← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 666–681 · переход к 671.

стр. 666

قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ الغُلُولُ) الغلول: هو السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، وهو محرم؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» (١). عبد كان في الجيش فأصابه سهم فمات، فقال الصحابة: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله. فقال: كلا، والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه ناراً، أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، يعني لم تدخل في الغنيمة حتى تقسم، أخذها قبل القسمة، فهي تلتهب عليه ناراً. الشملة: كساء يُلبس. قال: ففزع الناس، فجاء رجلٌ بشراكٍ أو شراكين، فقال: يا رسول الله أصبت هذا يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ : «شراك من نار أو شراكان من نار». نقل النووي ﵀ الإجماع على أنه من الكبائر. قال المؤلف ﵀: (ومِن جُملةِ الغَنيمةِ الأَسرَى، ويَجوزُ القَتلُ، أو الفِداءُ، أو المَنُّ) المَنّ: المن عليهم يعني يطلقهم بدون أي مقابل. ما تقدم من حكمٍ، في أموال الغنيمة. الآن الحكم في الأنفس، الأسرى من الناس، هُمْ صنفان: صنف لا يقاتل؛ كالصبيان والنساء والشيوخ؛ هؤلاء يكونون أَرِقّاء عبيد بسبب السَّبي، فبمجرد أخذهم يكونون أرقاء، لا يخيَّر فيهم الإمام، وإذا كانوا أرقاء صاروا تبع الغنيمة، فيقسَّمون مع الغنائم. وأما البالغ المقاتل فإن الإمام يخيَّر فيه، إمام المسلمين يخيَّر في المقاتل بين أمورثلاثة:

стр. 667

إما القتل: فله أن يقتله. وإما أخذ الفداء: يعني أن يفديه بمال، يأخذ مالاً مقابل تركه يرجع إلى أهله. وإما المن: تركه من غير مقابل: يعني إطلاقه بدون مقابل. هذا كله فعله النبي ﷺ في أحاديث وردت في الصحيحين وغيرها، فعلى حسب المصلحة التي يراها الإمام يفعل بهم. والله أعلم قال المؤلف في شرحه على الدرر: وأما كونه يجوز القتل والفداء والمن؛ فلقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ القتل للأساري، وأخذ الفداء منهم، والمن عليهم، ثبوتاً متواتراً في وقائع. ففي يوم بدر قتل بعضهم وأخذ الفداء من غالبهم. وأخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حياً، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» (١). وفي مسلم من حديث أنس: أنه ﷺ أخذ الثمانين النفر الذين هبطوا عليه وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، ثم إن النبي ﷺ أعتقهم، فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] الآية (٢). وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسرى، فيقتل أو يأخذ الفداء أو يمن .... انتهى مختصراً فصلٌ

стр. 668

قال المؤلف: (ويَجوزُ استِرقَاقُ العَربِ) ذكرنا الاسترقاق سابقاً، هل العرب خاصة يجوز استرقاقهم أم لا؟ حصل خلاف بين أهل العلم؛ لذلك نصَّ عليه المؤلف هنا، فقال: ويجوز استرقاق العرب، هذا هو الصحيح، لا فرق بين عربي وغير عربي في الرِّقّ، دليل ذلك: أنه لا يوجد دليلٌ يخص العرب عن غيرهم في الرِّقّ، بل ورد عن النبي ﷺ أنه استرقَّ بعض العرب، في حديث عائشة قال النبي ﷺ في أمة كانت عنده من بني تميم-عربية-: «اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» (١) متفق عليه. وفي الصحيحين أن جويرية بنت الحارث من سبي بني المصطلق، وهم من العرب، عن ابن عمر قال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ» (٢). هذه أدلة تدل على جواز استرقاق العرب. قال المؤلف: (وقَتلُ الجَاسُوسِ) ويجوز قتل الجاسوس، الصحيح أن الجاسوس يجوز قتله، سواء كان مسلماً أم ذمياً أم مستأمناً، بما أنه قد تبين بالأدلة والبراهين أنه جاسوس، لا بمجرد الدعاوى، يقتله للإمام. الإجماع منعقد على جواز قتل الجاسوس الحربي، الحربي: الكافر المحارب. وفي صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: «أتى النبيَّ عينٌ- جاسوس- وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : «اطلبوه واقتلوه» قال سلمة: فسبقتهم إليه فقتلته فنفَّله سَلَبَه (٣). قال النووي ﵀: وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ كان أمرهم بطلبه وقتله. وأما الذمي فينتقض عهده بتجسسه، إذا ثبت أنه جاسوس فعهده الذي بيننا وبينه ينتقض تلقائياً. وأما المسلم، فدليله حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا» فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ

стр. 669

الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ » قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ»، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي، يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. المانع الذي منع من قتله -مع أن عمر استأذن في قتله- هو أنه من أهل بدر، وهذا المانع غير موجود في غير حاطب بن أبي بلتعة، فإذا انتفى المانع بقي حكم القتل فجاز قتله. فهذا هو الصحيح، العلماء الذين أفتوا بقتله، قالوا: يقتل تعزيراً لا ردة، وفرق بين الأمرين. وبعض أهل العلم قال: لا يقتل أصلاً، يعزَّر بالسجن أو الجلد أو غير ذلك، لكن لا يقتل. فالفقهاء على أنه لا يكفر، وهذا من الإعانة من إعانة الكفار على المسلمين، عند التكفيريين الخوارج هو من الموالاة! فيكفِّرونه بهذا، لكن النبي ﷺ لم يقتل حاطباً، ولو كان هذا كفراً لأذن بقتله، ولا يمنع كونه من أهل بدر من تكفيره وقتله؛ لان الله ﵎ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/٤٨] (١) كونه لم يكفر دل على أن التجسس للكفار على المسلمين، إذا كان لأمر دنيوي لا لأمرٍ ديني؛ لا يكون هذا الفعل كفراً، حاطب عندما فعله لم يفعله ردة، ولا فعله بغضاً للإسلام، ولا حباً لظهور الكفار على المسلمين، ولكن لأمر دنيوي؛ كي يحمي أهله الذين في قريش. فمن فعل ذلك لأجل هذا الغرض لا يكفر، ولكن يكفر من فعله بغضاً للإسلام أو حباً لأن يظهر الكفار على المسلمين يكفر عندها. هذا هو التفصيل في مسألة من قاتل مع الكفار أو أعانهم بتجسس أو غيره.

стр. 670

لكن هل يُقتل؟ نعم يُقتل سواء كان في جيشهم أو كان جاسوساً لهم أو غير ذلك، يقتل، هذا أقل ما يستحقه، أن يُقتَل يُعزَّر على فعله ذلك. قال النووي ﵀: وأما الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله. وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، قال أصحابنا: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك. وأما الجاسوس المسلم؛ فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله. وقال مالك رحمه الله تعالى: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد. وقال القاضي عياض ﵀: قال كبار أصحابه: يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، قال الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا عزر. انتهى قال المؤلف ﵀: (وإِذَا أَسلمَ الحَربِيُّ قَبلَ القُدرةِ عَليهِ أَحرزَ أَموالَهُ) الحربي: هو الكافر من أهل الحرب، ليس بينهم وبين المسلمين عهد ولا أمان ولا ذمة. هذا الحربي إذا أسلم قبل أن يقدر عليه المسلمون، يكون قد أحرز ماله، أي حفظ ماله، فلا يجوز أخذ ماله؛ لأنه صار محرماً بإسلامه؛ لأن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» متفق عليه. قال المؤلف: (وإذا أَسلَمَ عَبدُ الكَافِرِ صَارَ حُرّاً) إذا كان عند الكافر عبد، رقيق، وأسلم هذا العبد، تلقائياً يصير حراً، ويخرج من الرق؛ لمِا أخرجه أبو داود من حديث علي قال: خرج عَبدَان إلى رسول الله ﷺ -يعني يوم الحديبية قبل الصلح- فكتب إليه مواليهم- أسيادهم، مُلاكّهم - فقالوا: والله يا محمد ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق- أرادوا أن يتخلصوا من العبودية فقط، لا رغبة الإسلام- فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله رُدَّهم إليهم - ناس ممن مع النبي ﷺ قالوا: صدقوا فيما قالوا- فغضب رسول الله ﷺ وقال: «ما أُراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا»، وأبى أن يردهم، وقال: «هم عتقاء الله » (١).

стр. 671

قال المؤلف ﵀: (والأَرضُ المَغنُومَةُ أَمرُهَا إلى الإِمامِ؛ فَيفعلُ الأَصلَحَ، مِن: قِسمتِهَا، أو تَركِهَا مُشترَكةً بينَ الغَانِمينَ، أو بينَ جَميعِ المُسلِمينَ) انتهينا من الأموال ومن الأنفس، دخل الآن على الأرض، إذا فتحت بلاد فأرضها غنيمة، للإمام أحد خيارات ثلاثة فيها: إما أن يقسمها بين الغانمين وهم الجيش، يقسمها كقسمة الغنيمة. أو يتركها مشتركة بين الغانمين، يعني من غير تقسيم يكون الغانمون كلهم شركاء في الأرض. أو تكون لجميع المسلمين، فرَيْعها وخَراجها، ما يخرج منها وغلتها؛ يستفيد منه جميع المسلمين، إن تركها لجميع المسلمين، أو يستفيد منه الغانمين إن تركها فقط للغانمين. لأن النبي ﷺ قسم أرض قريظة والنضير بين الغانمين، وقسم نصف أرض خيبر بين المسلمين، وجعل النصف الآخر لمن ينزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس. ورد عن بُشير بن يَسار مولى الأنصار، عن رجالٍ مِن أصحاب النبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ لما ظَهَر على خيبر؛ قسَّمها على ستة وثلاثين سهماً، جمَع كل سهم مائة سهم، فكان لرسول الله وللمسلمين النصفُ مِن ذلك، وعزَل النصف الباقي لمن نَزَل به من الوفود والأمور ونوائب النّاس (١). وفي رواية مِن حديث سهل بن أبي حثمة ﵁ قال: قَسَم رسول الله ﷺ خيبر نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين، قسَمَها بينهم على ثمانيةَ عشَرَ سهماً (٢). وترك الصحابة ما غنموه من الأراضي مشتركاً بين جميع المسلمين، يقسمون خراجها بينهم، وبهذا قال جمهور علماء الإسلام وهو عمل الخلفاء الراشدين. قال المؤلف: (ومَنْ أَمَّنَهُ أَحدُ المُسلمينَ صارَ آمِناً) يعني إذا أمَّن أحد المسلمين أحداً من الكفار، صار هذا الكافر آمناً، لا يجوز قتله ولا أخذ ماله؛ لأنه صار آمناً بتأمين أحد المسلمين له.

стр. 672

والدليل على أن أي أحد من المسلمين إذا كان عاقلاً بالغاً يصح أمانه؛ قول النبي ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» (١). أخرجه أبو داود يسعى بذمتهم أدناهم، يعني يسعى بعهدهم أدناهم أقلهم، فلا فرق بين أن يكون الشخص من سادات المسلمين أو من رجالهم أو من نسائهم أو من ضعفائهم؛ كله واحد. هذا يقيَّد بالبالغ العاقل بالاتفاق، يعني الصغير الطفل هذا لا يصلح أن يعطي الأمان، وكذلك المجنون، هذا محل اتفاق. كان رجلاً أو امرأة، أو كان حراً أو عبداً؛ جاز أمانه؛ لعموم الحديث، أخرجنا فقط الصغير الذي لم يبلغ، والمجنون الذي لا عقل له؛ لانعقاد الإجماع على إخراجهم. ثم قال المؤلف ﵀: (والرَّسولُ كَالمُؤَمَّنِ) أي مجرد أنه رسول جاء برسالة فهو آمن، حاله حال المؤمَّن؛ كأن أحداً من المسلمين أعطاه الأمان؛ لحديث ابن مسعود عند أبي داود أن النبي ﷺ قال لرسولَيْ مسيلمة: «لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما»، وفي رواية: «والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما» (٢). هذا يدل على أن الرسول كأنه مؤمَّن، لا فرق بينه وبين المؤمَّن. قال المؤلف: (وتَجوزُ مُهادَنةُ الكُفارِ ولو بِشَرطٍ، وإلى أَجلٍ أَكثَرُهُ عَشرُ سِنينَ، ويَجوزُ تَأبيدُ المُهادَنَةِ بِالجِزيَةِ) المهادنة: المصالحة، وليست المداهنة، بينهما فرق، المهادنة غير المداهنة. المداهنة: ترك إنكار المنكر إجلالاً لصاحبه وتقرباً منه. هذه المداهنة، ليست موضوعنا، ذكرناها ليحصل التفريق، ويزول اللبس. ترْك إنكار المنكر إجلالاً لصاحبه وتقرباً منه، هذه المداهنة.

стр. 673

أما المهادنة فهي المصالحة، مصالحة الإمام أو نائبه الكفار على ترك القتال مدة من الزمن، يعني الإمام أو نائب الإمام له أن يعقد عقد صلحٍ مع الكفار، على ترك القتال بينهم مدة من الزمن. يفعلها الإمام إذا رأى أن المصلحة للإسلام والمسلمين فيها، ولو اشترط الكفار عليه شروطاً. هذا معنى كلام المؤلف: وتجوز مهادنة الكفار ولو بشرطٍ، وإلى أجلٍ أكثره عشر سنين، ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية. يعني عقد الصلح من الإمام مع الكفار على ترك القتال جائز، على كلام المؤلف لا يجوز أن يخرج عن عشر سنين، وإذا اشترط الكفار شروطاً أيضاً يجوز عقد الصلح معهم، ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية، يعني جَعْل الصلح بينهم وبين المسلمين مؤبَّداً لا وقت انتهاء له، يجوز هذا، ولكن بشرط أن يدفعوا الجزية للمسلمين. هذا معنى كلام المؤلف. أدلة ذلك حديث صلح الحديبية مشهور ومعروف، عقد النبي ﷺ صلحاً مع كفار قريش، مدة العقد كانت عشر سنين، هذا الحديث في الصحيحين، اشترطوا على النبي ﷺ أنَّ مَنْ جاء منكم لا نرده عليكم، ومن جاء منا رددتموه علينا (١). هذا كله موجود في الصحيح. فهذا يدل على جواز الصلح، حتى لو كان بشرطٍ من الكفار على المسلمين، وفيه أن مدة الصلح عشر سنين. لكن لا نسلِّم للمؤلف بأن المدة يجب أن تكون عشر سنين؛ لأنه لا يوجد دليل على حصر المدة بعشر سنين، هم يستدلون بأن الأصل قتال الكفار؛ لأن الله أمر بقتالهم، ولا يجوز الصلح إلا لأن النبي ﷺ قد صالح لمدة عشر سنين، فدل ذلك على الجواز إلى هذه المدة، فلا يجوز الخروج عن هذه المدة. ولكن لا يوجد ما يدل على حصر المدة بعشر سنين، ووقوع ذلك من النبي ﷺ لا يدل على أن الأكثر غير جائز كما لا يخفى، والذي يظهر أن المسألة متعلقة بالمصلحة التي جاز الصلح لأجلها، فإذا كان بالمسلمين ضعف كحالنا اليوم؛ جاز الصلح على أكثر من عشر

стр. 674

سنين، بشرط أن يكون المعتبر المصلحة، ولا يكون في ذلك تحايلاً لإبطال فرض الجهاد وطلب العدو؛ لأننا مأمورون بقتال الكفار، فلا يجوز تركه والمصالحة إلا للمصلحة فقط. قال ابن قدامة في المغني: فصل: ومعنى الهدنة، أن يعقد لأهل الحرب عقداً على ترك القتال مدة، بعوض وبغير عوض. وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز، بدليل قول الله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ [التوبة: ١]. وقال : ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]. وروى مروان، ومسور بن مخرمة، أن النبي ﷺ صالح، سهيل بن عمرو بالحديبية، على وضع القتال عشر سنين. ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين؛ إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم، وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية والتزامهم أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح. إذا ثبت هذا، فإنه لا تجوز المهادنة مطلقاً من غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية. انتهى. والله أعلم وأما قوله: ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية، أي يجوز أن نجعل المصالحة دائمة، بشرط أن يدفعوا لنا الجزية؛ لأن الله أمر بالقتال حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، كما قال في كتابه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة/٢٩] تدل هذه الآية على أن القتال يجب أن يستمر إلى أن يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فغايته التي ينتهي إليها القتال؛ إعطاء الجزية. وتقدم في الأحاديث الصحيحة أيضاً أن المشركين يُدعون إلى أحد ثلاث: فإن قبلوا بالإسلام يُترك القتال، وإذا لم يقبلوا عُرضت عليهم الجزية، فإن قبلوا تُرك القتال، وإلا قوتلوا كما تقدم معنا في الحديث الذي في صحيح مسلم. والجزية: قدرٌ من المال يؤخذ ممن دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من الكفار وتقدم بيانها. أما قدرها فيرجع إلى ولي الأمر، هو يقدرها بحسب المصلحة.

стр. 675

هذا أصح الأقوال فيها، وهو الذي رجحه بعض المحققين من أهل العلم. وتؤخذ من المقاتِلة، أي الذين يقاتلون، لا تؤخذ من النساء والأطفال والعبيد؛ لأنهم لا يقاتلون، ولا تؤخذ من فقير لا يقدر عليها. وهؤلاء الذين تؤخذ منهم الجزية يسمون أهل ذمَّة. قال المؤلف ﵀: (ويُمنَعُ المُشرِكُونَ وأَهلُ الذِمَّةِ مِنَ السُّكُونِ مِن جَزيرةِ العَرَبِ) كذا قال: السكون من جزيرة العرب، واعترض الشيخ أحمد شاكر على هذا التعبير، قال: لا يصح أن يقال: السكون من جزيرة العرب، الصواب أن يقال: السكون في جزيرة العرب. المراد بالسكون: السكن، يعني يُمنع المشركون وأهل الذمة من السكن في جزيرة العرب، وذلك لقول النبي ﷺ في وصيته عند موته، «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (١) متفق عليه. وقال: «لأُخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً» (٢) أخرجه مسلم. ولكن اختلف أهل العلم في المكان الذي يجب أن يُخرجوا منه، هل هو الجزيرة كاملة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن المحيط إلى العراق والشام؟ أم المقصود الحجاز فقط؟ وهي: مكة والمدينة والطائف وما حولها. حصل خلاف بين أهل العلم في ذلك، والذي ذهب إليه الجمهور هو الصواب، وهو أن الحجاز فقط لا جميع الجزيرة؛ لأن عمر ﵁ عندما عمل بهذا الحديث أخرجهم من الحجاز خاصة، عندما أخرجهم أخرجهم إلى تيماء وأخرجهم إلى أريحاء، أريحاء بالشام، لكن تيماء من ضمن الجزيرة الكاملة الكبيرة، فلما أخرجهم عمر إلى تيماء، دل ذلك على أنهم لم يفهموا من الجزيرة المعنى العام، إنما فهموا من ذلك الحجاز، وهذا الذي ذهبوا إليه هو مذهب جمهور العلماء، كما ذكر الحافظ في الفتح. قال ابن قدامة: وجزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن. قاله سعيد بن عبد العزيز. وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عدن طولاً، ومن تِهامَة وما وراءها

стр. 676

إلى أطراف الشام عرضاً. وقال أبو عبيدة: هي من حفر أبي موسى إلى اليمن طولاً، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة عرضاً. قال الخليل: إنما قيل لها جزيرة؛ لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها، ونسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها. وقال أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها. يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها، وهو مكة واليمامة، وخيبر والينبع وفدك ومَخاليفها، وما والاها. وهذا قول الشافعي؛ لأنهم لم يُجلَوا من تيماء، ولا من اليمن. وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قال: إن آخر ما تكلم به النبي ﷺ ، أنه قال: أخرجوا اليهود من الحجاز». فأما إخراج أهل نجران منه، فلأن النبي ﷺ صالحهم على ترك الربا، فنقضوا عهده. فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز، وإنما سمي حجازاً، لأنه حجز بين تهامة ونجد. ولا يمنعون أيضاً من أطراف الحجاز، كتيماء وفَيْد ونحوهما؛ لأن عمر لم يمنعهم من ذلك. انتهى فَصلٌ قال المؤلف ﵀: (ويَجبُ قِتالُ البُغاةِ حَتَّى يَرجِعُوا إلى الحَقِّ، ولا يُقتلُ أَسيرُهُم، ولا يُتبَعُ مُدبِرُهُم، ولا يُجَازُ على جَريحِهِم، ولا تُغنَمُ أَمَوالُهُم) انتقل المؤلف الآن من قتال الكفار إلى قتال المسلمين. الأصل عدم جواز قتال المسلم للمسلم ولا قتاله، دلت على ذلك عموم الأدلة التي تدل على حرمة دم المسلم، منها قول النبي ﷺ : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (١)

стр. 677

متفق عليه، ومنها قوله ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (١)، ومنها قوله ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢)، هذا كله يدل على تحريم قتل المسلم وقتاله. استثني من هذا قتال البغاة، البغاة: جمع باغ، وهو الظالم المعتدي. أصل جواز قتالهم، قول الله ﵎: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات/٩/ ١٠]، هذا النوع من القتال هو قتالٌ لدفع المفسدة الناتجة عن ظلم المعتدي وتعديه، فهو قتال ضرورة لدفع أكبر المفسدتين؛ لذلك قال المؤلف: لا يُقتل أسيرهم ولا يُتبع مدبرهم. الذي يفر يهرب لا يُلحق يُترك، والجريح لا يقتل، ولا تغنم أموالهم، هذا ما جرى عليه عمل السلف، في قتال البغاة. والأصل عندنا تحريم دماء المسلمين وأموالهم، إلا بدليلٍ يدل على حله، ولا يوجد ما يدل على جواز قتل هؤلاء أو أخذ أموالهم، إذا تمكنّا من كسر شوكتهم بحيث دُفع ضررهم ومفسدتهم. تنبيه: وقع لصديق حسن خان وهو أحد شراح الدرر في هذا الموطن، عند شرح هذه الفقرة؛ كلام سيء وقبيح، وفيه طعن في أصحاب رسول الله ﷺ ، بسبب الخلاف الذي وقع بينهم، وحصل بسببه قتال بين أصحاب النبي ﷺ ، في كلامه انحراف وضلال كبير، وفيه تجنٍ وتعد على أصحاب النبي ﷺ ، وهو مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ ، ولخطورة ذاك الكلام وسوئه نبهت عليه، مع أن الشيخ أحمد شاكر ﵀ لم يقصِّر في ذلك، فقد رد عليه ما قال، وذكر أن هذا مدخل شيعي دخل على المؤلف. فَصلٌ

стр. 678

قال المؤلف ﵀: (وطَاعةُ الأَئِمَّةِ وَاجبةٌ إلا في مَعصيةِ اللهِ، ولا يَجوزُ الخَروجُ عليهم، ما أَقامُوا الصَّلاةَ، ولم يُظهِرُوا كُفراً بَوَاحاً، ويَجبُ الصَّبرُ على جَورِهِم، وبَذلُ النَّصِيحةِ لَهم) طاعة الأئمة المسلمين واجبة؛ لقول الله تبارك تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء/٥٩]، بلغ الغلو في البعض أن يوجب طاعة الولي الكافر، هذا غباء وجهل حقيقة عجيب، ما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، والعلماء متفقون على أن الإمام الكافر لا طاعة له، ولا حكم له على المسلمين، ولا يكون ولياً للمسلمين، كلام أهل السنة دائماً في الحاكم المسلم، هو الذي يطاع. مسالة الخروج على الحاكم الكافر مسألة ثانية تتعلق بالقدرة، إن وُجدت أو عُدمت، لكن مسألة الطاعة مسألة أخرى، هي موضوعنا الآن، الطاعة لولي أمرٍ مسلم لا كافر، لقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء/٥٩]، منكم يعني من المسلمين. وقال النبي ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل حبشي كأن رأسه زبيبة» (١) أخرجه البخاري. والأحاديث بهذا المعنى كثيرة متواترة تحث على طاعة ولاة الأمور. وجاءت أحاديث أخرى بلزوم الصبر عليهم، وستأتي إن شاء الله، وذلك كله دفعاً للمفسدة التي ستترتب على الخروج عليهم، فمفسدة الخروج عليهم أكبر وأعظم من المفسدة التي تحصل منهم، فمفسدة الخروج عليهم تؤدي إلى سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وكثرة الفتن البلايا بين المسلمين، كما شوهد في هذه الأيام عياناً، فلأجل دفع هذه المفسدة أمر النبي ﷺ بالصبر على الأئمة الظلمة، أئمة الجور والظلم. فهذه الأحاديث والآيات تدل على وجوب طاعة ولاة أمر المسلمين. إلا في حال أن يأمروا بمعصية؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف» (٢) متفق عليه، وقال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣) متفق عليه.

стр. 679

ولا يجوز الخروج عليهم ما لم نرَ كفراً بواحاً، وما أقاموا الصلاة، لقول النبي ﷺ : «سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا» (١) أخرجه مسلم. ستكون أمراء -أي سيوجد أمراء- فتعرفون وتنكرون -من أعمالهم وأقوالهم تعرفون أشياء موافقة للشرع وتنكرون أشياء مخالفة للشرع- فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع من رضي بمنكرهم وتابعهم عليه، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ انظر إلى السؤال الآن، إن وجدنا أئمة كهؤلاء أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صَلّوا». استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على كفر تارك الصلاة؛ لأنه جاء في الحديث الثاني في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، يعني حتى وإن وُجد أمراء يؤثرون أنفسهم، يعني يخصون أنفسهم بالأموال وبالخيرات، ولا يعطون الناس حقوقهم، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان. فلا يجوز الخروج عليهم إلا إن وُجد كفر بواح، والكفر البواح: هو الواضح الظاهر الذي لا خفاء فيه. عندكم من الله فيه برهان: أي عندكم دليل واضح من كتاب أو سنة، لا يحتمل التأويل، فدليلكم يكون واضحاً على كفره، على أن الذي فعله أو قاله كفر، وعلى أنه صدر منه، عندئذ يجوز الخروج عليه، أيضاً إن وُجدت القدرة، فتحقيق المصالح ودفع المفاسد هنا قاعدة عامة يجب إعمالها دائماً. ويجب الصبر على ظلمهم؛ لقول النبي ﷺ : «إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» (٢) متفق عليه. فالحاكم له حالة خاصة، في قضية الإنكار عليه، غلاة التكفير، والخوارج، ومن كان على منهجهم في هذه المسألة؛ يستدلون بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجيزون الخروج عليه لأجل هذا.

стр. 680

هذا الاستدلال باطل؛ لأنهم يستدلون بأدلة عامة، ونحن عندنا أدلة خاصة، والدليل الخاص بالاتفاق يكون مقدَّماً على الدليل العام. فعندنا أدلة خاصة تخص الحاكم في كيفية التصرف معه عندما نرى منه منكراً، وهو الصبر عليه، والصبر عليه يكون بأن تؤدوا ما عليكم، وتسألوا الله ما لكم، كما جاء في حديثٍ آخر، فلا يجوز الخروج على الحاكم إلا أن نرى منه كفراً بواحاً، وعندنا قدرة على إزالته. وأما النصيحة لهم فلقول النبي ﷺ : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (١) قال النووي ﵀: وأما النصيحة لأئمة المسلمين، فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيهم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي ﵀: ومن النصيحة لهم: الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة، وأن لا يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح. انتهى. قال المؤلف ﵀: (وعَليهمُ الذَّبُّ عن المُسلمينَ، وكَفُّ يَدِ الظَّالِمِ، وحِفظُ ثُغُورِهِم، وتَدبِيرُهُم بِالشَّرعِ في الأَبدَانِ، والأَديَانِ، والأَموَالِ، وتَفرِيقُ أَمْوالِ اللهِ في مَصَارِفِهَا، وعَدَمُ الاستِئثَارِ بِمَا فَوقَ الكِفايةِ بِالمَعرُوفِ، والمُبالَغةُ في إِصلاحِ السِّيرِةِ والسَّرِيرَةِ) هذا ما يجب على الحكام مع شعوبهم ومع المسلمين. الثغور: هي المواضع التي تَقْرُبُ من العدو، فيخاف أهلها منهم؛ كالحدود التي تكون مع دولة عدوة. والاستئثار: تخصيص النفس بالشيء، فلا يجوز لهم أن يخصصوا أنفسهم بالأموال والخيرات ولا يعطوا المسلمين حقوقهم.

стр. 681

قوله: وعليهم: أي يجب على الأئمة الدفاع عن المسلمين، ومنع الظالم من الظلم، ويجب عليه أن يضع حرساً على الحدود، والأماكن التي يخشى فيها من العدو، فيضع عليها الحرس والمراقبين للتنبه للأعداء، ويجب عليه أن يحكم بشرع الله بين الناس في كل أمرهم: في أبدانهم، وأموالهم، وأعراضهم، وفي كل شيء. ويجب أن يضع الأموال في مواضعها، ولا يخص نفسه بها، ولا يجوز له أن يأخذ إلا ما يكفيه بما هو معروف لمثله. ويبالغ في إصلاح سيرته، أي طريقته، فيصلح نفسه في أقواله وأفعاله. كل ذلك لا خلاف في وجوبه على الإمام، ولهذه الأمور شرع الله ﵎ نَصبَ الأئمة، والأدلة التي تدل على كل ما ذكر المؤلف كثيرة، ولو لم يوجد إلا حديث «الدين النصيحة» لكان كافياً. والله أعلم قال المؤلف ﵀: تَمَّ الكِتابُ وَرَبُّنَا مَحمُودُ ... وَلَهُ المَكَارِمُ والعُلا والجُودُ وعَلى النَّبِيِّ مُحمَّدٍ صَلواتُهُ ... مَا نَاحَ قُمْرِيٌّ وأَورَقَ عُودُ القُمري: نوع من الطير. ما ناح قمري: يعني مدة تغريده بصوته. وأورق عود: يعني ظهر ورق الشجر على عيدانه. يعني تستمر صلاته على النبي ﷺ إلى ما لا نهاية. قال: والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ونحن كذلك نقول: الحمد لله على ما أنعم به وتفضل. تمت مراجعته ليلة ٣ /شوال / ١٤٣٩ هجري، والحمد لله.