← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

كتابُ الوَصِيَّةِ الوصية مأخوذة من وَصَيْتُ الشيء بالشيء وصلته؛ لأنه وصل ما كان في حياته بما بعده. هذا أصلها اللغوي. واصطلاحاً: تمليكٌ مضافٌ إلى ما بعد الموت. كأن تقول سيارتي بعد موتي لفلان. قال المؤلف ﵀: (تَجِبُ على مَن لهُ ما يُوصِي فيه) فالوصية واجبة فقط على من له ما يوصي به من حقوق؛ لقول النبي ﷺ : «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه؛ إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١) متفق عليه. فهذا الحديث يدل على أن من له شيء يريد أن يوصي فيه وجبت عليه الوصية في ذلك. قال النووي ﵀ عند شرح الحديث المذكور: فيه الحثُّ على الوصية، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها، لكن مذهبنا ومذهب الجماهير أنها مندوبة لا واجبة، وقال داود وغيره من أهل الظاهر هي واجبة لهذا الحديث، ولا دلالة لهم فيه فليس فيه تصريح بإيجابها، لكن إن كان على الإنسان دين أو حق أو عنده وديعة ونحوها؛ لزمه الإيصاء بذلك. قال الشافعي ﵀: معنى الحديث ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، ويستحب تعجيلها، وأن يكتبها في صحته، ويشهد عليه فيها، ويكتب فيها ما يحتاج إليه، فإن تجدد له أمر يحتاج إلى الوصية به ألحقه بها. انتهى كلام الشافعي. قال النووي: قالوا: ولا يكلف أن يكتب كل يوم محقرات المعاملات وجزيئات الأمور المتكررة. قال: وأما قوله ﷺ ووصيته مكتوبة عنده فمعناه مكتوبة وقد أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على الكتابة، بل لا يعمل بها ولا تنفع إلا إذا كان أشهد عليه بها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي من أصحابنا يكفي الكتاب من غير إشهاد لظاهر الحديث. والله أعلم ثم قال المؤلف ﵀: ولا تَصِحُّ: ضِراراً) إذا كانت الوصية للإضرار بالغير فلا تصح؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن

стр. 632

الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيُضارّان في الوصية؛ فتجب لهما النار». ثم قرأ أبو هريرة ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ﴾ [النساء/١٢] إلى قوله ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١). أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف فيه شهر بن حوشب لا يحتج به لسوء حفظه. وفي الآية المذكورة دليل على المراد. وصح عن ابن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية من الكبائر (٢). قال الشوكاني: وقد روى جماعة من الإئمة الإجماع على بطلان وصية الإضرار. إذن الوصية إذا كُتبت للإضرار بالورثة فهي باطلة؛ كمن يوصي مثلاً بماله للفقراء أو لجمعية خيرية، أو يوقف ماله كله عند الموت؛ للإضرار بالورثة، فمثل هذه الوصية تعتبر باطلة؛ لأنها وصية إضرار، وهذا محل إجماع كما نقل. قال المؤلف ﵀: (ولا لِوارِثٍ) أي الوصية كذلك لا تصح لوارث؛ لقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» (٣) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما. فإذا كان الشخص من الورثة فلا تصح الوصية له، نقل ابن المنذر وغيره الإجماع عليه. فإذا كان الوالدان مثلاً لا يرثان فالوصية جائزة لهما بالإجماع. لكن إذا كانا من الورثة ولهما إرث فهنا لا تجوز الوصية لهما. فمَنْ كان من الورثة له نصيب في الإرث فلا تجوز الوصية له، ومن لم يكن له نصيب في الإرث فتجوز الوصية له للحديث الذي ذكرناه، والإجماع. قال ابن المنذر ﵀ في الإجماع: وأجمعوا على أنه لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك. وأجمعوا أن الوصية لوالدين لا يرثان المرء، والأقرباء الذين لا يرثون؛ جائزة. وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن الوصية لوارث لا تجوز. قال المؤلف: (ولا في مَعصيةٍ) كذلك لا تصح الوصية في معصية؛ لأن الوصية بالمعصية معصية، وقد نهى الله عباده عن معاصيته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ فلا تجوز الوصية بالمعصية، كالوصية بالبناء على القبور أوبناء كنيسة، أو شراء الخمور أو الدخان، وما شابه. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن الوصية بالمعاصي لا تجوز. وقال: واتفقوا أن من أوصى بما لا يملك وبطاعة ومعصية؛ أن الوصية تنفذ في الطاعة وبما يملك، وتبطل في المعصية وفيما لا يملك.

стр. 633

قال المؤلف: (وهي في القُرَبِ من الثُّلُثِ) يعني إذا أوصى شخص بشي من ماله أو بكل ماله بأن يوضع في قربة كبناء مسجد؛ فلا تصح الوصية إلا بالثلث من ماله فقط، فإذا كانت الوصية بثلث المال أو أقل عُمل بها. وإذا كانت الوصية ليست فيها معصية وصية طاعة قربة جائزة، وكذلك إذا كانت في مباح، وكانت بثلث المال أو أقل من الثلث صحَّت. وأما إذا كانت الوصية بأكثر من الثلث فلا تصح، فلا يعمل بها إلا بالثلث فقط. وذلك لحديث سعد أن النبي ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير أو كبير»، هذا عندما كان سعد بن أبي وقاص على فراش المرض، أصابه مرض شديد حتى ظن أنه هالك، فقال للنبي ﷺ : أموت الآن على فراشي وليس لي إلا بنتٌ ترثني، فأراد أن يتصدق، فقال للنبي ﷺ : أتصدق بثلثي مالي. فقال النبي ﷺ : «لا». قال: فالشطر. يعني النصف. قال: «لا». فقال النبي: «الثلث والثلث كثير أو كبير»، يعني تصدق بالثلث، لكنه أيضاً كثير، يعني لو أنه نزل عن الثلث كان أفضل. ثم قال له: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (١)، يعني أن تترك الورثة الذين من خلفك أغنياء عندهم ما يكفيهم، خير من أن تتركهم يحتاجون الناس ويمدون أيديهم للناس. هذا الحديث متفق عليه، وهو الدليل على ما ذكر المؤلف ﵀. وقال ابن المنذر ﵀ في الإجماع: وأجمعوا على أن الوصايا مقصورة بها على ثلث مال العبد. وأخرج البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: لو غض الناس إلى الربع، لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير أو كبير» (٢). وقال ابن المنذر في الإقناع: ويستحب إذا أوصى المرء أن ينقص من الثلث شيئاً؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : «الثلث والثلث كثير». ويستحب أن يدع المرء ورثته أغنياء؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : «إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». قال المؤلف ﵀: (ويَجبُ تَقدِيمُ قَضاءِ الدُّيونِ) الديون: أموال هي من حق أصحابها مشغولة بها ذمة الميت وليست من حقه.

стр. 634

فوجب رد الحقوق إلى أصحابها قبل العمل بالوصية، قبل تنفيذ الوصية وقبل تقسيم التركة، وليس بين العلماء خلاف في تقديم الدَّيْن على الوصية. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن الوصية لا تجوز إلا بعد أداء ديون الناس، فإن فضل شيء جازت الوصية والا فلا. واختلفوا في ديون الله تعالى من كل فرض في المال أو مخير بمال؛ فأسقطها قوم وأوجبها آخرون قبل ديون الناس، ولم يجعلوا لديون الناس إلا ما فضل عن ديون الله تعالى؛ وإلا فلا شيء للغرماء. ثم قال المؤلف: (ومَن لم يَترُك ما يَقضِي دَينهُ؛ قَضَاهُ السُّلطانُ مِن بيتِ المَالِ) شخص عليه ديون وماله الذي عنده لا يكفي لقضاء دينه، يقول المؤلف هنا: يقضيه السلطان من بيت المال؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي ﷺ قال في خطبته: «من ترك مالاً أو حقاً فلورثته»، إذا مات الشخص وترك مالاً ميراثاً فماله للورثة، «ومن ترك كَلًّا أو ديناً فكَلُّه إلي ودينه عليّ» (١)، كَلاً يعني ترك عيالاً يحتاجون إلى نفقة، أو ترك ديناً فقال النبي ﷺ : «فكَلُّه إلي» يعني عياله عليّ يعني أنا أتكفل بهم، «ودينه علي» والذي على النبي ﷺ يرجع على السلطان في بيت مال المسلمين. قال النووي ﵀: واختلف أصحابنا في قضاء دين من مات وعليه دين، فقيل: يجب قضاؤه من بيت المال، وقيل: لا يجب. ومعنى هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئاً، وإن خلف عيالاً محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم ومؤنتهم.

стр. 635

كِتابُ المَوَاريثِ المواريث: جمع ميراث، وهو اسمٌ لما يورث عن الميت. يقال: ورث فلان غيره إذا ناله شيء من تركته، أو خَلَفه في أمرٍ من الأمور بعد وفاته. قال المؤلف: (هي مُفصلَّةٌ في الكِتابِ العَزيزِ) في سورة النساء الآية ١١ والآية ١٢ والآية ١٧٦ فصل الله الكثير من حقوق العباد في التركة. نمر عليها هنا مروراً سريعاً، والتفصيل تجدونه في شرحي على الرحبية. قال الله في كتابه الكريم: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء/١١] هذه القسمة الأولى من التركة ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾: إذا مرت معك كلمة الأولاد في القرآن أو في السنة اعرف أن المقصود بها الذكر والأنثى. ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾: إذن الذكر من الأبناء له نصيبان، والأنثى لها نصيب واحد، فإذا أخذ الذكر مائة دينار فالأنثى تأخذ خمسين ديناراً. ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: إذا كان الشخص لم يترك أبناء ذكوراً، ولكنه ترك بنات إناثاً، وهنَّ أكثر من اثنتين، مات وترك ثلاث بنات أو أربعة أو خمسة أو أكثر، قال: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾: الثلثان يُقسَّم الثلثان على عدد البنات، كلهن يأخذن الثلثين، والثنتان كذلك قياساً عند أهل العلم على الأخوات. ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾: إذا ترك الميت بنتاً واحدة، هلك هالك وترك بنتاً فلها النصف، طيب إذا معها أخ؟ نرجع لأول الآية: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فهنا الآن هي واحدة، لا معها أخت ولا معها أخ بالنسبة لها. دائماً الأوصاف التي تُذكر، تذكر للميت، عندما يقال: هلك هالك وترك بنتاً، وأخاً، وأماً، هذه النسبة بالنسبة للميت، يعني بنت الميت، وأخ الميت .. إلخ. ميراث الأبوين: قال تعالى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾: لأبوي الميت، الأبوان على التغليب، المقصود الأب والأم. ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ يعني الأم والأب لكل واحد منهما السدس ﴿مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يعني إذا هلك هالك وترك أباً وأماً وعنده ولد، عنده ذرية ذكور أم إناث، واحد أم أكثر المهم عنده ولد، فإذا كان عنده ولد فلأبيه السدس، ولأمه السدس، والولد بعد ذلك يأخذ الباقي إذا كان ذكراً، وإذا كانت أنثى واحدة تأخذ النصف منه والباقي يرجع إلى الأب.

стр. 636

﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ يعني إذا لم يكن له أولاد فأمه تأخذ الثلث، والباقي لأبيه. ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ إذا كان له إخوة فلأمه السدس، فالأم تأخذ السدس في حال وجود الولد، وفي حال وجود جمع من الإخوة: اثنان فصاعدأ، قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ إذا كان له أخ واحد لا، أما إذا كان له إخوة يعني جمعاً فلأمه السدس، إذا كان له أخ واحد تأخذ الثلث كما تقدم. ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ تقسيم التركة يكون بعد الوصية والدين. ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ... ﴾ الخ الآية. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ﴾ الآن انتقل إلى ميراث الأزواج والزوجات. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ إذا ماتت الزوجة فإما أن يكون لها أولاد واحد أو أكثر، أو لا، فإذا كان لها أولاد فزوجها يرث الربع، وإذا لم يكن لها أولاد فالزوج يرث النصف، سواء كان الأولاد أولاد الزوج أم أولاد غيره لا فرق، المهم أنهم أولادها هي. وأما إذا كان الميت الزوج، فإذا كان له أولاد فترث الزوجة الثمن، وإذا لم يكن له أولاد فترث الربع. وإذا كن الزوجات أكثر من واحدة يتقاسمن الربع والثمن، فهو ربع واحد وثمن واحد يتقاسمنه. ميراث الأخوة لأم ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ﴾ يورث كلالة أي لا والد له ولا ولد. هذا الذي يورث كلالة ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ الأخ أو الأخت المراد هنا الأخوة لأم، جاء هذا في قراءة لابن مسعود: أخ لأم أو أخت لأم. ومعنى أن يكون أخاً لأم أنه ليس شقيقاً من الأبوين، بل من الأم فقط. الأخ لأب الذي هو أخوه من أبيه فقط وليس من أمه أمهما تختلف، والأخ لأم أخوه من أمه، أي أن أمهما واحدة وأبوهما مختلف، والأخ الشقيق هو الذي يشترك في الأب والأم. ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ لا والد له ولا ولد لكن له أخ لأم أو أخت لأم ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ هلك الهالك ولم يترك والداً ولا ولداً، ولكنه ترك أخاً لأم، أخوه لأمه هذا يأخذ السدس، وكذلك لو ترك أختاً لأم تأخذ السدس لا فرق. ﴿فَإِن كَانُوَا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾ إذا ترك أكثر من واحد ﴿فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ يعني ترك اثنين أو أكثر من الأخوة لأم، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً أو ذكوراً وإناثاً؛ فلهم الثلث يتقاسمونه بالتساوي فقط.

стр. 637

ميراث الأخت الشقيقة والأخت لأب بقيت الآية الأخيرة، قال ربنا ﵎ فيها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ﴾ قلنا الكلالة أن يهلك الهالك ولا يترك والداً ولا ولداً ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ الأخت هنا غير الأخت هناك، هذه الأخت هي الشقيقة أو لأب ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾ يعني هي ترث نصف ماله إذا لم يكن له والد ولا ولد، وهو يرث المال كله، يرثها بكل مالها إذا لم يكن لها ولد ولا والد ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ إذا كانت الأخوات اللاتي تركهن اثنتين فأكثر فلهن الثلثان مما ترك. ﴿وَإِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ يعني مثل الأبناء والبنات، إذا ترك إخوة وأخوات فللذكر مثل حظ الأنثيين. هذه هي الآيات التي ذُكرت في المواريث. على كلٍّ ضبط موضوع المواريث بشكل كامل لا بد من دراسة الرحبية. قال المؤلف ﵀: (ويَجبُ الابتِداءُ بِذَوِي الفُرُوضِ المُقدَّرةِ، وما بَقِيَ فَللعَصَبةِ) هذه أصل في تقسيم المواريث، أول ما تبدأ تعطي أصحاب الفروض المقدرة فروضهم. هذا ما أفاده كلام المؤلف أن الورثة قسمان: قسم يرث بالفرض، وقسم آخر يرث بالتعصيب. والمراد بالفرض هنا: النصيب المقدر شرعاً؛ كالربع والثلث والنصف كما تقدم. والمراد بالعصبة: الذين يحوزون جميع المال، يأخذون المال بالكامل كله، مثل ما تقدم معنا. مثلاً الأخ مع أخته إذا ماتت الأخت وتركت أخاً، الأخ يأخذ المال كله، فهذا يسمى عصبة. الذين يحوزون المال كله هؤلاء يسمون عصبة. أما الذي يأخذ نصيباً مقدراً في الشرع كالنصف والربع فهؤلاء يسمون أصحاب فروض. فيجب البدء بأصحاب الفروض فيُعطى كل واحدٍ منهم نصيبه المقدر له شرعاً. أول شيء نفعله فصاحب الربع يأخذ ربع، وصاحب النصف يأخذ النصف وهكذا. ثم ما بقي من المال بعد ذلك يعطى للعصبة؛ لقول النبي ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَوْلى رجل ذَكَر» (١) فبدأ بأصحاب الفروض، ثم قال: «فما بقي فلأَوْلى رجلٍ ذكر»، يعني ما يبقى من المال يأخذه العصبة، الأَوْلى منهم. قال المؤلف: (والأخواتُ مع البَّناتِ عَصَبَةٌ)

стр. 638

الأخوات مع البنات عصبة: أي يأخذن ما بقي من غير تقدي، كما يأخذه الرجل بعد فروض أهل الفروض، في الحديث قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». وهنا أيضاً من النساء من يكن عصبات، منها هذه الصورة، الأخوات مع البنات، الأخوات مع البنات يكن عصبة أي يأخذن ما بقي من المال؛ لحديث ابن مسعود عند البخاري أن النبي ﷺ قضى «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ» (١). قال المؤلف ﵀: (ولِبنتِ الابنِ مع البِنتِ السُّدسُ تَكملةَ الثُّلثينِ) هذا لحديث ابن مسعود المتقدم، النبي ﷺ أعطى بنت الابن السدس مع وجود البنت. قال المؤلف: (وكَذا الأُختُ لأَبٍ مع الأُختِ لأَبَوينِ) يعني الأخت لأب مع الأخت الشقيقة ترث كذلك السدس. الأخت لأب ترث السدس مع الأخت الشقيقة بالإجماع، وقياساً أيضاً على التي قبلها؛ بنت الابن مع البنت. قال صاحب الرحبية في ذلك: وَبِنْتُ الابْنِ تَأْخُذُ السُّدْسَ إِذَا ... كَانَتْ مَعَ الْبِنْتِ مِثَالاً يُحْتَذَى وَهَكَذَا الأُخْتُ مَعَ الأُخْتِ الَّتِي ... بِالأَبَوَيْنِ يَا أُخَيَّ أَدْلَتِ قال المؤلف: (وللجَدَّةِ أو الجداتِ السُّدسُ مع عَدمِ الأُمِّ) يعني الجدة أو الجدات، يعني سواء كانت جدة واحدة أم مجموعة من الجدات يأخذن السدس يتقاسمنه، لكن بشرط أن لا تكون الأم موجودة. قال ابن المنذر في الإجماع: وأجمعوا على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أُم. كثير من مسائل المواريث مجمع عليها، راجعوا لذلك كتاب الإجماع لابن المنذر، ومراتب الإجماع لابن حزم. قال المؤلف: (وَهو للجَدِّ مع مَن لا يُسقِطُهُ) أي السدس يأخذه أيضاً الجد بشرط أن لا يوجد من يسقط الجد مثل الأب، إذا وجد الأب يُسقط الجد؛ لأن الجد أبٌ، فله حكمه. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن حكم الجد حكم الأب. وقال: وأجمعوا على أن الجد أبا الأب لا يحجبه عن الميراث غير الأب. قال المؤلف ﵀: (ولا مِيراثَ للإخوةِ والأخواتِ مُطلقاً مَعَ الابنِ أو ابنِ الابنِ أو الأبِ، وفي مِيراثِهِم مع الجدِّ خِلافٌ، ويَرِثونَ مع البناتِ إلا الإخوةَ لأمٍ، ويَسقطُ الأخُ لأبٍ مَع الأخِ لأَبَوينِ) هذا بيان لميراث الإخوة والأخوات.

стр. 639

وهؤلاء ثلاثة أقسام: إخوة أشقاء للميت. وإخوة لأب. وإخوة لأم. الإخوة والأخوات جميعاً لا يرثون مع وجود الأبناء الذكور للميت. إذا وجد أولاد للميت ذكور فالإخوة والأخوات جميعاً لا يرثون، ولا مع وجود الأب والجد على الصحيح من أقوال أهل العلم. المؤلف ذكر الخلاف والخلاف كبير في المسألة، والصحيح أن الجد أب وحكمه حكم الأب، والنبي ﷺ قال في الحسن بن علي: «ابني هذا سيد» (١) وهو جد، فالجد أب فيأخذ حكم الأب. والإخوة الأشقاء والإخوة لأب يرثون مع وجود البنات. وأما الإخوة لأم فلا يرثون مع وجود البنات. ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين، الأخ لأب في حال وجود الأخ لأبوين -الذي هو الأخ الشقيق للميت- يسقط الأخ لأب، فالأخ الشقيق أقوى من الأخ لأب لأنه يصل إلى الميت من جهتين، وهذا معصِب وهذا معصِّب، والنبي ﷺ في الحديث قال: «فما بقي فلأَوْلى رجل ذكر» إذن عند تزاحم العصَبات يقدَّم الأَوْلى الذي هو أقوى في القرب من الميت أو في العلاقة مع الميت. قال المؤلف ﵀: (وأُولُو الأَرحامِ يَتَوارثُونَ؛ وهم أقدمُ مِن بيتِ المَالِ) في توريث أولي الأرحام خلاف بين أهل العلم كبير، ومقصود المؤلف هنا: إذا لم يكن للميت ورثة يرثونه من الذين ورثهم الشرع؛ يرثه في هذه الحالة أولو الأرحام الذين لم يورثهم الشرع، وهم يقدَّمون على بيت المال، يقدمون على بيت مال المسلمين. أولو الأرحام: كل قريب لا يرث بالفرض ولا بالتعصيب. مثل الخال وابن البنت والجد والد الأم. هؤلاء ليسوا من الورثة ولكنهم أقارب أرحام. والخلاف كما ذكرنا كبير في هذه المسألة، هل الميت إذا لم يكن له ورثة، هل يقسم ماله على أولي الأرحام أم يعطى لبيت مال المسلمين؟ المؤلف يقول يقسم على أولي الأرحام ويستدل بقول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال/٧٥]، والصحيح أن أولي الأرحام من غير الورثة لا ميراث لهم، لعدم الدليل على ذلك. وأما الآية فنزلت في كون المسلمين كانوا يتوارثون فيما بينهم، فالمهاجري مثلاً كان يرث الأنصاري، والأنصاري كان يرث المهاجري، فأنزل الله الآية: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ فانقطع التوارث بين أولئك إلا أن يكون من أولي الأرحام.

стр. 640

فالمقصود بأولي الأرحام في الآية الذين ذكرهم الله أو ذكرهم النبي ﷺ أنهم من الورثة، وغيرهم لا. هذا هو الصحيح في هذه الآية، فليس فيها دليل على أن أولي الأرحام الذين لم يورثوا بالشرع؛ يرثون، والمقصود هنا بأولي الأرحام كما ذكرنا: الذين ليسوا من الورثة الذي جاء الكتاب والسنة بأنهم يرثون. كأولاد البنات مثلاً، والجد والد الأم، وأولاد الأخوات والأخوال والخالات، هؤلاء كلهم لا يرثون، هؤلاء من ذوي الأرحام المقصودين في كلام المؤلف. فالصحيح أنه إذا فَضُل شيء بعد تقسيم المواريث أو أنه لا يوجد ورثة أصلاً، وبقي مال من وراء الميت، يرجع هذا المال إلى بيت مال المسلمين، إذا وُجد بيت مال للمسلمين منتَظم، ويعطي الناس حقوقهم، وإذا لم يوجد يُصرف المال في المواضع التي يُصرَف فيها المال الذي في بيت مال المسلمين. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (فإِن تَزاحمَت الفرائضُ فالعَوْل) العول في اللغة الزيادة. العَوْل في الاصطلاح: هو أن تزيد الفرائض على رأس المال، فيُنقص من كل فريضة بقدرها. فمعنى العول: أن تزدحم فروض لا يتسع المال لها. فيدخل النقص عليهم كلهم، ويقسم المال بينهم على قدر فروضهم. مثال ذلك: أن تهلك هالكة عن زوج وشقيقة وأخت لأب. الزوج هنا له النصف لعدم وجود الفرع الوارث. والأخت الشقيقة لها النصف كذلك. والأخت لأب لها السدس، ذكرنا أن الأخت لأب عندما توجد مع الأخت الشقيقة تأخذ السدس. الآن احسبها: نصف ونصف وسدس، السدس زائد، لو كان المال مائة دينار، النصف خمسون وخمسون لم يبق شيء، هذا نصف وهذه نصف انتهت التركة، صاحبة السدس لم يبق لها شيء، هنا تأتي مسألة العول فنُنْقص من كل فريضة جزء على قدر تلك الفريضة، حتى يأخذ الجميع. بهذه الطريقة يأخذ الجميع ويكون النقص قد دخل على كل فريضة بقدرها. لا يوجد نص على القول بالعول، إلا أنه قول أكثر الصحابة، بل قالوا: لم يخالف منهم فيه سوى ابن عباس. راجع المغني لابن قدامة. قال المؤلف ﵀: (ولا يَرثُ ولدُ المُلاعَنَةِ والزَّانيةِ؛ إلّا مِن أُمهِ وقَرابَتِها، والعَكسُ)

стр. 641

الرجل إذا رمى زوجته بالزنا وانتفى من ولدها، قال: هذا الولد ليس لي، وليس معه شهود، يتلاعنا، - تقدمت الملاعنة- لا يُنسب الولد إليه ولا يكون بينهما توارث. الولد لا يرث من الرجل، والرجل لا يرث منه، والولد لا يرث أيضاً من قرابة الرجل، إنما ميراث الولد يكون من أمه وقرابة أمه فقط. وكذلك أمه وقرابة أمه يرثونه. هذا معنى كلام المؤلف: والعكس: أي هو يرثهم وهم يرثونه، يرث أمه وقرابتها، وأمه وقرابتها يرثونه سواء كانت ملاعِنة أو كانت زانية-أنجبت الولد بالزنا- ولد الزنا على القول بأنه لا ينسب لأبيه فلا يكون بينه وبين أبيه توارث ولا من قرابته، إنما تَوارُثه يكون مع أمه وقرابة أمه. لحديث سهل بن سعد في الصحيحين في حديث الملاعِنة، أن ابنها كان يُنسب إلى أمه، فجرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها (١). قال ﵀: (ولا يَرِثُ المولودُ إلا إذا استَهلَّ) الاستهلال صدور ما يدل على حياة المولود من صياح أو بكاء أونحوهما. فالمولود لا يرث إلا إذا نزل حياً، وهذه علامات على حياته: صياحه وبكاؤه، هذه تدل على أنه قد نزل حياً. وإذا نزل حياً ورث وإذا نزل ميتاً لا يرث. دليل ذلك حديث: «إذا استهل المولود ورث» (٢) وهو صحيح، وقال المؤلف في شرحه: ولا خلاف بين أهل العلم في اعتبار الاستهلال في الإرث. قال المؤلف ﵀: (وميراثُ العَتِيقِ لمُعتِقِهِ، ويَسقُطُ بالعَصباتِ، وله البَاقِي مع ذَوي السِّهامِ) إذا أعتق زيدٌ عمراً من الرق، فزيد المعتِق وعمرو المعتَق، فزيد يرث عمراً. العتق هذا يسمى ولاءً، وهو من أسباب الإرث. الأسباب التي يحصل التوارث بين الطرفين بها، أسباب الإرث ثلاثة، جمعها صاحب الرحبية بقوله: أسباب ميراث الورى ثلاثة .... كلٌّ يفيد ربه الوراثة وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ الأسباب الثلاثة: نكاحٌ وولاءٌ ونسب. قد تقدم معنا في الآيات أن الزوج يرث الزوجة، والزوجة ترث الزوج: هذا نكاح. والباقي نسب: الأخ والأخت والولد والوالد هذا كله نسب، النسب المقصود به هنا القرابة.

стр. 642

الناس اليوم يسمون المصاهرة نسباً، بينما النسب في اللغة: القرابة. والولاء هو العتق، عندما يُعتق الشخص آخراً يكون له حق الولاء، فيكون له حق الإرث، يرث منه. ولكن المعتِق يرث بعد أن يأخذ أصحاب الفروض فروضهم، إذا لم يكن للميت مَنْ يُعصِّبه يكون هو عَصَبة، فيأخذ بقية المال. أما إذا كان للميت عصبة فهم يقدمون على المعتق. والمعتق هذا سواء كان ذكراً أو أنثى الحكم واحد. دليله قول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» (١) متفق عليه. نفل ابن حزم الإجماع على التوريث بالعتق. وقال النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: وقد أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه، وأنه يرث به، وأما العتيق فلا يرث سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التابعين: يرثه كعكسه. انتهى قال المؤلف: (ويَحرمُ بيعُ الوَلاءِ وهِبتُهُ) مَن ثبت له الولاء الذي تقدم حَرُم عليه بيعه وهبته، يعني يحرم عليه أن يبيعه أو أن يهبه لغيره؛ لأنه كالنسب لا ينتقل لا ببيع ولا بهبة. فقد صح عن ابن عمر ﵁ في الصحيحين: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته (٢) قال النووي ﵀: فيه تحريم بيع الولاء وهبته، وأنهما لا يصحان، وأنه لا ينتقل الولاء عن مستحقه؛ بل هو لحمة كلحمة النسب. وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف وأجاز بعض السلف نقله ولعلهم لم يبلغهم الحديث. انتهى. قال المؤلف ﵀: (ولا تَوارثَ بَينَ أَهلِ مِلَّتينِ) الملة هي الدين. يعني لا توارث بين أهل دينين. وذلك لقول النبي ﷺ : «لا يتوارث أهل ملتين شتّى» (٣) أي متفرقين، لا ميراث بين مسلم وغيره من الكفار، ولا بين يهودي ونصراني، هذا على دين وهذا على دين مفارق لذاك الدين .. وهكذا.

стр. 643

والذي يؤكد عدم جواز التوارث بين المسلم والكافر قول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (١) متفق عليه من حديث أسامة بن زيد. وأجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، نقله ابن قدامة في المغني وغيره، واختلفوا في غير ذلك. قال المؤلف ﵀: (ولا يَرثُ القَاتِلُ مِنَ المَقتُولِ) إذا قتل الابن أباه لا يرث منه، مع أنه في الأصل من الورثة، لكن كونه هو القاتل لا يرث. وإذا قتل الأخ أخاه كذلك حتى لوكان من الورثة أصلاً؛ لقول النبي ﷺ : «لا يرث القاتل شيئا» (٢) أخرجه أبو داود، وهو صحيح. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن القاتل لا يرث، كان القتل عمداً أو خطأ. وقال بعضهم: إذا كان القتل خطأ فإنه يرث، وهو قول مالك. انتهى. كتابُ الجِهادِ والسِّيَرِ الجهاد: هو بذل الجَهد - أو الجُهد وهو الوسع والطاقة- في قتال أعداء الله؛ لإعلاء كلمة الله. أما السِّيَر: فهي جمع سيرة، والسيرة: هي الطريقة، سواء كانت خيراً أم شراً، يقال: فلان محمود السيرة، وفلان مذموم السيرة. والمراد هنا: طرق النبي ﷺ في قتال العدو، ومعاملته معه، ومع الغزاة والأنصار. قال المؤلف ﵀: (الجِهادُ فَرضُ كِفايةٍ مع كلِّ بَرٍ وفاجرٍ، إذا أَذِنَ الأَبوانِ) الجهاد عند أهل العلم ينقسم إلى قسمين، عُرِفَ ذلك باستقراء الأدلة وتتبُّع السيرة: جهاد طلب، وجهاد دفع. نبدأ أولاً بجهاد الطلب، وهو طلب العدو في بلاده وقتاله فيها. هذا النوع هو الذي قصده المؤلف ببيان حكمه، وأنه فرض كفاية. والمقصود بفرض الكفاية كما مر معنا، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وهو فرضٌ مع الإمام المسلم، سواء كان الإمام بَرّاً أم فاجراً، براً يعني: صالحاً مطيعاً، وفاجراً: عاصياً فاسقاً، بشرط إذن الوالدين كما قال المؤلف.

стр. 644

أما كونه فرضاً؛ فلقول الله ﵎: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة/٢١٦] ولقوله أيضاً: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله﴾ [الأنفال/٣٩]. وقال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (١) متفق عليه. هذه الأدلة تدل على فرضية الجهاد. وأما كونه فرض كفاية لا فرض عين؛ فدليله قول الله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء/٩٥]، القاعدون غير أولي الضرر لا يستوون مع المجاهدين بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء/٩٥]، هذا شاهدنا الآن قال: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ بما أن الله قد وعد الحسنى القاعدين، فلا يجب عليهم أن يخرجوا إذا خرج من فيه كفاية؛ لأنه لمّا وعد المتخلف عن الجهاد الحسنى؛ دل ذلك على أنه غير واجب عليه وجوباً عينياً. هذا الدليل الأول. والدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة/١٢٢]، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً﴾ أي لا ينفر جميع الأمة بالكامل تخرج للجهاد، ولكن تبقى طائفة ليتعلموا دين الله ويُعلِّموه للآخرين. فهذا دل على أن هذه الفرقة التي تبقى للتعلم لا يجب عليها أن تخرج، فدلَّ ذلك على أن الخروج للجهاد فرض كفاية وليس فرض عين، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. هذا كله في جهاد الطلب، نتحدث عن القسم الأول وهو جهاد الطلب. وقال أهل العلم أيضاً مؤكدين على حكم فرضية الكفاية فيه، قالوا: لا نعلم غزوة خرج فيها إلا وقد تخلف عنه فيها رجال، لا نعلم غزوةً خرج فيها النبي ﷺ إلا وتخلف عنه فيها رجال، وتخلف هو نفسه ﷺ عن سرايا كان قد أخرجها. هذا كله يدل على أن الفرض هنا للكفاية لا فرض عين. ومن ذلك قول النبي ﷺ «لِيَنبعَثْ مِنْ كُلِّ رَجلِينِ رَجلٌ، والأجرُ بينهما» (٢). ويجب هذا الجهاد على المسلم، البالغ، العاقل، الذكر، الحر. أما المسلم فلأن الكافر لا يُقبل منه عمل إلا بالإسلام، هو مخاطب بفروع الشريعة؛ لكنها لا تُقبل منه إلا أن يأتي بأصلها وهو الإسلام. وأما البلوغ فلأن ابن عمر ﵁ حدث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي (٣).

стр. 645

وأما كونه عاقلاً فلأن العقل هو مناط التكليف، فالمرء لا يكلف إلا أن يكون عاقلاً. وأما الذكر فلحديث عائشة ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (١)، فالمرأة ليس عليها جهاد واجب، أن تقاتل بالسيف. أما الحر فنقلوا الاتفاق على أن العبد لا يجب عليه جهاد الطلب. ويجب أيضاً أن يكون صحيحاً كي يجب عليه الجهاد، المجاهد يجب أن يكون صحيحاً لا مريضاً كي يقدر على القتال؛ لقول الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور/٦١]. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن لا جهاد فرضاً على امرأة، ولا على من لم يبلغ، ولا على مريض لا يستطيع، ولا على فقير لا يقدر على زاد. انتهى هذه الشروط التي يجب أن تتحقق كي يجب الجهاد على الشخص. وهذا الجهاد وإن كان أصله كما ذكرنا هو فرض كفاية، إلا أنه يتعين في بعض الصور ويصير واجباً عينياً، أي يجب على كل قادر بعينه أن يخرج للجهاد، من هذه الصور: الصورة الأولى: أن يَحضُر المكلف صف القتال، فإذا حضر القتال وجب عليه أن يقاتل، وصار القتال في حقه واجباً عينياً؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال/١٥] أي لا تفروا، يجب عليكم أن تقاتلوا، وجاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ فذكرهن، قَالَ: «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ» (٢). والصورة الثانية: إذا استنفر الحاكم أحداً من المكلفين. الاستنفار: طلب النفير، طلب الخروج للجهاد، الحاكم أو ولي الأمر إذا أمر شخصاً بعينه أن يخرج للجهاد صار واجباً عينياً عليه؛ لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ * إلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة ٣٨/ ٣٩]. وقال النبي ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا» (٣) وإذا طُلِبتم للخروج للغزو وجب عليكم الخروج لأنه أمر من النبي ﷺ . والصورة الثالثة: فإذا احتيج إليه؛ كأن لا يقدر على استعمال سلاح معيَّن إلا هو، يصير واجباً عينياً عليه الجهاد، أو أنه يجيد أمراً لا يجيده كُثُر بحيث تقوم بهم الكفاية، يجيد نوعاً من أنواع القتال أو نوعاً من أنواع استعمال الأسلحة، يوجد في الجيش من يستعمل هذا

стр. 646

السلاح أو من يقوم بهذا القتال؛ ولكنهم لا يكفون، فلا يحققون فرض الكفاية، فيجب عليه أن يخرج معهم. هذه الصور الثلاث التي يتحول فيها هذا الفرض من فرض كفاية إلى فرض عين في حق بعض الأشخاص. وأما دليل كونه مع الإمام البَرِّ والفاجر، فلعموم الأدلة الآمرة بالجهاد، ليس فيها تقييد الإمام بأن يكون عادلاً، فبما أنها لم تُخصص بإمام عادل، فتبقى على عمومها وأنه يجاهد مع الإمام البر والإمام الفاجر، شرطه أن يكون مسلماً لا كافراً، الكافر لا يجاهَد معه، الجهاد يكون مع الإمام المسلم. وأما اعتبار إذن الوالدين في هذا النوع من الجهاد فلقول النبي ﷺ لرجل استأذنه في الجهاد، قال له: «أحيٌّ والداك؟ » قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد» (١). فإذا لم يأذنا له بالخروج للجهاد فلا يجوز له أن يخرج. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن من له أبوان يضيعان بخروجه، أن فرض الجهاد ساقط عنه. وقال ابن المنذر في الإقناع: وللرجل أن يتخلف عن الجهاد من أجل والديه؛ لحديث عبد الله بن عمرو ... فذكر الحديث السابق، ثم قال: وذلك مَا لم يقع النفير، فإذا وقع النفير فليس لأحد أن يتخلف؛ لحديث أبي قتادة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بعث جيش الأمراء واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال فِي آخر الحديث: «أيها الناس اخرجوا فأمدوا إخوانكم وَلا يتخلف أحد». ولمن عليه دين أن يتخلف عن الغزو من أجل الدين الذي عليه؛ استدلالاً بقول النَّبِيّ ﷺ للرجل، الذي قَالَ لَهُ: إن قتلت فِي سبيل اللَّه صابرًا محتسباً مقبلاً غير مدبر أيكفر اللَّه عني خطاياي؟ قَالَ: «نعم؛ إلا الدين، كذلك قَالَ لي جبريل ﵇». وللمريض أن يتخلف عن الغزو، والزَّمِن - من به مرض يدوم طويلاً أو ضعف بسبب كبر سن -، كذلك يقال: إن قوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، نزل فِي ابن أم مكتوم، وليس للعبد أن يغزو إلا بإذن سيده. انتهى كلامه ﵀. وهذا الجهاد الذي هو جهاد الطلب شُرع لإعلاء كلمة لا إله إلا الله، أي لنشر التوحيد ونشر السنة، والقضاء على الشرك والبدع والمعاصي، فهو لإعلاء كلمة لا إله إلا الله، وذلك لحديث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، أَنَّ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي العُليا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٢) فلا يكون المرء مجاهداً في سبيل الله حتى تكون نيته إعلاء كلمة لا إله إلا الله، أي نشر دين الله وشرعه

стр. 647

بالكامل. وفضائله عظيمة جداً، آياتها وأحاديثها مذكورة في كتب السنن والترغيب والترهيب. النوع الثاني: جهاد الدفع: وهو قتال الكفار لدفعهم عن بلاد المسلمين. هذا النوع من الجهاد واجب على كل من قدر على حمل السلاح. الشروط المتقدمة كلها في جهاد الطلب، أما جهاد الدفع فهو واجب على كل من استطاع أن يحمل السلاح، وليس له شرط سوى أن يحقق ما شُرع له، وهو حفظ بلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأموالهم من الكفار. فإذا حَقق هذا الشيء شُرع، وإذا أدى إلى خلافه لم يُشرع، بمعنى أن الكفار ربما هاجموا بلاد الإسلام، فقتالنا لهم واجب، ودفعهم عن بلادنا واجب، لكن إذا كان القتال من غير قدرة وكان سيؤدي إلى مفسدة أعظم من المفسدة الحالَّة علينا فعندئذ نقول: القتال غير جائز؛ لأنه يؤدي إلى عكس الغاية التي نريدها. الغاية التي نريدها هي أن نحفظ بلاد الإسلام وأعراض المسلمين وأموال المسلمين ودين المسلمين أيضاً. فإذا حصل قتال وأدى هذا القتال إلى إعطاء الكَفَرة الذريعة للتسلط على بلاد المسلمين وعلى دينهم وأعراضهم وأموالهم ودمائهم عندها يصير فساداً لا جهاداً، هذا الحاصل من كثير من الطوائف الموجودة اليوم، تذهب تقاتل وتناوش بلاداً من بلاد الكَفرة، وهي ليست أهلاً لمقاتلتها وما عندهم القدرة على مقاتلتهم، يناوشونهم فيأتون أولئك بكل عدتهم وعتادهم فيحتلون البلاد ويُذهبون العباد، هذا الحاصل، هذا ليس جهاداً هذا فساد في الأرض، أدى إلى خلاف الغاية المقصودة من الجهاد، صار فساداً، الجهاد شرع لتحقيق المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، قاعدة عامة متفق عليها في كل شيء. فإذا حقق الجهاد ما شُرع لأجله فهو جهاد شرعي، وإذا لم يحقق ذلك أو أدى إلى مفسدة فيكون فساداً ولا يكون جهاداً. لذلك ربما البعض يتفاجأ من فتاوى بعض العلماء عندما يحصل خروج في بعض البلاد على حاكم كافر، يقول العلماء: اجلسوا لا تخرجوا لا تخرجوا، يتفاجأ فيقول: ماذا هذا يثبط عن الخروج على حاكم كافر لم يألُ جهداً في القضاء على دين الله، وعلى محاربة الإسلام والمسلمين! . هم يفتون بهذا لحفظ ما بقي من دين المسلمين، وحفظ أعراضهم ودمائهم، وخشية عليها أن تُنتهك، لأنهم ليس عندهم قدرة على مجابهة هؤلاء الكفار بقوته وعدته وعتاده. لذلك يفتون بمثل هذه الفتاوى، ليس خوفاً منه ولا مداهنة لأحد من الكفرة. عندما توجد القوة يفتون بالجهاد.

стр. 648

من أعظم أنواع الجهاد إزالة الحاكم الكافر عن بلاد المسلمين، من أعظم الجهاد وأفضله، لكن كثير من الناس لا يدركون هذه المعاني، القدرة ضرورية، إذا لم تكن هناك قدرة أدى القتال إلى خلاف ما نريد، وأدى إلى مفاسد كبيرة عندئذ يكون فساداً لا يكون جهاداً. فجهاد الدفع مطلوب وهو واجب على كل من كان قادراً على حمل السلاح، إذا كان سيؤدي إلى الغاية المقصودة منه وهو الدفاع عن بلاد المسلمين، وعن أعراض المسلمين، ودماء المسلمين، وأموالهم، ودينهم بالدرجة الأولى. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: واتفقوا أن دفاع المشركين وأهل الكفر عن بيضة أهل الإسلام، وقراهم، وحصونهم، وحريمهم، إذا نزلوا على المسلمين؛ فرض على الأحرار البالغين المطيقين. قال ابن تيمية ﵀ بعدما ذكر بعض شروط قتال الطلب، قال: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجبٌ إجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يُدفع بحسب الإمكان. يُدفع على حسب القدرة والإمكان شرطه ما ذكرنا، فبما أنه شُرِع لدفع العدو ولحفظ بلاد المسلمين ودينهم ودنياهم، فإذا أدى إلى عكس ذلك وخلافه فلا يكون مشروعاً. وللأسف كثير من الجماعات الإسلامية لم تدرك هذه المعاني، التي عرفناها بأدلة الكتاب والسنة قبل أن نراها في الواقع، إلا بعد أن رأوه بأعينهم، عندها فهم الكثير منهم وتراجع عن أفكاره، والكثير منهم بقي راكباً هواه، ومستمراً في فساده، حتى إنهم أضروا كثيراً بدعوة الله ، الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى السنة، وأعطوا فكرة سيئة عن الإسلام والسنة. قال ابن القيم ﵀: وجهاد الدفع أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه دفع الصائل -دفع الصائل: دفع المعتدي الظالم- ولهذا أبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج/٣٩]. وقال النبي ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد» (١)؛ لأن دفع الصائل على الدين جهاد وقربة، ودفع الصائل على المال والنفس مباح ورخصة، فإن قتل فهو شهيد. فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعم وجوباً، ولهذا يتعين على كل أحد مقيم، ويجاهد فيه العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير إذن غريمه -يعني من عليه حق لآخر لا ينتظر إذن صاحب الحق-، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق -هذا جهاد الدفع، كان جهاد المسلمين يوم أحد ويوم الخندق جهاد دفع- ولا يُشترط في هذا النوع

стр. 649

من الجهاد أن يكون العدو ضِعْفَي المسلمين فما دون، فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين فكان الجهاد واجباً عليهم؛ لأنه حينئذ جهاد ضرورة ودفع، لا جهاد اختيار .. انتهى من كتابه الفروسية. قال المؤلف ﵀: (وهو مَعَ إِخلاصِ النِّيةِ يُكفِّرُ الخَطايَا إلا الدَّيْنَ، ويُلحقُ بهِ حُقوقُ الآدَمِيّينَ) وهو: أي الجهاد، مع إخلاص النية: بأن تكون نية المقاتل القتال لإعلاء راية لا إله إلا الله، لنشر التوحيد والسنة بين الناس وإقامة شرع الله ، ولا يبتغي بعمله دنيا يصيبها ولا إقامة أحكام تخالف شرع الله، لا يكون قصده في الجهاد إقامة أحكام تخالف شرع الله؛ كالديمقراطية والاشتراكية والبعثية، وغيرها من أحكام باطلة فاسدة مخالفة لدين الله ﵎. مَنْ قاتل لهذه المعاني فقد أذهب جهده وتعبه سدى، بل الأمر عليه أشد، فهو قتال في سبيل الشيطان لا قتال في سبيل الله سبحانه تعالى، فمن قاتل لإعلاء كلمة لا إله إلا الله، ومات في سبيل الله؛ كفَّر الله عنه جميع ذنوبه إلا الدَّين. كذا قال ﷺ ، ففي حديث أبي قتادة عند مسلم عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْإِيمَانَ بِاللهِ؛ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَيْفَ قُلْتَ؟ » قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِي ذَلِكَ» (١). وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» (٢) أخرجه مسلم. المؤلف قال: وهو مع إخلاص النية يكفِّر الخطايا، هذا يكفر الخطايا لمن مات في سبيل الله، أما من لم يمت وجاهد في سبيل الله؛ فهذا يكون قد رجع بما رجع من أجر وغنيمة، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ» (٣).

стр. 650

قالوا: معناه: إما أن يستشهد فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر فقط إن لم توجد غنيمة، وإما أن يرجع بأجر وغنيمة. فتكفير الذنوب؛ لمن مات في سبيل الله، كما ذُكر في الأحاديث: «يغفر الله للشهيد» الشهيد هو الذي مات في سبيل الله، وأيضاً الحديث الذي قبله قال: أرأيت إن قُتلت في سبيل الله يكفِّر عني خطاياي؟ فقال له النبي ﷺ : «نعم وأنت صابر محتسب» فيدل هذا على أن من قُتل في سبيل الله كان أجره تكفير الخطايا والذنوب إلا الدَّيْن. والدَّيْن هنا الذي لا يُغفر، هو الدين الذي عزم صاحبه على عدم رده، أما من نوى قضاء الدين ولم يكن قادراً على ذلك لا يدخل في هذا؛ لأنه جاء في الحديث: أن الله يقضي عنه، قال النبي ﷺ : «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (١). قال ابن عبد البر في التمهيد: والدَّين الذي يُحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم- هو الذي قد تَركَ له وفاء ولم يُوصِ به، أو قدر على الأداء فلم يُؤد، أو أدانه في غير حق، أو في سرف ومات ولم يؤده، وأما من أدان في حق واجب لفاقة وعسر، ومات، ولم يترك وفاء؛ فإن الله لا يحبسه به عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين من صنوف الفيء. وقد قيل: إن قول رسول الله ﷺ وتشديده في الدين، كان من قبل أن يفتح الله عليه ما يجب منه الفيء والصدقات لأهلها ... انتهى. وألحق العلماء بالدَّين جميع حقوق الآدميين، قالوا: هي مثل الدين. قال المؤلف ﵀: (ولا يُستعانُ فيه بالمُشركينَ إلا لِضرُورةٍ) مسألة الاستعانة بالمشركين في القتال مسألة اجتهادية، فيها نزاع قديم بين العلماء، وسبب النزاع اختلاف الأدلة، فقد جاءت أدلة مُبيحة، وأدلة محرِّمة. لذلك اختلف العلماء في ذلك، فمن الجهل بمكان أن تكون هذه المسألة من مسائل الولاء والبراء، أو من مسائل التشنيع والتشديد على بعض العلماء، الذين يفتون بمثل هذه المسائل، التي تكون موافِقة لبعض العلماء المتقدمين من سلف هذه الأمة. المسألة اجتهادية لا ينبغي إعطاء المسائل العلمية أكثر من حجمها. ومن علامات الحدادية في هذا الزمن أنهم يفعلون ذلك، يلتمسون بعض الأخطاء عند العلماء -وربما تكون أخطاءً في أذهانهم- أخطاء اجتهادية، النزاع فيها معروف بين السلف؛ فيضخمونها ويكبِّرونها، ويطعنون في المخالفين لهم بذلك.

стр. 651

فالأدلة في ذلك كما ذكرنا متعارضة، منها المجيز ومنها المانع، لذلك اختلف العلماء في ذلك. من الأدلة التي تدل على المنع: قول النبي ﷺ لرجل مشرك تبعه يوم بدر: «ارجع فلن استعين بمشرك» فلما أسلم استعان به (١) هذا الحديث عند مسلم في صحيحه. ومن الأدلة التي تدل على الجواز: أن صفوان بن أمية شهد حنيناً مع النبي ﷺ وهو مشرك (٢). أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه. وذكر العلماء أدلة أخرى، هذه الأدلة هي أقوى أدلة في الباب. الدليل الأول يدل على المنع، والدليل الثاني يدل على الجواز. فصفوان بن أمية كان مشركاً وقاتل مع النبي ﷺ يوم حنين، وقال النبي ﷺ : «لا أستعين بمشرك»، وكلاهما في صحيح مسلم. خير المذاهب وأعجبها إليّ في هذه المسألة ما قاله الإمام الشافعي ﵀، قال: إذا كان المشرك عليه دلائل تدل على حرصه على هزيمة المسلمين، فلا يُغزى به، وإذا كان على خلاف ذلك بأن عُرف منه حرصه على نصر المسلمين، وفيه منفعة للمسلمين؛ فلا بأس أن يُغزى به، ويُستعان به. هذا معنى ما ذكر الإمام الشافعي ﵀ في كتابه الأم باختصار. قال النووي: «ارجع فلن أستعين بمشرك»، وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه. وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به؛ استعين به، وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين. انتهى وهو خير ما جمع به بين الأحاديث التي ذكرت، فعلى حسب حال المشرك وحاجة المسلمين، فإذا كان عرف منه أنه ناصح للمسلمين وأنه يحب نصرهم على المشركين ولهم حاجة به؛ استُعين به، وإلا فلا. قال المؤلف ﵀: (ويَجبُ على الجَيشِ طَاعةُ أَمِيرهِم إلا في مَعصيةِ اللهِ) يجب على المقاتلين طاعة أميرهم؛ لقول الله ﵎: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء/٥٩]، أصح التفاسير في ذلك أن أولي الأمر المقصود بهم العلماء والأمراء. وقال النبي ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٣) متفق عليه.

стр. 652

ولا يجوز لهم أن يطيعوا أميرهم في معصية الله، أي إذا أمرهم بمعصية فلا طاعة له فيها، ويطاع في غيرها؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف»، لهذا الحديث قصة مفيدة في هذا المعنى: عن علي ﵁ قال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا، فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (١). وفي رواية: «لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف». وقال النبي ﷺ : «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٢) متفق عليه، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة. قال المؤلف ﵀: (وعَليهِ مُشَاورتُهُم، والرِّفقُ بِهم، وَكَفُّهُم عَن الحَرَامِ) على الأمير مشاورة أصحابه؛ لقول الله ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران/١٥٩]. وصح عن النبي ﷺ أنه كان يشاور أصحابه في أمور الغزو وغيرها (٣)، وما أشاروا به عليه ليس ملزِماً، إذا استشار الأمير مَنْ حوله في أمرٍ من أمور الغزو أو غيرها؛ لا يكون رأيهم ملزماً للأمير، لكنه ينظر للأقوال الموافقة للأدلة من الكتاب والسنة أو التي فيها مصلحة للإسلام والمسلمين فيعمل بها، فالمشورة مُعْلِمَة وليست بمُلْزِمة. ويجب عليه أن يرفق بهم: أي يعاملهم برفق ولين، لا بشدة وغلظة، لقوله ﷺ : «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشَقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرَفَقَ بهم فارفق به» (٤). أخرجه مسلم في صحيحه. ويجب عليه أن يكفهم عن الحرام؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي قال فيه النبي ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٥) أخرجه مسلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الجميع، وعلى الأمير خاصة؛ لأن له قدرة على الإنكار أكثر من غيره.

стр. 653

قال المؤلف ﵀: (ويُشرعُ للإمامِ إذا أَرادَ غَزواً أن يُوَرِّيَ بِغيرِ ما يُريدُهُ) التورية أصلها الستر، يقال: منه ورَّيت الخبر أُوَرِّيه تَوْرِيَةً إذا سترته وأظهرت غيره. وهي أن يتكلم المتكلم ويريد بكلامه خلاف ظاهره. مثل أن يقول مثلاً في الحرب: قتل إمامكم، ويعني به أحد المتقدمين، ولكنهم يفهمون قائدهم في المعركة، لأن اللفظ يحتمل المعنيين، والمعنى الذي أراده بعيد، والمعنى الذي فهموه قريب. فإذا قال قولاً يحتمل معنيين، أحد المعنيين أظهر من الآخر، بحيث إذا سمعه الذي يخاطبه فهم منه المعنى الظاهر، والمتكلم يكون في نفسه يريد المعنى الخفي؛ فيكون ورى عليه. هذا معنى التورية. وجواز ذلك في الحرب دل عليه ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن كعب بن مالك حين تخلف عن رسول الله، قال: ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها (١). يعنى أظهر للناس أنه يريد جهة، وهو في الحقيقة يريد جهة أخر، فيقول كلاماً يُفهم منه معنيين، فالظاهر منه الأول يفهمونه منه، وهو يريد المعنى الثاني. قال المؤلف: (وأن يُذكِيَ العُيُونَ، وَيَستَطلِعَ الأَخبارَ، ويُرَتِّبَ الجُيُوشَ، ويَتَّخذَ الرَّاياتِ والأَلوِيَةَ) أي ويُشرع للإمام أن يُذكي- أي يرسل - العيون، وهم الذين نسميهم اليوم بالجواسيس. ويشرع له استطلاع الأخبار، أي طلب الاطلاع على أخبار العدو وما الذي ينوون فعله، هذا أصل عمل أجهزة المخابرات اليوم، صح عن النبي ﷺ أنه قال «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَابِ؟ » قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟ »، قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» (٢). وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُسَيْسَةَ عَيْنًا يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ (٣). ويشرع له ترتيب الجيوش وتنظيمها، فالفوضى تؤدي إلى الاختلاف والفشل وضياع الجهود، ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرتب الجيش ويقسمه، أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي

стр. 654

كَتِيبَةٍ (١). الْمُجَنِّبَتَيْنِ: هما الميمنة والميسرة للجيش، أي كتيبة تكون على يمين الجيش وكتيبة على يساره، ويكون القلب بينهما في الوسط. الحُسَّر: الذين لا دروع عليهم. فكان يؤَمِّر على الجيش أمراء، ويُعرض عليه المقاتِلة، كما عُرض عليه ابن عمر فردَّه ثم قبله، ويسأل من حضر ومن لم يحضر؛ كما فعل مع كعب في غزوة تبوك قال: «ما فعل كعب؟ ». ويشرع له أن يتخذ الرايات والألوية، الراية هي العَلَمْ، علم الدولة أو علم الجيش، العلم المعروف عندنا اليوم، لكل دولة اليوم علم يخصها. واللواء، قالوا: هو شقة ثوب، يعني جزء من ثوب تلوى وتشد إلى عود الرمح، فيكون قطعة من الثوب على الرمح ملوية. فالراية ترفرف تتحرك مع الريح؛ لأنها غير مربوطة، بخلاف اللواء، اللواء يُلف على الرمح إلى الأسفل. قال إبراهيم الحربي: الْوَاحِدَةُ رَايَةٌ: وَهِيَ أَعْلَامٌ لِكُلِّ فَرِيقٍ، وَاللِّوَاءُ لِلْأَمِيرِالْأَعْظَمِ، وَقَدْ يُسَمَّى اللِّوَاءُ رَايَةً. ودليل اتخاذ الرايات والألوية: حديث قيس بن سعد الأنصاري أنه كان صاحب لواء النبي ﷺ (٢). أخرجه البخاري، هذا يدل على أن النبي ﷺ كان له لواء. وحديث سلمة بن الأكوع قال فيه النبي ﷺ : «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله» (٣) وهو متفق عليه، هذا يدل على وجود راية كانت تعطى لقائد الجيش. وحديث أنس بن مالك، قال النبي ﷺ «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ... » (٤) أخرجه البخاري. لم يصح عندي حديث في لون راية أو لواء النبي ﷺ . والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وتَجبُ الدَّعوةُ قَبلَ القِتالِ إلى إِحدَى ثَلاثِ خِصالٍ: إِمّا الإسلامِ، أو الجِزيةِ أو السَّيفِ) أخرج مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا

стр. 655

تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَوْ خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ ... » (١). فمن يريد القائد غزوهم من الكفار يدعوهم إلى ثلاث خصال بالترتيب: الأولى: يدعون إلى الإسلام. الثانية: يُدعون إلى دفع الجزية للمسلمين. الثالثة: يقاتَلون. وهل دعوتهم قبل قتالهم واجبة أم مستحبة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، وسبب الخلاف هو اختلاف الأدلة. الحديث السابق يدل على وجوب الدعوة قبل القتال. وخالفه حديث أنس في صحيح البخاري أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا، لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ، وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، قَالَ: فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ﴾» (٢). هذا يدل على عدم وجوب الدعوة قبل القتال. لكن جمع العلماء بين هذه الأدلة، بقولهم: من بلغته دعوة الإسلام من المشركين فهذا يقاتَل من غير دعوة، وإن دُعي فحسن. ومن لم تبلغه الدعوة وجبت دعوته قبل قتاله. قال ابن المنذر في الإقناع: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنْ دُعَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلامِ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى الْمَاءَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيهِمْ. وَكَانَتْ جُوَيْرِيَةُ مِنْ ذَلِكَ السَّبْيِ، أَخْبَرَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ. قال ابن المنذر: إذا قاتل الإمام من لم تبلغه الدعوة، بدأ قبل القتال فدعاهم إِلَى الإسلام، وليس عليه أن يعيد الدعاء عَلَى من قد بلغته الدعوة. انتهى.

стр. 656

أما الجزية فهي قدر من المال، يؤخذ ممن دخل في ذمة المسلمين وعهدهم، من الكفار. تؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن قال تعالى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة/٢٩] واختلف أهل العلم أتؤخذ من جميع المشركين أم من أهل الكتاب فقط؟ أم من أهل الكتاب والمجوس فقط؟ ظاهر حديث بريدة عند مسلم الذي تقدم، أنها عامة، تؤخذ من المشركين جميعاً، مَنْ قَبِل منهم دفعها، وفي البخاري أن النبي ﷺ أخذها من مجوس هجر (١)، وهم ليسوا من أهل الكتاب، فيُلحَق بهم غيرهم من المشركين. والله أعلم قال ابن المنذر في الإشراف: واختلفوا في أخذ الجزية من سائر المشركين سوى اليهود، والنصارى، والمجوس. فقالت طائفة: تؤخذ منهم الجزية، وإن لم يكونوا من أهل الكتاب، من عبدة الأوثان، والنيران، وكل مشبهة في الأرض، وكل جاحد ومكذب، بربوبية الرب ﵎، والسنة فيهم أن يقاتلوا على الإِسلام، فإن هم أبوه وبذلوا الجزية قبلت منهم، ثم كانوا في حالهم وتحريم مناكحتهم، وذبائحهم وغير ذلك من أمورهم المجوس، هذا قول الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. قال أبو عبيد: العجم تؤخذ منهم الجزية على كل حال، قال أبو عبيد: الأمر عندنا في الصابئ على ما قال مجاهد، والحسن، والحكم، والأوزاعي، ومالك: أنهم كالمجوس. قال أبو بكر: وكان مالك يرى أن أخذ الجزية من الفزازنة، وممن لا دين له من أجناس المشركين، والهند، وحكمهم حكم المجوس. وبه قال أصحاب الرأي. وفي قول الشافعي، وأبي ثور لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، أو من المجوس. انتهى وانظر التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١١٨). قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ قَتلُ النِّساءِ، والأطفالِ، والشُّيُوخِ؛ إلا لِضَرورةٍ) قتل النساء فيحرم إذا لم يقاتلن، أما إذا قاتلن فيُقتلن. ودليل ذلك أن النبي ﷺ وجد امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فنهى عن قتل النساء والصبيان (٢). وفي حديث آخر خارج الصحيحين قال: «ما كانت هذه لتقاتل» (٣). ما كانت هذه لتقاتل فيه إشارة إلى أن الذي يُقتَل هو الذي يقاتل، لا الذي لا يقاتل كالنساء والصبيان.

стр. 657

وأما الأطفال في نفس الحديث، نهى عن قتل النساء والصبيان. في حديث ابن عمر منفق عليه. وأما الشيوخ فأخرج أبو داود من حديث أنس أن الرسول ﷺ قال: «لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صغيراً، ولا امرأة» (١) وهو ضعيف لا يصح. قال ابن المنذر: ولا أعلم حجة قاطعة يجب بها الامتناع عن قتل الرهبان، والشيوخ، والمرضى، من ظاهر كتاب الله. لأن هؤلاء إن لم يقاتلوا، ربما يكون لهم رأي، ولهم تدبير في أمر القتال. لكن ظاهر الحديث الذي تقدم: «ما كانت هذه لتقاتل» أن الذي لا يقاتل لا يُقتل، من الشيوخ والرهبان وغيرهم يُلحقون بهذا، إلا إذا عُرف أن منهم من له تدبير، وله مكر بالمسلمين، عندئذ يُقتل والله أعلم. قوله: إلا لضرورة؛ كالتبييت مثلاً، التبييت: الغارة على الكفار ليلاً وهم نائمون. جاء في حديث الصعب ابن جَثَّامة أنه سمع النبي ﷺ يُسأل عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال النبي: «هم منهم» (٢) متفق عليه، يعني لا يُقتل النساء والأطفال إلا في حال الضرورة، كهذه الحالة مثلاً، وكحالتنا اليوم مثلاً الحروب بالصواريخ، فيُطلِق الصاروخ، ربما يصيب النساء والأطفال، فهذا جائز. قال المؤلف ﵀: (والمُثلَةُ، والإِحراقُ بالنَّارِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ إلَّا إلى فِئةٍ) أي وتحرم أيضاً المثلة، المثلة: قطع الأعضاء، وتشويه الخلقة. مثل أن يقطع أنفه أو أذنيه أو يفقأ عينيه وما شابه. المثلة نهى عنها النبي ﷺ ، فقد جاء في الحديث المتقدم في نفس حديث مسلم الذي ذكرناه سابقاً، قال: «قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا ولا تمثلوا». وجاء عند أبي داود أيضاً من حديث سمرة بن جندب قال: كان النبي ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة» (٣). وأما الإحراق بالنار فجاء في حديث عند البخاري، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله ﵁ في بعث، فقال: «إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ: «إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا» (٤). ويحرم الفرار من الزحف، يعني من القتال، إلا إلى فِئَة، أي إلا إذا فر من أجل أن ينضم إلى جماعة، ويرجع معهم إلى القتال. فيحرم الفرار من القتال، إلا إذا كان للرجوع إلى القتال؛ لقول الله تبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا

стр. 658

مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٥/ ١٦]، وعَدَّ النبي ﷺ الفرار من الزحف من السبع الموبقات (١)، كما جاء في الصحيحين. قال المؤلف ﵀: (ويَجُوزُ تَبييتُ الكُفَّارِ، والكِذبُ فِي الحَربِ، والخِدَاعُ) أما تبييت الكفار فقد تقدم بيانه، وحديثه من حديث الصعب بن جثامة. وأما جواز الكذب في الحرب؛ فلِما ثبت في الصحيح من حديث جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ»، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَأْذَنْ لِي فَأَقُولَ، قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ» (٢) طلب الإذن أن يخدعه بمقال. بعض أهل العلم ذهب إلى أن المراد من هذا الكذب التعريض. قال النووي ﵀: وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء: أحدها: في الحرب، قال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب؛ فإنه لا يحل. هذا كلامه، والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل. والله أعلم وأما الخداع في الحرب فدليل جوازه، حديث الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «الحرب خدعة» (٣). قال النووي: واتقفوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن، إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. انتهى العهود المسلمون يتقيدون بها، ولا يخونونها تحت أي ذريعة من الذرائع، حتى إن أحد الصحابة جاء إلى النبي ﷺ واستأذنه أن يقاتل معه الكفار، وكان أعطى الكفار عهداً أن لا يقاتلهم، فمنعه النبي ﷺ من قتالهم (٤). فَصلٌ قال المؤلف ﵀: (وما غَنِمَه الجَيشُ؛ كانَ لهم أَربعةُ أَخماسِهِ، وخُمسهُ يَصرِفُهُ الإِمامُ في مَصارِفِهِ، ويَأخذُ الفَارِسُ مِنَ الغَنيمةِ ثَلاثةَ أَسهُمٍ، والرَّاجلُ سَهْماً، وَيَستوِي في ذلك

стр. 659

القَوِيُّ والضَّعيفُ، ومَن قاتلَ وَمَن لم يُقاتِل) أصل الغنيمة في اللغة: الربح والفضل - أي الزيادة-. وفي الاصطلاح: ما أُخذ من أموال المشركين بقتال. وقد أباحها الله لأمة محمد ﷺ بعد أن كانت محرمة على مَنْ قبلهم من الأمم، قال النبي ﷺ : «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (١). وأما كيفية تقسيم الغنائم، فقد ذكرها المؤلف. تقسَّم أولاً إلى خمس حصص متساوية، أربعة منها يأخذها الجيش، للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد. الفارس: الذي يقاتل على فرسه، له سهم ولفرسه سهمان. والراجل: الذي يقاتل على رجليه، لا يركب فرساً، له سهم واحد. اليوم لا يوجد حُصُنْ، حُصُنْ جمع حصان، جمع حصان: يقال: حُصُنْ، وأَحصِنة. المشهورة عند أهلنا: حصن، فهي عربية صحيحة. اليوم لا يوجد حُصُنْ، يوجد دبابات وطائرات. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: فإذا قال قائل: فماذا تقولون في حروب اليوم؟ فالناس لا يحاربون على خيل وإبل، بل بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟ . فالجواب: يقاس على كل شيء ما يشبهه، فالذي يشبه الخيل الطائرات؛ لسرعتها وتزيد ـ أيضاً ـ في الخطر، والذي يشبه الإبلَ الدباباتُ والنقلياتُ وما أشبهها، فهذه لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة له سهم واحد. فإن قال قائل: الطيار لا يملك الطائرة، فهل تجعلون له ثلاثة أسهم؟ . نقول: نعم نجعل له ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان للطائرة، وسهما الطائرة يرجعان إلى بيت المال؛ لأن الطائرة غير مملوكة لشخص معين، بل هي للحكومة، وإذا رأى ولي الأمر أن

стр. 660

يعطي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس؛ لأن في ذلك تشجيعاً له على هذا العمل الخطير. انتهى من الشرح الممتع. أصل هذه القسمة للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، حديث ابن عمر ﵄، قال: قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهماً (١). فسَّره نافع عند البخاري-نافع الراوي عن ابن عمر وهو مولاه- قال: فإذا كان مع الرجل فرس، فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم. الحديث متفق عليه. والجيش كله واحد، لا فرق بين القوي والضعيف، وبين من قاتل ومن لم يقاتل بما أنه من الجيش؛ لحديث مصعب بن سعد قال: رأى سعدٌ أن له فضلاً على مَنْ دونه، فقال النبي ﷺ : «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ » (٢). وأخرج أبو داود أن النبي ﷺ قسم غنائم بدرٍ بالسوية، بعد وقوع الخصام بين من قاتل ومن لم يقاتل، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ [الأنفال/١] (٣). الحديث الأول يدل على عدم الفرق بين الضعيف والقوي، والحديث الثاني يدل على عدم الفرق بين من قاتل وبين لم يقاتل. وأما تقسيم الغنيمة إلى خمسة أقسام، قسم منها يصرفه الإمام في مصارفه، فدليله قول الله ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال/٤١]. فأول شيء الغنيمة تقسم إلى خمسة أقسام: أربعة منها تقسم على الجيش بالقسمة التي تقدمت، والقسم الخامس الذي هو الخُمس، هذا أيضاً يقسم إلى خمسة أقسام: الأول: لله ولرسوله، هذا القسم يُدخَل في بيت مال المسلمين، يوضع هذا القسم في بيت مال المسلمين وينفق على مصالح المسلمين؛ لقول النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» (٤) فيرد إلى بيت مال المسلمين. هذا أخرجه أبو داود. والثاني: لذي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، يقسم بينهم، يعني قرابة النبي ﷺ الذين هم بنو هاشم وبنو المطلب؛ لحديث جبير بن مطعم عند البخاري: لما كان

стр. 661

يوم خيبر قسَّم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب (١). القسم الثالث: اليتامى، ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾، اليتيم هو مَنْ فقد أباه، وكان دون سن البلوغ. الناس اليوم يطلقون اليتيم على من فقد أباه أو أمه، وسواء كان صغيراً أم كبيراً، هذا من التخليط في التسمية، هذا خطأ، اليتيم لا يكون يتيماً إلا إذا اتصف بوصفين: الأول: أن يفقد أباه، من فقد أمه لا يسمى يتيماً من البشر، وأما من الحيوانات والطيور فنعم يسمى يتيماً، أما عند البشر فلا يسمى يتيماً من فقد أمه. الوصف الثاني: أن يكون تحت سن البلوغ، البالغ لا يسمى يتيماً. هذا القسم يعطى لليتامى الذين هذا وصفهم، سواء كانوا فقراء أم أغنياء، لم يفصِّل في الآية فيعطى الجميع. القسم الرابع: المساكين: المسكين هو: الذي لا يملك كفايته، نحن ذكرنا في كتاب الزكاة التفريق بين الفقير والمسكين، هنا ذكر المسكين فقط فهما بمعنى واحد، وهو الذي لا يملك كفايته، ويدخل في ذلك أيضاً المعدم الذي ليس عنده شيء. القسم الخامس: ابن السبيل: هو المسافر الذي انقطعت به السبل، لا يوجد معه مال، ولا عنده مكان يلجأ إليه، ولا ما يوصله إلى بلاده التي يسكنها، فهذا يعطى من المال ما يبلِّغه المكان الذي يسكنه. قال المؤلف ﵀: (ويَجوزُ تَنْفِيلُ الإِمامِ بَعضَ الجَيشِ) التنفيل، هو: أن يعطي زيادة على النصيب. فيجوز للإمام أن يعطي بعض الجيش زيادة على نصيبه؛ لمصلحة يراها الإمام، لا لهوى، بل لمصلحة تعود بالنفع على الإسلام والمسلمين. لما أخرجه مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع قال: أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعاً. واختلف أهل العلم هل النفل يعطى من أصل الغنيمة، أم من الأربعة أخماس أم من الخمس؟

стр. 662

يعني هل يعطى النفل قبل تقسم أي شيء من الغنيمة، فيكون من أصل الغنيمة، أم بعد التقسيم إلى خمسة أقسام. فقال بعضهم: من أصل الغنيمة، قبل التقسيم، وقال البعض: من الخمس الذي للأصناف التي ذكرناها سابقاً، والبعض قال: من الأربعة أخماس. وظاهر حديث ابن عمر في الصحيحين أنه بعد التقسيم، لا من أصل الغنيمة. فقد جاء فيه: أن رسول الله ﷺ بعث سرية كان فيها ابن عمر قِبَل نجد، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً، وَنُفِّلُوا بعيراً بعيراً (١). قال النووي ﵀: فيه إثبات النفل، وهو مجمع عليه. واختلفوا في محل النفل: هل هو من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس. وهي ثلاثة أقوال للشافعي، وبكل منها قال جماعة من العلماء، والأصح عندنا أنه من خمس الخمس، وبه قال ابن المسيب ومالك وأبو حنيفة ﵃، وآخرون، وممن قال إنه من أصل الغنيمة: الحسن البصري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وآخرون ... انتهى قال المؤلف ﵀: (وللإِمامِ الصَّفِيُّ، وسَهمُهُ كَأحدِ الجَيشِ) الصَّفِي: ما يصطفيه الإمام، يختاره لنفسه من الغنيمة قبل قسمة الغنيمة. الإمام يختار له شيئاً من الغنيمة: سيفاً، أو فرساً، امرأة، أي شيء ينتقيه ويأخذه له قبل أن تبدأ قسمة الغنيمة. دليله قول النبي ﷺ لقومه: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ الصفي؛ فأنتم آمنون بأمان

стр. 663

الله ورسوله» (١) أخرجه أبو داود. وعنده عن عائشة، قالت: كانت صفية من الصفي (٢). لكن جمهور العلماء يقولون: إن هذا الصفي خاص بالنبي ﷺ وليس لمن بعده من الأئمة، فليس لأي إمام بعده، بل هو للنبي ﷺ فقط. قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً سبق أبا ثور إلى هذا القول. أي أنه للنبي ﷺ وللإمام من بعده. أبو ثور صاحب الشافعي كان يقول بأنه للنبي ﷺ وللإمام من بعده، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحداً سبق أبا ثور إلى هذا القول؛ لأن الجميع عنده يقولون بأنه خاص بالنبي ﷺ ، فهذا نقلٌ للاتفاق، فهم متفقون على أن الصفي خاص بالنبي ﷺ لا لمن جاء بعده. هذا هو الصواب؛ فلم يرد عن الخلفاء الراشدين الأربعة أنهم كانوا يأخذون الصفي. قال المؤلف ﵀: (وَيَرْضَخُ مِنَ الغَنِيمَةِ لِمَن حَضَرَ) معناه يعطي عطية قليلة، فالرَّضْخ: العطية القليلة، فيعطي من الغنيمة شيئاً قليلاً لمن حضر. الجيش قد ذكرنا قسمته، إذاً هؤلاء ليسوا من الجيش، هؤلاء يكونون مع الجيش من النساء والعبيد، إذا حضروا القتال يعطيهم الإمام شيئاً قليلاً من الغنيمة، ولا يعطون سهماً كاملاً كبقية الجيش. دليله حديث ابن عباس عند مسلم أنه سأله سائل عن المرأة والعبد، هل كان لهما سهم معلوم إذا حضرا البأس؟ -إذا حضرا القتال- فأجاب: أنه لم يكن لهما سهم معلوم، إلا أن يُحذيا من غنائم القوم (٣). أي يعطيا من غنائم القوم. وفي رواية: وَقَدْ كَانَ النبي ﷺ يَغْزُو بِهِنَّ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى، وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ (٤). النساء كانت تخرج مع النبي ﷺ لمداواة الجرحى، فالنساء لا قتال عليهن كما تقدم.

стр. 664

سألت عائشة النبي ﷺ أَعَلى النساء جهاد؟ فقال: جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة. فالنساء لا قتال عليهن، لكن كنَّ يخرجن مع النبي ﷺ لمداواة الجرحى. لكن نقلوا الاتفاق على أن المرأة إذا قاتلت جاز، ولكن لا تعطى سهم المقاتل إنما يرضخ لها فقط. قال المؤلف: (ويُؤْثِرُ المُؤَلَّفِينَ إِنْ رَأَى في ذَلكَ صَلاَحاً) يؤثر المؤلَّفين: الإيثار هو التقديم، آثره على نفسه: قدَّمه على نفسه. ويؤثر المؤلفين: أي يقدمهم في العطاء، والمؤلَّفون هم إما من الكفار يُرجى خيرهم أو دفع شرهم، أو من المسلمين إيمانهم ضعيف، يُعطَون لتقوية إيمانهم، ولتثبيتهم عليه. هؤلاء قال: يقدَّمون، فيُعطَوْن من الغنيمة أكثر من غيرهم، وأَوْلى من غيرهم في العطاء؛ لأن النبي ﷺ قسم الغنائم في أشراف قريش تأليفاً لهم، وترك الأنصار والمهاجرين (١). كما في الصحيح. وهذا الحكم باقٍ عند الحاجة إليه كأيامنا هذه. قال المؤلف: (وإذا رَجعَ ما أَخذَهُ الكُفارُ مِنَ المُسلمينَ كانَ لِمَالِكِهِ) إذا وصل مال من أموال المسلمين إلى الكفار، سواء كان بقتال أو بغيره، مثلاً إذا غزا الكفار قرية من قرى المسلمين، وأخذوا بعض أملاك المسلمين، ثم المسلمون غلبوهم واستردوا هذه الأملاك، يقول المؤلف: وإذا رجع ما أخذه الكفار من المسلمين كان لمالكه، يعني أنه لا يكون من ضمن الغنائم، فلا يقسَّم على الجيش، بل يُرجع إلى صاحبه؛ لأن مالكه معروف. هذا بناءً على أن ما يأخذه الكفار من المسلمين لا يكون ملكاً لهم، لا يتملكونه، أخذوه من غير وجه حق فلا يتملكونه، فإذا أعيد يُرجَع إلى صاحبه. دليل ذلك حديث ابن عمر: أنه ذهب فرسٌ له فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرُدَّ عليه في زمن النبي ﷺ (٢)، ظهر عليهم المسلمون أي غلبهم المسلمون، فأخذوا الفرس، فرُد إلى ابن عمر. أخرجه البخاري في صحيحه.

стр. 665

وفي صحيح مسلم: أن امرأة من المسلمين هربت من الكفار على العضباء ناقة النبي ﷺ ، وكان أخذها الكفار، فنذرت إن نجاها الله عليها أن تنحرها، أن تنحر العضباء ناقة النبي ﷺ ، فقال ﷺ : «لا وفاء لنذرٍ في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (١) فهذه العضباء ما جعلها ملكاً لها أنها هربت عليها، فهذا أيضاً يدل على أن الشيء إذا أُخذ من المسلمين ورجع إليهم أنه يأخذه صاحبه وهو حق لصاحبه. قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ الانتِفَاعُ بِشَيءٍ مِنَ الغَنيمةِ قبلَ القِسمةِ إلا الطَّعامَ والعَلفَ) لحديث رويفع بن ثابت عند أبي داود وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ» (٢) أعجفها: أضعفها، أتعبها. أي بعد أن يستغلها ويضعفها من العمل عليها يعيدها. وفي رواية عنده: «ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخرأن يبيع مغنماً حتى يقسم» وأخرج البخاري من حديث ابن عمر قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه (٣). وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن مغفل قال: أصبت جراباً من شحمٍ يوم خيبر، فالتزمته-يعني ضمه إليه-فقلت: لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، فالتفتُّ فإذا رسول الله ﷺ متبسماً (٤). الحديث الأول يدل على أنه لا يحل للمقاتلين أن يأخذوا شيئاً من المغنم، لا ملابس ولا أحصنة ولا غير ذلك. والحديث الثاني والثالث يدلان على أن ما كان طعاماً يجوز أكله قبل أن يدخل إلى الغنائم، لذلك قال المؤلف: ويحرم الانتفاع بشيء من الغنيمة قبل القسمة إلا الطعام والعلف.

стр. 666

قال المؤلف ﵀: (ويَحرُمُ الغُلُولُ) الغلول: هو السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، وهو محرم؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» (١). عبد كان في الجيش فأصابه سهم فمات، فقال الصحابة: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله. فقال: كلا، والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه ناراً، أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، يعني لم تدخل في الغنيمة حتى تقسم، أخذها قبل القسمة، فهي تلتهب عليه ناراً. الشملة: كساء يُلبس. قال: ففزع الناس، فجاء رجلٌ بشراكٍ أو شراكين، فقال: يا رسول الله أصبت هذا يوم خيبر. فقال رسول الله ﷺ : «شراك من نار أو شراكان من نار». نقل النووي ﵀ الإجماع على أنه من الكبائر. قال المؤلف ﵀: (ومِن جُملةِ الغَنيمةِ الأَسرَى، ويَجوزُ القَتلُ، أو الفِداءُ، أو المَنُّ) المَنّ: المن عليهم يعني يطلقهم بدون أي مقابل. ما تقدم من حكمٍ، في أموال الغنيمة. الآن الحكم في الأنفس، الأسرى من الناس، هُمْ صنفان: صنف لا يقاتل؛ كالصبيان والنساء والشيوخ؛ هؤلاء يكونون أَرِقّاء عبيد بسبب السَّبي، فبمجرد أخذهم يكونون أرقاء، لا يخيَّر فيهم الإمام، وإذا كانوا أرقاء صاروا تبع الغنيمة، فيقسَّمون مع الغنائم. وأما البالغ المقاتل فإن الإمام يخيَّر فيه، إمام المسلمين يخيَّر في المقاتل بين أمورثلاثة:

стр. 667

إما القتل: فله أن يقتله. وإما أخذ الفداء: يعني أن يفديه بمال، يأخذ مالاً مقابل تركه يرجع إلى أهله. وإما المن: تركه من غير مقابل: يعني إطلاقه بدون مقابل. هذا كله فعله النبي ﷺ في أحاديث وردت في الصحيحين وغيرها، فعلى حسب المصلحة التي يراها الإمام يفعل بهم. والله أعلم قال المؤلف في شرحه على الدرر: وأما كونه يجوز القتل والفداء والمن؛ فلقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ القتل للأساري، وأخذ الفداء منهم، والمن عليهم، ثبوتاً متواتراً في وقائع. ففي يوم بدر قتل بعضهم وأخذ الفداء من غالبهم. وأخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حياً، ثم كلمني في هؤلاء النتنى؛ لتركتهم له» (١). وفي مسلم من حديث أنس: أنه ﷺ أخذ الثمانين النفر الذين هبطوا عليه وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، ثم إن النبي ﷺ أعتقهم، فأنزل الله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] الآية (٢). وقد ذهب الجمهور إلى أن الإمام يفعل ما هو الأحوط للإسلام والمسلمين في الأسرى، فيقتل أو يأخذ الفداء أو يمن .... انتهى مختصراً فصلٌ

стр. 668

قال المؤلف: (ويَجوزُ استِرقَاقُ العَربِ) ذكرنا الاسترقاق سابقاً، هل العرب خاصة يجوز استرقاقهم أم لا؟ حصل خلاف بين أهل العلم؛ لذلك نصَّ عليه المؤلف هنا، فقال: ويجوز استرقاق العرب، هذا هو الصحيح، لا فرق بين عربي وغير عربي في الرِّقّ، دليل ذلك: أنه لا يوجد دليلٌ يخص العرب عن غيرهم في الرِّقّ، بل ورد عن النبي ﷺ أنه استرقَّ بعض العرب، في حديث عائشة قال النبي ﷺ في أمة كانت عنده من بني تميم-عربية-: «اعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» (١) متفق عليه. وفي الصحيحين أن جويرية بنت الحارث من سبي بني المصطلق، وهم من العرب، عن ابن عمر قال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ» (٢). هذه أدلة تدل على جواز استرقاق العرب. قال المؤلف: (وقَتلُ الجَاسُوسِ) ويجوز قتل الجاسوس، الصحيح أن الجاسوس يجوز قتله، سواء كان مسلماً أم ذمياً أم مستأمناً، بما أنه قد تبين بالأدلة والبراهين أنه جاسوس، لا بمجرد الدعاوى، يقتله للإمام. الإجماع منعقد على جواز قتل الجاسوس الحربي، الحربي: الكافر المحارب. وفي صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: «أتى النبيَّ عينٌ- جاسوس- وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : «اطلبوه واقتلوه» قال سلمة: فسبقتهم إليه فقتلته فنفَّله سَلَبَه (٣). قال النووي ﵀: وفيه قتل الجاسوس الكافر الحربي، وهو كذلك بإجماع المسلمين، وفي رواية النسائي: أن النبي ﷺ كان أمرهم بطلبه وقتله. وأما الذمي فينتقض عهده بتجسسه، إذا ثبت أنه جاسوس فعهده الذي بيننا وبينه ينتقض تلقائياً. وأما المسلم، فدليله حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا» فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ

стр. 669

الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ » قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صَدَقَ»، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي، يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. المانع الذي منع من قتله -مع أن عمر استأذن في قتله- هو أنه من أهل بدر، وهذا المانع غير موجود في غير حاطب بن أبي بلتعة، فإذا انتفى المانع بقي حكم القتل فجاز قتله. فهذا هو الصحيح، العلماء الذين أفتوا بقتله، قالوا: يقتل تعزيراً لا ردة، وفرق بين الأمرين. وبعض أهل العلم قال: لا يقتل أصلاً، يعزَّر بالسجن أو الجلد أو غير ذلك، لكن لا يقتل. فالفقهاء على أنه لا يكفر، وهذا من الإعانة من إعانة الكفار على المسلمين، عند التكفيريين الخوارج هو من الموالاة! فيكفِّرونه بهذا، لكن النبي ﷺ لم يقتل حاطباً، ولو كان هذا كفراً لأذن بقتله، ولا يمنع كونه من أهل بدر من تكفيره وقتله؛ لان الله ﵎ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء/٤٨] (١) كونه لم يكفر دل على أن التجسس للكفار على المسلمين، إذا كان لأمر دنيوي لا لأمرٍ ديني؛ لا يكون هذا الفعل كفراً، حاطب عندما فعله لم يفعله ردة، ولا فعله بغضاً للإسلام، ولا حباً لظهور الكفار على المسلمين، ولكن لأمر دنيوي؛ كي يحمي أهله الذين في قريش. فمن فعل ذلك لأجل هذا الغرض لا يكفر، ولكن يكفر من فعله بغضاً للإسلام أو حباً لأن يظهر الكفار على المسلمين يكفر عندها. هذا هو التفصيل في مسألة من قاتل مع الكفار أو أعانهم بتجسس أو غيره.

стр. 670

لكن هل يُقتل؟ نعم يُقتل سواء كان في جيشهم أو كان جاسوساً لهم أو غير ذلك، يقتل، هذا أقل ما يستحقه، أن يُقتَل يُعزَّر على فعله ذلك. قال النووي ﵀: وأما الجاسوس المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي: يصير ناقضاً للعهد، فإن رأى استرقاقه أرقه، ويجوز قتله. وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، قال أصحابنا: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك. وأما الجاسوس المسلم؛ فقال الشافعي والأوزاعي وأبو حنيفة وبعض المالكية وجماهير العلماء رحمهم الله تعالى: يعزره الإمام بما يرى من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله. وقال مالك رحمه الله تعالى: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد. وقال القاضي عياض ﵀: قال كبار أصحابه: يقتل، قال: واختلفوا في تركه بالتوبة، قال الماجشون: إن عرف بذلك قتل وإلا عزر. انتهى قال المؤلف ﵀: (وإِذَا أَسلمَ الحَربِيُّ قَبلَ القُدرةِ عَليهِ أَحرزَ أَموالَهُ) الحربي: هو الكافر من أهل الحرب، ليس بينهم وبين المسلمين عهد ولا أمان ولا ذمة. هذا الحربي إذا أسلم قبل أن يقدر عليه المسلمون، يكون قد أحرز ماله، أي حفظ ماله، فلا يجوز أخذ ماله؛ لأنه صار محرماً بإسلامه؛ لأن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» متفق عليه. قال المؤلف: (وإذا أَسلَمَ عَبدُ الكَافِرِ صَارَ حُرّاً) إذا كان عند الكافر عبد، رقيق، وأسلم هذا العبد، تلقائياً يصير حراً، ويخرج من الرق؛ لمِا أخرجه أبو داود من حديث علي قال: خرج عَبدَان إلى رسول الله ﷺ -يعني يوم الحديبية قبل الصلح- فكتب إليه مواليهم- أسيادهم، مُلاكّهم - فقالوا: والله يا محمد ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرق- أرادوا أن يتخلصوا من العبودية فقط، لا رغبة الإسلام- فقال ناسٌ: صدقوا يا رسول الله رُدَّهم إليهم - ناس ممن مع النبي ﷺ قالوا: صدقوا فيما قالوا- فغضب رسول الله ﷺ وقال: «ما أُراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا»، وأبى أن يردهم، وقال: «هم عتقاء الله » (١).
следующие страницы →