والثاني: الزُّهد في الشبهات، والأشبه وجوبه؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى اتِّقاء الوقوع في الحرام (١).
الثالث: الزُّهد فيما عدا الضروريات من المباحات, وهو المراد من هذا الحديث [ظاهرا] (٢) وهو زهد الخواصِّ العارفين بالله تعالى.
الرابع: الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنّةٍ وغير ذلك، فلا قصدَ لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إليه تعالى وهو زهد المقرَّبين، ويندرج في ضِمنه كلُّ مقصودٍ, وكلُّ الصَّيد في جوف الفَرا (٣)) (٤).
وهل الدُّنيا ما على وجه الأرضِ إلى قيامِ السَّاعة، أو كلُّ موجودٍ قبل الحشرِ، أو ما سوَّاه اللَّيل والنَّهار, وأظلَّته السَّماء وأَقلَّتْه الأرض، أو الدِّرهم والدّينار، أو ما أدرك حسًّا، والآخرة ما أدركَ عقلًا، أو ما فيه شهوة النَّفس؟ أقوالٌ، رجّح النوويُّ الثَّاني (٥). والمراد هنا
стр. 142
الأخيرُ، وعُلم مما مرَّ أنَّ محبَّة الله للعبد تحتاج إلى تأويل بخلاف عكسه.
قال الغزاليُّ: (محبة العبد لله حقيقيّة لا مجازيّة؛ لأنَّ المحبَّة في وضع اللسان ميلُ النفس إلى مُلائمٍ مُوافقٍ، والعشق الميل الغالب المغرض (١)، والله محسن جميل، والإحسان والجمال موافق، ومحبة الله للعبد مجازيَّة, (٢) ترجع إلى كشف الحجاب حَتَّى يَراه بقلبِه، وإلى تمكينه إيَّاه من القرب منه) (٣).
وفي شرح المواقف (٤): محبَّتنا له تعالى كيفيّةٌ روحانيّةٌ مرتَّبةٌ على تصوِّر الكمال
стр. 143
المطلق له -تعالى- على الاستمرار، ومقتضيةٌ إلى التوجه التامِّ إلى حضرة قدسه بلا فتورٍ وقرارٍ، ومحبتّنا لغيره كيفيَّةٌ تترتَّبُ على تخيّلِ كمالٍ فيه من نحوِ لَذّةٍ أو شفقةٍ، ثمَّ هي عندنا الرضا والإرادة مع ترك الِاعتراض، وقيل: الإرادة فقط فيترتب عليه -كما في الإرشاد (١)
- أنَّه -تعالى- لا تتعلَّق به محبّةٌ على الحقيقة؛ لأنَّها إرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بمتجَدّدٍ (٢)
стр. 144
وهو -تعالى- لا أوَّلَ له (١).
(وازهد فيما عند النَّاس) منها (يحبَّكَ النَّاسُ) حتَّى الجنُّ؛ لأنَّ قلوب أكثرهم مجبولةٌ مطبوعَةٌ عَلى حُبِّ الدُّنيا، ومن نازع إنسانًا في محبوبِه كرِهه وقَلَاه، ومن لم يعارِضه فيه أحبَّه واصطفاه؛ ولهذا / [١٢٥/ب] قال الحسن: (لا يزال الرَّجُل كريمًا على الناس حتى يطمعَ في دنياهم فيستخِفُّون به ويكرهون حديثه) (٢).
وقيل لبعض أهل البصرة: - (من سيِّدُكم؟ قال: الحسن، قيل: لم؟ قال: احتاجوا لعلمه، واستغنى عن دنياهم) (٣).
وقال ابن عطاء الله (٤): (الزهد فيما في أيدي النَّاسِ سببٌ لمحبة الخلق، والزهد فيما سوى الله سببٌ لمحبة الحقّ، فَمَن أحبَّ العطاء من الخلق دلّ على بعده من الله، فالعطاء منهم حِرمانٌ، والمنعُ منه (٥) إحسان، وحُكِيَ عن روح الله عيسى ﵊ أنه لقي في سياحته قبيل الصبح رجلًا نائمًا فوكزه برِجله وقال: قُم، فقدْ سبقك العابدون، فقال: دعْني يا روحَ الله فإنِّي عبدته بأحبِّ العبادة إليه، فقال له: ما هي؟ قال: الزهدُ في الدنيا، فقال ﵇: نَمْ نَومَة العروس في خدرها فقد فُقْتَ
стр. 145
العابدين) (١).
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الزهد أعلى المقامات وأفضلُها مطلقًا؛ (٢) لأنه جعله سببًا لمحبة الله، وأن مُحِبَّ الدنيا متعرّضٌ لبُغضِ اللهِ تعالى (٣).
خاتمةٌ: قالوا: الزهدُ يجتمع به خير الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا فما يحصل من البركة وراحة القلب والبدن، وأما الآخرة فما يحصل من ثواب الزهد فيها وقلَّة الحساب، فإن الزهد يحملُه على إخراج الواجبات والتوقُّف في الشبهات وهي السَّعادة التامة.
قال العارف أبو الحسن الشاذليُّ (٤): دخل عليّ بالمغرب بعض الكُبراء فقال ما أدري لك كبيرَ عملٍ فَبِمَ فُقْتَ الناس وعظَّموك؟ قلتُ: بخصلةٍ واحدةٍ افترضها الله على نبيِّه تمسَّكْتُ بها: الإعراضُ عنهم وعن دنياهم، قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٥)، وفي تركها الرَّاحةُ من الخواطر الرديَّة والتذلّل لها.
سئلَ السَّيِّدُ الجليل معروفٌ الكرخيُّ (٦) عن الطَّائعين بِمَ قدروا على الطاعة؟ قال:
стр. 146
بإخراج الدنيا من قلوبهم (١).
والزهدُ أعمّ من الورِع؛ لأنَّه إبقاء البعض، والزهد قطعُ الكلّ، هذا كلُّه في مقام شهود الفرق، أما إذا لاحت أنوارُ مشاهد الجمعِ، وكُشِفَ به أسرارُ كلِّ ذَرَّة، وما انطوت عليه من الحكم الإلهيَّة, فيغتبطُ بكل ما زهِد فيه لشهود حكمة الصانع في مصنوعاته، وإشراقِ أنوار التجَلِّيْ في مِرآته، ويكون مقام الزهد حينئذٍ حسِّيًا لا يُلتفت إليه؛ لأن الدنيا جيفةٌ، / [١٢٦/أ] فكيف يتقرب إلى الله -تعالى- بِجِيفةٍ؟ ومن شهد عظمة المشهود فهو مَلَكٌ، ولا يقال في حقّ مَلَكٍ: إنَّه زَهِدَ في جيفةٍ، ولهذا قال بعضهم: إنْ أردت أن تَسْعدَ؛ ففي زهدك فازهدْ.
وهذا (حديثٌ حسنٌ) وصحيحٌ أيضًا؛ فقد صحَّحه الحاكمُ في المستدرك (٢) (رواه ابن ماجهْ) (٣) الحافظُ الكبيرُ محمَّدُ بن يزيدَ الرَّبَعِيُّ (٤) مولاهم, القزوينيُّ (وغَيرُهُ) كالطبرانيِّ في معجمه الكبير (٥)(٦) , [والحاكمِ في مستدركه, والبيهقيِّ (٧) وغيرهم, كلُّهم عن صحابيِّه
стр. 147
المذكور] (١).
وأشار بقوله: (بأَسَانيدَ حَسَنةٍ) إلى أنَّه صحيحٌ لغيره؛ (٢) فإنَّ الأسانيدَ إذا كانت حسنةً ارتقى الحديث بها من درجة الحسن إلى درجة الصحة فيحكم له بها؛ ولذلك صحّحه الحاكم (٣).
стр. 148
وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، ومِن ثَمَّ قال المنذريُّ: (هذا الحديث عليه لامعةٌ من لوامعِ أنوار النبوة) (١).
وقد تضمَّن الحثَّ على التقلُّلِ من الدُّنيا فالنَّظرِ إليها بعينِ الحقارة؛ وذلك لِما تطابقتْ عليه المللُ والنِّحَلُ حتى من أنكرَ المعاد، فمِلاكُ هذا الدِّين وسلوكُ سبيل الناجين: الزُّهد فيها والإعراض عنها؛ ولهذا كان محطَّ نظرِ السَّلفِ الصَّالحِ: التَّجرُّدُ المطلقُ عن علائقها.
стр. 149
[٤ - عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار». حديثٌ حسنٌ، رواه ابن ماجهْ والدارقطنيُّ وغيرهما مسندًا, ورواه مالك في (الموطّإ) مرسلًا عن عمرو بن يحيى، عن أبيه عن النبيِّ ﷺ ، فأسقط: «أبا سعيدٍ». وله طرقٌ يُقَوِّي بعضُها بعضًا].
стр. 150
الحديث الثاني والثلاثون
(عن) حليفِ الصبر ومؤثِرِ الفقرِ (أبي سعيدٍ الخدريِّ) سعدِ بنِ مالك بن سِنان ابن عبيد الأنصاريّ الخزرجيّ (الخُدْريّ) بضم الخاء المعجمة نسبةً إلى جدّه خُدرة (١)، بمعجمة فمُهملة (٢)، ووهِم من جعلها معجمة، وقيل نسبة إلى الخُدْرة (٣)، - قومٌ من أهل اليمن- ابن عوف بن الحارث الخزرج (٤)، أسلمَ وبايعَ المصطفى ﷺ على أن لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ (٥)،
وغزا اثني عشر غزوة، ولم يكن أحدٌ من الصحابةِ
стр. 151
الأحداثِ أفقهَ منه (١)، وكان من الرُّماة المشهورينَ المذكورينَ في الصحابة، وهو معدودٌ من أهل الصُّفَّة (٢).
مات سنة أربعٍ وسبعين, ودُفن بالبقيع (٣).
(أنّ رسول الله ﷺ قال: لا ضَررَ) خبرٌ بمعنى النهي، أي: لا يضرَّ الرجل أخاه فَيَنْقُصُ شيئًا من حقّه (ولا ضِرارَ) فِعالٌ بكسر أوّله، وفي رواية: (إضرار) (٤) قال ابن الصلاح: ولا صحَّة لها, أي: لا يجازي من ضرَّه بإدخال الضَّرر بل يعفو، فالضرر فعلُ واحدٍ، والضِّرارُ فعلُ اثنين.
أو الضَّرر: ابتداء الفعل، والضِّرار الجزاء عليه.
أو الأوَّل: إلحاقُ مفسدةٍ بالغير مطلقًا، والثاني: إلحاقها به على وجه المقابلة، / [١٢٦/ب] أي: كلٌّ منهما يقصِد ضرر صاحبه بغير جهة الاعتداء بالمثل، وحينئذٍ: فالجمعُ بينهما ليس للتأكيد بل للتأسيس (٥).
стр. 152
قال الحَرَّالي (١): والضَّرُّ بالفتح والضم: ما يُؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه في مقابلة الأذى، وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتُشْعِر الضمّةُ في الضُّرِّ بأنه عن قهرٍ وعلوٍّ، والفتحة بأنه ما كان من مماثلٍ (٢).
وفيه تحريم جميع أنواع الضرر إلَّا بدليل؛ لأنَّ النكرةَ في سياق النفيِ تعُمُّ (٣)، وكثيرٌ ما يحذف خبر (لا) التي لنفي الجنس كما هنا (٤)، أي: لا لحوقَ أو إلحاقَ، أولا فعلَ ضررٍ أو إضرارٍ بأحدٍ في ديننا, أي: لا يجوز شرعًا إلّا لموجبٍ.
وقُيِّد النَّفي بالشرع؛ لأنه بحكم القدر الإلهيِّ لا ينتفي، وقد خُصَّ منه ما ورد لحوقُهُ بأهله, كالحدود والعقوبة على الجانيْ وذبح ما يؤكَل, فإِنّها ضررٌ لاحِقٌ بأهله وهو مشروعٌ إجماعًا.
стр. 153
وعُلِمَ ممّا تقررَّ: أنّه لو ورد دليلٌ خاصٌّ بضررٍ خاصٍّ خُصِّصَ به العمومُ, على القاعدة الأصوليَّة من تقديم الخاصِّ على العامِّ، ولا نظرَ حينئذٍ لرعاية المصالح، خلافًا لما أطال به الشارح الطوفيُّ (١) هنا، وبسط الكلام عليه في نحو كرَّاسين، وزعم أنَّ المصلحة تُقدَّم على جميع الأدلَّة حتّى النصِّ والإجماعِ! (٢)، ومع عدم الورود تُرَاعَى المصالحُ إثباتًا، والمفاسدُ نفيًا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنَّهما نقيضان لا واسطة بينهما.
وأخذ منه الشافعيّة (٣) أنَّ للجار منعَ جارِه مِن وضعِ جِذعه (٤) على جداره وإن
стр. 154
احتاج، وخالف الحنابلةُ (١)
تمسُّكًا بخبر: «لا يمنعْ أحدٌ جاره أن يضعَ خشبةً (٢) على جداره» (٣) وأجيب بأنَّه ضعيفٌ (٤) لضعفِ جابرٍ الجُعفيِّ (٥)،
وبفرض صحّته فقد قال
стр. 155
ابن جريرٍ: (هو -وإن كان ظاهرُه الأمرَ (١) - معناه الإباحةُ والإطلاقُ؛ بدليل هذا الخبر، وخبر: «إنّ دماءكُم وأموالكم عليكم حرام» (٢)) (٣).
وهذا (حَدِيْثٌ حَسَنٌ) لذاته، وله طرقٌ متعدّدةٌ يرتقي بمجموعها إلى درجة الصِّحَّة (رواه ابنُ مَاجَهْ (٤) والدَّارَقُطنيُّ (٥) وغيرهُمَا) كالحاكمِ في مُسْتدركه (٦)، والبيهقيِّ في شُعَبِه (٧).
وظاهره: أنّ الكلَّ رووه من حديث أبي سعيدٍ، والأمرُ بخلافه، بل ابنُ ماجه رواه [من حديث ابن عباسٍ (٨) وعُبادةَ بن الصامت (٩)، والدارقطنيُّ (١٠) والحاكمُ (١١) رَوَيَاهُ] (١٢) من حديث أبي سعيدٍ، ورواه أحمدُ أيضًا عن ابن عباسٍ (١٣) وعُبادةَ (١٤)،
стр. 156
وإسناد أحمدَ صحيحٌ، فقد قال الحافظ الهيثميُّ: / [١٢٧/أ] (رجاله ثقاتٌ) (١)(٢) (مسندًا) أي: متَّصلًا مرفوعًا (٣).
(ورواه) الإمامُ المشهورُ صدرُ الصُّدورِ (مالك) بن أنسٍ الحِمْيريُّ (٤) الأصبَحِيُّ (٥) شيخُ الشافعيّ، أحدُ أركانِ الإسلام (٦)، وإمامُ دار الهجرة، روى الترمذيُّ (٧) مرفوعًا: «يوشك أن تضربَ الناس آباط (٨)
الإبل في طلب العلم فلا يجدونَ
стр. 157
عالمًا أعلمَ من عالم المدينة» (١).
حمله ابن عيينةَ وغيرُهُ على مالك (٢).
стр. 158
قال الشافعيُّ: (مالك حجَّة الله على خلقه بعد التابعين) (١).
(في) كتاب (الموطّإ مُرسلًا عن عُمَر بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ فأسقط أبا سعيدٍ) الخدريٍّ (وله طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا).
قال الحافظ العلائيُّ (٢): (له طرقٌ وشواهدُ يرتقيْ بمجموعِها إلى درجة الصحة) (٣).
وأخرجه ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر قويٍّ (٤).
والحديث الليِّنُ يقوى بالشواهد المفصّلةِ (٥) حتى يبلغَ درجة ما يجِبُ العمل به؛ (٦)
стр. 159
كالمجهول من الناس إذا زكِّيَ صارَ عدلًا تقبل شهادته وروايته، ثم الشاهد قد يكون كتابًا كأنْ يوافقَ الحديثَ ظاهرُ آيةٍ (١)، أو عمومٌ فيقوى بها، وقد يكون سُنّةً إمَّا من ذلك الحديث أو غيره (٢)، وفي المثل:
لا تخاصمْ بواحدٍ أهلَ بيتٍ ... فَضَعيفانِ يغلبانِ قَويَّا (٣)
وقال الآخر:
إن القِداحَ إذا اجتمعْنَ فَرامَها ... بالكسرِ ذُوْ حَنَقٍ وَبطشٍ أيْدِ: (٤)
عَزَّتْ فلم تُكْسَرْ، وإن هي بُدِّدت ... فَالوهنُ والتكسيرُ للمتبدِّد (٥)
فكذا الأسانيدُ الليّنةُ إذا اجتمعتْ حصل منها إسنادٌ قويٌّ، كما قال الشافعي في قلَّتين متنجّستين ضُمَّت إحداهما [إلى] (٦) الأخرى صارتا طاهرتين حيث لا تغيُّرَ (٧)(٨).
الحديث الثالث والثلاثون
«عَنْ» حَبرِ الأمَّة, مُفسِّرِ التنزيل، ومُبيِّنِ التأويل، أبي العباس «ابن عباسٍ، ﵄ [قال] (١): إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لو يعطى النَّاس بدعواهم» أي: لو كان كلُّ من ادَّعى شيئًا عند الحاكم يُعْطاهُ بمجرَّدِ دَعواه بِلا بيِّنةٍ «لَادَّعَى» جوابُ (لو)، أي: لأخذ «رجالٌ» (٢) جمعُ رجلٍ، وهو الذَّكر البالغ مِن بني آدم، وَذكَّرهم لَا لإخراجِ النِّساء؛ بل لأنَّ الدَّعوى غالبًا إنَّما تصدُر منهمْ، أو من باب الِاكتفاء بأحد القَبيلَيْنِ كـ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٣)، ، ويؤيِّده روايةُ: «لوِ ادَّعَى ناسٌ» (٤) (أموالَ / [١٢٧/ب] قومٍ) هم جماعةُ الرجالِ ليسَ فيهمُ امرأةٌ.
стр. 163
قال الصَّغَانيُّ (١): (وربَّما دخل فيه النِّساء تبعًا ويذكَّر ويؤنَّث، والتعبير بـ (الرجال) في الأوَّل، و (القوم) في الثَّاني للتفنُّن، ودَفعًا لكراهة (٢) تكرار أحدهما) (٣).
قال الطُّوفيُّ: (ويحتمل على القولِ بأنَّ النِّساء يدخلْن في لفظ (القوم) أن يقال: لما كان الغالبُ أنَّ المدَّعي إنَّما يكونُ رَجلًا؛ -إذ المرأة ليْستْ مِن أهل الدَّعوى وحضور مجالس الحُكَّام، والمدَّعَى عليه يكونُ رجلًا وامرأةً، - قال: «لَادَّعَى رجالٌ أموالَ قومٍ» حَمْلًا عَلى الغالب) (٤). انتهى.
وقوله: (المرأة ليْستْ مِن أهلِ الدَّعْوَى) أرادَ بها أنَّه لا يُناسِبُها ذلك.
«و» سفكوا «دماءهم» بِمُجَرَّدِ دَعْواهم فوَضَعَ (ادَّعَى) موضعَ (أخذ، وسفك) وضعًا للسببِ موضع المسبَّبِ (٥)؛ لأنَّ الدَّعوى سببٌ للأخْذ والسَّفك، فامتناعُ كلٍّ: لِامتناعِ
стр. 164
الإعطاء بلا بيِّنةٍ، كما هو شأن (لو) فإنَّها لامتناع الثَّانيْ -أعني الجزاءَ- لامتناع الأوَّل (١)
-أعْني الشَّرط- (٢).
وذَكَرَ الأموالَ قبل الدِّماء مع كونِها أعظمَ خطرًا، -بدليلِ حديث: «أوَّل ما يُقْضَى بين
стр. 165
النَّاس يوم القيامة في الدِّماء»؛ (١) - لأنَّ الخُصوماتِ فِيْ الأموالِ أَكْثرُ، وامتدادَ الأيديْ إليها أعَمُّ، ولهذا ترى الإنسان يَسرِقُ ويَغصِبُ ويَنهَبُ في عُمُرِه ألفَ مرَّةٍ، ولعلَّهُ لا يقتل أحَدًا، وإن قتل فواحدًا أوِ اثنينِ.
«لكِن» هي هُنا -وإن لم تأت لفظًا على قانونها من وقوعِها بين نفيٍ وإثباتٍ حتَّى يصحَّ معنَى الاستدراك الذي هو مُؤدَّاها-: جاريةٌ عليه تقديرًا، فهو استدراكٌ معنوِيٌّ (٢)، أي: لا يُعطَونَ بِدَعواهم بِلا بيِّنةٍ، لكنْ بالبيِّنة.
و«البيِّنةُ عَلى المُدَّعِيْ» لِضَعْفِ جانبه بدعْواه خِلافَ الأصْلِ، فجعلت البيِّنةُ لكونها حجَّةً قويَّةً (٣) لبُعدِها عن التُّهمة في جانبه تقويةً له، والمدَّعِيْ: مَن يذكر أمرًا خفيًّا يخالف الظَّاهرَ (٤)، والمدَّعَى عليه: عكسُه (٥).
«واليمينُ على منْ أَنْكَرَ» لقوَّة جانبه لموافقته الأصل، وهو براءةُ ذمته، فجُعِلَت اليمينُ
стр. 166
-لِكونها حجَّةً ضعيفةً لقرْبِها من التُّهمة- في جانبه فتعادَلَا (١)، وعُرِّفَ (المدَّعيْ) دون (المنكِر)؛ لأنَّ المدَّعِيَ: مَنْ يذكُر أمرًا خفيًّا، والمدَّعى عليه: من يذكُر أمرًا ظاهرًا، والموصول أظْهر من المعرَّف؛ لاشتراط كون صلته معهودةً (٢) فأُعطي الخفيُّ للخفيِّ، والظَّاهرُ للظَّاهرِ (٣).
ذكَرَه الشارح الهيثميُّ (٤)، وهو أوضح من قول الطُّوفِيِّ: / [١٢٨/أ] (عرَّفه، لأن فيه نوعَ تعريفٍ معنويٍّ لظهوره بإقدامه على الدَّعوى، وأمَّا (المنكِر) ففيه نوع تنكيرٍ لاستخفائه بتأخُّرِه، فأتى فيه بـ (مَنْ) مِنْ حيث أتى فيها إبْهامٌ وتنكيرٌ مناسبٌ لحالِه، قال: (ويحتمل
стр. 167
أن يجعل هذا السؤال دوريًّا (١) مردودًا؛ لأنَّه لو أتى بغير هذه العبارة لَقِيل: لِمَ لمْ يأتِ بغيرها) (٢).
واستثنى الفقهاءُ من عمومِ كونها على (مَنْ أَنكَرَ): صورًا كثيرةً لِمُدرَكٍ يخصُّها، وقد أورد الشارح الهيتميُّ (٣) هنا فروعًا كثيرةً على مذهب الشَّافعية، والفاكهيُّ (٤) فروعًا كثيرة على مذهب المالكيَّة (٥)، وذلك غيرُ جيِّدٍ، واللَّائقُ بالكُتُب الحديثيَّة: إنَّما هو ذِكْرُ مأخَذ كلٍّ من الأئمَّة المجتهدين على وجهِ الاِختصار، وأما محلُّ بَسطه: فكُتُبُ الفروع.
واعلم أنَّه قام الإجماعُ على استحلاف المدَّعَى عليه في المال (٦)، واختلف في غيره:
فذهب الشافعيُّ (٧) وأحمدُ (٨) إلى وجوبها على كلِّ من ادُّعِيَ عليه في حَدٍّ (٩)، أو طلاقٍ،
стр. 168
أو نكاحٍ، أو عِتْقٍ، أو غيرها؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإنْ نَكَلَ (١) حلف المدَّعِي وثَبتتْ دعواه (٢).
وقال الحنفيَّة: يحلف على النِّكاحِ والعِتقِ، فإنْ نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه (٣).
واتفق الثَّلاثةُ على: أنَّ اليمينَ يتوجَّهُ على كلِّ مَنِ ادُّعِيَ عليه حقٌّ، سواءٌ كان بينه وبين المدَّعِيْ اختلاطٌ أم لا، وشَرَطَ المالِكيَّةُ (٤) -كالفقهاءِ السَّبعةِ (٥)
فقهاءِ المدينة- في كونها
стр. 169
عليه: أن يكون بينهما اختلاطٌ؛ لئلّا تبتذلَ السفهاءُ الأكابرَ بتحليفهم (١).
ولهم تصرُّفاتٌ خصُّوا بها عمومَ الحديث فقالوا: مَن ادَّعَى شيئًا من أسباب القَوَد لم يجِبْ به يمينٌ إلَّا أن يُقِيمَ شاهدًا (٢)، ومَنِ ادَّعى نكاحَ امرأةٍ لم يَلزمْها يمينٌ (٣)، ومَن ادَّعتْ على زوجها طلاقًا لم يَلزَمْها يمينٌ (٤)، إلى غير ذلك، وحسْبُك أنَّه رأيٌ في مقابَلَة النَّصِّ (٥).
стр. 170
وهذا «حديثٌ حسنٌ» (١) وصحيحٌ أيضًا كما ذكر هو وغيره في موضع آخر (٢)، وقال الحافظ ابن حجرٍ: (إسناده جيِّدٌ) (٣).
(رواه) الإمامُ الجليلُ الحافظُ الكبيرُ المشهورُ بالفصاحةِ والبراعةِ (البيهقيُّ) (٤)(٥) [بفتح الباء والقاف] (٦) نسبةً إلى (بيهقٍ): قُرًى مجتمعةٌ بناحية (نَيْسابور) (٧)، بلغت تصانيفه نحوَ الأَلْفِ، قال السُّبكيُّ: (ولم يتَّفِقْ ذلك لأحدٍ) (٨).
واعتنَى بجمع نصوص الشَّافعيِّ (٩) وتخريج أحاديثها، حتَّى قال إمام الحرمين (١٠): (ما من
стр. 171
شافعيٍّ إلا وللشافعيِّ في عنقِه مِنَّةٌ، إلا البيهقيَّ فله عليه منَّة) (١).
(وغيره هكذا) أي: باللفظ المزبور (٢)، (وبعضه) / [١٢٨/أ] أي: الحديث (في الصحيحين) (٣) وبقيّة الكتب الستة (٤)، ولفظهم: «لو يُعْطَى الناسُ بِدَعواهم لَادَّعَى
стр. 172
ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهَم، ولكن اليمينُ على المدَّعَى عليه» (١).
والحديث قاعدةٌ عظيمةٌ من قواعدِ الشرعِ، وأَصلٌ من أصولِ الأحكام، وأعظمُ مرجعٍ عند التنازع والخصامِ (٢)، حتى قال بعضهم: إنَّه فصلُ الخِطاب (٣) المرادُ من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (٤).
الحديث الرابع والثلاثون
(عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول)، قال الزركشيُّ (١): هذا ممَّا يتكرَّر كثيرًا، وفي المنصوبينِ بعدَ (سمعتُ) قولانِ، والجمهورُ على أنَّ الأوَّل مفعولٌ به، وجملة (يقول) حاليَّةٌ (٢)، ثمَّ الأوَّل بتقدير مضافٍ أي: سمعتُ كلامه؛ لأنَّ السَّمع لا يقع على الذوات، ثم بيَّن المحذوفَ بالحال المذكور وهو (يقول) وهي حال مُبيِّنَةٌ لا يجوز حذفها (٣)(٤).
стр. 175
وقول الفارسيِّ (١) في الإيضاح (٢)(٣):
إنَّ الواقع بعد (سمعت) إن كان يُسمع: تعدَّت إلى مفعولٍ، كـ (سمعت القرآنَ والحديثَ) أو لا: فإلى مفعولين كـ (سمعت رسول الله يقول) فجملة (يقول) مفعولٌ ثانٍ، رُدَّ: بأنَّه لو كان يتعدَّى لاثنين كان إمَّا من باب (أعطيت) ولا يجوز؛ لأنَّ ثاني مفعوليه لا يكون جملةً ولا مُخْبَرًا به عن الأوَّل، و (سمعت) بخلافه، أو (ظننت) ولا يجوز؛ لصحَّة (سمعت كلام زيد) فتُعَدِّيْه إلى واحدٍ، ولا ثالث للبابين وقد بطلا، فتعيَّنَ الأوَّلُ (٤).
стр. 176
قال ابن الدّهَّان (١): (ولا يُخْتَار: (سمعت زيدًا قائلًا) إلا أن يعلِّقه بشيء آخر؛ لأنَّ (قائلًا) موضوعٌ للذات، والذات غير موضوعةٍ للسمع) (٢).
(مَنْ رَأَى) أي: علِمَ فهي عِلْميَّة، ويصحُّ كونُها بصريَّةً، وقِيْسَ ما علِمَهُ على ما رآه (مِنْكُمْ) معشر المكلَّفين القادرين، فهو خطابٌ لجميع الأُمَّةِ الذين يمكنهم ذلك, الحاضرُ بالمشافهة، والغائبُ تبعًا، أخرج بذلك نحوَ: الصبيِّ والمجنونِ والعاجزِ.
(مُنْكَرًا) أي: شيئًا قبيحًا قبَّحه الشرعُ قولًا أو فعلًا ولو صغيرةً, خلافًا لما يوهمه كلام الإمام (٣)، (فليُغَيِّره) أي: يُزلْه ويبدِّلْه بغيره وجوبًا بالشرع لا بالعقل، -خلافًا للمعتزلة (٤)
- على الكفاية (٥) إن عَلِمَ بِهِ أَكْثرُ مِنْ واحِدٍ، وإلّا فعينًا ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ
أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١)
ويكون ذلك بالمعروف لحديث: (من أمَرَ بمعروفٍ فليكنْ أمرهُ بمعروفٍ) (٢).
/ [١٢٩/أ] وظاهر الحديث: أنَّه لا يتوقَّف على إذنِ الإمام أو نائبه، ومحلُّه إن لم يَخفْ من عدم استئذانه مفسدةً راجحةً أو مُسَاويةً، وإلا توقَّف على إذنه.
(بِيَدِهِ) لأنَّها أبلغ في تغييره، كإراقة الخمر، وتفكيك آلة اللهو، والحيلولة بين الضارب
стр. 179
والمضروب، كذا قرَّره شارحٌ (١)، وقال آخرُ: يغيِّرُهُ بيده إن توقَّفَ تغييره عليها (٢).
(فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) ذلك بيده (فَبِلِسَانِهِ) أي: بقوله، كأن يصيحَ عليهم فيتركوه، أو يسلِّط عليهم من يغيِّره، كذا قرَّره جمع من الشرَّاح (٣).
وقضيَّته: أنَّه لو أمكنه إزالتُه بالمباشرة [وإزالتُه بالقول: أنَّه يجب إزالته بالمباشرة] (٤) ولا يكفي إزالته بالقول, كصياحٍ واستغاثة، وهذا لا يسوغ المصير إليه؛ لأنَّ المقصود من الأمر: إنَّما هو الإزالة بأيِّ طريقٍ كان (٥)، فلزوم تقديم الإزالة باليد (٦) التي هي عبارةٌ عن التصرُّف الفعليِّ بأن يريق الخمر مثلًا بنفسه، أو يصيح على من أَوْلَج أو يريد الإيلاج في أجنبيَّةٍ ليفارقها، أو يهدِّده إن لم يترك شرب الخمر أو الزِّنا بإحضار أعوان السلطان والقبض عليه ونحو ذلك، فإن أمكنه ذلك فهو الواجب أصالةً، وإن عجز عنه سقط التكليف بذلك، ولزمه الإنكار باللسان بنحو: توبيخٍ، وتحذيرٍ من لحوق العارِ بِه، وسقوط جاهه ومنزلته من القلوب، وتذكيره بالله وأليم عقابه، مع لينٍ أوإغلاظٍ بحسب ما يقتضيه الحال، وقد يبلغ في ذلك بالرفق ما لم يبلغ بغيره (٧).
حكى التَّاج السبكيُّ (٨) عن أبيه (٩): أنَّه كان يجتمع ببعض الأمراء، وكان الأمير يُلَازم
стр. 180
الحرير، فقال يا أميرُ: بِكَمْ هذا الذِّراعُ؟ قال: بدينارٍ، قال: من الصوف ما كلّ ذراعٍ منه بدنانيرَ، ومماليكُكَ وخدَمُك يشاركونك في لُبس الحرير، ولا يليق بشَهامتك أن يُساووكَ؛ فاعدل إلى الصوف؛ فإنَّه أعلى وأغلى، مع ما فيه من السلامة من العقاب الأخرى! (١) فاستحسن كلامه وترك الحرير (٢)،
ولو قال له ابتداءً: هذا حرامٌ فاتركه لم يُفِدْ، فهذا النوع من الرفق والتلطف واجبٌ فيمن يليق به.
وقول الشيخ الهيتميِّ: عقب قوله: (فبلسانه): (أي: بقوله المرتَجَى نفعه) (٣): غير سديدٍ؛ إذ لا يُلائِمُ المصحَّحَ في مذهبه في وجوب / [١٢٩/ب] الإنكار, وإن عَلم أنه لا يفيد، كما نَقَل هو عن الروضة (٤) -بعد ذلك- أنَّه حكى عليه فيها إجماع العلماء وانتصر له وردَّ على من خالفه (٥).