فإن كان بعذرٍ سقط كذلك عنه، أو قام غيرُهُ مُقَامه فلا حرج عليه، وإلَّا فهو آثمٌ فاسقٌ.
أو آمرٌ بالمعروف غير ناهٍ عن المنكر ففي تركه النَّهيَ عن المنكرِ التفصيلُ المذكور.
أو ناهٍ عن المنكر غيرِ آمرٍ بالمعروف فالتفصيل المذكور.
أو آمرٌ بالمنكر ناهٍ عن المعروف فهو منافقٌ؛ لأنَّه تعالى وصف المنافقين بذلك، ثمَّ النفاقُ
стр. 188
ضربان: نفاقٌ في الإيمان، ونفاقٌ في الأعمال، وهذا لا بُدَّ له من أحدهما (١).
(رواه مسلم) (٢) وسببُ تحديثِ أبي سعيدٍ به: أنَّه كان أوَّلَ مَنْ بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروانُ, فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: فذكره (٣).
ورواه أيضًا عن أبي سعيدٍ: أحمدُ (٤) وأصحاب السنن الأربعة (٥).
стр. 189
[٣٥ - عَنْ أَبِيْ هريرةَ ﵁, قَالَ: قال رسول الله ﷺ «لَا تَحَاسَدُوا، ولا تنَاجَشُوا ولا تبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَاناً, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، ولَا يَكْذِبُهُ، ولَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى ههنا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا (١) - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعَرْضُهُ» رَواهُ مُسْلِمٌ].
стр. 190
الحديث الخامس والثلاثون
(عن أبي هريرة قال ﷺ : لا تحاسدوا) خطابٌ لكلّ من يتأتَّى توجيْهُ (١) الخطاب إليه، أي: لا يحْسُدْ بعضكم بعضًا؛ فإنَّ الحَسَدَ حرامٌ شديدُ التَّحريمِ، وأصله: (تتحاسدوا)، حُذِفتْ (٢) إحدى التاءين تخفيفًا (٣).
وقد تطابقتِ المللُ، وتوافقَتِ النِّحلُ على ذمِّ الحسد وقُبحِه، وهو كما قال / [١٣١/أ] الحَرالِّي: قلق النفس من رؤية النِّعمة على الغير (٤)، وقال غيره: تمنِّي زوالِ نعمة المحسود (٥)، وزاد الشارح الهيتميُّ: وعودِها إليك (٦)(٧)، وهي زيادةٌ مُضِرَّة، كيف وقضيته: أنَّه لو تمنَّى زوالَ نعمة الغيرِ (٨) ولم يتَمَنَّ مع ذلك انتقالها إليه لا يكون مذمومًا، وهو باطلٌ، فلو اقتصر على ما ذكروه كان صوابًا.
стр. 191
وإنَّما كان قبيحًا؛ لأنَّه اعتراضٌ على الله ومعانَدَةٌ له ومحاولةٌ لنقضِ ما فعله الحكيمُ -تعالى-، وإزالةُ فضله عنْ مَن أهلٌ له (١) ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢).
وفيه قال بعضهم (٣):
ألا قُلْ لمنْ بَاتَ لِيْ حاسدًا ... أتدريْ على مَنْ أَسَأْتَ الأدَبْ؟
أسَأْتَ على اللهِ في فِعلِهِ ... لأنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ
وقال المتنبي (٤):
وأظلمُ أهل الظلم من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلَّب (٥)
ووجه ظلم الحاسد: أنَّه يلزمه أن يحبَّ لمحسوده ما يحب لنفسه، وهو لا يحبُّ لنفسه زوال النعمة، فقد أسقط حقَّ محسوده عليه، ومن ثَمَّ جاءَ في عدَّة أخبارٍ وآثارٍ: «أنَّه يأكل
اليابسَ؛ لأنَّه يفضيْ بصاحبه إلى اغتيابِ المحسُودِ وشَتْمه، وقد يُتْلِفُ مالَه ويسعى في سفك دَمِه، وكلُّها مظالمُ يقتَصُّ منه في الآخرة، ويَذهب في عوضها حسناتُهُ، والله حكيمٌ لا يعْبَثُ, ولا يضعُ الشيء بغير محلِّه، فالحاسدُ كأنَّه نسبَ ربَّهُ إلى الجهل والسفهِ، ولم يَرضَ بقضائه, فليطلبْ ربًّا سِواه.
ويكفي الحاسدَ أنَّه في الدنيا: معاقبٌ بالغيظِ الدَّائم، وفي الآخرة: بإحباط الحسنات، وكفى (١) شاهدًا على قبحِ حاله قولُ المصطفى ﷺ : «الحسد يُفسِد الإيمان كما يُفسد الصَّبِرُ (٢) العسلَ» (٣).
стр. 194
قال حُجَّةُ الإسلام: كفى بالحسد ذمًّا أنه يفسد الطاعات، ويبعث على الخطيئات، وهو الدَّاءُ العضال الذي ابتلي به كثيرٌ من العلماء, فضلًا عن العامَّة حتى أهلكهم، وحسبُك أنَّه -تعالى- أمر بالِاستعاذة من شرِّ الحاسد كما أمر بها من شرِّ الشيطان، ويكفيك في قبحه: أنَّه أوَّل ذنبٍ عُصِيَ اللهُ به؛ لأنَّ إبليسَ لم يحملْه على ترك السجود إلَّا الحسدُ، كما أنَّ قابيلَ لم يحمله على قتل هابيلَ إلَّا الحسدُ, وأمَّا حديث: / [١٣١/ب] «لا
стр. 195
حسَدَ إلا في اثنتين» (١) فالمراد به فيه الغبطة، فالحسد حقيقيٌّ ومجازيٌّ، فالحقيقيُّ: تمنِّي زوال النعمة، والمجازيُّ: تمنِّي مثلها (٢)، وتسمَّى غبطةً، وهو مباحٌ في الدّنيوي، مندوبٌ في الأخرويِّ.
فإن قيل: إذا وقع في خاطرِ إنسانٍ كراهة آخر بحيث بلغت به كراهته إلى أن تمنَّى زوال نعمته, لكنَّه لم يسمع (٣) في ذلك, ولا أظهره له, ولا رتَّب عليه مقتضاه, كيف يأثم به والخواطر مرفوعةٌ عن هذه الأمة؟
قلنا: إذا لم يسترسل ولم يتسبَّب في تأكيد أسباب الكراهة المؤدِّية لذلك، وكان مع هذا التمنِّي بحيث لو تمكَّن من إزالته تلك النعمة لم يُزلها, ولم يسعَ في إخراجها عنه، وإنَّما عنده خاطرٌ لا يمكن دفعه فلا حرج عليه ,كما قال الحافظ العراقي (٤).
قال: وقد رُوي في التَّمهيد عن الحسن: (ليس أحدٌ من ولد آدم إلا وخُلِقَ معه الحسد، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيءٌ) (٥) كما يشير إليه حديث: «إذا حسدتُمْ فلا تبغُوا، وإذا ظننتم فلا تحققوا» (٦)،
وفي حديث آخر: «ثلاثةٌ لا يسلم منها
стр. 196
أحدٌ: الطيرةُ، والظنُّ، والحسدُ، فإذا تطيَّرتَ فلا ترجعْ، وإذا ظننت فلا تحقِّق، وإذا حسدت فلا تبغِ» (١).
(ولا تناجشوا) بجيمٍ وشينٍ معجمتين، أي: لا ينجش بعضكم على بعضٍ بأن يزيد في المبيع لا لرغبةٍ فيه، بل لينخدع غيره فإنَّه حرامٌ؛ لأنَّه غشٌّ وخديعةٌ وتركٌ للنصح الواجب، واشتقاقُه من: (نجشْتَ الصيد) إذا أثرتَه، كأنَّ الناجش يثير كثرة الثمن بنجشه، ذكره الزمخشريّ (٢).
стр. 197
وقال البيضاويُّ: هو تفاعُلٌ من النَّجْش (١)، وأصله الإغراء والتحريض، وإنما ذكره بصيغة التفاعُلِ؛ لأنَّ التُّجَّارَ يتعارضونَ في ذلك، فيفعل هذا لصاحبه على أن يكافئه بمثله (٢).
وهذا النَّهي لا يقتضي الفساد (٣) عند الشافعيِّ (٤)،
فيحرمُ ويصحُّ، وأبطلَه بعض
стр. 198
العلماء (١).
وتفسير النَّجْش بما ذُكر: هو ما عليه الأكثر، وقيل: المراد في الحديث النَّهي عن إغراء بعضهم بعضًا على الشرّ والخصومة، حكاه القاضي (٢) وغيره (٣).
(ولا تَباغَضُوا) أي: لا يُبْغضْ بعضكم [بعضًا] (٤)، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأنَّه قهرِيٌّ، كالحُبِّ لا اختيار للإنسان فيه، والبغض للشيء هو النُّفرة منه لمعنىً مستقبحٍ
стр. 199
فيه، وهو والكراهة متقاربان (١).
واعلم أنَّ التباغُضَ بين شخصين: إمَّا من الطرفين بأن يبغض كلٌّ منهما الآخر، أو من أحدهما بأن يبغض أحدهما صاحبه دون الآخر، فهي ثلاثُ صُوَرٍ، ثمَّ البغض فيهنَّ إمَّا لله، / [١٣٢/أ] أو لغيره.
والتباغضُ والبغضُ حرامٌ إلَّا في الله فإنَّه واجبٌ ومن كمال الإيمان (٢)؛ لخبر: «من أحبَّ لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (٣) فإنَّ عموم النَّهي عن التباغضِ مخصوصٌ بالبغض في الله, فهو محرَّمٌ خُصَّ بواجبٍ أو مندوب.
قال الطوفيّ: (ويثاب المتباغضان في الله (٤) -وإن كان أحدهما مخطئًا-؛ لأنَّ الغرض أنَّ كلًّا منهما أدَّاه اجتهاده إلى اعتقادٍ أو عملٍ ينافي اجتهاد الآخر فيبغضه على ذلك،
стр. 200
فهو معذورٌ عند الله.
وغالب فرق الأمَّة وطوائفها من هذا ما لم يتضمَّن بعضُها كفرًا (١)، وأكثرُ العقائدِ المختلفِ فيها بين الأمَّةِ اجتهاديٌّ (٢)،
وما ذاك إلَّا كاثنين اختلفا في جهة القبلة فيصلِّي
стр. 201
كلٌّ منهما إلى جهةٍ، فكلّ منهما يعتقد خطأ صاحبه، ويحرم عليه الاقتداء به، وهما معذوران مأجوران، ولا تحسبنَّ هذا قياسًا فاسدًا؛ إذ هو قياسُ أصلٍ على فرعٍ، وقطعيٍّ على اجتهاديٍّ) (١).
(ولا تدابروا) من الإدبار الإعراض المؤدِّي إلى التقاطع، أي: لا يَعْرِضْ بعضكم عن بعضٍ كراهةً فيه ونفرةً منه؛ لأنَّه يؤدِّي إلى تضييع ما يجب من حقوق الإسلام من الإعانة والنصرة ونحوهما.
وقال الطوفيُّ: (لا تلازُمَ بين التَّباغضِ والتَّدابر؛ إذ قد يُبْغضُ رَجُلٌ (٢) آخَرَ عادةً ويوفِّيْهِ حقَّه، وقد يُعْرِضُ عنه أدبًا أو تأديبًا أوْ خوفَ تُهْمَةٍ (٣)) (٤).
قال الحافظ العراقيُّ: (ومعنى تباغضوا وتدابروا متداخلٌ متقاربٌ) (٥)(٦).
стр. 202
(ولا يبع بعضكم على بيع بعض) قال الطيبيُّ: (ضمَّن معنى الغلبة والاستعلاء؛ فعدَّاه بـ"عَلى"، قال في المُغرِب (١): باع عليه: إذا كان على كُرهٍ منه، وباعَ له الشيء: إذا اشتراه له، ومنه الحديث: «لا يبع بعضكم على بيع بعض» أي: لا يشتر؛ بدليل رواية البخاريِّ: «لا يبتاع رجلٌ على بيع أخيه» (٢). انتهى (٣).
وأجراه أئمَّتنا على العموم (٤)، فصوَّروا ذلك بأن يقول لمشتري سلعةٍ في زمن الخيار: افسخ وأبيعك مثله بأرخص, أو أجود منه بثمنه فيحرم؛ لما فيه (٥) من الإيذاء الموجِبِ للتَّباغُضِ، قالوا: ومثله الشراء على الشراء بغير إذن المشتري، بأن يقول للبائع في زمن الخيار: افسخ وأشتريه منك بأغلى، ومثل ذلك ما في معناه من السَّوم على سوم غيره، والخِطبة على خِطبته/ [١٣٢/ب] إلَّا برضاه.
وتصرَّف بعضهم في النهي فخصَّه بما إذا لم يكن فيه غَبنٌ فاحش (٦)، وإلَّا فله إعلامه ليفسخ ويبيعه بأرخص، والأصحُّ خلافه.
وشمل النهي بيع المسلم على بيع الذمِّي فيحرم؛ لأنَّ له ما للمسلم إلَّا ما خُصَّ
стр. 203
بدليلٍ (١).
(وكونوا عباد الله) أي: تعاطَوْا ما تصيرون به يا عباد الله (إخوانًا) مما يُؤدِّيْ إلى ائتلاف القلوب من حُسْنِ الخُلُقِ والنُّصْحِ والرَّحمةِ والمعاشرةِ بالمعروفِ والمودَّة والمواسَاةِ والشَّفقةِ والتَّعَاونِ على البرِّ والتقوى، حتَّى كأنَّكم أولادُ رجلٍ واحدٍ كما أنَّكم عباد ربٍّ واحدٍ، فحقُّكم أن تطيعوهُ بكونكمْ إخوانًا؛ ليحصُلَ التَّعاضدُ على إقامة دِينِه وإظهار شِعاره وتمكينه، وذلكَ بدون الِائتلاف لا يَتِمُّ بدليل: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). قال الطيبيُّ: (وقوله: إخوانًا يجوز أن يكون خَبَرًا بعد خَبَرٍ، وأن يكون بَدَلًا، وقوله: (عبادَ) منصوبٌ على الِاختصاصِ بالنِّداءِ (٣)، وهذا الوجهُ أوجَهُ،
стр. 204
يعني: أنتم (١) مستوُوْنَ في كونكم عَبِيْدًا لله -تعالى-، وملَّتكم ملَّةً واحدة؛ فالتَّحاسد والتباغض والتقاطع منافيةٌ لحالكم (٢)، فالواجب عليكم أن تكونوا إخوانًا متواصلين متآلفين لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٣).
وزاد في رواية البخاريِّ: «كما أمركم الله») (٤)(٥).
قال الحافظ العراقيُّ: يريد به هذا الأمر الذي هو قوله: «كونوا إخوانًا»؛ لأنَّ أمره -عليه الصَّلاة السَّلام- هو أمر الله، وهو مبلِّغٌ، أو يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٦) فإنَّه خبرٌ عن المشروعيَّة الَّتي للمؤمنين أن يكونوا عليها ففيها معنى الأمر (٧).
قال ابن عبد البرِّ: تضمَّن الحديث: أنَّه لا يجوز أن يبغض المسلم أخاه، ولا يُدبِر عنه
стр. 205
بوجهه إذا رآه، ولا يقطعه بعد صُحْبته له في غير جُرمٍ يجوز له العفو (١) عنه (٢).
(المسلم أخو المسلم) بدليل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) أي: جمعتهم الأخوة الإسلاميَّة بالحضرة المحمَّديَّة لاتِّحاد الموافقة في ورود المشربِ الإيمانيِّ، والمدد الإحسانيِّ (٤)، وكلُّ اتفاقٍ بين شيئينِ أو أَشياء: يطلق عليه اسم الأُخُوَّة، ويشترك فيه الْحُرُّ والبالغُ وضدُّهما، فأخوك مَنْ وافقك في الدِّين والذَّوق، ومدد الأفْهام (٥)، لا مَنْ شاركَكَ في معنى صورة النُّطْفَة في الأرحام؛ ولهذا ورَّثَ الشافعيُّ المؤمنين بعضَهم بعضًا عند فقد التَّوارُث بالقَرَابة، ولم يورِّثْ بأخوَّة النَّسب عند الِافتراق في الدِّين (٦).
стр. 206
وهذا استعطافٌ من المصطفى ﷺ لكلٍّ / [١٣٣/أ] على الآخر، وتليينٌ لقلبه كَمَا يقال: لمن يؤذيْ أخاه: إنَّه أخوك، لا مجرَّد إخبار.
قال الحافظُ العراقيُّ: (وفيه إثبات الأُخُوَّة بين جميع المؤمنين، قال: وهذه الأُخُوَّة دون الأُخُوَّةِ الَّتي آخى رسولُ الله ﷺ بينَ أصحابه حين قدم المدينة كما آخى بين سلمان وأبي الدرداء (١)، وبين عُمرَ وصُهيبٍ (٢)، ولهذه الأخوَّةِ مزيَّةٌ زائدةٌ على أُخوَّة الإسلام) (٣).
(لا يظلِمه): قال الطِّيبُّي: استئنافٌ إمَّا للبيان للموجِب، وإما لوجه التشبيه (٤).
أي: لا يدخل عليهِ ضررًا في نحوِ نفْسِهِ أوْ دِينِهِ أوْ عِرضِهِ، أو مالِه بغير إذنٍ شرعيٍّ، والظُّلمُ حرامٌ حتَّى للكافر، [والظُّلم] (٥) يكون في النِّفسِ والدين والمالِ والعرضِ ونحو ذلك.
(ولا يَخذُله): قال العراقيّ: بضمِّ الذال المعجمة (٦).
стр. 207
والخِذْلان: تركُ الإعانةِ والنُّصرةِ، ذكره الطيبيُّ (١)، وقال غيره (٢): هو الخذل، وهو أن يتركَ نصرته المشروعة عند القدرةِ سِيَّما عند الحاجة، فالخذلان حرامٌ: دُنيويًّا كأنْ يَرى عدُوًّا يريد البطش به فلا يدفعه، أو دينيًّا كأنْ يقدر على نصحه فيتركه.
وزاد في روايةٍ: (ولا يُسْلِمُهُ) (٣) وهو بِضمِّ ياء المضارعة (٤) وسكون السين من: أسلم فلانٌ فلانًا، إذا ألقاه في التَّهلُكة ولم يَحْمِهِ مِنْ عَدُوِّه، واللَّفظ - وإنْ كان عامًّا- لكن دخله التَّخصيصُ في مثل هذا الحديث، وغلب عليه الإلقاءُ إلى الهلكة (٥).
وفي روايةٍ أخرى: «ولا يَخُونُه» (٦).
стр. 208
(ولا يَكذِبه): بفتح ياء المضارعة وكسر المعجمة والتخفيف، وبضمٍّ فسكون، والأوَّل أشهر وأكثر (١).
بل اقتصر عليه الحافظ العراقيّ في شرح (٢) الترمذيّ (٣)، لكن اقتصر المؤلِّف على الثاني (٤): لا يخبره بأمرٍ بخلاف الواقع لغير مصلحة تألُّفٍ وصونٍ نحو نفسٍ أو مالٍ؛ لأنَّه
стр. 209
لغير ما ذُكِر: غشٌّ وخيانةٌ، بدليل خبر أبي داود: «كبُرتْ (١) خيانةً: أن تحدِّث أخاك
حديثًا هو لك مصدِّقٌ وأنتَ له كاذبٌ» (٢).
стр. 210
ومن حيث هو: أشدّ الأمور ضررًا، والصدق من حيث هو: أشدُّها نفعًا، إلَّا أن يعرضَ ما يصير به الكذبُ نافعًا والصِّدق ضارًّا، كأن سأله ظالمٌ عن إنسانٍ يريد قتله أو أخذ ماله فإن صدقه ضرَّه، وإن كذبه نفعه.
وقد ورَدَ أنَّ أعرابيًّا بايع المصطفى ﷺ على تركِ خصلةٍ من خصالٍ كالزِّنا والسرقة والكذب، فقال له النبيّ ﷺ : «دعِ الكذب» فصار كلَّما / [١٣٣/ب] همَّ بزنا أو سرقة قال: كيف أصنع؟ إن فعلت سألني النبيُّ، فإن صدقته حدَّني، وإن كذبته فقد عاهدني على ترك الكذب، فكان تركه سببًا لترك الفواحش كلها (١).
(ولا يَحْقِره) بفتح المثنَّاة التحتيَّة أوّلِه وسكون المهملة وكسر القاف أي: لا يُذلّه ولا يستصغرُ شأنه ويضع من قدره؛ لأنَّ الله لما خلقه لم يحقرْه، بل رفعه وخاطبه، فاحتقاره تجاوزٌ لحدِّ الربوبية في الكبرياء، وهو ذنبٌ عظيمٌ.
روي بمثنَّاةٍ مضمومةٍ، وخاءٍ معجمةٍ وفاءٍ (٢) بمعنى: لا يَغدرُ عهده، ولا ينقض أمانته،
стр. 211
قال عِيَاضٌ: والصَّواب الأوَّلُ (١)، وقال العراقيُّ: والمشهور الأوَّل (٢)، بدليل رواية (ولا يحتقره) (٣) بتاءٍ بعد الحاء، وهذه كلُّها إخبارٌ بمعنى النَّهيِ.
ومعنى ذلك كلِّه: أنَّ من حقِّ الإسلام وأُخوَّته: أنْ لا يظلم المؤمنُ أخاه ولا يَخذلُه ولا يَكذبه ولا يَحْقِرُه، وتخصيص المسلم لمزيدِ حرمتهِ، لا لِلاختصاصِ مِن كلِّ وجهٍ، فالذي يحرم: ظلمُه وخذلانه بنحو ترك دفع عدوِّه والكذب عليه واحتقاره، نعمْ احتقاره من حيثُ الكفرُ القائمُ به جائزٌ. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ (٤).
(التقوى) فَعْلَى من الوقاية ما يُتَّقَى به ممَّا يُخَاف، فتقوَى العبدِ لله: أنْ يجعل بينه وبين ما يخشاه مِنْ غضَبِهِ وقايةً تقيْهِ منه، وهي تجنُّبُ نَهْيِهِ وامتثالُ أمره.
قال القيصريُّ (٥): وقد أكثر الناسُ القولَ في التقوى، وحقيقتُها: تنزيهُ القلبِ عن الأدناس، وطهارة القلب من الآثام، وإن شئت قلت: الحذر من مواقعة المخالفات (٦).
(ههنا) أي: في القلب، بمعنى أنَّ محلَّ سببها الذي هو خوف الله الحاملُ عليها هو القلب، لا حقيقتها الَّذي هو الاتِّقاء من العذاب.
стр. 212
قال المُظهِرُ: وحينئذٍ فلا يجوز تحقير المتَّقي من الشرك والمعاصي، لما ذكر من أنَّ التقوى محلُّها القلب، وما كان محلُّه القلب يكُون مَخْفِيًّا عن أعيُنِ الناس، وإذا كان مَخْفِيًّا لا يجوز لأحدٍ أن يحكُمَ بعدم تقوى مسلمٍ حتى يحتقره، ويحتمل أنَّ معناه محلُّ التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلمًا؛ لأنَّ المتَّقيَ لا يحقِرُ المسلمَ (١).
قال الطيبيُّ: والثاني أوجَه، والنَّظم له أدعى؛ لأن المصطفى ﷺ إنَّما شبَّه المسلم بالأخ لينبِّه على المساواة، وأن لا يرى أحدٌ لنفسه على أحدٍ من المسلمين فضلًا ومزيَّةً، ويحبَّ له ما يحبُّ لنفسه، وتحقيرُهُ إيَّاه يأبَى ذلك، وينشأ منه قطع وِصلة (٢) الأُخُوَّة التي أمر الله تعالى بها أن توصل. [١٣٤/أ]
ومراعاة هذه الشريطة أمرٌ صعبٌ؛ لأنَّه ينبغي أن يسوِّيَ بين السُّلطان /وأدنى العوامّ، و [بين] (٣) الغنيِّ والفقيرِ، والقويِّ والضعيفِ، والقريبِ والبعيدِ، والكبيرِ والصَّغيرِ، ولا يتمكَّن في ذلك إلَّا من امتحن الله قلبه للتقوى، وأخلصَهُ (٤) من الأمراض القلبيَّة من نحو غِشٍّ وحقدٍ خلاصَ الذهب الإبريز من خَبَثه، فيؤثِر لذلك أمرَ الله تعالى على متابعة الهوى (٥)؛ فلذلك جاء قوله ﵇: «التقوى هاهنا» معترضًا بين قوله «ولا يحقره»، وقوله الآتي: «بحسبِ امرئٍ ... » إلخ؛ فإنَّ كلًّا منهما متضمِّنٌ للنَّهي عن الاحتقار، وأنت عرفتَ أنَّ موقع الاعتراض بين الكلامين موقع التأكيد والتقرير.
وأفاد الحديثُ: أنْ لا عبرة بظواهر الصور؛ قال المصطفى [ ﷺ ] (٦): «إنَّ الله -تعالى- لا ينظرُ إلى صُوركُم (٧) , ولا إلى أموالكم وأعمالكم، (٨) ولكن إنَّما ينظر
стр. 213
إلى قلوبكم» (١) أي: التي هي محلُّ التقوى، وأوعيةِ الجواهر وكنوزِ المعرفة (٢).
قال الغزاليُّ: أبانَ الحديثُ بأنَّ القلبَ موضعُ نظر الرَّبِّ، فيا عجباهُ (٣) لمن يهتمُّ بوجهه الذي هو محلُّ نظر الخلق, فيغسِله وينظِّفه، ولا يهتمُّ بقلبه الذي هو محلُّ نظر الخالق، فيطهِّره ويزيِّنه؛ لئلَّا يطَّلع عليه وهو مدنَّسٌ (٤).
وفيه دليلٌ على أنَّ محلَّ الروح القلبُ لا الدِّماغ (٥).
стр. 214
«وأشار إلى صدره» وفي رواية للطبراني: «وأشار إلى القلب» (١)، وهذا من كلام الراوي.
قال الطيبي: لمَّا كانت التقوى: تَشُدُّ من عُقدة الأخوَّة الإسلامية, وتستوثق من عراها قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٢) يعني: أنَّكم إن اتَّقيتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والاِئتلاف والمسارعةِ إلى إماطة ما يَفْرُط منكم (٣)، وأنَّ مستقرَّ التقوى ومكانه: المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فَسدت فَسَد الجسد، قال -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ (٤)؛
стр. 215
ولذلك كرَّر ﵊ هذه الكلمة، وأشار بيده إلى صدره ثلاثًا, ﷺ .
«بحسْبِ» بسكون السين, «امرئٍ من الشرِّ» قال الطيبيُّ: قوله: «بحسْبِ امرئٍ» مبتدأ، والباء فيه زائدة (١)، وقوله «أن يحقرَ أخاه» خبره، أي: كفايةٌ (٢) من خلال الشرِّ ورذائلِ الأخلاق في معاشه ومعاده تحقيرُ أخيه المسلم هذا (٣). أي: يكفيه منه في أخلاقه ومعاشه ومعاده أن يحقر أخاه.
«المسلمَ» تفظيعٌ لشأن الاحتقار وتهويل؛ لأنّه ذنبٌ عظيمٌ، بدليل / [١٣٤/ب] ما رتَّب عليه ما يكفي المحتقر من الشرِّ؛ فإنَّ الله لم يحتقر الإنسان؛ إذ (٤) خلقه في أحسن تقويمٍ، وخلق له ما في الأرض جميعًا، وسخَّر له ما في السماء والأرض والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار، وآتاه من كلّ ما سأله، فمن حقره فقد حقر ما عظَّم الله، وكفى به شرًّا، ومن احتقاره: أنْ (٥) لا يسلم عليه، ولا يردّ عليه، وليس منه تقديم (٦) العالم على الجاهل، والعدل على الفاسق؛ لأنَّه ليس لذاته بل لوصفه المذموم، حتى لو زال عنه عاد إليه التعظيم.
«كلُّ المسلم على المسلمِ» فيه ردٌّ على من زعم أنَّ (كلًّا) لا تضاف إلَّا إلى نكرةٍ (٧)، وهذا مبتدأ، وقوله: «حرامٌ» خبره، أي: جميع أنواع ما يؤذيه حرامٌ.