٢٨ - وقال في التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ت: ٧٤١ هـ):
﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ كان نساء العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال لهن فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن ويفهم الفرق بين الحرائر والإماء والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار وقيل هو الرداء.
وصورة إدنائه:
- عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها.
- وقيل أن تلويه حتى لا يظهرإلا عيناها. وقيل أن تغطي نصف وجهها.
ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين أي ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض بما تعارض به الأمة وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي إنما المراد أن يفرق بينها وبين الأمة) انتهى.
٢٩ - قال المفسرالإمام يحيى بن سلام البصري القيرواني (ت: ٢٠٠ هـ): قول الله تعالى: ﴿ياأيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: (والجلباب: الرداء تقنع به وتغطي به شق وجهها الأيمن، تغطي عينها اليمنى وأنفها) انتهى.
стр. 72
٣٠ - وقال المفسر الإمام أبو المظفر السمعاني ﵀ (ت: ٤٨٩ هـ):
(وقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ أي: يشتملن بالجلابيب والجلباب: هو الرداء، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. قال عبيدة السلماني: تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع بدنها إلا إحدى عينيها) انتهى.
٣١ - وقال المفسر الفقيه عماد الدين الطبري الشهير بإلكيا الهراس الشافعي (ت: ٥٠٤ هـ):
﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ الجلباب: هو الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن ولم يوجب على الإماء ذلك) انتهى.
٣٢ - وقال ابن حزم الظاهري (ت: ٤٥٦ هـ):
عند تعريفه للجلابيب: (وَالْجِلْبَابُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ التي خَاطَبَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَا غَطَّى جَمِيعَ الْجِسْمِ، لاَ بَعْضَهُ) (١) انتهى.
٣٣ - وقال الإمام السيوطي ﵀ (ت: ٩١١ هـ):
وقال السيوطي في استنباط التنزيل: (هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن) (٢) انتهى.
стр. 73
٣٤ - قال المفسر العلامة جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ):
في محاسن التأويل عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ نقل كلام الزمخشري المتقدم ثم قال: (ومن الآثار في الآية ما رواه الطبري عن ابن عباس قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة، وأخرج ابن أبي حاتم عن أم سلمة قالت لما نزلت هذه الآية ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها) انتهى.
٣٥ ـ وقال مفتي الديار المصرية الشيخ حسنين محمد مخلوف ﵀ (ت: ١٣٥٥ هـ):
عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾: (يسدلن الجلابيب عليهن حتى يسترن أجسامهن من رؤوسهن إلى أقدامهن. والإدناء التقريب، ولتضمنه معنى السدل أو الإرخاء عُدِّي بعلى. والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب يستر جميع البدن يعرف بالملاءة أو الملحفة) (١).
стр. 74
٣٦ - المفسر الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر محمد سيد طنطاوي:
قال في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب يستر جميع البدن، تلبسه المرأة فوق ثيابها، والمعنى: يا أيها النبي قل لأزواجك اللائي في عصمتك، وقل لبناتك اللائي هن من نَسْلك، وقل لنساء المؤمنين كافة، قل لهن: إذا ما خرجن لقضاء حاجتهن، فعليهن أن يَسدلن الجلالبيب عليهن حتى يسترن أجسامهن ستراً تاماً من رؤوسهن إلى أقدامهن؛ زيادة في التستر والاحتشام، وبعداً عن مكان التهمة والريبة. قالت أم سلمة ﵂: لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سُود يلبسنها) (١).
٣٧ - وقال المفسر العلامة الشيخ أبو الأعلى المودودي ﵀:
عند تفسيره لقول الله ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ قال: (وبعض المترجمين والمفسرين في هذه الأيام غلبهم الذوق الغربي، فترجموا هذا اللفظ بمعنى الالتفاف لكي يتلافوا حكم ستر الوجه ... .
ومن ثم تعني الآية صراحة أن يتغطى النساء بالإضافة ويلففن أنفسهن بجلابيبهن ثم يسدلن عليهن من فوق، بعضاً منها، أو طرفها، وهو ما يعرف عامة باسم النقاب؛ هذا ما قاله أكابر المفسرين في أقرب عهد بزمن الرسالة وصاحبها ... وقد فسرها ابن عباس رضي
стр. 75
الله عنهما أيضا بما يقارب هذا إلى حد كبير وما نقله عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه يقول فيه: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة " وهذا ما قاله قتادة والسدي أيضا في تفسير هذه الآية ويتفق أكابر المفسرين الذين ظهروا في تاريخ الإسلام بعد عصر الصحابة والتابعين على تفسير الآية بهذا المعنى) (١).
ولا أريد أن أزيد في النقل أكثر من ذلك وقد حصل المقصود في بيان إجماع المفسرين والصحابة والتابعين ومن بعدهم على مر عصورهم دون أي خلاف يذكرعلى قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وأن هذه الآية دليل قطعي في الأمر بتغطية النساء لوجوههن عن الرجال.
٣٩ - قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، وبعد أن سرد جملة كبيرة من أقوال جماهير العلماء المعتبرين: (هذه هي أقوال أعلام هذه الأمة من لدن أفضل القرون إلى القرن الرابع عشر الذي نعيش فيه يعرف منها أن من تصدى لتفسير إدناء الجلباب فقد فسره بتغطية الوجه) (٢).
стр. 76
ما معنى هذه النقول؟ :
وغير ذلك معناه أن نقذف بهذه النصوص المدونة على مر العصور لنأخذ بتفسير بعض المتأخرين اليوم القائلين بسفور المرأة لوجهها، وللقارئ الكريم أن يراجع بقية التفاسير على اختلاف مذاهبها ومشاربها ومناهجها، ليجد النقل المتتابع الموروث جيلا بعد جيل في ذلك، وقد أعرضنا عن كثير من التفاسير لشهرة أقوال أصحابها في وجوب ستر النساء لوجوههن عن الرجال، خشية من الإطالة.
وهذه كتب أئمة التفسير فليخرجوا لنا كلمة واحدة أو قولاً واحداً أو اسماً واحداً من صحابة رسول الله ﷺ أوالتابعين أو تابعيهم بإحسان قال أحد منهم أن في آية الإدناء قولا - أي قول - غير أنها الأمر للنساء بستر وجوههن عن الرجال، فضلا أن يكون فيمن بعدهم متجرئٌ يقول أن فيها معنى كشف النساء لوجوههن.
стр. 77
مخالفة الشيخ الألباني لإجماع المسلمين في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾
وبعد ما تقدم وغيره، فمن يستشهد اليوم لمسألة فريضة الحجاب بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ويقول أنها دليل على جواز كشف المرأة لوجهها بدون سبب من حاجة أو ضرورة، أو الأسوأ منه، من يرى كل هذه النقول المتواترة لعلماء أهل التفسير جيلا بعد جيل عن صحابة رسول ﷺ والتابعين وتابعيهم بإحسان ثم يقول أن هناك خلافا بين السلف في تفسير آية الإدناء، فضلا عن قوله أن آية الإدناء تعني كشف المرأة لوجهها، يكون قد جنا جناية عظيمة، وأتى بما لم يأتِ به الأولون والآخرون منذ أربعة عشر قرناً، وأخطأ وحرف كلام أهل التفاسير قاطبة، وبالتالي كلام الله - عز جل - وهو لا يشعر، وناقض أوله بآخره وأعرض عن إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فلم يأت عن أحد من السلف ما يخالف ذلك بتاتاً، أو أن آية في كتاب الله تعنى أن تكشف المرأة عن وجهها بغير سبب مبيح، حتى جاء الشيخ الألباني ﵀، وأتى اليوم كما يقول بتوفيق بين الأدلة، ولا شك أنها زلة العالم.
قال الشيخ محمد الألباني ﵀، في كتابه "حجاب المرأة" صفحة (٥٧): (ويلاحظ القراء الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت
стр. 78
ذكرته اجتهاداً مني وتوفيقاً بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحاً به (ص ٨٧) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات).
ثم هناك في صفحة (٨٧) قال: (هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما. ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:
الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره، فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقاً بين الآيتين ... ) انتهى إلخ كلام الألباني ﵀.
وأنت تلاحظ أن الشيخ ﵀ بنى قوله على أمور منها: أنه (لا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره) ورد كل ما جاء من نقول لأهل العلم بسبب هذا الاعتبار، فكيف لو علمت أن عدداً ممن نقلنا قولهم هنا، هم ممن يقولون: (أن الوجه والكفين ليسا بعورة)، ومع ذلك يوجبون ستره، وهذا ما يؤكد أن مقصد ومراد المتقدمين على أن الوجه والكفين ليسا بعورة لا يعنى عندهم كشفهما
стр. 79
على كل حال وبدون سبب مبيح، بل يعنون به جواز الكشف عند الحاجة والضرورة، كما سيأتي معنا عند تفسير سورة النور، فهنا أجماع ظاهر منهم.
كما وأنه سبق لنا بيان الأدلة على أن آية النور متأخرة وليست متقدمة، فالشيخ - غفر الله لنا وله - أخذ من آية الرخص والاستثناءات التي في سورة النور ما جعله حكماً لفريضة الحجاب ومتعارضاً مع ما جاء من إجماع في سورة الأحزاب، كمن يأخذ بأدلة الفطر للمسافر والمريض ويقول الفطر في رمضان سنة ومستحب.
وقال في الرد المفحم: (يصرُّ المخالفون المتشددون على المرأة وفي مقدمتهم الشيخ حمود التويجري حفظه الله، على أن معنى ﴿يدنين﴾: يغطين وجوههن، وهو خلاف معنى أصل هذه الكلمة: "الإدناء" لغة، وهو التقريب، كما كنت ذكرت ذلك وشرحته في الكتاب - وكما سيأتي في محله منه - وبينت أنه ليس نصّاً في تغطية الوجه، وأن على المخالفين أن يأتوا بما يرجِّح ما ذهبوا إليه، وذلك مما لم يفعلوا ولن يفعلوا إلا الطعن على من خالفهم ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم) انتهى كلامه ﵀.
وقوله: (يصرُّ المخالفون المتشددون على المرأة ... على أن معنى ﴿يدنين﴾: يغطين وجوههن). أقول ولا أدري كيف يستجيز الشيخ مثل هذا القول وهو يقول: (ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم) فهل هؤلاء الأئمة من أهل العلم والتفسير والذين لم يقولوا كلمة واحدة
стр. 80
كقوله: سنة ومستحب، بل كلهم أجمعوا بصيغة (أمَر الله) كما هي صيغة الخطاب الرباني لرسوله ﷺ ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين﴾ أفيكون هؤلاء من المتشددين أيضاً؟ نعم، على كلامه هم كذلك، فإن كان لا يدري بأقوالهم فهو معذور، وإن كان يعلم فهذه والله مصيبة.
هذه ألفاظ لم يسبقه بها أحد، وإلا فما معنى تلك النقول من أئمة الإسلام وأعلامها الكبار؟ وللأسف استغل ذلك بعض أهل السفور وصغار الطلبة، فأطلقوا ألسنتهم ليردوا على المتقدمين كثيراً من الثوابت والمحكمات، وأصبحنا نسمع من يقول "هم رجال ونحن رجال" - غفر الله لنا ولهم -.
ثم قال في موضع آخر: (ففي كتب اللغة: " تقنّعت" المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها"، كما في "المعجم الوسيط" وغيره، مثل الحافظ نفسه فقد قال في "الفتح" (٧/ ٢٣٥ و ١٠/ ٢٧٤): "التقنع": تغطية الرأس" ... ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه من باب المجاورة ... وبذلك فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فيما صح عنه، فقال: "تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به" كما سيأتي تخريجه" ... وإدناء الجلباب أن تقنّع، وتشده على جبينها". وهذا نص قولنا: أنه لا يشمل الوجه. ولذلك كتمه كل المخالفين ... فقال الحافظ (٦/ ٢٥): قوله: "مقَنَّع" بفتح القاف والنون المشددة: وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب" انتهى كلام الحافظ.
стр. 81
فإنه يعني ما جاور الوجه وإلا لم يستطع المشي فضلاً عن القتال كما هو ظاهر ... ) انتهى كلامه من الرد المفحم.
وقد تقدم الكلام بإسهاب على هذا بحمد الله، وأن (التقنع) يأتي ويستر الوجه، وذلك عند نقلنا لتفسير الطبري على الآية، مما تعلم معه أن الألباني بنى كلامه ﵀ على فهمه أن التقنع لا يستر الوجه مما فهمه من كلام الطبري الذي سبق معنا في أختلاف صفة الإدناء، وإلا فابن عباس ﵁ كلامه ظاهر حيث أنه يخاطب المرأة المحرمة فيقول: "تدني الجلباب إلى وجهها" أي تستره "إلى وجهها" بنوع السدل والإرخاء، لا بنوع الضرب والعطف والشد على الوجه والجبين، فهذا منهي عنه حال الإحرام كالنقاب والبرقع والتقنع ونحوه كما تقدم معنا، ولهذا فبطل قوله: (وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في "تفسيره" والسيوطي في "الدر المنثور") انتهى.
وأما السيوطي فقد مر معنا كلامه الصريح، وكذلك الحافظ ابن حجر المشهورة أقواله في وجوب تغطية النساء لوجوههن، ولهذا فلو كان غير هؤلاء! .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (مقدمة التفسير):
فصل: (وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان; فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين مثل
стр. 82
تفسير عبد الرزاق ووكيع وعبد بن حميد وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ومثل تفسير الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية وبقي بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر وسفيان بن عيينة وسنيد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي سعيد الأشج وأبي عبد الله بن ماجه وابن مردويه.
"إحداهما" قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
و"الثانية" قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به.
"فالأولون" راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.
و"الآخرون" راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون "صنفان": تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول
وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضا في تفسير الحديث
стр. 83
فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول - مثل طوائف من أهل البدع - اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم. تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم ... والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم ... .
فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.
وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ -
стр. 84
فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها أما عقلية وأما سمعية كما هو مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير وأن من أعظم أسبابه البدع الباطلة التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه وفسروا كلام الله ورسوله ﷺ بغير ما أريد به وتأولوه على غير تأويله فمن أصول العلم بذلك أن يعلم الإنسان القول الذي خالفوه وأنه الحق وأن يعرف أن تفسير السلف يخالف تفسيرهم وأن يعرف أن تفسيرهم محدث مبتدع ثم أن يعرف بالطرق المفصلة فساد تفسيرهم بما نصبه الله من الأدلة على بيان الحق.
وكذلك وقع من الذين صنّفوا في شرح الحديث وتفسيره من المتأخرين من جنس ما وقع فيما صنّفوه من شرح القرآن وتفسيره) (١) انتهى كلامه ﵀.
стр. 85
آيات الحجاب لم تنزل مرة واحدة
ولها تسلسل ووقائع
روى الخطيب البغدادي في "جامع بيان العلم" عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر بن الخطاب ذات يوم، فجعل يحدِّث نفسه، فأرسل إلى ابن عباس، قال: كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس: يا أميرَ المؤمنين، إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وأنه يكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يعرفون فيم نزل، فيكون لكلّ قومٍ فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا. فزَبَرَهُ عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ثم دعاه بعدُ، فعرف الذي قال، ثم قال: إيه، أعد عليّ) انتهى.
ويتبين لنا مما سبق أن آيات الحجاب لها تسلسل ووقائع وتدرج، كما ألمح لذلك أنس ﵁ وكما بينته الوقائع والأحداث الخاصة بمسائل فريضة الحجاب، فمعلوم أنه في زمن الوحي والنزول كانت الآيات في القضية الواحدة تنزل تباعا، بعضها بعد بعض شارحة ومفصلة ومفسرة، وقد تأتي في نفس السورة وقد تأتي في سورة أخرى، ولم يكن أحد من الصحابة يضرب بعضها ببعض أو يرد ما جاء في هذه الآية بما جاء في الآيات الأخرى، ولم يكونوا محتاجين لأن يعتنوا بتاريخ نزول الآيات أو أسبابها، كونهم عاصروا النزول والوقائع فلم يختلط عليهم السابق باللاحق وسهل عليهم فهم المراد عن الله تعالى ورسوله ﷺ أكثر ممن بعدهم، وزادهم علماً وفهماً بكتاب الله
стр. 86
تعالى ما بينه لهم رسوله ﷺ من معاني الآيات مما يحتاج إلى بيانه، وسؤالهم له عما أشكل عليهم في ذلك ولهذا المنهج نقل المتقدمون من أهل التأويل تفسير كل آية في موضعها كما جاءت عن السلف وبمرادها ومقصدها عنهم، دون أن يقيدوا فيما نقلوه هنا أو هناك أي ملحظ أو إشكال يدل على وجود خلاف تضاد في فريضة الحجاب.
قال شيخ الإسلام في مقدمة التفسير: (فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له ... وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ... إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين) انتهى.
فسورة الأحزاب قد نزلت فيها مساءلة الرجال للنساء من وراء حجاب بمعنى عدم رؤيتهن أو الدخول عليهن في البيوت، إلا من الأصناف المذكورين في الآية، فإذا خرجن فيكون طريقة حجابهن عن أعين الرجال كما أرادها الله بالأمر بلبسهن للجلابيب وإدنائها عليهن، فاستوى الأمران هنا وهناك وانتهى الأمر على ذلك في السنة الخامسة للهجرة.
стр. 87
ثم جاءت بعدها آيات سورة النور في السنة السادسة من الهجرة النبوية مفصلة ومفسرة لما أجمل هناك، وجاءت بآداب وأحكام زائدة في مسائل الحجاب لم تكن في بداية أمره، كآداب الاستئذان وغض البصر عما سبق ونزل من أمر الحجاب، وكذلك نزلت الاستثناءات والرخص، ومنها قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
فلا تبدي المرأة إلا ما تدعو الحاجة والضرورة إليه، ثم تبعه الاستثناء الثاني ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ﴾ فلا تبدي المرأة من زينتها في بقية أحوالها العادية إلا للأصناف المذكورين في الآية وقد جاء فيها ذكر أصناف جديدة ممن لهم الدخول للبيوت والنظر لزينة المرأة، ولم يكونوا قد ذكروا في سورة الأحزاب.
كما جاء أيضا في سورة النور الرخصة للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وهذا كذلك لم يكن موجودا في أول نزول أمر الحجاب كما في سورة الأحزاب، والرخص التي في سورة النور دليل على أنها متأخرة وليست متقدمة على سورة الأحزاب وفريضة الحجاب؛ لأنه لا يعقل أن تنزل الرخص قبل الفرائض فكان في ذلك رحمة من الله لعباده، رحم الله الجميع.
стр. 88
(المبحث الثاني)
سورة النور وما فيها من أدلة أخرى على أن الحجاب قد فرض قبلها وقبل ما فيها من قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
стр. 89
(المبحث الثاني)
سورة النور وما فيها من أدلة أخرى على أن الحجاب قد فرض قبلها وقبل ما فيها من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
١ - بداية السورة دليل على كونها جاءت مفصلة وشارحة لأمور قد سبق وأن ذكرت من قبل:
ولهذا بدأ الله تعالى في أول السورة واصفا إياها بأنها ﴿سُورَةٌ أنزَلْنَاهَا وَفرضناها وَأنزَلْنَا فِيهَا آيات بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ [النور]. فهي سورة نزلت فيها آيات بينات مفصلات لأمور عديدة منها الجديدة ومنها ما قد سبق إجمالا، قال مجاهد وقتادة: (أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود وفي قوله: ﴿وَأنزَلْنَا فِيهَا آيات بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن كثير: (أي مفسرات واضحات).
٢ - استهلال السورة بحد الزنا دليل على أن الحجاب فرض قبلها لأن الحجاب صون من الوقوع في الزنا:
والشاهد من أن فريضة الحجاب قد نزلت قبل سورة النور، أنه استهل أول آياتها بتقرير عقوبات شديدة وعنيفة بحق الزناة قال تعالى في الآية الثانية: ﴿الزانية وَالزَّاني فاجلدوا كُلَّ واحد مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا
стр. 90
رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: ٢]، أليس من حق المرء أن يتساءل إن كانت آية ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]، هي المتقدمة والمشرعة لفريضة الحجاب، والواصفة لبيان شكله وطريقته، كيف تنزل عقوبة شديدة كهذه ولم تسبقها آيات الحجاب ولم يسبقها الأمر للنساء بتغطية شعورهن ونحورهن كما يدعيه القائلون بسفور وجه المرأة؟ كيف ولم يسبقها البعد عن مثيرات الشهوات مع ما عرف عنهن من سفور قبل فرض الحجاب كما مر معنا من كلام أئمة أهل التفسير على قوله تعالى: ﴿يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ﴾ (وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيرهنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة). وبالتالي فلا يعقل أن تنزل عقوبة الزنا في الآية الثانية من بداية السورة، ثم تأتي بعدها فريضة الحجاب متأخرة في الآية الحادية والثلاثين من قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
هذا لا يعقل من حكيم خبير، القائل في محكم كتابه: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾ [التوبة: ١١٥]، لتعلم أن فريضة الحجاب قد نزلت في سورة الأحزاب كما قرره أئمة أهل العلم وقبل آية ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
فالله لم يبدأ السورة بهذا الحكم والعقوبة الشديدة لكبيرة من الكبائر إلا بعد أن تدرج مسبقا في سد الوسائل المفضية إليه وأغلق جميع
стр. 91
الأبواب المشرعة عليه بل واعتبر تلك الوسائل من المحرمات؛ لأن الكثير منا عندما يبدأ في قراءة سورة النور يتعجب من قوة هذه العقوبة وشدتها من لدن رحيم غفور، ولكن من أدرك وتذكر كما أرشد الله في أول الآيات ﴿لعلكم تذكرون﴾ وفهم ما قبلها من التسلسل والتدرج والتمهيد في آيات الحجاب الواردة في سورة الأحزاب لم يتعجب من قوة هذه العقوبة وشدتها، بل يجد أنها جاءت لمستحقها، وما كان ربك بظلام للعبيد، فهو سبحانه لو تذكرنا ما قد مر معنا عند تمهيده وتدرجه في فريضة الحجاب حذر نساء نبيه ﷺ وهن مَن هن أن مَن يأتي منهن بفاحشة مبينة فإن لها ضعف العذاب وهذا لمكانتهن وقربهن من الخير وبيت النبوة والوحي، ثم أمرهن حتى يبتعدن عن الفواحش بأن يتقين الله ويطعنه وألا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وأن ... يقلن قولاً معروفاً ومختصراً مع الرجال بدون تبسط وتوسع بقدر الحاجة وبدون تمييع أو ترقيق، وأمرهن بالقرار في بيوتهن وأن تكون البيوت هي الغالب من حالهن وألا يخرجن إلا لحاجة ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ثم ذكر الجميع وحثهم بخصال الصالحين والصالحات وذكر منهم الحافظين لفروجهم والحافظات وأن الله أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً ثم حذرهم من مخالفة أمره، ثم زاد ليبعد عباده المؤمنين والمؤمنات عن مواطن الزنا والفساد وليعينهم على أنفسهم لحفظ قلوبهم وفروجهم فزاد ذلك بمساءلتهن من وراء حجاب ومنع الدخول عليهن وقصره على أصناف محدودة جداً كما في قوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ
стр. 92
عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أبنائهن وَلَا إخوانهن وَلَا أبناء إخوانهن وَلَا أبناء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أيمَانهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إن اللَّهَ كان عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدا﴾ [والأحزاب: ٥٥] كل هذا تدرج في تحريم كل ما يثير الشهوات من النظر إلى النساء أوالدخول عليهن، حتى أمرن بفريضة الحجاب عن نظر الرجال حال خروجهن من البيوت وذلك بلبس الجلابيب والعباءات وبتغطية الرؤوس والوجوه وهذا من أنفع وأبلغ الأمور للبعد عن الزنا ومقدماته، بل ووصف ذلك وصفاً دقيقا تناقلته الأخبار والآثار عن الصحابة ومن بعدهم كما مر معنا عند قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٩].
فالله لم يقرر عقوبة الزنا في كتابه فجأة كما يلزم من قول من استشهد بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فتبين أنه قد سبقها آيات في فرض الحجاب.
وإلا فيكون عاقب قبل أن يُعدّ عباده المؤمنين والمؤمنات بما يعينهم حتى لا يقعوا فيما نهى عنه، وقبل أن يسد الأسباب والوسائل المفضية لذلك، ويكون الأمر كما قال الشاعر:
ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
وتعالى الله عن الظلم والجور والشطط، وهو الحكيم العليم الخبير بنفوس عباده حيث أحسن ترتيب الآيات والأحكام، القائل في محكم
стр. 93
كتابه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياتهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، بل لقد مهد وتدرج، كما مر معنا بمقدمات وأمور عديدة حتى فرض الحجاب، فكان في ذلك تمهيدا وتدرجا آخر أيضا، ثم بعد ذلك بما يقارب السنة نزلت سورة النور، بما فيها من عقوبة الزناة.
فلم تنزل عقوبة الزنا إلا وقد تهيأ لها المسلمون رجالا ونساء بتلك التوجيهات والأوامر، فلم يكن للجميع عذر بعد ذلك في أن يعرفوا أن عقوبة من زنا بعد كل تلك التحصينات والتحرزات والسواتر والحجب حتى أبسطها وأقلها الأمر للنساء بخشونة القول للرجال وقوله: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ وقوله ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه) متفق عليه.
وقوله ﷺ : (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية) (١)، وغير ذلك من تحريم الخلوة أو الاختلاط بالنساء.
وبالتالي فإن كشف الوجه عند كل منصف وعادل ومتدبر أعظم من هذه الأمور وأشد إثارة للنفس لداعي الوقوع في زنا النظر أو زنا النطق أو زنا الفرج بلا شك ولا ريب، ولو أباح الله كشفه كما يقوله البعض ما نهى عما دونه، فكان كل ذلك حماية للفروج.
стр. 94
فلا يقتحم المرء هذه الفاحشة الخبيثة وتلك الكبيرة من كبائر الذنوب بعد كل هذه الحروز والستور والحجب، وبعد أن يمر بهذه النواهي الكثيرة والتي تسبق زنا الفروج إلا متلصصٌ ومعاند ومتجرئ ومتعدٍ ومقتحم لكافة حدود الله وبخاصة إذا كان محصنا، فناسب في حقه هذه العقوبة الشديدة على قدر جرمه.
وصدق الله فالواقع يقول ما أسفرت المرأة عن وجهها في مجتمع من المجتمعات، إلا وأكثرت الخروج وتبسطت في محادثة الرجال ومخالطتهم بل وقد تحدث الخلوات والخرجات فيما بينهم، وكأنه أحد محارمها، ونزع الجلباب والمسمى عندنا - العباءة - وله في بلاد الإسلام مسميات عديدة نجد كثيرا من المغطيات لرؤوسهن لا يلبسنه مكتفيات بالبلوزات والبنطلونات والثياب بحجة أنهن متحجبات وهو المأمور به بالنص القطعي في كتاب الله، وغير ذلك من المنكرات الواضحات ومثيرات الغرائز البديهية للجنسين وما يحرك دواعي الفكر ونوازغ الشيطان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٣ - حادثة الإفك من الأدلة على نزول الحجاب قبل سورة النور:
جاءت السورة بذكر حادثة الإفك قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم﴾ [النور: ١١] وقد كانت في غزوة بني المصطلق من شهر شعبان سنة ست للهجرة، وفي القصة أخبرت عائشة ﵂، أن النساء قد أمرن قبلها بتغطية وجوههن عن الرجال فقالت: (وكان صفوان من وراء الجيش فأصبح عند منزلي
стр. 95
فرأى سواد إنسان فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي) متفق عليه.
ومع أن الحالة عصيبة والكرب كبير وقد رحلت القافلة وتركتها وحيدة وبعد معارك ضارية في ليل مظلم وصحراء مقفرة وأعداء متربصون ومع ذلك لما رأت أحد أبنائها من المسلمين ومن تعرفه وتثق به لم تبادره بكشف وجهها ليعرفها ولم تقل له أنا أمكم عائشة زوجة نبيكم ﷺ ، بل العكس سترت وجهها عنه ولم تكلمه ولا كلمة واحدة.
ولهذا ما عرفها إلا بهيئتها من خلف عباءتها السوداء لكونه يعرفها قبل الحجاب، ولو كان ستر الوجه خاص بزوجات رسول الله ﷺ كما يقوله البعض لعرفها بذلك، فكيف بهم اليوم يتركون هدي عائشة ويقولون بالاختلاط وسفور الوجه ومحادثة الرجال ومؤاكلتهم.
فهذه الواقعة والتي كانت سنة ست من الهجرة تؤكد ما قررناه سلفا من أن فريضة الحجاب كانت قبل ذلك كما أخبر أنس في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب سنة خمس للهجرة في سورة الأحزاب وما فيها من آيات، وبالتالي فهي متقدمة على سورة النور وما فيها من آيات.
٤ - الحذر من خطوات الشيطان:
ثم بين الله لعباده الحذر من خطوات الشيطان فقال: ﴿يا أيها الذين أمنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشيطان وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فإنه يَأمر بِالْفَحْشَاء وَالمنكر وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أحد أبدا﴾ [النور: ٢١]، وهذا مما له
стр. 96
تعلق بمسائل الحجاب وتأكيد من الله على ما سبق وأن حذر عباده منه، وهو البعد عن المنكرات والمحرمات التي تكون مقدمات وخطوات لكبائر الذنوب ونيل أشد العقوبات.
٥ - آداب دخول البيوت تفصيل لما ذكر سابقا في سورة الأحزاب:
ثم ذكر الله آداب دخول البيوت بتفصيل موسع وتعليم مسهب أكثر من الوارد في الأحزاب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٢٧﴾ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨﴾ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴿٢٩﴾ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٣٠﴾ [النور].
وهذا تفصيل في مسألة الاستئذان وبيان آداب دخول البيوت، وهذا تفصيل بعد الإجمال الذي تقدم في سورة الأحزاب بمنع الدخول على النساء سواء بيوت النبي ﷺ والتي فيها أمهاتهم أو بيوت غيره من المسلمين إلا للأصناف المذكورين هناك، وزاد في النور أصنافا جديدة لم يكونوا مذكورين من قبل.
وزاد أيضا في تعليمهم آداب الاستئذان لأنه وبعد أن حرم الدخول والنظر للنساء، وكان لا بد من دخول بعضهم لبعض، بيَّن هنا كيفية آداب الاستئذان بشكل دقيق لكل أحواله، وكل ذلك حماية للعورات
стр. 97
ورعاية لغفلات الناس، وصيانة من الوقوع في مقدمات الزنا والتي مبدؤها من النظر، وما جُعل الاستئذان إلا من أجل عدم النظر للحرمات، فلو لم يكن هناك شيء مستور وممنوع من النظر إليه لما أمر الله بالغض عنه، وعفا عن نظر الفجأة كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (اطلع رجل من جحرٍ في حُجَر النبي ومع النبي ﷺ مدرى (١) يحك به رأسه، فقال النبي: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).
ولهذا أمر المؤمنين بعدها بأن يفهموا أن الغاية من الاستئذان أن يغضوا من أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه والغاية من غض البصر ليحفظوا فروجهم وفي كل ذلك زكاة لهم وهو سبحانه العالم بسرهم وعلانيتهم.
стр. 98
تناقض أهل السفور في مسألة غض البصر:
وهذا ظاهر من أن النظر بريد الزنا والمرغب فيه كما هو معلوم لكل ذي عقل لا ينازع فيه أحد من العالمين، فإذا سلمنا بهذا فإن أعظم مطمع في المرأة هو النظر لوجهها، ولو أراد الله منها كشفه ما أمرها ونهاها عما دونه من محركات الشهوات.
وقد استدل القائلون بجواز سفور وجه المرأة بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ فقال: إذا كانت المرأة مغطية وجهها فممَ يغض الرجال أبصارهم؟ .
وممن استشهد بذلك الشيخ محمد الألباني غفر الله لنا وله كما في كتابه جلباب المرأة المسلمة صفحة (٧٨) فقال: (ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ... وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ... ﴾ الآية [النور: ٣٠] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئا مكشوفا يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين. ومثلها قوله ﷺ : (صحيح) (إياكم والجلوس بالطرقات ... فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وقوله): الحديث حسن) (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) وعن جرير بن عبد الله قال: (صحيح) (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني ﷺ أن أصرف بصري) انتهى إلخ كلامه ﵀.
стр. 99
ومع أنه بإمكان أي شخص أن يرد على مثل هذا، إلا أنه لا يصح عند المنصف مثل هذه الاستدلالات على مسألة مهمة وفريضة عظيمة كفريضة الحجاب، إلا إذا لم يكونوا مقتنعين بما لديهم من أدلة.
وقبل الجواب عليها نبين أنهم كفونا بجزئية مهمة في الجواب بما قرروه من أن الوجه مطلب للنفس فيستدعي العينين للنظر إليه، وبالتالي في حالة الإعجاب به قد يحرك الحواس للنيل من صاحبه بأي الوسائل الممكنة لذلك:
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعدٌ فلقاءُ
ولهذا حرم العلماء النظر إلى وجه الأمرد الحسن.
وكذلك يجاب عليهم بأن خير القرون قرن سيد ولد آدم محمد ﷺ وصحابته الكرام، ومع ذلك فقد حصلت فيه أكثر من حادثة في حد الزنا والقذف كما هو معلوم، فإن كان ذلك بسبب أن وجوه النساء مكشوفة كما يدعي البعض فالواجب تغطيته لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن كان ذلك مع كون وجوه نسائهم مستورة كما دل عليه الإجماع والنصوص العديدة، فهذا يدل على براءة التشريع حيث طالب ببذل الغاية والواجب لمنع الأسباب الموصلة للفواحش، فمن وقع بعد ذلك في شيء منها كان ولا بد لاتباعه خطوات الشيطان وتركه شيئا مما أمر الله به أو لفعله شيئا مما نهى عنه من الحجاب أو مقدماته فكان هو المتسبب المستحق للعقوبة والجزاء.
وكذلك يجاب عليهم بأن النظر للمحرمات ليس مقتصراً على المرأة الساترة لوجهها، فمعلوم أن هناك من العاصيات من يظهرن
стр. 100
زينتهن، أفلا تعنى هذه الآية من مروا بهن لكي يغضوا من أبصارهم؟ كما أن المسلم قد يصادف من نساء غير الإسلام أو يجدهن أمامه أفلا تعني أمثال هؤلاء هذه الآية؟ كما قد تمر على المسلم في وسائل الإعلام المرئية أو المقروءة نساء كاشفات وعلى درجات متفاوتة من التبرج، أفلا تعنى هذه الآية الناظرين لتلك الوسائل؟ وقد يختلي المرء بنفسه فيطلع على عورة مسلم أو مسلمة في ساعة غفلة منهم، أفلا تعني الآية أمثال هؤلاء؟ وهكذا لا يسلم زمان ولا مكان من أمثال هذه الأحوال أو غيرها، وليس الأمر متوقفاً حتى نكشف وجوه النساء الصالحات لكي يعمل الرجال بالآية.
وكذلك عندما أمر الله النساء بغض البصر كما في نفس الآية، هل معناه أن نقول للرجال تعروا واكشفوا عن عوراتكم التي لا يجوز للنساء النظر إليها لكي يعملن بالآية الكريمة؟ أم أن النساء قد يجري عليهن مثل ما قد يجري للرجال من الأحوال التي ذكرناها وغيرها وحينئذ عليهن غض البصر؟ .
وأما على طريقتهم في فهم النصوص فمثله أن نقول لأهل الفساد اخرجوا في الطرقات وجاهروا بالمعاصي أمام الناس، لكي نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعمل بحديث الأمر بإعطاء الطريق حقه، ونطالب من لا يريد الخروج بالخروج للطرقات لرد السلام وغض البصر وكف الأذى، هل هذا ما فهمه السلف وأئمة الإسلام من أحاديث رسول الله ﷺ ؟ ! .
стр. 101
كذلك ما جاء في نظرة الفجأة عندما سُئل عنها ﷺ ، فقال: اصرف بصرك، فلو أراد أن وجوه النساء مكشوفة وعلى الرجال أن يغضوا أبصارهم كما يقوله أهل السفور لما سماها نظر الفجأة بل لسماها نظر المعتاد! .
ولم نرَ أو نسمع أن أحداً أخذ برأيهم في جواز كشف المرأة لوجهها، ثم لما قابلها قام بتحويل بصره عنها كما طالبوا، بل تجد بينهم أحوال الأزواج والمحارم من الاختلاط والمجالسة والتبسط والخروج، ولا يصرف أحدهم نظره عن الآخر بل قد يبادلة الابتسامة والضحكة والمواعدة وغير ذلك وهذا مما لا بد منه ولازم مع كل من كشفت وجهها غالباً.
ولهذا تناقض القائلون بالسفور فذهب فريق منهم لجواز أن ينظر الرجل لوجه المرأة ويتأملها، ولا أدري ماذا بقي في عقولهم ليتصوروا تحريم النظر إليه؟ والذي بقي هو مما يُعلم قبل الإسلام وبعده قبح وشناعة الناظرين له، فوقعوا في تناقضات أكبر وفتحوا الباب للعلمانيين والتحرُّريين ليعتقدوا في دين الله ما هو أكبر وأشنع من قولهم، وإلا فمما لوى رسول الله ﷺ عنق ابن عمه الفضل بن عباس حينما نظر للخثعمية؟ .
والحق كما قرره أهل العلم ﵏ هو تحريم النظر للمرأة ولو كانت منقبة وبخاصة متى ما كان فيها دلائل الجمال والشباب.
стр. 102
التبرج انفلات لا يقف عند حد:
وصدق رسول الله ﷺ حين قال: (ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء) (١)، وهذا لِما أودعه الله في قلوب الرجال من محبة وميل لهن، حتى قدمهن على البنبن والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وغير ذلك، والغرب مع إباحيتة زادت فيه معدلات الاغتصاب والجريمة والشذوذ ولم تقل مما يؤكد خطورة التبرج ولو نزع النقاب وأسفرت المرأة عن وجهها فقد انفرطت السُّبحة، ولكانت بداية الانفتاح والتبرج والسفور بكل درجاته، وتعقدت أمور ومناهج الإصلاح ... ، والناظر لغالب السافرات اليوم لوجوههن، وما أداهم إليه كشفه مما يتنافي والنصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنة جملة وتفصيلا من أنواع المحاذير الشرعية الخطيرة من كشف مقدمة شعورهن وحتى مارسن ألعاب الكرة والسباحة أمام الرجال وبحجة أنهن محجبات ومغطيات لشعورهن، وكذلك غيرهن ممن يردن الخير أصبحن يلاقين من نوازغ الشيطان ووساوسه من الصعوبات ما الله به عليم، حتى تساهلن بكثير من المنكرات شيئاً فشيئاً، ومسخت صورة الحجاب في الإسلام وشوهت شكلاً ومضموناً.
وما كأن هناك آية نزلت في كتاب الله تأمر النساء بخشونة القول مع الرجال الأجانب وعدم الضرب بأرجلهن حتى لا يُسمع صوت الخلخال، فضلا عن كشفها لوجهها، بل كان في دعوتهم لكشف المرأة
стр. 103
لوجهها ما زهدها وجرأها - رغماً عنها - لفعل ما دونه من المحرمات حيث لا قدرة لها على مقاومة ذلك، وإن كانت من الحريصات على الخير، حتى آلَ الأمر بالكثيرات كما هو مشاهد لترك الجلباب فخرجن بأحسن الفساتين واحدث الموضات ... بحجة أنهن محجبات.
وصدق القائل: (وكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ ) والمقدمات الباطلة مآلها إلى نتائج باطلة، بل وإلى رد الحق والصواب بحجج وشبهات وتأويلات وانتهجوا لذلك طرقا لهم عديدة، وبالتالي وقعوا في كثير من التناقضات والأقوال الغريبة والشاذة، والتي يصعب ويستحيل تنفيذها على أرض الواقع.
وأبسط مثال وأقربه لذلك أن نحاول أن نتصور جميعاً ما قالوه وكيف سيكون الأمر والحال والنساء مكشوفات الوجوه؟ كيف سيسير الرجال بينهم أو كيف سيتبايعون ويتحادثون فيما يحتاجونه، فهل كلما حاذوا بعضهم البعض أو تلاقوا ألزمنا الجميع بأن يغض بصره ويصرفه عن الآخر؟ هذا غير موجود ولا مذكور في أي عصر من العصور، وكم سينتج من ذلك من الحرج الشديد والمصائب على حياة الناس، وصدق الله ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً﴾ [النساء: ٨٢].
ولهذا فإن الحق المستقيم والذي كان عليه واقع المسلمين في عصورهم الأولى وقبل غربة إسلامهم والموافق لنصوص الوحيين هوالإجماع الذي في آية الإدناء، والإجماع الآتي في آية الرخصة من
стр. 104
قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ ولهذا حكاه أكثر من واحد منهم الحافظ ابن حجر وهو: (استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال) (١).
وقال أيضا: (ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب) (٢).
وقال الإمام الغزالي: (لم يزل الرجال على ممر الأزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات) (٣).
ولا أريد أن أزيد فأخرج عن السياق، ويكفي الإجماع الذي سبق معنا.
стр. 105
سورة النور والرخصة بجواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه
قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١].
سورة النور فصلت ما أُجمل في سورة الأحزاب:
عندما نزلت سورة الأحزاب ونزل فيها أول الآيات في فرض الحجاب كما أخبر بذلك أنس بن مالك أعلم الناس بشأن الحجاب، ثم جاءت الآية التي بعدها في الأمر للنساء بإدناء الجلابيب عليهن عند خروجهن من بيوتهن ووقع الإجماع المنقول عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنها الأمر بتغطية النساء لزينتهن ووجوههن، وكان ذلك في حدود السنة الخامسة للهجرة النبوية، لم يكن في أول الأمر أي استثناء أو ترخيص لأن تبدي المرأة شيئاً من زينتها بتاتاً، لا وجهها ولا يديها ولا غير ذلك، فكان في ذلك أبلغ المشقة والحرج على الرجال والنساء على حد سواء، لاحتياجهم لذلك في كثير من أمورهم وأحوالهم، فلم يكن قد نزلت أي رخصة للنساء أو للقواعد منهن في أن يضعن ثيابهن حتى جاءت سورة النور بعد ذلك وفيها آيات بينات موضحات لكثير من الأمور التي أجملت ولم تفصل في الأحزاب ومنها تلك الرخص للنساء بجواز أن يبدين من زينتهن ما تدعو الحاجة والضرورة إليه وبدون تحديد لتلك الزينة بالوجه أو بالكفين أو غيرهما، فكان استثناءً مفتوحاً حسب الحاجة والضرورة كما
стр. 106
أراد الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وذلك تيسيراً لهن وللرجال لإظهار أي شيء من زينتهن بالقدر الذي يحتاجون أو يضطرون إليه حسب أحوالهم وظروفهم العديدة والمختلفة والطارئة، والتي تقدر بقدرها لأنه بلا شك لن تسلم أي امرأة في أي زمان أو أي مكان من العيش دون أن تحتاج أو تضطر في بعض الأوقات لأن تظهر بعض زينتها مؤقتاً عند الرجال.
فكان لا بد من رخصة تبيح للجميع ذلك وترفع عنهم الإثم والحرج، وبخاصة أن أغلب تلك الأحوال وأكثرها مما لم يبلغ مبلغ الضرورات القصوى، كما هو الحال في بيعها وشرائها، وبالذات في الأمور التعاقدية، وما دونها حتى يعرفوا شخصها فتوثق المعاملات ويرجع لها أو عليها عند أي خلاف أو ضرر، وكذلك كما في الشهادة لها أو عليها أو منها تجاه الغير، وكذلك في معرفة شخصها في كثير من الأمور القضائية والأمنية، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتبهم وناقشوا مسألة كشفها لوجهها أو بعض زينتها للعلاج ونحو ذلك في تلك الأحوال.
مصطلح أمن الشهوة ونحوه عند الفقهاء المتقدمين وما أصابه من التحريف والتبديل والتصحيف:
وهذا ما عنيه الفقهاء بقولهم (إذا أمنت الفتنة) أي من نظر الشخص المعين لها كالشاهد أو القاضي أو رجل الأمن أو المتعاقد معها، فهؤلاء ممن يجوز نظرهم متى أمنت الفتنة ولم يُخشَ منه أو عليه فتنة عند النظر إليها، وهذا أكثر ما يكون، ومرة يذكرون مثل تلك العبارات عند
стр. 107
ذكرهم أولئك المذكورين ممن جاز نظرهم لها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو ... ﴾ [النور: ٣١] ممن تؤمن من جانبهم الفتنة ومرة يقصدون القواعد من النساء أو المرأة القبيحة المشوهة أو البنت الصغيرة التي لا يُشتهى مثلها، وهذا عند بعض المذاهب على سبيل التقعيد والضبط للمسائل عندهم، وكشرط زائد لجواز نظر الأجنبي لها كقولهم: (إذا خُشيت الفتنة أو أُمنت الفتنة) (وإذا لم يخش شهوة).
وقريب من ذلك قولهم: (وفي زمننا هذا المنع أوجب) يقصدون منع نظر من جاز نظره للمرأة عند غلبة الفساد وعدم ورع الناظرين في أزمانهم، وسيمر معنا من منع من أئمة المذاهب الأربعة كمالك وغيره من المتقدمين الخاطب من النظر للمخطوبة فكيف بمن بعدهم؟ .
فمن لم يفهم قصدهم ويعرف مرادهم، استدل بما نسبه إليهم من أن الفقهاء جوزوا سفور المرأة لوجهها؛ لأنهم فهموا أنهم يقصدون عموم الناس من خشية الفتنة أو أمنت الفتنة من النظر في وجه المرأة، وهذا فهم باطل ومن قبيل التحريف والتبديل والتصحيف لكلام المتقدمين فأنتج محرماً باطلاً أشنع منه، كما أنه معنى متعذر ولا يمكن ضبطه أو تحقيقه على أرض الواقع أبداً، ولا يقوله عاقل فكيف بأئمة الإسلام وحراس الشريعة؟ إذ كيف للمرأة أن تخرج سافرة عن وجهها وتعلم من ينظر لها نظر شهوة أو من ينظر لها نظراً عادياً بدون شهوة؟ وكيف تتعامل مع عموم البشر ثم هم جميع على نفس المستوى لا يتأثرون بالنظر إليها؟ ومن تأثر منهم وتحركت شهوته هل يقلب وجهه عنها أو
стр. 108
يدبر منها أم ماذا يفعل؟ هل هذا ما عنيته الشريعة الغراء؟ لهذا لو قالوا بكشف المرأة لوجهها وأعرضوا عن كلام الفقهاء إذ لم يفهموا معناه لكان أسلم لهم ولدينهم.
ألا يكفي ما أصاب الإسلام من سفور وتبرج كتبرج الجاهلية الأولي بسبب قولهم بجواز كشف المرأة لوجهها، فكيف لو أننا أيضاً حملنا كلام الفقهاء المتقدمين على مثل ما فهموه وقالوه ليستدلوا به على جواز سفور المرأة لوجهها، بمعاني لا تعقل ولا تتصور؟ ولكان في ذلك من التسفيه للشريعة الغراء، والإعراض عن الكتاب المبين والذكر الحكيم، والاستدراك على كلام الفقهاء ونبذ كتبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله وسيأتي مزيد بيان لذلك في حينه عند الكلام عن التحريف والتبديل والتصحيف فيما لحق كلام الفقهاء في مسألة الحجاب.
بيان رسول الله ﷺ جواز نظر الخاطب لمخطوبته نوع من تفسيره للآية:
وكذلك من الأحوال والحاجات التي تدخل في الآية الكريمة ويرخص فيها للمرأة أن تكشف عن وجهها هو عند قدوم الخاطب لها، وهذا ما يفسر لنا سر ورود الأحاديث الكثيرة، لعدد من الصحابة يحثهم فيها النبي الكريم ويدعوهم للنظر للمخطوبة بل وكان يسألهم (أنظرتَ إليها؟ ) ولو كانت النساء يخرجن مكشوفات في العهد النبوي كما ادعاه البعض لما دعاهم لذلك ولا حثهم عليه ولا ظن عكسه ولا أكثر السؤال فيه، لأن الغالب أن الرجال يمكنهم رؤية النساء إذا خرجن وهن
стр. 109
مكشوفات الوجوه، والدواعي للخروج كثيرة في كل زمان ومكان، ولو كان الأمر كذلك لكان في حثه وسؤاله وإرشاده لهم بأهمية النظر للمخطوبة تحصيل حاصل بلا فائدة وحاشاه بأبي وأمي ﷺ فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، ولهذا فعلم ﵊ أن صحابته سيتحرجون من النظر للنساء وسيجدون في سبيل ذلك حواجب وموانع بعد أن نزل أمر الحجاب، ولو كان ستر الوجه ليس مفروضاً عليهن وإنما هو سنة ومستحب كما يقوله البعض لكان أعلم الناس بذلك صحابة رسول الله ﷺ ولقاموا من أنفسهم وطلبوا من النساء ما أباح الله لهن كشفه، ولما احتاجوا أن يتلمس رسول الله ﷺ حاجتهم، أو أن يُبين لهم أمراً هو في أصله مباح بل بلَغ من سترهم وحجابهم أن أحدهم كان يخطب المرأة ولما يراها، فيتدخل نبي الأمة ليشفع لأحد صحابته عند ولي المخطوبة حتى يسمح له أن ينظر لموليته (١) بل ولما احتاج أن يخبرهم بجواز أن ينظر الخاطب لمن أراد خطبتها بأي وسيلة ما دام مقصده وغرضه صحيحا، حتى كان يختبئ أحدهم بين الأشجار والأستار لينظر إليها، فينكر عليه البعض فيخبرهم بحديث رسول الله ﷺ فهل هذا كله على أمرٍ سنة ومستحب؟ أم أن هذا مما يدل على ما كان عليه مجتمعهم من تحريم وتعظيم أمر كشف النساء لوجوههن بدون سبب مبيح، وهذا ما يصور لك الأوضاع الاجتماعية لحياة الصحابة في عهد رسول الله ﷺ حتى لم يجرؤ أحد على طلب النظرة
стр. 110
الشرعية من أولياء النساء، ظناً من الجميع في بادئ الأمر عدم جواز ذلك، وأن من هو في مثل حال الخاطب لا يُعَدُ حالهُ من الحاجات والضروريات التي يباح لها كشف المرأة لوجهها، لإمكان الاستعاضة عنه بأن تنعت المرأة المرأة، وقد كان ذلك معروفاً عندهم ولهذا قال ﷺ فيما رواه عبد الله بن مسعودٍ ﵁: (لا تُباشِرُ المرأة المرأة فَتنعَتها لِزَوجِها كأنه ينظُرُ إليها) متفق عليه، وقد بوب له الإمام النووي في رياض الصالحين (باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه) وهذا موجود أيضا في كتب الفقه حيث ذكروا في مسألة نظر الخاطب وأنه يجوز في حال أن وُصفت له ولو لم يرها، بل وكان مثل ذلك موجودا من عهد قريب يتزوج الرجل مكتفياً بوصف أهله وقرابته، فكيف بمن كانوا قريبي العهد بنزول الآيات، فكان في بيان رسول الله ﷺ لهم بجواز ذلك في أكثر من مناسبة ولأكثر من صحابي، وبأكثر من طريقة ما يفسر لهم أن كشف المرأة لوجهها عند خطبتها مسموح به وداخل فيما نصت عليه الآية الكريمة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
وهذا نوع وشكل من أشكال التفسير الذي كان يفسر به رسول الله ﷺ القرآن لصحابته، حيث كان يفسره بالمثال والواقع من حياتهم، وهم عندما فسروه لمن بعدهم فسروه كما تعلموه من رسول الله ﷺ بذكر الأمثال والأحوال من واقع الناس، واكتفوا في تعليم الناس المراد من الآيات في كتاب الله بمثل ذلك، وتهيباً من أن يفسروا القرآن على سبيل الإملاء والإنشاء بعبارات من عند أنفسهم.