خصوصية أمهات المؤمنين وأنه لا يجوز لهن كشف وجوههن لشهادة ولا غيرها كما هو جائز لغيرهن من النساء، كما مر معنا سابقاً، أو ابن حزم عندما فهم ذلك لاحتياجه للدليل الصحيح بدل القياس ليكون ما استدل به (مخرجاً) له من معنى الجلابيب التي تعني ستر الجسم كله كما قال لبيان أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز كشفهما في الصلاة وعند الأجنبي كالخاطب والشاهد وغير ذلك من الضرورات، فهذا كله بعيد كل البعد عن فهم ومراد أهل السفور اليوم، ولهذا فقولنا إنها كانت كاشفة عن وجهها هو تقوُّل في حديثه ﷺ بما لم يرد فيه، فإن جاز لبعض أهل العلم عند مرورهم بالحديث أو شرحهم له أن يفهموا منه ذلك ليبينوا بعض المسائل المعروفة أو المتفق عليها حسب مناهجهم وقواعدهم الفقهية، فهذا يمكن القبول به ولكن أن نفترض ذلك ونظن احتماله وحدوثه ثم نحمله على ما حمله أهل السفور اليوم من جواز خروج النساء للأسواق والطرقات سافرات الوجوه، فهذا مما لم يقل به أحد أنه من دلالة الحديث وفوائده، بل هو مما يتعارض مع قول الله وقول رسوله ﷺ وأقوال الصحابة وأهل العلم وفعل نساء السلف، فهذا غير سديد ولا مسبوق لأنه يجب أن يكون لنا سلف في فهم كلام الله ورسوله ﷺ ، فكيف لو كانت أفهامهم تلك فوق أنها لم يقل بها أحد من السلف أو شراح الحديث، هي بعيدة عمَّا يدعونه ويقولونه بل ليس فيها أصلاً ما يريدونه من كونها كانت كاشفة، فلا يكون لنا حينئذ بحال من الأحوال مخالفتهم أو ابتداع قول لم يسبق لهم قوله وبخاصة
في فريضة إلهية قد أحكم الله بيانها.
стр. 457
ب- أنه على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها فقد ثبت أيضاً بالدليل من عدة روايات أن الخثعمية عرضها أبوها للنبي ﷺ رجاء أن يتزوجها فعن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأعرابي مَعَهُ ابنةٌ لَهُ حَسْنَاءُ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَجَاءَ أن يَتَزَوَّجَهَا قَالَ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليها وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُ بِرأسي فَيَلْوِيهِ وَكان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) انتهى.
والحديث صحيح أخرجه أبو يعلى وأبو بكر بن أبي شيبة وصححه جمع من المتقدمين والمتأخرين.
١ - قال الحافظ ابن حجر بعد أن عزاه إلى أبي يعلى: (إسناده قوي) (١).
٢ - وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح) (٢).
٣ - وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية ثم قال محقق الكتاب المحدث حبيب الرحمن الأعظمي وبعد أن رمز له بعلامة الصحة: (إسناده لا بأس به).
٤ - وذكر الحديث الحافظ البوصيري وسكت عنه ولو وجد فيه ما يقدح لبينه كعادته كما في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة.
٥ - وصحح الحديث الشيخ المحدث عبد القادر بن حبيب السندي في رسالته "الحجاب".
٦ - وقال محقق مسند أبي يعلي، حسين سليم أسد: (إسناده صحيح).
стр. 458
وهذا أولى وأقوى من تضعيف غيرهم، فتصحيح هؤلاء فضلاً عن غيرهم ممن صححه هو وحده مقنع وكاف، فكيف لو لم يكن إلا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى؟ .
ولأن من ضعفه إنما ضعفه بالشذوذ وهي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والحقيقة أن الحديث ليس فيه شيء من القاعدة السابقة أبداً ولا من المخالفة لشيء من هذا أصلاً، بل فيه زيادة الثقة وزيادة العلم بالشيء وهي مقبولة باتفاق عند المحدثين.
كما يؤيد صحة حديث عرض الأعرابي ابنته لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها ما جاء في الصحاح والمسانيد وغيرها من أن الرجل كان (يسايره) و (دفع معنا رجل) و (عرض له) أي لرسول الله ﷺ وهو في مسيره فقد جاءت هذه كلها في روايات الحديث العديدة كما في صحيح ابن خزيمة ومسند البزار وأحمد عن الفضل ﵁ قال: (كنت رديف رسول الله من جمع إلى منى فبينا هو يسير إذ عَرض له أعرابي مردفاً ابنة له جميلة وكان يسايره قال: فكنت أنظر إليها فنظر إلي النبي ﷺ فقلب وجهي عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثاً وأنا لا أنتهي فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (١) انتهى. وهذا شاهد يقوي أنهم (سايروه) و (عرض له أعرابي مردفاً ابنة له جميلة) و (دفع معنا رجل) وكون إبيها جعلها هي من تستفتي رسول الله ﷺ كلها أمور مشعرة أنها لسبب عرض الأعرابي
стр. 459
إبنته لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها ولهذا أنكر على الفضل نظره لما راه ينظر فيما لا غرض له فيه من إرادة الزواج ونحوه، فما كان إلا خشية الفتنة والشهوة عليه وعليها كما قاله ﵊.
بل جاء في رواية عند الطبراني في المعجم الكبير: (قال: ودفع معنا رجل من الأعراب وهو معه ابنة له صبيحة وهو يساير النبي ﷺ فأمال وجهي عنها، فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة) (١)، فالأعرابي دفع مع رسول الله وكان ملازماً له لحاجة السؤال ولكي يعرض ابنته له ولهذا جعلها تستفتيه بنفسها.
ومثل هذا كله لا يمكن أن يكون لمجرد السؤال فقط، فهذه الروايات شواهد على حديث عرض الأعرابي ابنته لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، والله أعلم.
فكيف لو كان هذا أيضاً ما فهمه من الحديث كما قلنا سابقاً كبار الحفاظ ومنهم:
أ- الحافظ ابن حجر في المطالب العالية حيث قال: (باب عرض المرأة على الرجل الصالح).
ب- وقال الحافظ أحمد البوصيري صاحب كتاب إتحاف الخيرة المهرة: (باب فيمن عرض ابنته على من يتزوجها).
ت- وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب عرض الرجل وليته على أهل الخيرة).
стр. 460
ولم يفهموا منه شيئاً آخر سواه، ولم يبوبوا باب جواز خروج المرأة كاشفة عن وجهها أمام الرجال، أو باب كشف المرأة وجهها كان معروفا في عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، أو نحو ذلك مما يقوله اليوم دعاة السفور هدانا الله وإياهم، بل جاء عنهم عكس ذلك تماماً كما رأينا، ولهذا فهموا منه هنا أنه للخاطب فكيف وروايات الحديث وسياقه تؤيد هذا بدليل ما يظهر من أنها كشفته للحظات قصيرة أو وهي داخل هودجها مارين برسول الله ﷺ فأراد الفضل أن ينتهز الفرصة القصيرة وينظر لها وهو خلف رسول الله ودون علمه، فأخذ يتلفت ويحاول النظر ولهذا لما تنبه له ﵊ حين (طفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) أو كما في الرواية الأخرى (فكنت أنظر إليها، فنظر إلي النبي ﷺ ) ولهذا نفهم أن نظره لم يكن بعلم رسول الله ﷺ أو أمامه وإنما كانت محاولاته المتكررة وهو خلف رسول الله ﷺ معتقدا أنه لا يراه ولهذا عندما التفت ونظر إليه (فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) وإنما أنكر عليه فقط ولم ينكر عليها إما لكونها لم تكن كاشفة أصلاً كما أثبتناه سابقاً، وإما لأنها ممن قال الله تعالى فيهن: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها .. ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، بدليل حديث عرضها من أبيها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، ولو كانت النساء كلهن يكشفن أو كانت أمام الناس كاشفة كما يقوله أهل السفور وأنه واقع
стр. 461
المجتمع في حياة رسول الله ﷺ وصحابته الكرام لما تلفت ولا حاول ولا أصر وعاود ولاستغنى عن النظر لغيرها من النساء الكاشفات في ذلك التجمع الكبير من الحجيج ولما استطاع رسول الله ﷺ أن يحول نظره عن شيء، أو لوجد الفرصة بعد ذهابها أو إيابها أو في غيرها، ولكن كل ما سبق دال على بطلان قولهم من كل وجه وأن زاوية الرؤية كانت ضيقة مما يدل على أنها كانت داخل هودجها، أو نحو ذلك كما سنثبته بعد قليل، وهذا كله منا أيضا على فرض أن كان عرضها لرسول الله ﷺ وهي كاشفة عن وجهها، حيث لا يلزم من عرضها لرسول الله عرضاً أولياً أن تكون كاشفة بين الرجال، فقد يكون الأمر وهي مغطية حتى يرى حاجته ورغبته واستعداده لذلك وإذنه فيه كما قال سهل ابن سعد ﵁، (أن امرأة أتت النبي ﷺ فعرضت عليه نفسها فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة) (١)، أو قد يكون كشفها وهي داخل هودجها لهذا سايروه وسيأتي في ت.
ت- والظاهر المتتبع لروايات الحديث السابقة وغيرها يلحظ أن الجارية كانت داخل هودجها راكبة مع والدها وبالتالي لم تكن كاشفة أصلا عن وجهها أمام احد من الرجال، وهذا ما توضحه الأدلة والشواهد من روايات الحديث الصحيحة كما عند مسلم وصحيح ابن حبان وعبد بن حميد وأبي عوانة عن جابر ﵁ قال: (ثم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يصل
стр. 462
بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه فحمد الله وكبره وهلله فلم يزل واقفا حتى أسفر جداً ثم دفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله ﷺ مر الظعن يجرين فطفق ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر فصرف الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى محسرا حرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك إلى الجمرة الكبرى) (١).
وكما جاء أيضا في سنن البيهقي الكبرى والدارمي وغير واحد في كتاب الحج: (فلما دفع النبي ﷺ مر بالظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فأخذ النبي ﷺ يده فوضعها على وجه الفضل فحول الفضل رأسه من الشق الآخر، فوضع النبي ﷺ يده من الشق الآخر) انتهى.
قال في عمدة القاري في (الظعن): (وقال ابن سيده الجمع ظعائن وظُعن وإظعان وظعنات الأخيرتان جمع الجمع وفي الجامع ولا يقال ظعن إلا للإبل التي عليها الهوادج وقيل الظعن الجماعة من النساء والرجال) انتهى.
стр. 463
وقال الحافظ في فتح الباري: (بضم الظاء المعجمة جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ثم أطلق على المرأة مطلقا) انتهى.
فالظعن: وهو الرحيل الارتحال والسفر أصلها راحلة ترحل ويظعن عليها أي يسار، وقيل للمرأة ظعينة لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن أو تحمل على الراحلة إذا ظعنت وقال السيوطي: هي المرأة التي تكون في الهودج كني بها عن الكريمة، وقيل: هي الزوجة لأنها تظعن إلى بيت زوجها من الظعن وهو الذهاب.
وقال في مشارق الأنوار على صحاح الآثار: (ظ ع ن) وذكر في الحديث الظعن ومرت ظعن يجرين وبها ظعينة وأُذن للظعن بضم الظاء وسكون العين وضمها أيضا والظعائن والظعينة: هم النساء وأصله الهوادج التي يكن فيها ثم سمى النساء بذلك، وقيل لا يقال إلا للمرأة الراكبة وكثر حتى استعمل في كل امرأة وحتى سمي الجمل الذي تركب عليه ظعينة ولا يقال ذلك إلا للإبل التي عليها الهوادج وقيل إنما سميت ظعينة لأنها يظعن بها ويرحل) انتهى.
وقال في تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي: (الظعينة المرأة المسافرة يقال ظعن يظعن إذا سافر وأصل الظعائن الهوادج لكون النساء فيها وقد يقال لها ظعائن وإن لم يكن فيها نساء) انتهى.
وبهذا ومثله بطل استدلالهم أن المرأة كانت كاشفة لعموم الرجال، فظاهر الروايات أن النساء كن يسرن في جنب بعيدا خلف الركب وهن داخل هوادجهن وهذا أكمل في راحتهن وبعيدا عن نظر الرجال إليهن وعندما مررن برسول الله ﷺ نظر إليهن الفضل يريد أن يرى منهن
стр. 464
وهن داخل هوادجهن، فلم يكن النساء متوافرات على التكشف أمامهم ولهذا أخذ يتلفت إليهن لما مررن مما تعلم أن الأمر لم يكن من قبل متيسرا أمامه، كحال الكاشفات عن وجوههن اليوم هدانا الله وإياهن، ولهذا كثرت المصائب والمفاسد.
فقد كان ركوب الهوادج كثيراً ومشهوراً ومعروفاً خاصة للنساء في الأسفار البعيدة لحمايتهن من أحوال الطقس الحارة أو الباردة أو الرياح ولراحتهن وسترهن عن أعين الرجال، كما ذكرت ذلك عائشة ﵂ بقولها في قصة حادثة الإفك: (فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما تأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا) (١)، ولاحظ قولها: (وكان النساء إذ ذاك خفافا ... فلم يستنكر القوم خفة الهودج) مما تعلم معه أن أمر الحجاب كان يعمهن جميعاً فلم يكن منهن امرأة تتكشف أبداً لا خثعمية ولا غيرها، ولهذا لم تخبر أو تشر عن ذاك الواقع عندهم بأنه كان خاصا بأمهات المؤمنين.
وقد مر معنا ذكر الهوادج أيضا عند نقل كلام السيوطي في خصوصية أمهات المؤمنين وحج عثمان ﵁ بهن كما بيناه في مبحث الخصوصية؛ لأن المرأة في الهودج تأخذ راحتها في كشفها ولعله لذلك أخذ الفضل يسترق الزوايا للنظر إليهن وهن في الهوادج، وإنما ذُكرت
стр. 465
الخثعمية في الحديث لقُربها لما كان أبوها قريب يساير رسول الله ﷺ يعرضها له وهي تسأله وتستفتيه في الحج عن الكبير.
ولعله لذلك كان هو وحده من بين من رووا القصة والذي وصفها بالحُسن، حيث لم يرد عن غيره هذا الوصف مما يُشعر أنها لم تكن كاشفة أصلا ويقصد حسنها الظاهر كما مر معنا أو لم يكن ذلك أمام أحد من الناس كونها داخل هودجها خلف أبيها وهم يسايرونه ﷺ يتحينون الفرصة لحاجتهم، فكشفها جائز في حقه ﷺ إما لغرض رجاء أن يتزوجها وإما لمكان العصمة منه ﷺ .
فإن كان الأول فهي إنما كشفته - وعلى فرض ذلك - والفضل ينظر إليها لأنه ملاصق وتابع لرسول الله ﷺ وقد يقال يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً، أو يقال إن رسول الله ﷺ لم يقره أصلاً على النظر وأنكر عليه فعله ولوى عنقه عنها مرارا ولم يقره، ولو أرادته ﵊ لوحده لتستفتيه أو تعرض نفسها عليه لصعب عليها ولم تجد الفرصة وخاصة في ذلك التجمع الكبير وعندها قد يفوت عليها حاجتها.
ولو كان الثاني وهو أيضا - على فرض كونها كانت كاشفة - فهذا جائز لها أيضا على قول بعض أهل العلم في جواز ذلك لرسول الله ﷺ حيث ذكر الحافظ ابن حجر وآخرون: أن النبي ﷺ لا يَحرُمُ عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات لمحل العصمة، بخلاف غيره (١).
فبكل الوجوه تبطل دعوى أهل السفور بحمد الله.
стр. 466
ث- كذلك كانت المرأة محرمة ويجوز للمحرمة كشف وجهها وهي داخل هودجها أو بعيدة عن أعين الرجال، ولهذا تفهم لماذا تلفت الفضل ﵁ وحاول استراق النظر للظعن وهن يجرين عندما مررن به وهو مع رسول الله ﷺ .
ج- كما أنه قد جاء في بعض الروايات عند الإمام أحمد في المسند: (وَكانت جَارِيَةٌ خَلْفَ أبيهَا) (١) فكونها كذلك يُشعر بأنها صغيرة لم تبلغ الحُلم بعد، ولم تُكلف فجاز لها حينئذ على هذا الكشف، بل غالب الروايات حتى التي ليس فيها لفظ جارية مشعرة بصغرها وكونها (ابنة صبيحة) خلف أبيها ولهذا فيحمل أيضا على أنه أحد الأسباب في عدم إنكار رسول الله ﷺ عليها وأنه ما أمرها بالستر، لأنه لا يجب عليها بخلاف الفضل فقد كان شابا بالغاً فنظره كان نظر شهوة وفتنة ولهذا أنكر عليه وصرف نظره عنها.
وهذا ممكن فقد كان في زمنهم تزويج الصغيرات سنة مشهورة، كما اليوم العنوسة مشهورة جدا فلا تتزوج المرأة اليوم في أحسن أحوالها إلا بعد العقد الثالث من عمرها بسبب الاختلاط والفساد الذي غشي الناس، ووجود البطالة بين الشباب بسبب عمل المرأة فيما يمكن أن يقوم به الرجال من أعمال، ومحاربة التعدد وغير ذلك، فقد كان زواجه ﷺ بعائشة وهي ابنة ست سنين ودخوله بها وهي ابنة تسع، وكذلك ما روي من خطبة عمر بن الخطاب لابنة علي ﵃ وهي صغيرة وغير ذلك كثير.
стр. 467
ح- ومن الردود كذلك أن المسلمين عندما علموا بحجة رسول الله ... ﷺ توافدوا من كل مكان للحج معه قال جابر ﵁: (إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله ﷺ حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله) متفق عليه.
ولا شك أن فيهم حديثي عهد بالإسلام ممن يجهل بعض الأحكام أو يتساهلون فيها لعدم تعودهم ومعرفتهم بطريقتها، بل وبكثير من تعاليم الشرع فغاب عنهم بعض أحكامه، وخاصة لو أخذنا في الاعتبار الاحتمالات العديدة التي سبقت معنا ككونها صغيرة أو داخل هودجها أو لكونها محرمة أو لعرضها من أبيها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها أو لم تكن كاشفة من أصله أو يقال لعله ﷺ أو غيره أمرها وافهمها بعد ذلك، فإن عدم نقل أمره بذلك لا يدل على عدم الأمر إذ عدم النقل ليس نقلاً للعدم، أو أن في إنكاره على الفضل إنكار عليها فيفهم منه وجوب سترها كما قاله صاحب مرقاة المفاتيح الحنفي عند شرحه للحديث - وهذا كله كما قلنا على فرض وأن كانت كاشفة - حتى لا يُقال لماذا لم ينكر عليها؟ وأما الفضل فمؤكد كما سبق معنا من قول ابن بطال عند شرحه للحديث من صحيح البخاري: (وفيه أن على العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه) انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: (وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، وعلى ولي الأمر الأمر بالمعروف
стр. 468
والنهى عن هذا المنكر وغيره، ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره) (١).
وقال ابن القيم: (وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزا لأقره عليه) (٢) انتهى.
وقال الإمام النووي ﵀ عند ذكره لفوائد هذا الحديث: (ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه) (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر) (٤).
وقال في غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد، وهو عبد الرحمن بن زياد الزبيدي مفتي الديار اليمنية من علماء القرن العاشر، لعبد الرحمن بن محمد بن حسين باعلوي: (مسألة): يحرم على الرجال النظر إلى النساء وعكسه، خصوصاً ذوات الهيئة والجمال وإن لم تكن خلوة ويأثم كل بذلك، ويجب نهيهم وتعزيرهم ويثاب الناهي عن ذلك ثواب الفرض، لأن الأمر بالمعروف من مهمات الدين) انتهى.
فبالله عليكم لو كان كشف الوجه جائزاً ومباحاً لماذا يصرف رسول الله ﷺ وجه الفضل عن النظر إلى ما هو مباح؟ ثم لو كان كشف الوجه منتشرا بين النساء هل سيحتاج الفضل أن يسترق الزوايا
стр. 469
ويصر على الالتفات مراراً في محاولة أن يراها وهو خلف رسول الله ﷺ ولأمكنه رؤيتها فيما بعد أو لاكتفى بالنظر لآلاف الكاشفات في ذلك التجمع الكبير وغيره! فدل على أنه لم يكن لينظر وهو يعلم أن رسول الله ﷺ يراه فهذه مخالفة مكشوفة ظاهرة للآيات والأحاديث في تحريم النظر للنساء كيف وهو ينظر نظر شهوة وكيف وقد علم إنكار رسول الله ﷺ له في المرة الأولى حيث صرف وجهه عنها؟ فعُلم أنه لما كرر النظر إليها مرات لم يكن أمام رسول الله بل خلفه ظاناً أنه لن يراه بدليل قوله: (فكنت أنظر إليها، فنظر إلي النبي ﷺ ) (فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) وهذا ما يبين لك شدة تحريم النظر للنساء فضلا عن كشفهن للرجال، ولهذا فلم يكن الأمر أبدا كما يظنه ويتصوره أهل السفور حيث قالوا: (فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل، ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه ﷺ ) فهذا فهم خاطئ لأن قوله: (لِمَ لويت رقبة ابن عمك؟ ) كما في بعض روايات الحديث عند الترمذي هو سؤال من العباس ﵁ والد الفضل لرسول الله ﷺ حيث رأى فعله بابنه ولم يدرِ ما السبب فقال له رسول الله ﷺ : (رأيت شاباً وشابةً فلم آمن الشيطان عليهما) (١) حيث لم يشعر بفعلته أحد وإنما تفطن له ﷺ كونه ركب أمامه وبجواره (فتلفت) و (نظر) إليه، ولم يقره كما يدعي ذلك أهل السفور هدانا الله وإياهم، بل أنكره أبلغ إنكار فعلا وقولا
стр. 470
وفي عدة مرات، فهذا كلام خطير وفهم غريب للنصوص، وهو أن يجوزوا النظر للنساء وبهذا الشكل ثم يدعون أن رسول الله ﷺ أقره عليه، فأين كان ذلك؟ هذه مصيبة ومخالفة لنصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة والمحكمة، ولإجماع المسلمين على تحريم النظر للنساء بلا حاجة، فَهُم مع الحاجة والضرورة اختلفوا هل ينظر بلذة وشهوة وفتنة أم لا ينظر؟ فكيف بهؤلاء يجوزون النظر بلذة وشهوة وفتنة ولا حاجة ولا ضرورة أيقر بذلك رسول الله ﷺ ؟ وهكذا هم كلما حرفوا وبدلوا وصحفوا الكلام عن حقيقته ومواضعه لم يستقم لهم لا كلام الله ولا كلام رسوله ولا كلام أهل العلم فوقعوا في كثير من الإشكالات والمعارضات مع المحكمات والمسلمات الواضحات مما جاءت به الشريعة الغراء فتناقضوا فيما يقولونه، وناقضوا بين أدلتها ونصوصها، ولو كَشفت النساء عن وجوههن فمن منا لن يكون الفضل بن عباس ﵁ وعن أبيه، وجمعنا بهما وبالمتأولين من أهل السفور في مستقر رحمته؟ .
стр. 471
ثانيا: استدلالهم بحديث سفْعَاء الخدين
استدلوا بحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: (شهدت مع رسول الله الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النساء - وفي رواية متفق عليها أيضاً - فظن أنه لم يسمع النساء - فوعظهن وذكرهن، فقال: تصدقْنَ فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاءُ الخدين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: لأنكنَّ تكثرن الشكاة وتكفُرنَ العشير قال: فجعلنَ يتصدقْنَ من حُليّهنَّ .. )، وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (قام النبي ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة) متفق عليه.
فقال دعاة السفور: فقد وصف جابر المرأة بأنها سفعاء الخدين، وهذا دليل بزعمهم على كونها كانت كاشفة عن وجهها أمامه.
والرد على مثل هذه الشبة من عدة وجوه وليس من وجه واحد:
أ- كما قلناه سابقاً ليس في أي حديث من أحاديث رسول الله ﷺ وصحابته الكرام أن امرأة في زمنهم كانت كاشفة عن وجهها بلا سبب مبيح، ومجرد كون جابر ﵁ قال: إنها سفعاء الخدين فليس هذا لأنها كانت كاشفة أمامه، فليس هناك دليل على أن جابر رآها بنفسه، فقد يكون قوله وصف مشهور لتلك المرأة وأخبره به زوجه أو بعض قرابته من النساء، أو الراويات للحديث.
стр. 472
ب- بل إن في كلام جابر ﵁ ما يدل ويؤكد على أنه لم يشاهد المرأة بنفسه كونه قال: (ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن) وقوله: (فقامت امرأة من سطة النساء) وقوله: (فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال) وفي رواية لابن عباس: (فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن) كلها تدل على بعدهم عن موضع النساء، فلم يكونوا جميعا مختلطين، وأنه كان يحكي ما حصل هناك فلم يكن مع رسول الله ﷺ أحد من الرجال سوى بلال يعتمد عليه ويَجمع الصدقات ولم يقل إن وصفه لها كان عن حضور ومشاركة ورؤية منه لذلك، بل العكس.
ت- بل والأظهر والآكد في أن جابرا ﵁ لم يرى تلك المرأة بنفسه أن ابن عباس ﵄ في روايته سُئِل: (قيل له: شهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) (١) فقد كان عمره في حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة يناهز الحُلم، فيكون قبلها من المؤكد صغيرا كما قال عن نفسه وقوله هذا مما يدل على عكس ما أرادوه، وأن النساء كن يحتجبن من الرجال البالغين ولهذا قال: (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) وهو لصغره ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء﴾ [النور: ٣١] فكيف يصح أن يقال إن جابرا ﵁ وهو الرجل البالغ شهد ذلك ورآه، قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند شرحه
стр. 473
لحديث ابن عباس في العيد: (لأن الصغر يقتضي أن يُغتفر له الحضور معهن بخلاف الكبر) انتهى.
ث- فيكفيهم لو يعدلون قول ابن عباس السابق فدل أن رواية جابر ووصفه لتلك المرأة بكونها (سفعاء الخدين) لم يكن عن رؤية لها أبداً بل كانت عن وصف ونعت لما اشتهرت به تلك المرأة بين النساء من سفع في الخدين فقد يكون أخبره بذلك زوجته أو بعض قريباته أو بعض النسوة الناقلات للخبر والحديث، أو أن المرأة عُرفت بذلك بعد تلك الحادثة بين الناس، والنعت والوصف كان مشهورا عندهم كقوله ﷺ : (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى امرأة ذات منصب وجمال أمت من زوجها حبست نفسها على أيتامها حتى بانوا أو ماتوا) (١) ومعلوم أنه ﷺ لا يقصد امرأة بعينها وأن قوله ممتد في أمته لكل من هذه وصفها، وكذلك قوله ﷺ : (لا تُباشِرُ المرأة المرأة فَتنعَتها لِزَوجِها كأنه ينظُرُ إليها) (٢) وغير ذلك كثير مشهور عنهم في الوصف والنعت ونقل الأخبار من المرأة لزوجها ونحو ذلك ولم يقل أحد عن هذه الأحاديث أو غيرها أنها تدل على كشفهن للرجال أو تعني رؤية الرجال لهن فهو يقول: (كأنه ينظُرُ إليها) وهكذا مثله قول جابر إنما كان ينقل ما قيل له من حال المرأة ولم يكن ذلك عن رؤية منه لها.
стр. 474
ج- ويؤكد ذلك أيضا أن جابراً ﵁ كان هو الوحيد من بين رواة الحديث الخمسة الذي وصف أنها سفعاء الخدين، بل ولم يأت عنه ذلك الوصف إلا في رواية من بين رواياته المختلفة.
ح- كذلك رد العلماء بأن هذه الواقعة لسفعاء الخدين كانت قبل فرض الحجاب فإن صلاة العيد شُرعت في السنة الثانية للهجرة وسورة الأحزاب نزلت بالأمر بالحجاب بعد ذلك باتفاق الأئمة جميعاً، وهذا كافٍ أيضاً لا يحتاج لمزيد كلام.
خ- احتمال أن تكون تلك المرأة من الإماء اللاتي لا يجب عليهن ستر وجوههن كما في قصة صفية أم المؤمنين ﵂ وقول الصحابة فيها: (إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد) (١) بدليل أن لفظة (سطة) هي عند مسلم فقط، وثبت عند الباقين كالنسائي وأحمد والبيهقي والدارمي أنها: (امرأة من سفلة النساء) وفي رواية ابن أبي شيبة (امرأة ليست من علية النساء).
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: (هكذا هو في النسخ «سطة» بكسر السين وفتح الطاء المخففة وفي بعض النسخ: واسطة النساء، قال القاضي: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم وأن صوابه: من سفلة النساء. وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده والنسائي في سننه. وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من عليه النساء. وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي) انتهى كلام النووي من شرح مسلم.
стр. 475
وقال في مشارق الأنوار على صحاح الآثار: (س ط ت) قوله: فقامت امرأة من سطة الناس كذا هو في جميع نسخ مسلم وكذا قيدناه عن شيوخنا بكسر السين وتخفيف الطاء وأصله من الوسط من ذوات الواو وفي رواية الطبري من واسطة فسره بعضهم أن معناه من علية النساء وخيارهم، وكان القاضي الكناني يقول: أرى اللفظ مغيرا وأحسبه من سفلة النساء، فكأنه اختلط رأس الفاء مع اللام فجاء طاء قال ويعضده أن ابن أبي شيبة والنسائي روياه كذا من سفلة ويروى أيضا فقامت امرأة من غير علية النساء، وحق هذه الكلمة أن تكتب في حرف الواو ولكنه ذكرناها هنا لاشتباه صورتها بالصحيح ولأنها مغيرة) انتهى.
ومما يؤيد كونها أيضا من الإماء وصفه لها بـ (سفعاء الخدين) أي تغير وسواد في وجهها فعن أم سلمة ﵂: (أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: اسْتَرْقوا لها فإن بها النظرة) (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ أن الحرة تحتجب والأمة تبرز) (٢) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وذكر صاحب البارع في اللغة أن السفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة والشحوب تغير اللون بهزال أو غيره). وهذا يؤيد ما في د.
د- ومن المحتمل أن تكون عجوزًا كبيرة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً بدلالة ألفاظ الحديث السابقة من الشحوب والهزال ونحوه.
стр. 476
ذ- أنه وعلى فرض كونها كانت كاشفة فهذا لأنها في مجلس علم مع المعصوم ﷺ وقد ذكر الحافظ ابن حجر وآخرون: (أن النبي لا يَحرُمُ عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات لمحل العصمة بخلاف غيره) (١) فاطمأنت أن أحدا لا يراها فرآها جابر فجأة فذكر ما لم يذكره غيره.
ر- ويحتمل أن حجابها انحسر أو سقط منها بغير قصد كقول الشاعر:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
وهذا كله الواحد منها كاف ومقنع، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، وهو أيضاً منا على فرض كونها كانت كاشفة عن وجهها، وتقولنا في حديث رسول الله ﷺ ما ليس فيه، فكيف يتجرأ البعض ليفتوا الناس بكشف وجه المرأة بمثل هذه الأدلة الظنية المشتبهة مع ما فيها من احتمالات قوية مقنعة، وبخاصة أن ما فهموه من حديث سفعاء الخدين هو فهم محدث لم يسبقهم إليه أحد قبلهم، فهذه كتب الحديث وشروحه هل قال فيها أحد بقولهم أو فهم منها أحد مثل فهمهم؟ فكيف وهي مخالفة أصلاً لصريح ما اعترفوا به من ستر النساء لوجوههن زمن رسول ﷺ أفيردوه بالظني ليقولوا بفهم آخر محدث وهو أن سترهن لذلك كان سنةً ومستحباً.
стр. 477
ثالثا: شبهة استدلالهم بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ومخالفتهم لفهم السلف له
استدلوا بحديث عائشة ﵂: (أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) (١) أخرجه أبو داود وقال هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة.
والحديث هذا لا يحتج بمثله أبداً لكثرة ما فيه من ضعف ونكارة الواحدة منها تكفي لرده فضلاً عن الاستدلال به:
أ- وذلك لأنه ضعيف جداً، فقد ضعفه بالانقطاع مخرجه أبو داود بنفسه فقال: خالد بن دريك لم يدرك عائشة فهو لم يُعاصرها فكيف يروي عنها، وفي سنده سعيد بن بشير وقد ضعفه جمع من كبار أئمة الحديث، وكذلك هناك عنعنه بعض المدلسين مثل الوليد بن مسلم وقَتادة، حيث لم يصرحوا فيه بالتحديث.
ب- ولا أدل على ضعف الحديث من عدم العمل به عند المتقدمين وعدم فهمهم له على ما فهمه به أهل السفور اليوم، وقد مر معنا بإسهاب من قبل أن المتقدمين لم يأت عن أحد منهم أنه فهم من الحديث دعوة لسفور المرأة عن وجهها أبداً، ولهذا استأنسوا بذكرهم لهذا الحديث فقط في أبواب عورة المرأة في الصلاة وأبواب ما يظهر منها
стр. 478
عند الضرورة للأجنبي، مع أن الحديث بعيد كل البعد عن موضوع عورة الصلاة ونظر الأجنبي، ومع أن الإجماع على ذلك ولا يحتاج لدليل وهو أن المرأة لا يظهر منها حال صلاتها إلا الوجه والكفان ولكن أحبوا أن يستأنسوا بدليل مع الإجماع على تحديد هذا القدر، لأن أحاديث (تصلى في درع وخمار) ونحوه فيه كلام من جهة وقفه على أم سلمة كما أنه ليس فيه ولا في غيره تحديد القدر بالوجه والكفين تحديدا دقيقا يمنع من ظهور غيرهما، ولهذا استأنسوا بذلك في أبواب الصلاة مع أن الإجماع كاف كما قلنا، وكذلك فعلوا تماما عند تفسيرهم لآية الرخصة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فالإجماع على جواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه، ولكن أحبّوا أن يستأنسوا بدليل على تحديد قدر ما يظهر منها حال الرخصة غالباً وهما الوجه والكفان، لأنهما أكثر ما تبتلى المرأة بكشفه عند الحاجة والضرورة كمثل ما قاله الفقهاء عند الشهادة والبيوع والتقاضي والنكاح ونحو ذلك.
ولهذا فلا نعلم أن أحداً من أهل العلم المتقدمين صححه فضلاً عن أن يستشهد به على سفور المرأة فهذا مما لم يرد عنهم بتاتاً.
стр. 479
خطأ الألباني في فهم مراد الإمام البيهقي (١):
وفي نفس هذا الأمر أخطأ الشيخ الألباني ﵀ في فهم كلام المتقدمين كما مر معنا سابقا وعندما نقلنا تفسير أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فعندما وجدهم يحددون قدر الرخصة بما يظهر من المرأة حال الصلاة وعادة وعبادة ليكون هو القدر الغالب ظهوره عند الضرورة وهما الوجه والكفان ظنهم يتكلمون في الآية المشرعة والواصفة لحجاب المرأة المسلمة في أحوالها العادية ولهذا اعترض عليهم قائلا: (وهذا الترجيح غير قوي عندي لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين). وقوله ﵀: (وفي هذا التعقيب نظر أيضا لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلا شاملا لما ظهر بالقصد؟ ).
والحقيقة أنهم يتكلمون في آية الرخصة وتحديد قدر ما يظهر من زينة المرأة عند الحاجة والضرورة فقدروه بالوجه والكفين لأنهما مما
стр. 480
يظهران في صلاتها وعادة وعبادة لأنهما الغالب مما تبتلى به المرأة بكشفه كما في أحوالها التي ذكرها الفقهاء وكان هذا التقدير احتياطاً منهم حتى لا يتوسع الناس في الأخذ بالرخص فيكشفوا ما لا داعي لكشفه، ولهذا قوى البيهقي قول من قال بتحديد هذا القدر بالوجه والكفين كغيره من المتقدمين فظنه الشيخ الألباني أنه يقصد تقوية الحديث حين قال الألباني: (نعم حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين لولا أن فيه ما بيناه في التعليق إلا أنه من الممكن أن يقال: أنه يقوى بكثرة طرقه وقد قواه البيهقي كما يأتي أدناه فيصلح حينئذ دليلا على الجواز المذكور) (١) انتهى
وأما قوله: (وقد قواه البيهقي ... فيصلح حينئذ دليلا على الجواز المذكور) فكيف إذا اتضح أن البيهقي لم يقوه وإنما قوى أصل المسألة في تحديد القدر الظاهر من المرأة في الصلاة وعند الحاجة، كغيره من الأئمة المتقدمين، وهذا هو الحق فهذا غلط على البيهقي لأنه قال في السنن الكبرى: "كتاب الصلاة"
ثم ذكر: (باب وجوب ستر العورة للصلاة وغيرها).
ثم ذكر: (باب عورة المرأة الحرة) قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (أخبرنا) -وساق بسنده- عن ابن عباس قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: ما في الكف والوجه. (أخبرنا) -وساق بسنده-
стр. 481
عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية قال: الكحل والخاتم. وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا. (وأخبرنا) - وساق بسنده - عن عائشة ﵂ قالت: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفان. وروينا عن ابن عمر أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان. وروينا معناه عن عطاء بن أبى رباح وسعيد بن جبير وهو قول الأوزاعي.
(أخبرنا) - وساق بسنده - عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب شامية رقاق فأعرض عنها ثم قال ما هذا يا أسماء؟ إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. لفظ حديث المالينى. قال أبو داود: هذا مرسل. خالد بن دريك لم يدرك عائشة.
قال الشيخ (١) مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا وبالله التوفيق) (٢) انتهى كلام البيهقي.
فأنت ترى هنا أنه إنما قوى تفسير الزينة الظاهرة بالوجه والكفين في أبواب تحديد عورة المرأة في الصلاة فذكر آية الرخصة وأقوال الصحابة والسلف فيها، فالبيهقي كمن سبق معنا من المفسرين والفقهاء يريد بذكر آية الرخصة وأقوال الصحابة فيها وحديث أسماء تحديد الوجه والكفين لبيان قدر عورة المرأة في الصلاة قياسا بقدر ما يجوز
стр. 482
لها كشفه في الغالب عند الأجنبي، ولهذا استشهدوا بهما أيضا في "كتاب النكاح" مرة أخرى لتحديد قدر الرخصة للخاطب ونحوه قياسا بما يظهر منها حال الصلاة، فالأدلة هنا يستخدمونها هناك والأدلة هناك يستخدمونها هنا، وهذا غاية ما فهمه السلف من الآية وأقوال الصحابة فيها وحديث أسماء، وهكذا فعل الإمام ابن حزم الظاهري في المحلى من "كتاب الصلاة" و"كتاب النكاح" حيث حدد القدر مما يظهر من المرأة في الصلاة وعند الضرورة للأجنبي بالوجه والكفين، ولكن بحسب منهجه الظاهري في عدم قبوله بالقياس أو الحديث الضعيف، ولهذا استدل بحديث الخثعمية وتصدق النساء بحليهن يوم العيد المخرجين في الصحيحين على تحديد قدر ذلك بالوجه والكفين وأنهما ليسا بعورة فيجوز ظهورهما في الصلاة وعند الضرورة للخاطب والشاهد.
وبالتالي تلاحظ عبارة البيهقي لم يقصد تقوية حديث أسماء بل ضعفه وإنما قصد تقوية مسألة تحديد القدر الظاهر منها في الصلاة وعند الحاجة فقال: (قال: أبو داود هذا مرسل. خالد بن دريك لم يدرك عائشة قال الشيخ: مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا وبالله التوفيق) انتهى.
فالبيهقي استشهد لتقوية مسألة تحديد القدر الظاهر من المرأة في الصلاة بحديث أسماء وقول من مضى من الصحابة في الآية (فصار القول بذلك قويا) وليس العكس فلم يستشهد بشيء لتقوية حديث أسماء بل
стр. 483
نص على أنه مرسل منقطع، وظاهر كلامه هو: (في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا) ومعناه فصار تحديد الوجه والكفين وظهورهما دون غيرهما في الصلاة وعند الحاجة بذلك قويا وليس الحديث المرسل هو القوي كما فهمه الألباني ﵀.
تضعيف البيهقي لحديث أسماء بنت عميس الثاني من طريق ابن لهيعة من"كتاب النكاح ":
ولهذا عندما أخرج البيهقي في سننه عند "كتاب النكاح" ما يدل على جواز نظر الخاطب لمخطوبته كما في (باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها) ذكر في الباب الذي بعده نفس حديث عائشة السابق وكذلك حديث أسماء بنت عميس المشابه له ولكن من طريق ابن لهيعة وكان ذلك منه لبيان القدر الجائز نظره من الخاطب لمخطوبته.
ولكنه كذلك ضعفه ولم يقوِّ مرسلاً بضعيف ولا ضعيفاً بمرسل لأنهم يعلمون أن الضعيف لا ينتهض بمثله فكيف بأضعف منه.
فقال: (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة)
(قال الله ﵎: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال الشافعي ﵀: إلا وجهها وكفيها، قال الشيخ ﵀: وقد روينا هذا التفسير في "كتاب الصلاة" عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ثم عن عطاء وسعيد بن جبير وفي رواية أخرى عن ابن عباس وعطاء، باطن الكف ... أخبرنا - وساق بسنده - قالت: سألت عائشة ﵂ عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخة وضمت طرف كمها.
стр. 484
وأخبرنا - وساق بسنده - نفس حديث عائشة السابق في "كتاب الصلاة" عن عائشة أم المؤمنين: أن أسماء بنت أبي بكر ... وأشار إلى كفه ووجهه).
- ثم ساقه من طريق ابن لهيعة من حديث أسماء بنت عميس -
فقال: (أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد ثنا أبو عمران الجوني ثنا محمد بن رمح ثنا ابن لهيعة عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر عن أبيه أظنه عن أسماء بنت عميس أنها قالت: (دخل رسول الله ﷺ على عائشة بنت أبي بكر وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام فلما نظر إليها رسول الله ﷺ قام فخرج فقالت: لها عائشة ﵂ تنحي فقد رأى رسول الله ﷺ أمرا كرهه فتنحت فدخل رسول الله ﷺ فسألته عائشة ﵂ لِمَ قام؟ قال: أولم تري إلى هيئتها أنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا وأخذ بكفيه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفه إلا أصابعه ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه. إسناده ضعيف) (١) انتهى كلام البيهقي.
وهنا أيضا كما ترى ضعفه ولم يقوِّ في كلا الموضعين هذا بذاك أو ذاك بهذا.
стр. 485
ثم قال بعد أن انتهى من (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة).
قال بعده في نفس المكان: (باب من بعث بامرأة لتنظر إليها).
ثم قال بعده: (باب تحريم النظر إلى الأجنبيات من غير سبب مبيح قال الله : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ انتهى.
وممن تنبه لذلك صاحب كتاب "حجاب المسلمة بين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" فقال: (واستنتاج الألباني تقوية الحديث من عبارة البيهقي السابقة غير دقيق ذلك أن الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى لم يتعرض لذات الحديث بالتقوية أصلا وإنما تعرض لأصل المسألة فقط كما أن البيهقي لم يقو حديث أسماء الذي روته عنها عائشة ولا الشاهد الذي ساقه من طريق ابن لهيعة بل صرح بإرسال الأول (١) وضعف الثاني (٢) انتهى (٣).
تنبيه: بالإضافة لهذا فإن في كلام الألباني ما يشعر القارئ بأن الإمام البيهقي على مذهب السفور، وذلك عندما نسب له تقويته للحديث وهذا إيهام غير صحيح، ولا نعلم أحداً من المتقدمين من قال بمذهب السفور والبيهقي الحافظ من المتقدمين جداً وتبويباته وأقواله كما في كتبه دالة
стр. 486
على وجوب تحجب النساء عن الرجال فقد مر معنا قوله: (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة).
وفي معرفة السنن والآثار للبيهقي قال ﵀: (وروينا عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : «إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى بعض ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال: فخطبت جارية من بني سلمة فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها» قال الشافعي: ينظر إلى وجهها وكفيها ولا ينظر إلى ما وراء ذلك، قال أحمد: وهذا لأن الله جل ثناؤه يقول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قيل عن ابن عباس وغيره: وهو الوجه والكفان، وقد مضى ذكره في كتاب الصلاة، وذكرنا فيه ما يشيده، وأما النظر بغير سبب مبيح لغير محرم فالمنع منه ثابت بآية الحجاب، ولا يجوز لهن أن يبدين زينتهن إلا للمذكورين في الآية من ذوي المحارم، وقد ذكر الله تعالى معهم ما ملكت أيمانهن) (١) انتهى كلام البيهقي ﵀.
فالمتقدمون من العلماء درجوا على أن يستدلوا بحديث أسماء بنت ... أبي بكر: (أنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ في بابي عورة المرأة في الصلاة وما يجوز أن يظهر منها عند الحاجة والضرورة كما في أبواب النكاح من الخطبة والشهادة والتقاضي ونحوها، وعلى هذا حملوا معناه والمراد منه، أو هو منهم على قاعدة الاستئناس بالحديث الضعيف إذا
стр. 487
لم يوجد في الباب غيره أو كنوع من أنواع القياس لتحديد القدر في الحالتين، ولم يصححوه لا سندا ولا بالمعنى الذي فهمه اليوم دعاة السفور أبدا، لأنه لا يعقل من كل وجه أن يصادم المحكمات الواضحات فكيف وسنده واهٍ، ولهذا ضعفه الألباني قديما، ثم رجع وصححه بالمعنى الذي عنده، ولعل الذي جعله يرجع عن تضعيفه ما رآه من كثرة ذكر المتقدمين من أهل العلم له في أبواب عورة المرأة في الصلاة وعند تفسيرهم لآية الرخصة من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ونحو ذلك كما في أبواب الفقه كالشهادة والبيوع وغير ذلك فظنهم بذلك يحتجون به سنداً، وإلا فالشيخ الألباني كما هو ظاهر في كلامه الذي نقلناه عنه في بداية هذا الموضوع كان مترددا في ثبوت صحته، فظن أن البيهقي قد قواه، ولهذا نقل في الرد المفحم صفحات حتى خرج عن موضوع رجال السند وطرق الحديث ليبرهن بكل الوسائل صحته، فوقع ﵀ في إشكاليات وتناقضات في الصناعة الحديثية مما قرره هو نفسه أكبر وأعمق من هذا لا مجال هنا لسردها.
ت- كما أن الحديث ضعيف من جهة أنه مضطرب وفيه نكارة وركاكة في ألفاظه ما يبعد معه أن يصدر ممن لا ينطق عن الهوى، فمن النكارة مثلا استحالة أن تدخل بنت الصديق ﵂ وعن أبيها، على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق تشف عن جسدها، ولو تجاوزنا
стр. 488
عن هذه النكارة فيمكن أن نحمله على أنه كان قبل نزول فرض الحجاب كما قاله ابن قدامة ﵀ (١).
ومما يقوي القول أن ذلك قبل الحجاب أو أن الحديث منكر وشاذ لا يصح من أصله، أن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ كان عمرها حين هاجر النبي ﷺ إلى المدينة سبعاً وعشرين سنة كما قيل، ولهذا فيبعد كل البعد أن تدخل في ثياب رقاق تشف جسدها، اللهم إلا إذا كان ذلك في مكة قبل الهجرة أو قبل أن يُفرض الحجاب بالمدينة، ونسأل الله العفو أن نفترض في دين الله ما لا يصح أصلا لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وما لا يقبله أحد أن يقال في أهل بيته فكيف ببيت النبوة وأخت أم المؤمنين عائشة وبنت الصديق ﵃ أجمعين، ولكن ماذا نفعل؟ فما افترضنا ذلك إلا لنبين بطلان حجتهم من كل وجه وعلى أوسع الاحتمالات.
وأما كون الحديث مضطرب فظاهر لمن تأمله فمرة يروى وكأن صاحبة القصة عائشة ومرة يروى وكأنها أسماء بنت عميس ومرة أنها أم سلمة بدل عائشة، وبألفاظ سياقها مختلف ومتعارض جداً، فكانت كثرة طرقه دليلاً ظاهراً على ضعفه لا كما قال الشيخ الألباني: (إلا أنه من الممكن أن يقال: أنه يقوى بكثرة طرقه).
стр. 489
ث- عدم عمل عائشة وأسماء ﵄ بكشف الوجه ولو لمرة واحدة، ولو في أشد الظروف كما حصل لعائشة ﵂ في حادثة الإفك حين سارت القافلة وتركتها وحيدة بعد حرب مع الأعداء ومع ذلك لما رأت أحد أبنائها ممن كانت تعرفه وتثق به ويراها قبل الحجاب لم تبادره بكشف وجهها ليعرفها أو تكلمه بأنها أمه عائشة زوج نبيه ﷺ بل قالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) (١)، أهذا لأنها لم تكن تعلم أن الحجاب لم يكن فريضة مفروضه، وأنه كان سنة ومستحب؟ وكذلك ما جاء عن أختها أسماء وهي محرمة حيث ذكر بعض أهل العلم الإجماع على وجوب كشفهن حال الإحرام ولكن إذا حاذاهن الرجال وجب الستر عليهن كما قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام» (٢) وقول حفيدتها التابعية الجليلة فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (٣)، أهذا كله كان بسبب أن مجتمع
стр. 490
رسول الله ﷺ وصحابته الكرام كان معروفاً فيه أن النساء يخرجن مكشوفات الوجوه أمام الرجال؟ .
مع ما كان معروفاً عندهم من قول عائشة ﵂: (إن كان رَسُول اللَّهِ ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) متفق عليه.
ومع ذلك لم يشتهر عنها ولا عن أختها أسماء ولا عن واحدة من نساء الصحابة والتابعين أنها خرجت سافرة عن وجهها.
فهذه علل تدل على عدم صحة الحديث فضلاً عن دلالته على المعنى المحدث عند أهل السفور اليوم، ولهذا فيكفي في رد شبهتهم أنه لم يأت عن أحد قبلهم أنه فهم من الحديث ما فهموه.
ولو افترضنا جدلاً وأخذنا بقاعدة الترجيح بين الحديثين الصحيحين المتعارضين لأغلقنا الباب سريعاً على هذه الشبهة، لأنه لا مقارنة بين ما هو مخرج عند الشيخين أو على شرطهما، وبين ما قال عنه مخرجوه من الحفاظ: ضعيف ومنقطع.
فمن كل وجه لا حجة لهم فيه ولهذا فلا يجوز العمل به أو نسبته لرسول الله ﷺ وبخاصة بهذا الفهم المحدث المبتدع، الذي لم يكن عليه العمل من قبل، وإنما نحمله على أقل الأحوال على طريقة وفهم ومنهج بعض أهل العلم ﵏ في تحديد القدر الظاهر من المرأة في الصلاة وعند الحاجة.
стр. 491
رابعا: استدلالهم بحديث الواهبة نفسها لرسول الله ﷺ وشبهة أهل السفور فيه
فعن سهل بن سعد ﵁ قال: (أتت النبي ﷺ امرأة فقالت إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: ما لي في النساء من حاجة. فقال رجل: زوجنيها قال: أعطها ثوبا، قال: لا أجد، قال: أعطها ولو خاتماً من حديد، فاعتل له، فقال ما معك من القرآن. قال: كذا وكذا. فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن) رواه البخاري.
وفي رواية أخرى للبخاري أيضا: عن سهل ﵁ (أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها النبي ﵇، فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه ... ) الحديث.
وللرد على هذه الشبهة نقول: ماذا تريدون في حديث هو في غرض الزواج وطلب النكاح؟ وكشف الوجه جائز لكل من أراد الزواج بالنصوص الشرعية فلا دليل فيه، هذا أولاً.
أ- ذلك كما قلنا سابقاً أنه ليس في شيء من أدلتهم أن امرأة كانت كاشفة عن وجهها أبداً وهنا كما ترون، فعلى كثرة ما أورده البخاري وغيره من ألفاظ وروايات لحديث الواهبة متباينة ومختلفة العبارات ومع ذلك فإنه لم يأتِ في شيء منها أن المرأة جاءته كاشفة عن وجهها بين الرجال.
وأما قوله: (فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه) فهذا أيضا يمكن أن يكون وهي في غاية الستر وبخاصة أنه ﷺ قال: (ما لي في النساء
стр. 492
من حاجة) فإن الواحد منا قد لا يكون له رغبة أصلاً في الشيء فلا يحتاج لمشاهدته من أصله أو له مواصفات خاصة في المرأة من طول وشكل ونحو ذلك فلو نظر فيها فوجدها لا تتوفر فيها تلك الأمور المبدئية فإنه لا يحتاج للنظر لوجهها من أصله.
ب- ثم على فرض أنها كانت كاشفة أليس من حق الخاطب النظر لمخطوبته؟ وهذه المرأة جاءت واهبة نفسها لرسول الله ﷺ ليتزوجها، وكذلك الصحابي لما طلب أن يتزوجها، فكيف يستدلون بمثل هذه الأحاديث على كشف المرأة لوجهها؟ والمخالف لهم يقر بجواز ذلك وأنه أحد الأدلة على ستر النساء لوجوههن.
وهذا ما فهمه ابن بطال عند شرحه لهذا الحديث من صحيح البخاري فقال: (ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، وهو قول مالك، والثوري، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وقالوا: لا ينظر إلى غير وجهها وكفيها. وقال الأوزاعي: ينظر إليها ويجتهد وينظر إلى مواضع اللحم .... .
وخالفهم آخرون، وقالوا: لا يجوز لمن أراد نكاح امرأة ولا لغيره أن ينظر إليها إلا أن يكون زوجاً لها أو ذا محرم منها، ووجهها وكفاها عورة بمنزلة جسدها (١)، واحتجوا بحديث ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبى الطفيل، عن على بن أبى طالب أن النبي قال
стр. 493
له: «يا عليّْ لا تتبع بالنظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة».
قالوا: فلما حرم رسول الله ﷺ النظرة الثانية؛ لأنها تكون باختيار الناظر، وخالف بين حكمها وحكم ما قبلها إذا كانت بغير اختيار من الناظر، دل على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن تكون زوجة أو ذات محرم.
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى أن الذي أباحه النبي ﵇ في الآثار الأول هو النظر للخطبة لا لغير ذلك، وذلك نظر لسبب هو حلال، ألا ترى لو أن رجلا نظر إلى وجه امرأة لا نكاح بينه وبينها ليشهد عليها أو لها أن ذلك جائز، وكذلك إذا نظر إلى وجهها ليخطبها، فأما المنهي عنه فالنظر لغير الخطبة ولغير ما هو حلال) (١) انتهى كلام ابن بطال على حديث الواهبة.
والمهم أننا بنقلنا لكلام الإمام ابن بطال والذي هو نفسه كلام الإمام الطحاوي - والذي سبق معنا (٢) - تبين لنا أن لا مذهب ثالث في مسألة الحجاب في زمنهم، كمثل مذهب القائلين اليوم بجواز كشف المرأة لوجهها، وإلا لذكروه واحتجوا به على من قال بمنع الخاطب من النظر للمخطوبة فضلا عن أن يكون ذلك في عهد رسول الله ﷺ
стр. 494
وصحابته الكرام أو تابعيهم بإحسان أو قول في مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد وجمهور الأئمة كما يدعون! .
وانظر كيف استدل عليهم من رأى جواز نظر الخاطب لمخطوبته وكيف ناقشوهم بحديث رسول الله في جواز نظر الخاطب أو الإجماع في جواز نظر الشاهد، فلم يحتجوا عليهم بحديث الخثعمية ولا الواهبة نفسها ولا أسماء بنت أبي بكر ولا سفعاء الخدين ولا ... ولا غيرها مما أتى به أهل السفور اليوم، فسبحان الله كم بينهم وبين دعاة السفور اليوم من الفرق والبون الشاسع في الفهم والعلم، ولتعرف أن المتقدمين سواء من قال أن الوجه عورة أو من قال أنه ليس بعورة أنهم على خط واحد مستقيم ومنهج ثابت مطرد، وإن خالف البعض من المتقدمين من كلا الفريقين - وهم قليلون - فمنعوا من النظر للمرأة ولو لحاجة وضرورة ولو للخاطب، فنسب هذا أكثر ما نسب لمن قالوا إن المرأة كلها عورة، وإلا فالحق أننا رأينا أنه روي عن مالك وغيره كراهة ذلك وهم ممن لا يعدون الوجه والكفين من العورة، لتعرف أنهم في أصل المسألة ووجوب سترهما عن الأجانب متفقون مع من قال بأن المرأة كلها عورة، وإنما الخلاف بينهم في اختيار العلة المناسبة التي من أجلها أمر الشارع المرأة المسلمة بستر وجهها وزينتها عن الرجال، فمن قائل لأنه عورة ومن قائل ليس بعورة وإنما لأنه فتنة وشهوة، فظهر اعتراض هؤلاء على أولئك أكثر من ظهور علتهم، فحسبه أهل السفور أنه خلاف بينهم في أصل المسألة وأساسها.
стр. 495
خامسا: ومن أمثلة شبهاتهم الواهية التي ينقلونها:
نقلهم أن أسماء بنت عميس ﵂ كشفت عن يديها وهي تمرض أبا بكر الصديق (١) ومع أن هذا الأثر واضح في سبب ظهور كفيها بنص كلام الراوي فان الفرق شاسع بين التساهل في كشف الكفين بلا حاجة وبين الرخصة في كشفهما عند الحاجة، لأنه معلوم أن للمرأة لو احتاجت لكشف كفيها عند الأخذ والإعطاء كما قاله الفقهاء أو لتتفحص الأشياء من قماش وحبوب ونحوها فلها ذلك، فكيف وهي تمرض زوجها أو (تذب عنه) كما جاء في الأثر فالحاجة أشد لكشف كفيها لمسح وجهه أو إطعامه أو إشرابه أو مداواته ونحو ذلك وبخاصة وهي في بيتها مما يصعب معه لبسها للقفازين أو سترهما، فكان في موضع ما ادعوه دليل على بطلان مذهبهم لو كانوا يفقهون، ودليل على سترهن عند عدم الحاجة، إذ لو كان وجه أسماء بنت عميس مكشوفاً لما احتاج الصحابي أن يدلل على بياض بشرتها والوشم الذي في يدها من مشاهدته لكفيها حيث برر رؤيته لذلك بسبب تمريضها لزوجها أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين، فدل على أنه لم ير كفيها من قبل فضلاً عن وجهها، فالسياق ظاهر على أنه رأى ما لم يكن متعوداً على رؤيته من قبل أن يدخل لبيت الصديق يعوده في مرضه، وإلا فأسماء من الصحابيات الجليلات ولو كن يخرجن كاشفات الوجوه والأيدي كما يزعمه أهل السفور لرأى ذلك منهن في غير البيوت ولما أحتاج أن