← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

رابعا: استدلالهم بحديث الواهبة نفسها لرسول الله ﷺ وشبهة أهل السفور فيه فعن سهل بن سعد ﵁ قال: (أتت النبي ﷺ امرأة فقالت إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: ما لي في النساء من حاجة. فقال رجل: زوجنيها قال: أعطها ثوبا، قال: لا أجد، قال: أعطها ولو خاتماً من حديد، فاعتل له، فقال ما معك من القرآن. قال: كذا وكذا. فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن) رواه البخاري. وفي رواية أخرى للبخاري أيضا: عن سهل ﵁ (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها النبي ﵇، فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه ... ) الحديث. وللرد على هذه الشبهة نقول: ماذا تريدون في حديث هو في غرض الزواج وطلب النكاح؟ وكشف الوجه جائز لكل من أراد الزواج بالنصوص الشرعية فلا دليل فيه، هذا أولاً. أ- ذلك كما قلنا سابقاً أنه ليس في شيء من أدلتهم أن امرأة كانت كاشفة عن وجهها أبداً وهنا كما ترون، فعلى كثرة ما أورده البخاري وغيره من ألفاظ وروايات لحديث الواهبة متباينة ومختلفة العبارات ومع ذلك فإنه لم يأتِ في شيء منها أن المرأة جاءته كاشفة عن وجهها بين الرجال. وأما قوله: (فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه) فهذا أيضا يمكن أن يكون وهي في غاية الستر وبخاصة أنه ﷺ قال: (ما لي في النساء

стр. 492

من حاجة) فإن الواحد منا قد لا يكون له رغبة أصلاً في الشيء فلا يحتاج لمشاهدته من أصله أو له مواصفات خاصة في المرأة من طول وشكل ونحو ذلك فلو نظر فيها فوجدها لا تتوفر فيها تلك الأمور المبدئية فإنه لا يحتاج للنظر لوجهها من أصله. ب- ثم على فرض أنها كانت كاشفة أليس من حق الخاطب النظر لمخطوبته؟ وهذه المرأة جاءت واهبة نفسها لرسول الله ﷺ ليتزوجها، وكذلك الصحابي لما طلب أن يتزوجها، فكيف يستدلون بمثل هذه الأحاديث على كشف المرأة لوجهها؟ والمخالف لهم يقر بجواز ذلك وأنه أحد الأدلة على ستر النساء لوجوههن. وهذا ما فهمه ابن بطال عند شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري فقال: (ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، وهو قول مالك، والثوري، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وقالوا: لا ينظر إلى غير وجهها وكفيها. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم .... . وخالفهم آخرون، وقالوا: لا يجوز لمن أراد نكاح امرأة ولا لغيره أن ينظر إليها إلا أن يكون زوجاً لها أو ذا محرم منها، ووجهها وكفاها عورة بمنزلة جسدها (١)، واحتجوا بحديث ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبى الطفيل، عن على بن أبى طالب أن النبي قال

стр. 493

له: «يا عليّْ لا تتبع بالنظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة». قالوا: فلما حرم رسول الله ﷺ النظرة الثانية؛ لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن تكون زوجة أو ذات محرم. واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه النبي ﵇ في الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذلك، وذلك نظر لسبب هو حلال، ألا ترى لو أن رجلا نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها ليشهد عليها أو لها أن ذلك جائز، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها، فأما المنهي عنه فالنظر لغير الخطبة ولغير ما هو حلال) (١) انتهى كلام ابن بطال على حديث الواهبة. والمهم أننا بنقلنا لكلام الإمام ابن بطال والذي هو نفسه كلام الإمام الطحاوي - والذي سبق معنا (٢) - تبين لنا أن لا مذهب ثالث في مسألة الحجاب في زمنهم، كمثل مذهب القائلين اليوم بجواز كشف المرأة لوجهها، وإلا لذكروه واحتجوا به على من قال بمنع الخاطب من النظر للمخطوبة فضلا عن أن يكون ذلك في عهد رسول الله ﷺ

стр. 494

وصحابته الكرام أو تابعيهم بإحسان أو قول في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد وجمهور الأئمة كما يدعون! . وانظر كيف استدل عليهم من رأى جواز نظر الخاطب لمخطوبته وكيف ناقشوهم بحديث رسول الله في جواز نظر الخاطب أو الإجماع في جواز نظر الشاهد، فلم يحتجوا عليهم بحديث الخثعمية ولا الواهبة نفسها ولا أسماء بنت أبي بكر ولا سفعاء الخدين ولا ... ولا غيرها مما أتى به أهل السفور اليوم، فسبحان الله كم بينهم وبين دعاة السفور اليوم من الفرق والبون الشاسع في الفهم والعلم، ولتعرف أن المتقدمين سواء من قال أن الوجه عورة أو من قال أنه ليس بعورة أنهم على خط واحد مستقيم ومنهج ثابت مطرد، وإن خالف البعض من المتقدمين من كلا الفريقين - وهم قليلون - فمنعوا من النظر للمرأة ولو لحاجة وضرورة ولو للخاطب، فنسب هذا أكثر ما نسب لمن قالوا إن المرأة كلها عورة، وإلا فالحق أننا رأينا أنه روي عن مالك وغيره كراهة ذلك وهم ممن لا يعدون الوجه والكفين من العورة، لتعرف أنهم في أصل المسألة ووجوب سترهما عن الأجانب متفقون مع من قال بأن المرأة كلها عورة، وإنما الخلاف بينهم في اختيار العلة المناسبة التي من أجلها أمر الشارع المرأة المسلمة بستر وجهها وزينتها عن الرجال، فمن قائل لأنه عورة ومن قائل ليس بعورة وإنما لأنه فتنة وشهوة، فظهر اعتراض هؤلاء على أولئك أكثر من ظهور علتهم، فحسبه أهل السفور أنه خلاف بينهم في أصل المسألة وأساسها.

стр. 495

خامسا: ومن أمثلة شبهاتهم الواهية التي ينقلونها: نقلهم أن أسماء بنت عميس ﵂ كشفت عن يديها وهي تمرض أبا بكر الصديق (١) ومع أن هذا الأثر واضح في سبب ظهور كفيها بنص كلام الراوي فان الفرق شاسع بين التساهل في كشف الكفين بلا حاجة وبين الرخصة في كشفهما عند الحاجة، لأنه معلوم أن للمرأة لو احتاجت لكشف كفيها عند الأخذ والإعطاء كما قاله الفقهاء أو لتتفحص الأشياء من قماش وحبوب ونحوها فلها ذلك، فكيف وهي تمرض زوجها أو (تذب عنه) كما جاء في الأثر فالحاجة أشد لكشف كفيها لمسح وجهه أو إطعامه أو إشرابه أو مداواته ونحو ذلك وبخاصة وهي في بيتها مما يصعب معه لبسها للقفازين أو سترهما، فكان في موضع ما ادعوه دليل على بطلان مذهبهم لو كانوا يفقهون، ودليل على سترهن عند عدم الحاجة، إذ لو كان وجه أسماء بنت عميس مكشوفاً لما احتاج الصحابي أن يدلل على بياض بشرتها والوشم الذي في يدها من مشاهدته لكفيها حيث برر رؤيته لذلك بسبب تمريضها لزوجها أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، فدل على أنه لم ير كفيها من قبل فضلاً عن وجهها، فالسياق ظاهر على أنه رأى ما لم يكن متعوداً على رؤيته من قبل أن يدخل لبيت الصديق يعوده في مرضه، وإلا فأسماء من الصحابيات الجليلات ولو كن يخرجن كاشفات الوجوه والأيدي كما يزعمه أهل السفور لرأى ذلك منهن في غير البيوت ولما أحتاج أن

стр. 496

يخبر عن بياض ووشم كفيها يوم تمرض زوجها، وهذه هي أسماء التي عندما دخل عمر ﵁ على ابنته حفصة زوج رسول الله ﷺ سألها من هذه؟ ! . فعن أبى موسى ﵁ قال: (ودخلت أسماء بنت عميس، وهى ممن قدم معنا، على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار - أو في أرض - البعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله ورسوله ﷺ وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله ... ) (١). فكيف يقال أنهن كن في زمن رسول الله ﷺ كاشفات الوجوه، وهكذا جل شبهاتهم واحتمالاتهم وتأويلاتهم الفاسدة إنما هي مبتورة عن حقيقتها الساطعة ومعناها العام الظاهر. ومن أمثلة غرائب استدلالات أهل السفور وشبههم: أن في بعض أدلتهم وعلى فرض صحة سندها أو معناها أنها مبقية على الأصل وهو قبل الحجاب والناقل عن الأصل مقدم على المبقى كما في أصول الفقه والناقل عن الأصل معه زيادة علم وهو إثبات تغير

стр. 497

الوضع السابق قبل الحجاب بما بعده، وخاصة أن أهل السفور يقرون بصراحة وكثرة أدلة غطاء الوجه والمثبت مقدم على المنفي. ومثال ذلك - من المضحك المبكي - سادساً: استدلالهم لمثل هذا بما جاء في جلباب المرأة للألباني: (عن الحارث بن الحارث الغامدي قال: (صحيح) ([قلت لأبي ونحن بمنى: ] ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا (وفي رواية: فتشرفنا) فإذا رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه [قوله] ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها [تبكي] تحمل قدحا [فيه ماء] ومنديلا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه [إليها] فقال: يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك [غلبة ولا ذلا] قلت: من هذه؟ قالوا: [هذه] زينب بنته) انتهى من جلباب المرأة. وهذا يستدلون به على أن تفسير قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ وأنه ستر النحر والرأس فقط، فهو دليل بزعمهم على عدم فرض ستر الوجه، فكيف وهذه الآية نزلت بالمدينة وتلك الحادثة من أمره ﷺ لابنته بستر نحرها كانت بمكة؟ فكيف تكون تطبيقا وتعبداً لما لم ينزل بعد من الآيات؟ ففي ذلك الوقت لم تكن نزلت آيات الحجاب بعد، بل لم تكن نزلت أركان الإسلام من زكاة وصيام وحج. وهذا ما يقوله الشيخ الألباني في كتابه "جلباب المرأة" ولهذا أتى بعده بكتابه الأخير الذي أسماه: (الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد

стр. 498

وتعصب وألزم المرأة بستر وجهها وكفيها وأوجب ولم يقتنع بقولهم: إنه سنة ومستحب). وفيه ما هو أشد نكارة وشذوذاً وغرابة وتساهلاً حيث قال فيه: (وإني لأعتقد أن مثل هذا التشديد على المرأة لا يمكن أن يخرج لنا جيلاً من النساء يستطعن أن يقمن بالواجبات الملقاة على عاتقهن في كل البلاد والأحوال مع أزواجهن وغيرهم، ممن تحوجهم الظروف أن يتعاملن معهم، كما كن في عهد النبي ﷺ كالقيام على خدمة الضيوف، وإطعامهم، والخروج في الغزو، يسقين العطشى، ويداوين الجرحى، وينقلن القتلى، وربما باشرن القتال بأنفسهن عند الضرورة، فهل يمكن للنسوة اللاتي ربين على الخوف من الوقوع في المعصية - إذا صلت أو حجت مكشوفة الوجه والكفين- أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي ﷺ ) انتهى كلامه. فسبحان الله هل الخوف من الوقوع في المعصية أصبح أمرا قبيحاً؟ هذا عجيب والله، أليس هو ثمرة الخوف من الله والذي يعد أجل منازل العبودية وأنفعها للعبد عند لقاء ربه والمفروض على المسلم أن يخاف الله ويتقه كما قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وإلا فما هو الشأن في الآيات والأحاديث التي لا تحصى تمدح الخاشعين والخائفين من ربهم وتعدهم بحسن العاقبة؟ كما قال

стр. 499

تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وإلا فكيف يكون الخوف من الله؟ هل هي كلمة تقال دون أن يترتب عليها أثر من عمل كما هو شأن المرجئة؟ أليس ثمرة الخوف من الله الخوف من الوقوع في المعاصي التي نهى عنها كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات]، ومن الخوف من الله الخوف من التقصير فيما أمر كما قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، فكيف نعيب على المسلمين والمسلمات أن يخافوا من الوقوع في معاصي الله التي تغضبه وتكون سبباً في نيل عقابه، هذا كلام فيه تساهل فإذا كان في الشبهات ورسول الله ﷺ يقول مخوفاً منها: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وأن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه) (١) كما قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ قال بعض المفسرين: ما لكم لا تخافون لله عظمة.

стр. 500

سابعاً: عن أنس قال: لما كان يوم أحد ... رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم، وإنهما لمشمِّرتان أرى خدم سوقهما (يعني: الخلاخيل) تنفران (أي: تحملان) القِرَب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم) انتهى من الرد المفحم. ومن المعلوم أن معركة أحد كانت في السنة الثالثة للهجرة ونزول آيات الحجاب في السنة الخامسة للهجرة فهي بكل حال لا تصلح للاستدلال بشيء أبداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا الخطر المدلهم فقد رد على الشيخ الألباني ﵀ عدد ممن لا يحصى، وما ذاك إلا محبة في الشيخ لخدمته للسنة ومحبته للحق ولكنها زلة منه رحمه الله تعالى لا يقصد إلا الخير وبيان السنة، ولهذا كان رد أهل العلم الأجلاء كالشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في عدة مقالات، والشيخ السندي في كتابه "رفع الجنة أمام جلباب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة"، والشيخ حمود التويجري في كتابه "الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور"، والشيخ أبو الأعلى المودودي في آخر كتابه"الحجاب"، بل وغيرهم من طلبة العلم الفضلاء. ولهذا لما قيل للشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية: إن الشيخ الألباني يرى السفور قال: (يريد أن يطبب زكاما فأحدث جذاما) (١). وصدق ﵀ فالشيخ الألباني ﵀ أراد أن يبين السنة والمستحب فترك الفريضة.

стр. 501

كما أن أهل السفور هدانا الله وإياهم ورحم من مات منهم وجمعنا بهم في مستقر رحمته أخذوا يرموننا بـ (المتشددين على المرأة) وكأننا نحن من فرض عليهن ستر وجوههن، وأنتم ترون نقول أهل العلم من المتقدمين بين أيديكم فكيف يحق لهم ذلك وهم يقولون إنه سنة ومستحب، ويقولون معترفين (والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي ﷺ كن يحتجبن حتى في وجوههن وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول ... ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفاً في عهده ﷺ وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن) (١) انتهى من جلباب المرأة للألباني. أفكان الله يأمر نبيه ليبلغ زوجاته وبناته ونساء المؤمنين ومن (بعدهن) بما يقال فيه (المتشددين على المرأة) هذا تناقض ظاهر في كلامهم.

стр. 502

خلاصة شبهات أهل السفور اليوم وبدعة القول أن في تغطية المرأة لوجهها أمام الرجال سنة ومستحب وكما ترى فهذه أشهر الأدلة في كتب أهل السفور وهي مع ذلك بين ضعيفة في سندها أو معناها أو دلالتها أو فهمها فهي بعيدة عن فهم ومقصد المتقدمين لها وغير صريحة على قولهم بكشف المرأة لوجهها ولهذا فليس عندهم دليل إلا الاحتمالات والظنيات وهو باب خطير لو فتح فلقائلٍ من أهل الفسق أن يقول: إن الخثعمية كانت كاشفة عن وجهها وشعرها، ولغيره أن يقول: الواهبة كانت كاشفة عن ووجهها وذراعيها وساقيها، وبهذا نفتح الباب لمثل مطالب أهل الفسق والمجون كما فتحه فعلا دعاة السفور اليوم بظنونهم أن أولئك الصحابيات كن كاشفات عن وجوههن، ولهذا فمذهبٌ ليس لدى أصحابه دليل على تحديد ما يدعونه سوى أنهم رموا بالشبهات في قلوب العباد وتركوهم بلا تحديد ولا ضابط ولا مراعاة ولا تقدير لأقوال أئمة أهل العلم المتقدمين. ولهذا فكل يوم يطالعوننا بما يخالف الأمور المحكمات والمسلّمات الواضحات من تجويزهم الاختلاط والجلوس لمؤاكلة الرجال والتهاون في عدم أمر النساء بلبس الجلابيب فوق الثياب والتزهيد في لبس القفازين والنقاب وهما المذكوران بنص السنة الصريحة، وصدق الله:

стр. 503

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] ولهذا حذر رسول الله ﷺ فقال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه. فكيف وشبهاتهم محدثة لم يسبقهم بها أحد، وكيف وبعضها لا يصلح للاستدلال أصلا، فكم أماتت تلك الأفهام من سنة وأحيت من بدعة فحرفت وبدلت وصحفت كثيرا من علوم أهل الإسلام، فحمَّلُوها مالا تحتمل، بالإضافة إلى أن أغلب ما يذكرونه هو من قبيل حوادث الأعيان التي قد تكون لها ظروف وأسباب وأحوال وليست لعموم الأمة. قال أبو هشام الأنصاري: (والحاصل أن كل ما قدمنا من النصوص الدالة على وجوب الحجاب من الكتاب والسنة هي أصول وقوانين كلية وهذه واقعة عين وقد علمت ما فيها من الاحتمالات فهي لا تصلح لمقاومة تلك النصوص ولا يترك القانون الكلي في مقابلة واقعة عين مثل هذه) (١) انتهى. فهي عن نساء من الصحابيات لم يصرح في واحدة منهن أنها كانت كاشفة عن وجهها، وعلى فرض ذلك فقد عُرفت أحوالهن وظروفهن وحاجتهن لذلك، وإذا عرف السبب بطل العجب، ولا أدل على أن قولهم ذلك بدعة أنك لن تجد مع نقلنا الطويل والمسهب لأقوال أهل العلم من قال بجواز سفور المرأة فضلاً عن قولهم مثل هذه العبارات منذ أربعة عشر قرناً قبل الشيخ الألباني ﵀، كما أنك لو نظرت في أقوال

стр. 504

وأعداد الأئمة والفقهاء والمفسرين القائلين بوجوب تغطية المرأة لوجهها لعلمت أنه لم يبق لهم أحد من أئمة الإسلام يقول بقولهم فضلا عن أن يقولوا مثل هذه العبارة المطولة التي تحتاج ليقف عندها جهابذة أهل العلم للتدليل عليها شرعاً. ولو تلفتّ يميناً وشمالاً باحثاً عن إمام من الأئمة قال بقولهم في جواز السفور لعلمت أنه غير موجود بتاتاً بل العكس كما مر معنا من نقولاتهم. ولهذا أنبّه طلبة العلم والدعاة من الحذر من قبول أن في مسألة فريضة الحجاب خلاف بين أهل العلم المتقدمين فضلا عن السلف من صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم بإحسان، أو القول أن الأمر في فريضة الحجاب دائر بين المستحب والواجب، فهذا غاية ما يريده المفسدون وبداية ما يريد سماعه أهل الفسق والمجون؛ لأن الغالب في مثل هذا الحجاب أن يؤول بالمرأة المسلمة للأسوأ كما بيناه وكما هو شاهد الحال. وبخاصة بعد أن علمنا أن بناء مذهب القائلين بسفور المرأة عن وجهها إنما هو قائم ومعتمد على مجموعة من الأخطاء الظاهرة في فهم كلام ومنهج المتقدمين كمسألة هل الوجه عورة أم لا؟ ونحو ذلك. فهل مر عليكم من ضمن ما قيل من خلافهم المنقول خلافهم على مسألة السفور؟ لدرجة ذكرهم خلاف من منع نظر الخاطب لمن أراد خطبتها، فمنعه جماعة منهم وهذا يبين لك مدى عظيم أمر كشف المرأة لوجهها وشناعته عندهم ولو كان لسبب مبيح ونص شرعي مبين، وذكروا خلاف نظر المرأة للرجل لتعلم فيما كانوا يختلفون، فكيف يتصور أن

стр. 505

عندهم وفي زمانهم شريعة الله وفريضته في الحجاب كانت سنة ومستحب؟ فضلاً أن يكون عندهم عن أحد من الصحابيات أو التابعيات أو تابعي التابعيات دليل مشتهر في فعلهن أو بيانهن لهذه السُنة المستحبة ولو بدليل وأحد صريح ولو لمرة واحدة، وهذا من أعجب العجب على بطلان قولهم وسبحان الله! . فلان نعترف ونعتذر للبعض إن أخطأ في فهم الظاهر من كلام السلف والعلماء المتقدمين أسلم لأداء الأمانة التي حملها الإنسان وخير وأولى من رمي الشريعة والصحابة والفقهاء من الأئمة الأربعة والمحدثين بالنزاع واختلاف التضاد في حين لم يرد عنهم في ذلك شيء واحد. مذهب السلف في مسائل الشبهات: ولهذا فمذهب السلف في مسائل الشبهات معروف كما هو مقرر من قول عدد من أئمة الإسلام: قال الإمام الشاطبي ﵀: (إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال، والدليل على ذلك أمور ... - ثم ذكرها - إلى أن قال: وهذا الموضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي؛ فثبت في حقه المعارضة ورمت به أيدي الإشكالات في مهاوٍ

стр. 506

بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين؛ لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات) (١) انتهى. وقال أيضاً في كتابه "الاعتصام": (فصل: ومنها انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف وطلب الأخذ بها تأويلا. كما أخبر الله تعالى في كتابه إشارة إلى النصارى في قولهم بالثالوثي بقوله: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة حتى يتبين معناه ويظهر المراد منه ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصل قطعي فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك أو عارضه قطعي كظهور تشبيه فليس بدليل لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه ودالا على غيره وإلا احتيج إلى دليل فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلا. ولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية لأن الفروع الجزئية إن لم تقتض عملا فهي في محل التوقف وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم ويتناول الجزئيات حتى إلى الكليات فمن عكس الأمر حاول شططا ودخل في حكم الذم لأن متبع الشبهات مذموم فكيف يعتد بالمتشابهات دليلا؟ أو يبنى عليها حكم من

стр. 507

الأحكام؟ وإذا لم تكن دليلا في نفس الأمر فجعلها بدعة محدثة هو الحق. ومن الأمثلة أيضا أن جماعة زعموا أن القرآن مخلوق تعلقا بالمتشابه والمتشابه الذي تعلقوا به على وجهين: عقلي في زعمهم وسمعي. ... ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد وهو الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المرتب على خاصها ومطلقها المحمول على مقيدها ومجملها المفسر بينهما إلى ما سوى ذلك من مناحيها فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فلذلك الذي نظمت به حين استنبطت. وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده بل بجملته التي سمي بها إنسانا كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها لا من دليل منها أي دليل كان نطق ذلك الدليل فإنما هو توهمي لا حقيقي كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال. فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذاً أولياً وإن كان ثَمَّ ما يعارضه

стр. 508

من كلي أو جزئي فكان العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ كما شهد الله به: ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأي في المقولات الشرعية فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا وإما أن يمكن فإن لم يمكن فهذا الفرض بين قطعي وظني أو بين ظنيين فأما بين قطعيين فلا يقع في الشريعة ولا يمكن وقوعه لأن تعارض القطعيين محال فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني وإن وقع بين ظنيين فهاهنا للعلماء فيه الترجيح والعمل بالأرجح متعين وإن أمكن الجمع فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع وإن كان وجه الجمع ضعيفا فإن الجمع أولى عندهم وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا إما جهلا به أو عنادا) (١) انتهى من كتاب "الاعتصام". فلا نشك أنهم أرادوا الحق ولكن لم يصيبوه، كما قال شيخ الإسلام بن تيمية: (فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن كما خفي عليه بعض السنة فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب. والله أعلم) (٢) بعكس أهل الزيغ والفساد فلا كلام لنا معهم، لأنهم لا يريدون طاعة الله ورسوله وإنما طاعة أهوائهم، ولكن نسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين الهداية والله العالم بما نعلن ونسر.

стр. 509

(المبحث الثامن) الرخصة الثانية في سورة النور وإجماع أهل العلم قال تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠].

стр. 510

(المبحث الثامن) الرخصة الثانية في سورة النور وإجماع أهل العلم قال تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّ هُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]. وهذ هي الرخصة الثانية في سورة النور بعد الرخصة الأولى من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، وقد أجمع أهل العلم على أنها الرخصة للعجائز في التخفيف عليهن بعدم لبسهن للجلابيب والأقنعة التى تكون فوق الثياب، وقد سبق معنا نقل كلام أهل العلم في معنى الجلابيب والأقنعة عند قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ١ - قال ابن العربي في أحكام القرآن: (المسألة الأولى: قوله: ﴿والقواعد مِنَ النِّسَاء﴾ جمع قاعد بغير هاء فَرْقاً بينها وبين القاعدة من الجلوس في قول بعضهم. وهن اللواتي قعدْنَ عن الحيض وعن الولد فليس فيهن رغبةٌ لكل أحد ولا يتعلق بهن القلْبُ في نكاح ويجوز النَّظَرُ إليهن بخلاف الشباب منهن ... وإنما خص القواعد بذلك دون غيرهن لانصراف النفوس عنهن، ولأن يستعففن بالتستر الكامل خير من فعل المباح لهن من وضع الثياب) انتهى.

стр. 511

٢ - قال الجصاص: ﴿وَالقواعد مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ ... قَالَ أبو بَكْرٍ: لَا خِلَافَ فِي أن شَعْرَ الْعَجُوزِ عَوْرَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْأجنبي النَّظَرُ إليه كَشَعْرِ الشَّابَّةِ، وَأنهَا إن صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأس كانت كَالشَّابَّةِ فِي فَسَادِ صَلَاتِهَا ... وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنهُ إنمَا أباح لِلْعَجُوزِ وَضْعَ رِدَائهَا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ بَعْدَ أن تَكُونَ مُغَطَّاةَ الرأس وَأباح لَهَا بِذَلِكَ كَشْفَ وَجْهِهَا وَيَدِهَا؛ لأنهَا لَا تُشْتَهَى، وَقَالَ تعالى: ﴿وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فَأباح لَهَا وَضْعَ الْجِلْبَابِ وَأخبر أن الاسْتِعْفَافَ بِأن لَا تَضَعَ ثِيَابَهَا أيضا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ خَيْرٌ لَهَا) انتهى. وأنظر كيف قاس قدر الرخصة للقواعد بما يظهر من المرأة حال الصلاة، وهكذا فعلوا في الرخصة الأولي كما تقدم معنا. ٣ - قال في تفسير زاد المسير لابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿أن يَضَعْنَ ثيابهُنَّ﴾ أي: عند الرجال ويعني بالثياب: الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب، ﴿غيرَ متبرجات بزِينَةٍ﴾ أي: من غير أن يُرِدْنَ بوضع الجِلباب أن تُرى زينتُهن والتبرُّج: إِظهار المرأة محاسنها ﴿وأن يَسْتَعْفِفْنَ﴾ فلا يَضَعْنَ تلك الثياب ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن قتيبة: والعرب تقول: امرأة واضعٌ: إذا كبِرتْ فوضعت الخمار ولا يكون هذا إلا في الهرِمة. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه الآية دلالة على أنه يُباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابَّة) انتهى.

стр. 512

٤ - تفسير اللباب في علوم الكتاب لابن عادل (ت: ٨٨٠ هـ): (وقال ربيعة: هنَّ العُجُز اللواتي إذا رآهنَّ الرجل استقذرهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ عند الرجال يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة) انتهى. ٥ - وقال في تفسير نظم الدرر للبقاعي (ت: ٨٨٥ هـ): (ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب في تغيير حكم الحجاب أتبعه الحكم عند إدبار الشباب في إلقاء الظاهر من الثياب، فقال: ﴿والقواعد﴾ وحقق المرأة بقوله: ﴿من النساء﴾ جمع قاعد وهي التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبراً وعن الزوج. ولما كان هذا الأخير قطبها قال: ﴿اللاتي لا يرجون نكاحاً﴾ أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا يرغب فيهن معه ﴿فليس عليهن جناح﴾ أي شيء من الحرج في ﴿أن يضعن ثيابهن﴾ أي الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿من ثيابهن﴾ قال أبو صالح: تضع الجلباب، وهو ما يغطي ثيابها من فوق كالملحفة وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي متعمدات بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة أو غير متظاهرات بالزينة، قال في الجمع بين العباب والمحكم: تبرجت المرأة: أظهرت وجهها.

стр. 513

وفي القاموس: تبرجت: أظهرت زينتها للرجال. انتهى، ومادة برج تدور على الظهور كما مضى في الحجر وقال البيضاوي: وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى. انتهى، وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفواً غير مقصود به الفساد لا حرج فيه. ولما ذكر الجائز وكان إبداء الوجه داعياً إلى الريبة، أشار إليه بقوله ذاكراً المستحب بعثاً على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها: ﴿وأن يستعففن﴾ أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار ﴿خير لهن﴾ من الإلقاء المذكور) انتهى كلامه. وأنظر كيف فهموا المستحب والسنة في مسألة الحجاب وهو عند عدم الأخذ بالرخص للقواعد من النساء بكشف وجوههن، أو كما قاله القاضي عياض: (وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها) وهذا فيمن لم تأخذ بجواز الكشف في طريقها عند عدم وجود الرجال فقال إن سترها وعدم كشفها سنة مستحبة لها لأن له أصل. لتعلم من أين أخطأ الشيخ الألباني حين عكس المسألة فأخذ من أقوال السلف في آية الرخص من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، فجعلها دليلا على حجاب المرأة المسلمة في أحوالها العادية، مع أنها متأخرة ولهذا لما تفاجأ بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم في وجوب تحجب النساء عن الرجال حملها بما لم يحمله بها أحد قبله فقال: إن ستر المرأة لوجهها عن الرجال سنة

стр. 514

ومستحب، ولو قصد المرأة من القواعد أو من جاز لها الكشف لحاجة أو ضرورة أو من جاز لها الكشف عند خلو الطريق ونحو ذلك من الرخص ولكنها لم تفعل وآثرت الاحتياط والورع فهذا من حقها وهو سنة ومستحب لها لأن له أصل عام وهو فريضة التحجب، وله إرشاد خاص من قوله تعالى: ﴿وَأن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فلو قصد ذلك لكان قوله صوابا وله سلف قولا وفعلا كما فعلته حفصة بنت سيرين التابعية الجليلة رحمها الله. ٦ - وأخرج البيهقي والدارقطني وغيرهما عن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾، فتقول: هو إثبات الحجاب) وصححه الألباني في "أحكام النساء" و"جلباب المرأة" وغير ذلك، وهذا دليل ظاهر على أن ستر وجه المرأة الشابة عن الرجال ليس سنة ومستحب، بل هو واجب وهذا تفسير لكتاب الله من أجلة الأعلام التابعين وبلا خلاف بينهم.

стр. 515

٧ - تفسير روح البيان لإسماعيل حقي (ت: ١١٢٧ هـ) (اعلم أن العجوز إذا كانت بحيث لا تشتهى جاز النظر إليها لأمن الشهوة (١). وفيه إشارة إلى أن الأمور إذا خرجت عن معرض الفتنة وسكنت ثائرة الآفات سهل الأمر وارتفعت الصعوبة وأبيحت الرخص ولكن التقوى فوق أمر الفتوى كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾ وفى الحديث «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس») انتهى. ٨ - قال ابن حزم في المُحَلى: مسألة: - بقية كتاب النكاح - (لأن المخالفين لَنَا هَاهُنَا بِأَهْوَائِهِمْ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنهُ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إلى زِينَةِ شَعْرِ الْعَجُوزِ السَّوْدَاءِ الْحُرَّةِ، وَلَعَلَّ النَّظَرَ إليها يَقْذِي الْعَيْنَ وَيُمِيتَ تَهْيِيجَ النَّفْسِ وَيُجِيزُونَ النَّظَرَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ إلى وَجْهِ الْجَارِيَةِ الْجَمِيلَةِ الْفَتَاةِ وَيَدَيْهَا) انتهى كلامه. وفيه الإجماع على تغطية العجوز شعرها لأنه عورة وقد نقله أكثر من واحد، وفيه أن ابن حزم يوجب المساواة بين الأمة الجارية والحرة في وجوب سترها لوجهها ولبسها للجلابيب، ولهذا منع النظر للجارية ولو لغير لذة وإلا فبوجود لذة وشهوة وفتنة فجميعهم يحرمون النظر للمرأة ولو عند الحاجة والضرورة ولو للجارية الأمة كما هو معلوم من كلام أهل العلم، ما لم تدع حاجة أقوى لذلك فجوزه البعض.

стр. 516

٩ - تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري (ت: ٧٢٨ هـ) (وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال: ﴿وأن يستعففن خير لهن﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة. وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر. فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح) انتهى كلامه. وقوله (عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة) وهذا كما تكرر معنا مرارا أنها الحكمة والعلة في فرض ستر النساء لوجوههن عند من لم يقل أن الوجه والكفين من العورة، لتعلم أنهم يحرمون الكشف ولكن بعلة أخرى هي الفتنة والشهوة، وبمثل هذا تعلم أيضا أنهم متفقون مع من قال إن العلة هي العورة في وجوب الستر عن الرجال. ١٠ - قال سماحة مفتي باكستان الشيخ محمَّد شفيع الحنفيُّ: (وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنِّساء الشوابّ كشف الوجوه والأكفّ بين الأجانب، ويُستثنى منه العجائز لقوله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنْ النِّسَاءِ﴾) (١) انتهى.

стр. 517

١١ - قال النووي في روضة الطالبين - كتاب النكاح - الفصل الثالث في أحكام النظر: (وأما العجوز فألحقها الغزالي بالشابة لأن الشهوة لا تنضبط وهي محل الوطء وقال الروياني إذا بلغت مبلغا يؤمن الافتتان بالنظر إليها جاز النظر إلى وجهها وكفيها لقول الله تعالى والقواعد من النساء ... ) انتهى. وانظر قوله: (لأن الشهوة .. يؤمن الافتتان بالنظر إليها) لتعرف أن هذا الاصطلاح والتقعيد والشرط يستخدم عند النظر للضرورة وفي شخص مخصوص وليس في عموم النساء أو من عموم الرجال كما أسلفنا. ١٢ - قال الشوكاني ﵀: (وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن ... أقول أما الطفلة فظاهر لخروجها عن الخطاب وعدم أن يتصور في مثلها الإيجاب وأما القاعدة فلقوله : ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح ان يضعن ثيابهن﴾ وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين، فرفع الجناح عنهن هو عن وضع الثياب التي على الوجه والكفين فكان ذلك دليلا على جواز النظر إليهم ودليلا أيضا على أن غير القواعد يحرم النظر إليهن فهذه الآية من جملة الآيات الدالة على تحريم النظر إلى الأجنبية كما تقدم) (١).

стр. 518

١٣ - وقال الإمام الموزعي الشافعي ﵀: (لم يزل عمل النساء على هذا قديماً وحديثاً في جميع الأمصار والأقطار فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة ويرونه عورة ومنكراً .. والسلف والأئمة كمالك والشافعي وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة، فقال الشافعي ومالك: ما عدا الوجه والكفين وزاد أبو حنيفة القدمين، وما أظن أحداً منهم يبيح للشابة أن تكشف وجهها لغير الحاجة ولا يبيح للشاب أن ينظر إليها لغير الحاجة) (١). ١٤ - تفسير التسهيل لعلوم التنزيل ابن جُزَي الغرناطي (ت: ٧٤١ هـ) ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ جمع قاعد وهي العجوز، فقيل: هي التي قعدت عن الولد، وقيل: التي قعدت عن التبرج ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما لم يبح لغيرهنّ من وضع الثياب، قال ابن مسعود إنما أبيح لهنّ وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ذوو محارمها ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ إنما أباح الله لهنّ وضع الثياب بشرط ألا يقصدن إظهار زينة، والتبرج هو الظهور ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ المعنى أن الاستعفاف عن وضع الثياب المذكورة خير لهنّ من وضعها، والأولى لهن أن يلتزمن من ما يلتزم شباب النساء من الستر) انتهى.

стр. 519

١٥ - وقال الخازن في تفسيره: (﴿فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن﴾ أي عند الرجال والمعنى بعض ثيابهن وهو الجلباب والرداء الذي فوق الثياب والقناع الذي فوق الخمار فأما الخمار فلا يجوز وضعه ﴿غير متبرجات بزينة﴾ أي من غير أن يردن وضع الجلباب والرداء إظهار زينتهن. والتبرج: (١) هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما يجب عليها أن تستره ﴿وأن يستعففن﴾ أي فلا يلقين الجلباب ولا الرداء ﴿خير لهن﴾). والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى وهي أدلة إضافية من أعلام أهل العلم على وجوب ستر النساء لوجوههن ولولا التطويل فيما هو مفروغ منه ومتيسر لكل أحد لنقلت من ذلك الكثير. ومن الفوائد أننا نلاحظ أن لفظة الخمار تأتي مرة في كلام الأئمة ويقصدون بها ستر الرأس وتأتي مرة في كلامهم ويقصدون بها ستر الوجه وهذا هو الحق كما سبق بيانه عند قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن﴾ لأن الخمار أصله التغطية، ويفهم المراد والمقصد لمعنى كل لفظة من سياق العبارة.

стр. 520

(المبحث التاسع) الأدلة من السنة والآثار على فريضة ستر المرأة وجهها عن الرجال

стр. 521

(المبحث التاسع) الأدلة من السنة والآثار على فريضة ستر المرأة وجهها عن الرجال ١ - عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) (١). قال في عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني الحنفي (م: ٧٦٢ هـ. ت: ٨٥٥ هـ) (وفيه تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحاً أو غيره) انتهى. وقال العراقي (م: ٧٢٥ هـ. ت: ٨٠٦ هـ) في طرح التثريب "باب حد القذف": (التاسعة عشرة): قولها: «فخمرت وجهي بجلبابي» وفيه تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره). أقول وهذا من الأدلة التي ترد شبهة القائلين بأن تغطية وجه المرأة سنة ومستحب فهذه أم المؤمنين وقد كانت في وضع حرج فقد تركها الجيش ظانين أنها في هودجها وساروا وتركوها في ظلمة الليل ومع ذلك عندما رأت الصحابي صفوان ﵁ لم تكشف له وجهها

стр. 522

ليعرفها ولو كان كشف الوجه جائز لفعلت ذلك وهي في وضع أحوج ما تكون فيه للنجدة والمساعدة بل وهي أم له وللمؤمنين بنص القرآن فعُلم أن ستر وجه المرأة فريضة لا يجوز كشفه إلا في استثناءات معينة ولأسباب مبيحة ضرورية، وهي لم تكشفه مع هذه الضرورة لأن آيات حادثة الإفك من قوله تعالى: ﴿إن الذين جاءو بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم﴾ [النور آية: ١١] كانت قبل أن تنزل آية الرخصة من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور آية: ٣١] لهذا غطت وجهها ولم تترخص من عند نفسها لمثل هذه الضرورة الملحة. وكما ترى فلم يقل أحد في هذه الأحاديث ولا غيرها شيئاً من الخصوصية لأمهات المؤمنين، وقد تقدم بيان هذا في مبحث مستقل وأن المتقدمين لم يفهموا من خصوصية أمهات المؤمنين أن ستر الوجه واجب عليهن وسنة على من سواهن فهذه بدعة حديثة لم تكن في سالفهم أبدا، وإنما الذي عنوه خصوصيتين أثنتين ليس فيهما شيء مما يقوله اليوم فريق من دعاة السفور هدانا الله وإياهم. الخصوصية الأولى: أنه شدد على أمهات المؤمنين في أمر الحجاب فكن على قول بعض أهل العلم مخصوصات بعدم ظهور شخوصهن ولو كن مستترات في الأزر فضلا عن عدم جواز ظهور الوجه والكفين منهن ولو عند الحاجة، لا في شهادة ولا غيرها ففرض عليهن ذلك بعكس ما هو جائز لغيرهن، وهكذا حمل بعضهم أحاديث حجبهن من

стр. 523

الأعمى والمكاتب الذي عنده ما يؤديه على مثل هذه الخصوصية، فهذا فيه زيادة في توقيرهن وحقهن وحق رسول الله ﷺ وليس فيه جواز كشف المسلمات بل العكس فيه ما يدل على وجوب ستر الوجه على جميع النساء أيضا كما مر معنا من كلام أهل العلم المتقدمين. الخصوصية الثانية: متفق عليها بينهم حيث قصدوا أنهن مع كونهن أمهات للمؤمنين وجاء تحريم النكاح بهن فقد فرض عليهن الحجاب كبقية النساء، فكن بذلك مخصوصات دون أمهات العالمين ومن يحرم النكاح بهن في الحجاب من أبنائهن وممن يحرم النكاح بهن. وعلى هذا فلم نجد في كتب المتقدمين أن الحجاب فرض على أمهات المؤمنين وسنة على من سواهن. ٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ رأيتكِ في المنام يجيء بك الملك في سَرَقَة (١) من حرير فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت إن يك هذا من عند الله يمضه) انتهى. قال الإمام البخاري "باب النظر إلى المرأة قبل التزويج" وهكذا لم يفهم منه ﵀ لا هو ولا غيره أن هذا الحديث خاص بأمهات المؤمنين دون غيرهن كما يقوله البعض اليوم.

стр. 524

٣ - وحديث صفية أم المؤمنين عندما كانت في السبي غزوة خيبر قال أنس ﵁: (لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد قالوا إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها) أخرجه البخاري. وفي رواية له من كتاب المغازي: (فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب). وفي رواية له من كتاب النكاح: (فلما ارتحل وطى لها خلفه ومد الحجاب بينها وبين الناس). وفي رواية لابن سعد في الطبقات ودلائل النبوة للبيهقي قال: (وسترها رسول الله ﷺ وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه) (١) انتهى. ولو كان الحجاب خاصا بزوجات رسول الله ﷺ لقالوا إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي كنساء المسلمين! . قال في المغني كتاب النكاح: فصل: "الأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا" (وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضا بينهم مشهورا، وأن الحجب لغيرهن كان معلوما) انتهى.

стр. 525

٤ - وكذلك عندما عثرت الناقة برسول الله ﷺ وصفية أم المؤمنين وهم راجعون إلى المدينة فصُرِعا (١) (قال أبو طلحة: يا نبي الله جعلني الله فداءك هل أصابك من شيء؟ قال: لا ولكن عليك بالمرأة فألقى ... أبو طلحة ثوبه على وجهه فقصد قصدها فألقى ثوبه عليها - وفي رواية - فقلب ثوبا على وجهه وأتاها فألقاه عليها) (٢). وإنما غطى وجهه بثوبه لأنه رأى رسول الله ﷺ حجبها عنهم عندما اتخذها زوجة فلما انكشفت تغطى هو ﵁. ٥ - حديث صفية ﵂ وهي بالمدينة قالت: (كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم انقلبت فقام معي ليقلبني فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا فقال: على رسلكما إنها صفية بنت حُيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال: إن الشيطان يجري من أحدكم .. ) الحديث متفق عليه. فهل لو كانت أمنا صفية ﵂ معتادة على كشف وجهها بين الرجال هل احتاج أن يُعرفها رسول الله ﷺ للرجلين حتى لا يُلقي الشيطان في قلبيهما الشك في جنابه الشريف؟ وهذا يدل على تحريم الاختلاط، ولو كان الحجاب خاصا بزوجات رسول الله ﷺ هل احتاج أن يُعرفها لهم أم أنهم سيعرفوها من خصوصية سترها لوجهها؟ .

стр. 526

٦ - قال أبو هريرة ﵁: (كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال ﷺ : أنظرت إليها؟ قال: لا قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا) أخرجه مسلم. ولو كانت النساء يخرجن سافرات أمام الرجال، لما قال له ﷺ في أمر مباح أنظرت إليها؟ ولما احتاج رسول الله ﷺ أن يخبرهم أن في أعين الأنصار شيئا، لأن العين في الوجه! . ٧ - وعن المغيرة بن شعبة قال: (أنه خطب امرأة، فقال النبي ﷺ أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) رواه الخمسة إلا أبا داود. ٨ - وفي رواية أخرى عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ فذكرت له امرأة أخطبها فقال: اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها وأخبرتهما بقول النبي ﷺ وفي رواية البيهقي - فَقُلْتُ: أن رَسُولَ اللَّهِ أمرنِى أن أنظر إليها فكأنهما كرها ذلك، قال: فسمعت ذلك المرأة وهي في خدرها (١) فقالت: إن كان رسول الله ﷺ أمرك أن تنظر فانظر وإلا فأنشدك كأنها أعظمت ذلك، قال فنظرت إليها فتزوجتها) (٢).

стр. 527

ولو كُن يكشفن الوجوه هل احتاج لأمر رسول الله ﷺ لكي ينظر إليها؟ وهل كانوا سيكرهون أمرا مباحا لهم ولها فعله فكيف بنظر الخاطب؟ . ٩ - وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها - وفي رواية - وقال جارية من بني سلمة، فكنت أتخبأ لها تحت الكرب، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها) (١). وعند ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مسلمة بسند صحيح ولفظه: عن ابن أبي حثمة قال: (رأيت محمدا بن مسلمة يطارد امرأة ببصره على إجار يقال لها: بثينة بنت الضحاك، فقلت: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم. قال رسول الله ﷺ : إذا ألقى الله في قلب رجل خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها). ١٠ - وعَنْ أبي حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إذا خَطَبَ أحدكُمُ امرأة فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَنْظُرَ إليها إذا كان إنمَا يَنْظُرُ إليها لِلْخِطْبَةِ، وإن كانت لَا تَعْلَمُ) أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والطحاوي. قال الشيخ الألباني في السلسة الصحيحة (١/ ١٥٦) مؤيدا ذلك: (ومثله في الدلالة قوله ﷺ في الحديث: (وإن كانت لا تعلم) وتأيد ذلك بعمل الصحابة ﵃، عمله مع سنته ﷺ ومنهم محمد بن مسلمة

стр. 528

وجابر بن عبد الله، فإن كلاً منهما تخبأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها) انتهى كلام الألباني. إذا ألا تتساءل معي إذا كان كشف الوجه هو المعمول عندهم لماذا لم يمش أحدهم بجوار مخطوبته وينظر إليها دون أن يتخبأ لها! لتعلم أن النساء في عهد النبوة كن وبلا شك يغطين وجوههن عن الرجال وأنه ليس من اليسير النظر إليهن أو الاختلاط بهن أو مجالستهن، وإلا لكانت كل هذه المعاني والتوجيهات من رسول الله ﷺ لصحابته وأمته ومن بعدهم لا داعي لها ومفرغة من معانيها وحقيقتها العملية الواضحة، وهذا ما قاله ابن قدامة صاحب المغني في "كتاب النكاح" فصل: نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب: (وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق فما وجه التخصيص لهذه؟ وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه) انتهى. ١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: (رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد - وفي رواية عند مسلم - فوضعت رأسي على منكبه - وفي رواية عند أحمد - فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه، حتى أكون أنا التي أسأم فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ) متفق علية.

стр. 529

فلو كان كشف الوجه هو المعمول عندهم والسائد لديهم لِمَ سترها رسول الله ﷺ بردائه وجعلها خلفه بعيدة عن اختلاطها بالرجال؟ ولو كان الأمر خاصاً بهن لِمَ قالت للناس: (فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ)؟ . قال في عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني الحنفي: (وفيه أنه لا بأس بنظر المرأة إلى الرجل من غير ريبة ألا ترى ما اتفق عليه العلماء من الشهادة عليها أن ذلك لا يكون إلا بالنظر إلى وجهها ومعلوم أنها تنظر إليه حينئذ كما ينظر الرجل إليها والله أعلم) انتهى. فانظر خلافهم أين وفيم كان، وهو في جواز أن تنظر المرأة للرجل وليس العكس، وانظر اليوم أين وفيم هو خلافنا مع دعاة السفور هدانا الله وإياهم؟ وهو قولهم بجواز كشف المرأة وجهها للرجال لينظروا إليها وزادوا - حديثاً - ومخالطتها ومؤاكلتها. فلا حول ولا قوة إلا بالله. ١٢ - وعن عائشة ﵂ أنها قالت: (جاء عمي من الرضاعة فاستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله فجاء رسول الله فسألته عن ذلك فقال إنه عمك فأذني له قالت: فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل قالت: فقال رسول الله: إنه عمك فليلج عليك قالت: عائشة وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب) انتهى. ولهذا لم يفهم البخاري ولا غيره عند تبويبه للحديث ما فهمه اليوم البعض من أن ذلك خاص بزوجات رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين دون غيرهن من النساء فقال: (باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء

стр. 530

في الرضاع) وهكذا كان فهم العيني في عمدة القاري فذكر من فوائد الحديث: (فيه أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها، ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع) (١) انتهى. ١٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين) أخرجه البخاري. قال شيخ الإسلام: (وهذا مما يدلُّ على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمنَ، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن) (٢). قال الإمام بن العربي: (وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) انتهى. وانظر لفهم هؤلاء الأئمة وقول الألباني ﵀ حين قال: (فهل يمكن للنسوة اللاتي ربين على الخوف من الوقوع في المعصية إذا صلت أو حجت مكشوفة الوجه والكفين أن يباشرن مثل هذه الأعمال وهن منقبات ومتقفزات؟ لا وربي، فإن ذلك مما لا يمكن إلا بالكشف عن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كما سنرى في بعض الأمثلة الشاهدة لما كان عليه النساء في عهد النبي ﷺ .. ) انتهى كلامه.
следующие страницы →