أراد الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وذلك تيسيراً لهن وللرجال لإظهار أي شيء من زينتهن بالقدر الذي يحتاجون أو يضطرون إليه حسب أحوالهم وظروفهم العديدة والمختلفة والطارئة، والتي تقدر بقدرها لأنه بلا شك لن تسلم أي امرأة في أي زمان أو أي مكان من العيش دون أن تحتاج أو تضطر في بعض الأوقات لأن تظهر بعض زينتها مؤقتاً عند الرجال.
فكان لا بد من رخصة تبيح للجميع ذلك وترفع عنهم الإثم والحرج، وبخاصة أن أغلب تلك الأحوال وأكثرها مما لم يبلغ مبلغ الضرورات القصوى، كما هو الحال في بيعها وشرائها، وبالذات في الأمور التعاقدية، وما دونها حتى يعرفوا شخصها فتوثق المعاملات ويرجع لها أو عليها عند أي خلاف أو ضرر، وكذلك كما في الشهادة لها أو عليها أو منها تجاه الغير، وكذلك في معرفة شخصها في كثير من الأمور القضائية والأمنية، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتبهم وناقشوا مسألة كشفها لوجهها أو بعض زينتها للعلاج ونحو ذلك في تلك الأحوال.
مصطلح أمن الشهوة ونحوه عند الفقهاء المتقدمين وما أصابه من التحريف والتبديل والتصحيف:
وهذا ما عنيه الفقهاء بقولهم (إذا أمنت الفتنة) أي من نظر الشخص المعين لها كالشاهد أو القاضي أو رجل الأمن أو المتعاقد معها، فهؤلاء ممن يجوز نظرهم متى أمنت الفتنة ولم يُخشَ منه أو عليه فتنة عند النظر إليها، وهذا أكثر ما يكون، ومرة يذكرون مثل تلك العبارات عند
стр. 107
ذكرهم أولئك المذكورين ممن جاز نظرهم لها كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو ... ﴾ [النور: ٣١] ممن تؤمن من جانبهم الفتنة ومرة يقصدون القواعد من النساء أو المرأة القبيحة المشوهة أو البنت الصغيرة التي لا يُشتهى مثلها، وهذا عند بعض المذاهب على سبيل التقعيد والضبط للمسائل عندهم، وكشرط زائد لجواز نظر الأجنبي لها كقولهم: (إذا خُشيت الفتنة أو أُمنت الفتنة) (وإذا لم يخش شهوة).
وقريب من ذلك قولهم: (وفي زمننا هذا المنع أوجب) يقصدون منع نظر من جاز نظره للمرأة عند غلبة الفساد وعدم ورع الناظرين في أزمانهم، وسيمر معنا من منع من أئمة المذاهب الأربعة كمالك وغيره من المتقدمين الخاطب من النظر للمخطوبة فكيف بمن بعدهم؟ .
فمن لم يفهم قصدهم ويعرف مرادهم، استدل بما نسبه إليهم من أن الفقهاء جوزوا سفور المرأة لوجهها؛ لأنهم فهموا أنهم يقصدون عموم الناس من خشية الفتنة أو أمنت الفتنة من النظر في وجه المرأة، وهذا فهم باطل ومن قبيل التحريف والتبديل والتصحيف لكلام المتقدمين فأنتج محرماً باطلاً أشنع منه، كما أنه معنى متعذر ولا يمكن ضبطه أو تحقيقه على أرض الواقع أبداً، ولا يقوله عاقل فكيف بأئمة الإسلام وحراس الشريعة؟ إذ كيف للمرأة أن تخرج سافرة عن وجهها وتعلم من ينظر لها نظر شهوة أو من ينظر لها نظراً عادياً بدون شهوة؟ وكيف تتعامل مع عموم البشر ثم هم جميع على نفس المستوى لا يتأثرون بالنظر إليها؟ ومن تأثر منهم وتحركت شهوته هل يقلب وجهه عنها أو
стр. 108
يدبر منها أم ماذا يفعل؟ هل هذا ما عنيته الشريعة الغراء؟ لهذا لو قالوا بكشف المرأة لوجهها وأعرضوا عن كلام الفقهاء إذ لم يفهموا معناه لكان أسلم لهم ولدينهم.
ألا يكفي ما أصاب الإسلام من سفور وتبرج كتبرج الجاهلية الأولي بسبب قولهم بجواز كشف المرأة لوجهها، فكيف لو أننا أيضاً حملنا كلام الفقهاء المتقدمين على مثل ما فهموه وقالوه ليستدلوا به على جواز سفور المرأة لوجهها، بمعاني لا تعقل ولا تتصور؟ ولكان في ذلك من التسفيه للشريعة الغراء، والإعراض عن الكتاب المبين والذكر الحكيم، والاستدراك على كلام الفقهاء ونبذ كتبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله وسيأتي مزيد بيان لذلك في حينه عند الكلام عن التحريف والتبديل والتصحيف فيما لحق كلام الفقهاء في مسألة الحجاب.
بيان رسول الله ﷺ جواز نظر الخاطب لمخطوبته نوع من تفسيره للآية:
وكذلك من الأحوال والحاجات التي تدخل في الآية الكريمة ويرخص فيها للمرأة أن تكشف عن وجهها هو عند قدوم الخاطب لها، وهذا ما يفسر لنا سر ورود الأحاديث الكثيرة، لعدد من الصحابة يحثهم فيها النبي الكريم ويدعوهم للنظر للمخطوبة بل وكان يسألهم (أنظرتَ إليها؟ ) ولو كانت النساء يخرجن مكشوفات في العهد النبوي كما ادعاه البعض لما دعاهم لذلك ولا حثهم عليه ولا ظن عكسه ولا أكثر السؤال فيه، لأن الغالب أن الرجال يمكنهم رؤية النساء إذا خرجن وهن
стр. 109
مكشوفات الوجوه، والدواعي للخروج كثيرة في كل زمان ومكان، ولو كان الأمر كذلك لكان في حثه وسؤاله وإرشاده لهم بأهمية النظر للمخطوبة تحصيل حاصل بلا فائدة وحاشاه بأبي وأمي ﷺ فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي، ولهذا فعلم ﵊ أن صحابته سيتحرجون من النظر للنساء وسيجدون في سبيل ذلك حواجب وموانع بعد أن نزل أمر الحجاب، ولو كان ستر الوجه ليس مفروضاً عليهن وإنما هو سنة ومستحب كما يقوله البعض لكان أعلم الناس بذلك صحابة رسول الله ﷺ ولقاموا من أنفسهم وطلبوا من النساء ما أباح الله لهن كشفه، ولما احتاجوا أن يتلمس رسول الله ﷺ حاجتهم، أو أن يُبين لهم أمراً هو في أصله مباح بل بلَغ من سترهم وحجابهم أن أحدهم كان يخطب المرأة ولما يراها، فيتدخل نبي الأمة ليشفع لأحد صحابته عند ولي المخطوبة حتى يسمح له أن ينظر لموليته (١) بل ولما احتاج أن يخبرهم بجواز أن ينظر الخاطب لمن أراد خطبتها بأي وسيلة ما دام مقصده وغرضه صحيحا، حتى كان يختبئ أحدهم بين الأشجار والأستار لينظر إليها، فينكر عليه البعض فيخبرهم بحديث رسول الله ﷺ فهل هذا كله على أمرٍ سنة ومستحب؟ أم أن هذا مما يدل على ما كان عليه مجتمعهم من تحريم وتعظيم أمر كشف النساء لوجوههن بدون سبب مبيح، وهذا ما يصور لك الأوضاع الاجتماعية لحياة الصحابة في عهد رسول الله ﷺ حتى لم يجرؤ أحد على طلب النظرة
стр. 110
الشرعية من أولياء النساء، ظناً من الجميع في بادئ الأمر عدم جواز ذلك، وأن من هو في مثل حال الخاطب لا يُعَدُ حالهُ من الحاجات والضروريات التي يباح لها كشف المرأة لوجهها، لإمكان الاستعاضة عنه بأن تنعت المرأة المرأة، وقد كان ذلك معروفاً عندهم ولهذا قال ﷺ فيما رواه عبد الله بن مسعودٍ ﵁: (لا تُباشِرُ المرأة المرأة فَتنعَتها لِزَوجِها كأنه ينظُرُ إليها) متفق عليه، وقد بوب له الإمام النووي في رياض الصالحين (باب النهي عن وصف محاسن المرأة لرجل إلا أن يحتاج إلى ذلك لغرض شرعي كنكاحها ونحوه) وهذا موجود أيضا في كتب الفقه حيث ذكروا في مسألة نظر الخاطب وأنه يجوز في حال أن وُصفت له ولو لم يرها، بل وكان مثل ذلك موجودا من عهد قريب يتزوج الرجل مكتفياً بوصف أهله وقرابته، فكيف بمن كانوا قريبي العهد بنزول الآيات، فكان في بيان رسول الله ﷺ لهم بجواز ذلك في أكثر من مناسبة ولأكثر من صحابي، وبأكثر من طريقة ما يفسر لهم أن كشف المرأة لوجهها عند خطبتها مسموح به وداخل فيما نصت عليه الآية الكريمة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾.
وهذا نوع وشكل من أشكال التفسير الذي كان يفسر به رسول الله ﷺ القرآن لصحابته، حيث كان يفسره بالمثال والواقع من حياتهم، وهم عندما فسروه لمن بعدهم فسروه كما تعلموه من رسول الله ﷺ بذكر الأمثال والأحوال من واقع الناس، واكتفوا في تعليم الناس المراد من الآيات في كتاب الله بمثل ذلك، وتهيباً من أن يفسروا القرآن على سبيل الإملاء والإنشاء بعبارات من عند أنفسهم.
стр. 111
وهذا في غاية الأهمية لمن يقرأ في كتب التفسير بالمأثور حتى يفهم أقوالهم، فتنبه له جيداً حيث سنحتاجه عند النظر في المأثور عنهم فيما يَعنينا من قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فكان في هذه الآية الكريمة من الرخصة والرحمة بالعباد ما يستوجب منهم شكره لا كفره، لما فيها من مصالح عديدة لا يمكن حصرها من حفظ الحقوق ومن استتباب الأمن ومن مراعاة حاجة المرأة كعلاجها ومصالحها وتعاملاتها ونحو ذلك كثير مما هو داخل فيما عنته الآية الكريمة. فأين الرخصة لمثل هذه الأمور وغيرها إن لم تكن في هذه الآية؟ .
стр. 112
(المبحث الثالث)
أقوال الصحابة واختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْها﴾ [النور: ٣١]
كان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد
стр. 113
(المبحث الثالث)
أقوال الصحابة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْها﴾ [النور: ٣١]
وقبل أن نبدأ في توضيح الآية وبيان مقصد السلف لها، نريد أن ننقل أقوال المفسرين فيها حتى يكون البحث والنقاش أمام القارئ الكريم بكل أمانة علمية ودون إغفال لقول على حساب قول آخر، وبدون بتر أو إهمال للنصوص أو لقول بعض الصحابة على بعض.
قال الإمام الطبري ﵀ في تفسيره: (وَقَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ﴾ يَقُول تعالى ذِكْره: وَلَا يُظْهِرْنَ لِلنَّاسِ الذين لَيْسُوا لَهُنَّ بِمَحْرَمٍ زِينَتهنَّ وَهُمَا زينتان: إحداهما: مَا خَفِيَ وَذَلِكَ كَالخلخال وَالسِّوَارَيْنِ وَالْقُرْطَيْنِ وَالْقَلَائِد. والأخرى: مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَذَلِكَ مُخْتَلَف فِي المعنى مِنْهُ بِهَذِهِ الآية, فَكان بَعْضهمْ يَقُول: زِينَة الثِّيَاب الظَّاهِرَة.
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابن حُمَيْد قَالَ: ثنا هَارُون بْن المغيرة عَنْ الْحَجَّاج عَنْ أبي إِسْحَاق عَنْ أبي الأحوص عَنِ ابن مَسْعُود قَالَ: الزِّينَة زينتان: فَالظَّاهِرَة مِنْهَا الثِّيَاب وَمَا خَفِيَ: الخلخالان وَالْقُرْطَان وَالسواران. حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ: أخبرنَا ابن وَهْب قَال: أخبرنِي الثَّوْرِيّ عَنْ أبي إِسْحَاق الْهَمْدَانيّ عَنْ أبي الأحوص عَنْ عَبْد اللَّه أنهُ قَالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: هِيَ الثِّيَاب. حَدَّثَنَا ابن المثنى قَالَ: ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَ: ثنا شُعْبَة عَنْ أبي إِسْحَاق عَنْ أبي الأحوص
يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الخاتم وَالمسكَة. قَالَ ابن جُرَيْج وَقَالَتْ عَائِشَة: الْقُلْب وَالْفَتْخَة, قَالَتْ عَائِشَة: دَخَلَتْ عَلَيَّ ابنة أَخِي لِأمي عَبْد اللَّه بْن الطُّفَيْل مُزَيَّنَة, فَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ فَأَعْرَضَ فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُول اللَّه إنهَا ابنة أَخِي وَجَارِيَة. فَقَالَ: "إذا عَرَكَت المرأة لَمْ يَحِلّ لَهَا أن تُظْهِر إلا وَجْههَا, وَإلا مَا دُون هَذَا" وَقَبَضَ عَلَى ذِرَاع نَفْسه فَتَرَكَ بَيْن قَبْضَته وَبَيْن الْكَفّ مِثْل قَبْضَة أخرى. وَأَشَارَ بِهِ أبو عَلِيّ قَالَ ابن جُرَيْج وَقَالَ مُجَاهِد: قَوْله: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْكُحْل وَالخضاب وَالخاتم. حَدَّثَنَا ابن حُمَيْد قَالَ ثنا حُمَيْد قَالَ: ثنا جَرِير عَنْ عَاصِم عَنْ عامر: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ الْكُحْل وَالخضاب وَالثِّيَاب. حَدَّثَنِي يُونُس قَالَ أخبرنَا ابن وَهْب قَالَ: قَالَ ابن زَيْد فِي قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ مِنْ الزِّينَة الْكُحْل وَالخضاب وَالخاتم هَكَذَا كانوا يَقُولُونَ وَهَذَا يَرَاهُ النَّاس. حَدَّثَنِي ابن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ قَالَ: ثنا عُمَر بْن أبي سَلَمَة قَالَ: سُئِلَ الأوزاعي عَنْ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْه.
حَدَّثَنَا عَمْرو بْن بُنْدُق قَالَ ثنا مروان عَنْ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ﴾ قَالَ الْكَفّ وَالْوَجْه.
وَقَالَ آخرونَ: عَنَى بِهِ الْوَجْه وَالثِّيَاب. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابن عَبْد الأعْلَى قَالَ: ثنا ألمعْتَمِر قَالَ: قَالَ يُونُس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ الْحَسَن: الْوَجْه وَالثِّيَاب. حَدَّثَنَا ابن بَشَّار قَالَ ثنا ابن أبي
стр. 117
عَدِيّ وَعَبْد الأعْلَى عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنِ الْحَسَن فِي قَوْله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: الْوَجْه وَالثِّيَاب.
وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان يَدْخُل فِي ذَلِكَ إذا كان كَذَلِكَ الْكُحْل وَالخاتم وَالسِّوَار وَالخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجل، لأن ما لم يكن عورة، فغير حرام إظهاره. وإذا لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله: إلا ما ظهر منها لأن كل ذلك ظاهر منها) انتهى من تفسير الطبري.
وبمثل هذه الأقوال تدور أغلب التفاسير بل ومسانيد المحدثين عن الصحابة والتابعين فلا حاجة بنا لزيادة النقل والتطويل في هذا الخصوص بالذات وقد ثبت بحمد الله، لأننا سننقل فيما بعد كلام أئمة التفسير في معنى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ وأنهم قد فهموا منها ومن أقوال السلف فيها ما يفيد كونها رخصة لأن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة لإظهاره وسننقل نصوصهم بكثرة كما نقلناها من قبل في آية الإدناء.
стр. 118
أقوال الصحابة واختلافهم في تفسير آية: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ كان من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد
وهذه هي حقيقة الخلاف الظاهر في أقوالهم رضوان الله عليهم جميعا، كما مرت معنا ونقلها المفسرون وأهل العلم في كتبهم وكما بينه الأئمة عند كلامهم لمناهج السلف في تفسيرهم للكتاب الحكيم، فإنها وأن اختلفت في ظاهر الأمر ولكن مؤداها ومقصدها ومعناها عندهم كان لبيان شيء واحد.
فمن أين أخذ أهل السفور من أقوال السلف السابقة أن الله شرع لأمته أن تخرج نساؤهم سافرات الوجوه؟ لو كان هذا ظاهرا لقبلنا به، ولكن أن يأتي في أقوالهم عند تفسيرهم للآية: (خضاب، وكحل، ووجه، وسواران، ومسكتان، وكف، وثياب، وخاتم، وفتخات، وقُلب) ونحو ذلك، ثم يقال هذه آية تشريع الحجاب! وما سبق بمجموعه يكون الوجه والكفان فقط! ودون أن يأتي أحد من أهل السفور وينقل لنا تفسيراً أو قولاً واحداً عن السلف وأهل العلم المتقدمين، وكيف أنه فَهِمَ من مجموع كلامهم هذا طريقة صفة لبس المرأة المسلمة لهذا الحجاب؟ كما هو الشأن فيما تناقله أهل العلم عن السلف صراحة هناك في آية الإدناء والتي مرت معنا نقولاتهم عند تفسيرهم لسورة الأحزاب، هذا والله من أظهر ما يدل على بطلان مذهب السفور وتهافته.
стр. 119
ولو جُمعت أقوال الصحابة والتابعين في المسألة وحللت لتبين لنا أنها لمعنى واحد ومقصد متحد، ولما احتجنا لترجيح أو طرح قول على قول، ولما تطرق لدينا الاضطراب والتناقض والاختلاف الذي وقع فيه البعض فنسبوه للصحابة، ليبرروا اختيارهم من بين أقوالهم.
والآن نشرع في توضيح مقصد السلف لها وبيان المعنى العام المتوافق مع كل الأقوال المأثورة عنهم في الآية الكريمة.
الجمع بين أقوال الصحابة في الآية:
وهذا ما عنيه صحابة رسول الله ﷺ فكان خلافهم وأقوالهم في تفسيرهم الآية من قبيل خلاف التنوع، حيث مثلوا بمثال ونوع من أنواع الزينة التي يُرخص للمرأة أن تظهرها عند الحاجة والضرورة، فابن عباس مثلا عند تفسيره لمعنى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال: (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم) ومرة قال: (الكحل والخاتم) ومرة قال: (الخاتم والمسكة) ومرة قال: (الكحل والخدان).
لأن الزينة زينتان:
الأولى: زينة خَلقية من أصل خِلقة المرأة، كالوجه والكفين والرجلين والشعر ونحو ذلك.
الثانية: زينة مكتسبة مما تتزين به المرأة وهو ليس من أصل خلقتها، وإنما تكتسبه لتتزين به وهو خارج عن زينتها الأصلية الخَلقية، كالكحل والخضاب والخاتم والأساور والثياب ونحو ذلك، فهذه من الزينة، وإن
стр. 120
لم تكن من أصل زينة المرء، كقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينه الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢]، وكقوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينه ويخلق ما لاتعلمون﴾ [النحل: ٨]، وكقوله تعالى: ﴿وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا﴾ [يونس: ٨٨]، وكقوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا﴾ [الكهف: ٧]، وغير ذلك كثير من الآيات الدالة على أن الزينة تطلق أيضا على ما يتزين به الشئ وهو ليس من أصله بل خارج عنه.
وكِلا الزينتين حق وصواب حيث وردت في أقوال السلف عند تفسيرهم للآية الكريمة وتلقتها الأمة بالقبول، فكأنهم في كل مرة يُسألون أو يفتون أو يفسرون كانوا يقصدون أن يلفتوا الأنظار لمعنى الآية الواسع في جواز أن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة إليه ومما لابد من ظهوره منها في كثير من الأحوال، فكانوا في كل مرة يمثلون بزينة كالوجه والخاتم والكحل وغير ذلك من زينتها الخلقية أو المكتسبة، وهم حينما مثلوا بالوجه أو الكفين لم يقصدوا تحديد الزينة بتلكم الأقوال بقدر ما قصدوا المثال والنوع الذي يكثر ويغلب حاجة المرأة والناس إليه في أحوالهم الحياتية كما في أحوالها العديدة التي تحتاج وتضطر المرأة لكشف وجهها وكفيها فيها، وأما سبب تمثيلهم بالزينة دون تمثيلهم للأحوال والحاجات والضروريات؛ لأن الزينة سواء كانت الخَلقية أو
стр. 121
المكتسبة محدودة ويمكن حصرها والتمثيل عليها بذكر نوع منها فيسهل لدي المتلقي والسامع ما يماثلها ويشابهها بعكس ذكر الأحوال والظروف التي يباح للمرأة أن تكشف زينتها فهي كثيرة لا يمكن حصرها بالإضافة لتنوعها وتغيرها من حين لآخر ومن زمان لزمان ومن ظرف لظرف.
ومن تلكم الحالات:
حالة المرأة الساترة لوجهها واحتاجت لكشف العينين فقط أو الكفين:
ولهذا كان قول الصحابة في الروايات الأخرى والكثيرة والمقتصرة فقط على ذكر (الكحل والخاتم) و (الخاتم والمسكة) أو (السواران) ونحو ذلك، وعُني به هنا المرأة المنقبة الساترة لوجهها، أو من احتاجت لكشف كفها فقط كما مر معنا عند نقلنا كلام ابن عباس وغيره من السلف، في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ وجاء عنه وعن غيره، أنها الأمر بستر المرأة لوجهها كاملا أو بأن تظهر عينا واحدة أو عينين تبصر بها الطريق، أو حاجتها كصفة البرقع أو النقاب، الذي كان في زمن رسول الله ﷺ ، فكان هنا بيان ما تكشفه متى ما احتاجت لرؤية الطريق أو النظر أو لمس الأشياء التي تشتريها بيدها أو أداء بعض الأعمال التي تعملها، أظهرت عينيها من خلف برقعها أو نقابها وهما بلا شك من الزينة الخلقية، وقد يظهر كحلها حينئذٍ فيُعفى للحاجة الأصلية والمؤقتة، وذكرهم للكحل والخضاب لكثرة استعماله حيث كان في الغالب يستعمل علاجا.
стр. 122
وقد كن حريصات على الستر والتصون فمتى ما انقضت حاجتهن أو كن قريبات من الرجال بادرن بستر أعينهن.
وهكذا أيضا لو احتاجت لكشف كفيها فظهر ما عليها من زينة مكتسبة، كالخاتم أو المسكة أو السواران أو الخضاب مما كان فيه، فيُعفى للحاجة والضرورة المؤقتة.
ولهذا تلاحظ أن كثيراً من روايات السلف بل ومما يُنسب لابن عباس نفسه لم يقترن فيها (الوجه والكفان) معاً، كما نقلناه هنا عن الطبري وسيمر معنا الكثير عن أئمة التفسير، وإن وجد فقليل جداً، مما تعلم منه أنهم لم يقصدوا شيئا مما يقوله أهل السفور اليوم.
فعن مجاهد قال: (كانت المرأة] من النساء الأولى [تتخذ لكم درعها إزاراً تجعله في إصبعها تغطي به الخاتم) (١).
حتى قال كثير من الفقهاء تكشف باطن الكف دون ظاهره؛ لأن هذا ما تحتاجه عند الأخذ والإعطاء وتفحص الأشياء نحو ذلك، بعكس ظاهر الكف فلا ضرورة لكشفه، وهكذا قالوا في الشهادة فلو عرفها ببعض وجهها أو من خلف نقابها، لم يجز أن يتجاوزه لأكثر من ذلك، وسنأتي لكلامهم بمشيئة الله تعالى.
حالة احتياج المرأة لكشف زينة وجهها أو كفيها:
والصحابة لما قالوا الوجه قصدوا أن يمثلوا لحالة ونوع من الزينة الخلقية التي يجوز إبداؤها ولما كان (الوجه) هو الغالب مما
стр. 123
تحتاج المرأة لكشفه كحالة البيوع والشهادة والخِطبة ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء في كتبهم ومما يلزم معه معرفة شخصها مثلوا به، ولهذا اشتهر وعده أكثر الفقهاء أنه ليس من العورة، لكثرة احتياجها لضرورة كشفه حيث أباحته الشريعة، وجاز كشفه في العبادات كالصلاة ونحوها ولم تبطل، فلم يناسب عند أكثرهم أن يُقال عنه انه من العورة.
وإلا فهم لم يقصدوا بقولهم ذلك التحديد بالوجه فقط دون غيره كما نقلنا أقوالهم آنفا، وإنما مثلوا بما تحتاج المرأة إلى إبدائه من زينتها، فهم قصدوا ألمثال بالوجه لحالة هي الأكثر و (الأولى) والغالب مما تحتاج المرأة لكشفه كما جاء ذلك عن الطبري وعدد من الفقهاء والمفسرين في كتبهم فكانت هي المشهورة والأولى؛ وإلا فقد تحتاج وتضطر لإبداء أكثر من الوجه أو أقل منه.
ولهذا عندما ذكروا خضاب كفيها لم يكن ذلك منهم تحديداً لخضاب الكف فقط، بقدر ما كان لبيان الأحوال التي تحتاج أو تضطر المرأة فيها لإظهار كفيها، وهي أحوال كثيرة، وبخاصة لنساء العهد الأول حيث كن يسقين الزروع ويحرثن الأرض ويعجن الطعام ويجلبن الماء ويغسلن حوائجهن ويعلفن الدواب ويركبنها ويقطفن الثمار كما كن يخرجن للأسواق ويشترين وما يحتاجه ذلك من الأخذ والإعطاء ومن ملامستهن للأشياء وتفحصها كالحبوب والأقمشة ونحو ذلك مما لا يمكنهن معه ستر أيديهن، مع حرصهن قدر الإمكان على ألا يبدو من زينتهن تلك أمام الرجال شيء إلا ما ظهر رغماً عنها، فإذا انقضت حاجتهن كان لإحداهن فص في طرف كمها تدخل كفيها في كم جلبابها
стр. 124
أو تلبس القفازين وقد كن حريصات ومعروفات بلبسه حتى أمر رسول الله ﷺ بمناداتهن يوم الإحرام: (لا تلبس المحرمة النقاب ولا القفازين) أخرجه البخاري.
مقصد الإمام الطبري عند تفسيره للآية:
ولما كان الوجه والكفان هما الغالب مما تضطر المرأة وتبتلى بكشفه في كثير من الأحوال والتعاملات كان هو المشهور والأولى بالذكر والتنويه به والاقتصار عليه دون التوسع لما سواهما كما هو في الحالات الغالبة والحاجات المذكورة عند الفقهاء لمعرفة شخصها والرجوع لها أو عليها فيما يطرأ من تعاملاتها.
ولهذا قال الإمام ابن جرير الطبري: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان, يَدْخُل فِي ذَلِكَ إذا كان كَذَلِكَ الْكُحْل, وَالخاتم, وَالسِّوَار, وَالخضاب، وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها) انتهى كلامه يرحمه الله.
ومعنى قوله هو الاقتصار عند الحاجة والضرورة بمثل هذا القدر الذي تكشفه في صلاتها، وهذا تقدير قياسي عندهم لما يظهر عند الضرورة كالشهادة وتوثيق البيوع وعند التقاضي، كما هو الغالب مما تحتاجه، حتى لا يتساهل الناس في إظهار أكثر من ذلك؛ لأن الآية لم تحدد شيئا فمالوا لقول من قال من السلف أنه الوجه والكفان تغليبا لأكثر الأحوال، وقاسوه بما يظهر حال صلاتها احتياطاً من تساهل
стр. 125
الناس في الرخص، وإلا فالمراد أن تقدر الحاجة والضرورة بقدرها كما قال تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾، ولما كان الوجه والكفان هما الغالب، ومما تبتلى المرأة بكشفهما وكانا في الغالب متلبسين بالزينة المكتسبة مثل: (الخاتم والمسكة) أو (السواران) أو قوله: (خِضَاب الْكَفّ) فالوجه غالبا عليه الكحل في العينين والكفين غالبا عليها الخضاب والخاتم والأساور، وما شابه ذلك، فعند ورود الحاجة فإنه يشق عليها نزع تلك الزينة، فأراد السلف أن يبينوا أن ما كان تابعاً ومتلبساً من زينتها المكتسبة بأصل زينتها الخلقية، هو أيضاً مما رُخص لها أن تكشفه حال الضرورة، فهو داخل في حكم الرخصة الأصلية من باب أولى، ورفعاً للمشقة وبخاصة أن ما يبدو وقت الحاجة والرخصة قليل وقصير وقته، فهو استثناء من عموم أحوالها العامة والعادية.
حالة احتياج المرأة لتكشف أكثر من الوجه أو الكفين:
والسلف من الصحابة وغيرهم لم يمثلوا بأكثر من الوجه والكفين وهذا من دقتهم وحكمتهم لأن هذه الزينة التي هي أكثر من الوجه والكفين لا يجوز كشفها إلا في حالات الضرورة القصوى جداً، كعلاجها أو إنقاذها من سقوط ونحوه، وحيث أنهم قد بينوا أن الآية رخصة، ومثلوا بالزينة التي يجوز كشفها عند الحاجة والضرورة والتي لم تبلغ مبلغاً كبيراً، كما في البيوع والشهادة والتقاضي ونحو ذلك، والتي كان من الممكن معها أن تنيب فيها أو توكل غيرها، فكان في بيانهم ذلك ما أغنى عن التمثيل بحالات أشد منها، ولهذا فكثير من أئمة التفسير قد بينوا هذا المعنى والمقصد فذكروا عند تفسيرهم للآية من ضمن ما ذكروه، حال
стр. 126
علاجها وكشفها عند الطبيب أو سقوطها أو إنقاذها ونحو ذلك، وهذا إذا لم يكن هناك نسوة ممن يمكن أن يستغنى بهن عن الرجال.
حالة احتياج المرأة لظهور زينتها المكتسبة كالثياب ونحوها:
وقد مثل ابن مسعود ﵁ بما يجوز أن يظهر من زينة المرأة بالثياب وكذلك وافقه ابن عباس في بعض الروايات عنه فقد جاء في تفسير بحر العلوم للإمام السمرقندي: (عن ابن عباس في رواية أخرى، إلا ما ظهر منها، أي فوق الثياب. وروى أبو إسحاق، عن ابن مسعود أنه قال: ثيابها، وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فتقنع عبد الله بن مسعود، وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه) انتهى.
وورد أيضاً في كتاب: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس والذي قيل أنه ينسب إليه قال: (﴿ولا يبدين﴾ ولا يظهرن ﴿زينتهن﴾ الدملوج والوشاح ﴿إلا ما ظهر منها﴾ من ثيابها) انتهى.
وقد ذهب بعض أهل التفسير أن مراد الصحابيين ومن وافقهما بالثياب أنها الجلابيب التي تلبسها النساء فوق ثيابهن العادية من درع وخمار عند الخروج وهذا محتمل جداً لأنها من الزينة بدلالة القرآن كما مر معنا في بيان أقسام الزينة.
وعندي والله أعلم أن مقصد الصحابيين بالثياب ليست الجلابيب ولكن الأقرب أنهم قصدوا بالثياب الدرع والخمار مما تلبسه المرأة من زينة ثيابها العادية وهي في محيط بيتها أو مزرعتها، ونحو ذلك، وهي
стр. 127
آمنة في حرمها من دخول أو اطلاع أحد عليها فلا يلزمها لبس جلبابها وهي في حرم بيتها ومع خلو نظر الأجانب إليها، فالمرأة تحتاج وهي في مهنة أهلها وزوجها، ورعاية بيتها وما حوله لأن تخرج لتؤدي بعض الأعمال في حدود ملك أهلها، وخاصة المتزوجات منهن والكبيرات، وفي الزمن الأول كانت النساء تزرع وتحصد وتعمل في سقي الأشجار وطبخ الطعام، وكانت غالب تلكم الأعمال في ساحة بيوتهم ومزارعهم، فجوزوا لها أن تخرج بثيابها وهي في حكم كونها داخل بيتها، ولو صادف مرور أحد الغرباء، سترت وجهها بما لديها من خمار أو برقع من فوق رأسها ونحوه، وهذا معلوم في النساء المنقبات لعهد قريب، فهذه الثياب مما لا بد من ظهوره ويشق عليهن القيام بمثل تلك الأعمال أن يلبسن الجلابيب عليهن وهن في محيط بيوتهن فكيف بنساء الزمن الأول اللاتي قد لا يجدن إلا جلبابا واحدا؟ بل قد لا يجدن ذلك أصلا، بعكس الثياب المعتادة، مما تفهم معه لمَ فسره الصحابة بذلك؟
ولو أراد ابن مسعود تفسير ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالجلباب لما قال الثياب بل لذكر الجلباب؛ لأنه هو اللفظ القرآني والثياب غالبا لا تسلم من أن تكون مزينة بالألوان والأشكال، التي لا يجوز أن تتزين بها الجلابيب والعباءات، لأنها جاءت للستر لا للفت الأنظار.
وسواء كان المقصد بالثياب الجلابيب وأنها في أصلها زينة تلبسها النساء أو كان المقصد الدرع والخمار التي تلبسها المرأة في محيط بيتها وما حوله من أملاكها أو أملاك زوجها أو أهلها، فهم إنما قصدوا بذلك
стр. 128
المثال للزينة التي يرخص ظهورها منها لاحتياجها لذلك، مع وجوب تغطيتها لوجهها في حالة دخول أجنبي عنها فجأة، ولكن لو علمت أن هذا طريق أصبح يسلكه الرجال فلا يجوز لها الخروج بدون جلبابها أبدا، ولو كان على بعد أمتار من بيتها كما هو حال أغلب البيوت اليوم؛ لأنه لم يعد حرماً لها تأمن خلوه من الرجال الأجانب أو عدم دخولهم إليه إلا باستئذان، ولهذا جاء في قصة جابر بن عبد الله، ومحمد بن مسلمة ﵃، اختباؤهم بين الأشجار والزروع والحوائط لرؤية من يريدون خطبتها ولم يجرؤ على المرور عندهن.
ومن الزينة المكتسبة والتي يمكن أن تشابه الثياب ما تلبسه المرأة من حذاء أو ما تحمله المرأة من متاع كالشنطة ونحوها، فهذه من الزينة المعفي عنها والتي مما لابد من ظهورها منها. والله أعلم.
فرض لبس الجلباب عند خروج المسلمات الصالحات:
ولا خلاف بين أهل العلم في فرض لبس الجلباب، وما يسمى عندنا -العباءة- (١)، وله في بلاد المسلمين العديدة بحمد الله مسميات مختلفة وأشكال كثيرة كما مر معنا عند تفسيرنا لآية الإدناء، ومعناه أن يكون واسعا، أسود اللون كما صح به الحديث عن نساء رسول الله ﷺ ونساء الصحابة والسلف لا زينة فيه يستر ثياب المرأة المعتادة وتقاسيم جسمها، وهو بلا خلاف فرض لبسه على النساء عند خروجهن من
стр. 129
بيوتهن كما جاء النص القرآني القطعي بذلك وكما جاء أمره ﷺ بخروج النساء والعواتق يوم العيد، فقالت أم عطية قلت: يا رسول الله! إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: (لتلبسها أختها من جلبابها) (١)، ولم يأذن لهن بالخروج بدون الجلباب أبداً، ولم يكن لكل واحدة منهن جلباب لقلة ذات اليد، قال الحافظ ابن حجر- ﵀ معلقاً على حديث أم عطية السابق: (وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب) (٢) انتهى.
حالة ظهور زينة المرأة رغما عنها وبغير قصد منها:
وهذه حالة ووجه آخر في تفسير الآية الواسع في النهي عن إبداء المرأة لزينتها إلا ما ظهر منها بغير قصد سواء الخلقية أو المكتسبة وهي غير قاصدة عند ظهور ذلك فتنة ولا ريبة إما بسبب ريح أو سقوط أو حادث أو بأن كشفت وجهها معتقدة خلو المكان أو الطريق من الرجال، كما قاله القاضي عياض وغيره من أهل العلم عند تفسيرهم لحديث جرير في نظر الفجأة، فهذا مما لم تُبدِه هي، وإنما ظهر منها بلا قصد ولا نية سيئة رغماً عنها.
وعلى كلٍ فإن تمثيلنا بهذه الحالات والأحوال قد جاء مثله عند الفقهاء والمفسرين كما سيمر معنا بإسهاب بمشيئة الله تعالى، وهذا ليس هو من قبيل التحديد والحصر الثابت، وإنما من قبيل التمثيل بالغالب وإلا فقد يدخل الوجه في كل أو أكثر الأحوال السابقة وقد يدخل الكحل
стр. 130
والخضاب في أكثر من حالة من الحالات السابقة وهكذا بقية ما مثل به السلف للزينة.
وإنما قصدنا بذكر تلك الأحوال، التفصيل والبيان لأقوال السلف والتي في ظاهرها الاختلاف، وأنها رخصة من الله، لا إثم ولا عقوبة على من أظهرت شيئا من زينتها - التي أُمرت بسترها - في مثل تلك الأحوال المؤقتة وغيرها مما يماثلها أو يشابهها.
وكل الأقوال التي مرت معنا والمنقولة عن السلف بهذا المعنى والمقصد هي متحدة ومتفقة لا مختلفة وكلها حق وصواب وهم متفقون على قول بعضهم البعض.
ولهذا لم يَردنا أن خطَّأ أحدهم الآخر لأن لكلِ قولٍ من أقوالهم معنىً مؤدٍ للمطلوب في تفسير الآية وأنها رخصة من الله فيما تحتاج المرأة لإظهاره من زينتها سواء الخلقية أو المكتسبة كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
منهج السلف في التفسير:
وبهذا فَهُم مجمعون على أن الآية رخصة، فلن تجد أي خلاف بينهم ولا تناقض ولا اضطراب، بل هم مجمعون أيضاً وبلا خلاف على فرض الحجاب كما نزل في آية الأحزاب، وخلافهم هذا حسبه من لم يسبر طريقتهم أنه من خلاف التضاد، وإنما هو من قبيل اختلاف التنوع كما نبه إليه المحققون وأهل النظر، ومثاله كمن وصف القرآن
стр. 131
بكونه هداية وقال الآخر هو كلام الله وقال آخر هو ذكر الله وقال آخر هو النور وغير ذلك، فكل واحد ذكر وصفاً مختلفاً عن الآخر وهم يعنون شيئاً واحداً لا غير هو القرآن الكريم.
وهنا إنما قصدوا المعنى العام للرخصة بمثال ونوع لكل حالة، واختلافهم في هذا من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد وقد مر معنا أن ألفاظ السلف في التفسير واختلافهم غالباً هو من باب خلاف التنوع لأن خلاف التضاد: أن يكون بين القولين تضاد، أي: لا يمكن اجتماعهما، وأما خلاف التنوع: هو أن تكون المادة المستعملة تختص في قول ما لا تختص في القول الآخر، بمعنى أن صاحب القول الأول يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الثاني، وصاحب القول الثاني يذكر وجهاً من المعنى لا يذكره صاحب القول الأول، ويكون المعنى الأول والثاني كلاهما صحيح، ويحصل التمام باجتماعهما، وغالب ما يكون خلاف التنوع في كلام السلف في التفسير، فإن الناظر في كتب التفسير كتفسير ابن جرير وهو أخص كتاب في المأثور يرى أن أقوال الصحابة والتابعين، ولا سيما من انشغل منهم بالتفسير فيها اختلاف كثير وعامةُ هذا الاختلاف أما لفظي وأما تنوع، بمعنى أن يذكر أحدهما معنى ويذكر الآخر معنى آخر، لكن يمكن اجتماعهما ويكمل أحدهما الآخر.
كما نصَّ عليه سفيان الثوري وابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" والشاطبي في "الموافقات" وابن تيمية في مواضع عدة وغيرهم.
стр. 132
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (مختصراً):
(يجب أن تعلم أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم الفاظه فقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ يتناول هذا وهذا ... ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد الفاظه فالقرآن أولى بذلك.
وأيضاً فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟ .
ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جداً وهو وإن كان من التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر ... الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
وذلك صنفان:
أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى، غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف الصارم والمهند، وذلك مثل أسماء الله الحسنى وأسماء رسوله وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها تدل على مسمى واحد فليس دعاؤه
стр. 133
باسم من أسمائه الحسنى مضادا لدعائه باسم آخر بل الأمر كما قال تعالى: ﴿قل ادعو الله أو ادعو الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى﴾ وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات والقدرة والرحيم يدل على الذات والرحمة ... ).
إلى أن قال ﵀: (إذا عرف هذا فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه وإن كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر كمن يقول أحمد هو الحاشر والماحي والعاقب، والقدوس هو الغفور والرحيم، أي أن المسمى واحد لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة، ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم فقال بعضهم: هو القرآن أي اتباعه لقول النبي في حديث علي الذي رواه الترمذي ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم. وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله ﷺ في حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفى السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو من فوق الصراط وداع يدعو على رأس الصراط قال فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن.
стр. 134
فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث.
وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة وقول من قال: هو طريق العبودية وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
الصنف الثاني:
أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز فأُري رغيفا وقيل له هذا فالإشارة إلى نوع هذا، لا إلى هذا الرغيف وحده مثال ذلك، ما نقل في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للمحرمات، والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات فالمقتصدون هم أصحاب اليمين والسابقون السابقون أولئك المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت والمقتصد الذي يصلي في أثنائه والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار ويقول الآخر: السابق
стр. 135
والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة فإنه ذكر المحسن بالصدقة والظالم يأكل الربا والعادل بالبيع والناس في الأموال إما محسن وإما عادل وإما ظالم فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة والمقتصد الذي يؤدى الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا.
وأمثال هذه الأقاويل فكل قول فيه ذِكرُ نوع داخل في الآية ذُكِر لتعريف المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق، والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل له هذا هو الخبز ... .
- إلى أن قال ﵀: (ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ... وإذا عرف هذا فقول أحدهم نزلت في كذا لا ينافى قول الآخر نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما، كما ذكرناه في التفسير بالمثال، وإذا ذكر أحدهم لها سببا نزلت لأجله وذكر الآخر سببا، فقد يمكن صدقهما، بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب أو تكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب.
وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه كالتمثيلات هما الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف) (١) انتهى كلامه ﵀.
стр. 136
وبنفس هذا المعنى قال الإمام الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن" والسيوطي (ت: ٩١١ هـ) في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" وفي ذلك يقول الإمام الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): (يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافاً فيحكيه أقوالا وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون أحدهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالباً، والمراد الجميع، فليتفطن لذلك، ولا يفهم ثَمَّ اختلاف العبارات اختلاف المرادات) (١).
ولتأكيد هذا فقد وقع إجماع المفسرين على مر عصورهم على كون قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ رخصة من الله كما سيأتي النقل عنهم.
стр. 137
منهج الصحابة والتابعين عند تفسيرهم لآية الرخصة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه﴾
فأما الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان فلكونهم عرفوا مراد بعضهم البعض، وكانوا قريبي عهد بالتشريع الرباني فلم يكونوا محتاجين لمثل هذا التفصيل والبيان الذي ذكرناه، مع ما كانوا عليه من منهج يتحاشون فيه الكلام في التفسير من عند أنفسهم، ويقتصرون في بيان المعنى المراد بالمثال، بدليل أنه لم ينقل لنا أي حادثة أو واقعة تدل على خلاف بينهم في تفسير الآية، مع كثرة خروج النساء بينهم.
فمن نسب نزاعاً كان بينهم في فريضة الحجاب، من نوع النزاع الحاصل اليوم بين الفريقين، أو من نوع ما نقل عنهم في بعض الأحكام، فيكون بنسبته تلك قد قال ما لا يعلم وما لا دليل عليه وجنى بافترائه على الصحابة وتلاميذهم ما لم يقولوه، وإن وجد في بعض نقول المتقدمين من قال أنهم اختلفوا فإنما يعنون به اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، كنحو ما أشار إليه ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" وشيخ الاسلام ابن تيمية والإمام الزركشي والشاطبي في "الموافقات" وغيرهم، ولهذا فليحذر الذين ينسبون أن في فريضة الحجاب خلافاً وأن الأمر بين السنة والواجب، فيكون افترى في دين الله ما ليس فيه.
стр. 138
مع ما توافرت به النصوص عنهم في أمر النساء بستر وجوههن، دون أن يرد عنهم ولو نص واحد يقول بجواز أن تسفر النساء عن وجوههن، سوى ما تعلق في أذهان البعض من المتشابهات، فكان إجماعاً لا ينكره إلا جاهل بأحوالهم، متبع للشبهات معرض عن المحكمات المتواترات.
منهج أئمة التفسير والفقه عند تفسيرهم لآية الرخصة:
وأما من جاء بعدهم من أئمة الإسلام من الفقهاء والمفسرين فقد تتابعوا في بيان المعنى الإجمالي من الآية ونصوا على كونها رخصة من الله، بل وبينوا ذلك بنوع من التفصيل والتمثيل القريب مما بيناه هنا لأنه لم تكن بعد قد تفاقمت بدعة القول بالسفور والتحريف والتبديل الواقع اليوم في مسألة الحجاب، فكان بيانهم أنها رخصة من الله لأن تبدي المرأة من زينتها كما في حالات الضرورة كالشهادة والمحاكمة والخطبة والعلاج وغيرها، وأنه إذا عرف شخصها من خلف النقاب أو ببعض وجهها اكتفي بذلك ولم يجاوزه، وعند الأخذ والإعطاء تظهر باطن الكف، لا ظاهره، لان ذلك هو القدر مما تحتاجه في هذه الحالة، وغير ذلك كثير كما سيمر معنا من إجماعهم، وما سننقله من أقوالهم بمشيئة الله تعالى، وذلك بعد كلامنا على المبحث التالي حيث أن مناسبته هناك.
стр. 139
(المبحث الرابع)
التحريف والتبديل فيما لحق كلام أئمة المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب
стр. 140
(المبحث الرابع)
التحريف والتبديل فيما لحق كلام أئمة المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله) (١) انتهى.
وكما وقع التحريف والتبديل في كلام الصحابة والتابعين وفهمه البعض على غير مقصدهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فحسبوا أقوالهم من خلاف التضاد.
كذلك وقع التحريف والتبديل في كلام الفقهاء من الأئمة الأربعة عند كلامهم على فريضة الحجاب ففهمها الكثيرون من المتأخرين على خلاف مقصدهم ومرادهم، وحسبوا أنهم فريقان، فقسموهم إلى فريق يقول بفرض ستر النساء لوجوههن وفريق يقول بجواز سفور النساء.
والحق الذي لا يعلمه كثير من أهل السفور اليوم أن اختلاف فقهاء المذاهب الأربعة في فريضة الحجاب لم يكن اختلاف تضاد، وإنما كان من قبيل اختلاف التنوع، والأدلة والشواهد بالاستقراء وتتبع كلامهم أكثر من أن تحصر في هذا، ولكن قبل أن نذكرها نبين منشأ التحريف والتبديل في هذه المسألة عند المتأخرين اليوم.
стр. 141
اختلاف المذاهب الأربعة في مسألة الحجاب كان من اختلاف التنوع
وذلك لأن عصر أولئك الأئمة وظهور نشأة مذاهبهم، كان في العصور المتقدمة جداً والقريبة من عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، وقد سبق لنا إجماع أولئك على فريضة الحجاب وأنه الأمر بتغطية النساء لوجوههن، بما تناقلته الأخبار والآثار عن السلف دون وجود أثر واحد عن أحد منهم يقول فيه بجواز أن تسفر المرأة عن وجهها، كما مر معنا عند تفسير قوله تعالى في آية (الإدناء) فلزم الرجوع إليه هناك، ولغيرها من الأحاديث والآثار في ذلك، فكيف يقال أن من أئمة المذاهب الأربعة وبخاصة من المتقدمين منهم بل والمعاصرين لتلك القرون المفضلة كانوا على خلاف ذلك الإجماع والتواتر، مع ما عرفوا به جميعاً من علم وحكمة وحسن اتباع للكتاب والسنة ولمنهج الصحابة والتابعين في وجوب ستر النساء لوجوههن كما سنأتي ونبينه بمشية الله تعالى من نصوصهم العديدة.
المناهج الفقهية للمذاهب الأربعة:
وكما هو معلوم فقد كان لكل واحد منهم منهجه ومدرسته في الإستنباط والأصول والقواعد على الأحكام، فكثيراً ما تمر عليهم المسائل في الحلال والحرام وبلا ريب يكونون متفقين في الحكم عليها، ولكن قد يحصل اختلافهم من ناحية أخرى في فهم ومعرفة سبب
стр. 142
وعلة ذلك الحكم الشرعي، ويكون خلافهم عندئذ من قبيل خلاف التنوع لا خلاف التضاد، وهذا معلوم ومشهور في غالب كلامهم على مسائل الفقه ليس هذا المجال مجال بسطها هنا، ومثال ذلك كاتفاقهم في تحريم كثير من أنواع البيوع والمعاملات التي جاءت النصوص الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة في النهي عنها كالربا ونحوه، ولكن عندما يستنبطون من الأحكام العلل والمقاصد، فكثيرا ما يختلفون فمنهم من يقول علة التحريم لتلك البيوع والتعاقدات هي أكل أموال الناس بالباطل، ويذهب غيرهم إلى أن علة التحريم وسببه هو الغرر أو الجهالة، وقد يصل اختلافهم في بعض المسائل لحدٍ كبير من النقاش والجدال الفقهي الذي يطول لاعتبارات كثيرة مما يحسب معه العامي ممن لا فقه عنده ولا دراية بأحوالهم، أنهم مختلفون في أصل المسألة وأساسها، والحق أنهم متفقون في أصل حكم المسألة، وكذلك في صحة كثير من العلل والاستنباطات والمقاصد، فمثلاً الربا وغيره من البيوع المحرمة فهي أكل لأموال الناس بالباطل وهي أيضا من باب الغرر والجهالة في بعضها الآخر، وهكذا في كثير من أوامر الشريعة المطهرة كفريضة الأمر بأداء الزكاة فمن قائل أنها لتزكية وطهارة النفوس والأموال، ومن قائل أنها للنماء والزيادة في الأموال، وغير ذلك، وكله حق وصواب.
стр. 143
فريضة الحجاب عند المذاهب الأربعة:
وكذلك في فريضة الحجاب فإن الأئمة الأربعة وتلاميذهم وأتباعهم المتقدمين، عليهم رضوان الله تعالى، متفقون من المراد في أصل حكم فريضة الحجاب، وأنها الأمر بستر النساء لوجوههن كما دلت عليه النصوص الصريحة والنقول المتواترة عن السلف ومن بعدهم، فإنهم وإن اختلفوا في بعض الجزئيات الخاصة بفريضة الحجاب وهي هل الوجه والكفان من العورة أم لا؟ فالحقيقة أن اختلافهم هذا هو من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، حيث نظر كل واحد منهم في العلة والمقصد للشارع من أمره للنساء بتغطية وجوههن، وتحريم كشفهن لزينتهن، فذهب فريق إلى أن العلة في ذلك هو كون المرأة عورة، ومن قائل أن العلة في ذلك هي الفتنة والشهوة، وزاد الخلاف بينهم أن منهم من رأوا عدم مناسبة إطلاق القول بلفظ (العورة) على الوجه والكفين فقالوا إن الوجه والكفين ليسا بعورة، لعدة اعتبارات عندهم سنأتي لذكرها قريباً، ولكن هم متفقون في حكم فرض ستر النساء لوجوههن بدون أدنى شك ولا ريب، وإن كان لكل فريق اجتهاده وتأصيله واستنباطه في المسألة.
والذي يهمنا هنا هو أن نطرح حجة الفريقين في كون الوجه والكفين عورة أم لا؟ لنعرف ما نحن بصدده وهو هل اختلافهم من قبيل اختلاف التنوع كما نقوله نحن أم أنه من خلاف التضاد، كما يدعيه البعض اليوم؟ بمعنى هل اختلافهم في هذه الجزئية، له أثر يمنع من عدم اتفاقهم على القول بفرض ستر النساء لوجوههن؟ .
стр. 144
(محاورة)
حجة القائلين أن الوجه والكفين ليسا من العورة وأن ذلك لم يمنع من قولهم بوجوب ستره لعلة الفتنة والشهوة
فذهب فريق منهم كأبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، ورواية عند الشافعية (٣) وبعض فقهاء الحنابلة، وغيرهم ممن وافقهم إلى أنه وإن فُرض على المرأة ستر وجهها وكفيها، فهذا لا إشكال فيه، إلا أنه لا يلزم منه أن يكون ذلك من العورة.
- فإذا سُئلوا وكيف لا يكون عورة وقد فرض عليها ستره؟
قالوا لأنه ليس كل ما أُمر بستره أو غض البصر عنه يلزم منه أن يكون من العورة.
- فإذا قيل لهم ولماذا عندكم المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها لم تعدوهما من العورة؟
أجابوا: لم نقل أنهما عورة لعدة اعتبارات شرعية ولوازم تنتج في حال قولنا بذلك ومنها:
أ- أن الوجه والكفين ليسا بعورة عندنا، لأنه بالإجماع يجوز للمرأة أن تكشفهما في الصلاة، ولو قلنا أنهما من العورة، لقيل وكيف جاز لها كشفهما ولم تبطل صلاتها؟ .
стр. 145
ب- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا وذلك لأن الشريعة أباحة كشفهما للضرورة وهذا باجماع أهل العلم، حيث تستوجب الضرورة العفو عن كشفهما في كثير من الأحوال والظروف، كالتي ذكرها الفقهاء في كتبهم، مما لا بد لها معه من كشف وجهها أو كفيها، وقد جاءت النصوص العديدة من الكتاب والسنة بجواز ذلك في مثل تلك الضرورات فعلى سبيل العموم كقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وعلى سبيل الخصوص كالنصوص الواردة في حال الخاطب مع من أراد خطبتها، وإجماع أهل العلم على الجواز في مثل تلك الأحوال كالشهادة والتقاضي وعند التعاقدات في البيوع ونحو ذلك، ومثل ذلك مباح لها، فلا يمكن أن يعد من العورة؛ لأن المرأة تبتلى بكثرة اضطرارها لكشفهما، ولو قيل ذلك لتحرج الناس وامتنعوا منه، وقد حصل قديماً القول بالمنع بحجة (العورة) كمن منعوا الخاطب من رؤية من أراد خطبتها وإن كان رأياً وفهماً ضعيفاً نعلم أنه لا يقوله أغلب القائلين بعلة العورة.
ت- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا لأن النبي ﷺ (نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب) ولو كانا عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يناسب جعل ذلك كله عورة، وإن قلنا حرام كشفهما لعلة أخرى.