Полный текст (67 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مختصر
أخلاق حملة القرآن
للإمام
محمد بن الحسين الآجُرِّي (ت ٣٦٠ هـ) ﵀
اختصره
د. خالد بن عثمان السبت
دار ابن الجوزي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
فهذه طبعة جديدة لهذا المُختصر، قد استدركنا فيها ما وقع في الطبعة الأولى من أخطاء, كما تم مُقَابَلته على مطبوعة جديدة لأصل الكتاب, إضافةً إلى بعض التعليقات في الحاشية.
فأسأل الله أن يتقبله, وينفع به؛ إنه سميع مجيب.
خالد بن عثمان السبت
٢٢/ رجب/ ١٤٣٦ هـ
* * *
стр. 4
مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
فهذا مُخْتَصَر لكتاب «أخلاق حَمَلَة القرآن» للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀, وأعلى درجته في الجنة.
والمقصود من هذا الاختصار: تقريب الكتاب ليكون في مُتَنَاوَل الجميع، فينتفع به من شاء اللَّه من المُعَلِّمين والمُتَعَلِّمين في الحِلَق القرآنية وغيرها.
وإنما كان اختيار هذا الكتاب نَظَرًا لما حَوَاه من موضوعات لا غِنَى عنها لِمُعَلِّم القرآن ومُتَعَلِّمه وتَاليه؛ حيث ذَكَرَ مُؤَلِّفه ﵀ بعد الأبواب الثلاثة الأُوَل في فَضْل حَمَلَتِه ومُتَعَلِّمِيه ومُعَلِّمِيه، وما ورد في فضل الاجتماع في المساجد لِمُدَارَسَته - ذكر بعد ذلك أبوابًا في الآداب والأخلاق التي ينبغي أن يَتَحَلَّى بها أهلُ القرآن عمومًا، وما يُطْلَب من ذلك حال تعليمه أو تَعَلُّمه، أو عند تلاوته.
فالكتاب في غاية الأهمية في بابه، إلا أنه قد اشتمل على
стр. 5
بعض الروايات الضعيفة، وما قد يُبْنَى عليها من آداب ونحوها، إضافةً إلى شيء من التَّكرار في بعض المواضع، فجاء هذا المُخْتَصَر مُقْتَصِرًا على صَفْوِ ما في هذا الكتاب وتَرْك ما عداه.
* العمل المُتَّبَعُ في هذا المُخْتَصَر:
* أولاً: النسخَة (الأصل) المُعْتَمَدة:
في البداية كان البناء على نسخة إلكترونية من كتاب «أخلاق حَمَلَة القرآن» للآجري في موقع جامع شيخ الإسلام ابن تيمية, قد حُذِفَت أسانيدها دون الراوي الأول في الغالب, وكُتِب عليها (الناشر مكتبة الإمام ابن القيم العامة) , وبعد المقارنة بين بعض النسخ المطبوعة للكتاب تم اعتماد نُسخة مُحَقَّقَة هي الأصح من المطبوعات التي تَيَسَّر الوقوف عليها، وذلك بعد المُقَارَنة بين خمس نسخ، وهي:
١ - طبعة دار عمار، (الطبعة: الأولى, ١٤٢٩ هـ)، بتحقيق الدكتور غانم قدوري - حفظه الله -.
٢ - طبعة دار الصفا والمروة, (الطبعة: الأولى, ١٤٢٦ هـ) , بتحقيق: أحمد شحاتة الألفي (١) . الحواشي
(١) وهي التي جَرى مُقابَلتها بهذا المُختصر في طبعته الثانية, كما أشرنا في مقدمتها.стр. 6
٣ - طبعة مكتبة الدار، (الطبعة: الأولى, ١٤٠٨ هـ)، بتحقيق الدكتور عبدالعزيز القارئ - حفظه الله -.
٤ - طبعة مكتبة الإمام البخاري، بتحقيق الدكتور محمود النقراشي ﵀.
٥ - طبعة دار الكتب العلمية، بإشراف: المكتب السلفي لتحقيق التراث، وتخريج: محمد عمرو عبداللطيف.
فكانت من حيث تحقيق النص على الترتيب السابق، فأَجْوَدها الطبعة التي حققها الدكتور غانم القدوري، وهي المُعْتَمَدة في هذا المُخْتَصَر، سوى أحرف أو كلمات يسيرة تم ترجيح عبارة النُّسْخَة التي حققها الدكتور عبدالعزيز القارئ، أو أحمد الألفي, أو ما في بعض الكتب الأصول فيما يتعلق بالمرويات؛ وذلك لكونه أَلْيَقَ بالنَّظَر إلى السياق.
هذا بعد مقابلة النُّسْخَة المُشَار إليها بالمطبوعات الثلاث الأُوَل مُقَابَلةً كاملةً.
* ثانيًا: الحذف:
١ - حُذِف من هذا المُخْتَصَر الروايات الضعيفة، سواء كانت مرفوعة أم غير ذلك، وكذا ما قد يُبْنَى عليها من الأحكام أو الآداب.
стр. 7
٢ - حَذْف الروايات المُكَرَّرَة، والعبارات التي لا يَحتَاج إليها القارئ، مثل عبارة: «قال محمد بن الحسين» في بعض المواضع.
٣ - حَذْف الأسانيد.
٤ - وَضْع علامة تدل على الحذف في كل موضع وقع فيه حذف، وهي ثلاث نقط ( ... ).
* ثالثًا: التخريج والعزو:
١ - إذا كان الحديث مُخَرَّجًا في الصحيحين أو أحدهما فإنه يُكْتَفَى بذلك، وإلا فمن بقية الكتب الستة، فإن لم يكن في شيء منها فمن بقية الكتب التسعة، فإن لم يكن في شيء منها: فمن المصادر الأخرى.
٢ - تم تخريج الآثار في الهامش، وأما الآيات فكان عَزْوُها بعد الآية مباشرة في صُلْب الكتاب، بين معقوفين [] تقليلًا للهوامش.
٣ - تم نقل أحكام العلماء على الرواية أو الإسناد مع التخريج ما أمكن.
* رابعًا: عبارات المؤلف:
أُثْبِتَت عبارة المؤلف من غير تَصَرُّف، سوى الحذف
стр. 8
المُشَار إليه، ومن ثم فإن ما تقرؤه في هذا المُخْتَصَر فإنه بحروفه من كلام الآجُرِّي.
* خامسًا: مقابلة النسخ:
قام بِمُقابَلَة النُّسَخ الأستاذة مرام الدايل، وقد شَارَكَتْها في بعض مراحل العمل الأستاذة أمل الدويش.
وأما التخريج فقد شَارَكَها في ذلك الشيخ حسين القحطاني.
وإنما كان عملي في هذا المُخْتَصَر: الإشراف، وتحديد مواضع الحذف، واختيار النسخة الأجود تحقيقًا بعد المُقَارنة المُشار إليها، وكذا اختيار اللفظة الأقرب - في نظري - في بعض المواضع التي اختلفت فيها النسختان (١، ٢)، مع مراجعة مَتْن هذا المختصر, وحواشيه وما في ضِمْنِها من التخريج والعزو.
هذا وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل، وأن ينفع به كل من بذل فيه، أو طالعه، إنه سميع مجيب.
وكتبه: خالد بن عثمان السبت
ليلة الأحد، الخامس عشر من رمضان من عام ١٤٣٥ هـ
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَالَ أبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الآجُرِّيُّ ﵀:
أَحَقُّ مَا أَسْتَفْتِحُ بِهِ الْكَلامَ، الْحَمْدُ لِمَوْلانَا الْكَرِيْمِ، وَأَفْضَلُ الْحَمْدِ مَا حَمِدَ بِهِ الْكَرِيْمُ نَفْسَهُ، فَنَحْنُ نَحْمَدُهُ بِهِ:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) ﴾ [الكهف].
و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) ﴾ [سبأ].
أَحْمَدُهُ على تواتر إحسانه وقديم نِعَمِه، حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مولاه الْكَرِيْمَ عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عَظِيمًا. وَأَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَالشُّكْرَ عَلَى مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، إنَّهُ ﴿ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) ﴾ [آل عمران].
стр. 10
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَنَبِيِّهِ، وَأَمِينِهِ عَلَى وَحْيِهِ وَعِبَادِهِ، صَلاةً تَكُونُ لَهُ رِضًا، وَلَنَا بِهَا مَغْفِرَةً، وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّم كَثِيرًا طَيِّبًا.
أما بعد:
فَإِنِّي قَائِلٌ - وباللهِ أَثِقُ لِتَوفِيقِ الصَّوَابِ مِنَ القَولِ والعَمَل, ولَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ -:
أَنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، وَأَعْلَمَهُ فَضْلَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَ خَلْقَهَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ: أَنَّ الْقُرْآنَ عِصْمَةٌ لِمَنْ اعْتَصَمَ بِهِ، وهُدًى لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ، وغِنًى لِمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ، وَحِرْزٌ مِنَ النَّارِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَنُورٌ لِمَنِ اسْتَنَارَ بِهِ، وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَهُدَى وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ.
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ الكريم خَلْقَهُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ فَيُحِلُّوا حَلالَه، وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَيُؤْمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَيَعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ، ويقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى تِلاوَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ: النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ، وَالدُّخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ.
ثُمَّ نَدَبَ خَلْقَهَ - إِذَا هُمْ تَلَوْا كِتَابَهُ - أَنْ يَتَدَبَّرُوهُ، وَيَتَفَكَّرُوا
стр. 11
فِيهِ بِقُلُوبِهِمْ، وَإِذَا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَحْسَنُوا اسْتِمَاعَهُ. ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ، فَلَهُ الْحَمْدُ.
ثُمَّ أَعْلَمَ خَلْقَهَ: أَنْ مَنْ تَلا الْقُرْآنَ، وَأَرَادَ بِهِ مُتَاجَرَةَ مَوْلاهُ الْكَرِيْم، فَأَنَّهُ يُرْبِحُهُ الرِّبْحَ الِّذِي لا بَعْدَهُ رِبْحٌ، وَيُعَرِّفُهُ بَرَكَةَ الْمُتَاجَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ وَمَا سَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ بَيَانُهُ فَي كِتَابِ اللهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمِنْ قَوْلِ صَحَابَتِهِ ﵃، وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَني ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، واللهُ الْمُوَفِّقُ في ذَلِكَ.
قَالَ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) ﴾ [فاطر].
وقَالَ : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) ﴾ [الإسراء].
وقَالَ : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
стр. 12
لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢) ﴾ [الإسراء].
وقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) ﴾ [يونس].
وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) ﴾ [النساء].
وقال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) ﴾ [آل عمران].
وَحَبْلُ اللهِ هُوَ الْقُرْآنُ.
وَقَالَ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣) ﴾ [الزمر].
стр. 13
وقال : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩) ﴾ [ص].
وقال : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) ﴾ [طه].
ثُمَّ إنَّ اللهَ تعالى وَعَدَ لِمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى كَلامِهِ، فَأَحْسَنَ الأَدَبَ عِنْدَ اسْتِمَاعِهِ بِالاعْتِبَارِ الْجَمِيلِ وَلُزُومِ الْوَاجِبِ لاتِّبَاعِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ أَنْ يُبَشِّرَهُ مِنْهُ بِكِلِّ خَيْرٍ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلَ الثَّوابِ, فقال : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨) ﴾ [الزمر] ...
فكلُّ كَلامِ ربِّنا حَسَنٌ لِمَنْ تَلاهُ، وَلِمَنِ اسْتَمَعَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هَذَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - صِفَةُ قَوْمٍ إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ يَتَّبِعُونَ مِنَ الْقُرْآنِ أَحْسَنَ مَا يَتَقَرَّبُونَ به إِلَى اللهِ ، مِمَّا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ مَوْلاهُمُ الْكَرِيْمُ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ رِضَاهُ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، سَمِعُوا اللَّهَ قَالَ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) ﴾ [الأعراف]، فَكَانَ حُسْنُ اسْتِمَاعِهِمْ يَبْعَثُهُمْ عَلَى التَّذَكُّرِ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَسَمِعُوا اللهَ قال: ﴿فَذَكِّرْ
стр. 14
بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) ﴾ [ق].
وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ عَنِ الْجِنِّ في حُسْنِ اسْتِمَاعِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وَاسْتِجَابَتِهِمْ لِمَا نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَوَعَظُوهُمْ بِمَا سَمِعُوا مِنْ الْقُرْآنِ بِأَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَوْعِظَةِ.
قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) ﴾ [الجن].
وقَالَ : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) ﴾ [الأحقاف] ...
وَقَدْ قَالَ اللهُ فِي سُورَةِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) ﴾ [ق] مَا دَلَّنَا عَلَى عظيم مَا خَلَقَ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَجَائِبِ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَوْتَ وَعَظيمَ شَأْنه، ثم ذَكَرَ النَّارَ وَعَظيمَ شَأْنها.
стр. 15
ثم ذَكَرَ الجنَّة وما أَعَدَّ فِيهَا لأَوْلِيَائِهِ، فَقَالَ : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) ﴾ [ق] ...
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) ﴾ [ق].
فَأَخْبَرَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - أَنَّ الْمُسْتَمِعَ بِأُذُنَيْهِ يَنْبَغِي له أَنْ يَكُونَ مشَاهِدًا بِقَلْبِهِ مَا يَتْلُو، وَما يسمع؛ لِيَنْتَفِعَ بِتِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وبِالاسْتِمَاعِ مِمَّنْ يَتْلُوهُ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ حَثَّ خَلْقَهُ عَلَى أَنْ يَتَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ، فَقَالَ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) ﴾ [محمد].
وقَالَ : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) ﴾ [النساء] ...
أَلا تَرَوْنَ - رَحِمَكُمُ اللهُ - إِلَى مَوْلاكُم الْكَرِيْم؛ كَيْفَ يَحُثُّ خَلْقَهَ عَلَى أَنْ يَتَدَبَّرُوا كَلامَهُ، وَمَنْ تَدَبَّرَ كَلامَهُ عَرَفَ الرَّبَّ ، وَعَرَفَ عَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَعَرَفَ عَظِيمَ تَفَضُّلِهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ، وَعَرَفَ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ عِبَادَتِهِ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ، فَحَذِرَ مِمَّا حَذَّرَهُ مَوْلاهُ الْكَرِيْمُ، وَرَغِبَ فِيمَا رَغَّبَهُ فيه.
стр. 16
وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ عِنْدَ تِلاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ، وَعِنْدَ اسْتِمَاعِهِ مِنْ غَيْرِهِ، كَانَ الْقُرْآنُ لَهُ شِفَاءً، فَاسْتَغْنَى بِلا مَالٍ، وَعَزَّ بِلا عَشِيرَةٍ، وأَنِسَ بِمَا يَسْتَوحِشُ مِنْهُ غَيْرُهُ، وَكَانَ هَمُّهُ عِنْدَ تِلاوَةِ السُّورَةِ إِذَا افْتَتَحَهَا: مَتَى أَتَّعِظُ بِمَا أَتْلُو؟ وَلَمْ يَكُنْ مُرَادُهُ: مَتى أَخْتِمُ السُّورَةَ؟ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ: مَتى أَعْقِلُ عَنِ اللهِ الْخِطَابَ؟ مَتى أَزْدَجِرُ؟ مَتى أَعْتَبِرُ؟ لأَنَّ تِلاوَتَهُ لِلْقُرْآنِ عبادة, والعبادة لا تَكُونُ بِغَفْلَةٍ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ.
عَنِ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: «لا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقْل (١) ، وَلا تَهُذُّوهُ هَذَّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ، وَلا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ» (٢) ...
عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، قَالَ: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ» (٣) . الحواشي
(١) الدَّقْل: رديء التمر ويابسه. ينظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ١٢٧) , م: (دقل).(٢) وإسناده ضعيف, لكنه صحيح بمجموع طرقه كما سيأتي.
أخرجه البغوي في معالم التنزيل (٤/ ٤٩٠ - ٤٩١) من طريق المصنف به.
للتوسع في الكلام على طرقه وأسانيده يُرَاجع: تعليق د. سعد آل حميد على تفسير سعيد بن منصور (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٧).(٣) إسناده صحيح.
أخرجه سعيد بن منصور في التفسير(٢١١) , وابن جرير (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٨) كلهم عن مجاهد.стр. 17
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَقَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ أَخْلاقَ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَمَا يَنْبَغِي لهم أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِهِ؛ أَذْكُرُ فَضْلَ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، لِيَرْغَبُوا فِي تِلاوَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالتَّواضُعَ لِمَنْ تَعَلَّمُوا مِنْهُ أَوْ عَلَّمُوهُ.
* * *
стр. 18
بَابُ: فَضْلِ حَمَلَةِ القُرْآنِ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «للهِ مِنَ النَّاسِ أَهْلُونَ»، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ! قَالَ: «أَهْلُ الْقُرْآنِ، هُمْ أَهْلُ اللهِ، وَخَاصَّتُهُ» (١) ...
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» (٢) ...
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، واتْلُوهُ، فَإِنَّكُمْ تُؤْجَرُونَ بِهِ، إِنَّ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْهُ عَشْرًا، أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ بِـ ﴿الم] عَشْرٌ، وَلَكَنْ بِالأَلف عَشْرٌ، وَبِاللام عَشْرٌ، وَبِالْمِيمِ الحواشي
(١) أخرجه ابن ماجه(٢١٥) .
وصححه الحاكم (١/ ٥٥٦) , والمنذري في الترغيب (٢/ ٣٥٤) , والبوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٩١) , وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٦٨٤) , والألباني في الضعيفة (٤/ ٨٤ - ٨٥).(٢) أخرجه الترمذي(٢٩١٤) , وأبو داود(١٤٦٤) .
وصححه الترمذي وابن حبان(٧٦٦) , والحاكم (١/ ٥٥٢ - ٥٥٣) , والذهبي, والألباني في الصحيحة(٢٢٤٠) .стр. 19
الحواشي
(١) إسناده صحيح, فيه عطاء بن السائب اختلط, وحماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط على قول الجمهور كما في الكواكب النيرات (ص ٣٢٥ - ٣٢٦).
ومع ذلك فقد توبع: تابعه سفيان وشعبة وحماد بن زيد
أخرجه الدارمي(٣٣٥١) , والطبراني (٩/رقم ٨٦٤٨, ٨٦٤٩) , وجميعهم ممن سمع عطاء قبل الاختلاط, فهذا دليل أن عطاء حفظه.
وصححه الألباني في الصحيحة(٦٦٠) .стр. 20
بابُ: فَضْلِ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعلَّمَه
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ شُعْبَةَ: قُلْتُ لَهُ (١) : عَنْ النَّبيِّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ - قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَعَلَّمَهُ».
قَالَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (٢) : فَذَلِكَ الذي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا.
فَكَانَ يُعَلِّمُ مِنْ خِلافَةِ عُثْمَانَ إِلَى إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ (٣) ...
عن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يقول: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّة (٤) فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى بُطْحَانَ (٥) أو (٦) الحواشي
(١) شُعْبَة بن الحَجَّاج أَحَدُ رواته, وشيخه في هذا الإسناد هو عَلْقَمة بن مَرْثَد.(٢) هو السلمي.(٣) أخرجه البخاري(٥٠٢٧) . قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٦): «بين أول خلافة عثمان وآخر ولاية الحَجَّاج: اثنتان وسبعون سنة إلا ثلاثة أشهر. وبين آخر خلافة عثمان وأول ولاية الحَجَّاج العراق: ثمان وثلاثون سنة إلا ثلاثة أشهر, ولم أقف على تعيين ابتداء إقراء أبي عبدالرَّحمن وآخره. فالله أعلم بمقدار ذلك» اهـ.(٤) مَوْضِع مُظلَّلٌ كان في مُؤَخَّر مَسْجد المدينة, أُعِد لنزول الغرباء فيه؛ من لا مأوى له ولا أهل. انظر: شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٣٦٩) , وعون المعبود (٤/ ٢٣١).(٥) اسم واد بالمدينة, سُمِّي بذلك لسعته وانبساطه, من البَطْح؛ وهو البَسْط. عون المعبود (٤/ ٢٣١).(٦) الظاهر أن (أو) للتنويع، لكن في جامع الأصول: (أو قال إلى العقيق) , فدَلَّ على أنه شك من الراوي. مرقاة المفاتيح (٤/ ١٤٥٣).стр. 21
الْعَقِيقِ (١) ، فَيَأْتِيَ كُلَّ يَوْمٍ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ (٢) زَهْرَاوَيْنِ (٣) ، فَيَأْخُذَهُمَا فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلا قَطْعِ رَحِمٍ؟ »، قَالَ: قُلْنَا: كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللهِ يُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: «فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلاثٌ خَيْرٌ له مِنْ ثَلاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ له مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ» (٤) .
* * * الحواشي
(١) وادٍ على بعد ثلاثة أميال، وقيل: على ميلين من المدينة, وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة. انظر: المصدر السابق.(٢) العظيمة السَّنَام. شرح سنن أبي داود للعيني (٥/ ٣٦٩).(٣) أي: سمينتين مائلتين إلى البياض. عون المعبود شرح سنن أبي داود (٤/ ٢٣١).(٤) أخرجه مسلم(٨٠٣) .стр. 22
بابُ: فضْلِ الاجتماعِ في المَسَاجِدِ لِدَرْسِ القُرْآنِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْ بِهِمُ الْمَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (١) .
عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضلُ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَمَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ ، يَتَدَارَسُونَ فِيهِ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَعَاطَوْنَهُ بَيْنَهُمْ، إِلا أَظَلَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَكَانُوا أَضْيَافَ اللَّهِ تعالى مَا دَامُوا فِيهِ، حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (٢) .
* * * الحواشي
(١) أخرجه مسلم(٢٦٩٩) .(٢) إسناده صحيح.
أخرجه الدارمي(٣٦٨) , وقد روي مرفوعًا, والموقوف أصح كما في جامع العلوم والحكم (ص ٦٤٧) , راجع: التعليق على تفسير سعيد بن منصور(١٧٠٧) .стр. 23
بابُ: ذِكرِ أخلاقِ أَهْلِ القُرْآنِ
يَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ وَفَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يحمِّله كِتَابَهُ، وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَأَهْلِ اللهِ وَخَاصَّتِهِ، وَمِمَّنْ وَعَدَهُ اللهُ مِنَ الْفَضْلِ الْعَظِيمِ؛ ممَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ, وممن قال اللَّهُ : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]- قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ -، وَممن قال النَّبيُّ ﷺ : «الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ, وَالَّذِي يقرؤه وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ له أَجْرَانِ» (١) ...
فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعًا لِقَلْبِهِ، يَعْمُرُ بِهِ مَا خَرِبَ مِنْ قَلْبِهِ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْقُرْآنِ, وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلاقٍ شَرِيفَةٍ، يَبِيْنُ بها عَنْ سَائِرِ النَّاسِ مِمَّنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ: تَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِ وَالْعَلانِيَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْوَرَعِ فِي مَطْعَمِهِ، وَمَشْرَبِهِ، وَمَلْبَسِهِ, وَمَكْسَبِه، وَيَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ، فَهُوَ يَحْذَرُهُمْ عَلَى دِيْنِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ, مَهْمُومًا بِإِصَلاحِ مَا فَسَدَ مِنْ الحواشي
(١) أخرجه البخاري(٤٩٣٧) , ومسلم(٧٩٨) من حديث عائشة ﵂.стр. 24
أَمْرِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، مُمَيِّزًا لِكَلامِهِ؛ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ إِذَا رَأَى الْكَلامَ صَوَابًا، وَإن سَكَتَ سَكَتَ بِعِلْمٍ إِذَا كَانَ السُّكُوتُ صَوَابًا، قَلِيلَ الْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، يَخَافُ مِنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَخَافُ مِنْ عَدُوهِ، يَحْبِسُ لِسَانَهُ كَحَبْسِهِ لِعَدُوِّهِ، لِيَأْمَنَ شَرَّهُ وَسُوء عَاقِبَتِهِ.
قَلِيلَ الضَّحِكِ فِيمَا يَضْحَكُ فيه النَّاسُ؛ لِسُوءِ عَاقِبَةِ الضَّحِكِ، إِنْ سُرَّ بِشَيءٍ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَقَّ تَبَسَّمَ، يَكْرَهُ الْمُزَاحَ خَوْفًا مِنْ اللَّعِبِ، فَإِنْ مَزَحَ قَالَ حَقًّا، بَاسِطَ الْوَجْهِ، طَيِّب الْكَلامِ.
لا يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ فَكَيْفَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ؟ يَحْذَرُ مِنْ نَفْسه أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى مَا تَهْوَى مِمَّا يُسْخِطُ مَوْلاهُ. ولا يَغْتَابُ أَحَدًا، وَلا يَحْقِرُ أَحَدًا، ولا يَسُبُّ أَحَدًا, وَلا يَشْمَتُ بِمُصِيبَةٍ، وَلا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ، وَلا يَحْسُدُهُ، وَلا يُسِيءُ الظَّنَّ بِأَحَدٍ إِلا بِمَنْ يَسْتَحِقُّ، يَحْسُدُ (١) بِعِلْمٍ، وَيَظُنُّ بِعِلْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِمَا فِي الإِنْسَانِ مِنْ عَيْبٍ بِعِلْمٍ، وَيَسْكُتُ عَنْ حَقِيقِةِ مَا فِيهِ بِعِلْمٍ.
قَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَالْفِقَهَ دَلِيله إِلَى كُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ стр. 25
جَمِيلٍ، حَافِظًا (١) لِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ، إِنْ مَشى مَشى بِعِلْمٍ، وَإِنْ قَعَدَ قَعَدَ بِعِلْمٍ، يَجْتَهِدُ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ. ولا يَجْهَلُ، وإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، ولا يَظْلِمُ، وإِنْ ظُلِمَ عَفَا، ولا يَبْغِي على أحد، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ، يَكْظِمُ غَيْظَهُ لِيُرْضِيَ رَبَّهُ، وَيَغِيظَ عَدُوَّهُ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ، إِذَا قِيلَ لَهُ الْحَق قَبِلَهُ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ.
يَطْلُبُ الرِّفْعَةَ مِنَ اللهِ لا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، مَاقِتٌ لِلْكِبْرِ، خَائِفًا (٢) عَلَى نفْسِهِ مِنْهُ، لا يَتأكَّلُ بِالْقُرْآنِ، وَلا يُحِبُّ أَنْ تُقْضَى لَهُ بِهِ الْحَوَائِج، وَلا يَسْعَى بِهِ إِلَى أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَلا يُجَالِسُ بِهِ الأغْنِيَاءَ لِيُكْرِمُوهُ.
إِنْ كَسِبَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا الْكَثِيرَ بِلا فِقْهٍ وَلا بَصِيرَةٍ، كَسِبَ هُوَ الْقَلِيلَ بِفِقْهٍ وَعِلْمٍ، إِنْ لَبِسَ النَّاسُ اللَّيِّنَ الْفَاخِرَ، لَبِسَ هُوَ الحواشي
(١) هكذا في جميع النسخ. وله وجه صحيح في اللغة.(٢) هكذا في عامة النسخ. وله وجه صحيح في اللغة.
ولهما في الموضعين محامل صحيحة، منها: أن يقال بأن الرفع في هاتين اللفظتين على تعدد الخبر. كما أن النصب صحيح على أنها حال من الضمير المستتر في الخبر المرفوع قبلها؛ وذلك لأن في الخبر المشتق ضميرًا مستترًا تقديره (هو)، وهذه اللفظة المنصوبة حال من هذا الضمير المستتر في الخبر المتقدم.стр. 26
مِنْ الْحَلالِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، إِنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ وَسَّعَ، وَإِنْ أُمْسِكَ عليه أَمْسَكَ، يَقْنَعُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِيهِ، وَيَحْذَرُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُطْغِيهِ.
يَتَّبِعُ وَاجِبَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِعِلْمٍ، وَيَشْرَبُ بِعِلْمٍ، وَيَلْبَسُ بِعِلْمٍ, وَيَنَامُ بِعِلْمٍ، وَيُجَامِعُ أَهْلَهُ بِعِلْمٍ, وَيَصْحَبُ الإِخْوَانَ بِعِلْمٍ، يَزُورُهُمْ بِعِلْمٍ، وَيَسْتَأذِنُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ، يُجَاوِرُ جَارَهُ بِعِلْمٍ.
ويُلْزِمُ نَفْسَهُ بِرَّ وَالِدَيْهُ، فَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَهُ، وَيَخْفِضُ لِصَوْتِهِمَا صَوْتَهُ، وَيَبْذُلُ لَهُمَا مَالَهُ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا بِعَيْنِ الْوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ، يَدْعُو لَهُمَا بِالْبَقَاءِ، وَيَشْكُرُ لَهُمَا عِنْدَ الْكِبَرِ، لا يَضْجَرُ بِهِمَا، وَلا يحقرهما، إِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى طَاعَةٍ أَعَانَهُمَا، وَإِنْ اسْتَعَانَا بِهِ عَلَى مَعْصِيةٍ لَمْ يُعِنْهُمَا، وَرَفَقَ بِهِمَا فِي مَعْصِيتِهِ إِيَّاهُمَا، يُحْسِنُ الأَدَبَ لِيَرْجِعَا عَنْ قَبِيحِ مَا أَرَادَا مِمَّا لا يَحْسُنُ بِهِمَا فِعْلُهُ.
يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَكْرَهُ الْقَطِيعَةَ، مَنْ قَطَعَهُ لَمْ يَقْطَعْهُ، مَنْ عَصَى اللهَ فِيهِ أَطَاعَ اللهَ فِيهِ.
يَصْحَبُ الْمُؤْمِنِينَ بِعِلْمٍ، وَيُجَالِسُهُمْ بِعِلْمٍ، مَنْ صَحِبَهُ
стр. 27
نَفَعَهُ، حَسَنُ الْمُجَالَسَةِ لِمَنِ جَالَسَ، إِنْ عَلَّمَ غَيْرَهُ رَفَقَ بِهِ، لا يُعَنِّفُ مَنْ أَخْطَأَ وَلا يُخْجِلُهُ، رَفَيقٌ فِى أُمُورِهِ، صَبُورٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْخَيْرِ، يَأْنَسُ بِهِ الْمُتَعَلِّمُ، وَيَفْرَحُ بِهِ الْمُجَالِسُ، مُجَالَسَتُهُ تُفِيدُ خَيْرًا، مُؤَدِّبٌ لِمَنْ جَالَسَهُ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
إِنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ لَهُ مُؤَدِّبَانِ، يَحْزَنُ بِعِلْمٍ، وَيَبْكِي بِعِلْمٍ، وَيَصْبِرُ بِعِلْمٍ، وَيَتَطَّهَرُ بِعِلْمٍ، وَيُصَلي بِعِلْمٍ، وَيُزَكِّي بِعِلْمٍ، وَيَتَصَدَّقُ بِعِلْمٍ، وَيَصُومُ بِعِلْمٍ, وَيَحُجُّ بِعِلْم، وَيُجَاهِدُ بِعِلْمٍ، وَيَكْتَسِبُ بِعِلْمٍ، وَيُنْفِقُ بِعِلْمٍ، ويَنْبَسِطُ فِي الأُمُورِ بِعِلْمٍ، وَيَنْقَبِضُ عَنْهَا بِعِلْمٍ.
قَدْ أدَّبَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ, يَتَصَفَّحُ الْقُرْآنَ لِيُؤَدِّبَ بِهِ نَفْسَهُ، ولا يَرَضَى مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ بِجَهْلٍ، قَدْ جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ دَلِيلَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ.
إِذَا دَرَسَ الْقُرْآنَ فَبِحُضُورِ فَهْمٍ وَعَقْلٍ، هِمَّتُهُ إِيقَاعُ الْفَهْمِ لِمَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنِ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ، وَالانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتى أَخْتِمُ السُّورَةَ؟ هِمَّتُهُ: مَتى أسْتَغْنِي بِاللهِ عَنْ غَيْرِهِ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْمُتَقِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْمُحْسِنِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْخَاشِعِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ
стр. 28
الصَّابِرِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الصَّادِقِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الْخَائِفِينَ؟ مَتى أَكُونُ مِنَ الرَّاجِينَ؟ مَتى أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا؟ مَتى أَرْغَبُ فِي الآخِرَةِ؟ مَتى أَتُوبُ مِنْ الذُّنُوبِ؟ مَتى أَعْرِفُ قدر النِّعَمَ الْمُتَوَاتِرَةِ؟ مَتى أشكر عَلَيْهَا؟ مَتى أَعْقِلُ عَنِ اللهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ الْخِطَابَ؟ مَتى أَفْقَهُ مَا أَتْلُو؟ مَتى أَغْلِبُ نَفْسِي على هواها؟ مَتى أُجَاهِدُ فِي اللهِ حَقَّ الْجِهَادِ؟ مَتى أَحْفَظُ لِسَانِي؟ مَتى أَغُضُّ طَرْفِي؟ مَتى أَحْفَظُ فَرْجِي؟ مَتى اسْتَحِيى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؟ مَتى أشْتَغِلُ بِعَيْبِي؟ مَتى أُصْلِحُ مَا فَسَدَ مِنْ أَمْرِي؟ مَتى أُحَاسِبُ نَفْسِي؟ مَتى أَتَزَوَّدُ لِيَوْمِ مَعَادِي؟ مَتى أَكُونُ عَنِ اللهِ رَاضَيًا؟ مَتى أَكُونُ بِاللهِ وِاثِقًا؟ مَتى أَكُونُ بِزَجْرِ الْقُرْآنِ مُتَّعِظًا؟ مَتى أَكُونُ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ مُشْتَغِلًا؟ مَتى أُحِبُّ مَا أَحَبَّ؟ مَتى أُبْغضُ مَا أَبْغَضَ؟ مَتى أنْصَحُ للهِ؟ مَتى أُخْلِصُ لَهُ عَمَلِي؟ مَتى أُقَصِّرُ أَمَلِي؟ مَتى أَتَأَهَّبُ لِيَوْمِ مَوْتِي وَقَدْ غُيِّبَ عَنِي أَجَلِي؟ مَتى أُعَمِّرُ قَبْرِي؟ مَتى أُفَكِّرُ فِي الْمَوْقِفِ وَشِدتِهِ؟ مَتى أُفَكِّرُ فِي خلْوَتِي مَعَ رَبِّي؟ مَتى أُفَكِّرُ فِي الْمُنْقَلَبِ؟ مَتى أَحْذَرُ ما حَذَّرَنِي مِنْهُ رَبِّي؟ مِنْ نَارٍ حَرُّهَا شَدِيدٌ, وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ, وَغَمُّهَا طَوِيلٌ، لا يَمُوتُ أَهْلُهَا فَيَسْتَرِيْحُوا، وَلا تُقَالُ عَثْرَتُهُمْ، وَلا تُرْحَمُ عَبْرَتُهُمْ،
стр. 29
طَعَامُهُمْ الزَّقُومُ، وَشَرَابُهُمُ الْحَمِيمُ، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، نَدِمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمْ النَّدَمُ، وَعَضُّوا عَلَى الأَيْدِي أَسَفًا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ فِي طَاعَةِ اللهِ ، وَرُكُوبِهِمْ لِمَعَاصِي اللهِ تعالَى، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) ﴾ [الفجر]، وَقَالَ قائل: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون] , وَقَالَ قائل: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وَقَالَ قَائِلٌ: ﴿يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) ﴾ [الفرقان]، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ، وَوُجُوهُهُمْ تَتَقَلَّبُ فِي أنواع مِنَ العذاب: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) ﴾ [الأحزاب: ٦٦].
فَهَذِهِ النَّارُ - يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ - حَذَّرَهَا اللهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، رَحْمَةً مِنْهُ لِلمُؤمِنِينَ:
فَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) ﴾ [التحريم] ...
وَقَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) ﴾ [الحشر].
стр. 30
ثُمَّ حَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغْفَلُوا عَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمْ وَمَا عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ ألَّا يُضَيِّعُوهُ، وَأَنْ يَحْفَظُوا مَا اسْتَرْعَاهُمْ مِنْ حُدُودِه، وَلا يَكُونُوا كَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَسَقَ عَنْ أَمْرِهِ، فَعَذَّبَهم بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ.
فقَالَ : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) ﴾ [الحشر].
ثُمَّ أَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ.
فَقَالَ : ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) ﴾ [الحشر].
فَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ إِذَا تَلا الْقُرْآنَ اسْتَعَرَضَ القُرْآنَ، فَكَانَ كَالْمِرَآةِ يَرَى بِهَا مَا حَسُنَ مِنْ فِعْلِهِ، وَمَا قَبُحَ منه، فَمَا حَذَّرَهُ مَوْلاهُ حَذِرَهُ، وَمَا خَوَّفَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِهِ خَافَهُ، وَمَا رَغَّبَهُ فِيهِ مَوْلاهُ رَغِبَ فِيهِ وَرَجَاهُ. فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ مَا قَارَبَ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَدْ تَلاهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، وَرَعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ، وَكَانَ لَهُ الْقُرْآنُ شَاهِدًا، وَشَفِيعًا، وَأَنِيسًا، وَحِرْزًا، وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ نَفَعَ نَفْسَهُ، وَنَفَعَ أَهْلَهُ، وَعَادَ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَعَلَى وَلَدِهِ كُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ...
стр. 31
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الرَّجُلِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ (١) ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي أَظْمَأْتُ نَهَارَكَ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ» (٢) .
عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ إِنْ بَقِيتَ، فَسَيُقْرَأُ الْقُرْآنُ عَلَى ثَلاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ للهِ تَعَالَى، وَصِنْفٌ لِلدُّنْيَا، وَصِنْفٌ لِلْجَدَلِ، فَمَنْ طَلَبَ بِهِ أَدْرَك» (٣) .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: قَدْ ذَكَرْتُ أَخْلاقَ الصِّنْفِ الَّذِينَ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ يُرِيدُونَ اللهَ بِقِرَاءَتِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُ الصِّنْفَيْنِ اللَّذَينِ يُرِيدَانِ بِقِرَاءَتِهِمَا الدُّنْيَا وَالْجَدَلَ، وَأَصِفُ أَخْلاقَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَهَا مَنِ اتَّقَى اللهَ جَلَّتْ عَظَمَتُه، فَيَحْذَرَهَا - إِنْ شَاءَ اللهُ -. الحواشي
(١) الشاحب: المتغير اللون والجسم لعارض من سفر أو مرض ونحوهما. النهاية لابن الأثير (٢/ ٤٤٨) , م: (شحب).(٢) أخرجه ابن ماجه(٣٧٨١) .
وحسنه البغوي في شرح السنة(١١٩٠) , وابن كثير في تفسيره (١/ ١٥٢) , وابن حجر في المطالب(٣٤٧٨) , والألباني في الصحيحة(٢٨٢٩) .
وصححه القرطبي في التذكرة (٢/ ٧٨٨) , والسيوطي في اللآلي (١/ ٢٤٤). وفي الباب عن أبي هريرة ﵁.(٣) إسناده قوي.
أخرجه الدارمي(٣٣٧٢) .стр. 32
بابُ: أَخْلاقِ منْ قَرَأَ القُرْآنَ لا يُريدُ به اللَّهَ
فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لِلدُّنْيَا وَلأَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ مِنْ أَخْلاقِهِ: أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِحُرُوفِ الْقُرْآنِ، مُضَيِّعًا لِحُدُودِهِ، مُتَعَظِّمًا فِي نَفْسِهِ، مُتَكَبِّرًا عَلَى غَيْرِهِ. قَدْ اتَّخَذَ الْقُرْآنَ بِضَاعَةً يَتَأَكَّلُ بِهِ الأَغْنِيَاءَ، وَيَسْتَقْضِي بِهِ الْحَوَائِجَ، يُعَظِّمُ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا، وَيُحَقِّرُ الْفُقَرَاءَ، إِنْ عَلَّمَ الْغَنِيَ رَفَقَ بِهِ طَمْعًا فِي دُنْيَاهُ، وَإِنْ عَلَّمَ الْفَقِيرَ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ؛ لأَنَّهُ لا دُنْيَا لَهُ يَطْمَعُ فِيهَا، يستخدم بِهِ الْفُقَرَاءَ، وَيَتِيهُ بِهِ عَلَى الأَغْنِيَاءِ، إِنْ كَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ لِلْمُلُوكِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ طَمعًا فِي دُنْيَاهُمْ، وَإِنْ سَأَلَهُ الْفُقَرَاءُ الصَّلاةَ بِهِمْ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِقِلَّةِ الدُّنْيَا فِي أَيْدِيهِمْ، إِنَّمَا طَلَبُهُ الدُّنْيَا حَيْثُ كَانَتْ رَبَضَ عِنْدَهَا.
يَفْخَرُ عَلَى النَّاسِ بِالْقُرْآن، وَيَحْتَجُّ عَلَى مَنْ دُونَهَ فِي الْحِفْظِ بِفَضْلِ مَا مَعَهُ مِنْ القراءات، وَزِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ بالغرائب من القراءات الَّتِي لَوْ عَقَلَ لَعَلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَقْرَأَ بِهَا (١) ، فَتَرَاهُ تَائِهًا مُتَكَبِّرًا، كَثِير الْكَلامِ بِغَيْرِ تَمْييزٍ، يَعِيبُ كُلَّ مَنْ لَمْ الحواشي
(١) لكونها لم تثبت عند أهل الشأن من القراء، أو ربما لغرابتها على أهل بلده.стр. 33
يَحْفَظْ كَحِفْظِهِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْفَظُ كَحِفْظِهِ طَلَبَ عَيْبَهُ.
مُتَكَبِّرًا فِي جِلْسَتِهِ، مُتَعَاظِمًا فِي تَعْلِيمِهِ لِغَيْرِهِ، لَيْسَ لِلْخُشُوعِ فِي قَلْبِهِ مَوْضِعٌ، كَثِير الضَّحِكِ وَالْخَوْضِ فِيمَا لا يَعْنِيهِ، يَشْتَغِلُ عَمَّنْ يَأْخُذُ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ مَنْ جَالَسَهُ، هُوَ إِلَى اسْتِمَاعِ حَدِيثِ جَلِيسِهِ أَصْغَى مِنْهِ إِلَى اسْتِمَاعِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِعَ لَهُ، يُرِي أَنَّه لِمَا يَسْتَمِعُ حافظ، فَهُوَ إِلَى كَلامِ النَّاسِ أَشْهَى مِنْهِ إِلَى كَلامِ الرَّبِّ .
لا يَخْشَعُ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ، وَلا يَبْكِي، وَلا يَحْزَنُ، وَلا يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْفِكْرِ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْهِ وَقَدْ نُدِبَ إِلَى ذَلِكَ, رَاغِبٌ فِي الدُّنْيَا، وَمَا قَرَّبَ مِنْهَا، لَهَا يَغْضَبُ وَيَرْضَى.
إِنْ قَصَّرَ رَجُلٌ فِي حَقِّهِ، قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ لا يُقَصَّرُ فِي حُقُوقِهِمْ، وَأَهْلُ الْقُرْآنِ تُقْضَى حَوَائِجُهُمْ! ! يَسْتَقْضِي مِنْ الناَّسِ حَقَّ نَفْسِهِ، وَلا يَسْتَقْضِي مِنْ نَفْسِهِ ما للهِ عَلَيْهَا.
يَغْضَبُ عَلَى غَيْرِهِ - زَعَمَ - للهِ، وَلا يَغْضَبُ عَلَى نَفْسِهِ للهِ، ولا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ مِنْ حَرَامٍ أوْ حَلالٍ، قَدْ عَظُمَتْ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ، إِنْ فَاتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ لا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ حَزِنَ عَلَى فَوْتِهِ. لا يَتَأَدَّبُ بَأَدَبِ الْقُرْآنِ، وَلا يَزْجُرُ نَفْسَهُ عَنْد الْوَعْدِ
стр. 34
وَالْوَعِيدِ. لاهٍ غَافِل عَمَّا يَتْلُو أَوْ يُتْلَى عَلَيْهِ.
هِمَّتُهُ حِفْظُ الْحُرُوفِ، إِنْ أَخْطَأَ فِي حَرْفٍ سَاءَهُ ذَلِكَ؛ لِئَلا يَنْقُصَ جَاهُهُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِينَ، فَتَنْقُصَ رُتْبَتُهُ عِنْدَهُمْ، فَتَرَاهُ مَحْزُونًا مَغْمُومًا بِذَلِكَ، وَمَا قَدْ ضَيَّعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تعالى مِمَّا أُمِرَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ نُهي عَنْهُ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِ.
أَخْلاقُهُ فِي كَثِيرِ مِنْ أُمُورِهِ أَخْلاقُ الْجُهَّالِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُوَن، لا يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، إِذْ سَمِعَ اللهَ قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ طَلَبَ الْعِلْمِ لِمَعْرِفَةِ مَا نَهَى عَنْهُ الرَّسُولُ ﷺ فَيَنْتَهِيَ عَنْهُ.
قَلِيلُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ ، كَثِيرُ النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا لِيُكْرِمُوهُ بِذَلِكَ، قَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلالِ وَالْحَرَامِ الَّذِي نَدَبَه اللهُ تعالى إَلَيْهِ ثُمَّ رسوله ﷺ ؛ لِيَأْخُذَ الْحَلالَ بِعِلْمٍ، وَيَتْرُكَ الْحَرَامَ بِعِلْمٍ، لا يَرْغَبُ فِي مَعْرِفَةِ عِلْمِ النِّعَمِ، وَلا فِي عِلْمِ شُكْرِ الْمُنْعِم.
تِلاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى كِبْرٍ فِي نَفْسِهِ، وَتَزَيُّنٍ عِنْدَ السَّامِعِينَ
стр. 35
مِنْهُ، لَيْسَ لَهُ خُشُوعٌ فَيَظْهَرُ عَلَى جَوَارِحِهِ، إِذَا دَرَسَ الْقُرْآنَ أَوْ دَرَسَهُ عَلَيْهُ غَيْره هِمَّتُهُ مَتى يَقْطَعُ، لَيْسَ هِمَّتُهُ مَتى يَفْهَمُ.
لا يعتبر عِنْدَ التِّلاوَةِ بضرب أَمْثَالِ الْقُرْآنِ، وَلا يَقِفُ عِنْدَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، يَأْخُذُ نَفْسَهُ بِرِضَا الْمُخْلُوقِينَ، وَلا يُبَالِي بِسَخَطِ رَبِّ الْعَالِمِينَ.
يُحِبُّ أَنْ يُعْرَفَ بِكَثْرِةِ الدَّرْسِ، وَيُظْهِرُ خَتْمَهُ لِلْقُرْآنِ لِيَحْظَى عِنْدَهُمْ، قَدْ فَتَنَهُ حُسْنُ ثَنَاءِ مَنْ جَهِلَهُ، يَفْرَحُ بِمِدْحِ الْبَاطِلِ، وَأَعْمَالُهُ أَعْمَالُ أَهْلِ الْجَهْل، يَتَّبِعُ هَوَاهُ فيما تحب نَفْسُهُ، غَيْرُ مُتَصَفِّحٍ لِمَا زَجَرَهُ الْقُرْآنُ عَنْهُ.
إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْرِئُ غَضِبَ عَلَى مَنْ قرأه عَلَى غَيْرِهِ، إِنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِالصَّلاحِ كَرِهَ ذَلِكَ، وَإِنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ بِمَكْرُوهٍ سَرَّهُ ذَلِكَ، يَسْخَرُ بِمَنْ دُونَهُ، ويَهْمِزُ مَنْ فَوْقَهُ، يَتَتَبَّعُ عُيُوبَ أَهْلِ الْقُرْآنِ لِيَضَعَ مِنْهُمْ وَيَرْفَعَ مِنْ نَفْسَه، يَتَمَنَّى أَنْ يُخْطِئَ غَيْرُهُ، وَيَكُونَ هُوَ الْمُصِيب.
وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، فَقَدَ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ مَوْلاهُ الْكَرِيْمِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ أن أَظْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ شِعَارَ الصَّالِحِينَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ ضَيَّعَ فِي الْبَاطِنِ مَا يَجِبُ للهِ، وَرَكِبَ مَا نَهَاهُ عَنْهُ
стр. 36
مَوْلاهُ الْكَرِيْم، كُلُّ ذَلِكَ بِحُبِّ الرئاسة، وَالَمَيْلِ إِلَى الدُّنْيَا. قَدْ فَتَنَهُ الْعُجْبُ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَالإِشَارَة إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ.
إِنْ مَرِضَ أَحَدُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْ مُلُوكهَا فَسَأَلَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ سَارَعَ إِلَيْهِ، وَسُرَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ مَرِضَ الْفَقِيرُ الْمَسْتُورُ فَسَألَهُ أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهِ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَتْلُوهُ بِلِسَانِهِ، وَقَدْ ضَيَّعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَحْكَامِهِ. أَخْلاقُهُ أَخْلاقُ الْجُهَّالِ: إِنْ أَكَلَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنْ شَرِبَ فَبِغَيْرِ عِلْمٍ, وإِنْ نَامَ فَبِغَيرِ عِلْمٍ, وَإِنْ لَبِس فَبِغَيْرِ عِلْمٍ, وَإِنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فَبِغَيرِ عِلْمٍ, وَإِنْ صَحِبَ أَقْوَامًا، أَوْ زَارَهُم، أَوْ سَلَّمَ عَلِيْهِم, أَوْ اسْتَأْذَنَ عَلِيْهِم؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَجْرِي بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْفَظُ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ مُطَالِبٌ لِنَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وإِنْ كَانَ لا يُؤْبَهُ لَهُ، وَلا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ.
فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ صَارَ فِتْنَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ؛ لأَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالأَخْلاقِ الَّتِي لا تَحْسُنُ بِمِثْلِهِ اقْتَدَى بِهِ الْجُهَّالُ، فَإِذَا عِيبَ عَلَى الْجَاهِلِ قَالَ: فُلانٌ الْحَامِلُ لِكِتَابِ اللهِ تعالى فَعَلَ هَذَا، فَنَحْنُ أَوْلَى أَنْ نَفْعَلَهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ
стр. 37
لِعَظِيمٍ، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ, وَلا عُذْرَ لَهُ إِلا أَنْ يَتُوبَ.
وَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى مَا بَيَّنْتُ مِنْ قَبِيحِ هَذِهِ الأَخْلاقِ نَصِيحَةً مِنِي لأَهْلِ الْقُرْآنِ، لِيَتَعَلَّقُوا بِالأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ، وَيَتَجَافَوا عَنِ الأَخْلاقِ الدَّنِيْئةِ، وَاللهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاهُمْ لِلرَّشَادِ.
وَاعْلَمُوا - رَحِمَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ - أَنِّي قَدْ رَوَيْتُ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارًا تَدُلُّ عَلَى مَا كَرِهْتُهُ لأَهْلِ الْقُرْآنِ، فَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا مَا حَضَرَنِي، لَيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا يَنْصَحُ نَفْسَه عِنْد تِلاوَتِهِ للْقُرْآنَ، فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الْوَاجِبَ، وَاللهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا حِينٌ، وَمَا نَرَى أَنَّ أَحَدًا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ يُرِيدُ بِهِ إِلَّا اللهَ تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ هَهُنَا بِأَخَرَةٍ، خَشِيتُ أَنَّ رِجَالًا يَتَعَلَّمُونَهُ يُرِيدُونَ بِهِ النَّاسَ وَمَا عِنْدَهُمْ، فَأَرِيدُوا اللهَ تَعَالَى بِقِرَاءتِكُم وَأَعْمَالِكُم، فَإِنَّا كُنَّا نَعْرِفُكُم إِذْ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَإِذْ يَنْزِلُ الْوَحْيُ، وَإِذْ يُنْبِئُنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، فَأَمَّا الْيَوْمَ، فَقَدْ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَإِنَّمَا أَعْرِفُكُم بِمَا أَقُولُ: مَنْ أَعْلَنَ خَيْرًا أَحْبَبْنَاهُ عَلَيْهِ، وَظَنَنَّا بِهِ خَيْرًا، وَمَنْ أَظْهَرَ شَرًّا أَبْغَضْنَاهُ عَلَيْهِ،
стр. 38
وَظَنَنَّا بِهِ شَرًّا، سَرَائِرُكُم فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ربكم » (١) .
فَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ خَافَ عَلَى قَوْمٍ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بميلهم إِلَى الدُّنْيَا؛ فَمَا ظنك بِهِمُ الْيَوْمَ؟ ! ...
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَقْتَرِئُ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ للَّهِ، كِتَابُ اللهِ وَاحِدٌ، وَفِيكُمْ الأَخْيَارُ، وَفِيكُمْ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ، اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، اقْرَؤُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِي أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَهُ، يُقِيمُونَ حُرُوفَهُ، كَمَا يُقَامُ السَّهْمُ، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِم، يَتَعَجَّلُونَ أَجْرَهُ، وَلا يَتَأَجَّلُونَهُ» (٢) ...
عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قَدْ قَرَأَهُ عَبِيدٌ وَصِبْيَانٌ، لا عِلْمَ لَهُمْ بِتَأْوِيلِهِ، وَلَمْ يَتَاَوَّلُوا الأَمْرَ مِنْ أَوَّلِهِ، قَالَ اللهُ : الحواشي
(١) أخرجه أحمد (١/ ٤١) , وقال ابن المديني - كما نقل ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٥٤٤) -: «إسناده بصري حَسَنٌ, لا نعلم في إسناده شيئًا نطعن فيه» , وصححه الحاكم (٤/ ٤٤٩) , وحسنه أحمد شاكر في التعليق على المسند(٢٨٦) . وأصله في البخاري(٢٦٤١) مختصرًا.(٢) أخرجه أبو داود(٨٣١) .
وصححه ابن حبان(٧٦٠) , والألباني في الصحيحة(٢٥٩) .
وفي الباب عن أنس وجابر وعمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري ﵃.стр. 39
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وَمَا تَدَبُّرُ آيَاتِهِ إِلَّا اتِّبَاعُهُ وَاللهُ يَعْلَمُ، أَمَا وَاللهِ مَا هُوَ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: قَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، فَمَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ حَرْفًا! وَقَدْ وَاللهِ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ، مَا يُرَى لَهُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقٍ وَلا عَمَلٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: إِنِّي لأَقْرَأُ السُّورَةَ فِي نَفَسٍ، وَاللهِ مَا هَؤلاءِ بِالْقُرَّاءِ، وَلا الْعُلَمَاءِ، وَلا الْحُكَمَاءِ، وَلا الْوَرَعَةِ، مَتى كَانَتِ الْقُرَّاءُ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا؟ لا كَثَّرَ اللهُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَؤلاءِ» (١) .
عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قَالَ: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ» (٢) ...
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: هَذِهِ الأَخْبَارُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا الحواشي
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد(٧٩٣) .
وإسناده لا بأس به في المتابعات, فيه يحيى بن المختار فيه جهالة كما في تهذيب الكمال (٣١/ ٥٣١) , وتهذيب التهذيب (١١/ ٢٧٨).
إلا أنه تُوبِع, فأخرجه عبد الرزاق في المُصَنَّف(٥٩٨٤) , وأبو عبيد في فضائل القرآن(٣٧١) , وسعيد بن منصور في التفسير(١٣٥) , من عدة طرق عن الحسن من قوله. راجع: التعليق على تفسير سعيد بن منصور ... (٢/ ٤٢٣ - ٤٢٦).(٢) تقدم تخريجه.стр. 40
تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ مِنْ أنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَخْلاقُهُمْ مُبَايِنَةً لأَخْلاقِ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ كَعِلْمِهِمْ. إِذَا نَزَلَتْ بِهِمُ الشَّدَائِدُ لَجَؤُوا إلَى اللهِ الْكَرِيْم فِيهَا، وَلَمْ يَلْجَؤوا فيها إلَى مَخْلُوقٍ، وَكَانَ اللهُ أَسْبَقَ إِلَى قُلُوبِهِمْ. قَدْ تَأَدَّبُوا بِأَدَبِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَهُمْ أَعْلامٌ يُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ خَاصَّةُ اللهِ وَأَهْلهُ، و ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) ﴾ [المجادلة].
عَنْ عَبْدِالصَّمَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْل بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَلَّا تكون لَهُ حَاجَة إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَه، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ».
قَالَ: وسَمِعْتُ الْفُضَيْلَ يَقُولُ: «حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسْلامِ ... لا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْغُو مَعَ مَنْ يَلْغُو، وَلا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلا يَلْهُو مَعَ مَنْ يَلْهُو» (١) .
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفضَيْل يَقُولُ: «إِنَّمَا أُنزل الْقُرْآنُ لِيُعْمَلَ الحواشي
(١) إسناده صحيح.
أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٩٢).следующие страницы →