← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هل الواجب مسح جميع الرأس أم مسح بعضه؟ اختلف أهل العلم في ذلك، وسبب الاختلاف هو اختلافهم في فهم آية ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ هل الباء هذه باء زائدة أم تبعيضية أم للإلصاق؟ الآية تحتمل هذا وهذا، وأما السنة فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه مسح بعض رأسه إلا مع العمامة. والمسح يكون بالبدء بمقدم الرأس إلى أن يصل بيديه إلى القفا، ثم يرجع بهما إلى مقدّم رأسه، كما ورد في الأحاديث (١). والمرأة كالرجل في مسح رأسها، وإذا كان لها ذيل فلا يجب عليها أن تمسح ذيلها. قال ﵀: (مع أذنيه) أي يمسح أذنيه مع رأسه، ثبت ذلك عن النبي ﷺ (٢). ويحتج من يقول بوجوب مسح الأذنين بقول النبي ﷺ : «الأذنان من الرأس» (٣)، وهو حديث مختلف فيه. ومسح الأذنين يكون بمسح ظاهرهما وباطنهما، كما صحّ عن المقدام بن معدي كرب قال: إن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما (٤). وطريقة المسح، أن تضع إبهام اليد خلف الأذن، والسبابة في داخلها، وتبدأ من الأسفل وترتقي إلى الأعلى ثم ترجع إلى الأسفل، فهذه هي الكيفية التي أخذناها عن علمائنا. وهل مسح الأذنين واجب كوجوب مسح الرأس أم لا؟ حصل في هذا نزاع بين أهل العلم، وسبب النزاع، هل مسح بعض الرأس يكفي أم لا؟ فالذي قال بأن مسح بعض الرأس يكفي لم يقل بوجوب مسح الأذنين. وكذلك حديث «الأذنان من الرأس» أيضاً كان سبباً في هذا الخلاف.

стр. 37

والخلاف قوي في صحة حديث: «الأذنان من الر أس». والله أعلم ثم قال ﵀: (ويجزئ مسح بعضه) يرى المؤلف أن مسح بعض الرأس مجزئ، لكن كما ذكرنا فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه مسح بعض رأسه إلا مع العمامة، فنتقيد بفعل النبي ﷺ . ثم قال ﵀: (والمسح على العمامة) أي ويجوز المسح على العمامة، والعمامة: ما يُلفُّ على الرأس. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مسح على العمامة (١)، وصحّ عنه أنه مسح على ناصيته - أي مقدّم رأسه - وعلى العمامة (٢). قال ﵀: (ثم يغسل رجليه مع الكعبين) غسل الرجلين وارد في الآية، وهو ركن من أركان الوضوء، وغسل الرجلين مع الكعبين هو الثابت عن النبي ﷺ (٣). قال عبد الله بن عمرو: تخلّف عنّا رسول الله ﷺ في سَفْرَةٍ، فأدركَنا وقد أرهَقَنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً. متفق عليه (٤). و(العقب): مؤخر القدم، والكعبان: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. والحديث يدلّ على وجوب غسل جميع القدم. وأما دليل غسل الكعبين مع الرجلين، فحديث أبي هريرة، قال نعيم: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في

стр. 38

الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١). قال ﵀: (وله المسحُ على الخُفَّيْنِ) أي يجوز له المسح على الخفين، والخفّ هو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مسح على خفّيه. والثابت عنه أنه مسح أعلى الخف. جاء عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولكنني رأيت النبي ﷺ يمسح على ظهر الخف (٢). وشرط المسح على الخفين أن تلبسهما على طهارة، أي وأنت متوضئ، ودليل ذلك حديث المغيرة، فإنه أراد أن يصب الماء على قدمي النبي ﷺ ليغسلهما، فقال له النبي ﷺ : « ... دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» متفق عليه (٣). وإذا كنت مقيماً فلك أن تمسح عليهما يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ. قال شريح بن هانئ: «سألت عائشة عن المسح على الخفين، فقالت: سل علياً فهو أعلم مني، هو كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألت علياً، فقال: للمقيم يوم وليلة , وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (٤). قال ﵀: (ولا يكونُ وضوء شرعياً إلا بالنِّيَّة لاستباحةِ الصلاةِ) أي لا بد من النية كي يكون الوضوء صحيحاً، فالنية شرط في صحة الوضوء، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... » الحديث. والوضوء عبادة يُقصد بها القربة إلى الله، وليست هي فقط وسيلة بل يُقصد بها أيضاً التقرب إلى الله فتُشتَرط لها النية. قال ﵀: (فصل: ويستحبُّ التثليثُ)

стр. 39

أي: يستحب للمتوضئ أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات. وقد صحّ هذا عن النبي ﷺ في حديث عثمان الذي في «الصحيحين» (١). وصحّ عنه الوضوء مرتين مرتين (٢)، والواجب مرة واحدة (٣)، والمستحب والأكمل ثلاث غسلات. قال ﵀: (في غير الرأس) أي ويستحب التثليث في كل الأعضاء غير الرأس، فلا يستحب، لأن الأحاديث كلها جاءت بمسح الرأس مرة واحدة، ووردت بعض الأحاديث بمسح الرأس ثلاثاً وكلها ضعيفة، لا يصحّ منها شيء، والصحيح أن النبي ﷺ كان يمسح مرة واحدة (٤). قال ﵀: (وإطالةُ الغُرَّةِ والتَّحْجِيْلِ) (الغرّة): بياض الوجه، وأصلها بياض غرة الفرس. و(التحجيل): بياض في اليدين والرجلين، وأصلها بياض قوائم الفرس. قال المؤلف هنا باستحباب الزيادة في غسل الذراعين والرجلين، فَتَشْرَعُ في العضد وتغسله، وتشرع في الساق وتغسلها، وقد قال بهذا تبعا لأبي هريرة ﵁، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجلين من آثار الوضوء». قال أبو هريرة: «فمن استطاع أن يطيل غرّته فليفعل» (٥). وقد جاءت هذه اللفظة مرفوعة، وهي قول أبي هريرة: «فمن استطاع أن يطيل غرّته فليفعل» ولا تصح، فإنها اجتهاد من أبي هريرة ﵁، من كلامه.

стр. 40

قال شيخ الإسلام: «هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلامه ﷺ ، فإن الغرّة لا تكون في اليد، لا تكون إلا في الوجه، وإطالته غير ممكنة إذ تدخل في الرأس فلا تسمى تلك غرّة». انتهى (١). وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فإنه لم يرد عنه أنه فعل ما فعله أبو هريرة ﵁، وإنما الذي ورد أنه شرع في العضد والذراع، أي بدأ بشيء يسير منها، بحيث إنه يستوعب الواجب. والبياض الذي يكون على المسلم يوم القيامة هو مواضع الوضوء التي شرعها الله من غير زيادة، ويخشى على من زاد أن يدخل في حديث «هذا وضوئي فمن زاد على ذلك فقد تعدّى وأساء وظَلم» (٢). قال: (وتقديمُ السِّواكِ) أي، ويستحب تقديم السواك قبل البَدْءِ بغسل أعضاء الوضوء. لقوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (٣). قال: (وغَسْلَ اليدينِ إلى الرُّسْغَيْنِ ثلاثاً قَبْلَ الشُّرُوعِ في غَسْلِ الأعضَاءِ المتقدّمةِ) (الرُّسْغ): مفصل ما بين الكف والساعد. وغسل اليدين أول الوضوء إلى الرسغين مستحب بالاتفاق، وثابت من فعل النبي ﷺ في حديث عثمان (٤) وغيره. قال المصنف ﵀: (فصلٌ: وينتقضُ الوضوءُ بما خرجَ من الفَرْجَيْنِ من عَيْنٍ أو ريحٍ) بدأ المؤلف ﵀ هنا ببيان نواقض الوضوء التي يفسد الوضوء بحدوثها، فذكر أولاً: (ما خرج من الفرجين من عين أو ريح).

стр. 41

و (الفرجان): القبل والدبر، وهما مخرج البول والغائط، فإذا خرج منهما شيء يُرى بالعين المبصرة، كالبول والغائط والدم والدود، انتقض الوضوء عند المؤلف. والخارج من السبيلين نوعان: نوع معتاد الخروج، وهو الغائط والبول والريح، والمَنِيُّ والَمذْيُ والوَدْي، فهذه ستة. ونوع غير معتاد الخروج، كالدود والحصا والدم والشعر. أما الدليل على انتقاض الوضوء بخروج الغائط، فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [النساء ٤٣ والمائدة ٦]. فقوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ دليل على أن خروج الغائط من البطن ناقض للطهارة ويحتاج للوضوء، فإن لم يوجد فالتيمم. وأما البول فدليله حديث صفوان بن عسال الذي أخرجه الترمذي وغيره، قال زر بن حبيش أتيت صفوان بن عسال أسأله عن المسح، فقال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنّا سَفَراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (١). أي أمرنا إذا انتقض وضوؤنا من هذه الثلاث، واحتجنا أن نتوضأ، ألا ننزع خفافنا، بل نتوضأ ونمسح عليها، لكن من الجنابة ننزع خفافنا. والشاهد قوله: «إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم»، وهو دليل للبول والغائط أيضاً. وأما دليل الريح فقول النبي ﷺ : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». متفق عليه (٢). وخروج المني كذلك ناقض للوضوء بالإجماع. قال ابن المنذر ﵀ في «الإجماع»: «وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من الذكر، وكذلك المرأة، وخروج المني وخروج الريح من الدبر،

стр. 42

وزوال العقل بأي وجه زال العقل، أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء» (١). وأما المذي - وقد تقدم تعريفه - فالدليل على أنه ناقض للوضوء قول النبي ﷺ عندما سئل عن خروجه: «يغسل ذكره ويتوضأ» (٢). وأما (الودي)، فماء يخرج من الذكر بعد البول، قال ابن المنذر: «وأما الودي فهو شيء يخرج من الذكر على إثر البول، والوضوء يجب بخروج البول، وليس يوجَبُ بخروجه شيء إلا الوضوء الذي وجب بخروج البول» انتهى (٣). وقوله إن شاء الله هو الصواب. وأما غير المعتاد الخارج من السبيلين، فإن خرج معه بول أو غائط، انتقض الوضوء بالبول والغائط، وإن لم يخرج معه بول ولا غائط فلا ينتقض الوضوء، لأن العلماء أجمعوا على طهارة المتوضئ، وهذه الطهارة لا يجوز دعوى نقضها إلا بدليل صحيح من الكتاب والسنة والإجماع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنها نواقض للوضوء واحتجوا بالقياس. ونحن نقول: القياس هاهنا لا محل له، لأن الطهارات عبادات تعبد الله بها خلقه غير معقولة عللها، وقد يخرج من المخرج الواحد ما يوجب الوضوء وما يوجب الغسل، وما لا يوجب شيئاً، كالبول والمني والحيض والاستحاضة، فليست العلّة هي اتحاد المخرج. وبعض الفقهاء تجده يتكلف في استنباط واستخراج العلة مما يجعلهم يبتعدون عن الصواب. قال المصنف ﵀: (وبما يُوجِبُ الغُسْلَ) أي ويجب الوضوء مما يوجب الغسل، كالجماع، وهو التقاء الختانين، ونزول المني، فالتقاء الختانين يوجب الغسل ويوجب الوضوء، وكذلك نزول المني.

стр. 43

فأما نزول المني فتقدم الحديث عنه، وأما التقاء الختانين فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» (١)، وفي رواية أخرى «إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل» (٢). هذا ما يوجب الغسل إذاً فهو ناقض على ما ذكر المؤلف. قال المصنف: لا خلاف في انتقاضه به (٣) قال ﵀: (ونَوْمُ المُضْطَجِعِ) الصحيح أن النوم مظِنّة لنقض الوضوء وليس ناقضاً للوضوء، أي أن النوم ليس كخروج البول مثلاً وليس كخروج الغائط، هو نفسه إذا خرج نقض الوضوء، بل احتمالية نقض الوضوء مع النوم واردة، فمن الجائز أن يخرج ريح من النائم، وقد لا يخرج، فينتقض وضوؤه إذا خرج وهو لا يشعر، فلما كان النوم مَظِنة لنقض الوضوء، صار لا بد من الوضوء منه. دلّ على ذلك حديث صفوان بن عسّال المتقدم: «ولكن من غائط وبول ونوم». فهذا يدل على أن النوم ناقض للوضوء وصحّ عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «إنهم كانوا ينامون فَتَخْفِقَ رؤوسُهم ثم يصلّون ولا يتوضؤون» (٤). وهذا يدل على أن النوم غير ناقض للوضوء. فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين الأحاديث، فبعضهم ذهب إلى ما ذهب إليه المصنف وهو التفريق بين من نام جالساً ومن نام مضطجعاً. قالوا: من نام جالساً لا يخرج منه الريح بخلاف المضطجع.

стр. 44

والصحيح: أن الجالس إذا كان مستغرِقاً في النوم يخرج منه الريح وهو لا يشعر، وإن كان جالساً. وبما أن النوم مَظِنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوءه شعر بنفسه، فإن وضوءه باق، وإذا نام بحيث لو أحدث لم يشعر بنفسه، فقد انتقض وضوءه، وبهذا تجتمع الأدلة، وبهذه الطريقة جمع شيخ الإسلام ابن تيمية بينها. وقد حصلت قصة طريفة مع أحد العلماء الذين قالوا بقول المصنف، فقد كان في مجلس وكان بجانبه أحد الطلبة نائماً فأخرج هذا الطالب ريحاً وهو جالس، فجاء وقت الصلاة، فقال هذا العالم لذاك الرجل: قم فتوضأ، قال له الطالب: - وهو يدرس عنده يعني أخذ مذهبه-: لقد كنت جالساً متمكناً، قال له: قُم فقد سمعت وشممت، وإني أُشهدكم أني رجعت عن قولي. قال ﵀: (وأكْلُ لَحْمِ الإبِلِ) وأكل لحم الإبل ينقض الوضوء، لحديث جابر بن سمرة، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت، فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل» قال أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (١). فرّق النبي ﷺ في هذا الحديث بين أكل لحم الغنم وأكل لحم الإبل، مما يدل على أن هذا الحديث جاء بعد نسخ الوضوء مما مسَّت النار. وبعض أهل العلم يقول: الوضوء مما مست النار مرّ بمرحلتين: المرحلة الأولى: كان واجباً عليهم أن يتوضأوا إذا أكلوا ما مسته النار، كاللحم مثلاً. ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم، فجاء في الحديث أنه كان آخر الأمرين عدم الوضوء مما مسته النار. فقال بعض أهل العلم هذا الأمر بالوضوء من لحم الإبل من المنسوخ.

стр. 45

فرد عليهم المخالفون، وقالوا: لقد فرق النبي ﷺ بين الأكل من لحم الغنم والأكل من لحم الإبل، فلو كان الأمر كما قلتم فكيف أباح النبي ﷺ الأكل من لحم الغنم وهو أيضا مما مست النار؟ ! فقولهم هذا ضعيف مخالف للدليل. وأسعد الناس بهذا الحديث أهل الحديث، فإنهم هم الذين يُفتون بما يقتضيه. وقد قال الإمام الشافعي ﵀: «إن صح الحديث بذلك قلت به»، وقد صح، وهو في «صحيح مسلم». قال ﵀: (والقَيْءُ ونَحْوِهِ) (القيء): ما قذفته المعدة ونحوه: كالقَلَس، والقَلَس: هو ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه، وليس بقيء وهو ما يشعر به الإنسان أحياناً من خروج عصارة المعدة. وكالرعاف، وهو الدم يخرج من الأنف. احتج المؤلف ﵀ على أن هذه الأشياء ناقضة للوضوء بما أخرجه الترمذي وغيره أن النبي ﷺ قاء فتوضأ (١)، وبحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «من أصابه قيء أو رعاف أو قَلَس أو مَذْي فليتوضأ» أخرجه ابن ماجه وغيره (٢). والحديثان ضعيفان، فيبقى الأصل قائماً، والصحيح أنه لاشيء مما ذكرنا في قوله: (والقيء ونحوه) ينقض الوضوء. قال: (ومسِّ الذَّكَرِ) وردَ في مس الذكر أحاديث متعارضة، منها: حديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: «من مسّ ذكره فليتوضأ» (٣)، وحديث طلق بن علي: «إنما هو بِضْعةٌ منك» (٤).

стр. 46

والصحيح أن هذه الأحاديث لا يثبت منها شيء، ولا تثبت الأحكام الشرعية بمثلها، فيبقى الأمر على أصله، وهو أن مس الذكر ليس ناقضاً للوضوء. والله أعلم. وكذلك مس المرأة ليس ناقضاً للوضوء، لأن قول الله ﵎: ﴿أو لامستم النساء﴾ يراد به الجماع على الصحيح، فإن الله ﵎ يكني عن الجماع بما شاء، وقد كنّى عن الجماع بالمس في مواضع أخرى، فنقول بما قاله ابن عباس ﵁ في هذا: أن الملامسة هنا بمعنى الجماع، وبناءً على ذلك فمس المرأة لا يكون ناقضاً للوضوء، ويبنى على ذلك أن المرأة إذا غيَّرت لابنها ومست ذكره أو مست دبره لا يعتبر هذا ناقضاً لوضوئها، ويجوز لها أن تصلي بعد أن تغسل يديها من النجاسات. قال المؤلف ﵀: (بابُ الغُسْلِ) (الغَسْل): بفتح الغين، جريان الماء على الأعضاء. و(الغُسْل): بضم الغين، اسم للاغتسال. وهو اصطلاحاً: إفاضة الماء على جميع البدن مع النية. قال المؤلف ﵀: (يَجِبُ بخُروجِ الَمنِيِّ بشَهْوَةٍ - ولو بِتِفَكُّرٍ -) المني: ماء غليظ دافق يخرج عند اشتداد الشهوة وتمامها، ويكون منه الولد، ومني المرأة رقيق أصفر. وخروج المني الدافق بشهوة يوجب الغسل من الرجل والمرأة في يقظة أو نوم. قال الترمذي: وهو قول عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول سفيان، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال ﷺ : «الماء من الماء» أخرجه مسلم (١).

стр. 47

والمقصود به أن الاغتسال يكون من الإنزال. وعن أم سلمة ﵂، أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال «نعم، إذا رأت الماء» متفق عليه (١). قال ﵀: (وبالتقاءِ الخِتانَيْنِ) أي ويجب الغسل بالتقاء الختانين. و(الختان): موضع القطع من فرج الذكر والأنثى. والمراد بقوله (بالتقاء الختانين) تغييب رأس الذكر في فرج المرأة. وذلك يوجب الغسل لقوله تعالى ﴿وإن كنتم جنباً فاطّهروا﴾، والجنابة هي الجماع في كلام العرب. ولقول النبي ﷺ : «إذا جلس الرجل بين شُعَبها الأربع، ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل» أخرجه مسلم. وفي «الصحيحين»: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهِدَها فقد وجب الغسل» (٢). وليس المراد من المسّ حقيقته، بل تغييب الذكر في الفرج، لأن ختان المرأة في أعلى الفرج ولا يمسه الذكر في الجماع، قال النووي: وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه، لم يجب الغسل لا عليه ولا عليها (٣). والمراد بالمماسة: المحاذاة. وقال ابن قدامة في «المغني»: «ولو مسّ الختان الختان من غير إيلاج، فلا غسل بالاتفاق» (٤). قال ﵀: (وبانقطاعِ الحيْضِ والِّنفاسِ)

стр. 48

ويجب الغسل بانتهاء الحيض من المرأة الحائض، والنفاس من المرأة النفساء. والحيض لغة: السيلان. وشرعاً: دم جِبِلَّةٍ يخرُجُ من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها، على سبيل الصحّة، من غير سبب، في أوقات معلومة. والنفاس: دم يخرج من المرأة عند الولادة. ودليل وجوب الغسل بانقطاعهما، قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهُنّ حتى يطهُرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾، ولقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش وهي مستحاضة: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلّي» متفق عليه (١). والنفاس كالحيض بإجماع الصحابة. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن على النفساء الاغتسال إذا طهُرت» (٢). قال المؤلف ﵀: (وبالاحتِلامِ - مع وجود بللٍ -) من معاني الاحتلام في اللغة: رؤية المباشرة في المنام. ويطلق أيضاً على الإدراك والبلوغ. وفي الاصطلاح: اسم لما يراه النائم من المباشرة، فيحدث معه إنزال المني غالباً. والاحتلام يوجب الغسل إذا حصل إنزال، ورأى الماء، وأما بغير إنزال فلا يوجب الغسل، ودليله حديث أم سلمة المتقدم. قال المؤلف ﵀: (وبالموتِ) يجب تغسيل الميت المسلم إجماعاً (٣)، وسيأتي التفصيل في هذا الموضوع في موضعه إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (وبالإسلامِ)

стр. 49

أي: ويجب الغسل بدخول الكافر في الإسلام، ودليله حديث قيس بن عاصم: «أتيت النبي ﷺ أريد الإسلام، فأمرني بماء وسدر» (١)، وهو صحيح. قال ﵀: (فصلٌ: والغُسْل الواجب هو: أن يُفيضَ الماءَ على جميع بَدَنِهِ، أو يَنْغَمِس فيه مع المضمضةِ والاستنشاقِ) بعدما انتهى المؤلف من موجبات الغسل، بدأ بذكر الواجب في الغسل، وهو إفاضة الماء على جميع البدن، أي صبّ الماء على جميع الجسم أو بالانغماس في الماء. قال: (مع المضمضة والاستنشاق)، والصحيح أن المضمضة والاستنشاق ليستا واجبتين، لا في الوضوء ولا في الغسل. أما في الوضوء فقد تقدم الكلام في ذلك، وأما في الغسل فقد ورد في حديث أم سلمة أن النبي ﷺ أمر أم سلمة بإفاضة الماء على نفسها من غير أن يذكر لها المضمضة والاستنشاق، فيدلّ ذلك على عدم الوجوب. وحديث أم سلمة في «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال لها: «إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء، فإذا أنت قد طهُرْت»، وذلك حين سألته عن نقض ضفر رأسها لغُسل الجنابة (٢). وحديث جابر في «الصحيح» كان النبي ﷺ : «يأخذ ثلاثة أكُف ويفيضها على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده» (٣). قال المؤلف: (والدَّلْكُ لما يُمْكِنُ دَلْكُهُ) اختلف أهل العلم في دلك ما يمكن دلكه من الجسم، هل هو واجب أم تكفي الإفاضة؟ وحديث أم سلمة وجابر المتقدمان يدلان على أن مجرد الإفاضة كافٍ في الغسل، وأن الدلك ليس واجباً، وهو الصحيح، وهو قول أكثر العلماء، وكذلك حديث عائشة وميمونة في «الصحيحين» (٤)، فإنه لم يرد فيهما ذكر الدلك، وورد فيهما الغسل الكامل المستحب.

стр. 50

قالت عائشة: «كان النبي ﷺ إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلِّل بها أصول شعره، ثم يصبّ على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض على جلده كله». وحديث ميمونة قالت: «وضعت للنبي ﷺ ماءً فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق أو غسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحوّل من مكانه فغسل قدميه». قال المؤلف ﵀: (ولا يكونُ شَرْعِيّاً إلا بالنية لِرَفْعِ مُوُجِبِهِ) أي لا يكون الغسل غسلاً شرعياً إلا بعقد النية عليه، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... الحديث» (١). والغسل عبادة من العبادات، والموجب، أي: الذي أوجب الغسل، وهو ما تقدم من نزول المني والتقاء الختانين ... إلخ. قال المؤلف ﵀: (ونُدِبَ تَقْدِيِمُ غَسْلِ أعضاءِ الوُضُوءِ إلا القَدَمَيْنِ) لما تقدم من حديث عائشة وميمونة. والدليل على أن الوضوء في الغسل ليس واجباً، حديث أم سلمة وجابر وغيرهما (٢). وقد نقل أهل العلم الاتفاق على أن الوضوء لا يجب في الغسل، فقد قال النووي في كتابه «المجموع»: «الوضوء سنة في الغسل وليس بشرط ولا واجب، هذا مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكي عن أبي ثور وداود، أنهما شَرَطاهُ، كذا حكاه أصحابنا عنهما». ونقل ابن جرير الإجماع على أنه لا يجب (٣)، ثم ذكر الأدلّة على عدم وجوبه. وقال الإمام الشافعي ﵀: «فرض الله تعالى الغسل مطلقاً لم يذكر فيه شيئاً يبدأ به قبل شيء، فكيفما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغُسل جميع بدنه» انتهى (٤).

стр. 51

وأما تأخير غسل القدمين، فجاء في حديث ميمونة، وعائشة لم تذكر ذلك، فالظاهر أن التقديم والتأخير كلاهما سنة، فروت كل واحدة منهما ما رأت. قال المؤلف ﵀: (ثم التَّيامُنُ) أي أن البَدء بالميامن مستحب، وذلك لما صحّ عنه ﷺ أنه كان يبدأ بشقِّ رأسه الأيمن، وهو في «الصحيح» (١). وجاء في «الصحيح» عن عائشة، قالت: «كنا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيديها ثلاثاً فوق رأسها، ثم تأخذ بيدها على شقها الأيمن، وبيدها على شقها الأيسر» (٢). وهذه تدل على استحباب البدء باليمين من الرأس والجسم. قال: (فصلٌ: ويُشْرَعُ لصَلاةِ الجُمُعة) غسل الجمعة مستحب، لقول النبي ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلمٍ» متفق عليه (٣)، وقوله: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» متفق عليه (٤). قال الإمام الشافعي ﵀: «احتمل الوجوب هنا معنيين، الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة ونفي تغير الريح عند اجتماع الناس، كما يقول الرجل للرجل: وجب حقك عليّ إذا رأيتني موضعاً لحاجتك» (٥). ثم رجّح المعنى الثاني مع أن الأول هو الظاهر، ولكنه أتى بدليل يدلّ على أن المعنى الثاني هو الظاهر بالدليل، وهو المؤول. والدليل الذي استدلّ به، حديث عمر: عندما دخل عثمان يوم الجمعة وعمر على المنبر يخطب، أنكر عمر على عثمان تأخّره، فاعتذر عثمان بأنه انشغل في السوق ثم جاء لما

стр. 52

سمع النداء، فقال له عمر: والوضوء أيضاً , وقد علمت أن رسول الله كان يأمر بالغسل (١). قال الشافعي: «لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دلّ ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار». قال: وروت عائشة الأمر بالغسل يوم الجمعة، قالت: «كان الناس عمّال أنفسهم، فكانوا يروحون بهيئاتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم» (٢) انتهى. ووجه الدلالة من الحديث الأخير أن تقدير الكلام: لو اغتسلتم لكان أفضل وأكمل، وهذا يدل على الاستحباب. وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غُفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام» (٣). قال الحافظ ابن حجر: «إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل للجمعة». انتهى (٤). ووجه الدلالة من الحديث: ذكر الوضوء وما معه مرتِّباً عليه الثواب المقتضي للصحة، يدلُّ على أن الوضوء كاف. ووقت غسل الجمعة من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، والأفضل أن يتصل الغسل بالذهاب إلى المسجد. وإذا أحدث بعد الغسل كفاه الوضوء. ويخرج وقت الغسل بالفراغ من صلاة الجمعة، لقول النبي ﷺ : «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (٥). قال المؤلف: (والعِيدَيْنِ)

стр. 53

أي ويشرع الغسل للعيدين. لم يصح شيء في ذلك عن النبي ﷺ ، وقد ضعف ابن الملقّن: «أحاديث غسل العيدين، وذكر فيها آثار عن الصحابة جيدة» (١). وقال النووي في «المجموع» (٢): «ومن الغُسل المسنون غُسل العيدين وهو سنة لكل أحد بالاتفاق سواء الرجال والنساء والصبيان لأنه يراد للزينة وكلهم من أهلها». قال المؤلف: (ولمن غسّل ميّتاً) وقد ورد فيه حديث ضعيف، وهو قول النبي ﷺ : «من غسّل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (٣). قال أبو حاتم الرازي: «هذا خطأ إنما هو موقوف على أبي هريرة لا يرفعه الثقات» (٤). وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني - حيّة الوادي - وكلاهما إمام في العلل، قالا: «لا يصحّ في هذا الباب شيء»، نقله عنهما الإمام البخاري (٥). والظاهر أنه يُقِرُّهُما. قال المؤلف ﵀: (وللإحْرامِ) أخرج البزار والحاكم والبيهقي وغيرهم عن ابن عمر، قال: «من السنة أن يغتسل الرجل إذا أراد الإحرام». صححه الشيخ الألباني في «الإرواء» (١/ ١٧٩)، وشيخنا الوادعي في «الجامع الصحيح» (١/ ٥٤٥) ورواه ابن أبي شيبة. قال المؤلف ﵀: (ولدخولِ مكة) يستحبّ لمن أراد دخول مكة أن يغتسل، لما في «الصحيحين» عن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله (٦)

стр. 54

قال ابن المنذر: «الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية»، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء (١). وهذا الاغتسال للطواف، ولذلك لا تغتسل الحائض ولا النفساء لدخول مكة لتعذّر الطواف عليهما. قال المؤلف ﵀: (باب التَّيَمُّمِ) (التيمم) لغة: القصد، يقال تيمّمَه بالرُّمح، أي تقصّده وتعمّده دون غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون﴾ أي، لا تقصِدوا الشيء الرديء لتنفقوا منه. وشرعاً: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. ودليل مشروعيته قول الله ﵎ ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾. وقال ﷺ : «أعطيت خمساً لم يُعَطهُنّ أحدٌ قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (٢). وأجمع علماء الأمة على أن التيمم مشروع (٣). قال المؤلف ﵀: (يُسْتباح به ما يستباح بالوضوءِ والغُسْلِ لمن لا يجدُ الماءَ، أو خَشِيَ الضَّرَرَ من استعماله) التيمم يباح للمحدث حدثاً أكبر أو أصغر، أي يفعل للتطهر من الحدث الأصغر والأكبر، فيستعمل بدل الوضوء والغسل، وفي الحضر والسفر، ولكن متى يفعل؟ يباح التيمم في الحالات التالية:

стр. 55

١. إذا لم يجد المحدِثُ الماءَ، أو لم يجد منه ما يكفيه للطهارة، لقول الله ﵎ ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيّباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوّاً غفوراً﴾. ٢. إذا كان به جراحة أو مرض، وخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر الشفاء. ٣. إذا كان الماء شديد البرودة، وغلب على ظنه حصول ضررٍ باستعماله وعجز عن تسخينه ولو بأجر. ٤. إذا كان الماء قريباً منه إلا أنه يخاف على نفسه أو على عرضه أو ماله أو فوت الرفقة، فوجود الماء في هذه الحالة كعدمه، وكذلك إن خاف إن اغتسل أن يُرمى بما هو بريء منه ويتضرر به، جاز له التيمم، وأما مجرد الاستحياء أو الخوف غير المبرر، فلا. ٥. إذا احتاج الماء الموجود عنده للشرب أو للعجن أو غير ذلك من الضروريات. قال المؤلف ﵀: (وأعضاؤه: الوَجْهُ ثم الكفّانِ، يَمْسَحُهُما مرَّةً بضربةِ واحدةٍ، ناوياً مسمّياً) أعضاء التيمم، الوجه والكفان فقط كما جاء في الآية المتقدّمة، وكذلك في حديث عمار في «الصحيحين»، قال: «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرّغت في الصعيد كما تمرّغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا: ثم ضرب بيديه إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفّيه ووجهه» (١). وفي رواية في «الصحيح»: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك» (٢)، وهو أصحّ حديث في الباب. وفي رواية عند البخاري: «فضرب بكفّه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بهما ظهر كفه أو ظهر شماله بكفّه ثم مسح بهما وجهه» (٣).

стр. 56

ففي هذه الرواية الأخيرة تقديم اليدين على الوجه، وهو الصحيح. وتنوي بذلك رفع الحدث، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وأما التسمية فلم يصح فيها شيء لا في الوضوء ولا في التيمم. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (ونواقِضُهُ نواقضُ الوضوءِ) اتفق أهل العلم على أن التيمم ينتقض بما ينتقض به الوضوء والغُسل (١). ويضاف إلى ذلك وجود الماء أو القدرة على استعماله، لأنه بدل الماء، فإذا وُجد الأصل بطل البدل. والمسح يكون بالصعيد، بعضهم قال هو التراب فقط، والبعض قال: التراب وكل ما كان من جنس الأرض كالرمل والحجر والحصا. والصعيد في اللغة: وجه الأرض تراباً كان أو غيره. قال ﵀: (بابُ الحَيْضِ) الحيض لغة: السيلان. وشرعاً: دم جبلّة يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها على سبيل الصحّة من غير سبب في أوقات معلومة، وقد تقدّم تعريفه. قال المؤلف: (لم يأتِ في تَقْديرِ أقلِّهِ وأكثرِهِ ما تقومُ به الحُجَّةُ وكذلك الطُّهْرُ). حدّد بعض العلماء وقتاً لأوّل الحيض وآخره، وكذلك لأول الطهر وآخره، فمنهم من قال: أقل الحيض يوم وليلة، وقال البعض ثلاثة أيام، وقالوا في أكثره: خمسة عشر، وبعضهم قال: عشرة أيام، وقالوا ما كان أكثر من ذلك فاستحاضة، والخلاف في هذا التحديد كثير، لأنه لم يصحّ فيه شيء عن النبي ﷺ ، واعتمد كثير من أهل العلم في أقوالهم على الواقع، أي واقع النساء، وكل تكلّم بما علم، والبعض اعتمد على أحاديث ضعيفة.

стр. 57

وقال جماعة من العلماء بما قاله الشوكاني ﵀، وهو أنه ليس لأقل الحيض بالأيام حدّ ولا لأكثره وقت، والحيض عندهم إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة، والطهر إدباره. قال ﵀: (فذاتُ العادةِ المتقرِّرَةِ تعملُ عليها، وغيرُها ترجِعُ إلى القرائنِ، فدمُ الحيضِ يتميَّزُ من غيره، فتكونُ حائضاً إذا رأت دمَ الحيضِ، ومستحاضةً إذا رأتْ غيرَهُ، وهي كالطاهرةِ، وتغسل أثر الدمِ، وتتوضأ لكل صلاةٍ) إذا كانت دورة المرأة منتظمة في وقتها المعلوم عندها، وانقطعت في وقتها، فإنها تمسك عن الصلاة والصيام، وتثبت لها أحكام الحائض، ولا إشكال في ذلك. أما إذا كان الدم ينزل منها باستمرار، ولا ينقطع، فهذه تسمى مستحاضة. والاستحاضة هي: استمرار نزول الدم في غير وقته. فكيف تفعل المستحاضة مع استمرار الدم ومع اختلاط الأمر عليها؟ ! ، هل الدم النازل دم حيض، أم دم استحاضة؟ قال المؤلف: (فذات العادة المتقررة تعمل عليها)، فإذا كانت امرأة ما تحيض مثلاً سبعاً وتطهر ثلاثاً وعشرين يوماً، فهذه عادتها متقررة، فإذا استمر الدم واستحاضت تعمل على عادتها المتقررة، فتحيَّضُ سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي ثلاثاً وعشرين يوماً وهكذا. ودليل ذلك قول النبي ﷺ للمستحاضة: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» أخرجه البخاري (١). وأما التي ليس لها عادة مقرّرة، كالصغيرة، والتي نسيت عادتها، فهذه تعمل بالقرائن، فتميّز بين دم الحيض ودم الاستحاضة بالرائحة واللون، واستدل على هذا بحديث ضعيف، وهو قوله ﷺ : «دم الحيض أسود يُعْرف» (٢) استنكره أبو حاتم. وأما الحالة الثالثة: إذا لم تكن لها عادة متقررة ولا تميز بين الدمين، فهذه تنظر إلى عادة نسائها؛ كأختها وأمها وتعمل عليها.

стр. 58

قوله: (وتغسل أثر الدم) لقوله ﷺ : «فاغسلي عنك الدم وصلي» وهو في «الصحيح» (١). وقوله: (تتوضأ لكل صلاة)، ورد في «صحيح البخاري» من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «جاءت فاطمة بنت حبيش إلى النبي ﷺ فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا إنما ذلك عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي» (٢). قال - أي هشام -: وقال أبي - أي عروة -: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (٣). اختلف أهل العلم في هذه الزيادة الأخيرة، فبعضهم قال: هي من قول النبي ﷺ ، والبعض قال: هي مدرجة من قول عروة، لذلك أشار مسلم إلى أنه حذفها عمداً، ولم يذكرها. ونحن مع مسلم فيما ذهب إليه، فقد روى الحديث جهابذة أصحاب هشام ولم يذكروا هذه الزيادة فيه، والبعض زادها بلفظ: «وتوضئي» ولم يقل «لكل صلاة». فالذي يظهر لي أنها فتوى لعروة كان يفتي بها بعض من حدثها الحديث. والله أعلم. وبناء على ذلك فلا يجب على المستحاضة ومن به سلس بول الوضوء لكل صلاة، قال بهذا ربيعة شيخ مالك، ومالك، وهو الصواب إن شاء الله. قال ﵀: (والحائضُ لا تصلِّي ولا تصومُ) لما ورد في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال في المرأة: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» (٤)، ولم يخالف في ذلك غير الخوارج، لأنهم أصحاب غلو وتنطّع. وقال ﵀: (ولا تُوْطَأُ حتى تَغْتَسِلَ بعد الطُّهر).

стр. 59

أي لا تجامع حتى تغتسل بعد الطهر من الحيض، لقوله ﵎: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهُرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهّرين﴾. ولقوله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١). قال ﵀: (وتقضي الصيام) لحديث عائشة أنها سألتها امرأة، فقالت: أتجزئ إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: «أحرورية أنت؟ كنا نحيض مع النبي ﷺ فلا يأمرنا به» (٢). وفي رواية «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣). قال: (فصل: والنِّفاسُ أكثرُهُ أربعونَ يوماً، ولا حدَّ لأقلّه وهو كالحيضِ) تقدم تعريف النفاس، وهو دم يخرج من المرأة عند الولادة، لا حدّ لأقله كما قال المؤلف على الصحيح، وإذا لم تر الدم أصلاً تغتسل وتصلي. وأما أكثره، فقيل - كما قال المؤلف -: أربعون يوماً، وقيل ستون يوماً. فالذين قالوا أكثره أربعون يوماً، قالوا: بعد الأربعين تغتسل وتصلي وإن استمر الدم، والذين قالوا بالستين، قالوا: تغتسل وتصلي بعد الستين، إلا إذا صادف وقت حيضها. وأما إذا انقطع الدم قبل ذلك فتغتسل وتصلي وإن لم تبلغ الأربعين أو الستين. وحجّة من قال بالأربعين، حديث أم سلمة، قالت: «كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً أو أربعين ليلة» (٤). وهو حديث ضعيف فيه مُسّة الأزدية، قال فيها الدارقطني: «لا يحتج بها». كذا في «المغني» للذهبي.

стр. 60

وقال في «الميزان» بعد أن نقل كلام الدارقطني: قلت: «لا تعرف إلا في حديث مكث المرأة في النفاس أربعين يوماً». والذين قالوا بالستين، قالوا: هو أكثر ما وجد من النساء، ولعلّ هذا القول أقرب إلى الصواب. والله أعلم. وهو قول مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، وفي قول عن مالك، يسأل عن ذلك النساء وأهل المعرفة. كتابُ الصلاةِ قال المؤلف ﵀: (كتاب الصلاة) الصلاة لغة: الدعاء، قال تعالى: ﴿وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ أي: ادع لهم.

стр. 61

وقال ﷺ : «إذا دعي أحدكم، فليجب إن كان مفطراً، وإن كان صائماً، فليصلِّ» أي: فليدعُ. أخرجه مسلم (١). وأما في الشرع، فهي الأفعال المعلومة التي تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم. والأصل في ذكر الصلاة في الكتاب والسنة أنها بالمعنى الشرعي، وذلك أصل في كل معنى تختلف فيه المعاني اللغوية عن الشرعية. وحكمها معلوم لا يخفى على أحد، فهي واجبة، وثاني ركن من أركان الإسلام، قال ﷺ : «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصيام رمضان» وفي رواية: «وصيام رمضان والحج». متفق عليه (٢). وقال ابن حزم: «لا خلاف من أحد من الأمة أن الصلوات الخمس فرض، ومن خالف ذلك كفر» (٣). ودليل الصلوات الخمس من السنة حديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرها؟ قال ﷺ : «لا إلا أن تطَّوّع» متفق عليه (٤). قال ابن المنذر ﵀: «ولا اختلاف أن الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والصبح ركعتان، هذا فرض المقيم، وأما المسافر ففرضه ركعتان، إلا المغرب، فإن فرض المسافر فيه كفرض المقيم» (٥). قال المؤلف ﵀: (أولُ وقتِ الظُّهْرِ الزَّوالُ، وآخرُهُ مصيرُ ظلِّ الشيء مثلَهُ - سِوى فيءِ الزوالِ - وهو أولُ وَقْتِ العَصْرِ، وآخِرُهُ ما دامتِ الشَّمْسُ بيضاءَ نقيةً) بدأ المؤلف ﵀ ببيان مواقيت الصلاة، فالصلاة لها وقت محدد من الشارع، ودخول وقتها، وفعلها في وقتها المحدد لها شرعاً، شرط من شروط صحّة الصلاة.

стр. 62

قال : ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾، أي مفروضة في أوقات معينة تؤدى فيها من غير تقديم ولا تأخير. وصلى جبريل بالنبي ﷺ في أوائل الأوقات وفي أواخرها، ثم قال للنبي ﷺ : «هذا وقت الأنبياء من قَبْلِك، والوقت فيما بين هذين الوقتين». أخرجه الترمذي (١). وقال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ١٣٨): «اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتاً خمساً، هي شرط في صحة الصلاة، وأن منها أوقات فضيلة، وأوقات توسعة، واختلفوا في حدود أوقات التوسعة، والفضيلة». وبدأ المؤلف ببيان وقت الظهر، لأن جبريل بدأ به. وأول وقت الظهر الزوال، قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس» (٢). انتهى وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها: حديث ابن عمرو (٣)، قال: قال رسول الله ﷺ : «وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ... ». و(الزوال): ميل الشمس عن كبد السماء - أي وسطها - إلى جهة الغرب. وسمي زوالاً، لأنهم كانوا يقدّرون أن الشمس تستقر في كبد السماء ثم تزول - أي تنحط عن كبد السماء إلى جانب المغرب - وذلك لما يحصلُ من بطء حركتها هناك. واستقرارها المظنون في كبد السماء يسمى استواءً. وعلامة الزوال: زيادة الظل بعد تناهي نقصانه. وذلك لأن ظل الشخص يكون في أول النهار طويلاً ممتداً، فكلّما ارتفعت الشمس نقص، فإذا انتصف النهار وقف الظل، فإذا زالت الشمس عاد الظل إلى الزيادة. والذي يسمى في الجغرافيا (خط العرض)، هو (خط الزوال). هذا هو أول وقت الظهر.

стр. 63

وأما آخره، فقد بيّنته السنة، وهو كما ذكر المؤلف، (مصير ظل الشيء مثله - سوى فيء الزوال). أولاً: فيء الزوال: هو الظل الذي يكون موجوداً عند الزوال. قال الجيلاني - كما في «عون المعبود» -: «فإذا أردت أن تعرف ذلك، فقس الظل بأن تنصب عموداً أو تُقَوِّم قائماً في موضع الأرض مستوياً معتدلاً، ثم علّم على منتهى الظل، بأن تخط خطّاً، ثم انظر أينقص أم يزيد، فإن رأيته ينقص، علمت أن الشمس لم تَزُل بعد، وإن رأيته قائماً لا يزيد ولا ينقص، فذلك قيامها - أي استواؤها - وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإذا أخذ الظل في الزيادة فذلك زوال الشمس، فقس من حد الزيادة إلى ظل ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإذا بلغ إلى آخر طوله فهو وقت آخر الظهر» (١). وانظر «الأوسط» (٢) لابن المنذر، فإنه أسهل وأوضح. والدليل على أن آخر وقت الظهر ما ذكر المؤلف، حديث جبريل، وفيه أنه صلى لما كان فيء الرجل مثله (٣). وهو أول وقت العصر، دلّ على ذلك حديث ابن عمرو، قال ﷺ : «ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم تحضر العصر» (٤) , وهذا يدل على أن آخر الظهر هو أول العصر، وصلى جبريل العصر لما كان فيء الرجل مثله (٥). وقال ﷺ : «أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» (٦). واختلف أهل العلم في آخر وقت العصر، لاختلاف الأدلة في ذلك، وأصحُّ الأقوال في ذلك: أن وقت العصر لا يخرج بحيث يقال فاتته العصر إلا بغروب الشمس،

стр. 64

لقول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك العصر». متفق عليه (١). ولكن لا يجوز لأحد أن يداوم على تأخيرها إلى آخر وقتها، لقوله ﷺ : «ألا أخبركم بصلاة المنافقين، يدع العصر حتى إذا كان بين قرني الشيطان - أو على قرن الشيطان - قام فنقرهن كنقرات الديك لا يذكر الله فيهن إلا قليلاً» (٢). ووقت الاختيار إلى اصفرار الشمس لحديث ابن عمرو، قال ﷺ : «ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس» (٣). وبعد ذلك، إلى الغروب وقت ضرورة، أي من اضطر إلى تأخيرها إلى ذلك الوقت جاز له تأخيرها، كالحائض تطهر، والمجروح يشق عليه أن يصلي قبل الاصفرار، وهكذا. ومن أخّرها عمداً، فقال بعضهم: يأثم. وقال البعض الآخر: لا يأثم، ولكنه فعلٌ مكروهٌ، وهذا الظاهر، لقوله ﷺ : «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الأخرى» (٤). قال المؤلف ﵀: (وأولُ وَقْتِ المغْرِبِ غُرُوبُ الشمسِ، وآخرهُ ذهابُ الشَّفَقِ الأحْمَرِ) يبدأ وقت المغرب بمغيب الشمس، أي باختفاء قرص الشمس، وهذا محل إجماع (٥)، والأحاديث تدلّ عليه. وأما آخره فدليله حديث عبد الله بن عمرو، قال ﷺ : «ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق» (٦).

стр. 65

والصحيح من أقوال أهل العلم أن الشفق هو الحمرة وليس البياض، صحّ عن ابن عمر أنه قال: الشفق الحمرة، وهو أعلم بذلك (١). قال المؤلف ﵀: (وهو أولُ العشاءِ وآخرهُ نصفُ الليلِ) أي آخر وقت المغرب الذي يكون بذهاب الشفق الأحمر، هو أول وقت العشاء لحديث بريدة، أن النبي ﷺ علَّم رجلاً أوقات الصلاة بفعله، «فأمر بالعشاء حين وقع الشفق»، وهو في الصحيح (٢)، فبانتهاء المغرب يبدأ العشاء. وأما آخره، فورد في ذلك حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» (٣). ونصف الليل يحسب من غروب الشمس إلى الفجر الصادق، ثم منتصف هذا الوقت هو نصف الليل، وهذا وقت الاختيار. وأما وقت الضرورة، فإلى طلوع الفجر الصادق، ودليل هذا الوقت حديث أبي قتادة المتقدم وهو قول النبي ﷺ : «إنما التفريط على من لم يصل صلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، ولا يستثنى من هذا إلا الفجر بالإجماع. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه أخّر العشاء إلى شطر الليل، فإذا خرج نصف الليل فيكون صلى بهم بعده (٤). ثم قال المؤلف ﵀: (وأولُ وَقْتِ الفَجْرِ إذا أنشقّ الفَجْرُ وآخِرهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ) أجمع أهل العلم على أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر، كذا قال ابن المنذر (٥)، والأحاديث في «الصحيحين» تدلّ على ذلك. وقال: وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من صلى الصبح بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فقد صلاها في وقتها (٦).

стр. 66

وقال ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح». متفق عليه (١). وفي حديث عبد الله بن عمرو: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» (٢). والفجر فجران، فجر كاذب وفجر صادق، والفجر الذي ينتهي به وقت العشاء الضروري , ويبدأ به وقت صلاة الصبح هو الفجر الصادق. وبين الفجر الصادق والفجر الكاذب ثلاثة فروق، ذكرها العلماء، هي: ١. الفجر الكاذب ممتد من الشرق إلى الغرب، وأما الصادق فمعترض من الشمال إلى الجنوب. ٢. الفجر الكاذب تتبعه ظلمة فيضيء مدة قصيرة ثم يظلم، والفجر الصادق يضيء ويزداد نورا. ٣. الفجر الكاذب بينه وبين الأفق ظلمة، والصادق متصل بالأفق ليس بينه وبين الأفق ظلمة. والفجر الكاذب لا يترتب عليه أحكام شرعية، فالأحكام الشرعية تترتب على الفجر الصادق. قال ﵀: (ومن نامَ عن صلاتِهِ أو سَهَا عنها فوقْتُهَا حينَ يَذْكُرُهَا) فقد قال النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها» متفق عليه (٣). وقال: (ومن كان معذوراً وأدركَ من الصلاةِ ركعةً فقد أدركها) لقوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». متفق عليه (٤)

стр. 67

فمن أدرك ركعة من الصلاة في الوقت فقد أدركها بدلالة هذا الحديث. وقال ﵀: (والتوقيتُ واجبٌ) وقد بيّنا ذلك في بداية كتاب الصلاة، فأداء الصلاة يجب أن يكون في وقتها الذي وقّته الله سبحانه لها. قال: (والجمعُ لِعُذْرٍ جائزٌ) الجمع بين الصلاتين هو أن تصلي الصلاتين في وقت واحدة منهما، كأن تصلي الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا يسمى جمع تقديم، أو تصلي الظهر والعصر في وقت العصر فيسمى جمع تأخير. ولا يكون الجمع إلا بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء، وهذا الجمع الذي ذكرناه هو الجمع الحقيقي. وهناك جمع عند بعض أهل العلم اسمه الجمع الصوري، أي صورته صورة جمع، ولكن حقيقته ليس بجمع، وذلك بأن تأخر الظهر إلى آخر وقتها وتقدم العصر إلى أول وقتها، وكذلك تفعل في المغرب والعشاء. وحقيقة هذا ليس جمعاً ولا يصح أن تحمل عليه أحاديث الجمع. والجمع يجوز لعذر السفر والمرض والمطر، وما كان مثلها من الأعذار، لأحاديث وردت تدل على جواز الجمع. منها، حديث ابن عباس في الصحيح، ولفظه: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر»، قال ابن عباس: «أراد ألا يحرج أحداً من أمته» (١). وفي رواية عند مسلم: «جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر».

стр. 68

وفي رواية عنده: «قال عبد الله بن شقيق: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته» (١). ثم قال ﵀: (والمُتَيَمِّمُ وناقِصُ الصَّلاةِ أو الطَّهارَةِ يُصَلّونَ كغيرِهِم من غيرِ تأخيرٍ) ناقص الصلاة كالذي به مرض يمنعه من القيام مثلاً. وناقص الطهارة كالذي لا يتمكن من غسل يده مثلاً أو رجله أو لا يتمكن من المسح على رأسه، أو كالمتيمم. فهؤلاء يصلون الصلاة في وقتها كبقية المصلين، لأنه لم يرد ما يدل على تخصيصهم بأوقات أخرى، ومن أوجب عليهم تأخير الصلاة عن أول وقتها لم يأت بدليل صحيح في ذلك. ثم قال: (وأوقاتُ الكراهةِ - في غيرِ مكةَ - بعد الفجرِ حتى ترتفعَ الشمسُ، وعند الزوالِ - في غير يوم الجمعة - وبعد العصر حتى تَغْرُبَ) ثبت عن النبي ﷺ في «الصحيحين» وغيرهما أنه نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعند الزوال (٢). وجاء في حديث عقبة بن عامر ما يبين أن المراد من ذلك وقت طلوع الشمس ووقت غروبها لا جميع الوقت بعد الفجر وبعد العصر. قال عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان ينهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع قدر رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيّف الشمس حتى تغرب» (٣).

стр. 69

قوله (حتى ترتفع)، أي قدر رمح كما جاء في بعض الروايات، يعني قدر متر في رأي العين، وهي قدر عشر دقائق. وقوله (قائم الظهيرة)، أي حال استواء الشمس، أي حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق والمغرب. وقوله (حين تضيّف)، أي حين تميل. وقوله (حتى تغرب)، قال ابن عثيمين: «يجعل قدر رمح كالشروق». والذي يدل على ما ذكرنا أنه ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه صلى بعد العصر (١)، فيكون النهي خاصاً بالأوقات التي ذكرها عقبة. وقد كان عمر ﵁ يضرب على الصلاة بعد العصر، كي لا تؤدي إلى الصلاة في وقت النهي، وبيّن عمر نفسه سبب ضربه عليها، وثبت عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يصلون بعد العصر. وأما استثناء مكة، فلما ورد في السنن أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمر الناس شيئاً فلا يمنعنّ أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (٢). وأما الجمعة، فقد استدلوا بحديث سلمان أن النبي ﷺ قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهّر ما استطاع من طهر ويدّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرّق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٣). واستدلّوا بأحاديث أخرى،

стр. 70

منها، حديث أبي هريرة: «كان رسول الله ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة». وهو حديث ضعيف (١). وعن أبي قتادة: «كره النبي ﷺ الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال إن جهنم تسجّر إلا يوم الجمعة» وهو ضعيف أيضاً (٢). قال البيهقي ﵀: «واعتمادي في المسألة على حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: «من اغتسل يوم الجمعة فصلى ما قدّر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام ... إلخ» (٣)، وحديث أبي سعيد وأبي هريرة، «من اغتسل يوم الجمعة، واستاك ولبس أحسن ثيابه وتطيّب بطيب إن وجده ثم جاء ولم يتخط الناس فصلى ما شاء الله أن يصلي فإذا خرج الإمام سكت فذلك كفارة إلى يوم الجمعة الأخرى» (٤) رواته كلهم ثقات. قال: ووجه الاستدلال أن النبي ﷺ استحب التبكير وندب إلى الصلاة إلى أن يخرج الإمام، فدل ذلك على جواز فعل الصلاة نصف النهار إذ لو كان ممنوعاً منه لما مدّه إلى خروج الإمام. وقال الصنعاني بعدما ذكر حديث أبي قتادة المتقدم: «ضعّفه أبو داود إلا انه أيّده فعل أصحاب رسول الله، فإنهم كانوا يصلون النهار يوم الجمعة ... » (٥). ثم ذكر ما استدل به البيهقي. وأفضل وقت تؤدّى فيه الصلاة هو أول وقتها كما صحّ عن النبي ﷺ ، إلا الظهر في شدة الحر، لقوله ﷺ : «أبردوا بالظهر، فإن شدّة الحرِّ من فيح جهنم» (٦)، والعشاء إلى ثلث

стр. 71

الليل لقوله ﷺ : «إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة»، و «وكان خرج عليهم حين ذهب ثلث الليل أو بعده» (١). وفي حديث عائشة: «إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم» (٢). وكان صلاها حين ذهب عامة الليل، وفسره النووي بذهاب الكثير منه لا أكثره. ثم قال ﵀: (باب الأذان) الأذان في اللغة: الإعلام. وفي الشرع: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. قال المؤلف ﵀: (يُشْرَعُ لأهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أن يَتَّخِذوا مؤذناً) ويشرع أي يسنّ لهم ذلك، لقوله ﵇ لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (٣). وهل الأذان واجب أم مستحب؟ في المسألة خلاف، والظاهر أنه واجب وجوبا كفائياً، لأن النبي ﷺ أمر به في عدّة أحاديث، منها: حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال له ولصاحبه عندما أرادا الرجوع إلى أهلهم: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلّموهم، ومروهم» - وذكر أشياء - ثم قال: «وصلّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم». وكانا على سفر (٤). وكان ﷺ إذا غزا غزوة ومرّ بقوم ولم يعلم أهم مسلمون أم مشركون انتظر وقت الصلاة فإذا سمع النداء لم يغزهم، وإن لم يسمع غزاهم (٥).

стр. 72

فالأذان شعيرة من شعائر الإسلام واجبة في الحضر والسفر. ولكن الصحيح أن هذا الوجوب وجوب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالنبي ﷺ لم يأمر به النساء في البيوت ولا من لم يصل مع الجماعة في المسجد لعذر. وقوله ﷺ لمالك بن الحويرث: «وليؤذن لكم أحدكم»، دليل على أنه ليس واجباً على كل أحد. قال المؤلف: (يُنَادِي بألفاظ الأذان المشروعة عند دخولِ وقتِ الصلاةِ) فهو إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة. أجمع أهل العلم على أن الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس. وقال الإمام الشافعي ﵀: «لا أذان ولا إقامة لغير المكتوبة» (١) انتهى، وهذا قول جمهور علماء الإسلام. ويكون النداء بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة، وإن اختلفت، فاختلافها اختلاف تنوّع، فيجوز هذا ويجوز هذا، وهي مذكورة في «الصحيحين». ففي بعض الروايات تثنية التكبير، وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى مثنى. وفي بعضها: تربيع التكبير الأول والشهادتين، وتثنية باقي الأذان. قال المؤلف ﵀: (ويشرع للسامعِ أن يُتابِعَ المؤذنَ) لحديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين»: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (٢). وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة» (٣).

стр. 73

وعن عمر بن الخطاب قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله .... » إلى أن قال: ثم قال: «حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله»، وكذلك في حي على الفلاح ... إلخ، فقال في آخره «من قلبه دخل الجنة» (١). وفي حديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ ، قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً؛ غفر له ذنبه» وهذا كله في الصحيح (٢). وفي «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلّت عليه شفاعتي يوم القيامة» (٣). قال المؤلف: (ثم تشرعُ الإقامةُ على الصفةِ الواردةِ) أما حكمها فكالأذان، وأما صفتها فتصح بكل صفة وردت في السنة. ففي «الصحيحين»: «أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة» أي إلا قوله: «قد قامت الصلاة» (٤). ولا يشترط الوضوء للأذان لعدم ورود دليل في ذلك، ولأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه (٥). ويجوز أن يؤذن شخص ويقيم آخر، فالحديث الوارد في أن الذي يؤذن هو الذي يقيم، ضعيف (٦). والكلام في الأذان لا يفسده، لعدم الدليل.

стр. 74

قال المؤلف ﵀: (بابُ شروطِ الصلاةِ) أما الشرط، فلغة: العلامة. واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود. كالوضوء للصلاة، فإنه لا يلزم من وضوئك أن تصلي، ويلزم من عدم الوضوء بطلان الصلاة. والفرق بينه وبين الركن، أن الركن جزء من حقيقة الشيء فهو داخل في الشيء، بخلاف الشرط، فإنه ليس جزءاً من الشيء، ولكن كلاهما إذا لم يوجد لا يوجد الشيء. فعلى ذلك، فإن ما سيذكره المؤلف، هي شروط للصلاة بمعنى أنه يجب أن تتحقق عند الصلاة وإلا تسببت ببطلان الصلاة. قال ﵀: (ويجبُ على المصلّي تطهيرُ ثوبهِ وبدنهِ ومكانهِ من النجاسةِ) يجب على المصلي تطهير ثلاثة أشياء من النجاسات قبل الدخول في الصلاة: ١. ثوبه الذي سيصلي فيه. ٢. بدنه أي جسده. ٣. المكان الذي سيصلي فيه. فأما وجوب طهارة الثوب، فلقول الله ﵎ ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد التفاسير لهذه الآية. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد وأبي داود أن النبي ﷺ صلى في نعليه ثم خلعهما وهو في الصلاة، وقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً - أو قال: أذى - وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن كان في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» (١). وكذلك أمر النبي ﷺ الحائض التي أصاب ثوبها دم الحيض بغسله (٢).

стр. 75

وأما البدن فلما ورد من أدلة تدل على وجوب التنظف من النجاسات، كحديث الذي يعذب في قبره، لأنه لا يستنزه من البول، وأحاديث الأمر بالاستنجاء والاستجمار، وغيرها من الأحاديث، وتنظيفه أولى من تنظيف الثوب. وأما وجوب نظافة المكان، فلأمر النبي ﷺ بسكب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد (١). ولكن، لا يخفى أن هذه الأدلة تدل على وجوب التطهر من النجاسات للصلاة، وأما الشرطية فأمر زائد على الوجوب لا يثبت بمجرد الأمر. والفرق بينهما، أننا إذا قلنا بالوجوب وليس بالشرطية فنقول من صلى في النجاسة فصلاته صحيحة ولكنه آثم مع علمه بها. وأما إذا قلنا بالشرطية فتكون صلاته باطلة. والشيء إذا كان شرطاً دل على الوجوب وزيادة، وما دل على الوجوب فلا يدل على الشرطية. وتثبت الشرطية، بدليل يدل على أن المشروط يعدم بعدمه، كمثل نفي القبول في قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). أو بنفي ذات العبادة مثل قوله «لا صلاة بغير طهور» (٣)، وقولنا مثلاً: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس، فإن فيه نفياً للصلاة. أو بنهي خاص بالصلاة. أو إجماع على الشرطية. ولا يوجد شيء من ذلك في هذا الباب يدل على شرطية طهارة الثوب أو البدن أو المكان في الصلاة، بل حديث أبي سعيد المتقدم يدل على صحة صلاة من صلى في نعل متنجّس وهذا يدل على عدم الشرطية، ولو كان شرطاً لما أثر عدم علمه بالحكم، والمالكية على ما ذكرنا.
следующие страницы →