← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال: (مسألة: لا يشترط عدد التواتر عند الأكثر. لنا دليل السمع فلو لم يبق إلا واحد فقيل حجة لمضمون السمع وقيل لا لمعنى الاجتماع). أقول: لا يشترط فى حجية الإجماع أن يبلغ عدد المجتهدين عدد أهل التواتر عند الأكثر، لنا أن دليل السمع يتناول إجماع الأقل من عدد التواتر لكونهم كل الأمة والمسلمين، وأما من استدل بالعقل وهو أنه لو لم يكن عن قاطع لما حصل فلا بد له من القول بعدد التواتر فإن انتفاء حكم العادة فى غيره ظاهر، وإذا قلنا: لا يشترط فلو لم يبق من المجتهدين إلا واحد فقيل: قوله حجة لمضمون السمعى وهو أنه لا يخرج الحق عن هذه الأمة وإن لم يخالف صريحه لعدم صدق سبيل المسلمين واجتماع الأمة عليه وقيل ليس بحجة لأن الإجماع يشعر بالاجتماع ولأن الاجتماع وسبيل المسلمين هو المنفى عنه الخطأ، وهو منتف ههنا. قوله: (فإن انتفاء حكم العادة فى غيره) أى فى غير عدد التواتر (ظاهر) يعنى أن العادة لا تحكم بأن اتفاق ما دون عدد التواتر لا يكون إلا عن قاطع وليس المراد بعدد التواتر عددًا معينًا محصورًا بل ما يحصل العلم الضرورى عند إخبارهم بأمر مشاهد كما سيجئ وهذا ظاهر على تقرير الآمدى حيث قال: من استدل على حجية الإجماع بدليل العقل وهو أن الجمع الكثير لا يتصور تواطؤهم على الخطأ كإمام الحرمين وغيره فلا بد من استرداد ذلك عنده لتصور الخطأ على من دون عدد التواتر فأما على تقرير المصنِّف حيث جعل الدليل العقلى هو أن أهل الحل والعقد قد اتفقوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل اتفاقهم على ذلك من غير قاطع فيلزم قطعية خطأ المخالف وقطعية ما عليه الإجماع وأنهم قد اتفقوا على تقديمه على القاطع وعلى أن غير القاطع لا يقدّم على القاطع فلا اختصاص له بعدد التواتر على ما أشار إليه المصنِّفُ فيما سبق اللهم إلا أن يقال: لا نسلم الاتفاق على القطع بتخطئة المخالف وعلى التقديم على القاطع فيما دون عدد التواتر. قوله: (لمضمون السمعى) يعنى لو لم يكن قول ذلك الواحد حقًا لخولف مضمون السمعى وهو عدم خلو الأمة عن قائل بالحق مطلع عليه وأن لم يخالف صريحه بناء على أن قول ذلك الواحد ليس بسبيل المؤمنين أو إجماع الأمة أو نحو ذلك وكما يمتنع مخالفة صريح الدليل يمتنع مخالفة مضمونه وإن كان قوله:

стр. 1017

يخالف على لفظ المبنى للفاعل ففاعله ضمير يعود إلى عدم حجيته أو إلى عدم حجية من يخالف قول ذلك الواحد وإن خالف مضمون الدليل وإن لم يخالف صريحه، وقد توهم بعضهم عود الضمير إلى ذلك القول وظاهر أنه ليس بمستقيم فغيروه إلى: وإن خالف وليس بسديد ولا مفيد على ما لا يخفى. قوله: (وليس بسديد ولا مفيد على ما لا يخفى) أى لأن قوله فى ذاته بقطع النظر عن كونه حجة أو غير حجة لا معنى لكونه مخالفًا لصريح السمعى أو موافقًا له.

стр. 1018

قال: (مسألة إذا أفتى واحد وعرفوا به ولم ينكره واحد قبل استقرار المذاهب فإجماع، أو حجة، وعن الشافعى رضى اللَّه عنه ليس إجماعًا، ولا حجة، وعنه خلافه. وقال الجبائى: إجماع بشرط انقراض العصر، ابن أبى هريرة إن كان فتيا لا حكمًا، لنا سكوتهم ظاهر فى موافقتهم فكان كقولهم الظاهر فينتهض دليل السمع المخالف يحتمل أنه لم يجتهد أو وقف أو خالف فروى أو وقر أو هاب فلا إجماع ولا حجة، قلنا خلاف الظاهر لأن عادتهم ترك المسكوت الآخر دليل ظاهر لما ذكرناه الجبائى انقراض العصر لضعف الاحتمال، ابن أبى هريرة العادة فى الفتيا لا فى الحكم أجيب بأن الفرض قبل استقرار المذاهب وأما إذا لم ينتشر فليس بحجة عند الأكثر). أقول: إذا قال واحد أو جماعة بقول وعرف به الباقون ولم ينكره أحد منهم فإن كان بعد استقرار المذاهب لم يدل على الموافقة قطعًا إذ لا عادة بإنكاره فلم يكن حجة وإن كان قبله وهو عند البحث عن المذاهب والنظر فيها فقد اختلف فيه والحق أنه إجماع أو حجة وليس بإجماع قطعى، وعن الشافعى رضى اللَّه عنه أنه ليس إجماعًا ولا حجة، وروى عنه خلافه، وقال الجبائى: هو إجماع بشرط انقراض العصر، وقال أبو على بن أبى هريرة: إن كان القول فتيا فإجماع، وإن كان حكمًا فلا. لنا سكوتهم ظاهر فى موافقتهم إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقاد المخالفة عادة كما ترى عليه الناس فكان ذلك فى إفادة الاتفاق ظنًا، كقول ظاهر الدلالة غير قطعيها، وحينئذٍ ينتهض دليل السمع فإنه سبيل المؤمنين، وقول كل الأمة وبالجملة فليس الظن الحاصل به دون الحاصل بالقياس وظواهر الأخبار فوجب العمل به، احتج المخالف وهو القائل بأنه ليس بإجماع ولا حجة بأنه يجوز أن يكون من لم ينكر إنما لم ينكر لأنه لم يجتهد بعد فلا رأى له فى المسألة أو اجتهد فتوقف لتعارض الأدلة أو خالفه لكن لما سمع خلاف رأيه روى لاحتمال رجحان مأخذ المخالف حتى يظهر عدمه أو وقره فلم يخالفه تعظيمًا له أو هاب المفتى أو الفتنة، كما نقل عن ابن عباس فى مسألة العول أنه سكت أولًا ثم أظهر الإنكار فقيل له فى ذلك فقال: إنه واللَّه لكان رجلًا مهيبًا يعنى عمر ومع قيام هذه الاحتمالات لا يدل على الموافقة فلا يكون إجماعًا ولا حجة. الجواب: أنها وإن كانت محتملة فهى خلاف الظاهر لما علم من عادتهم ترك

стр. 1019

المسكوت فى مثله كقول معاذ لعمر لما رأى جلد الحامل: ما جعل اللَّه على ما فى بطنها سبيلًا، فقال عمر: لولا معاذ لهلك عمر، وكقول امرأة لما نفى المغالاة فى المهر: أيعطينا اللَّه بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، ويمنعنا عمر، فقال: كل أفقه من عمر حتى المخدرات فى الحجال، وكقول عبيدة لعلى -لما قال: "تجدد لى رأى فى أمهات الأولاد أنهن يبعن": "رأيك فى الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك". وغير ذلك مما توقف عليه التتبع لآثارهم. قال المخالف الآخر -وهو القائل بأنه إجماع-: سكوتهم دليل ظاهر فى موافقتهم فكان إجماعًا. الجواب: الظهور لا يكفى فى كونه إجماعًا قطعيًا بل فى كونه حجة، ونقول به. وقال الجبائى: قبل انقراض العصر الاحتمالات المذكورة قوية، فلا يكون إجماعًا، وأما بعده فيضعف الاحتمال فيكون ظاهرًا فى الموافقة، فيكون إجماعًا. والجواب: ما قلنا، قال ابن أبى هريرة: العادة فى الفتيا أنها تخالف ويبحث عنها دون الحكم، فإن كلًا يحكم بما يراه فيتبع ولا يخالف كما ترى فى عصرنا، وأيضًا الحاكم كتاب ويوقر دون المفتى. الجواب: أن ذلك بعد استقرار المذاهب وقد فرضنا المسألة فيما قبل استقرارها والفتيا والحكم حينئذٍ سواء لأن إنكار الحكم إنكار للفتيا، واعلم أن هذا كله إذا أفتى وانتشر بين أهل عصره ولم ينكر وأما إذا لم ينتشر فعدم الإنكار لا يدل على الموافقة قطعًا، وبه قال الأكثر لأنه يجوز أن لا قول لهم فيه أو لهم قول مخالف لم ينقل بخلاف ما تقدم، وأن ذلك إذا كثر وتكرر وكان فيما تعم به البلوى ربما أفاد القطع. قوله: (فإجماع أو حجة) قال العلامة: إنما ردد فيه لأن أحدهما ثابت ضرورة لما سيجئ وهذا مذهب أبى هاشم أنه حجة وليس بإجماع قطعى وهو الذى اختاره المصنِّفُ وصرح به فى المنتهى. قوله: (وعنه خلافه) قيل أى حجة لا إجماع وقيل أى حجة وإجماع وهذا أقرب لكونه مذهبًا لبعض الشافعية وقيام الدليل عليه بخلاف الأول وحينئذٍ ينتهض دليل

стр. 1020

السمع، أى ظاهرًا فإن علمت موافقة الساكتين كان إجماعًا وإلا كان حجة لأن الاحتمال إنما يقدح فى القطعية دون الحجية كالقياس وخبر الواحد قال فى المنتهى وأما كونه غير قطعى فلانقداح الاحتمال. قوله: (قال المخالف الآخر وهو القائل بأنه إجماع) ولا خفاء فى لزوم الحجية وهذا ما قال، وعنه خلافه والعلامة لما فسر الآخر بالقائل بكونه حجة لا إجماعًا قرر الدليل بأن سكوتهم دليل ظاهر على الموافقة فيكون حجة وإن لم يكن إجماعًا ولم يتنبه أن هذا بعينه ما اختاره المصنِّفُ. المصنف: (إذا أفتى واحد) أى بعض المجتهدين واحد أو أكثر والمراد بالإفتاء هنا ما يشمل الحكم وإلا لم يصح التفصيل الآتى. المصنف: (أو وقر) لا يقال: لا يصح المسكوت على المنكر فكيف يصح أن يسكت المجتهد توقيرًا لغيره لأنا نقول: إن اجتهاد غيره ليس منكرًا وليس على مجتهد رد اجتهاد غيره. قوله: (لما سيجئ) أى فى القولة بعد هذه وهو أنه إن علمت موافقة الساكتين يعنى بنحو أمارة تدل على الرضا كان إجماعًا وإلا كان حجة، وقد رد ذلك ابن السبكى فى شرحه بأنه فاسد من وجهين أحدهما: أنه إذا علم أن سكوتهم عن رضا لم يكن من صور الإجماع السكوتى، والثانى: أن سكوتهم إذا لم يعلم أنه عن رضا فوراءه حالتان؛ إحداهما: أن يعلم أنه عن سخط وليس بحجة بلا نظر وكذا إذا ظن، والثانية: أن يجهل الحال فيكون حجة وإجماعًا ولا يلزم من كونه حجة وإجماعًا أن لا يكون قطعيًا حتى يجعل قسمًا مقابلًا للقطعى بل جاز كونه مظنونًا ونقطع مع ذلك بكونه حجة كما سلف، وقال قبل ذلك: إنه ليس المراد بالإجماع القطعى القطع بأن الإجماع حاصل إذ لا سبيل إلى ذلك مع أن السكوت يحتمل وجهًا سوى الرضا بل إن حكم اللَّه قطعًا ما ظنناه، وقد أشار إلى هذا البندنيجى وقال آخرون: بل ظنى واختاره ابن السمعانى وعلى المراد بالقطعى المذكور دل كلامه فى المختصر الكبير والأحكام. اهـ.

стр. 1021

قال: (مسألة: انقراض العصر غير مشروط عند المحققين، وقال أحمد، وابن فورك: يشترط. وقيل فى السكوتى، وقال الإمام: إن كان عن قياس. لنا دليل السمع، واستدل بأنه يؤدى إلى عدم الإجماع للتلاحق، وأجيب بأن المراد عصر المجمعين الأولين إذ لا مدخل للاحق). أقول: انقراض عصر المجمعين غير مشروط وفى انعقاد إجماعهم وكونه حجة فإذا اتفقوا ولو حينًا لم يجز لهم ولا لغيرهم مخالفته وعليه المحققون. وقال أحمد وابن فورك: يشترط، وقيل: يشترط فى السكوتى دون غيره، وقال إمام الحرمين: إن كان مستنده قياسًا اشترط وإلا فلا. لنا أن الأدلة السمعية عامة تتناول ما انقرض عصره وما لم ينقرض، واستدل لو اشترط الانقراض لما حصل إجماع لتلاحق المجتهدين بعض بعضًا، واللازم باطل، لأن البحث عنه فرع حصوله. الجواب: أن اللاحقين إما أن يقال: لهم مدخل فى الإجماع أو يقال: لا مدخل لهم فيه، فإن قلنا: لهم مدخل فلا نريد انقراض المجمعين مطلقًا بل انقراض المجمعين الأولين، وإن قلنا: لا مدخل لهم فظاهر لأن المجمعين هم الأولون فالشرط انقراض عصرهم. قوله: (لتلاحق المجتهدين بعض بعضًا) فيه حزازة إذ لا يصح تلاحق زيد عمرًا إلا أن يكون بمعنى لحق ثم هذا التلاحق ليس بواجب بل غايته الجواز فمن أين يلزم عدم تحقق الإجماع؟ قوله: (إما أن يقال) يعنى اختلف القائلون باشتراط الانقراض فى فائدته فذهب الجمهور إلى أنه يعتبر موافقة اللاحقين ومخالفتهم حتى لا تصير المسألة إجماعية مع مخالفتهم وذهب أحمد وجماعة إلى أنه لا يعتبر بل فائدته تمكن المجمعين عن الرجوع حتى لو انقرضوا مصرين كانت المسألة إجماعية لا عبرة فيها بمخالفة الآخرين فعلى الأوّل أهل الإجماع هم السابقون واللاحقون جميعًا لكان إنما يشترط انقراض السابقين فقط وعلى الثانى هم السابقون فقط فيصح اشتراط انقراض المجمعين كلهم. قوله: (فيه حزازة. . . إلخ) رد بأن التفاعل للكثرة، وقوله: فمن أين يلزم عدم تحقق الإجماع رد بأن المراد لو شرط لزم عدم تحقق الإجماع فى زمان قد تحقق فيه وهو زمان الصحابة والتابعين وحينئذ لا يمنع اللحوق.

стр. 1022

قال: (قالوا: يستلزم إلغاء الخبر الصحيح بتقدير الاطلاع عليه. قلنا: بعيد وبتقديره فلا أثر له مع القاطع، كما لو انقرضوا. قالوا: لو لم يشترط لمنع المجتهد من الرجوع عن اجتهاده. قلنا: واجب لقيام الإجماع، قالوا لو لم تعتبر مخالفته لم تعتبر مخالفة من مات لأن الباقى كل الأمة. قلنا: قد التزمه بعض والفرق أن هذا قول من وجد من الأمة فلا إجماع). أقول: القائلون باشتراط الانقراض احتجوا بوجوه: قالوا: أولًا: عدم اشتراطه يستلزم عدم العمل بالخبر الصحيح إن اطلع عليه وذلك يؤدى إلى إبطال النص بالاجتهاد، وأنه باطل. الجواب: وجوده مع ذهول المجمعين عنه بعد الفحص والاطلاع عليه من بعد بعيد جدًا، ولو قدر لا يعمل به ولكن لا للاجتهاد بل لأن القاطع دل على خلافه وهو الإجماع، وإن كان عن الاجتهاد وذلك كما لو اطلع عليه بعد الانقراض، فجوابكم جوابنا. قالوا: ثانيًا: لو لم يشترط الانقراض لمنع المجتهد من الرجوع عن اجتهاده واللازم باطل، بيانه أنه إذا تغير اجتهاد بعض المجمعين وقد انعقد الإجماع باجتهاده فيحكم باجتهاده الأول، ولا يمكن من العمل باجتهاده الثانى، لمخالفته الإجماع، وذلك ما ادعينا. الجواب: لا نسلم أن اللازم باطل مطلقًا بل عند عدم الإجماع وأما معه فالمنع عن الرجوع واجب، كما قيل: رأيك فى الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك. قالوا: ثالثًا: لو لم تعتبر مخالفته إذا رجع فلأن الأول اتفاق كل الأمة فيجب أن لا تعتبر مخالفة من مات فيكون اتفاق الباقين إجماعًا لأنه اتفاق كل الأمة واللازم باطل. الجواب: أن عدم اعتبار مخالفة من مات مختلف فيه، فأما من قال به فإنه يمنع بطلان اللازم ويلتزمه، وأما من لم يقل به فيمنع الملازمة ويفرق بأن القول لا يموت بموت قائله، فقول المخالف الميت قول بعض من وجد من الأمة، وهو متحقق حين الإجماع فلا ينعقد مع مخالفته بخلاف ما نحن فيه إذ وجد فيه قول كل الأمة حين لم يوجد قول مخالفه، وإذا انعقد فلا عبرة بما يحدث بعده سواء فيه قول بعضهم وقول غيرهم.

стр. 1023

قوله: (قالوا يستلزم) تقريره لو لم يشترط الانقراض فإن اطلع واحد منهم على خبر صحيح لزم ترك العمل به فيؤدى إلى جواز إبطال النص بالاجتهاد لجواز أن يكون سند الإجماع هو القياس فعلى هذا لا توجيه لاستبعاد وجود الخبر بل لاستحالته لأن الشرطية لا تقتضى ثبوث المقدم فكأنه أراد أنه محال فيجوز أن يستلزم المحال هذا والأولى الاقتصار على منع بطلان اللازم. قوله: (إذا رجع) إشارة إلى أن ضمير مخالفته للبعض من أهل الإجماع فيكون على وفق ما سبق دليلًا على اشتراط انقراض العصر وأن المسألة لا تصير قطعية إجماعية بحيث لا يجوز الرجوع عنها وبعضهم جعل الضمير للمجتهد واللاحق فى عصرهم وبعضهم للمجتهد الموجود معهم سواء كان منهم أو من اللاحقين فى عصرهم والحق ما قاله المحقق. قوله: (فعلى هذا لا توجيه لاستبعاد. . . إلخ) أى أن الاطلاع جعل شرطًا ولم يدع وقوعه حتى يقال إنه بعيد. قوله: (بل لاستحالته) أى بل توجيه لاستحالته وقوله فكأنه أراد أنه محال. . . إلخ. أى كأن المصنف أراد ببعيد أنه محال والمحال جائز أن يستلزم المحال فلا ضرر فى ذلك، وفيه أنه قد جعل قوله فإن اطلع. . . إلخ. تاليًا لقوله لو لم يشترط انقراض العصر فالتالى شرطية، وهو خلاف ظاهر الشارح من جعل التالى لزوم ترك العمل بالخبر الصحيح إن اطلع عليه فقوله: إن اطلع بيان للوضع الذى يترتب عليه التالى وهو أمر لا بد منه حتى يتحقق اللزوم بين المقدم والتالى على أن هذا الجواب سواء كان البعد باقيًا على حاله أو مؤولًا بالاستحالة ليس منعًا للملازمة ولا لبطلان اللازم.

стр. 1024

قال: (مسألة: الإجماع لا يكون إلا عن مستند لأنه يستلزم الخطأ ولأنه مستحيل عادة، قالوا: لو كان عن دليل لم يكن له فائدة، قلنا: فائدته سقوط البحث وحرمة المخالفة وأيضًا فإنه يوجب أن يكون عن غير دليل ولا قائل به). أقول: لا يجوز الإجماع إلا عن مستند من دليل أو أمارة لأن عدم المستند يستلزم الخطأ فلو أجمع لا عن مستند اجتمع الأمة على الخطأ ولأن اتفاق الكل لا لداعٍ يستحيل عادة كالاجتماع على أكل طعام واحد. قالوا: لو كان عن مستند لاستغنى به عن الإجماع، فلم يكن للإجماع فائدة؟ الجواب: أولًا منع الملازمة إذ فائدته سقوط البحث وحرمة المخالفة، وثانيًا: أنه يقتضى أنه يجب أن يكون لا عن دليل وذلك مما لم يقل به أحد. قوله: (لأنه يستلزم الخطأ) قيل لأن القول فى الدين بلا دليل وأمارة خطأ ورد بالمنع لجواز أن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب وقيل المراد جواز الخطأ فإن القول بلا دليل قد لا يكون حقًا واللازم باطل لأنه يقدح فى عصمة أهل الإجماع عن الخطأ على ما ثبت بالأدلة السمعية واعترض بأنه إنما يلزم جواز الخطأ لو لم يقع الإجماع وأما إذا وقع فاللَّه سبحانه يوفقهم لاختيار الصواب قطعًا بحيث يستحيل الخطأ على ما دلت عليه الأدلة السمعية وأيضًا لو صح هذا لزم أن لا يصح الإجماع عن سند ظنى لاستلزامه جواز الخطأ. قوله: (فلم يكن للإجماع فائدة) يعنى لإثبات كون الإجماع حجة على ما صرح به فى الأصل واللازم باطل لأن العلماء اشتغلوا بذلك وبالغوا فيه إثباتًا ونفيًا فلا يكون عبثًا أما إذا حمل على أنه لم يكن لنفس الإجماع على المسألة فائدة فيتعذر إبطال اللازم كما فى الاتفاق على موجب الدليل القاطع الظاهر. قوله: (كما فى الاتفاق على موجب الدليل القطعى الظاهر) أى فإنه لا فائدة فى ذلك الاتفاق مع ذلك الدليل القطعى الظاهر ولا يتأتى منع عدم الفائدة.

стр. 1025

قال: (مسألة: يجوز أن يجمع عن قياس ومنعت الظاهرية الجواز، وبعضهم الوقوع. لنا القطع بالجواز كغيره، والظاهر الوقوع كإمامة أبى بكر رضى اللَّه عنه، وتحريم شحم الخنزير، وإراقة نحو الشيرج). أقول: قد علمت وجوب مستند للإجماع فذلك المستند هل يجوز أن يكون قياسًا؟ الصحيح جوازه، ومنعه الظاهرية، فبعضهم منع الجواز، وبعضهم جوزه، ومنع الوقوع. لنا القطع بجوازه لأنه لو فرض لم يلزم منه محال لذاته، وذلك كغيره من الأمارات من الخبر الواحد والتواتر الظنى الدلالة، إذ لا مانع يقدّر إلا كونه مظنونًا والظاهر الوقوع كإمامة أبى بكر رضى اللَّه عنه، أجمع عليها بقياسها على إمامته فى الصلاة فقيل: "رضيك لأمر ديننا، أفلا نرضاك لأمر دنيانا"، وكتحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه، وإراقة نحو الشيرج إذا وقعتا فيه فأرة قياسًا على السمن وكحد شارب الخمر، وقد أثبته على بالقياس حيث قال: "إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفترين"، وقال عبد الرحمن: هذا حدّ وأقل الحدّ ثمانون. قوله: (وبعضهم الوقوع) قال العلامة: الضمير للمجوزين دون الظاهرية وهو الموافق لأحكام الآمدى، بل للمتن حيث جعل الظاهرية مانعين للجواز. قوله: (قال العلامة: الضمير للمجوزين. . . إلخ) أى وعليه فقول الشارح بعد قوله ومنعه الظاهرية فبعضهم منع الجواز بالفاء التفصيلية ليس على ما ينبغى.

стр. 1026

قال: (مسألة: إذا أجمع على قولين وأحدث قول ثالث منعه الأكثر كوطء البكر، قيل يمنع الرد وقيل مع الأرش، فالرد مجانًا ثالث وكالجد مع الأخ، قيل المال كله، وقيل: المقاسمة، فالحرمان ثالث، وكالنية فى الطهارات، قيل: تعتبر، وقيل فى البعض، فالتعميم فى النفى ثالث، وكالفسخ بالعيوب الخمسة، قيل: يفسخ بها، وقيل: لا، فالفرق ثالث، وكأم مع زوج أو زوجة وأب قيل الثلث، وقيل ثلث ما بقى، فالفرق ثالث والصحيح التفصيل إن كان الثالث يرفع ما اتفقا عليه فممنوع كالبكر والجد والطهارات وإلا فجائز كفسخ النكاح ببعض وكالأم فإنه يوافق فى كل صورة مذهبًا لنا أن الأول مخالفة الإجماع فمنع بخلاف الثانى، كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمى، ولا يصح بيع الغائب، وقيل: يقتل ويصح لم يمنع، يقتل ولا يصح، وعكسه باتفاق، قالوا: فصل ولم يفصل أحد فقد خالف الإجماع، قلنا عدم القول به ليس قولًا بنفيه وإلا امتنع القول فى واقعة تتجدد وتتحقق بمسألتى الذمى والغائب فلا يستلزم تخطئة كل فريق وهم قال الأمة، قلنا المتنع تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه، الآخر اختلافهم دليل أنها اجتهادية. قلنا: ما منعناه لم يختلفوا فيه ولو سلم فهو دليل قبل تقرر إجماع مانع منه، قالوا: لو كان لأنكر لما وقع وقد قال ابن سيرين فى مسألة الأم مع زوج، وأبى بقول ابن عباس، وعكس آخر، قلنا لأنها كالعيوب الخمسة فلا مخالفة لإجماع). أقول: إذا اختلف أهل العصر على قولين لا يتجاوزونهما ثم أحدث من بعدهم قولًا ثالثًا فقد منعه الأكثرون وجوزه الأقلون، وله أمثلة: أحدها: أن يطأ المشترى البكر ثم يجد بها عيبًا فقيل الوطء يمنع الرد، وقيل بل يردها مع أرش النقصان، وهو تفاوت قيمتها بكرًا وثيبًا، فالقول بردها مجانًا قول ثالث. ثانيها: الجد مع الأخ قيل يرث المال كله ويحجب الأخ، وقيل بل يقاسم الأخ فالقول بحرمانه قول ثالث. ثالثها: النية فى الطهارات تيممها ووضوئها وغسلها، قيل: تعتبر فى الكل وقيل فى البعض، فالقول بأنها لا تعتبر فى شئ منها قول ثالث. رابعها: فسخ النكاح بالعيوب الخمسة: الجنون، والجب، والعنة، والرتق،

стр. 1027

والقرن، قيل يفسخ بها كلها، وقيل لا يفسخ بشئ منها، فالفرق وهو القول بأنه يفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث. خامسها: أم مع أب وزوج أو زوجة قيل لها الثلث من أصل المال فى مسألتى الزوج والزوجة، وقيل ثلث ما بقى فيهما، فالفرق وهو القول بأن لها الثلث فى مسألة وثلث الباقى فى مسألة قول ثالث. والصحيح عند المصنِّف التفصيل فقال: إن كان الثالث يرفع شيئًا متفقًا عليه فممنوع وإلا فلا، فالأول كمسألة البكر للاتفاق على أنها لا ترد مجانًا، وكمسألة الجد للاتفاق على أنه يرث، وكالنية للاتفاق على أنها تشترط فى الجملة، والثانى كمسألة فسخ النكاح ببعض العيوب ومسألة الأم لأنه وافق فى كل مسألة مذهبًا، لنا أما أن الأول ممنوع فلأنه إذا رفع مجمعًا عليه فقد خالف الإجماع فلم يجز، وأما أن الثانى غير ممنوع فلأنه لم يخالف إجماعًا ولا مانع سواه فجاز ويوضحه مثال: وهو أنه لو قال بعضهم لا يقتل مسلم بذمى ولا يصح بيع الغائب، وقال الآخرون يقتل، ويصح، فلو جاء ثالث وقال يقتل ولا يصح أو لا يقتل ويصح لم يكن ممتنعًا بالاتفاق لأنهما مسألتان خالف فى إحداهما بعضًا وفى الأخرى بعضًا، وإنما الممنوع مخالفة الكل فيما اتفقوا عليه المانعون مطلقًا. قالوا: أولًا: اتفق الأولون على عدم التفصيل فى العيوب ومسألتى الأم والمحدث للقول الثالث يفصل، فقد خالف الإجماع فلا يجوز. الجواب: لا نسلم اتفاقهم على عدم التفصيل لأن عدم القول بالتفصيل ليس قولًا بعدم التفصيل وإنما يمتنع القول بما قالوا بنفيه لا بما لم يقولوا بثبوته، ولو امتنع لامتنع القول فى كل واقعة تتجدد إذ لم يقولوا فيها بحكم ويتحقق ذلك بمسألتى الذمى والغائب. قالوا: ثانيًا: فيه تخطئة كل فريق فى مسألة وفيها تخطئة كل الأمة، والأدلة السمعية تنفيها. الجواب: أن المنفى تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه، وأما فيما لم يتفقوا عليه بأن يخطئ كل بعض فى مسألة غير ما أخطأ فيه الآخر فلا المخالف الآخر وهو القائل بالجواز مطلقًا. قالوا: اختلافهم دليل على أن المسألة اجتهادية، يسوغ فيها العمل بما يؤدى إليه

стр. 1028

الاجتهاد، فكيف يجعل مانعًا منه؟ الجواب: أن ما قلنا فيه بالمنع اتفقوا على أمر يرفعه القول الثالث، وذلك لم يختلفوا هم فيه فلا تكون اجتهادية ولو سلم فهو دليل على جواز الاجتهاد ما لم يتقرر إجماع مانع عنه، كما لو اختلفوا هم ثم أجمعوا، وقد تقدَّم. قالوا: ثانيًا: لو لم يكن جائزًا لأنكر لما وقع وقد وقع ولم ينكر وذلك لأنه قال الصحابة للأم ثلث ما بقى فى المسألتين، وقال ابن عباس: ثلث الأصل، فأحدث ابن سيرين وغيره قولًا ثالثًا، فقال ابن سيرين فى مسألة الزوج بقول ابن عباس، لها ثلث الأصل، وفى مسألة الزوجة بقول الصحابة لها ثلث الباقى، وعكس تابعى آخر الحكم فيهما ولم ينكر عليهما أحد وإلا لنقل. الجواب: أن ذلك من قسم الجائز ولذلك لم ينكر، فإنه من قبيل الفسخ بالعيوب الخمسة مما لا مخالفة فيه للإجماع. قوله: (بالعيوب الخمسة: الجنون إلخ) ليس على ما ينبغى للاتفاق على أن الاثنين ههنا البرص والجذام، فالمراد خمس فى جانب الزوج البرص والجذام والجنون والجب والعنة وخمس فى جانب الزوجة الثلاثة الأول والرتق والقرن. قوله: (المانعون مطلقًا) أى سواء رفع متفقًا عليه أم لا لم بحتاجوا فيما يرفع متفقًا عليه إلى الدليل لظهوره وكونه مسلمًا عند الخصم فاقتصروا على الدليل فيما لا يرفع متفقًا عليه. قوله: (ويتحقق ذلك) أى ما ذكرنا من أن عدم القول بالتفصيل ليس قولًا بعدم التفصيل وأن الممتنع هو القول بما قالوا بنفيه لا بما لم يقولوا بثبوته بمسألتى أن المسلم لا يقتل بالذمى، وأن بيع الغائب لا يصح، فإنهم لم يقولوا بالفصل ومع ذلك فالتفصيل والقول بأحدهما دون الآخر جائز بالاتفاق وإنما الخلاف فيما إذا أجمعوا على قولين فى مسألة لا فى مسألتين. قوله: (وأما فيما لم يتفقوا عليه فلا) لأن الأدلة لم تقم على ذلك. قوله: (كما لو اختلفوا هم) أى أهل العصر الأول على قولين فإن المسألة اجتهادية ثم إذا أجمعوا أى أهل ذلك العصر على قول ثالث لم تبق اجتهادية وقد تقدَّم فى آخر مسألة التابعى المجتهد بأن تسويغ الصحابة اجتهادهم معهم إنما كان مع اختلافهم.

стр. 1029

قوله: (لو لم يكن جائزًا لأنكر) لأن عادة السلف ترك المسكوت على الباطل ولو أنكر لنقل لتوفر الدواعى على مثله، قال العلامة: هذه الشبهة إنما ترد على الأكثرين، والجواب إنما يتم على رأى القائلين بالفصل، وأما جواب الأكثرين فهو أنه يجوز أن يكون إحداث القول الثالث قبل استقرار الصحابة على القولين أو بعده لكن المخالفة إنما وقعت وقت اتفاقهم على القولين فلم يلزم مخالفة الإجماع فلم ينكر ولو سلم فلا نسلم توفر الدواعى بحيث يلزم النقل البتة. المصنف: (كما لو قيل لا يقتل مسلم. . . إلخ) أى مما كان الخلاف فيه فى مسألتين لا يقال إن مسألة الأم مع زوج وأب أو زوجة وأب مسألتان فلم وقع الخلاف فى إحداث قول ثالث فيها دون الإحداث فى مسألتى لا يقتل مسلم بذمى ولا يصح بيع الغائب، قلت لما كانت الأم فى الصورتين موجودة ولكن تارة معها زوج وتارة زوجة كانت صورة واحدة وهى الأم مع التزوج بخلاف لا يقتل مسلم بذمى ولا يصح بيع الغائب لأنه لا رابط بينهما. المصنف: (وقد قال ابن سيرين فى مسألة الأم مع زوج وأب بقول ابن عباس) أى أن لها ثلث الأصل، قال ابن السبكى: إن هذا أمر يرده العقل والناقل لأنه إذا أعطاها فى مسألة الزوج ثلث الأصل مع أنها تأخذ ضعف الأب لزمه أن يعطى لها ثلث الأصل أيضًا فى مسألة الزوجة بالأولى لأنها إذا أخذته لم تأخذ ضعف الأب ولا مثله بل أنقص بسهم فإذا جاز أن تأخذ ضعف الأب مراعاة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، كان أخذها الثلث كاملًا إذا كان أنقص أولى.

стр. 1030

قال: (مسألة: يجوز إحداث دليل آخر أو تأويل آخر عند الأكثر. لنا لا مخالفة لهم فجاز، وأيضًا لو لم يجز لأنكر ولم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات. قالوا: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، قلنا: مؤول فيما اتفقوا وإلا لزم المنع فى كل متجدد. قالوا: يأمرون بالمعروف، قلنا معارض بقوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، فلو كان منكرًا لنهوا عنه). أقول: إذا استدل أهل العصر بدليل أو أوّلوا تأويلًا فهل لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر لم يقولوا به؟ الأكثرون على أنه جائز وهو المختار، ومنعه الأقلون، هذا إذا لم ينصوا على بطلانه، وأما إذا نصوا فلا يجوز اتفاقًا. لنا قول بالاجتهاد ولا مخالفة فيه لإجماع؛ لأن عدم القول ليس قولًا بالعدم فكان جائزًا، وأيضًا لو لم يكن جائزًا لأنكر لما وقع، واللازم باطل، وذلك أن المتأخرين فى كل عصر لم يزالوا يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لما تقدَّم شائعًا ذائعًا ولم ينكر عليهم وإلا لنقل بل يتمدحون به ويعدّون ذلك فضلًا. قالوا: أولًا: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، لأن سبيل المؤمنين ما تقدَّم وهذا غيره فلا يجوز بالآية. الجواب: أنه وإن كان ظاهرًا فيما ذكرتموه لكنه مؤول بأن المراد واتبعوا غير ما اتفقوا عليه لا ما لم يتعرضوا له وإلا لزم المنع عن الحكم فى كل واقعة تتجدد وأنه باطل بالضرورة والاتفاق، وقد يفرق بأن ما نحن فيه سبيل لهم، ولا سبيل لهم هناك. قالوا: ثانيًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، والمعروف عام لأنه مفرد محلى باللام، فيأمرون بكل معروف فلا يكون معروفًا وإلا لأمروا به فلا يجوز المصير إليه. والجواب: المعارضة بقوله وينهون عن المنكر فلو كان منكرًا لنهوا عنه بعين ما ذكرتم واللازم منتف. قوله: (مؤول فيما اتفقوا) يعنى أن المراد التهديد على اتباع سبيل غير ما اتفقوا عليه وليس هذا إحداث تأويل ليكون من صور محل النزاع بل هو ابتداء تأويل من السلف لئلا يلزم مخالفة الضرورة والمتفق عليه إلا أنه يردّ اعتراضه بأن ههنا

стр. 1031

للمؤمنين سبيلًا هو استدلالهم وتأويلهم السابق فإحداث الآخر يكون اتباعًا لغيره، وأما فى الواقعة المتجددة فإحداث القول إحداث السبيل لا اتباع لغير سبيلهم إذ لا سبيل لهم فيها. قوله: (والجواب المعارضة) والحل بعد تسليم العمومين أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إنما يكون بعد العلم بهما وأما بدون العلم فلا. المصنف: (إحداث دليل آخر) أى إظهاره يريد حيث لم يلزم منه إبطال ما أجمعوا عليه، وقوله أو تأويل آخر أى لا ينافى تأويلهم. المصنف: (قالوا اتبع غير سبيل المؤمنين) أى المحدث لذلك اتبع غير سبيل المؤمنين لأنهم لم يفعلوا ذلك فلا يجوز. المصنف: (قلنا مؤول فيما اتفقوا) أى اتباع سبيلهم يؤول باتباعهم فيما اتفقوا عليه. المصنف: (قالوا تأمرون بالمعروف) أى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٩]، أى فلو كان ما أحدث معروفًا لأمروا به. قوله: (وليس هذا) أى تأويل اتباع غير سبيل المؤمنين باتباع غير ما اتفقوا عليه إحداث تأويل. قوله: (إلا أنه يرد اعتراضه) أى اعتراض الشارح الذى ذكره بقوله وقد يفرق بأن ما نحن فيه. . . إلخ. ردًا لقوله وإلا لزم مخالفة الضرورة والاتفاق فيما يتجدد. قوله: (إنما يكون بعد العلم) أى وهم لم يعلموا هذا الدليل والتأويل اللذين ظهرا بعدهم.

стр. 1032

قال: (مسألة: اتفاق العصر الثانى على أحد قولى العصر الأول بعد أن استقر خلافهم، قال الأشعرى وأحمد والإمام والغزالى ﵏ ممتنع، وقال بعض المجوزين حجة والحق أنه بعيد إلا فى القليل كالاختلاف فى أم الولد ثم زال، وفى الصحيح: أن عثمان رضى اللَّه عنه كان ينهى عن المتعة، قال البغوى ثم صار إجماعًا، الأشعرى العادة تقضى بامتناعه وأجيب بمنع العادة وبالوقوع. قالوا لو وقع لكان حجة فيتعارض الإجماعان لأن استقرار اختلافهم دليل إجماعهم على تسويغ كل منهما، وأجيب بمنع الإجماع الأول، ولو سلم فمشروط بانتفاء القاطع كما لو لم يستقر خلافهم المجوّز وليس بحجة لو كان حجة لتعارض الإجماعان، وقد تقدَّم. قالوا: لم يحصل الاتفاق وأجيب بأنه يلزم إذا لم يستقر خلافهم. قالوا: لو كان حجة لكان موت الصحابى المخالف يوجب ذلك لأن الباقى كل الأمة الأحياء. وأجيب بالالتزام والأكثر على خلافه الآخر لو لم يكن حجة لأدى إلى أن تجتمع الأمة الأحياء على الخطأ والسمعى يأباه، وأجيب بالمنع والماضى ظاهر الدخول لتحقق قوله بخلاف من لم يأت). أقول: إذا اختلف أهل العصر الأول على قولين واتفق أهل العصر الثانى على أحدهما بعد ما استقر خلافهم، وقال كل بمذهب فقد اختلف فيه، فقال الأشعرى وأحمد والإمام الغزالى أنه يمتنع حصوله وجوزه بعضهم ثم اختلف فيه فقال بعضهم حجة وبعضهم ليس بحجة والحق أنه بعيد إلا فى القليل من المسائل يعنى أنه وإن بعد فلا يمتنع مثله وقد يقع قليلًا أنها بعده فلأنه لا يكون إلا عن جلى ويبعد غفلة المخالف عنه، وأما أنه قد وقع فكاختلاف الصحابة فى بيع أمهات الأولاد ثم أجمع من بعدهم على المنع منه، وفى الصحيح أن عمر كان يمنع عن المتعة، أى: متعة الحج إلى العمرة، قال البغوى: ثم صار إجماعًا، أى: صار جوازه مجمعًا عليه. قال الأشعرى: العادة تقضى بامتناع الاتفاق على ما استقر فيه الخلاف إذ لا يزال إحدى الطائفتين تصر على مذهبها. الجواب: منع قضاء العادة فيه ولو امتنع لم يقع، وقد وقع المانعون لوقوعه، قالوا: لو وقع كان حجة لتناول الأدلة له فيتعارض الإجماعان، إجماع هؤلاء على عدم تسويغ الآخر، وإجماع الأولين على تسويغ كل منهما، وأنه محال عادة.

стр. 1033

والجواب: لا نسلم الإجماع الأول، أى اتفاق الأولين على تسويغ كل منهما إذ كل فرقة تجوز ما تقول به وتنفى الآخر ولو سلم فربما أجمعوا على تسويغ كل منهما ما لم يوجد قاطع يمنع ذلك، وقد وجد القاطع، وهو الإجماع فلا تعارض، وهذا كما لو لم يستقر خلافهم إذ فى زمن الخلاف يجوزون الأخذ بكل واحد، وما ذكرتم يجرى فيه بعينه فما هو جوابكم فهو جوابنا، ولهم أن يفرقوا بأن ذلك تجويز ذهني بأنه يمكن أن يكون ما يجب العمل به هذا وذاك مع تجويز أن يظهر بطلان أحدهما، وهذا تجويز وجودى، بمعنى أنه يجوز العمل بهما معًا. والمجوزون لوقوعه المانعون لحجيته قالوا: أولًا: لو كان حجة لتعارض الإجماعان، وقد تقدَّم تقريرًا وجوابًا. قالوا: ثانيًا: لم يحصل اتفاق الأمة لأن فيه قولًا مخالفًا لأن القول لا يموت بموت صاحبه فلا إجماع. الجواب: أنه منقوض بما إذا لم يستقر خلافهم فإنه يجرى فيه وهو حجة اتفاقًا، وقد يجاب بأن ما لم يستقر عليه رأى فليس قولًا لأحد عرفًا. قالوا: ثالثًا: لو كان حجة لكان موت بعض الصحابة المخالفين للنافين القائلين بقول واحد يوجب ذلك أى إجماعًا هو حجة وذلك لأن الباقين كل الأمة الأحياء فى ذلك العصر وهو المعتبر إذ لا عبرة بالميت، واللازم باطل اتفاقًا. الجواب: الالتزام بحقية اللازم، وإن كان الأكثر على خارفه، وأما على رأى الأكثر فالجواب أن قول النافين قول من قد خولف فى عصرهم بخلاف صورة النزاع والمخالف الآخر وهو القائل بحجيته، قالوا لو لم يكن حجة لأدى إلى أن يجتمع كل الأمة الأحياء فى عصر على الخطأ واللازم منتف للأدلة السمعية. والجواب: بمنع انتفاء اللازم لأن الأحياء ليسوا كل الأمة ومن مضى من الأمة ظاهر الدخول فى الأمة، لأن له قولًا محققًا لا يموت بموته، فإن قلت: فليدخل من لم يأت أيضًا، قلنا: الفرق ظاهر فإن من لم يأت لا هو متحقق ولا قوله فلا قوله: (إلا فى القليل) من المسائل هذا هو الظاهر من وضع التمثيل ببيع أمهات الأولاد، وما ذكر فى الصحيح وأكثر الشارحين على أن المراد إلا فى المخالف القليل، فإن قيل هذا الاتفاق إنما يكون عن جلى أو قاطع ويمتنع عادة غفلة الكثير

стр. 1034

عنه بخلاف ما إذا كان المخالف قليلًا فإنه ليس حينئذٍ مما غفل عنه الكثير وربما يعترض على ما ذكره المحقق بمنع غفلة المخالف عن ذلك الجلى مطلقًا بل إذا كان كثيرًا. قوله: (ثم أجمع من بعدهم على المنع منه) اعترض الآمدى بأن مذهب على رضى اللَّه عنه جواز بيعهن وهو لم يزل بل عليه جميع الشيعة وهو أحد قولى الشافعى، والجواب: أن هذا إنما يرد لو لم يكن عصرًا خاليًا عن مجتهد قائل بجوازه وفى شرح السنة ما يشير إلى أنه وقع الاتفاق من على أيضًا على عدم جواز بيعهن. قوله: (وفى الصحيح أن عمر) فى نسخ المتن أن عثمان وجمهور الشارحين على أن المراد نكاح المتعة وهو أن تنكح المرأة إلى مدة فإذا انقضت بانت، وأن قول البغوى هو أن تحريمه صار إجماعًا على ما قال فى شرح السنة اتفق العلماء على تحريم نكاح المتعة وهو كالإجماع بين المسلمين، وذهب بعضهم إلى أن قوله ثم صار إجماعًا من كلام المصنِّف وقول البغوى هو أن فى الخبر الصحيح أن عثمان كان ينهى عن المتعة هو بعيد جدًا وليس يوجد هذا فى شئ من كتب البغوى والمذكور فى كتاب الصحيح وشرح السنة أن النبى ﷺ نهى عن متعة النساء رواية عن على رضى اللَّه عنه وغيره من الصحابة وليس فيهما أن عثمان أو عمر كان ينهى عن ذلك فذهب الشارح المحقق إلى أن المراد متعة الحج وهو الحق لما ذكر فى صحيح البخارى أن مروان بن الحكم قال شهدت عثمان وعليًا رضى اللَّه عنهما وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى على أهل بهما لبيك بعمرة وحجة، قال: "ما كنت لأدع سنة النبى بقول واحد"، وأن سعيد بن المسيب قال: اختلف على وعثمان وهما بعسفان فى المتعة فقال على: "ما نريد أن ننهى عن أمر فعله رسول اللَّه ﷺ "، فلما رأى ذلك على رضى اللَّه عنه أهل بهما جميعًا، وقال الإمام البغوى فى شرح السنة: هذا اختلاف محكى وأكثر الصحابة على جوازهما واتفقت الأمة عليه، وقال أيضًا: اتفقت الأمة فى الحج والعمرة على جواز الإفراد والتمتع والقران، فظهر أن الصواب أن عثمان كان ينهى على ما فى المتن دون عمر على ما فى الشرح، وكأنه اعتبر ما يروى أن عمر رضى اللَّه عنه كان يقول: "ثلاث كن على عهد رسول اللَّه ﷺ ، أنا أحرمهن، وأنهى عنهن: متعة

стр. 1035

الحج، ومتعة النكاح، وحى على خير العمل" وما ذكر فى شرح السنة أنه روى عن عمر النهى أيضًا لكن على هذا لا يكون المراد كتاب الصحيح إذ لا يوجد هذا فيه ثم فى قوله: متعة الحج إلى العمرة حزازة، والصواب: متعة العمرة إلى الحج، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهو أن يحرم من مسافة القصر من الحرم بالعمرة من ميقات ثم بعد الإتيان بأعمال العمرة يحرم بالحج فى تلك السنة من مكة بلا عود إلى ميقات. قوله: (ولهم) أى للمانعين (أن يفرقوا) بين التجويزين بأن تجويز الأخذ بكل واحد قبل استقرار الخلاف تجويز ذهنى بمعنى أن العقل يجوز أن يكون ما يجب العمل به هذا كما يجوز أن يكون ذلك مع تجويز أن يظهر بطلان أحدهما بالكلية وحقية الآخر على القطع بخلاف التجويز بعد استقرار الخلاف فإنه وجودى، بمعنى أن للعامل أن يعمل بهذا كما أن له أن يعمل بذاك وأن تعمل طائفة بهذا وطائفة بذاك فحيث جاز ظهور بطلان العمل بأحدهما جاز الاتفاق على الطرف الآخر وحيث لم يجز لم يجز. قوله: (لتعارض الإجماعان) أى الإجماع على جواز الأخذ بكل من القولين والإجماع على تعين أحدهما وتحقيق الجواب: أى جواب الأخذ بكل منهما مشروط بعدم ظهور القاطع فى أحدهما وهذا الشرط لا يوجد بعد تحقيق الإجماع الثانى لكونه قاطعًا. قوله: (قالوا ثانيًا) صريح المتن أن هذا دليل ثان وإن كان ظاهره نقضًا ومنعًا لا سبق من تعارض الإجماعين وحاصله أن اتفاق العصر الثانى ليس اتفاق كل الأمة لبقاء القول المخالف وإن لم يبق قائله، فلا يكون إجماعًا فلا يكون حجة لأن الحجة عندهم ما لا يكون له مخالف ولو نادرًا، والجواب: أنه لو صح هذا لزم أن لا يكون اتفاقهم قبل استقرار الخلاف حجة لبقاء القول المخالف، وقد يدفع هذا الجواب بأنه لا قول لأحد قبل استقرار الخلاف إذ يقال عرفًا لم يقولوا بشئ بل بقوا متوقفين فلا يتحقق مع الاتفاق قول مخالف وذلك لأن معنى عدم استقرار الخلاف أن يكون خلافهم وأقوالهم على طريق البحث عن المأخذ كما جرت به عادة النظار قبل اعتقاد حقية من الطرفين. قوله: (بخلاف صورة النزاع) فإنه قول جماعة لم يخالفهم فى عصرهم أحد إذ

стр. 1036

بحث المخالف إنما كان فى العصر السابق ومبنى ذلك على أن لا عبرة بالميت وأن القول يموت بموت صاحبه وإلا فالمخالف وهو القول موجود فى عصرهم وإذا لم يعتبر بالميت فقد تم الإلزام والحاصل أنه إن اعتبر بالميت لم يتم الجواب وإن لم يعتبر لم يتوجه الجواب لعدم القدح فى شئ من المقدمات. (*) المصنف: (بعد أن استقر خلافهم) أى خلاف أهل العصر الأول. المصنف: (إلا فى القليل) استثناء منقطع أى لكن وقع قليلًا والوقوع قليلًا لا ينافى البعد. قوله: (وما ذكر فى الصحيح) عطف على قوله من وضع التمثيل. قوله: (فإن قيل هذا الاتفاق) تحريف وصوابه فإنه قبل هذا الاتفاق. قوله: (بأن مذهب على رضى اللَّه عنه جواز بيعهن وهو لم يزل. . . إلخ) يعنى أن دعوى إجماع من بعد العصر الأول على المنع من البيع ممنوع للقول بالجواز الذى عليه جمع من الشيعة. قوله: (والحق أن هذا إنما يرد لو لم يكن عصر خال عن مجتهد قائل بجوازه) أى حتى لا يتحقق إجماع على عدم الجواز أما إن كان عسر خال عن ذلك فقد تحقق الإجماع على عدم الجواز وقوله وفى شرح السنة ما يشير إلى أنه وقع الاتفاق من على أيضًا على عدم جواز بيعهن تأييدًا لمنع الاعتراض بعدم الإجماع لكن يرد عليه أن المجمعين عليه هم أهل الصدر الأول بعد استقرار خلافهم وهى المسألة الآتية بعد. قوله: (فحيث جاز ظهور بطلان العمل بأحدهما) أى كما فيما لم يستقر فيه خلافهم وقوله وحيث لم يجز أى كما فيما استقر خلافهم فيه. قوله: (فقد تم الإلزام) أى إلزام الإجماع والحجة لقول الباقين من الصحابة بعد موت المخالف لهم منهم على تقدير أن اتفاق أهل العصر الثانى على أحد القولين اللذين استقر الخلاف عليهما من أهل العصر الأول إجماع وحجة. قوله: (لم يتم الجواب) أى لأن صورة النزاع يقال فيها إن قول المخالف موجود فى عصرهم.

стр. 1037

قوله: (لم يتوجه الجواب) أى الجواب من طرف الأكثرين عن احتجاج القائل بنفى الحجة. قوله: (لعدم القدح فى شئ من المقدمات) أى مقدمات دليل القائل بنفى الحجة وهو أنه لو كان حجة لكان موت بعض الصحابة المخالف للباقين القائلين بقول واحد يوجب الإجماع والحجة، واللازم باطل فالجواب لا يتوجه على هذا الدليل ولا يقدح فى شئ من مقدماته حيث كان لا عبرة بالميت وإنما يكون الجواب بأن اللازم ليس بباطل بل حق ونلتزم ذلك اللازم.

стр. 1038

قال: (مسألة: اتفاق العصر عقيب الاختلاف إجماع وحجة ليس ببعيد، وأما بعد استقراره فقيل ممتنع، وقال بعض المجوزين حجة وقال من اشترط انقراض العصر قال إجماع، وهى كالتى قبلها إلا أن كونها حجة أظهر لأنه لا قول لغيرهم على خلافه). أقول: إذا اختلف أهل العصر ثم اتفقوا هم بعينهم عقيب الاختلاف من غير أن يستقر الخلاف فإجماع وحجة، وأنه ليس ببعيد، وأما بعد استقرار الخلاف فقيل: إنه ممتنع وقيل إنه جائز والمجوزون قد اختلفوا فقيل حجة وقيل ليس بحجة، وكل من اعتبر فى الإجماع انقراض العصر جوزه، وقال إنه إجماع إذا انقرض عصرهم، وهذه المسألة كالتى قبلها استدلالًا وجوابًا إلا أن كونه حجة ههنا أظهر مما قبلها لأن ههنا لا قول لغيرهم مخالفًا لهم، وقولهم بعد ظهور خطئه والرجوع عنه لم يبق معتبرًا فهو اتفاق كل الأمة بخلاف ما قبلها فإنه إذا اعتبر من خالفهم من الموتى فهم بعض الأمة. قوله: (وقال من اعتبر) يعنى لما وقع منهم الاتفاق فى العصر الذى استقر فيه الاختلاف لم يكن اختلافهم إجماعًا على تجويز الأخذ بكل من القولين لعدم انقراض العصر فلم يكن اتفاقهم رفعًا لمجمع عليه.

стр. 1039

قال: (مسألة: اختلفوا فى جواز عدم علم الأمة بخبر أو دليل راجح إذا عمل على وفقه المجوز ليس إجماعًا كما لو لم يحكموا فى واقعة النافى اتبعوا غير سبيل المؤمنين). أقول: هل يجوز أن لا يعلم جميع أهل العصر خبرًا أو دليلًا راجحًا على حكم ما، أما إذا لم يعملوا على وفقه لمعارض فلا لأنه اجتماع على الخطأ، وأما إذا عملوا على وفقه مصيبين فى الحكم فقد اختلف فى جوازه فقال المجوز ليس بإجماع على عدمه فيكون خطأ فإن عدم القول غير القول بالعدم وذلك كما لم يحكموا فى واقعة فإنه لا يكون قولًا بعدم الحكم فيها، وقال النافى للجواز الدليل الراجح هو سبيل المؤمنين وقد عملوا بغيره فقد اتبعوا غير سبيل المؤمنين. الجواب: تأويله بما اتفقوا فيه كما تقدَّم وقل يقال ليس هو سبيل المؤمنين بل من شأنه أن يكون سبيلهم. قوله: (على حكم ما) متعلق بقوله خبرًا أو دليلًا وقوله راجحًا صفة لكل منهما ومعنى الرجحان عدم المعارض له على ما صرح به فى المنتهى يعنى معارضًا يساويه ويكافئه وهذا لا ينافى قوله إذا لم يعملوا على وفقه لمعارض لأن معناه ما يدل على نفى ذلك الحكم وإن كان مرجوحًا وكأنه أراد بدليل القياس والاجتهاد أو ما يفيد العلم القطعى فلا يتناول الخبر وقوله فيكون خطأ منصوب على أنه جواب النفى أى إذا عملوا على وفق الخبر أو الدليل لكن بدليل آخر من غير اطلاع على ذلك الخبر أو الدليل فهذا ليس إجماعًا على عدمه ليكون خطأ. قوله: (وقد عملوا بغيره) أى غير ذلك الدليل الراجح الذى هو سبيل المؤمنين وإن كان عملهم على وفقه فإن مجرد موافقة الحكم للدليل ليس اتباعًا له بل إذا أخذوه منه، والجواب: أن السبيل الذى يحرم اتباع غيره هو ما اتفقوا فيه وهذا الدليل الراجح ليس كذلك وقد يقال أيضًا إن هذا الراجح إنما يكون سبيلًا للمؤمنين إذا سلكوه وعملوا به وأما قبل ذلك فهو بصدد أن يصير سبيلًا لهم وبهذا التقرير سقط ما ذكره العلامة فى تقرير الدليل الثانى من أنه لو جاز عدم علمهم بالراجح لحرم عليهم تحصيل العلم به لأن عدم العلم حينئذٍ يكون سبيل المؤمنين والعلم غيره فيحرم طلبه وتحصيله فاعترض بأن عدم العلم ليس سبيلًا بل السبيل ما اختاره الإنسان من قول أو عمل.

стр. 1040

قال: (مسألة: المختار امتناع ارتداد كل الأمة سمعًا لنا دليل السمع، واعترض بأن الارتداد يخرجهم ورد بأنه يصد أن الأمة ارتدت وهو أعظم الخطأ). أقول: يمتنع ارتداد كل الأمة فى عصر من الأعصار سمعًا، وإن جاز عقلًا، وقال بعضهم يجوز. لنا أدلة الإجماع السمعية لأنه اجتماع على الضلالة فإن الردة ضلالة، وأي ضلالة! وقد اعترض عليه بأن الردة تخرجهم عن أن تتناولهم تلك الأدلة لأنهم إذا ارتدوا لم يكونوا أمة. والجواب: أنه يصدق أن أمة محمد ﵊ ارتدت قطعًا وهو أعظم الخطأ فيمتنع. قوله: (قطعًا) يعنى بصدق ذلك قطعًا وذلك أن الحكم بالشئ على الشئ قد يكون باعتبار ثبوته له فيمتنع تنافى وصفى الموضوع والمحمول فلا يصح الأمة مرتدة إلا مجازًا باعتبار كونهم أمة فيما مضى وقد يكون باعتبار حدوثه له فلا يمتنع فيصح ارتدت الأمة حقيقة فيلزم الإجماع على الخطأ، وتحقيق ذلك أن زوال اسم الأمة عنهم لما كان بارتدادهم كان متأخرًا عن الارتداد بالذات فعند حصول الارتداد وحدوثه صدق عليهم الاسم حقيقة فتتناولهم الأدلة السمعية.

стр. 1041

قال: (مسألة: مثل قول الشافعى رضى اللَّه عنه أن دية اليهودى الثلث لا يصح التمسك بالإجماع فيه، قالوا اشتمل الكامل والنصف عليه، قلنا فأين نفى الزيادة فإن أبدى مانع أو نفى شرط أو استصحاب فليس من الإجماع فى شئ). أقول: قد ظن بعض الناس أن قول الشافعى ﵀: دية اليهودى هو الثلث يصح التمسك فيه بالإجماع، لأن الأمة لا تخرج عن القائل بالكل والنصف وبالثلث، فالكل قائلون بالثلث وهو ليس بصحيح لأن قوله يشتمل على وجوب الثلث ونفى الزائد والإجماع لم يدل على نفى الزائد بل على وجوب الثلث فقط، وهو بعض المدعى ولا بد فى نفى الزيادة من دليل آخر، فإن أبدى وجود مانع أو انتفاء شرط أو عدم الأدلة فيستصحب الأصل، أو غير ذلك فليس من الإجماع فى شئ، فلم يكن إثباته بالإجماع وهو المدعى. قوله: (فيستصحب الأصل) وهو براءة الذمة وعدم وجوب الشئ ما لم يقم الدليل. قوله: (أو غير ذلك) كدليل من نص أو قياس على عدم وجوب الزائد.

стр. 1042

قال: (مسألة: يجب العمل بالإجماع المنقول بخبر الآحاد وأنكره الغزالى. لنا نقل الظنى موجب فالقطعى أولى، وأيضًا نحن نحكم بالظاهر، قالوا إثبات أصل بالظاهر، قلنا المتمسك الأول قاطع والثانى يبتنى على اشتراط القطع والمعترض مستظهر من الجانبين). أقول: الإجماع المنقول بخبر الآحاد هل يجب العمل به؟ الحق أنه يجب وأنكره الغزالى وبعض الحنفية لنا نقل الدليل الظنى الدلالة كالخبر الواحد يجب العمل به قطعًا فنقل الدليل القطعى الدلالة أولى بأن يجب العمل به، ولنا أيضًا أنه ﵊ قال نحن نحكم بالظاهر، ويدخل فيه ذلك لظهوره، وإفادته الظن، وقد تمنع إفادة الظن لبعد اطلاعه على إجماعهم دون غيره كما نقلناه عن أحمد، قالوا على هذين الدليلين أنهما من قبيل الظواهر لأنه قياس على خبر الواحد، وقد أردتم إثبات أصل كلى به وهو العمل بالإجماع المظنون ثبوته، والأصول لا تثبت بالظواهر لوجوب القطع فى العمليات. والجواب: أن تمسكنا بالمتمسك الأول فهو قاطع لأنه إثبات له بالطريق الاولى وأنه قطعى وأن تمسكنا بالثانى فلا شك أنه ظاهر فتنبنى صحته على أنه هل يشترط القطع فى الأصول أم لا وعليه دلائل واعتراضات مشكلة من الجانبين وسواء استدل المستدل على عدم اشتراطه أو على اشتراطه فالقوة للمعترض لضعف الأدلة وهذا معنى قوله والمعترض مستظهر من الجانبين. قوله: (فالقطعى أولى) لأن الضرر فى مخالفة المقطوع أكثر واحتمال الغلط لا يقدح فى وجوب العمل كما فى خبر الواحد. قوله: (وقد تمنع) اعترض على الدليل الثانى أوّلًا يمنع عموم الظاهر، وثانيًا بأنه لا دلالة على وجوب العمل، وثالثًا: بما ذكره الشارح وهو أنا لا نسلم أن الإجماع المنقول بخبر الآحاد يفيد الظن إذ يبعد اطلاع الناقل الواحد على إجماعهم من غير أن يطلق عليه غيره فإنه أمر مشهور متعلق بجمع كثير ليس كالإخبار. قوله: (أنهما من قبيل الظواهر) أما الأول فلأنه قياس على خبر الواحد والقياس ظاهر ظنى، وأما الثانى: أعنى: قوله ﵊: "نحن نحكم بالظاهر" فلأنه خبر واحد بصيغة العموم ولظهور كونه من قبيل الظواهر لم يتعرض له.

стр. 1043

قوله: (والمعترض مستظهر من الجانبين) قال العلامة يعنى من جانبى النافى والمثبت لوجوب العمل بالإجماع المنقول بالآحاد أما من جهة النافى فيمنع أن كل ظنى موجب، وأما من جهة المثبت فيمنع ثبوت امتناع ثبوت الأصل بالظواهر ومثل هذا الاستظهار جار فى أكثر المسائل اللهم إلا أن يقال المراد أن المعترض مستظهر فى الاعتراض على الدليل الثانى من جانب من يشترط القطع فى الأصول، ومن لا يشترط لأنه إن شرط منع اعتباره فيه وإن لم يشرط منع دلالة الحديث عليه بناء على منع كون الكلام للعموم وما ذكره المحقق سديد وحاصله أن اشتراط القطع فى الأصول ولا اشتراطه فى محل التوقف لأن أدلة الإثبات والنفى ضعيفة ووجوه المنع والدفع قوية هذا ولكن ظاهر كلام الأصول أن المراد بالجانبين جانبا المستدل على الإثبات والمستدل على النفى فى مسألة ثبوت الإجماع بخبر الواحد قال الآمدى وبالجملة المسألة دائرة على اشتراط قطعية دليل الأصل وعدمه فمن اشترط منع كون خبر الواحد مفيدًا فى نقل الإجماع ومن لم يشترط لم يمنع والظهور فى هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل. المصنف: (فالقطعى أولى) أى لأن الأول مظنون بحسب النقل والجنس، والثانى مظنون بحسب النقل مقطوع بحسب الجنس. المصنف: (نحن نحكم بالظاهر) ووجه دلالته أن الأمة مثله فى ذلك لأن الحديث ذكر فى معرض تعليم الأحكام والظاهر يتناول الإجماع المنقول بطريق الآحاد لأن اللام للاستغراق وحديث نحن نحكم بالظاهر لا يعرفه المحدثون لكن معناه لا خلاف فيه ففى الصحيح أن النبى ﷺ قال: "إنما أقضي بنحو مما أسمع" وروى أن العباس قال: يا رسول اللَّه كنت مكرهًا يوم بدر، فقال النبى ﷺ : "أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى اللَّه". المصنف: (إثبات أصل) هو هنا وجوب العمل بالإجماع المنقول بخبر الآحاد وقوله بالظاهر أى بالدليل الغير القطعى وهو القياس على العمل بخبر الآحاد، وحديث نحن نحكم بالظاهر الذى يدخل فيه الإجماع المنقول بطريق الآحاد بناء على جعل "ال" للاستغراق كما هو ظاهر اللفظ.

стр. 1044

المصنف: (ينبنى على اشتراط القطع) أى فى أدلة الأصول فمن شرط القطع فيها منع إثبات الأصل بالظاهر فمنع إثبات وجوب العمل بالإجماع المنقول بالآحاد بالحديث المذكور أعنى نحن نحكم بالظاهر ومن لم يشترط لم يمنع فلم يمنع إثبات وجوب العمل بالإجماع المذكور بالحديث المذكور. المصنف: (والمعترض مستظهر من الجانبين) أى قوى متمكن من الجانبين. الشارح: (وهو العمل بالإجماع) أى وجوب العمل بالإجماع. قوله: (يمنع عموم الظاهر) رد بأن كونه عامًا هو الحقيقة لأنه معرف بـ "ال" وهو حقيقة فى العموم، وقوله وثانيًا بأنه لا دلالة على وجوب العمل أى بل غايته الجواز مردود بأن العمل بالظاهر اختلف فيه بين الوجوب والحرمة فإذا انتفت الحرمة ثبت الوجوب. قوله: (ومثل هذا الاستظهار) وهو التمكن من الاعتراض على دليل النفى والاعتراض على دليل الإثبات جار فى أكثر المسائل فيعترض على الطرفين فى أكثرها فلا خصوصية لهذه المسألة بذلك فما وجه ذكر ذلك أعنى قوله والمعترض مستظهر من الجانبين فيها. قوله: (منع اعتباره فيه) أى اعتبار الدليل الثانى فى التمسك بوجوب العمل بالإجماع المنقول بخبر الواحد لأن الدليل الثانى ظاهر ولا يصح التمسك بالظاهر فى الأصول. قوله: (ولكن ظاهر كلام الأصول. . . إلخ) أى فالحل الأول هو الموافق لكلام أهل الأصول وإن ورد عليه إن ذلك جار فى أكثر المسائل. قوله: (قال الآمدى) استدلال على أن كلام الأصول على ما يوافق الحل الأول لكن الآمدى لم يختر شيئًا فعبارته بقوله والمعترض مستظهر من الجانبين ناشئة عن عدم اختياره، وأما المصنف فقد اختار أنه يجب العمل بالإجماع المنقول بخبر الآحاد ثم تبعه فى قوله والمعترض مستظهر من الجانبين.

стр. 1045

قال: (مسألة: إنكار حكم الإجماع القطعى ثالثها المختار أن نحو العبادات الخمس يكفر). أقول: إنكار حكم الإجماع الظنى ليس بكفر إجماعًا، وأما القطعى ففيه مذاهب أحدها: كفر، ثانيها: ليس بكفر، ثالثها: وهو المختار أن نحو العبادات الخمس مما علم بالضرورة من الدين يوجب الكفر اتفاقًا، وإنما الخلاف فى غيره والحق أنه لا يكفر هكذا أفهم هذا الموضع فإنه مصرح به فى المنتهى. قوله: (هكذا أفهم هذا الوضع) إنما قال ذلك لأن ظاهر كلام المتن والشروح وأحكام الآمدى أن فى المسألة ثلاثة مذاهب الأول التكفير مطلقًا، الثانى عدم التكفير مطلقًا، الثالث: وهو المختار التفصيل بأن حكم الإجماع إن كان مما علم كونه من الدين بالضرورة فإنكاره يوجب الكفر وإلا فلا، ولا خفاء فى أنه لا يتصور من المسلم القول بأن إنكار ما علم كونه من الدين بالضرورة لا يوجب الكفر، فلذا قال فى المنتهى أما القطعى فكفر به بعض وأنكره بعض، والظاهر أن نحو العبادات الخمس والتوحيد مما لا يختلف وهو صريح فى أن إطلاقه إنما هو فى غير ما علم بالضرورة كونه من الدين لكن جعل الثالث على هذا التقرير مذهبًا ليس على ما ينبغى. المصنف: (إنكار حكم الإجماع) أى الحكم الذى ثبت بالإجماع وأجمع عليه، أما إنكار نفس الإجماع وأنه ليس حجة فإن كان المنكر حجية الإجماع السكوتى والإجماع الذى لم ينقرض عصره ونحو ذلك من الإجماعات التى اختلف العلماء المعتبرون فى انتهاضها حجة فلا ريب أنا لا نكفره وإن كان المنكر حجية الإجماع أصلًا وإن اللَّه لم يشرع الاحتجاج به أصلًا فمنكره مبتدع والقول فى تكفيره كالقول فى تكفير أهل البدع.

стр. 1046

قال: (مسألة: التمسك بالإجماع فيما لا تتوقف صحته عليه صحيح كرؤية البارئ ونفى الشريك ولعبد الجبار فى الدنيوية قولان لنا دليل السمع). أقول: لا يصح التمسك بالإجماع فيما تتوقف حجية الإجماع عليه كوجود البارئ وصحة الرسالة ودلالة المعجزة لأنه دور، وأما غيره فإن كان دينيًا صح اتفاقًا كرؤية البارئ ونفى الشريك، وإن كان دنيويًا صح خلافًا للقاضى عبد الجبار من المعتزلة، فإن له فيه قولين وذلك كالآراء والحروب، لنا دليل السمع فإنه عام لا يفرق بينهما. المصنف: (كرؤية البارئ ونفى الشريك) أى لأن العلم يكون بالإجماع حجة لا يتوقف على العلم بهما لأنه يمكننا أن نعلم حجية الإجماع قبل علمنا بهما.

стр. 1047

(مباحث الخبر) قال: (ويشترك الكتاب والسنة والإجماع فى السند والمتن، فالسند الإخبار عن طريق المتن، والخبر قول مخصوص للصيغة والمعنى، فقيل لا يحدّ لعسره، وقيل لأنه ضرورى من وجهين: الأول: أن كل واحد يعلم أنه موجود ضرورة، فالمطلق أولى والاستدلال على أن العلم ضرورى لا ينافى كونه ضروريًا بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة، ورد بأنه يحصل ضرورة ولا نتصوره أو يتقدم تصوره والمعلوم ضرورة ثبوتها أو نفيها وثبوتها غير تصورها، الثانى: التفرقة بينه وبين غيره ضرورة وقد تقدَّم مثله، قال القاضى والمعتزلة الخبر الكلام الذى يدخله الصدق والكذب، واعترض بأنه يستلزم اجتماعهما، وهو محال لا سيما فى خبر اللَّه، أجاب القاضى بصحة دخوله لغة، فورد أن الصدق الموافق للخبر، والكذب نقيضه، فتعريفه به دور ولا جواب عنه، وقيل التصديق أو التكذيب فيرد الدور، وأن الحدّ يأبى أو وأجيب بأن المراد قبول أحدهما وأقربها قول أبى الحسين كلام يفيد بنفسه نسبة قال بنفسه ليخرج نحو قائم لأن الكلمة عنده كلام وهى تفيد نسبة مع الموضوع، ويرد عليه بأن قم ونحوه فإنه كلام يفيد بنفسه نسبة إما أن القيام منسوب وإما لأن الطلب منسوب والأولى الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية ويعنى الخارج عن كلام النفس فنحو طلبت القيام حكم بنسبة لها خارجى بخلاف قم ويسمى غير الخبر إنشاء وتنبيهًا، ومنه الأمر، والنهى، والاستفهام، والتمنى، والترجى، والقسم، والنداء). أقول: قد بحث عن الكتاب والسنة والإجماع باعتبار ما يختص بكل واحد من السائل ثم إن الثلاثة تشترك فى السند والمتن، فالمتن ما تضمنه الثلاثة من أمر ونهى وعام وخاص ومجمل ومبين، ومنطوق ومفهوم، ونحوها، والسند هو الإخبار عن طريق المتن، من تواتر أو آحاد مقبول أو مردود، ولا شك أن الطريق إلى الشئ مقدم عليه طبعًا فقدمه وضعًا فالخبر نوع مخصوص من القول ويقال للصيغة وهو قسم من الكلام اللسانى وللمعنى وهو قسم من الكلام النفسانى ثم اختلف فى تحديده فقيل لا يحدّ لعسره وقد تقدَّم مثله فى العلم، وقيل لأنه ضرورى من وجهين:

стр. 1048

أحدهما: أن كل أحد يعرف أنه موجود وهذا خبر خاص، وإذا كان الخبر المقيد ضروريًا فالخبر المطلق الذى هو جزؤه أولى أن يكون ضروريًا وربما يقال الاستدلال على كونه ضروريًا ينافى كونه ضروريًا لأن الضرورى لا يقبل الاستدلال ويجاب عنه بأن كون العلم ضروريًا كيفية لحصوله وأنه يقبل الاستدلال عليه، والذى لا يقبله هو نفس الحصول الذى هو معروض الضرورة فإنه يمتنع أن يكون حاصلًا بالضرورة وبالاستدلال لتنافيهما. والجواب: أنه لا يلزم من حصول أمر تصوره إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصور حصوله فيتصور وهو غير حاصل، وإذا ثبت التغاير فنقول المعلوم ضرورة نسبة الوجود إليه إثباتًا وهو غير تصور النسبة التى هى ماهية الخبر فلا يلزم أن تكون ماهية الخبر ضرورية. ثانيهما: التفرقة بين الخبر وبين غيره من الطلب بأقسامه ونحوه ضرورة، ولذلك يورد كل فى موضعه ويجاب عن كل بما يستحقه ولولا العلم ضرورة لما كان كذلك. الجواب: قد تقدَّم وهو أن التميز حصول النسبة لا تصورها فيلزم كون الحصول ضروريًا دون التصور فهذا محمل صحيح، وإن كان ظاهر كلامه يوهم أنه ظن أن قد أورد هذا السؤال فى العلم وأجاب عنه كما فعله فى المنتهى. وأما القائلون بتحديده فقد اختلفوا فيه فقال القاضى والمعتزلة: الكلام الذى يدخله الصدق والكذب واعترض عليه بأن الواو للجمع فيلزم الصدق والكذب معًا فيه، وذلك محال، فيلزم أن لا يوجد خبر وأيضًا فيرد كلام اللَّه سواء أريد الاجتماع أو اكتفى بالاحتمال؛ لأنه لا يحتمل الكذب، وأجاب القاضى بأن المراد دخوله لغة أى لو قيل فيه صدق أو كذب لم يخطأ لغة وكل خبر كذلك، وإن امتنع صدق البعض أو كذبه عقلًا فاندفع ذلك لكن يرد عليه أن الصدق لغة الخبر الموافق للمُخبر به والكذب خلافه، وهو الخبر المخالف للمُخبر به، وبهذا عرفهما أهل اللغة، فهما لا يعرفان إلا بالخبر فتعريفما الخبر بهما دور وارتضاه المصنِّف، وقال: لا جواب عنه، وله أن يمنع أنهما لا يعرفان إلا به بل هما ضروريان أو هما المطابق نفسيه لمتعلقه وخلافه وإمكان ذكره فى تعريفهما لا يضر إذ يمكن فى كل خاصة، اللهم إلا أن يقصد إلزامهم حيث عرفوه بذلك ولذلك قال فورد بالفاء

стр. 1049

ففرع وروده على إرادة صحتهما لغة، فتأمل وربما عدل بعضهم عن قولهم يحتمل الصدق والكذب، فقال يحتمل التصديق أو التكذيب هربًا من ذلك ولا ينفعه إذ يرد عليه أنهما الحكم بالصدق والكذب، فما فعل إلا أن وسع الدائرة، قيل بل الحكم الأخبار فزاد أن عرفه بنفسه، ويرد سؤال آخر وهو أن الحد للإيضاح وهو ينافى أو فإنها للترديد وأنه يوجب الإبهام. والجواب: أن المراد بأو ليس هو أن أحدهما واقع ولا نعلمه فيأتى الإبهام بل قبوله لأحدهما فأيهما وقع فهو الخبر ولا إبهام فيه، وأقرب الحدود قول أبى الحسين كلام يفيد بنفسه نسبة قال وإنما قال بنفسه ليخرج نحو قائم فإنه كلام عنده فإنه عرّف الكلام بأنه المنتظم من الحروف المتميزة المتواضع عليها وهو يشتمل الكلمة وغيرها، وهى أى قائم وضارب وعالم مما يتناوله نحوه تفيد نسبة ولكن لا بنفسها بل مع موضوعها ويرد عليه باب "قم" ونحوه من أقسام الطلب فإنه كلام بالاصطلاحات كلها ويفيد بنفسه من غير ضميمة لأنها جملة تامة نسبة ما بأحد اعتبارين إما لأن القيام منسوب إلى زيد لأن المطلوب هو القيام المنسوب إلى زيد لا مطلق القيام ضرورة، وإما لأن الطلب منسوب إلى القائل لأنه يدل على طلب منسوب إليه دون مطلق الطلب ولأبى الحسين أن يقول أردت بإفادة النسبة أن يعلم منه وقوع النسبة وبنفسه أن يكون هو مدلوله الذى وضع له لا أن يلزم عقلًا، وقد صرح بالثانى فى المعتمد فخرج نحو "قم" إما باعتبار نسبة القيام إلى زيد، فإذا لم يعلم منه وقوعها وإما باعتبار نسبة الطلب إلى القائل فلأنه عقلى ومؤداه الطلب ثم ذكر أن الأولى فى تحديده أن يقال هو الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية ويعنى بالخارج ما هو خارج عن كلام النفس المدلول عليه بذلك اللفظ فلا يرد قم لأن مدلوله الطلب نفسه، وهو المعنى القائم بالنفس من غير أن يشعر بأن له متعلقًا واقعًا فى الخارج وهذا بخلاف طلب القيام لأنه يدل على الحكم بنسبة الطلب إلى المتكلم وله مطابق خارجى هو قيام الطلب بالمتكلم وغير الخبر ما لا يشعر بأن لمدلوله متعلقًا خارجيًا ويسميه المصنِّفُ تنبيهًا وإنشاء ويندرج فيه الأمر والنهى والاستفهام والتمنى والترجى والقسم والنداء، والمنطقيون يقسمونه إلى ما يدل على الطلب لذاته إما للفهم وهو الاستفهام، وإما لغيره وهو الأمر والنهى وإلى غيره، ويخصون التنبيه والإنشاء بالأخير منهما، ويعدون منه التمنى والترجى

стр. 1050

والقسم والنداء وبعضهم بعد التمنى والنداء من الطلب ولتحقيقه مكان غير هذا. قوله: (فالخبر) لما كان الإخبار بالخبر أشار إلى بيان مدلوله ثم تحقيق مفهومه فمدلوله قول مخصوص سيجئ بيان خصوصيته إلا أن القول يطلق بالاشتراك على اللفظ وعلى المعنى الذى فى النفس كما قيل زوّرت فى نفسى مقالة فالخبر قد يكون لفظيًا وقد يكون نفسيًا وقد أطلق على الأول الصيغة تمييزًا له عن النفسى الذى هو المعنى وإن كان غالب استعمال الصيغة فى المفردات وتوهم بعض الشارحين: أن المراد أن الخبر اسم لقول له صيغة ومعنى مخصوصان، والحق ما ذكره المحقق وهو الموافق للأصل. قوله: (ويجاب عنه) لا خفاء فى الجواب عن هذا الاعتراض وعن أصل الاستدلال أما الأول فلأن ضرورية تصور ما أو تصديق ما لا تنافى كسببية التصديق بكون هذا التصور أو التصديق ضروريًا لتغاير محل الضرورة والاكتساب، وأما الثانى فلأنه مبنى على كون تصور هذا الخبر بحقيقته ضروريًا وكون مطلق الخبر ذاتيًا له لا عرضيًا، وكلاهما ممنوع وإنما احتاج الشارح إلى زيادة التحقيق والتدقيق ليكون على محاذاة ما فى المتن أنها الأول فحاصل كلامه فيه أن الضرورى هو حصول العلم بماهية الخبر والاستدلال كيفية له هى كون هذا العلم ضروريًا ولا منافاة، وإنما المنافاة أن يكون الحصول ضرورة ثم يستدل عليه نفسه فضمير كونه وحصوله للعلم ولم يتعرض لمتعلق العلم أعنى ماهية الخبر ليعم البيان كل ضرورى يستدل على ضروريته وزعم العلامة أنه أورد البيان فى العلم ليقاس عليه الخبر وبعضهم أن ضمير كونه وحصوله للخبر يعنى أن الضرورى هو حصول الخبر، والاستدلالى هو العلم بكونه ضروريًا، وأما الثانى فقد اختلف كلامهم فيه جدًا فتردد الشارح العلامة فى اللفظ فجعله تارة لا بتصوره بالباء الجارة أى يحصل ضرورة غير مقرون بتصوره ولا بتقدم تصوره، وتارة ولا يتصوره على لفظ المضارع وحينئذٍ نفى بعض النسخ أو تقدَّم تصوره على لفظ المصدر المنصوب عطفًا على الضمير المنصوب فى "يتصوره" وفى البعض "أو يتقدم تصوره" على لفظ المضارع عطفًا على المنفى أى لا يتقدم تصوره وجعل حاصل المعنى أنه إن أريد أن كل أحد يتصوره بالضرورة هذا الخبر الخاص فممنوع وإن أريد أنه يعلم بالضرورة

стр. 1051

حصوله فغير مفيد إذ لا يلزم من حصول أمر تصوره ولا تقدَّم تصوره ثم استشعر سؤالًا وهو أنه إذا لم يكن المعلوم بالضرورة هو تصور هذه القضية فما هو؟ فأجاب بأنه ثبوت القضية أو نفيها وثبوتها غير تصورها، قال فى المنتهى ولذلك يقام الدليل على ثبوتها لا على تصورها، وأما تقريرات الشروح الأخر فمنها أن الخبر الخاص يجوز أن يحصل ضرورة ولا يكون تصوره متقدمًا ومنها أن العلم بالخبر الخاص لا يتوقف على العلم بحقيقة مطلق الخبر بل على العلم بحصوله ويجوز أن يعلم حصوله ولا يكون متصورًا بحقيقته إذ لا يلزم من العلم بحصول أمر تصور ذلك الأمر بحقيقته أو تقدَّم تصوره على العلم بثبوته والمعلوم ضرورة من القضية الخبرية ثبوت نسبة خبرية أو نفيها وثبوت تلك النسبة ونفيها غير تصور حقيقتها، ومنها أن الذى علم بالضرورة حصول الخبر الخاص لا تصوره ولا يلزم من حصول شئ تصوره أو تقدَّم تصوره ثم استشعر أن العلم بحصول الخبر تصوره فأجاب بأن المراد بحصول الخبر ثبوت النسبة أو نفيها وكل واحد منهما غير التصور فاعترض بأن كون حصول الخبر غير تصوره لا ينفى كون العلم بحصول الخبر نفس تصوره وهذا لا يمكن نفيه ولا كان حال الشروح ما ترى حاول المحقق تقريره على وجه يلاحظ فيه جانب اللفظ ويحافظ على فوائد المقدمات وحاصله إثبات التغاير بين حصول الخبر وتصوره وأن الضرورى هو الحصول دون التصور والمتنازع هو التصور دون الحصول على وفق ما سبق فى العلم إلا أنه جعل ههنا تقدم التصور على الحصول دليل الانفكاك باعتبار انعطاف أو بتقدم على النفى أعنى لا بتصوره وأنت خبير بأنه لا وجه حينئذٍ لذكر التقدم بل ينبغى أن يقال أو بتصوره ولا يحصل، كما قال يجوز أن يحصل ولا يتصور ولو جعله عطفًا على المنفى أعنى بتصوره ليكون المعنى يجوز أن يحصل أمر من غير أن يتحقق تصوره أو تقدَّم تصوره لكان موافقًا لا سبق وإنما جعل النسبة التامة التى فى القضية ماهية الخبر لكونها الجزء الأخير الذى لا تنفك عنها الماهية وكونها العمدة فيما يرجع إلى الخبر من الإيجاب والسلب والصدق والكذب ونحو ذلك، وقوله نسبة الوجود إليه أى إلى كل واحد ممن يعلم أنه موجود إشارة إلى مضمون الخبر الذى ادعى المستدل أنه ضرورى وقوله وهو غير تصور النسبة تفسيرًا لقوله فى المتن وثبوتها غير تصورها، ولهذا يجعل الضمير عائدًا إلى نسبة الوجود إليه إثباتًا وتذكيره بالنظر إلى

стр. 1052

الخبر أو إلى كون النسبة فى معنى الإثبات لكن المقصود أن العلم بهذه النسبة غير تصورها وإلا فلا خفاء فى أن نفس النسبة والثبوت غير التصور فصار الحاصل أن الضرورى هو العلم بحصول النسبة لا تصورها وإنما قال فى المتن: والمعلوم ضرورة ثبوتها أو نفيها ليعم علم كل أحد بأنه موجود وأنه ليس بمعدوم إلا أن الشارح اقتصر على ذكر الإثبات لأنه المذكور فى الاستدلال كما اقتصر المصنِّفُ عليه فى قوله: وثبوتها غير تصورها، بقى ههنا بحث وهو أن عطف قوله: وقد يتقدم تصور حصوله على قوله قد يحصل ولا يتصور يقتضى أن يكون له دخل فى عدم استلزام حصول أمر تصوره وليس كذلك بل هو إنما يفيد عدم استلزام تصور أمر حصوله تحقيقًا لكمال التغاير بالانفكاك من الجانبين فينبغى أن يجعل عطفًا على لا يلزم فليتأمل هذا غاية ما تيسر لى من تقرير هذا المقام، ومن الغرائب ما وقع لبعض الناظرين فى هذا الشرح أن قوله والمعلوم ضرورة نسبة الوجود أى الوجود الخارجى إليه أى الخبر وهذا الوجود غير تصور النسبة لكونها عبارة عن الوجود الذهنى. قوله: (ثانيهما التفرقة) وحاصله أنا نميز بالضرورة بين الخبر وبين غيره من أقسام الطلب والإنشاءات الغير الطلبية وهذا يستلزم أن تكون تصورات هذه الأمور ضرورية وجوابه المنع فإن غاية ما ذكرتم بداهة التصديق بأن هذا مغاير لذاك وهو لا يستدعى تصوراتها بحقائقها وهذا ما قال فى المنتهى لو كان العلم غير ضرورى لما فرق بينه وبين غيره ضرورة، ثم قال: ورد بالمنع فلا يلزم من الفرق بين أمرين ضرورة تصورهما ضرورة ثم قال فى بحث الخبر الثانى: التفرقة بينه وبين غيره ضرورة وقد تقدَّم مثله إشارة إلى ما ذكر فى العلم ولما لم يذكر فى المختصر هذا الدليل الثانى، فى بحث العلم حمل جمهور الشارحين كلامه فى هذا المقام من المختصر على أنه غفل فظن أنه قد ذكر هذا السؤال والجواب فى العلم كما فى المنتهى وهذب بعضهم إلى أنه إشارة إلى ما ذكر فى جواب الاستدلال السابق من أن العلم بحصول أمر لا يتوقف على تصور حقيقته فههنا أولى أن لا يتوقف العلم بحصول التفرقة بين هذه الحقائق على تصوراتها فاستحسنه المحقق إلا أنه جعل ناظرًا إلى ما ذكر من أن المعلوم ضرورة حصول النسبة لا تصورها وكل أحد يميز بين حصول النسبة الخبرية وبين حصول النسبة الطلبية وهو غير تصورها فيكون اللازم أن حصولها ضرورى والمتنازع تصورها وأنت خبير بأن المتصف حقيقة

стр. 1053

بالضرورة والاكتساب هو العلم لا الحصول العيني فينبنى على أن العلم بحصولها غير تصورها. قوله: (وأما القائلون بتحديده) أى افتقار مفهوم الخبر إلى التعريف لظهور أن ليس النزاع فى لفظ الخبر للقطع بأن وضع الألفاظ للمعانى مما لا يعرف بالضرورة بل بتعريف وتعليم من أهل اللغة. قوله: (فقال القاضى) الظاهر على ما عرف من دأبه فى هذا الكتاب أنه القاضى أبو بكر لكن صرح الآمدى وجمهور الشارحين بأنه القاضى عبد الجبار وهو من المعتزلة. قوله: (فيلزم الصدق والكذب معًا) إشارة إلى الاعتراض الأول هو لزوم اجتماع وصفى الصدق والكذب معًا فى كل خبر مع أنهما متقابلان صرح بذلك الآمدى ومبناه على أن معنى كون الواو للجمع أنها للمعية أى المقارنة فى الزمان وقد عرفت أن معناه الجمع المطلق فلا يلزم سوى أن يدخل الصدق والكذب فى الجملة مجتيعين أو متفرقين وهذا أيضًا باطل لأن من الخبر ما لا يدخله صدق ومنه ما لا يدخله كذب ولو أريد هذا المعنى لم يصح الحكم باستحالته واستلزامه أن لا يوجد خبر أصلًا، وأما قوله: لا سيما فى خبر اللَّه تعالى، فمعناه على أن احتمال المتقابلين إذا كان أحدهما لازمًا أشد امتناعًا وأظهر استحالة مما إذا كان كل منهما مفارقًا لكن الشارح جعله اعتراضًا على حدة لورود سواء كان أريد بالواو المعية أو مطلق الجمعية وفيه إشارة إلى أن الاعتراض الأول ليس بوارد لأن الواو لا تفيد سوى احتمال الخبر الصدق والكذب ودخول كل منهما فيه على ما سبق فى بحث الواو، ولهذا سكت عن ذلك، وأورد جواب القاضى عن الأخبار التى يتعين فيها الصدق أو الكذب، وأما تفسيره بأنه لو قيل صدق أو كذب لم يخطأ، فليس معناه أن الواو الواصلة بمعنى "أو" الفاصلة ليندفع الاعتراضان وإلا لما احتيج إلى اعتبار اللغة إذ لا مخرج عنهما بحسب العقل أيضًا بل معناه التعميم وإفادة أنه لا يخطأ القاتل سواء قال صدق المخبر أو قال كذب المخبر وفى هذا تنبيه على أن الواو ليس للمعية وإلا لكان المناسب صدق وكذب معًا. قوله: (لكن يرد عليه) أى على القاضى أن الصدق: الخبر الموافق للمخبر به والمذكور فى المتن أن الصدق الموافق للخبر ولما كان ظاهره فاسدًا جعل الشارح

стр. 1054

الخبر بمعنى المخبر به وقدر موصوفًا محذوفًا، هو الخبر ليكون ورود الدور ظاهرًا ومبناه على أن الصدق بمعنى الصادق وإلا لكان المناسب أن يفسر بالموافقة للمخبر به لكن المذكور فى تعريف الخبر هو الصدق بالمعنى المصدرى وليس تتوقف معرفته على معرفة الصادق بل بالعكس وأما ما قيل: إن الصدق هو الخبر عن الشئ على ما هو به فتفسير لمعناه المصدرى لكن لا يلزم الدور ولأن الخبر ههنا بمعنى الإخبار إما من المبنى للفاعل ليكون تفسير الصدق التكلم أو المبنى للمفعول فيكون تفسير الصدق الكلام، وما يقال: إن معرفة المخبر به والأخبار تتوقف على معرفة الخبر الذى هو الكلام وحينئذٍ يلزم الدور فممنوع إذ لا معنى للإخبار سوى الإعلام بالنسبة التى لها خارج هذا ولكن الجمهور على أن لزوم الدور ظاهر لا جواب عنه إلا ما تكلف بعضهم من أن المراد دخول لفظ الصدق والكذب أو دخول الصدق والكذب اللغويين، والمذكور تفسير للاصطلاحين، وفساد ذلك واضح، وبعضهم من أن ماهية الخبر واضحة عند العقل والمذكور فى معرض التعريف تمييز لها وتعيين من حيث إنها مدلول للفظ الخبر وهذا أيضًا فاسد؛ لأن الكلام مع من يجعل ماهيته كسبية والمذكور تعريفًا حديًا أو رسميًا، وأما الشارح المحقق فقد أشار إلى الجواب بأن للقاضى أن يمنع توقف معرفة الصدق والكذب على معرفة الخبر بل هما ضروريان أو كسبيان مفترقان بحيث لا يتوقف على معرفة الخبر بأن يقال الصدق هو الكلام الذى يكون نفسيه أى نسبته التى فى النفس مطابق لمتعلق ذلك النفسى أى للنسبة التى فى الواقع بأن يكونا ثبوتيين أو سلبيين والكذب بخلاف بأن تكون إحداهما ثبوتية والأخرى سلبية فقد جعل المتعلق ههنا عبارة عن النسبة فى نفس الأمر وفيما سبق عن الطرفين فإن قيل فقد يفسر الصدق بالخبر المطابق والكذب بالخبر الغير المطابق، قلنا: مجرد ذكر الخبر فى تعريفهما لا يوجب توقف معرفتهما على معرفته كما يقال الضاحك إنسان له الحالة المخصوصة والأسود جسم له الكيفية المخصوصة، بناء على الاختصاص فى نفس الأمر، وإن كان المفهوم أعم مستغنيًا معرفته عن معرفة المعروض، ثم أشار إلى دفع المنع بأن مقصود المعترض إلزام القاضى والمعتزلة حيث عرفوا الخبر عما يدخله الصدق والكذب لغة بمعنى أنه يصح ذلك فيه ولا خفاء فى أن صحة اتصاف بالصدق والكذب بحسب اللغة إنما يكون بالمعنى الذى يعرف أهل اللغة وتعرفهما به فيلزم أن يكون مرادهم

стр. 1055

بالصدق الخبر الموافق ويلزم الدور ويكون ورود الدور عليهم مبنيًا على إرادتهم دخول الصدق والكذب لغة إذ لولا ذلك لجاز أن يدعى كونهما ضروريين أو مفسرين بالمطابق نفسيه لمتعلقه وخلافه ولما كان فى ذلك من الخفاء، قال فتأمل وحينئذٍ يندفع ما ذكره الشارحون من أنه لا معنى لهذا التفريع بل هو اعتراض برأسه وارد البتة كما ذكر فى المنتهى وقد يتوهم من ظاهر العبارة أن ضمير إلزامهم لأهل اللغة وضمير عرفوه لكل من الصدق والكذب وذلك إشارة إلى الخبر الموافق والمخالف وفساده لا يخفى على الفطن. قوله: (وربما عدل) الظاهر أن العدول حين يدخله الصدق إلى يدخله التصديق إلا أنه ذكر الاحتمال لعدم تفاوت المعنى وفى ذكر الاحتمال أو دون الواو دفع لاعتراض لزوم الاجتماع وخروج ما يلزم صدقه أو كذبه من الإخبار، وقوله ذلك إشارة إلى لزوم الدور وضمير لا ينفعه وعليه لبعضهم وضمير أنهما للتصديق والتكذيب ووجه توسيع الدائرة أن الدور كان بمرتبة فصار بمرتبتين إن أريد بالتصديق الحكم بصدق الكلام وبثلاث مراتب إن أريد الحكم بصدق المتكلم لأنه يتوقف على صدق الكلام وهو على الخبر كما مر وقد عرفت ما فيه من الكلام. قوله: (قيل بل الحكم) إضراب عما ذكر من أنه لم يفعل إلا توسيع الدائرة يعنى أنه زاد على التوسيع أن عرف الخبر بنفسه لأن الحكم هو الإخبار فمعنى التصديق الإخبار بالصدق فمن جهة اشتماله على الصدق يكون دوريًا بما فوق الواحد ومبناه على أن الخبر نفس الإخبار وفيه ما لا يخفى. قوله: (وأقربها) المشهور من قول أبى الحسين على ما ذكره الآمدى وغيره أن الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر إثباتًا أو نفيًا ومعنى الإثبات والنفى إيقاع النسبة أو انتزاعها على ما هو المشهور ولا خفاء فى أنه لا يرد عليه مثل قوم يا زيد لأنه لا يفيد إثبات القيام لزيد وليس يدل بنفسه وبحسب وضعه على إثبات الطلب للمتكلم وغاية ما توهم من الاعتراض عليه أنه يتناول المركبات الناقصة المشتملة على نسبة ثبوتية أو سلبية مثل الغلام الذى لزيد أو ليس لزيد ومثل أن زيدًا قائم أو ليس بقائم بفتح أن، والجواب: إنا لا نسلم أنها تفيد إثبات النسبة أو نفيها بل إنما تفيد الإشارة إلى نسبة مثبتة أو منفية والحاصل أن معنى إفادة النسبة إثباتًا أو نفيًا إفادة التصديق بالنسبة وهذه إنما تفيد تصورها، وأما نحو قائم فى: زيد قائم وإن
следующие страницы →