← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- فَضْلُ رَبِّ الْبَرِيَّةِ - في شَرْحِ - الدُّرَرِ البَهِيَّةِ - طبعة كاملة ومصححة شرح أبي الحسن علي الرملي - عفا الله عنه بمنه وكرمه -

стр. 2

مقدمة الشارح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد منّ الله عليّ بشرح "الدرر البهية " التي ألفها محمد بن علي الشوكاني ﵀ في الفقه الشرعي شرحاً صوتياً، وسُجلت الدروس وفُرغت، فانتفع بها الطلبة بفضل الله. ولمّا رأيت النفع بها قد حصل، والطلبة أقبلوا عليها؛ عزمت على طباعتها؛ كي يعم النفع بها بإذن الله. فقمت بمراجعة المفرغات، فصححتُ ما احتاجَ إلى تصحيح، وزدتُ وحذفتُ بعض الأشياء التي لابد منها، فمن المعلوم أن الشروح الصوتية ليست كالمكتوبة. وأشكر كل من شارك في إخراج الكتاب على النحو الذي هو عليه. وأخص بالذكر كلًّ مِن: أبي عبد الله علي بداني الجزائري وأبي زيد رياض الجزائري وأبي حذيفة محمود الشيخ وأبي حمزة محمد حرز الله وزوجي أم الحسن بنت بسام الصادق. وغيرهم ممن شارك في تفريغ الكتاب. وأخيراً، أسأل الله أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن ينفع بنا، ويجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، إنه قريب مجيب. المؤلف أبو الحسن علي بن مختار الرملي يوم ٢٥/ ١/ ١٤٣٦ هـ

стр. 3

تعريف الفقه الفقه لغةً واصطلاحاً: الفقه لغة: الفهم، قال الله تعالى ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول﴾. واصطلاحاً، يختلف المعنى الشرعي للفقه عن المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء والأصوليين. فالفقه في الشرع: معرفةُ كلِّ ما جاء عن الله سواء كان في العقيدة أو الأعمال أو الأخلاق، أي كل ما جاء به النبي ﷺ . وأما الفقه عند الأصوليين: فهو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. فالعقيدة عندهم ليست من الفقه، وكذلك معرفة الأحكام الشرعية العملية التي عُرِفت بالضرورة، كتحريم الزنا والربا ووجوب الصلاة، فهذه لا تسمى عند بعضهم فقهاً، وكذلك الأحكام التي عُرِفت بالتقليد، لا تسمى فقهاً عند البعض. فعلى ذلك، فالفقيه عندهم هو من كانت له ملكة الاستنباط، أي عنده الآلة التي يتمكن بها من استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية، وهي أدلة الكتاب والسنة، وعنده قدرة على استعمال تلك الآلة. وأما الفقه عند الفقهاء ، فهو: معرفة الأحكام الشرعية العملية، بأدلتها التفصيلية، سواء كانت بالاستنباط أو بالتقليد أو بالضرورة، فكلها داخلة في الفقه، فهو أعم من الفقه بالمعنى الأصولي.

стр. 4

فعلى ذلك، من حفظ جملة من الأحكام الشرعية العملية، الواردة في الكتاب والسنة، والمجمع عليها؛ يسمى عند الفقهاء فقيهاً. لكن هذا الحفظ - حفظ طائفة من الأحكام الشرعية -، غير متيسر للكثيرين في زماننا هذا، فقال بعض أهل العلم: الضابط في معرفة الفقيه في زماننا هذا أن يتمكن من معرفة موضع المسألة الفقهية، فإذا تمكن من ذلك يكون فقيهاً عند بعض الفقهاء. ولكن الذي ينال الفضائل الواردة في تعلم العلم، ويحصل على مكانة العلماء وفضائلهم، ونرجو له أن يحشر خلف معاذ بن جبل، هو: من حقق المعنى الشرعي للفقيه، وكان عاملاً به وأما الاصطلاحات فلا يُبنى عليها حكم شرعي، وإنما هي لتقريب العلم فقط. ويُعَدُّ الفقه غايةً بالنسبة لعلوم الآلة، وثمرته العمل، فلا يصحّ عمل من غير علم (١) فواجب على كل مسلم أن يتفقه قبل أن يعمل.

стр. 5

ترجمة الشوكاني الشوكاني: هو أبو عبد الله أو أبو علي محمد بن علي الشوكاني ثم الصنعاني، من علماء اليمن، ولد عام ١١٧٣ هـ، ومات عام ١٢٥٠ هـ، وهو من فقهاء المحدثين. له عدة مؤلفات من أشهرها: «نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار»، وكتابه هذا «الدرر البهية» وشرحه «الدراري المضية».

стр. 6

«الدُّرَرُ البَهيَّة» للشوكاني الدُّرر، جمع درة، وهي: اللؤلؤة العظيمة الكبيرة. البهية: الحسنة الجميلة. قال المؤلف ﵀: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ) ابتدأ المؤلف بالبسملة، اقتداء بكتاب الله ﵎، وبسنة النبي ﷺ فإنه ﵊ كان يقتصر عليها في مراسلاته من دون الحمد، كما في كتابه لهرقل عظيم الروم (١). وأما في خطبه ﷺ فكان يبدأ بالحمد (٢). ومعنى البسملة هنا: أكتب مستعيناً بالله ذي الرحمة. ثم قال ﵀: (أحمدُ مَنْ أمَرَنا بالتَّفَقُّه في الدين) الذي أمرنا بالتفقه في الدين هو الله ﵎، فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقال ﷺ : «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ» (٣) وقول النبي ﷺ وحي من الله، فأمره أمر من الله؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. والفقه في الدين يشمل علم العقيدة، وعلم الفقه، وعلم الأخلاق والآداب. يحمدُ المؤلفُ اللهَ ﵎، وقد عدل عن قوله (أحمدُ الله ﵎ إلى قوله: (أحمدُ من أمرنا بالتفقه في الدين) مع حمده لله في بداية تأليفه، إشارة منه ﵀ إلى

стр. 7

موضوع الكتاب، وهو ما يسمى عند العلماء «براعة الاستهلال»، وهي أن يقدِّم المصنفُ في ديباجة كتابه - أي في فاتحة كتابه - جملة من الألفاظ يشير بها إلى موضوع كتابه. و«الحمد» الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله مع المحبة والتعظيم، ويكون هذا الثناء بالقلب واللسان. ثم قال ﵀: (وأشكرُ من أرْشَدَنا إلى اتباعِ سُنَن سيدِ المرسلين) هذا شكر من المؤلف ﵀ لله ﵎، فإنه هو من وضح وبيّن لنا طريق النبي ﷺ وأمرنا باتباعه. ولعل المؤلف يشير بذلك إلى أن كتابه الفقهي هذا سيكون مبنيا على الكتاب والسنة، فإنه لم يذكر فيه من المسائل الفقهية إلا التي صحّ دليلها عنده أو أجمع عليها العلماء، وترك من المسائل ما استنبطه العلماء استنباطاً، أي المسائل الاجتهادية. فقد حاول ﵀ أن يسير على طريقة أهل الحديث في الفقه، التي تقدم الكتاب والسنة على كل شيء مع اعتبارهم للمعاني. وهذه مدرسة من مدارس الفقه، وهي أول مدرسة وأكثر مدرسة تعظم الكتاب والسنة بطريقة صحيحة، وذلك لأنهم أخذوا هذه الطريقة عن أصحاب النبي ﷺ . ومن المدارس الفقهية أيضا، مدرسة أهل الرأي، وهذه تعتمد على الرأي كثيراً في بناء فقهها، بل يصل الحال بالبعض إلى تقديم الرأي على النقل، أي على الكتاب والسنة، ومن هنا جاء ذم السلف للرأي. وتعجبني كلمة قالها الإمام الأوزاعي ﵀ في بعض أهل الرأي، قال: «ما نقمنا على فلان أنه يرى، كلنا يرى - يشير إلى أن القياس واستعمال الرأي في حال الضرورة كلنا نحتاج إليه، لكن هذا عند الضرورة، عندما لا يوجد في المسألة كتاب ولا سنة ولا إجماع - قال: ولكنا نقمنا عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي ﷺ فيخالفه إلى غيره. انتهى هنا جاء الإنكار، فمصيبة أن تترك الكتاب والسنة، وتقدم رأيك، هذا ضلال وأيما ضلال، أن تلويَ أعناق النصوص كي تتماشى مع رأيك، وعقلك، كما يفعل كثير من أهل الأهواء اليوم.

стр. 8

هذه مدرسة ثانية، تسمى عند الفقهاء: مدرسة أهل الرأي، من أئمتها أبو حنيفة وتلاميذه. وأما مدرسة أهل الحديث فمن أئمتها: صحابة رسول الله ﷺ وأئمة التابعين كفقهاء المدينة السبعة، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. وكذلك فقهاء بلادهم في أزمانهم كالأوزاعي في الشام، ومالك في المدينة، والليث في مصر، وعبد الله بن المبارك في خراسان، والثوري في الكوفة، وابن عيينة في مكة، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، كل هؤلاء من أئمة أهل الحديث، كانوا يعظّمون الكتاب والسنة، ويقدمونهما، ولا يستعملون القياس إلا عند الضرورة، حين لا يوجد كتاب ولا سنة في المسألة. و«الشكر»: ظهور أثر النعمة على اللسان والقلب والجوارح، بأن يكون اللسان مُقِرّاً بالمعروف مثنياً به، ويكون القلب معترفاً بالنعمة، وتكون الجوارح مسْتَعْمِلَةً النعمةَ فيما يرضاه المشكور. والشكر لله يكون بذلك كله، فلا بد من صرف النعمة التي أنعم الله بها عليك في طاعته كي تكون شاكراً. قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقال المغيرة بن شعبة: قام رسول الله ﷺ حتى تورّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال «أفلا أكون عبداً شكوراً» (١). فالشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان والقلب، وأما الحمد فلا يكون بالعمل، فالشكر أعم من هذا الوجه. والحمد يكون من غير سبق إحسان من المحمود، أو مع الإحسان، وأما الشكر فلا يكون إلا على الإحسان، فالحمد أعم من هذا الوجه. ثم قال المؤلف ﵀: (وأُصلّي وأُسلِّم على الرسولِ الأمينِ وآله الطّاهرين وأصحابه الأكرمين) (وأصلي وأسلم) أي أسأل الله أن يصلي ويسلم على سيدنا محمدٍ ﷺ .

стр. 9

وصلاة الله على نبيه، ثناؤه عليه عند الملائكة المقربين، كما قال أبو العالية (١). و(السلام): أي يسلمه من الآفات والنقائص. (وآله الطاهرين) الآل إذا ذكروا من غير ذكر الأصحاب معهم، فالمقصود أتباعه على دينه من قرابته وغيرهم، وأما إذا ذكر الأصحاب معهم كما فعل المؤلف، فالمقصود قرابته، المؤمنون منهم. والمؤلف صلى وسلم على النبي ﷺ امتثالاً لقول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقد صلى النبي ﷺ على نفسه وآله حين علمنا الصلاة عليه (٢). فالآل تأتي بمعنى الأتباع، وبمعنى الأهل. وصلاة الملائكة والعباد على النبي ﷺ ، الدعاء له بالرحمة. كتاب الطهارة ثم قال ﵀: (كتاب الطهارة) كتاب: مصدر، يقال: كَتَبَ يَكْتُبُ كِتابَةً وكِتاباً، ومادة كتب تدل على الجمع والضم، لذلك سميت كتيبةُ الجيش كتيبة، لأنها تجمع وتضم مجموعة من أفراد الجيش. واستعمل العلماء ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والجمع والضم فيه حاصل على الحروف والكلمات وعلى المعاني.

стр. 10

والمراد هنا من حيث المعنى: جمع وضم الأبواب والمسائل المتعلقة بالطهارة. وتعريف الكتاب اصطلاحاً هو: اسم لجملة مختصة من العلم مشتملة على أبواب وفصول غالباً. وأما (الطهارة) فلغة: النظافة، والتنزّه عن الأدناس وهي الأوساخ. وفي الشرع تطلق على معنيين: الأول: طهارة القلب من الشرك في العبادة، والغلّ والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهذه من مباحث الاعتقاد. والمعنى الثاني، وهو المراد هنا: رفع الحدث وإزالة النجاسة، أو ما في معناهما. (الحدث) هو ما يوجب الوضوء أو الغسل، فما يوجب الوضوء يسمى الحدث الأصغر كخروج الريح أو قضاء الحاجة، أما ما يوجب الغسل فيسمى الحدث الأكبر كالجنابة، وقد صح عن عَبيدة السلماني أنه سئل، ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدث، أي الأصغر (١). و(النجاسة) في اللغة: القذر. وفي الشرع: كل عين يجب التطهر منها، كالبول والبراز. وقولنا: (أو ما في معناهما) كتجديد الوضوء فإنه يسمى طهارة مع أنه ليس رافعا لحدث ولا مزيلا لنجاسة. والنجاسة إما عينية أي عين الشيء نجسة كالبراز، أو وصفية كالبول إذا وقع على الثوب، فإن الثوب يوصف بأنه نجس. والعينية تطّهر بالاستحالة، والوصفية بتنظيفها. فهذا معنى كتاب الطهارة، فإن المصنف قد جمع في هذا المبحث كل ما يتعلق بالطهارة من المسائل الفقهية التي صح دليلها.

стр. 11

والمؤلف ﵀ قد بدأ بكتاب الطهارة كبقية العلماء الذين ألَّفوا في الفقه، لأن النبي ﷺ قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان والحج». فبدأ بالتوحيد، وهذا قد أفردت له مصنفات خاصة، ثم بالصلاة. ولما كانت الصلاة لا تصح إلا بالطهارة، ويجب تحقيق الطهارة قبل الدخول في الصلاة، بدأ الفقهاء بالطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم بالحج، أي بالأهم فالمهم، أو بما لا يصحّ المهم إلا به. قال المؤلف ﵀: (باب) الباب لغة: هو الطريق إلى الشيء والموصل إليه، وباب المسجد وباب الدار: ما يدخل منه إليه. وفي الاصطلاح: اسم لجملة مختصة من الكتاب، ويكون بين مسائل الباب ارتباط أخص من ارتباطها بمسائل الطهارة. وهذا الباب الذي سيبدأ به المؤلف، هو باب حكم المياه . قال ﵀: (هذا البابٌ قد اشتملَ على مسائل) (المسائل) جمع مسألة، من السؤال، وهي المطلوب الذي يحتاج إثباته إلى برهان ودليل. قال ﵀: (الأولى) أي المسألة الأولى من مسائل هذا الباب. قال: (الماءُ طاهرٌ مُطَهِّرٌ) المراد بالماء هنا الماء المطلق، والماء المطلق هو ما كفى في تعريفه اسم الماء، أي الذي لم يُضَفْ إلى شيء فليس ماء ورد مثلاً، فالماء الذي لم يضف إلى شيء، يسمى ماء مطلقاً من غير إضافة شيء آخر إليه، كالماء النازل من السماء أو النابع من الأرض، أو مياه الأنهار والبحار.

стр. 12

و (الماء طاهر) أي ليس بنجس و (مطهر) أي مجزئ في الطهارة الشرعية من رفع حدث وإزالة نجس وغيرهما كالأغسال المندوبة، فلك أن تتطهر به وتتوضأ به، كما قال ﵇ للمرأة حين سألته عن ثوبها الذي أصابه دم حيض، قال: «واقرصيه بالماء» (١) أي نظفيه بالماء. وكقوله للصحابة: «أهريقوا عليه ذنوباً من ماء» حين بال الأعرابي في المسجد (٢). وأصل ذلك قول الله ﵎: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهوراً﴾ قال ثعلب - وهو أحد أئمة اللغة -: الطَّهور: هو الطاهر بنفسه المطهر لغيره، وكذا قال الأزهري ﵀ صاحب كتاب «تهذيب اللغة». وقال تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾. وقال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾. وقال ﷺ : «الماء طَهور لا ينجسه شيء» (٣). وقد جاءت أحاديث كثيرة أمر فيها النبي ﷺ بتطهير النجاسات بالماء، وستأتي إن شاء الله. ونقل ابن رشد الإجماع على أن الماء طاهر مطهر (٤). وقال المؤلف ﵀: (لا يُخْرِجُهُ عن الوَصْفَيْن) أي لا يَخرُج الماء عن كونه طاهراً في نفسه - وهذا الوصف الأول - ومطهراً لغيره - وهذا الوصف الثاني. قال: (إلا ما غَيَّرَ ريحَهُ أو لَوْنَهُ أو طَعْمَهُ من النجاساتِ)

стр. 13

أي إن الماء المطلق يبقى طاهراً مطهراً إلى أن تخالطه نجاسة فتغير رائحته أو لونه أو طعمه، فعندئذ لا يبقى طاهراً ولا مطهّراً، بل يصير نجساً، لا يجزئ في رفع الحدث وإزالة النجاسة. هذه المسألة الثانية من مسائل الباب. فعندنا أصل وهو أن الماء طاهر مطهر، وعرفنا دليل هذا الأصل، وهو عموم الآيات والأحاديث التي تقدمت، فلا يخرج الماء عن كونه طاهراً ومطهراً إلا بدليل. وذكر المؤلف أن الماء لا يخرج عن كونه طاهراً ومطهراً إلا إن خالطته نجاسة غيرت أحد أوصافه الثلاثة، لونه أو ريحه أو طعمه، فيصير نجساً لا يطهر، ودليل ذلك الإجماع. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغير للماء طعماً أو لوناً أو ريحاً أنه نجس مادام كذلك» (١). والأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فالإجماع يخصص عموم قول النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء» (٢)، ويخصص عموم الأدلة التي دلت على أن الماء طاهر مطهر. وورد في ذلك حديث عند ابن ماجة وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (٣) ولكنه حديث ضعيف، قال النووي: «اتفقوا على ضعفه» (٤)، والضعيف منه الاستثناء، أي قوله: «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» وأما قوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء» فقد صح من حديث أبي سعيد الخدري كما تقدم.

стр. 14

ثم قال ﵀: (وعن الثاني: ما أخرجه عن اسم الماء المطلق من المُغَيِّراتِ الطاهرة) قوله (عن الثاني) أي عن الوصف الثاني، وهو كونه مطهراً، فيريد أن الماء يبقى مطهراً لغيره إلا إذا خالطه شيء طاهرٌ فأخرجه عن كونه ماء مطلقاً، أي غير إطلاقه، فصار له اسم آخر وهذه المسألة الثالثة. مثال ذلك: إذا أخذنا كأساً من الماء ووضعنا فيه كيساً من الشاي، فإن الشاي طاهرٌ نزل في الماء فغير لون الماء حتى تغيرت حقيقته، فلم يعد ماء مطلقاً، بل تغيرت حقيقته وصار شاياً، فهذا طاهر ليس بنجس، ولكنه لا يطهر، لأن الذي يطهر هو الماء المطلق، فهو ما ثبت به الدليل، وأما غيره من المائعات، فلم يثبت فيه شيء فليست من المطهرات. قال ابن المنذر (١): «وأجمعوا على أنه لا يجوز الاغتسال ولا الوضوء بشيء من هذه الأشربة سوى النبيذ» أي أن النبيذ قد حصل خلاف في جواز الوضوء به، والصحيح أنه لا يجزئ في ذلك لعدم وجود الدليل الصحيح. ولكن إذا كان التغير بطاهر تغيّراً يسيراً، فإن الماء في هذه الحالة يبقى طاهراً مطهراً، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في تغسيل ابنته: «اغسلنها بماءٍ وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً» (٢). وكذلك الماء المتغير بما لا ينفك عنه غالباً، كالطحالب والتراب، فإنه يبقى مطهراً بالاتفاق (٣). ثم قال ﵀ (ولا فرق بين قليل أو كثير) هذه المسألة الرابعة. أي أن الماء القليل والكثير له نفس الأحكام المتقدمة، لا يختلف، وفي هذا رد لقول الذين فرّقوا، إذ إن الأدلة ليست معهم في ذلك كما سيأتي.

стр. 15

فقالوا في تفريقهم: إذا وقعت النجاسة في الماء القليل نجسته سواء غيرت أوصافه أم لا، وأما في الماء الكثير فلا تنجسه حتى تغير أحد أوصافه. ثم اختلفوا في ضابط التفريق بين القليل والكثير، فقال بعضهم بالتفريق ما بين القلتين وما دونهما. قال المؤلف ﵀: (وما فوقَ القُلَّتَيْنِ وما دونهما) أي لا فرق بين الماء القليل الذي ضابطه أن يكون أقل من قلتين، وما فوقهما والتفريق بين ما فوق القلتين وما دونهما تحديد من بعض أهل العلم، ومنهم الشافعية، فالشافعية مثلاً وغيرهم قالوا: ما كان أكثر من قلتين، إن سقطت فيه النجاسة، ولم تغير أحد أوصافه الثلاثة، يبقى طاهراً، أما إذا كان دون القلتين، فيصير نجساً بمجرد أن تسقط النجاسة فيه، واختلفوا في القلتين، في مقدارهما. والقلتان: تثنية قلّة، والقلّة: الجرّة الكبيرة، وقد اختلفوا في تقديرها اختلافاً كثيراً. فبعضهم يقول: قدرها مائة وستون لتراً، وبعضهم قال: مائتا لتر، وبعضهم: مائتان وخمسون، ومائتان وخمسة وسبعون، والبعض: ثلاثمائة، فاختلفوا في أصل قدر القلتين واضطربوا فيه اضطراباً كثيراً، والنبي ﷺ لا يضع ضابطاً بمثل هذه المقادير التي يُختلف فيها، ولا يُعرف قدرها. واعتمدوا في هذا على حديث «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» (١)، لكن هذا الحديث في صحته خلاف ونزاع بين أهل العلم، والصحيح هو ما رجّحه الإمام المزّي، وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله - أنه حديث ضعيف فيه اضطراب، والأقرب إلى الصواب أن يكون موقوفاً على ابن عمر ﵁ أي من كلامه. والله أعلم. وهذا أقوى ما يحتج به من فرَّق بين القليل والكثير. والراجح أنه لا فرق بين القليل والكثير. ثم قال ﵀: (وَمُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ) الماء الساكن كماء المستنقعات، والمتحرك كماء الأنهار

стр. 16

أي لا فرق بين الماء المتحرك والساكن، وهذه المسألة الخامسة من مسائل الباب. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز التطهر بالماء الراكد، واحتجوا بقول النبي ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» (١). والرد عليه في نفس الحديث، فقد سأل السامعون أبا هريرة، فقالوا: يا أبا هريرة كيف يَفعل؟ قال: يتناوله تناولاً. فأجاز التطهر به، وراوي الحديث أدرى بمرويه، ولو لم يكن مطهراً لما أجاز التناول منه. وأجاب بعض أهل العلم الذين يقولون إن الماء الساكن مطهر، بأن علة النهي عن الاغتسال فيه من الجنابة كونه يصير مستخبثاً بتوارد الاستعمال فيبطل نفعه، فالنهي لسد الذريعة لا لشيء آخر، ويدل على ذلك قول أبي هريرة السابق ثم قال المؤلف ﵀: (وَمُسْتَعْمَلٍ وغيرِ مُسْتَعْمَلٍ) هذه المسألة السادسة. اختلف أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات، هل يخرج بذلك عن كونه مطهراً؟ فلو أنك توضأت أو اغتسلت، وجمعت الماء الساقط من وضوئك أو غسلك، فهل يجوز لك أن تتوضأ بهذا الماء أو تغتسل أم لا؟ وهو ما يسمى عند العلماء بالماء المستعمل. اختلف أهل العلم في ذلك، فالبعض قال: هو طاهر ومطهر. والبعض قال: هو نجس. والبعض قال: هو طاهر، لكنه غير مطهر. وكل احتج بأدلة، والصحيح أنه طاهر مطهر. والدليل على أنه طاهر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه (٢)، ولو كان نجساً لما قربوه.

стр. 17

وقد ثبت أنه ﵇ صب على جابر من وضوئه (١)، وثبت أن أحد الصحابة شرب من وضوءه ﷺ (٢)، وبوّب البخاري باباً في استعمال فضل الوضوء، وساق آثاراً في ذلك (٣). وأما كونه مطهراً، فإن الماء المستعمل ماء مطلق داخل في عموم الأدلة المتقدّمة التي تدل على أن الماء المطلق طاهر مطهر ولا يجوز إخراجه منها إلا بدليل صحيح، ولا يوجد. وخلاصة هذا البحث: أن الماء المطلق طاهر مطهر، والماء إما أن يخالطه شيء طاهر أو شيء نجس. فإن خالطه طاهر، فينظر إن أخرجه عن اسم الماء المطلق، فهو طاهر غير مطهر، وإن لم يخرجه فهو طاهر مطهر. ومخالطة الشيء الطاهر اليسير له لا تؤثر فيه كمخالطة الصابون ونحوه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأم عطية في تغسيل ابنته: «اغسلنها بماء وسدر» (٤) متفق عليه، وكذلك مخالطة ما لا يمكن الاحتراز منه غالباً كمخالطة الطحالب أو ورق الشجر، أو التراب وغيرها من الأشياء التي تختلط بالماء. وأما الماء الذي خالطته نجاسة، فإن غيرت أحد أوصافه الثلاثة، فهو نجس لا يصح التطهر ولا التطهير به. وإن لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة فهو طاهر مطهر ولا فرق بين القليل والكثير على الصحيح. ومن أقوى المذاهب الفقهية في باب المياه مذهب الإمام مالك، حتى قال الغزالي أحد أئمة المذهب الشافعي: وددت لو أن مذهب الشافعي في المياه كان كمذهب مالك. فإنه كان من أقوى المذاهب في المياه، وكذلك مذهبه في البيوع.

стр. 18

(فصل باب النجاسات) قال ﵀: (والنجاساتُ هي غَائِطُ الإنسانِ مطلقاً وَبَوْلُهُ إلا الذكرَ الرَّضيعَ) تقدم تعريف النجاسة، وأنها في اللغة: القذر. وفي الشرع: كل عين يجب التطهر منها مثل البول والبراز. والمؤلف ﵀ يريد هنا أن يبين لنا النجاسات التي ثبت في الشرع وصفها بذلك. ولابد أولاً أن نذكر قاعدة في هذا الباب، وهي أن: «الأصل في الأشياء الطهارة، فإذا جاء دليل ناقل عن ذلك الأصل أُخِذ به». وقد دلَّ على هذا الأصل كليات وجزئيات في الشريعة. ونأخذ منه أن أي شخص يدّعي أن عيناً ما نجسة وجَبَ عليه أن يأتي بالدليل على دعواه. وأول الأشياء التي أثبت المؤلف نجاستها، غائط الإنسان، وهو عند العرب: ما اطمأن من الأرض، أي المنخفض، فكانوا فيما مضى إذا أراد الرجل أن يقضي حاجته طلب الموضع المطمئن من الأرض، لأنه أستر له، فكثر هذا منهم حتى سمّوا الحدث الخارج من الإنسان باسم الموضع. وقد كان عند العرب أدب في انتقاء الألفاظ والكلمات، فلما كان الخارج من الإنسان مستقذراً، حاولوا أن ينقلوا الاسم إلى شيء قريب كي يكون مقبولاً. والغائط نجس - كما قال المؤلف - بالاتفاق، أي المسألة محل إجماع (١)، وإذا كانت المسألة محل إجماع فلا نقاش فيها، لأن الإجماع دليل من أدلة الشرع الصحيحة، ومعرفة الأدلة الشرعية يرجع فيها إلى علم أصول الفقه.

стр. 19

وإذا أقمنا الدليل من الكتاب والسنة مع الإجماع زادت المسألة قوة في النفس، لتعدد الأدلة. قال النبي ﷺ «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى، فليمسحه، وليصلِّ فيهما» (١). وكذلك البول نجس بالاتفاق (٢)، وجاء عن أبي هريرة أنه قال: إن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه الناس، فقال لهم رسول الله ﷺ : «دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (٣). واختلفوا في بول الذكر الرضيع، والصحيح أنه نجس أيضاً إلا أن الشارع خفف في طهارته تخفيفاً على الأمة، لحديث أم قيس ﵂: «أنها أتت بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام فبال في حجر رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلاً» (٤) ومعنى نضحه: أي رش عليه الماء بدرجة لا تصل إلى الجريان. وفي حديث علي: قال رسول الله ﷺ : «يُنضح بول الغلام ويُغسل بول الجارية» (٥). وهذا لا يدل على طهارة بول الغلام، فلو كان طاهراً لما أُمرنا بنضحه، واختلاف كيفية التطهير للنجس غير موجبة لخروجه عن النجاسة، كتطهير النعلين مثلا من الأذى، وتطهير الثوب من دم الحيض، فإنهما لما اختلفا لم يوجب هذا أنهما غير نجسين. ثم قال المؤلف ﵀: (ولُعابُ كلبٍ)

стр. 20

لقول النبي ﷺ : «طُهُور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (١). والصحيح أن لعاب الكلب ليس نجساً، والطهارة المأمور بها هنا لإزالة الجراثيم التي تكون في لعاب الكلب وتختلط بالإناء وما فيه. وقال مالك: «الأمر تعبُّدي». والدليل على طهارة لعاب الكلب، أن الله أذن في الأكل مما أمسكن علينا، فصيده حلال، فلو كان الكلب نجساً لنجّس الصيدَ بمماسته. قال الإمام مالك ﵀: «يؤكل صيده فكيف يكره لعابه» (٢). ولفظ الطهارة لا تدل على نجاسة الشيء دائماً، فقد تأتي لرفع النجاسة، وقد تأتي لغير ذلك، قال الله ﵎ ﴿وإن كنتم جنباً فاطّهروا﴾ وهنا أمر بالتطهر، و «المؤمن لا ينجس» كما قال ﵊ (٣). فالطهارة هنا لرفع الجنابة فقط وليست لإزالة النجاسة، فالطهارة إذاً تستعمل لإزالة النجاسة، وتستعمل لغير ذلك. وقال ﵊ في الهرة: «إنها من الطوّافين عليكم والطوّافات» (٤)، والكلاب كذلك. وهذا قول الزهري ومالك والأوزاعي وابن المنذر وكثير من المالكية. ثم قال ﵀: (وروثٌ) الروث هو رجيع ذوات الحوافر.

стр. 21

أما روث وبول ما يؤكل لحمه فهو طاهر، يدل على ذلك حديث أنس قال: «قدم أناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلِقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها» متفق عليه (١). والشاهد أن النبي ﷺ أذن لهم بالشرب من أبوال الإبل والنجس يحرم شربه. وكذلك لم يأمرهم ﷺ بغسل ما يصيبهم منه، ولا بدّ من ذلك. وصحّ عن النبي ﷺ أنه رخّص في الصلاة في مرابض الغنم (٢) وهي لا تخلو من روثها وبولها، وغيرُ الإبلِ والغنمِ مما يؤكل لحمه يقاس عليها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وبول ما أكل لحمه وروثه طاهر لم يذهب أحد من الصحابة إلى تنجسه، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة» انتهى (٣) وأما روث ما لا يؤكل لحمه كالبغال والحمير، فنجس عند جمهور العلماء، وهو الصحيح ودليله حديث ابن مسعود، قال: «أتى النبي ﷺ الغائطَ، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «هذا رجس أو ركس» أخرجه البخاري (٤). ثم قال ﵀: (ودمُ حَيْضٍ) لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: «جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم حيض، فكيف تصنع؟ قال: «تحتُّه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه» متفق عليه (٥).

стр. 22

فالأمر بغسل دم الحيض والتشديد فيه قبل الصلاة في الثوب، يفيد ثبوت نجاسته، وقد اتفق العلماء على نجاسته (١). ثم قال ﵀: (ولحمُ خنزيرٍ) والدليل على نجاسته قوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أُوحي إليّ مُحرّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ أي نجس، ونقل بعض أهل العلم الاتفاق على نجاسة لحمه، وكذلك لحم الميتة (٢). ثم قال ﵀: (وفيما عدا ذلك خلاف) اختلف أهل العلم في أشياء هل هي نجسة أم لا؟ من ذلك (المَذْيُ): وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند شهوة، لا بشهوة ولا يعقبه فتور، وربما لا يشعر بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة. كذا قال النووي في «شرح مسلم». وهو نجس على الصحيح، لأمر النبي ﷺ بغسل الذكر منه كما جاء في حديث علي في «الصحيحين»، قال: كنت رجلاً مذّاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال: «يغْسِلُ ذكَرَه ويتَوَضّأ» (٣). وأما (المني) الذي يكون منه الولد، وهو سائل أبيض ثخين، وينزل عند اكتمال الشهوة وشدتها، ويكون بعده فتور وارتخاء، وهذا الماء طاهر على الصحيح وليس بنجس، بناء على الأصل في الأشياء، ولم يصح دليل يدل على نجاسة المني. وكذلك (الخمر) ليس بنجس على الصحيح، وليس كلُّ محرَّمٍ نجساً، بينما كلُّ نجسٍ محرَّمٌ.

стр. 23

ثم قال ﵀: (والأصلُ الطهارةُ) أي الأصل في الأشياء طهارتها. قال: (فلا يَنْقُلُ عنها إلا ناقلٌ صحيحٌ لم يُعَارِضْهُ ما يساوِيه أو يقدَّم عليه) والناقل الصحيح دليل من الكتاب أو السنة، أو الإجماع، أو قياس صحيح - على من يقول به في هذا الموطن -، لم يعارضه ما يساويه أو يقدم عليه في القوة. قال الشوكاني ﵀: «لأن الأصل الطهارة وهذا معلوم من كليات الشريعة المطهرة وجزئياتها، ولا ريب أن الحكم بنجاسة شيء يستلزم تكليف العباد بحكم من أحكام الشرع، والأصل البراءة من ذلك، ولا سيّما من الأمور التي تعم بها البلوى ... إلخ (١). قال ﵀: (فصل) الفصل لغة: الحجز بين الشيئين، ومنه فصل الربيع، لأنه يحجز بين الشتاء والصيف، وهو في كتب العلم كذلك، لأنه يحجز بين أجناس المسائل وأنواعها. أو يقال في تعريفه: هو اسم لجملة مختصة من الباب. ثم قال ﵀: (ويُطَهّرُ ما يتنجّس بغَسْلِهِ، حتى لا يبقى لها عينٌ، ولا لونٌ، ولا ريحٌ، ولا طعمٌ، والنعلُ بالمسحِ) اعلم علمني الله وإياك، أن نجاسة الشيء إما أن تكون حكمية، كالبول إذا وقع على الثوب، فيوصف الثوب بأنه نجس، ويحكم عليه بذلك شرعاً، بسبب البول الذي وقع عليه، فإنه لم يكن في الأصل نجساً بل صار كذلك بعد أن وقع البول عليه، وصار متنجّساً. وإما أن تكون عينيّة، أي عين الشيء نجسة، كالروث الذي هو براز ما لا يؤكل لحمه. فأما النوع الأول من النجاسة فيطهّر بالكيفية التي وردت في الشرع، ذلك لأنه إن ورد في الشرع كيفية تطهير معينة وجب الالتزام بها والاقتصار عليها، دون مخالفة بزيادة أو نقصان، كما ورد في النعل إذا تلوّث بالنجاسة طهُر بمسحه بالتراب.

стр. 24

وقد تقدم هذا الحديث، وهو قول النبي ﷺ : «إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله، فلينظر فيها، فإن رأى بها خبثاً فليمسحه بالأرض ثم ليصلِّ فيهما ... » أخرجه أحمد وغيره. وكذا بالنسبة لذيل المرأة إذا مشت وأصابته نجاسة طهره ما بعده من تراب (١). وكذلك دم الحيض، فإنه يطهّر بالكيفية التي وردت في السنة، سئل رسول الله ﷺ : المرأة يصيب ثوبها من دم الحيضة، كيف تصنع به؟ قال: «تحتّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه ثم تصلي فيه» (٢). و(تحتّه) أي تحكّه لإزالة عين الدم. (تقرصه) أي تدلك الدم بأطراف الأصابع، ليتحلّل ويخرج ما شربه الثوب منه. (تنضحه) أي تغسله بالماء. أما بول الذكر الرضيع فبالنضح كما تقدم. وأما ما ورد عن الشارع أنه نجس ولم يرد فيه بيان كيفية تطهيره، فالواجب التخلص من العين النجسة حتى لا يبقى لها ريح ولا لون ولا طعم، لأن الشيء الذي يجد الإنسان ريحه أو طعمه، فقد بقي فيه جزء من العين، وإن لم يبقَ جرْمُها أو لونها، إذ وجود الرائحة لا يكون إلا عن وجود النجاسة التي وجدت رائحتها، وكذلك وجود الطعم لا يكون إلا عن وجود النجاسة التي وجد طعمها. وهذا كله في كيفية تطهير النجاسة الوصفية، وأما العينية، فقد قال المؤلف ﵀: (والاستِحَالَةُ مُطَهِّرةٌ لعدم وجود الوصف المحكوم عليه) (الاستحالة): هي التحوّل، أي تغيّر الشيء عن طبعه ووصفه، فيصير شيئاً آخر كتحوّل العَذِرَة إلى رماد، وتحوّل الخنزير إلى ملح. فالنجاسة العينية لا تطهر إلا بالاستحالة، وهي أن تتحوّل إلى شيء آخر مخالف للشيء الأول في حقيقته، كاستحالة العَذِرَة رماداً.

стр. 25

وتطهُر في هذه الحالة، لأن الوصف الذي وقع عليه الحكم بالنجاسة فُقِدَ ولم يعد موجوداً. ثم قال ﵀: (وما لا يمكن غَسْلُه، فبالصبّ عليه أو النَّزْحِ منه حتى لا يبقى للنجاسة أثرٌ) المراد بالنزح: الإبعاد. تحدث المؤلف هنا عمّا لا يمكن غسله كالأرض والبئر، فأما الأرض فتطهر بالصب عليها كما جاء في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد (١)، وأما البئر فيطهر بإبعاد الماء منها حتى لا يوجد للنجاسة أثر (٢). ثم قال ﵀: (والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيرُهُ مَقامَهُ إلا بإذنٍ من الشارع) الأصل في تطهير النجاسات هو الماء، لأن الماء قد وصف كما تقدم بأنه طاهر مطهر، فالأصل التطهير به إلا إن وجد دليل من الكتاب والسنة يدل على أن غيره مطهّر لنجاسة ما، فنتقيد بما ورد. وقد ذهب جمهور علماء الإسلام إلى أن الماء هو المتعين في تطهير النجاسات، وهذا صحيح في غير ما ورد الدليل بخلافه. ومن أثبت مطهّراً لم يرد في الكتاب والسنة أنه مطهّر للنجاسة، أو أثبت تطهيراً على غير الصفة الثابتة فيهما، فقوله مردود، لمخالفته للأدلّة. ثم قال ﵀: (بابُ قضاءِ الحاجةِ) قضاء الحاجة، يعني بها الذهاب إلى الخلاء لإخراج البول أو الغائط، فيريد أن يذكر هنا أحكام وآداب ذلك. قال ﵀: (على المُتَخَلّي الاستتارُ حتى يَدْنُوَ مِنَ الأرضِ) (المُتخلّي): الذي ذهب إلى الخلاء لقضاء حاجته.

стр. 26

(الاستتار) أي طلب ما يستره عن أعين الناس. (حتى يدنو من الأرض) أي يبقى مستتراً إلى أن يجلس. ويدلّ على ذلك جميع الأدلة التي وردت في وجوب ستر العورة. فإن كان المتخلّي في فضاء كان ستر عورته واجباً، وأما إذا كان في مكان مغلق أو يغلب على ظنه أن أحداً لا يراه فلا بأس بخلع ملابسه قبل أن يدنو من الأرض، لأن المراد هو ستر العورة. وجاء في «سنن أبي داود» (١): «أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» ولكنه حديث ضعيف، لأنه مضطرب. وكذا حديث: «من أتى الغائط فليستتر» (٢) فإنه ضعيف أيضاً. والعمدة على ما ذكرنا سابقاً، وهو عموم الأدلة التي أمرت بستر العورة، فقد قال الله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ وقال ﷺ : «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» (٣). ثم قال ﵀: (والبُعْدُ ودخولُ الكنيفِ) (البعد): أي الابتعاد عن أعين الناس. و(الكنيف): أصله الحظيرة التي تعمل للإبل، فَتُكِنُّها - أي تحفظها - من البرد، ثم سمّوا ما حظَروه وجعلوه موضعاً للحدث كنيفاً. أخرج أبو داود وغيره: «أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد» (٤). وعن جابر «أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد» (٥).

стр. 27

وهذان الحديثان فيهما كلام، ولكن يشهد أحدهما للآخر. وهذا مع حديث المغيرة في «الصحيحين»، «أن النبي ﷺ بال عند سباطة قوم» (١)، والسباطة، هي المزبلة، وتكون قريبة من الناس. وكذلك رآه ابن عمر على سطح بيت حفصة يقضي حاجته (٢). فالظاهر أنه إذا أمن أن يراه أحد أو كان في كنيف فلا بأس أن يكون قريباً. ثم قال ﵀: (وتركُ الكلامِ) أي يجب على المُتخلّي عند قضاء الحاجة ترك الكلام، لما أخرجه أبو داود وغيره عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يخرُج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدّثان، فإن الله يمقت على ذلك» (٣). ولكنه حديث ضعيف مضطرب، وفيه راوٍ مجهول. فإذا كان الحديث ضعيفاً ولا يوجد ما يدل على تحريم الكلام عند قضاء الحاجة غيره، فيبقى الأمر على الإباحة بناء على الأصل، فإن أصل هذه الأشياء الإباحة ولا يوجد ما يدل على خلافه. ويكره ذكر الله ورد السلام، لأنه ﷺ امتنع من رد السلام على رجل وهو يبول (٤). ثم قال (والمُلابَسَةُ لما لهُ حُرْمَةٌ) مثل المصحف أو الخاتم الذي عليه ذكر الله أو ما شابه ذلك، فلا يلبسه في يده أو في رقبته أو يضعه في مخبئه عند قضاء الحاجة، وذلك لحديث أنس الذي أخرجه أبو داود وغيره «أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (٥) أي نزعه.

стр. 28

ولكنه حديث ضعيف لا يصحّ، وبما أن الحديث ضعيف فلا يعمل به ويبقى الأمر على الإباحة بشرط ألا يمس ذلك نجاسة. فالخاتم إذا كان في اليد اليسرى وجب أن يُنزع، لأن النجاسات ستلاقيه على تلك الحال، فإنه في اليد اليسرى التي سيستنجي بها الشخص، أما إذا كان المصحف في مخبئه - أي جيبه - محفوظاً بعيداً عن الأذى فلا بأس والله أعلم. وقال ﵀: (وَتَجَنُّبُ الأمْكِنَةِ التي مَنَعَ عن التَّخَلّي فيها شرعٌ أو عُرْفٌ) وذلك لما صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «اتقوا اللَّعَّانين»، قالوا وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلّى في طريق الناس أو ظلِّهم» أخرجه مسلم (١). و(اللعانان)، الأمران الجالبان للَّعنِ. ووردت في ذلك أحاديث أخرى فيها ضعف. لكن هذا الحديث يدل على تحريم قضاء الحاجة في طريق الناس أو في المكان الذي يستظلّون به، وما في معنى هذه الأمكنة، كحول الأنهار والآبار وأفنية الناس وكل ما يتأذى الناس من قضاء الحاجة فيه. وأما الحديث الوارد في النهي عن البول في الجحر، فضعيف (٢). وصحّ عن النبي ﷺ أنه نهى أن يبول أحدنا في مغتسله (٣) أي في المكان الذي يغتسل فيه. قال أهل العلم: وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان المكان صُلْباً فيتوهم أنه أصابه منه شيء، فيحصل منه الوسواس. وكذلك نهى النبي ﷺ أن يبال في الماء الراكد (٤).

стр. 29

قال ﵀: (وعدمُ الاسْتِقْبَالِ والاسْتِدْبارِ للقبلة) (الاستقبال) أن تجعل القبلة أمامك عند قضاء الحاجة. و(الاستدبار) أن تجعلها خلفك. ورد في ذلك أحاديث منها قول النبي ﷺ : «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يَسْتَدْبِرْها» (١). وقال سلمان: «نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ... » (٢) الحديث. وجاء عن أبي أيوب، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» (٣). وجاء عن ابن عمر أنه قال: «لقد ارتقيتُ على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلَ بيتِ المقدسِ لحاجتِهِ» (٤). لهذه الأحاديث اختلف أهل العلم في حكم استقبال البيت واستدباره بغائط أو بول. وأصح هذه الأقوال والذي فيه العمل بجميع الأدلة، قول الإمام الشافعي والبخاري وابن المنذر والجمهور، وهو التفريق بين الصحاري والبنيان. فيجوز في البنيان عملاً بحديث ابن عمر وغيره. ولا يجوز في الصحاري عملاً بحديث أبي أيوب وغيره. وهذا أولى ممن أعمل بعض الأحاديث وأهمل البعض الآخر، فلا إشكال بأن الأَوْلى هو العمل بجميع الأدلة وعدم إهمال أحدها. ومن أراد المزيد فليراجع «فتح الباري» للحافظ ابن حجر كتاب الوضوء باب (١١) حديث (١٤٤).

стр. 30

ثم قال ﵀: (وعليه الاسْتِجْمارُ بثلاثةِ أحجارٍ طاهرةٍ أو ما يقومُ مَقامَها) (الاستجمار) استعمال الجمار - وهي الأحجار - للتنظف من البول والغائط بعد قضاء الحاجة. جاء في حديث سلمان، قال: «إن النبي ﷺ نهى عن الاستجمار بأقلّ من ثلاثة أحجار، وعن الاستنجاء برجيع أو عظم» (١). فيجب التمسّح بثلاثة أحجار وإن حصل الإنقاء بما دونها، فإن لم يحصل، وجب الزيادة حتى يحصل الإنقاء، فإن حصل بشفع، بأربع مثلاً، فيستحبّ أن يزيد الخامسة كي يختم بوتر. قوله: (أو ما يقوم مقامها) لأن المطلوب هو الإنقاء والتنظف فبأي شيء حصل جاز مثل المناديل الورقية الموجودة اليوم، وإذا استعمل الماء أجزأه. ولا يجوز برجيع وهو الروث، ولا بالعظم، معروف. وصحّ عن النبي ﷺ أنه نهى عن الاستنجاء باليمين، ومس الذكر باليمين عند البول (٢). ثم قال ﵀: (ويُنْدَبُ الاسْتِعاذَةُ عندَ الشُّرُوعِ، والاستغفارُ والحمدُ بعدَ الفراغِ) و(يندب): أي يستحب. والاستعاذة: هي أن يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، كما جاء في الحديث عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ والخبائث» (٣)، وفي رواية: «كان إذا أراد أن يدخل» (٤) متفق عليه. و(الخُبث والخبائث): ذكران الشياطين وإناثهم.

стр. 31

إذا دخل المسلم استعاذ بالله قبل أن يدخل كي لا تضره الجن. وتقصير الناس بالسنة في هذا الزمن أدى إلى عواقب سيئة، وهي كثرة المتضررين بالجن الموجودين في مثل هذه الأماكن، وقد صار هذا بين الناس اليوم كثيراً جداً، وذلك بسبب تركهم لسنة النبي ﷺ . وأما الاستغفار والحمد بعد الخروج فوردا في حديثين ضعيفين، حديث عائشة: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (١) وفيه يوسف بن أبي بردة مجهول. وأما الحمد فأخرج ابن ماجه من حديث أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» (٢) وهو ضعيف، فيه إسماعيل بن مسلم، نقل في «الزوائد» الاتفاق على تضعيفه. قال ﵀: (بابُ الوضوءِ) (الوضوء) لغة: مشتق من الوضاءة، وهي الحسنُ والنظافة والنقاوة. وفي الشرع: هو التعبد لله بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، فماهيَّة الوضوء متركبة من هذه الأعضاء الأربعة فهي أركانه وأساساته كما سيأتي. وقيل: إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة مع النية. حكم الوضوء: الوضوء واجب للصلاة، لقوله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾. والوضوء شرط لا تصح الصلاة إلا به، لقوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٣). وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء إليها السبيل» (٤).

стр. 32

ووجوب الوضوء على المحدث فقط، وأما من لم يحدث فصلاته مقبولة، لأن النبي ﷺ صلى يوم الفتح الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: «عمداً صنعته» (١) أي ليبين الجواز. وجاء عن أنس ﵁ أنه قال: إن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة فقيل له: وأنتم؟ قال: نحن كنا نصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد (٢) - وهذه سنة تقريرية -. وإذا أخذنا بالآية - ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ - هكذا على ظاهرها كان واجباً على كل من أراد أن يصلي أن يتوضأ سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ لكن لما ورد عن النبي ﷺ أن هذا ليس بلازم احتجنا إلى تفسير لهذه الآية وصرف لها عن ظاهرها، فقدّر أهل العلم أن معناها: «إذا قمتم إلى الصلاة محْدِثين فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق». وهذا تقدير جمهور علماء الإسلام عملاً بجميع الأدلة الواردة في ذلك. فالوضوء واجب على المحدِث إذا أراد أن يصلي، ومستحب للمتوضئ تجديد وضوئه، لأن النبي ﷺ كان يتوضأ عند كل صلاة كما جاء في حديث أنس (٣). قال المؤلف ﵀: (يجبُ على كل مكلَّف أن يسمي إذا ذكر) يقرر المؤلف ﵀ هنا وجوب التسمية في الوضوء. والعلماء تارة يطلقون الوجوب ويريدون الركن الذي لا يصح العمل إلا به، وتارة يطلقون الوجوب الذي يصح العمل مع عدم وجوده، ولكن تاركه يأثم، ويريدون الواجب الذي هو بمعنى ما أمر به الشارع أمراً جازماً. ومعلوم أن الأحكام الشرعية واجبة على المكلّفين، أما غير المكلّف فلا تجب عليه، لأن القلم مرفوع عنه. و(المكلّف): هو البالغ العاقل.

стр. 33

وأما التسمية في الوضوء، فاختلف أهل العلم في حكمها، فقال بعضهم بالوجوب وقال البعض بالاستحباب، وقال البعض بالبدعية، وسبب الخلاف صحة الأحاديث التي وردت فيها وفهمها. فمن قال بالوجوب كما قال المؤلف، احتج بقول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» أخرجه أبو داود وغيره (١). وهذا الحديث يدلّ على أن التسمية شرط في الوضوء لا يصحّ الوضوء إلا بها. واستثنى ﵀ الناسي، للأدلة الواردة التي تدل على أن الناسي غير مؤاخذ. لكن هذا الحديث ضعيف ضعّفه جمع من علماء العلل المتقدّمين، بل قال الإمام أحمد ﵀: «لا أعلم في هذا الباب حديثاً له إسناد جيد». وفي رواية عنه: «ليس فيه حديث يثبت»، فضعّف بذلك جميع الأحاديث التي تدل على ما دل عليه هذا الحديث. فإذا لم يصح فيه شيء فلا معنى لإبطال عبادة الناس بغير دليل صحيح. بل لو كانت البسملة مستحبة في هذا الموضع لنقل إلينا ذلك، فالأحاديث التي رواها عثمان وعلي وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة التي فيها دقائق أفعال الوضوء ليس في شيء منها ذكر البسملة بإسناد يعتمد عليه. والله أعلم. قال ﵀: (ويتمضمضَ ويستنشقَ) ذهب المؤلف ﵀ إلى وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء. و(المضمضة) معروفة، وهي أن يجعل الماء في فمه ثم يديره ثم يمجّه. و(الاستنشاق): إدخال الماء في الأنف. و(الاستنثار): إخراج الماء من الأنف.

стр. 34

واستدل من قال بالوجوب بقول النبي ﷺ : «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر» (١) متفق عليه. وأخرج أصحاب السنن عن لقيط بن صَبِرة أن النبي ﷺ قال: «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً» (٢). وكذلك قالوا أمر الله تعالى في كتابه بغسل الوجه في الوضوء، والفم والأنف من جملة الوجه. والصحيح أن المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل، لقوله تعالى: ... ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾. قالوا: الفم والأنف من الوجه، قلنا: لا نسلّم لكم بهذا، لأن الوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة، والفم والأنف إدخال الماء فيهما، وليس مما هو مواجه، فالأنف من الخارج من الوجه، والفم من الخارج من الوجه، وأما من الداخل، فلا. وقال بالذي قلناه، الإمام الشافعي والحسن البصري والزهري والحكم وقتادة ومالك والأوزاعي والليث بن سعد ورواية عن الإمام أحمد. وأما ما ذكروا من أحاديث، فهي على الاستحباب، والذي صرفها عن الوجوب ما جاء في الآية، فإنها مُبَينة ليس فيها إجمال ولا تحتاج إلى بيان، فذَكر الله فرائض الوضوء فيها ولم يذكر المضمضة والاستنشاق. قال ﵀: (ثم يغسلُ جميعَ وجهِهِ) غسل الوجه ركن من أركان الوضوء لا يصح إلا به، فهو مذكور في الآية. والوجه في اللغة: ما حصلت به المواجهة. وحدّه من أعلى الجبهة، من منبت الشعر إلى منتهى الذقن طولاً، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن الأخرى عرضاً، وأجمع العلماء على وجوب غسله (٣).

стр. 35

لكن كما هو معلوم فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولن تتمكن من غسل جميع الوجه الذي أُمرت بغسله إلا بغسل شيء من الشعر وقليل من أسفل الذقن. ثم قال ﵀: (ثم يَدَيْهِ مع مِرْفَقَيْهِ) أي يغسل بعد وجهه يديه مع المرفقين، والمرفقان، هما المفصلان بين العضد والذراع، وهو الموضع التي ينثني عندك في نصف اليد تقريباً، والذي يُسَهِّلُ عليك ثني اليد. والوارد في الآية ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وكلمة «إلى» في اللغة تدل على غاية الشيء، لكن هل هذا الشيء الذي انتهينا إليه يدخل فيما أُمرنا به أم لا يدخل؟ في دخوله احتمال، لكن وردت السنة ببيان أنه داخل، فإن النبي ﷺ كان يغسلهما في وضوئه، وورد عن نُعيم أنه قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ قال: «فغسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد وغسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد» (١)، يعني حتى بدأ بغسل العضد. إذاً دخل المرفق في الغسل، فتبين لنا بهذا أن غسل اليدين يكون مع المرفقين. ومهم أيضاً أن ننبِّه على أن غسل اليدين يبدأ من الأصابع من البداية إلى المرفقين، وليس من الرسغ، وكثير من الناس يبدأ بالرسغ ويُكمل إما لجهله بوجوب غسل اليدين، أو اعتماداً على غسل الكفين في بداية الوضوء، وهذا خطأ، فاليد التي ذُكرت في الآية تشمل الكف. فالغسل يجب أن يبدأ من رؤوس الأصابع إلى المرافق. ثم قال ﵀: (ثم يمسحُ رأسَهُ) وهذا أيضاً من أركان الوضوء لا خلاف في وجوبه، والخلاف حاصل في وجوب مسحه كله، أم بعضه؟ الرأس هو ما اشتملت عليه منابت الشعر المعتاد. وهذه التعريفات الدقيقة توصلك إلى معرفة الواجب بسهولة.

стр. 36

هل الواجب مسح جميع الرأس أم مسح بعضه؟ اختلف أهل العلم في ذلك، وسبب الاختلاف هو اختلافهم في فهم آية ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ هل الباء هذه باء زائدة أم تبعيضية أم للإلصاق؟ الآية تحتمل هذا وهذا، وأما السنة فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه مسح بعض رأسه إلا مع العمامة. والمسح يكون بالبدء بمقدم الرأس إلى أن يصل بيديه إلى القفا، ثم يرجع بهما إلى مقدّم رأسه، كما ورد في الأحاديث (١). والمرأة كالرجل في مسح رأسها، وإذا كان لها ذيل فلا يجب عليها أن تمسح ذيلها. قال ﵀: (مع أذنيه) أي يمسح أذنيه مع رأسه، ثبت ذلك عن النبي ﷺ (٢). ويحتج من يقول بوجوب مسح الأذنين بقول النبي ﷺ : «الأذنان من الرأس» (٣)، وهو حديث مختلف فيه. ومسح الأذنين يكون بمسح ظاهرهما وباطنهما، كما صحّ عن المقدام بن معدي كرب قال: إن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما (٤). وطريقة المسح، أن تضع إبهام اليد خلف الأذن، والسبابة في داخلها، وتبدأ من الأسفل وترتقي إلى الأعلى ثم ترجع إلى الأسفل، فهذه هي الكيفية التي أخذناها عن علمائنا. وهل مسح الأذنين واجب كوجوب مسح الرأس أم لا؟ حصل في هذا نزاع بين أهل العلم، وسبب النزاع، هل مسح بعض الرأس يكفي أم لا؟ فالذي قال بأن مسح بعض الرأس يكفي لم يقل بوجوب مسح الأذنين. وكذلك حديث «الأذنان من الرأس» أيضاً كان سبباً في هذا الخلاف.

стр. 37

والخلاف قوي في صحة حديث: «الأذنان من الر أس». والله أعلم ثم قال ﵀: (ويجزئ مسح بعضه) يرى المؤلف أن مسح بعض الرأس مجزئ، لكن كما ذكرنا فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه مسح بعض رأسه إلا مع العمامة، فنتقيد بفعل النبي ﷺ . ثم قال ﵀: (والمسح على العمامة) أي ويجوز المسح على العمامة، والعمامة: ما يُلفُّ على الرأس. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مسح على العمامة (١)، وصحّ عنه أنه مسح على ناصيته - أي مقدّم رأسه - وعلى العمامة (٢). قال ﵀: (ثم يغسل رجليه مع الكعبين) غسل الرجلين وارد في الآية، وهو ركن من أركان الوضوء، وغسل الرجلين مع الكعبين هو الثابت عن النبي ﷺ (٣). قال عبد الله بن عمرو: تخلّف عنّا رسول الله ﷺ في سَفْرَةٍ، فأدركَنا وقد أرهَقَنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً. متفق عليه (٤). و(العقب): مؤخر القدم، والكعبان: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. والحديث يدلّ على وجوب غسل جميع القدم. وأما دليل غسل الكعبين مع الرجلين، فحديث أبي هريرة، قال نعيم: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في

стр. 38

الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١). قال ﵀: (وله المسحُ على الخُفَّيْنِ) أي يجوز له المسح على الخفين، والخفّ هو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مسح على خفّيه. والثابت عنه أنه مسح أعلى الخف. جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولكنني رأيت النبي ﷺ يمسح على ظهر الخف (٢). وشرط المسح على الخفين أن تلبسهما على طهارة، أي وأنت متوضئ، ودليل ذلك حديث المغيرة، فإنه أراد أن يصب الماء على قدمي النبي ﷺ ليغسلهما، فقال له النبي ﷺ : « ... دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» متفق عليه (٣). وإذا كنت مقيماً فلك أن تمسح عليهما يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ. قال شريح بن هانئ: «سألت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: سل علياً فهو أعلم مني، هو كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألت علياً، فقال: للمقيم يوم وليلة , وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (٤). قال ﵀: (ولا يكونُ وضوء شرعياً إلا بالنِّيَّة لاستباحةِ الصلاةِ) أي لا بد من النية كي يكون الوضوء صحيحاً، فالنية شرط في صحة الوضوء، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... » الحديث. والوضوء عبادة يُقصد بها القربة إلى الله، وليست هي فقط وسيلة بل يُقصد بها أيضاً التقرب إلى الله فتُشتَرط لها النية. قال ﵀: (فصل: ويستحبُّ التثليثُ)

стр. 39

أي: يستحب للمتوضئ أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات. وقد صحّ هذا عن النبي ﷺ في حديث عثمان الذي في «الصحيحين» (١). وصحّ عنه الوضوء مرتين مرتين (٢)، والواجب مرة واحدة (٣)، والمستحب والأكمل ثلاث غسلات. قال ﵀: (في غير الرأس) أي ويستحب التثليث في كل الأعضاء غير الرأس، فلا يستحب، لأن الأحاديث كلها جاءت بمسح الرأس مرة واحدة، ووردت بعض الأحاديث بمسح الرأس ثلاثاً وكلها ضعيفة، لا يصحّ منها شيء، والصحيح أن النبي ﷺ كان يمسح مرة واحدة (٤). قال ﵀: (وإطالةُ الغُرَّةِ والتَّحْجِيْلِ) (الغرّة): بياض الوجه، وأصلها بياض غرة الفرس. و(التحجيل): بياض في اليدين والرجلين، وأصلها بياض قوائم الفرس. قال المؤلف هنا باستحباب الزيادة في غسل الذراعين والرجلين، فَتَشْرَعُ في العضد وتغسله، وتشرع في الساق وتغسلها، وقد قال بهذا تبعا لأبي هريرة ﵁، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجلين من آثار الوضوء». قال أبو هريرة: «فمن استطاع أن يطيل غرّته فليفعل» (٥). وقد جاءت هذه اللفظة مرفوعة، وهي قول أبي هريرة: «فمن استطاع أن يطيل غرّته فليفعل» ولا تصح، فإنها اجتهاد من أبي هريرة ﵁، من كلامه.

стр. 40

قال شيخ الإسلام: «هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلامه ﷺ ، فإن الغرّة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالته غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرّة». انتهى (١). وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإنه لم يرد عنه أنه فعل ما فعله أبو هريرة ﵁، وإنما الذي ورد أنه شرع في العضد والذراع، أي بدأ بشيء يسير منها، بحيث إنه يستوعب الواجب. والبياض الذي يكون على المسلم يوم القيامة هو مواضع الوضوء التي شرعها الله من غير زيادة، ويخشى على من زاد أن يدخل في حديث «هذا وضوئي فمن زاد على ذلك فقد تعدّى وأساء وظَلم» (٢). قال: (وتقديمُ السِّواكِ) أي، ويستحب تقديم السواك قبل البَدْءِ بغسل أعضاء الوضوء. لقوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (٣). قال: (وغَسْلَ اليدينِ إلى الرُّسْغَيْنِ ثلاثاً قَبْلَ الشُّرُوعِ في غَسْلِ الأعضَاءِ المتقدّمةِ) (الرُّسْغ): مفصل ما بين الكف والساعد. وغسل اليدين أول الوضوء إلى الرسغين مستحب بالاتفاق، وثابت من فعل النبي ﷺ في حديث عثمان (٤) وغيره. قال المصنف ﵀: (فصلٌ: وينتقضُ الوضوءُ بما خرجَ من الفَرْجَيْنِ من عَيْنٍ أو ريحٍ) بدأ المؤلف ﵀ هنا ببيان نواقض الوضوء التي يفسد الوضوء بحدوثها، فذكر أولاً: (ما خرج من الفرجين من عين أو ريح).
следующие страницы →