← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الليل لقوله ﷺ : «إنكم تنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة»، و «وكان خرج عليهم حين ذهب ثلث الليل أو بعده» (١). وفي حديث عائشة: «إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم» (٢). وكان صلاها حين ذهب عامة الليل، وفسره النووي بذهاب الكثير منه لا أكثره. ثم قال ﵀: (باب الأذان) الأذان في اللغة: الإعلام. وفي الشرع: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. قال المؤلف ﵀: (يُشْرَعُ لأهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أن يَتَّخِذوا مؤذناً) ويشرع أي يسنّ لهم ذلك، لقوله ﵇ لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (٣). وهل الأذان واجب أم مستحب؟ في المسألة خلاف، والظاهر أنه واجب وجوبا كفائياً، لأن النبي ﷺ أمر به في عدّة أحاديث، منها: حديث مالك بن الحويرث في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال له ولصاحبه عندما أرادا الرجوع إلى أهلهم: «ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلّموهم، ومروهم» - وذكر أشياء - ثم قال: «وصلّوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم». وكانا على سفر (٤). وكان ﷺ إذا غزا غزوة ومرّ بقوم ولم يعلم أهم مسلمون أم مشركون انتظر وقت الصلاة فإذا سمع النداء لم يغزهم، وإن لم يسمع غزاهم (٥).

стр. 72

فالأذان شعيرة من شعائر الإسلام واجبة في الحضر والسفر. ولكن الصحيح أن هذا الوجوب وجوب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالنبي ﷺ لم يأمر به النساء في البيوت ولا من لم يصل مع الجماعة في المسجد لعذر. وقوله ﷺ لمالك بن الحويرث: «وليؤذن لكم أحدكم»، دليل على أنه ليس واجباً على كل أحد. قال المؤلف: (يُنَادِي بألفاظ الأذان المشروعة عند دخولِ وقتِ الصلاةِ) فهو إعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة. أجمع أهل العلم على أن الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس. وقال الإمام الشافعي ﵀: «لا أذان ولا إقامة لغير المكتوبة» (١) انتهى، وهذا قول جمهور علماء الإسلام. ويكون النداء بالألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة، وإن اختلفت، فاختلافها اختلاف تنوّع، فيجوز هذا ويجوز هذا، وهي مذكورة في «الصحيحين». ففي بعض الروايات تثنية التكبير، وتربيع الشهادتين وباقيه مثنى مثنى. وفي بعضها: تربيع التكبير الأول والشهادتين، وتثنية باقي الأذان. قال المؤلف ﵀: (ويشرع للسامعِ أن يُتابِعَ المؤذنَ) لحديث أبي سعيد الخدري في «الصحيحين»: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (٢). وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة» (٣).

стр. 73

وعن عمر بن الخطاب قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله .... » إلى أن قال: ثم قال: «حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله»، وكذلك في حي على الفلاح ... إلخ، فقال في آخره «من قلبه دخل الجنة» (١). وفي حديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ ، قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً؛ غفر له ذنبه» وهذا كله في الصحيح (٢). وفي «صحيح البخاري» عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلّت عليه شفاعتي يوم القيامة» (٣). قال المؤلف: (ثم تشرعُ الإقامةُ على الصفةِ الواردةِ) أما حكمها فكالأذان، وأما صفتها فتصح بكل صفة وردت في السنة. ففي «الصحيحين»: «أُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة» أي إلا قوله: «قد قامت الصلاة» (٤). ولا يشترط الوضوء للأذان لعدم ورود دليل في ذلك، ولأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه (٥). ويجوز أن يؤذن شخص ويقيم آخر، فالحديث الوارد في أن الذي يؤذن هو الذي يقيم، ضعيف (٦). والكلام في الأذان لا يفسده، لعدم الدليل.

стр. 74

قال المؤلف ﵀: (بابُ شروطِ الصلاةِ) أما الشرط، فلغة: العلامة. واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود. كالوضوء للصلاة، فإنه لا يلزم من وضوئك أن تصلي، ويلزم من عدم الوضوء بطلان الصلاة. والفرق بينه وبين الركن، أن الركن جزء من حقيقة الشيء فهو داخل في الشيء، بخلاف الشرط، فإنه ليس جزءاً من الشيء، ولكن كلاهما إذا لم يوجد لا يوجد الشيء. فعلى ذلك، فإن ما سيذكره المؤلف، هي شروط للصلاة بمعنى أنه يجب أن تتحقق عند الصلاة وإلا تسببت ببطلان الصلاة. قال ﵀: (ويجبُ على المصلّي تطهيرُ ثوبهِ وبدنهِ ومكانهِ من النجاسةِ) يجب على المصلي تطهير ثلاثة أشياء من النجاسات قبل الدخول في الصلاة: ١. ثوبه الذي سيصلي فيه. ٢. بدنه أي جسده. ٣. المكان الذي سيصلي فيه. فأما وجوب طهارة الثوب، فلقول الله ﵎ ﴿وثيابك فطهر﴾ على أحد التفاسير لهذه الآية. وكذلك حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد وأبي داود أن النبي ﷺ صلى في نعليه ثم خلعهما وهو في الصلاة، وقال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً - أو قال: أذى - وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن كان في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما» (١). وكذلك أمر النبي ﷺ الحائض التي أصاب ثوبها دم الحيض بغسله (٢).

стр. 75

وأما البدن فلما ورد من أدلة تدل على وجوب التنظف من النجاسات، كحديث الذي يعذب في قبره، لأنه لا يستنزه من البول، وأحاديث الأمر بالاستنجاء والاستجمار، وغيرها من الأحاديث، وتنظيفه أولى من تنظيف الثوب. وأما وجوب نظافة المكان، فلأمر النبي ﷺ بسكب الماء على بول الأعرابي الذي بال في المسجد (١). ولكن، لا يخفى أن هذه الأدلة تدل على وجوب التطهر من النجاسات للصلاة، وأما الشرطية فأمر زائد على الوجوب لا يثبت بمجرد الأمر. والفرق بينهما، أننا إذا قلنا بالوجوب وليس بالشرطية فنقول من صلى في النجاسة فصلاته صحيحة ولكنه آثم مع علمه بها. وأما إذا قلنا بالشرطية فتكون صلاته باطلة. والشيء إذا كان شرطاً دل على الوجوب وزيادة، وما دل على الوجوب فلا يدل على الشرطية. وتثبت الشرطية، بدليل يدل على أن المشروط يعدم بعدمه، كمثل نفي القبول في قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢). أو بنفي ذات العبادة مثل قوله «لا صلاة بغير طهور» (٣)، وقولنا مثلاً: لا صلاة لمن صلى في مكان متنجس، فإن فيه نفياً للصلاة. أو بنهي خاص بالصلاة. أو إجماع على الشرطية. ولا يوجد شيء من ذلك في هذا الباب يدل على شرطية طهارة الثوب أو البدن أو المكان في الصلاة، بل حديث أبي سعيد المتقدم يدل على صحة صلاة من صلى في نعل متنجّس وهذا يدل على عدم الشرطية، ولو كان شرطاً لما أثر عدم علمه بالحكم، والمالكية على ما ذكرنا.

стр. 76

قال المؤلف ﵀: (وسَتْرُ عَوْرَتِهِ) العورة لغة، مأخوذة من العور وهو النقص والعيب، وسميت بذلك، لقبح ظهورها ولِغَضِّ الأبصار عنها. وشرعاً، ما يطلب ستره. وأما حدّها، فاتفق العلماء على أن الفرج - وهو القُبُل - والدبر عورة. قاله ابن حزم في «مراتب الإجماع». واختلفوا فيما بين السرّة والركبة للرجل هل هي عورة أم لا؟ فالذين قالوا ما بين السرّة والركبة عورة، احتجوا بحديث ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش وغيرهم (١)، أن النبي ﷺ قال: «الفخذ عورة»، وفي رواية: «ما بين السرّة والركبة عورة». فأما حديث «ما بين السرّة والركبة عورة»، فضعيف لا يصحّ (٢). وأما بقية الأحاديث التي فيها ذكر الفخذ، فصحيحة بالجملة. فعلى ذلك، فالسرّة والركبة ليستا عورة على الصحيح، فيبقى الفخذ. حديث جرهد يدل على أن الفخذين عورة، خالفه حديث أنس المتفق عليه أن النبي ﷺ كان راكباً وكذا أنس وأبو طلحة، فحسر النبي ﷺ عن فخذه، قال أنس: حتى أني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ (٣). قال البخاري: «حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط» ليخرج من اختلافهم.

стр. 77

وروت عائشة وغيرها في «الصحيح» وغيره أن النبي ﷺ كان جالساً وهو كاشف عن فخذه فدخل أبو بكر وعمر وهو كذلك، فلما دخل عثمان جلس وسوّى ثيابه فغطى فخذه وقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» (١). وشك في رواية الفخذ أم الساق، وفي غيرهما الجزم بالفخذ. فاختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، وأرجح الأقوال عندي، الذي فيه العمل بجميع الأدلة، أن يقال: إن العورة منها ما هو مغلظ يحرم كشفه وهما السوءتان، ومنها ما هو مخفف يكره كشفه وهما الفخذان، والله أعلم. وأما عورة المرأة فجميع بدنها ما عدا الوجه والكفين. وهذا قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد والأوزاعي وأبو ثور وهو قول جمهور العلماء. وزاد بعض أهل العلم القدمين أيضاً، فقالوا ليستا بعورة. وفي رواية عند أحمد، أن المرأة كلها عورة. وسبب هذا الاختلاف، فهم معنى قوله ﵎ ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فقوله هنا ﴿إلا ما ظهر منها﴾، هل المقصود به الثياب الظاهرة كما قال ابن مسعود، فيكون المقصود ما لا يملك ظهوره، أم الوجه والكفين كما قال ابن عباس، فيكون المقصود أعضاء محدودة؟ وقول الجمهور هو الصواب، والدليل عليه أن بعض النساء كن يكشفن وجوههن في عهد النبي ﷺ ولم ينكر عليهن. من ذلك حديث الخثعمية في الحج، عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل رسول الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبى شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال: «نعم». وذلك في حجة الوداع (٢).

стр. 78

وقد كان هذا بعد نزول الحجاب، والمرأة منهية عن لبس القفازين والنقاب في الحج. ومنها حديث جابر في صلاة العيد، قال شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم»، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير» قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطهن وخواتمهن (١). والحاجة تدعو إلى كشف الوجه والكفين لتسهيل البيع والشراء والأخذ والإعطاء. والدليل على أن القدمين عورة، قول النبي ﷺ : «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال «يرخين شبراً»، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: «فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه». رواه ابن عمر وأم سلمة (٢). ثم بعد ذلك، هل ستر العورة التي قررناها آنفاً واجب أم شرط؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والراجح أنه واجب وليس شرطاً. ودليل الوجوب قول الله ﵎ ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. قال غير واحد من السلف: هو ستر العورة، وسبب نزول الآية يدل على ذلك. ودليل عدم الشرطية: حديث عمرو بن سلمة أنه أمَّ بقومه وهو صغير، فإنه كان أقرأهم لكتاب الله وعليه بردة صغيرة إذا سجد تكشفت عورته، حتى قالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم فاشتروا له قميصاً (٣). فهذا قد تكشَّفَت عورته في الصلاة ولم يأت عن النبي ﷺ أنه أمرهم بإعادة الصلاة.

стр. 79

وكذلك كان حال بعض الصحابة في عهد النبي ﷺ ، فدلّ ذلك على عدم الشرطية، وإن كان واجباً. قال المؤلف ﵀: (ولا يَشْتَمِلُ الصَّمَّاءَ، ولا يَسْدِلُ، ولا يُسْبِلُ، ولا يَكْفِتُ ولا يُصَلي في ثَوْبِ حريرٍ، ولا ثوبِ شُهْرَةٍ، ولا مَغْصُوبٍ) في هذه الفقرة عدة مسائل: - جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه نهى عن اشتمال الصماء (١)، وهي أن يأخذ الثوب ويلف نفسه به ولا يخرج يديه منه، فإذا تحرك أو أراد أخذ شيء ظهرت عورته، وسميت صماء لأنها لا منفذ لها، فإذا لف نفسه بالثوب من غير ربط ربما تظهر عورته، فلا يجوز التلفف بالثوب الواحد على وجه يخشى منه ظهور العورة. - وأما السدل، فلما جاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن السدل في الصلاة. وهو حديث ضعيف (٢) والسدل هو أن يرسل الثوب حتى يصيب الأرض، فعلى هذا التفسير يدخل في النهي عن الإسبال الآتي. وقال بعضهم، هو أن يرسل طرفي الثوب ولا يضمهما، فينكشف بطنه وتنكشف عورته، فعلى ذلك يكون النهي لستر العورة. - وأما الإسبال، فهو أن يرخي إزاره أو ثوبه حتى يجاوز الكعبين، وقد صح النهي عنه في الصلاة وغيرها، ومنها قوله ﵇: «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار» (٣). - وأما كفت الثوب والشعر في الصلاة، فقد صحّ النهي عنه في «الصحيحين» عن ابن عباس، قال: قال النبي ﷺ : «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة - وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين وأطراف القدمين - ولا نكفت الثياب والشعر» (٤).

стр. 80

وكفت الثوب، هو أن يأخذ طرف الثوب ويرفعه إلى الأعلى، أو يقلبه قلباً أو يشمِّر أكمامه. وأما كفت الشعر فأن يأخذ خصلة مرخية منه فيربطها بخيط في الأعلى أو نحو ذلك. - ولا يجوز للرجل أن يصلي في ثوب الحرير، لأنه منهي عن لبس الحرير. - ولا يجوز لبس ثوب الشهرة لقوله ﷺ : «من لبس ثوب شهرة في الدنيا، ألبسه الله ثوب مذلّة يوم القيامة» (١). وهو حديث ضعيف سيأتي بيانه في كتاب اللباس، وعلى ذلك فيجوز لبسه. وثوب الشهرة هو الثوب يشتهر بين الناس إما للونه أو لصفته أو لغير ذلك. - وكذلك لا يجوز للمصلي أن يصلي في ثوب مغصوب، لأن الثوب المغصوب ليس ملكاً لغاصبه، بل هو ملك لغيره فلا يجوز له استعمال مال الغير إلا بإذنهم. والغصب هو أخذ مال الغير قهراً أو عدواناً بغير وجه حق. ولكن كل ما ذكره المؤلف هنا لا يعتبر من شروط الصلاة، لأن منها ما يتعلق بستر العورة، وهذا حكمه أنه يتبع حكم ستر العورة، كالنهي عن اشتمال الصماء والسدل في أحد تفاسيرهما. ومنها ما لا يختص بالصلاة، وهذا لا يبطلها إذا فعل كلبس الحرير والإسبال والغصب. ومنها ما يختص بالصلاة كالكفت، ولكن أجمع العلماء على أن المرء إذا صلى كذلك فلا إعادة عليه، قد نقل هذا الإجماع الإمام الطبري. ونقل عن الحسن البصري أن عليه الإعادة (٢). وصحّ عن ابن مسعود أنه رأى رجلاً يصلي وهو عاقص شعره فلم يأمره بإعادة الصلاة ونهاه عن ذلك (٣).

стр. 81

قال المؤلف ﵀: (وعليه استقبالُ عينِ الكعبةِ - إن كانَ مُشاهِداً لها أو في حُكْمِ المشاهدِ - وغيرُ المشاهدِ يستقبلُ الجهةَ بعدَ التحرّي) اتفق العلماء على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحّة الصلاة. فإذا كان المصلي يرى البيت فالفرض عليه التوجه إلى عين البيت لا خلاف بينهم في ذلك، وأما إذا كان لا يرى الكعبة، فالواجب عليه أن يتحرّى جهتها ويتوجّه إليها فقط. والدليل على أن الواجب التوجه إلى الجهة عند عدم رؤية الكعبة قول النبي ﷺ : «ما بين المغرب والمشرق قبلة» (١). وفي إلزام الناس التوجه إلى عين الكعبة حرج لا يخفى، والله يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. فحقيقة شروط الصلاة: ١. الإسلام. ٢. العقل. ٣. التمييز. ٤. دخول الوقت. ٥. استقبال القبلة. ٦. الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر. ٧. النية. قال ﵀: (بابُ كيفيةِ الصلاةِ، لا تكونُ شرعيةً إلا بالنيَّةِ) . لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢) وقد تقدم أن النية شرط من شروط صحة الصلاة.

стр. 82

قال ﵀: (وأركانها كلها مُفْتَرَضَةٌ، إلا قُعُودَ التَّشَهُّدِ الأوسطِ والاستِراحَةِ) أركان الصلاة: ١. القيام في الفريضة للقادر، وأما في النافلة، فسنة وليست بركن لقول النبي ﷺ : «صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم» (١)، وسيأتي الدليل على ركنية القيام. ٢. تكبيرة الإحرام وهي التكبيرة التي تدخل الصلاة بها. ٣. قراءة الفاتحة في كل ركعة. ٤. الركوع في كل ركعة. ٥. الرفع من الركوع والاعتدال قائماً منه. ٦. السجود الأول والثاني. ٧. الجلوس بين السجدتين. ٨. الطمأنينة في جميع الأركان. ٩. ترتيب هذه الأركان على ما بيناه. هذا ما ثبت عندي في الأركان، والخلاف قوي في التشهد الأخير والجلوس والتسليم. ودليل هذه الأركان حديث المسيء صلاته الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ فرد رسول الله ﷺ السلام، قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السلام» ثم قال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، علمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً -

стр. 83

وفي رواية عند البخاري: حتى تستوي قائماً - ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١). وفي رواية في «الصحيحين»: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر» (٢). وفي رواية عند البخاري: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» مرة ثانية (٣). وحديث المسيء صلاته يدل على وجوب ما ذكر فيه، لأن النبي ﷺ أمره أن يفعل في صلاته ما ذكره له فيه. ويدل أيضاً على أن ما لم يذكر فيه ليس بواجب في الصلاة، لأن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة والنبي ﷺ عندما علّمه ذكر له ما أساء فيه وما لم يسئ فيه. وأما التشهد الأوسط وجلوس الاستراحة فمن سنن الصلاة لا من أركانها، ولا فرق عندي بين أركان الصلاة وواجباتها، وهو مذهب الشافعية. وأما الحنابلة فيفرقون بين الأركان والواجبات، فيجعلون الواجبات تجبر بسجود السهو في حال النسيان، وأما الأركان فيجب أن يأتي بها، وتبطل الصلاة بعدم الإتيان بها، وإن كان تركها سهواً. قال ﵀: (ولا يَجِبُ مِن أذكارِها إلا التكبيرُ والفاتحةُ في كل ركعةٍ - ولو كان مؤتماً - والتشهد الأخير والتسليم) تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة كما تقدم، لذكرها في حديث المسيء صلاته، وكذلك الفاتحة، لقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤). وتجب في كل ركعة، لقوله في حديث المسيء صلاته: «افعل ذلك في صلاتك كلها».

стр. 84

وأما في حال كونه مأموماً في صلاة جهرية فلا يقرأ بها، وتكون قراءة الإمام له قراءة، لقول الله ﵎: ﴿فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وهذه الآية في الصلاة كما قال غير واحد من السلف. والأحاديث التي يستدل بها المخالفون ضعيفة غالباً أو مؤولة. وأما التشهد الأخير فليس بواجب، لأنه لم يذكر في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجباً لذكره له، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والنبي ﷺ علّم المسيء صلاته ما أساء فيه وما لم يسئ فيه كما ذكرنا. وأما التسليم فلم يذكر في حديث المسيء صلاته. وحديث علي «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، ضعيف (١). قال المؤلف: (وما عدا ذلك فسُنَنٌ) أي من الأقوال والأفعال، لأنه لم يرد ما يدل على وجوبها، ولم تذكر في حديث المسيء صلاته. قال: (وهي الرفعُ في المواضعِ الأربعةِ، والضمُّ، والتَّوَجُّهُ بعد التكبيرةِ، والتَّعَوُّذُ والتأمينُ وقراءةُ غيرِ الفاتحةِ معها، والتَّشَهُّدُ الأوسطُ والأذكارُ الواردةُ في كل ركنٍ، والاستكثارُ من الدعاءِ بخيري الدنيا والآخرة، بما ورد وبما لم يرد) (الرفع في المواضع الأربعة): أي رفع اليدين. والمواضع هي، تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال من الركوع، والموضع الرابع عند القيام إلى الركعة الثالثة. أما المواضع الثلاثة الأوَل، فقد وردت في حديث ابن عمر في «الصحيحين»، قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه وكان يفعل ذلك حين يكبر

стр. 85

للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود (١). وأما الرفع في الموضع الرابع، ففي رواية لحديث ابن عمر المتقدم عند البخاري، قال: وإذا قام من الركعتين رفع يديه (٢). هذه هي المواضع التي صحّ الرفع فيها، ولم يصحّ في غيرها. (والضم) أي وضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام. قال سهل بن سعد ﵁: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» رفعه إلى النبي ﷺ ، وهو في «الصحيح» (٣). وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة (٤)، ولم يصح حديث في تحديد موضع الوضع، على الصدر أو على غيره. (التوجّه) المراد بالتوجّه دعاء الاستفتاح الذي يكون بعد تكبيرة الإحرام، يقال له التوجّه، لأن من الأدعية المذكورة فيه: «وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض .. » (٥). ووردت فيه أذكار مختلفة، إذا صحّ عندك واحد منها فلك أن تستفتح به. أصحّها ما في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. » (٦) الحديث. وأما إذا أردت دعاءً قصيراً، فقل: «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً» (٧). أو «الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه» (٨).

стр. 86

وأما أنا فأنصح بالتركيز على أحاديث الصحيحين. (والتعوّذ) أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» قبل البسملة وقراءة الفاتحة، ولم يصحّ عن النبي ﷺ لفظ خاص بالصلاة في مسألة التعوذ، وأما اللفظ الذي ذكرناه فقد صح عن النبي ﷺ في غير الصلاة. وهذه الصيغة هي الواردة عن جمع من السلف كما في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة. والاستعاذة مستحبة عند القراءة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ سورة الكوثر ولم يستعذ (١). وتكون الاستعاذة سرًّا لا جهرًا، قال ابن قدامة: «بلا خلاف». (والتأمين) قول آمين آخر الفاتحة، قال ﷺ : «إذا أمّن الإمام فأمّنوا» (٢). (وقراءة غير الفاتحة معها) فقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب (٣). (والتشهد الأوسط) ثبت عنه ﷺ أنه تركه سهوًا، ولم يذكر في حديث المسيء صلاته، فيدلّ على السنيّة (٤). وأصحّ ألفاظه حديث ابن مسعود، متفق عليه. قال النووي: هو أصح تشهد بالإجماع (٥). ولفظه: «التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» (٦).

стр. 87

وتكتفي بهذا في الثلاثية والرباعية من غير ذكر الصلاة على النبي ﷺ لما أخرجه البخاري، أن النبي ﷺ علّمهم التشهد ثم قال لهم: «وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» (١). والحديث الذي فيه الصلاة على النبي ﷺ في هذا المَوْضِعِ فلا يصح. (والأذكار الواردة في كل ركن) منها تكبير الركوع والسجود والرفع والخفض وقول «سمع الله لمن حمده»، وفي الركوع «سبحان ربي العظيم» وفي السجود «سبحان ربي الأعلى»، وبين السجدتين «رب اغفر لي رب اغفر لي» فهذه كلها سنن. (والاستكثار من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة بما ورد وبما لم يرد) لقوله ﷺ : «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء» (٢)، وقوله: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه» وهذا بعد التشهد. فخيره بما شاء من الدعاء ولم يقيّده بشيء. ومن الدعاء المستحب بعد التشهد وقبل السلام قول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال» (٣). ويستحب بعد التشهد ذكر الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأخير. صح في صيغها أكثر من حديث بألفاظ مختلفة منها ما أخرجه الشيخان عن كعب بن عجرة ﵁: «اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٤). وتستحب الإشارة بالأصبع في التشهد دون تحريكها؛ فحديث تحريك الأصبح في التشهد ضعيف (٥).

стр. 88

قال المؤلف ﵀: (باب متى تبطل الصلاة؟ وعمّن تسقط ؟ ) أي متى تبطل الصلاة فلا تكون مقبولة ويجب على فاعلها إعادتها؟ ومن الذي لا يلزمه أن يصلّي؟ قال المؤلف: (فصل: وتبطل الصلاة بالكلام) قال ﷺ : «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن» (١). وأجمع العلماء على أن الكلام في الصلاة عمداً مع غير الإمام في إصلاح الصلاة ينقض الصلاة (٢). وجاء في «الصحيحين» عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلّم في الصلاة، ويكلّم الرجل منّا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فأُمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (٣). وأما إذا تكلّم المتكلّم جاهلاً أو ناسياً فلا تبطل صلاته، والدليل أن معاوية بن الحكم السلمي تكلم في الصلاة جاهلاً ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة لجهله. وكذلك الناسي، فإنه معذور، ويدل على ذلك حديث ذي اليدين. وأما الكلام لإصلاح الصلاة فجائز عند الحاجة لحديث ذي اليدين الذي قال فيه للنبي ﷺ : أقصرت الصلاة أم نسيت، فكلّم النبي ﷺ وكلّمه النبي وسأل الصحابة مع احتمال عدم إتمام الصلاة عنده بعدما كلّمه ذو اليدين (٤). وكذلك الأكل والشرب في الصلاة عمداً يبطلها، وعلى من فعل ذلك عامداً الإعادة (٥).

стр. 89

واختلفوا فيمن أكل أو شرب ناسياً، والصحيح أن الأكل والشرب في الصلاة كالكلام لا فرق. وكذلك الضحك بصوت وهو القهقهة يبطلها بالإجماع (١)، فهو كالكلام، وأما التبسم فلا يبطلها. والتبسم هو مبادي الضحك من غير صوت. قال المؤلف: (وبالاشتغال بما ليس منها) كمن يشتغل مثلاً بخياطة أو نجارة أو شيء كثير أو يشتغل بجهازه الخلوي ويعبث به، حتى يَخْرُجَ به ذلك عن هيئة الصلاة، فمن نظر إليه ظنه يشتغل بما هو فيه ولا يظن أنه يصلي. والثابت عن النبي ﷺ أنه كان يتحرك حركة قليلة وخفيفة كالتقدم بعض الخطوات لفتح الباب أو حمل طفل ووضعه وما شابه، فهذا لا يبطل الصلاة، وأما الحركة الكثيرة فتبطلها، وفساد صلاته لأنه فعل ما ينافي الصلاة (٢). قال المؤلف (وبتركِ شَرْطٍ أو رُكْنٍ عَمْداً) من غير عذر، لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط، وهي الصلاة هنا. فإذا عدم الشرط عدمت الصلاة، فقد دلّ الدليل على ذلك، فقول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ» (٣) والوضوء ليس جزءا من الصلاة، دلّ على أنه شرط وضعه الشارع لا يقبل العمل إلا به. وأما الركن، فلأنه جزء من حقيقة العبادة فلا توجد العبادة إلا به. قال المؤلف ﵀: (فصل: ولا تجبُ على غَيْرِ مُكَلَّفٍ)

стр. 90

وقد قدّمنا أن العبادات يشترط لوجوبها البلوغ، لقول ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث» ومنهم «الصبي حتى يحتلم» (١). ولكن إن فعلها وهو مميِّز قبل البلوغ صحّت منه وأُجِر عليها. وكذلك يشترط لها العقل لقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث .. » (٢) ومنهم المجنون حتى يعقل. فالصغير والمجنون لا تجب عليهما، لأنهما غير مكلّفين. قال المؤلف: (وتَسْقُطُ عَمَّنْ عَجَزَ عَنِ الإشارَةِ) فمن لم يتمكن من فعل عمل من أعمال الصلاة سقط عنه ذلك الفعل سواء كان ركناً أو شرطاً أو غير ذلك، لقول النبي ﷺ : «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب» (٣). وأكثر ما يستطيعه المرء الإشارة فإذا لم يستطع الإشارة سقطت عنه الصلاة لقول الله ﵎ ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقوله: ﴿لا يكلِّف الله نفساً إلا وسعها﴾. قال: (وعمّن أُغْمِيَ عليهِ حتى خَرَجَ وَقْتُها) لأن المغمى عليه كالمجنون لا عقل له يدرك به وقت التكليف، فإذا خرج وقت الصلاة وهو على ذلك لم يكلف بها. قال ﵀: (ويصلي المريض قائماً ثم قاعداً ثم على جَنْبٍ) أي يصلي قائماً إذا قدر على ذلك، فإن لم يقدر فيصلي قاعداً، فإن لم يقدر فعلى جنب، لحديث عمران بن حصين المتقدم. ويكره مسح الحصى والاختصار، ولا إعادة على من فعل ذلك. لحديث معيقيب قال: ذكر النبي ﷺ المسح في المسجد - يعني الحصى - قال: «إن كنت فاعلاً فواحدة» (٤)

стр. 91

قال النووي: «اتفق العلماء على كراهة المسح، لأنه ينافي التواضع، ولأنه يشغل المصلّي» (١) وأما الاختصار، فهو وضع اليدين على الخاصرة في الصلاة، والخاصرة الإنسان ما بين عظم الحوض وأسفل الأضلاع، بعض النساء تجلس ابنها عندما تحمله على جنبها على الخاصرة. ودليل الكراهة حديث أبي هريرة ﵁: «نهى النبي ﷺ أن يصلي الرجل مختصراً» (٢)، ونهى عنه لأنه فعل اليهود. ويكره أن يصلي ناعساً، لقوله ﷺ : «إذا نعِس أحدكم وهو يصلي فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه» (٣). وحديثُ النفسِ لا يُفْسِدُ الصلاة ولكنه ينقص أجرها، لحديث عمار بن ياسر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف من الصلاة، وما كتب له إلا عُشْر صلاته، تُسْعُها، ثُمْنُها، سُبْعُها، سُدْسُها، خُمْسُها، رُبْعُها، ثُلْثُها، نِصْفُها» (٤) وإذا تثاءب في الصلاة أمسك على فمه، لقوله ﷺ : «إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فمه، فإن الشيطان يدخل» (٥)، وفي رواية: «فليكظم ما استطاع» (٦). وأما حديث النهي عن تغطية الفم في الصلاة، فقد رواه ثلاثة من الرواة فيهم ضعف واختلفوا فيه، فأحدهم روى بعضه ولم يرو التغطية فيه، والآخر روى التغطية، وهذان روياه متصلاً، والثالث رواه مرسلاً (٧)

стр. 92

ولا يتنخّم في الصلاة قِبَل وجهه ولا عن يمينه، لقوله ﷺ : «إذا تنخّم أحدكم فلا يتنخّمّنَّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى» (١). ويقتل الحية والعقرب في الصلاة، لقوله ﷺ : «اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحيّة والعقرب» (٢). وفي «الصحيحين» قال ﷺ : «خمس من الدواب كلُّهُنّ فاسق يقتلن في الحرم، الفأرة، والعقرب، والغراب، والحُديّا، والكلب العقور» (٣). وفي رواية: «كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحيّة» قال: «وفي الصلاة» أيضاً (٤) وإذا حضر العَشاءُ وأقيمت الصلاة بدأ بالعَشاءِ، لقوله ﷺ : «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء» (٥). وقال أبو الدرداء: «من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يُقْبِلَ على صلاته وقلبه فارغٌ» (٦). ويكره أن يصلّي وهو مشمّر ثيابه أو عاقص شعره، نقل ابن جرير الإجماع على أنه لو فعله أحد لا تبطل صلاته. والعقص، الفتل بخيط أو غيره. ويكره كثرة الالتفات، لحديث عائشة، قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٧).

стр. 93

ويجوز الالتفات للحاجة لعدّة أحاديث ورد فيها التفات النبي ﷺ وأصحابه في زمنه وهم في الصلاة (١). ويكره افتراش الذراعين في السجود، لقوله ﷺ : «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلبِ» (٢)، وذلك بأن يضع يديه إلى المرفقين على الأرض عند السجود كما يفعل الكلب، وقد نهينا عن التشبه بالحيوانات. وقال ﵇: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٣). وقال ﵇: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفنّ أبصارهم» (٤). وفي هذا دليل على تحريم النظر إلى الأعلى في الصلاة. ويكره الصلاة في ثوب يشغل المصلي أو في مكان فيه تصاوير تشغله، لحديث عائشة: «أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي الجهم، وأتوني بأنبجانيّة أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي» (٥). والخميصة: نوع من الثياب، والأعلام: خطوط ملوّنة في الثوب، والإنبجانيّة: ثوب غليظ لا خطوط له. وأخرج البخاري في «صحيحه» (٣٧٤) عن أنس بن مالك، قال: كان قِرامٌ لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ : «أميطي عنا قِرامَك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي» والقِرام: ستر رقيق من صوف ذو ألوان ونقوش.

стр. 94

والمراد من هذه الأحاديث إزالة كل ما يلهي عن الصلاة، ويشغل عن الخشوع فيها. قال المؤلف ﵀: (بابُ صلاة التَّطَوُّعِ) . التطوّع هو القيام بالعبادة طواعية بالاختيار من غير أن تكون فرضاً لله لازماً. وسميّت صلاة التطوّع تطوّعاً، لقول النبي ﷺ للأعرابي الذي سأله عن الصلاة: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال الأعرابي: هل عليّ غيرها؟ قال ﷺ : «لا إلا أن تطّوّع» (١). ويقال لها نافلة، لأنها زيادة عن الواجب. قال المؤلف ﵀: (هي أربعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وأَرْبَعٌ بَعْدَهُ، وأَرْبَعٌ قَبْلَ العَصْرِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، ورَكْعَتانِ بَعْدَ العِشاءِ، ورَكْعتانِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ) النوافل الرواتب، أو السنة الراتبة هي التابعة للفريضة، والراتب هو الثابت والدائم. والرواتب هي الواردة في حديث ابن عمر، قال: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الفجر». متفق عليه (٢). وفي رواية في «الصحيحين»: «وركعتين بعد الجمعة» (٣). وأخرج البخاري من حديث عائشة قالت: «كان النبي ﷺ لا يدع أربعاً قبل الظهر» (٤). بقي مما ذكره المؤلف: «أربع بعد الظهر» و «أربع قبل العصر». ودليل الأربع بعد الظهر حديث أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربعا بعدها، حرّمه الله على النار» (٥).

стр. 95

وهو معلّ، وله طرق، طريق حكم عليها النسائي بالخطأ، وكذا فعل المزي بطريق أخرى، والثالثة منقطعة، والرابعة ضعيفة. والأربع قبل العصر، ورد فيها حديث ضعيف (١). وأما حديث: «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً» (٢)، فمعلّ أيضاً، أعلّه أبو حاتم الرازي وغيره، وكان شيخ الإسلام يضعّفه بشدة (٣). قال المؤلف ﵀: (وصلاةُ الضُّحى، وصَلاةُ الليلِ - وأكثَرُها ثَلاثَ عَشْرةَ ركعة، يُوْتِرُ في آخِرِها بِرَكْعَةٍ - وتَحيَّةُ المَسْجِدِ، والاسْتِخارةُ، وركعتانِ بينَ كُلِّ أذانٍ وإقامةٍ) أما (صلاة الضحى) فهي من صلاة التطوّع المشروعة، ودليلها: قال ابن أبي ليلى: «ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ صلى الضحى غير أم هانئ ذكرت أن النبي ﷺ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها، فصلى ثماني ركعات، فما رأيته صلى صلاة أخف منها غير أنه يُتم الركوع والسجود» متفق عليه (٤). وفي رواية عند مسلم: «سبحة الضحى» أي: نافلة الضحى. وعن أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت، صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر» متفق عليه (٥). وفي رواية مسلم: «وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد». وأقل صلاة الضحى ركعتان كما تقدم في رواية مسلم لحديث أبي هريرة ﵁.

стр. 96

ولا حدّ لأكثرها؛ لقول عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله» (١). وأما وقتها فمن طلوع الشمس وارتفاعها مقدار رمح إلى استواء الشمس في كبد السماء؛ لأنه ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، ونهى عن الصلاة بعد استواء الشمس في كبد السماء إلى دخول وقت الظهر (٢). والوقت الأول يقدّر بربع ساعة أو عشر دقائق تقريبا بعد طلوع الشمس، والثاني عشر دقائق قبل دخول وقت الظهر. والأفضل صلاتها بعد اشتداد الحر؛ لقول النبي ﷺ : «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» (٣). أي صلاة الطائعين وقتها حين تحترق أخفاف الفصال الصغار من شدة حر الرمل، والفصال: الصغار من أولاد الإبل. وأما صلاة الليل، فيعني بها قيام الليل، وهي من صلاة التطوّع، وليست فرضاً، فإن الأعرابي لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام، قال له: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال الأعرابي: هل عليّ غيرهن؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع» (٤)، فدلّ ذلك على أنه لا يجب على المسلم من الصلوات إلا الخمس المذكورة. وأما كونها مشروعة فأدلة ذلك كثيرةٌ جداً من الكتاب والسنة، منها أن عائشة سئلت عن قيام رسول الله ﷺ فقالت للسائل: ألست تقرأ ﴿يا أيها المزّمل﴾؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوّعاً بعد فريضة (٥).

стр. 97

وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (١). وأما وقتها، فمن بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق. وأما أكثرها، فصحّ عنه ﷺ أنه ما زاد في رمضان ولا غيره على أحد عشر ركعة، فذهب البعض إلى عدم جواز الزيادة على ذلك. ولكنه مجرّد فعل منه ﷺ لا يدلّ على أن أكثر من ذلك لا يجوز، فقد صحّ عن جمع من السلف أنهم كانوا يزيدون على ذلك، ولكن الأفضل الوقوف عند السنة. ويوتر آخرها بركعة، لقوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» (٢) وقال ﷺ لمن سأله عن صلاة الليل: «مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فصل ركعةً، واجعل آخر صلاتك وتراً» (٣). وتحية المسجد، لقوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٤). وتسميتها تحية المسجد تسمية فقهية، أي أن الفقهاء هم من سمّاها بذلك. وحكمها، أنها سنة بالاتفاق، لم يخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر، وهم مسبوقون بالإجماع، والإجماع صارف للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. وكذلك حديث الأعرابي، هل عليّ غيرها؟ قال: «إلا أن تطّوّع». وقال ابن حزم: «واتفقوا أن كل صلاة ما عدا الصلوات الخمس وعدا الجنائز والوتر وما نذره المرء ليست فرضاً» (٥).

стр. 98

وأما صلاة الاستخارة، فدليل مشروعيتها ما أخرجه البخاري في «صحيحه» عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن ... » فذكر الحديث (١). والاستخارة، طلب خير الأمرين من الله ﵎. وأما دليل الركعتين بين كل أذان وإقامة، فقوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال: «لمن شاء» (٢). والمراد بالأذانين، الأذان والإقامة، وهذا تغليب معروف عند العرب، كقولهم القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر، والأسودان للتمر والماء، فيفعلون ذلك في الشيئين المجتمعين، ويغلّبون الاسم الأخف غالباً. وأعظم فضيلة لكثرة التنفل ما ورد في قوله ﷺ عن ربه ﵎ في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه ... » (٣)، وقوله ﷺ : «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن أتمّها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوّع؟ فإن كان له تطوّع أكملت الفريضة من تطوّعه، ثم يُفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» (٤). وهذا يكفي المسلم الحريص على محبة الله والخلاص من عذاب الله يوم القيامة للحرص على كثرة التنفّل والجدّ في ذلك. قال المؤلف ﵀: (باب صلاة الجماعة) أي بيان حكم صلاة الجماعة وأحكامها. قال: (هي آكدُ السُّنَنِ)

стр. 99

أي المستحبات، وكون صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد، فمما لا شك فيه، فقد قال ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة» (١). وهذا يدل على أن صلاة المنفرد صحيحة ومقبولة. ولكن! هل صلاة الجماعة في المسجد واجبة أم مستحبّة؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح أن صلاة الجماعة في المسجد واجبة على الرجال الذين لا عذر لهم، لحديث أبي هريرة قال: أتى رجل أعمى، فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخّص له فيصلي في بيته، فرخّص له، فلما ولى، دعاه، فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟ » قال: نعم، قال: «فأجب» (٢). وكذا حديث أبي هريرة في «الصحيحين» أن النبي ﷺ همّ أن يحرّق بيوت الذين لا يحضرون صلاة الجماعة، وجاء في رواية في «الصحيحين»: «صلاة العشاء» (٣). وقد أمر الله بالجماعة في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى. وكذا أبو هريرة عندما رأى رجلاً خرج من المسجد بعد الأذان، قال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم (٤). وساق ابن المنذر في «الأوسط» عن جمع من الصحابة قولهم بوجوب صلاة الجماعة، بل قال عبد الله بن مسعود كما في «صحيح مسلم»: «لقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق» (٥). وقد حقق القول في هذه المسألة ابن المنذر في كتابه «الأوسط» (٤/ ١٤٦).

стр. 100

قال ﵀: (وتَنْعَقِدُ باثنينِ) ودليل ذلك حديث ابن عباس المتفق عليه، قال: «بتّ عند خالتي فقام النبي ﷺ يصلّي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه» (١). وكذا رأى النبي ﷺ رجلا يصلّي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلّي معه» (٢). قال المؤلف ﵀: (وإذا كَثُرَ الجَمْعُ كانَ الثَّوابُ أكثر) لقوله ﷺ : «صلاة الرجل مع الرجل أذكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أذكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله» (٣). وقد صححه يحيى بن معين وعلي بن المديني والذهلي وغيرهم من أئمة الإسلام. قال المؤلف: (ويَصِحُّ بَعْدَ المَفْضُولِ) أي تصحّ صلاة الأفضل خلف الأقل منه فضلاً، فقد صلى النبي ﷺ خلف أبي بكر وغيره من الصحابة، كما جاء في «الصحيحين» (٤). قال: (والأولى أن يكونَ الإمامُ مِنْ الخِيارِ) استدلّ المؤلف على ذلك بقول النبي ﷺ : «اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» جاء من حديث ابن عمر عند الدارقطني، وبمعناه حديث مرثد عند الحاكم، وكلاهما ضعيف (٥)، بيّن ضعفهما غير واحد من أهل العلم، ومنهم الإمام الألباني في " الضعيفة " (١٨٢٣).

стр. 101

وأما حكم المسألة، فالأولى أن يؤمّ الناس أقرؤهم لكتاب الله، وسيأتي الدليل على ذلك إن شاء الله. قال: (ويؤمُّ الرجلُ بالنساءِ لا العكس) أما إمامة الرجل للنساء فأدلتها كثيرة، منها ما في «الصحيحين» عن أنس قال: قمت خلف النبي ﷺ أنا واليتيم، والعجوز من ورائنا (١). وكانت النساء يصلين خلف الرجال في مسجد رسول الله ﷺ كما في «الصحيحين» (٢). وأما إمامة النساء للرجال، فلا تجوز في الفرائض بالاتفاق (٣). وأما في النوافل، فالصحيح أنها لا تؤمّهم أيضاً، فلم يرد في السنة ما يدلّ على جواز إمامتها للرجال، وقد جاءت الشريعة بالتفريق بين الرجال والنساء في التقديم والتأخير في الصلاة، فجعلت النساء خلف الرجال، فلا يجوز تقديمهن إلا بدليل صحيح خاص بهنّ. ثم إن النبي ﷺ قد قال: «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (٤)، والصلاة من أمرنا، ومن ائتم بالمرأة فقد ولّاها أمر صلاته. وأما الذين قالوا بجواز إمامة النساء للرجال في النوافل، فقد استدلّوا بحديث أم ورقة: «أن النبي ﷺ أمرها أن تؤم أهل دارها، وفيهم رجال» (٥). وللمرأة أن تؤم النساء وتقف وسطهن كما فعلت عائشة ﵂ (٦).

стр. 102

قال المؤلف: (والمُفْتَرِضُ بالمُتَنَفِّلِ والعَكْسُ) فأما صلاة المفترض بالمتنفل، أي أن يصلي الإمام فريضة ويصلي المأموم نافلة، فدليله حديث الرجلين اللذين رآهما النبي ﷺ جالسين في المسجد لم يصليا مع الجماعة، فقال لهما: «ما منعكما أن تصليا معنا»، قالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا، قال: «لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة» (١) وكذلك قوله ﷺ عندما رأى رجلا يصلي وحده: «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلي معه» (٢) ... . وكذلك قوله ﷺ في الصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، قال: «إذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة ... » الحديث (٣). وأما صلاة المفترض خلف المتنفل، فدليله حديث معاذ أنه كان يصلي مع النبي ﷺ الصلاة ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة. فكان متنفلاً وهم يصلون الفريضة، والحديث متفق عليه (٤). وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: «لا تصلى صلاة في اليوم مرتين» (٥)، مما يدلّ على أن معاذا كان متنفلاً. وأما صلاة المتنفل خلف المتنفل، فدليلها صلاة ابن عباس خلف النبي ﷺ (٦)، وكذا صلاة الصحابة خلفه ﵇ في رمضان (٧).

стр. 103

ولكن لاتكون صلاة الجماعة في النافلة بشكل دائم فلا يُحافَظُ عليها، فالمداومة عليها بدعة، بل تفعل أحياناً، لأن النبي ﷺ لم يداوم عليها، وكذا أصحابه من بعده، ما عدا قيام رمضان فقط. قال المؤلف ﵀: (وتجبُ المُتابَعَةُ في غَيْرِ مُبْطِلٍ) أي يجب على المأموم أن يتابع الإمام في صلاة الجماعة إلا إن فعل ما يبطل الصلاة فلا يتابعه. ويجب على المأموم متابعة الإمام لقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد - وفي رواية عند البخاري: ربنا لك الحمد -، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون». متفق عليه (١) وفي حديث أبي هريرة في «الصحيحين»: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (٢). وفي «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار» وفي رواية: «يحوّل صورته صورة حمار» متفق عليه (٣). فهذه الأحاديث تدلّ على وجوب متابعة الإمام بالصورة التي ذكرها النبي ﷺ ، فإذا ركع الإمام ركع المؤتمون، لا قبله ولا معه ولا بعده بكثير بل بعده مباشرة على ما تقتضيه «الفاء» التي في قوله ﷺ : «إذا كبر فكبروا». ومن لم يتابع الإمام عامداً وسبقه، بطلت صلاته، لأنه أتى بمحظور من محظورات العبادات التي تختص بالعبادة. وأما قوله (في غير مبطل) فلأن عمل المبطل يبطل الصلاة فلا يجوز لك متابعة الإمام، فإذا قام الإمام إلى الخامسة مثلاً وأنت تعلم أنها الخامسة - وزيادة ركعة في الصلاة ليست

стр. 104

منها تبطل الصلاة - فإنك ها هنا تنبّه الإمام، فإن رجع، وإلا فلا تتابعه، فإما أن تكمل صلاتك وحدك، أو تنتظره إلى أن يسلّم وتسلّم معه. قال المؤلف ﵀: (ولا يؤمُّ الرجلُ قوماً وهم له كارهون) يستدل المؤلف ومن يقول بقوله بقول النبي ﷺ : «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قوماً هم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دِباراً، ورجل اعتبد محرره» (١) وهو حديث ضعيف. ومعنى «أتى الصلاة دباراً» أي أتى الصلاة بعدما انتهت. ومعنى «اعتبد محرره»: أي اتخذ محرره عبداً، أي أن يكون له عبد ثم يحرره ويكتم ذلك، أو أن يتخذ حراً عبداً ويتملّكه. وكذا حديث أبي أمامة الذي أخرجه الترمذي: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها، وإمام قوم وهم له كارهون» (٢). فعلى ذلك، فلا عبرة برضى الناس في الإمام، فالمعتبر أن يكون الإمام موافقاً للشرع. قال المؤلف: (ويُصلّي بهم صَلاةَ أخَفِّهم) لحديث معاذ الذي قال له رسول الله ﷺ فيه لما أطال الصلاة بالناس: «أفتان أنت يا معاذ» (٣). قال: (ويُقَدَّمُ السلطانُ وربُّ المَنْزِلِ) وذلك لقوله ﷺ في حديث أبي مسعود البدري في «صحيح مسلم»: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء،

стр. 105

فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمّن الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» (١). وفي رواية عند مسلم بدل «سلماً»، «سناً»، ومعنى «سلماً»، أي إسلاماً. و«التكرمة» الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويُخصّ به. وفي رواية عنده أيضاً: «ولا تؤمّنَّ الرجل في أهله ولا في سلطانه ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك، أو بإذنه». قال المؤلف ﵀: (والأقرأ ثم الأعلمُ ثم الأسَنُّ) للحديث المتقدم، وهو الصحيح، فالأقرأ يقدم على الأعلم بشرط أن يكون الأقرأ على علم بأحكام الصلاة، والحديث المتقدّم يدل على أن العبرة بالأقرأ لا بالأعلم، لقوله «أقرؤهم لكتاب الله، ثم أعلمهم بالسنة». ثم الأقدم بالهجرة إن وجدت، وإلا فالأقدم إسلاما أو سناً. قال المؤلف ﵀: (وإذا اختلّت صلاةُ الإمامِ كانَ ذلكَ عليهِ، لا على المؤتمّينَ بهِ). لقول النبي ﷺ في الأمراء: «يصلّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٢). قال: (وموقفُهم خَلْفَهُ، إلا الواحدَ فَعَنْ يَمينهِ) ورد في ذلك حديث ابن عباس في «الصحيح»، أنه وقف على يسار النبي ﷺ ، فأخذه ﵇ من أذنه حتى أقامه عن يمينه. ولا يتقدم ولا يتأخر عن الإمام، فيكون هو والإمام صفاً واحداً (٣). وجاء في «الصحيح» أيضا عن جابر بن عبد الله، قال: «صلى رسول الله ﷺ بي وبجبار بن صخر، فقمت على يسار رسول الله ﷺ فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم

стр. 106

جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (١). وعن أنس أن رسول الله ﷺ صلى بهم نافلة فجعل أنساً عن يمينه وجعل أم أنس وأختها أم حرام خلفهم (٢). وفي حديث آخر لأنس أنه وقف هو واليتيم خلف النبي ﷺ والعجوز من ورائهم، وهو في «الصحيح» أيضاً (٣). قال ﵀: (وإمامةُ النساءِ وسط الصفِّ) ليس في هذا حديث صحيح، وإنما صحّ عن أم سلمة وعائشة أنهما فعلتا ذلك (٤). جاء عن عائشة من طرق يصح بمجموعها، وجاء عن أم سلمة من طريقين يصح بهما، ولا يوجد ما يخالف فعلهما. قال: (وتُقَدَّمُ صُفوفُ الرِّجالِ، ثم الصبيانِ، ثم النساءِ) اعتمد المؤلف في تفريقه صفوف الصبيان عن صفوف الرجال على حديث أبي مالك الأشعري، «أن النبي ﷺ كان يجعل الرجال قدّام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» (٥). ويخالفه حديث أنس المتقدم، أنه وقف خلف النبي ﷺ هو واليتيم، وأم سليم من خلفهم وهو في «الصحيحين». فيدل ذلك على أن الصبيان يصفّون مع الرجال، والنساءُ من خلفهم. قال ﵀: (والأحقُّ بالصفِّ الأوَّلِ أولو الأحلامِ والنُّهى)

стр. 107

لقوله ﷺ : «ليَليَني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). وأولو الأحلام والنهى، هم البالغون العقلاء، ليأخذوا عنه، وكذلك ليصحّحوا للإمام ويستخلف أحدهم إذا احتاج إلى ذلك. وهذا يدل على أن الصبيان لا يكونون في الصف الأول. قال ﵀: (وعلى الجماعةِ أن يسوّوا صفوفَهم وأن يَسُدّوا الخَلَلَ) يجب على المصلين تسوية الصفوف وتعديلها، لأمر النبي ﷺ وتحذيره من مخالفة ذلك باختلاف الوجوه. فقد قال ﵇: «سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» متفق عليه (٢). وقال: «لتسوّون صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم» متفق عليه (٣). قال ﵀: (وأن يُتِمّوا الصفَّ الأولَ، ثم الذي يليه ثم كذلك) لأمره ﷺ بذلك، فقد قال: «أتّموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر» (٤). فيجب إتمام الصف الأول فالأول. وكذلك يجب المقاربة بينها لقوله ﵇: «رصّوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق ... » (٥) الحديث. قال المؤلف ﵀: (باب سجودِ السهوِ، وهو سجدتانِ قبل التسليمِ أو بعدهُ، وبإحرامٍ، وتشهدٍ، وتحليلٍ) سجود السهو سجدتان آخر الصلاة، إما قبل التسليم أو بعده.

стр. 108

ويكون سجود السهو لجبر ما حصل في الصلاة من زيادة أو نقص أو شك وإرغاماً للشيطان. وأما التسليم في سجود السهو فصح عن النبي ﷺ في «الصحيحين» وغيرهما. وأما قوله: (وبإحرام) أي بتكبير، فقد صح ذلك عنه ﷺ في حديث أبي هريرة في ذكر قصة ذي اليدين، قال: «فرجع فصلى الركعتين الباقيتين ثم كبّر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه» (١). وأما قوله (وبتشهد) فوردت بذلك ثلاثة أحاديث كلها ضعيفة لا يصحّ منها شيء، والأحاديث التي في «الصحيحين» ليس فيها ذكر التشهد. وأما قوله (وتحليل) يعني وتسليم، فقد ورد في «الصحيحين» وغيرهما، أنه سلّم بعد سجود السهو، منها: حديث عبد الله بن مسعود، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً، فقالوا: إنك صليت خمساً، فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم، ثم قال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» (٢) متفق عليه قال المؤلف ﵀: (ويُشْرَعُ لتركِ مسنونٍ، وللزيادةِ - ولو ركعةً - سهواً، وللشكِّ في العدد) متى يشرع سجود السهو؟ الصحيح أنه يشرع عند كل سهو لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: «فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين»، سواء كان السهو بزيادة شيء من جنس الصلاة أو بنقصان. وكذلك يشرع عند الشك في عدد الركعات، فإذا شككت ولم تدر أصليت أربعاً أم ثلاثاً، فاجعلها ثلاثاً ثم أكمل الرابعة ثم اسجد سجدتين قبل أن تسلّم. لحديث أبي سعيد في «الصحيحين»، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى، ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين

стр. 109

قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان» (١). وهذا إذا لم يغلب على ظنه شيء بعد الشك، وأما إذا غلب على ظنه شيء فيعمل بغلبة الظن ثم يسجد بعد السلام وذلك لحديث ابن مسعود في «الصحيحين»: قال: قال رسول الله ﷺ : «وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلّم، ثم يسجد سجدتين» (٢). قال المؤلف ﵀: (وإذا سجدَ الإمامُ تابعهُ المؤتمُّ) وذلك لما ورد بالأمر بمتابعة الإمام. ولا يسجد المؤتم وحده إذا سها خلف الإمام، لقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (٣). أما موضع السجود، فالصحيح أن المصلي مخيّر بين أن يسجد قبل السلام أو بعده فقد جاءت الأحاديث بهذا وهذا، واتفق العلماء على أن من سجد قبل السلام أو بعده، فصلاته صحيحة، وإنما اختلفوا في الأفضل (٤). قال المؤلف ﵀: (بابُ القضاءِ للفوائتِ) (القضاء) لغة: الحكم، ويأتي بمعنى الأداء. واصطلاحا - أي عند الأصوليين -: «إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه». و(الأداء) عندهم: إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعاً. و(الإعادة): ما فعل في وقت الأداء لخلل في الفعل الأول. و(الفائتة): هي التي خرج وقتها ولم تؤدَّ فيه.

стр. 110

ولكن، هل تقضى الصلاة الفائتة؟ ! قال المؤلف ﵀: (إن كان التركُ عَمْداً -لا لِعُذْرٍ - فَدَيْنُ اللهِ تعالى أحقُّ أن يُقْضى) الفائتة إما أن تكون فاتت لعذر كما سيأتي، وإما أن تكون فاتت لغير عذر كتكاسل مثلاً، أو كما يقول بعض الناس كنت في السوق أو كنت في سهرة أو ماشابه، فهل تقضى الصلاة الفائتة لغير عذرٍ؟ هذه المسألة مبنية على مسألة أصولية وهي، هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب العبادة، أم لا بد من دليل جديد يطلب القضاء؟ ! أي حين أمر الله بصلاة الظهر في وقت معين، ثم أخرجتها أنت عن وقتها، وفعلتها خارجه، فهل فعلها خارج وقتها مبني على أنه أمرك بفعلها في وقتها، أم لابد أن يكون عندك دليل جديد يطلب منك عملها خارج وقتها؟ الراجح: الثاني، أي أنه لا بد من دليل جديد يطلب منك عملها خارج وقتها - وهو قول الأكثر - وذلك لأن اقتران العبادة بوقت معين يدلُّ على أن مصلحة العبادة مختصة بذلك الوقت، إذ لو كانت المصلحة في غيره لما خصصت به، فيحتاج القضاء إلى أمر جديد كي يدل على بقاء المصلحة خارج الوقت. واختلف القائلون بالأمر الجديد، هل الصلاة الفائتة لها أمر جديد أم لا؟ الذين قالوا: لها أمر جديد، استدلوا بحديث ابن عباس ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق أن يُقضى» متفق عليه (١). قالوا: الصلاة الفائتة من دَيْنِ الله. وأجاب الآخرون: بأن هذا الحديث في حق المعذور، والنبي ﷺ قال هذا في صيام النذر المطلق الذي ليس له وقت محدد الطرفين، كما في رواية في «الصحيحين». وقد أشبع ابن القيم المسألة بحثاً وتحقيقاً في «الصلاة وأحكام تاركها».
следующие страницы →