Полный текст (2 048 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
حيث المعارضة له.
الشارح: (إذ لا حكم للفعل فى المستقبل) أى لعدم شموله فلا معارضة بينه وبين قوله: لا يجوز لى مثل هذا الفعل فى هذا الوقت.
الشارح: (وإن جهل الحال. . . إلخ) إلى هنا تمت الأقسام الثلاثة إذا كان القول مختصًا به.
الشارح: (تقدم الفعل أو تأخر) أى فلا فرق هنا بين علم تقدم الفعل وعلم تأخره وعدم العلم بشئ أصلًا فقد تمت الأقسام الثلاثة لما إذا كان الفعل مختصًا بالأمة.
الشارح: (فحكمه على تقدير تقدم الفعل وتأخره. . . إلخ) ترك حالة الجهل اكتفاء بالتنبيه عليها فيما سبق وقد تمت الأقسام الثلاثة لما إذا كان القول عامًا له ولنا وتمت الأقسام التسعة لما إذا لم يدل دليل على تكرار ولا تأس.
الشارح: (أحدها أن يكون القول خاصًا به) أقسامه الثلاثة ظاهرة وقوله: وثانيها: أن يكون خاصًا بالأمة كذلك وسيأتى الأقسام الثلاثة لما إذا كان القول عامًا لنا وله فى قوله: ثالثها أن يكون القول عامًا لنا وله فالمجموع تسعة أقسام للقسم الثانى أيضًا.
الشارح: (فلا تعارض أصلًا) أى سواء علم تقدم القول أو تأخره أو جهل الحال فهذه صور ثلاثة.
الشارح: (وإن كان خاصًا به أو عامًا. . . إلخ) وصوره ستة فالمجموع تسعة فى القسم الثالث أيضًا.
الشارح: (وأما فى حقه. . . إلخ) صوره ثلاثة كما هو ظاهر.
الشارح: (فلا تعارض فى حق الأمة) أى بصوره الثلاثة.
الشارح: (وإن كان خاصًا بالأمة) صوره ثلاثة أيضًا فمجموع صور القسم الرابع تسعة أيضًا وبها تمت الصور الستة والثلاثون.
قوله: (زيادة من الشارح) رد بأن المفاد من التكرار بالنسبة له أو بالنسبة إلى الأمة اختصاصه به.
قوله: (وأما زيادة اشتراط دلالة الدليل على وجوب التأسى) أى بالنسبة للفعل الثانى.
стр. 982
قوله: (قلنا سيجئ فى مواضع. . . إلخ) أى فقد جعل الفعل منسوخًا والمراد حكمه فيكون إطلاق النسخ على الفعل بهذا الاعتبار مجازًا.
قوله: (فلا يبعد إطلاق التخصيص أيضًا بهذا الاعتبار) الأولى ولا يبعد لأنه ليس جوابًا لقوله: وإن كان المراد ما ذكرتم.
قوله: (بمنزلة يجب على الكف. . . إلخ) تأويل يصحح به أن يقال وهو مبنى على النسخ قبل التمكن من الفعل إذ هو صريح فى أن هناك فعلًا نسخ قبل التمكن منه والكف فعل.
قوله: (وللشارح فيه نظر سيذكر) وهو أن لا تعارض مع تقدم الفعل فنأخذ بمقتضى القول حكمًا بتقديم الفعل لئلا يقع التعارض المستلزم لنسخ أحدهما ثم أعلم أنه لا ينحصر هذا الصنف فيما ذكر بل يجوز أن يكون القول المتقدم دالًا على الدوام كأن يقول صوم الخميس واجب دائمًا.
قوله: (يوافق الرابع) أى فى أنه إن تقدم القول يكون الفعل ناسخًا بناء على جواز النسخ قبل التمكن وإن تقدم الفعل فلا تعارض.
قوله: (دون الثانى والثالث) أى لأن المتأخر من القول والفعل ناسخ للمتقدم فيما فيه التعارض منهما.
قوله: (مصدر المبنى للمفعول) هذه القولة مؤخرة من تقديم؛ لأنها على قول المصنف: ولإبطال القول به جيلة وقوله: أو الفاعل وهو من عمل تحريف وصوابه: والفاعل هو العمل بالفعل وقوله: والمعنى أن بسبب العمل تحريف وصوابه: حذف بسبب ويحتمل أن قوله أو الفاعل عطف على المفعول أى أن إبطال مصدر المبنى للفاعل وعلى كل فقوله: وهو من عمل بالفعل تحريف.
قوله: (ولذا قال: والمختار القول، ولم يقل: العمل بقوله) أى لأن العمل بقوله معناه عمل الأمة بقول رسول اللَّه ﷺ فيكون ظاهرًا فيما إذا كان القول للأمة دون ما إذا كان للرسول أيضًا بخلاف ما إذا قيل المختار القول، فإنه يعم القول بالنسبة له وبالنسبة للأمة.
стр. 983
(مباحث الإجماع)
قال: (الإجماع: العزم والاتفاق، وفى الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة فى عصر على أمر، ومن يرى انقراض العصر يزيد: إلى انقراض العصر، ومن يرى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميت أو حى جوز وقوعه يزيد: لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر).
أقول: هذا ثالث الأدلة الشرعية وهو الإجماع، والإجماع لغة: يطلق لمعنيين: أحدهما: العزم ﴿فَأَجْمِعوا أَمرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أى اعزموا ومنه: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل".
وثانيهما: الاتفاق وحقيقة أجمع صار ذا جمع كألبن وأتمر.
وفى الاصطلاح: اتفاق خاص، وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﵊ فى عصر على أمر مّا فلا يعتبر المقلد مخالفةً وموافقة، والمراد بقولنا: فى عصر: فى زمان ما قل أو كثر، وبقولنا: فى أمر ما: يتضاول الدينى والدنيوى ثم إنه قد اختلف فى أنه هل يشترط فى الإجياع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين؟ فمن اشترط ذلك لا يكفى عنده الاتفاق فى عصر بل يجب استمراره ما بقى من المجمعين أحد فيزيد فى الحدّ: إلى انقراض العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم فإنه ليس بالإجياع المقصود وهو ما يكون حجة شرعًا، وأيضًا فقد اختلف فى أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف مستقر من حى أو ميت أم لا؟ فإن جاز فهل ينعقد أم لا؟ فمن قال لا يجوز أو يجوز وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه عن الحدّ ومن يرى أنه يجوز ولا ينعقد فلا بد أن يخرجه عن الحدّ بأن يزيد فيه: لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر وسيتضح لك هذا زيادة وضوح عند وقوفك على هذه المسائل.
قوله: (ليس بالإجماع المقصود) يريد أن التعريف لما هو من الأدلة الشرعية وهو المعرف بالشرائط.
قوله: (فمن قال لا يجوز) يعنى أنه على الأول لا يدخل فى الجنس فلا يحتاج
стр. 984
إلى الأخرى، وعلى الثانى من أفراد الحدود فلا وجه لإخراجه، وأما من يرى أنه يتحقق مثل هذا الاتفاق ولا يكون إجماعًا وهو حجة شرعية فلا بد عنده من قيد يخرجه ومبنى هذا الكلام على أن الشروط المذكورة شروط لماهية الإجماع المتعارف كما فى شروط القياس فى المنطق.
المصنف: (اتفاق المجتهدين) أى جميعهم وقوله: على أمر أى أى أمر كان دينيًا كالصلاة والزكاة أو دنيويًا كترتيب الجيوش والحروب وأمور الرعية أو عقليًا لا تتوقف حجته عليه كحدوث العالم ووحدة الصانع أما ما تتوقف حجته عليه كثبوت البارى والنبوة فلا يحتج فيه بالإجماع وإلا لزم الدور.
المصنف: (ومن يرى انقراض العصر) قيل كلهم وقيل غالبهم.
الشارح: (هل يجوز الإجماع بعد خلاف مستقر) أى بأن طال الزمن ومضى زمن البحث عن المأخذ فإذا استقر فى المسالة قولان فلا يجوز لأصحاب القولين فيها الاتفاق على أحد القولين، لأن استقرار الخلاف بينهم يتضمن الاتفاق منهم على جواز الأخذ بكل من القولين باجتهاد أو تقليد وعليه الآمدى وقيل يجوز؛ لأن تضمن الاتفاق المذكور مشروط بعدم الاتفاق منهم على أحد القولين فإن وجد فلا اتفاق والخلاف مبنى على أنه لا يشترط انقراض العصر أما على اشتراط انقراض العصر فلا يأتى هذا الخلاف بل يجوز الإجماع بعد الخلاف المستقر قولًا واحدًا؛ لأنهم لما وقع منهم الاختلاف فى العصر الذى استقر فيه الخلاف لم يكن اختلافهم إجماعًا على تجويز الأخذ بكل من القولين لعدم انقراض العصر ولم يكن اتفاقهم بعد الاختلاف المستقر رفعًا للمجمع عليه، وأما الاتفاق من غيرهم بعد استقرار الخلاف فالأصح أنه ممتنع إن طال الزمان زائدًا على ما يستقر به الخلاف إذ لو انقدح وجه فى سقوطه لظهر للمختلفين بخلاف ما إذا قصر فقد لا يظهر لهم ويظهر لغيرهم، وقيل يجوز مطلقًا لجواز سقوط الخلاف لغير المختلفين دونهم وأما الاتفاق قبل استقرار الخلاف على أحد القولين فجائز سواء كان الاتفاق منهم أو ممن بعدهم لأنه يجوز أن يظهر مستند جلى يجمعون عليه وقد أجمعت الصحابة رضى اللَّه عنهم على دفنه فى بيت عائشة بعد اختلافهم الذى لم يستقر.
قوله: (على الأول) هو أنه لا يجوز الإجماع بعد استقرار الخلاف فلا يحتاج
стр. 985
إلى الإخراج لأن الممتنع لا يحترز عنه لعدم دخوله فى الجنس كما قال.
قوله: (وعلى الثانى) وهو أنه يجوز وينعقد.
قوله: (وهو حجة شرعية) أى مع كونه ليس إجماعًا هذا ويحتمل أن لفظ هو زائد والأصل: وحجة شرعية عطف على إجماعًا المنفى ويظهر أن الاحتمال الثانى هو المتعين.
стр. 986
قال: (قال الغزالى ﵀: اتقاق أمة محمد ﷺ على أمر من الأمور الدينية ويرد عليه أنه لا يوجد ولا يطرد بتقدير عدم المجتهدين ولا ينعكس بتقدير اتفاقهم على عقلى أو عرفى).
أقول: حدّ الغزالى الإجماع بأنه اتفاق أمة محمد ﵊ على أمر من الأمور الدينية وترد عليه إشكالات:
أحدها: أنه يوجب أن لا يوجد إجماع أصلًا وأنه باطل بالاتفاق بيانه أنه يشعر بالاتفاق من لدن بعثته إلى يوم القيامة وحينئذٍ لا يفيد.
ثانيها: أنه لو أريد به اتفاقهم فى عصر ما فلا يطرد بتقدير اتفاد الأمة مع عدم المجتهدين فيهم فإنه لا يكون إجماعًا مع صدق الحدّ عليه.
ثالثها: أنه لا ينعكس على تقدير أن يتفقوا على أمر عقلى أو عرفى لتقييد الأمر بالدينى وقد يدفع الأولان بالعناية باتفاق المجتهدين فى عصر ويسبق ذلك إلى فهم المتشرعة فى نحو: لا تجتمع أمتى على الضلالة مع ما فيه من المحافظة على لفظ الحديث، والأخير بأنه إن تعلق به عمل أو اعتقاد فهو أمر دينى وإلا فلا يتصور حجية.
قوله: (وحينئذ لا يفيد) فلا يكون الإجماع المقصود أعنى ما يتمسك به فى إثبات الأحكام الشرعية فصح أنه لا يوجد إجماع أصلًا واندفع الاعتراض بأنه ينبغى أن يقال بدل لا يوجد لم يوجد.
стр. 987
قال: (وخالف النظام وبعض الروافض فى ثبوته قالوا: انتشارهم يمنع نقل الحكم إليهم عادة وأجيب المنع لجدّهم وبحئهم، قالوا: إن كان عن قاطع فالعادة تحيل عدم نقله والظنى يمتنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح وأجيب بالمنع فيهما فقد يستغنى عن نقل القاطع بحصول الإجماع وقد يكون الظنى جليًا).
أقول: يجب على القائل بحجية الإجماع النظر فى ثبوته وفى العلم به وفى نقله وفى حجيته.
المقام الأول: النظر فى ثبوته، وخالف فيه النظام وبعض الشيعة وزعموا أنه محال.
قالوا: أولًا: اتفاقهم فرع تساويهم فى نقل الحكم إليهم وانتشارهم فى الأقطار يمنع ناقل حكم إليهم وذلك مما تقضى به العادة.
الجواب: منع كون الانتشار يمنع ذلك مع جدهم فى الطلب وبحثهم عن الأدلة إنما يمتنع ذلك عادة فيمن قعد فى قعر بيته لا يبحث ولا يطلب.
قالوا: ثانيًا: الاتفاق إما عن قاطع أو عن ظنى، وكلاهما باطل، أما القاطع فلأن العادة تحيل عدم نقله، فلو كان لنقل فلما لم ينقل علم أنه لم يوجد، كيف ولو نقل لأغنى عن الإجماع، وأما الظنى فلأنه يمتنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح وتباين الأنظار، وذلك كاتفاقهم على أكل الزبيب الأسود فى زمان واحد فإنه معلوم الانتفاء بالضرورة، وما ذلك إلا لاختلاف الدواعى.
الجواب: منع ما ذكر فى القاطع والظنى، أما القاطع فلأنه لا يجب نقله عادة إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذى هو أقوى منه وارتفاع الخلاف المحوج إلى نكتل الأدلة، وأما الظنى فلأنه قد يكون جليًا، واختلاف القرائح والأنظار إنما يمنع الاتفاق فيما يدق ويخفى مسلكه.
قوله: (قالوا: انتشارهم وقالوا إن كان كلاهما) استدلال على عدم الثبوت، وقوله قالوا: يستحيل على امتناع العلم به وقوله: ولو سلم على امتناع نقله إلى المجتهد ليحتج به وليس إنكارًا بعد التسليم على ما توهم لأن المعنى لو سلم ثبوته عنهم وعلم نقله بإجماعهم فنقلهم إياه إلى المجتهد مستحيل فلفظ قالوا فى المواضع الثلاثة ليس على ما تقرر فى هذا الكتاب من أن تكون أدلة على مطلوب
стр. 988
واحد وكذا لفظ لو سلم ليس على قانون استدلالاته وبالجملة فضبط كلام المخالف على ما قرره الشارح المحقق هو أن يمتنع ثبوته ولو ثبت يمتنع العلم به ولو علم يمتنع نقله إلى المجتهد ولو نقل يمتنع الاحتجاج به والمراد الامتناع العادى على ما يشر به الاستدلالات وقد صرح به فى المتن والشرح لا فى الثبوت فإن ظاهر لفظ المتن أن المخالف ينكر ثبوته والشرح بأنه يدعى استحالته.
قوله: (الذى هو أقوى) يعنى يجوز أن يكون سند الإجماع قطعيًا لكن يكون الإجماع أقوى من حيث لا يحتمل النسخ وحينئذٍ يستغنى عنه بالإجماع دون العكس.
قوله: (وليس إنكارًا بعد التسليم) يعنى أن منع نقله ليس إنكارًا للنقل بعد تسليمه لأن الذى سلم هو مجرد نقله عنهم وعلم حصول الاتفاق والإجماع والذى أنكر هو نقله إلى المجتهد ليحتج به وقوله: وكذا لو سلم. . . إلخ؛ لأنه انتقال إلى رد دعوى أخرى.
стр. 989
قال: (قالوا: يستحيل ثبوته عنهم عادة لخفاء بعضهم أو انقطاعه أو أسره أو خموله أو كذبه أو رجوعه قبل قول الآخر، ولو سلم فنقله مستحيل عادة لأن الآحاد لا تفيد والتواتر بعيد، وأجيب عنهما بالوقوع فإنا قاطعون بتواتر النقل بتقديم النص القاطع على المظنون).
أقول: المقام الثانى: النظر فى ثبوته عنهم، وهو العلم باتفاقهم وقد زعم منكرو الإجماع أنه على تقدير ثبوته فى نفسه فثبوته عنهم محال.
قالوا فى بيانه: إن العادة قاضية بأنه لا يتفق أن يثبت عن كل واحد من علماء الشرق والغرب أنه حكم فى المسألة الفلانية بالحكم الفلانى، ومن أنصف من نفسه جزم بأنهم لا يعرفون بأعيانهم فضلًا عن تفاصيل أحكامهم، هذا مع جواز خفاء بعضهم عمدًا لئلا تلزمه الموافقة أو المخالفة أو انقطاعه لطول غيبته فلا يعلم لى خبر أو أسره فى مطمورة أو خموله فلا يعرف له أثر أو كذبه فى قوله، رأى فى هذه المسألة كذا، والعبرة بالرأى دون اللفظ، وإن صدق فيما قال لكنه لم يمكن السماع منهم فى آن واحد بل فى زمان متطاول فربما يتغير اجتهاد بعض فيرجع عن ذلك الرأى قبل قول الآخر به فلا يجتمعون على قول فى عصر.
المقام الثالث: النظر فى نقل الإجماع إلى من يحتج به، وقد زعم منكروه أنه مستحيل عادة لأن الآحاد لا تفيد إذ لا يجب العمل به فى الإجماع كما سيأتى فيتعين التواتر ولا يتصور إذ يجب فيه استواء الطرفين والواسطة ومن البعيد جدًا أن يشاهد أهل التواتر جميع المجتهدين شرقًا وغربًا، ويسمعوا منهم وينقلوا عنهم إلى أهل التواتر هكذا طبقة بعد طبقة إلى أن يتصل بنا الجواب عن شبهة المقامين واحد، وهو أنه تشكيك فى مصادمة الضرورة فإنه يعلم قطعًا من الصحابة والتابعين الإجماع على تقديم الدليل القاطع على المظنون وما ذلك إلا بثبوته عنهم، وبنقله إلينا فانتقض الدليلان.
قوله: (فإنه يعلم قطعًا من الصحابة) يعنى تواتر ذلك بحيث لا شبهة فيه.
стр. 990
قال: (وهو حجة عند الجميع ولا يعتدّ بالنظام وبعض الخوارج والشيعة، وقول أحمد ﵀: من ادعى الإجماع فهو كاذب استبعاد لوجوده الأدلة منها: أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل إجماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع فى شرعى من غير قاطع يوجب تقدير نص فيه وإجماع الفلاسفة وإجماع اليهود وإجماع النصارى غير وارد، لا يقال أثبتم الإجماع بالإجماع، إذ أثبتم الإجماع بنص يتوقف عليه لأن المثبت كونه حجة ثبوت نص عن وجود صورة منه بطريق عادى لا يتوقف وجودها ولا دلالتها على ثبوت كونه حجة فلا دور ومنها: أجمعوا على تقديمه على القاطع فدل على أنه قاطع وإلا تعارض الإجماعان لأن القاطع مقدم فإن قيل: يلزم أن يكون المحتج عليه عند التواتر التضمن لدليلين ذلك قلنا إن سلم فلا يضر).
أقول: المقام الرابع: النظر فى حجيته وأنه حجة عند جميع العلماء، فإن قيل: فقد خالف النظام والشيعة وبعض الخوارج، قلنا: لا عبرة بمخالفتهم لأنهم قليلون من أهل الأهواء والبدع قد نشئوا بعد الاتفاق، فإن قيل: فقد قال أحمد وهو من جملة الأئمة: من ادعى الإجماع فهو كاذب، قلنا: هو منه استبعاد لوجوده أو للاطلاع عليه ممن يزعمه دون أن يعلمه غيره لا إنكار لكونه حجة، والأدلة على حجيته كثيرة منها: أنهم أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف للإجماع، فدل على أنه حجة فإن العادة تحكم بأن هذا العدد الكثير من العلماء المحققين لا يجمعون على القطع فى شرعى بمجرد تواطؤ أو ظن بل لا يكون قطعهم إلا عن قاطع فوجب الحكم بوجود نص قاطع بلغهم فى ذلك فيكون مقتضاه، وهو: خطأ المخالف له حقًا، وهو يقتضى حقية ما عليه الإجماع، وهو المطلوب، وأورد عليه نقضًا إجماع الفلاسفة على قدم العالم وإجماع اليهود على أنه لا نبى بعد موسى وإجماع النصارى على أن عيسى قد قتل، ووجه وروده ظاهر.
والجواب: أن إجماع الفلاسفة عن نظر عقلى وتعارض شبه واشتباه الصحيح والفاسد فيه كثير، وأما فى الشرعيات فالفرق بين القطعى والظنى بين لا يشتبه على أهل المعرفة والتمييز، وإجماع اليهود والنصارى عن الاتباع لآحاد الأوائل لعدم تحقيقهم، والعادة لا تحيله بخلاف ما ذكرنا، وبالجملة فإنما يرد نقضًا إذا وجد فيه ما ذكرنا من القيود، وانتفاؤه ظاهر، لا يقال على أصل الدليل إنكم إن قلتم:
стр. 991
أجمعوا على تخطئة المخالف فيكون حجة فقد أثبتم الإجماع بالإجماع، وإن قلتم: الإجماع دل على نص قاطع فى تخطئة المخالف فقد أثبتم الإجماع بنص يتوقف على الإجماع ولا يخفى ما فيه من المصادرة على المطلوب، لأنا نقول: المدعى كون الإجماع حجة والذى ثبت به ذلك هو وجود نص قاطع دل عليه وجود صورة من الإجماع يمتنع عادة وجودها بدون ذلك النص، سواء قلنا: الإجماع حجة أم لا، وثبوت هده الصورة من الإجماع ودلالتها العادية على وجود النص لا يتوقف على كون الإجماع حجة فما جعلنا وجوده دليلًا على حجية الإجماع لا يتوقف على حجيته لا وجوده ولا دلالته فاندفع الدور، ومنها أنهم أجمعوا على أنه يقدم على القاطع وأجمعوا على أن غير القاطع لا يقدم على القاطع بل القاطع هو المقدم على غيره، فلو كان غير قاطع لزم تعارض الإجماعين، وأنه محال عادة، فإن قيل على الدليلين مقتضاهما أن الإجماع حجة إذا بلغ المجمعون عدد التواتر فإن غيره لا يقطع بتخطئة مخالفه، ولا يقدم على القاطع إجماعًا فالجواب أن الدليل ناهض فى إجماع المسلمين من غير تقييد ولا اشتراط فإنهم خطئوا المخالف وقدموه على القاطع مطلقًا من غير تعرض لعدد التواتر وإن سلم فلا يضرنا إذ غرضنا حجية الإجماع فى الجملة وقد صح على أن أكثر ما يستدل به من الإجماع كإجماع الصحابة والتابعين كذلك ولأن حجية غيره ثبتت بالظواهر وثبتت حجية الظواهر بإجماع من هذا القبيل فيندفع الدور.
قوله: (وأورد عليه) أى على ما ذكرتم من القاعدة المبنى عليها استدلالكم ومن أن العادة حاكمة بأن مثل هذا الاتفاق لا يكون إلا عن قاطع أنها منقوضة بالاتفاقات المذكورة فإن كلًا منها قد اشتمل على جميع ما ذكرتم من القيود مع أن العادة لا تحكم باستناده إلى قاطع والجواب أنه لا يشتمل على القيود لانتفاء الشرعية فى الأول والتحقيق فى الأخيرين.
قوله: (فاندفع الدور) إشارة إلى أن بطلان المصادرة من جهة أنها دور لتوقف المدعى على الدليل المتوقف عليه، فإن قيل: لو صحت القاعدة المذكورة لكفت فى حجية كل إجماع من غير احتياج إلى توسط الإجماع على تخطئة المخالف ولاستلزمت وجود قاطع فى كل حكم وقع الإجماع عليه وفساده ظاهر قلنا: ليس
стр. 992
كل إجماع إجماعًا على القطع بالحكم لتحكم العادة بوجود قاطع كما فى الإجماع على القطع بتخطئة المخالف بل ربما يكون حكم كل من أهل الإجماع ظنيًا مستندًا إلى أمارة لكن يحصل لنا من اتفاق الكل القطع بالحكم فلهذا قال: قد أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف ولم يقل على تخطئة المخالف.
قوله: (يقدم على القاطع) أى من الكتاب والسنة بناء على أنه يحتمل النسخ بخلاف الإجماع.
قوله: (وأنه محال عادة) إشارة إلى وجه بطلان تعارض الإجماعين هو أن العادة قاضية بامتناعه على ما صرح به فى المنتهى لا ما قيل: إن الأصل عدم تعارض الدليلين لاستلزامه ترك أحدهما أو أن تعارض إجماعين يستلزم خطا أحدهما وخطأ الإجماع محال وأن العادة قاضية بامتناع اتفاق العدد الجم الغفير على التناقض.
قوله: (فإن غيره) أى غير الإجماع الذى بلغ مجمعوه حدّ التواتر.
قوله: (على أن أكثر) يعنى أن غرضنا حجية الإجماع فى الجملة فتكفى صورة واحدة وقد ثبت فى أكثر الإجماعات فيكون المطلوب حاصلًا مع الزيادة فقوله: كذلك أى بلغ مجموعه عدد التواتر وقوله: ولأن حجية غيره عطف على قوله: إذ غرضنا يعنى تثبت حجية ما لم يبلغ مجموعه عدد التواتر بالظواهر من الكتاب والسنة على ما سيجئ، وحجية الظواهر بإجماع بلغ مجموعه عدد التواتر ولا يكون مصادرة وإثباتًا للشئ بما يتوقف على ثبوته لأن الإجماع المثبت غير الإجماع المثبت به نعم تكون حجية أحد قسمى الإجماع ظنية لا قعطعية.
المصنف: (ولا يعتد بالنظام) تقدم أنه يخالف فى ثبوت الإجماع ومقتضى ما ذكره هنا أنه يخالف فى كون الإجماع حجة لا فى ثبوته فى ذاته فلعله نقل عنه الأمران فأشار إلى ذلك المصنف.
المصنف: (أثبتم الإجماع بالإجماع إذ أثبتم الإجماع بنص. . . إلخ) الصورة الأولى توسيع فى دائرة الإشكال وإلا فصريح المصنف إنما هو الصورة الثانية.
المصنف: (وإجماع اليهود والنصارى عن الاتباع لآحاد الأوائل) أى فالعادة قاضية بوجود خطئهم أما اليهود فلأن بختنصر قد أفناهم حتى لم يبق منهم إلا نزر يسير لا يعتد بنقلهم ولا إجماعهم ودفنت التوراة بالقدس والموجود الآن من إملاء
стр. 993
العزير بعد انقضاء أمر الفتنة، وأما النصارى فلأنه وقع بينهم اختلاف كثير فى أمر الديانة بعد رفع سيدنا عيسى ﵇ ولم يزل الاختلاف واقعًا بينهم حتى الآن وتفرق الإنجيل على أربع كلها متناقضة فى نصوصها قال العلامة ابن حزم الظاهرى الأندلسى: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبى ﵊ مع الاتصال مما اختص اللَّه به هذه الأمة دون سائر غيرها وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد فى كثير من اليهود لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ﷺ بل يقفون بحيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وأما النقل بالطريقة المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير فى نقل اليهود والنصارى وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود والنصارى أن يبلغوا إلى صاحب نبى أو تابع.
стр. 994
قال: (استدل الشافعى ﵀: ﴿. . . وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وليس بقاطع لاحتمال متابعته أو مناصرته أو الاقتداء به، أو فى الإيمان فيصير دور لأن التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع بخلاف التمسك بمثله فى القياس).
أقول: استدل الشافعى ﵀ على حجية الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، أوعد باتباع غير سبيل المؤمنين بضمه إلى مشاقة الرسول التى هى كفر فيحرم إذ لا يضم مباح إلى حرام فى الوعيد وإذا حرم اتباع غير سبيلهم فيجب اتباع سبيلهم، إذ لا مخرج عنهما والإجماع سبيلهم فيجب اتباعهم، وهو المطلوب، واعتراض عليه بوجوه كثيرة وانفصلوا عنها أصعبها ما نذكره وهو أن هذا ليس بقاطع لأن قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٣]، يحتمل وجوهًا من التخصيص لجواز أن يريد سبيلهم فى متابعة الرسول أو فى مناصرته أو فى الاقتداء به أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان به، وإذا قام الاحتمال كان غايته الظهور والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن فيكون إثباتًا للإجماع بما لا تثبت حجيته إلا به فيصير دورًا، وإذا سلكنا فى الاعتراض هذا السبيل لا أنه إثبات لأصل كلى بدليل ظنى فلا يجوز لم يرد علينا القياس نقضًا للاحتجاج عليه بالظواهر إذ لا يلزم دور.
قوله: (استدل الشافعى ﵀ التقرير الواضح أنه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فى الوعيد فيحرم إذ لا يجمع بين الحرام والمباح فى الوعيد كالكفر وأكل الخبز مثلًا، والشارح جعل الضم إلى الكفر دليل على الإيعاد على اتباع غير سبيل المؤمنين لأن مجرد ترتب الوعيد على أمرين لا يقتضى الإيعاد على كل منهما كما إذا قيل: من ترك الإطعام والكسوة والإعتاق فى الكفارة فله نار جهنم وقال الآمدى: توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين ولو لم يكن حرامًا لما توعد عليه ولما حسن الجمع بينه وبين الحرام فى التوعد وقد يتوهم من عبارته أن الإيعاد عليه وضمه إلى المشاقة فى الوعيد وجهان فى تحريمه وليس كذلك.
قوله: (إذ لا مخرج عنهما) إشارة إلى أن حرمة اتباع غير سبيلهم وإن كانت أعم
стр. 995
من وجوب اتباع سبيلهم بحسب المفهوم لكن لا مخرج بحسب الوجود من اتباع غير سبيلهم واتباع سبيلهم لأن ترك اتباع سبيلهم اتباع لسبيل غيرهم إذ معنى السبيل ههنا ما يختار الإنسان لنفسه من قول أو فعل.
قوله: (فيجب اتباعهم) أى اتباع المؤمنين الذين هم أهل الإجماع فإن هذا معنى اتباع سبيلهم الذى هو الإجماع.
قوله: (واعترض عليه بوجوه كثيرة) مثل أنا لا نسلم أن من للعموم ولو سلم فلا نسلم أن اتباع غير سبيل المؤمنين محظور مطلقًا بل بشرط الاقتران لمشاقة الرسول، ولو سلم فغير سبيل المؤمنين هو سبيل الكافرين وهو الكفر ولو سلم فالمؤمنون عام لكل مؤمن ولو خص فى كل عصر فهو عام فى العالم والجاهل ولو خص بأهل الحل والعقد فلفظ السبيل مفرد لا عموم له ولو سلم فيحتمل التخصيص بسبيلهم فى متابعة الرسول أو مناصرته أو الاقتداء به أو الإيمان به ولو سلم أنه أريد ما يعم اتفاقهم فى الأحكام الشرعية لكنه مشروط بسابقة تبين كل هدى إلى غير ذلك ووجه الانفصال عنها مذكور فى أحكام الآمدى إلا أن وجه الانفصال عن اعتراض تخصيص عموم السبيل وهو أنه تخصيص من غير دليل فلا يقبل لما كان ضعيفًا جعل المصنِّفُ الاعتراض قادحًا وبين ضعف الجواب بأنه مستلزم الدور لأن الدليل المعتدّ به فى جواز التمسك بالظواهر ووجوب العمل بمقتضياتها هو الإجماع لا غير لما سيجئ من القدح فى باقى الأدلة وهذا بخلاف التمسك بالظواهر فى حجية القياس فإنه لا يستلزم الدور لأن حجية الظواهر لا تثبت بالقياس بل بالإجماع نعم لو اعترض بأن حجية الإجماع أصل كلى فلا تثبت بالظواهر كان ورود النقض بالقياس ظاهرًا لأن حجيته أصل كلى وأما الاعتراض الثانى وهو منع حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقًا بل بشرط المشاقة فقد جعله الشارح العلامة واردًا وبين ضعف أجوبة القوم عنه وتفاصيل ذلك فى شرحه.
قوله: (فى متابعة الرسول ﵊ أى مطاوعته، وترك مناقشته (أو مناصرته) أى معاونته فى النصر على الأعداء (أو الاقتداء به) أى التأسى به فى الأعمال.
المصنف: (إنما يثبت بالإجماع) رد بأنه يجوز أن يكون هناك نص قاطع دال على
стр. 996
كون الظاهر حجة أو أن العمل بالراجح واجب.
المصنف: (بخلاف التمسك بمثله فى القياس) كالتمسك بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
قوله: (لأن مجرد ترتب الوعيد. . . إلخ) علة لجعل الشارح الضم إلى الكفر دليلًا على الوعيد وما قاله الشارح هو فى المآل راجع إلى التقرير الذى قاله غير أن التقرير أوضح.
قوله: (وقد يتوهم من عبارته. . . إلخ) إنما قال: يتوهم لاحتمال أن قوله: ولما حسن الجمع. . . إلخ. عطف علة على معلول.
قوله: (فالمؤمنون عام لكل مؤمن) أى فلا يكون الإجماع سبيلًا لأنه خاص بالمجتهدين فى عصر.
قوله: (فهو عام فى العالم والجاهل) يقال فيه ما قيل فى الذى قبله.
قوله: (فلفظ السبيل مفرد لا عموم له) أى فيحتمل غير الإجماع احتمالًا بدليًا.
قوله: (جعل المصنف الاعتراض قادحًا) أى الاعتراض باحتمال التخصيص.
قوله: (وبين ضعف الجواب) أى عن اعنراض احتمال التخصيص والجواب هو الإجماع على اعتبار الظاهر وقوله: بأنه أى الجواب مستلزم للدور هو ثبوت حجية الإجماع بالظاهر المتوقف على الإجماع.
قوله: (فوقع الإجماع على إباحته) أى فيكون متابعة الإجماع حينئذ موقعًا فى الضرر.
стр. 997
قال: (الغزالى ﵀ بقوله لا تجتمع أمتى من وجهين: أحدهما: تواتر المعنى لكثرتها كشجاعة على، وجود حاتم، وهو حسن، الثانى: تلقى الأمة لها بالقبول، وذلك لا يخرجها عن الآحاد).
أقول: استدل الغزالى على حجية الإجماع بقوله ﵊: "لا تجتمع أمتى على الخطأ"، من وجهين:
أحدهما: تواتر المعنى وهو أنه جاء بروايات كثيرة نحو: "لا تجتمع أمتى على الضلالة"، "لا تزال طائفة من أمتى على الحق حتى تقوم الساعة حتى يجئ المسيح الدجال"، "يد اللَّه على الجماعة"، "من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية" إلى غير ذلك، والآحاد وإن لم تتواتر فقد تواتر القدر المشترك وحصل العلم به، كما فى شجاعة على، وجود حاتم، واستحسنه المصنِّفُ.
ثانيهما: تلقى الأمة لها بالقبول، فلولا أنها صحيحة قطعًا لقضت العادة بامتناع الاتفاق على قبولها وبامتناع تقديمه بها على القاطع، وهذا لم يستحسنه لأن قبول الأمة لها لا يخرجها عن الآحاد، فلا يصح إسناد الإجماع إليها ولعل تقديم الإجماع على القاطع بغيرها لا بها.
قوله: (فلا يصح إسناد الإجماع إليها) لأنها وإن كثرت وقبلت لم تكن إلا ظنية فلا تصلح أصلًا ومبنى للقطعى إذ المبتنى على الشئ أو المستند إليه لا يكون أعلى حالًا منه فإن قيل هى تفيد ظن حجية الإجماع فيجب العمل به لأن دفع الضرر المظنون واجب قلنا: مبنى على قاعدة الحسن العقلى ولو سلم ربما يكون إيقاعًا فى الضرر لا دفعًا كما إذا دل ظنى على وجوب شئ أو حرمته فوقع إجماع على إباحته على أنه لو صح لكفى خبر واحد من غير كثرة أو تلق بالقبول.
الشارح: (لا يخرجها عن الآحاد) قال ابن السبكى فى شرحه على هذا الكتاب: ولقائل أن يقول تلقى الأمة بالقبول وإن لم يخرجه عن الآحاد فلا يلزم أن يكون مظنونًا لأن خبر الواحد قد تقترن به قرينة تصيره مقطوعًا، وجاز أن تكون القرينة هى تلقيهم له بالقبول فيستدل به على الإجماع ولم يدع الغزالى غير هذا فتأمل.
стр. 998
قال: (واستدل إجماعهم يدل على قاطع فى الحكم لأن العادة امتناع اجتماع مثلهم على مظنون، وأجيب بمنعه فى الجلى وأخبار الآحاد بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر).
أقول: استدل إمام الحرمين على حجيته بأن الإجماع يدل على وجود دليل قاطع فى الحكم المجمع عليه لأن العادة تقضى بامتناع اجتماع مثلهم على مظنون فيكون الحكم حقًا وهو المطلوب.
والجواب: لا نسلم قضاء العادة بذلك، وإنما يمتنع اتفاقهم على مظنون إذا دق فيه النظر، وأما فى القياس الجلى وأخبار الآحاد بعد العلم بوجوب العمل بالظواهر فلا.
قوله: (بعد العلم بوجوب العمل) إنما قَيَّد بذلك لأنه لو لم يعلم ذلك لامتنع الاتفاق على مقتضى الظواهر عادة سواء علم جواز العمل أو لم يعلم والمراد بالقياس الجلى ما قطع فيه بنفى الفارق.
الشارح: (وأما فى القياس الجلى وأخبار الاحاد بعد العلم. . . إلخ) أى فلا مانع من أن يكون الإجماع بناء على ذلك فلا يلزم أن يكون دليل الحكم مقطوعًا به ولقائل أن يقول: علمهم بوجوب العمل إن كان مستنده الإجماع ففاسد للزوم الدور وإن كان غيره صح أن يقال فى استدلال الشافعى: إن العمل بالظاهر فيه ليس بالإجماع حتى يلزم الدور فلم يصح اعتراض المصنف عليه.
стр. 999
قال: (المخالف تبيانًا لكل شئ فردوه ونحوه وغايته الظهور وبحديث معاذ حيث لم يذكره رضى اللَّه عنه وأجيب بأنه لم يكن حينئذٍ حجة).
أقول: المخالفون احتجوا بوجهين:
قالوا: أولًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فلا مرجع فى تبيان الأحكام إلا إليه، والإجماع غيره، وقال أيضًا: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فلا مرجع غير الكتاب والسنة ويمكن منع ظهوره فيما أراد بأن الأول لا ينافى كون غيره أيضًا تبيانًا ولا كون الكتاب تبيانًا لبعض الأشياء بواسطة الإجماع، والثانى: بأنه يختص بما فيه النزاع والمجمع عليه ليس كذلك، أو يختص بالصحابة وإن سلم فغايته الظهور ولا يقاوم القاطع، قوله: ونحوه إشارة إلى قول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: ٣٣]، ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ [الإسراء: ٣٣]، مما ورد نهيًا عامًا للأمة، عن خطأ ما ولولا جوازه منهم لما أفاده.
والجواب: بعد كونه منعًا لكل واحد لا للكل وعدم استلزام النهى الجواز أنه ظاهر كما مر.
قالوا: ثانيًا: يدل عليه حديث معاذ، وهو أنه أهمل الإجماع عند ذكر الأدلة إذ سأله النبى ﵊ عنها وأقره النبى ﷺ ، فدل على أنه ليس بدليل.
الجواب: أنه إنما لم يذكره لأنه حينئذٍ لم يكن حجة لعدم تقرر المأخذ من الكتاب والسنة بعد ولا يلزم أن لا يكون حجة بعد الرسول وتقرر المأخذ.
قوله: (الأول لا ينافى كون غيره أيضًا تبيانًا) اعترض بأن تبيان المبين محال.
قوله: (ونحوه) ذهب كثير من الشارحين إلى أنه إشارة إلى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، إلا أنه لما أورد الآمدى من أدلة نفى الإجماع النواهى العامة للأمة مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، جعل العلامة قوله: ونحوه إشارة إلى هذا النوع من الاستدلال ووافقه المحقق والجواب من وجوه:
أحدها: أنه مع لكل أحد لا للكل فلا يستلزم إلا جواز الخطأ على كل أحد
стр. 1000
دون الجميع.
وثانيها: أن النهى عن الشئ لا يستلزم جواز صدوره عن المكلف لجواز أن يمتنع لغيره فيكفى فى النواهى العامة إمكان خطأ الأمة بالذات وإن امتنع لغيره بالأدلة.
وثالثها: أنه ظاهر فلا يفيد القطع.
الشارح: (بواسطة الإجماع) أى الذى دل على الأخذ به الكتاب.
الشارح: (لعدم تقرر المأخذ من الكتاب والسنة بعد) أى الآن أى حين ذاك.
قوله: (جواز صدوره عن الكلف) يعنى الجواز الوقوعى لا مجرد الإمكان.
قوله: (أنه ظاهر فلا يفيد القطع) الأولى فلا يقاوم القاطع.
стр. 1001
قال: (مسألة: وفاق من سيوجد لا يعتبر اتفاقًا والمختار أن المقلد كذلك وميل القاضى إلى اعتباره وقيل يعتبر الأصولى وقيل الفروعى. لنا لو اعتبر لم يتصور وأيضًا المخالفة عليه حرام فغايته مجتهد خالف وعلم عصيانه).
أقول: القائلون بالإجماع أجمعوا على أن لا عبرة بالخارج عن ملة الإِسلام ولا بوفاق من سيوجد من الأمة وإلا لم يعلم إجماع قط والأدلة المتقدمة السمعية والعقلية تدل على ذلك وأما المقلد فالأكثر على أنه لا يعتبر وإن حصل طرفًا صالحًا من العلوم التى لها مدخل فى الاجتهاد وميل القاضى إلى اعتباره وقيل يعتبر الأصولى دون الفروعى وقيل يعتبر الفروعى دون الأصولى لنا لو اعتبر وفاقهم لم يتصور إجماع إذ العادة تمنع وافقهم ولنا أيضًا أنه عند اتفاق المجتهدين يحرم على المقلد المخالفة قولًا وفعلًا قطعًا فغايته أنه مجتهد خالف وعلم عصيانه بالمخالفة ولا يعتد بمخالفة ذلك المجتهد حينئذٍ قطعًا مع اجتهاده وإمكان صحة نظره فهذا مع الجزم بقصوره وعدم العبرة بقوله أجدر.
قوله: (على ذلك) أى على أن إجماعًا وهو ظاهر أو على أنه لا عبرة بالخارج عن الملة وبمن سيوجد من الأمة لأن الاتفاق على القطع بتخطئة المخالف وعلى تقديمه على القاطع إنما هو فى إجماع مجتهدى الأمة من عصر وكذا وجوب اتباع سبيل المؤمنين لا يتصور فى جميع المؤمنين إلى يوم القيامة، إذ لا تكليف حينئذٍ ولا اتباع والذى تواتر معنى هو سلب الخطأ عن جمع من الأمة لا جميعهم إلى يوم القيامة.
قوله: (وميل القاضى إلى اعتباره) أى اعتبار المقلد عاميًا كان أو أصوليًا أو فروعيًا ولم يتعرض الشارح لهذا المذهب لبعد اعتبار العامى وأشار إلى أن المقلد المختلف فى اعتباره هو الذى حصل طرفًا من العلوم التى لها مدخل فى الاجتهاد وهو لا محالة يكون أصوليًا أو فروعيًا فينبغى أن يكون ميل القاضى إلى اعتبار الأصولى والفروعى جميعًا.
قوله: (تمنع وفاقهم) أى وفاق المقلدين عامة وكذا وفاق الأصوليين أو الفروعيين خاصة لكثرتهم وانتشارهم بخلاف المجتهدين فإن العادة لا تمنع وفاقهم، وإن كانت كثرتهم أيضًا مما ليس له حدّ معلوم.
стр. 1002
قوله: (فغايته أنه مجتهد) خالف جمهور الشارحين على أن المراد مجتهد نشأ بعد تحقق الإجماع فخالف وعلم عصيانه لأن مخالفته الإجماع حرام فكأنه لا عبرة به فكذا بالمقلد الذى كان مع أهل الإجماع وخالفهم فإنه يعصى اتفاقًا وهذا إنما يتم عند من لا يشترط انقراض العصر وإلا فلا عصيان ولا يخفى أنه لا مدخل له على هذا التقرير لذكر العلم لأن عدم الاعتبار بذلك المجتهد ليس من جهة عصيانه بل من جهة انعقاد الإجماع وتمامه حين لم يكن هو مجتهدًا وأيضًا ذكر الغاية مشعر بأن هذا المجتهد يكون مع أهل الإجماع كالمقلد وإلى هذا يميل كلام الشارح، لكن يشكل بأنه كيف ينعقد الإجماع بدونه حتى يعصى بالمخالفة اللهم إلا أن يكون إجماعهم عن قاطع فهو يعصى لمخالفة ذلك بالقاطع لا للإجماع ثم مبنى الكلام على أن المقلد المخالف يعصى اتفاقًا وهو مشكل عند من يشترط فى حجية الإجماع موافقته وعلى أنه لا عبرة بالمجتهد الفاسق وسيجئ.
قوله: (أى على أن إجماعًا) هكذا فى النسخ وهو تحريف وأصله أى على أن هناك إجماعًا أى على وجود الإجماع.
قوله: (والذى تواتر معنى. . . إلخ) إشارة إلى دليل الغزالى.
قوله: (عند من لا يشترط انقراض العصر) أى حتى بتحقق الإجماع قبل هذا المجتهد ويعصى بالمخالفة.
قوله: (لذكر العلم) أى العلم بالعصيان.
قوله: (ذكر الغاية) أى بقوله فغايته مجتهد خالف، وقوله يشعر بأن هذا المجتهد يكون مع أهل الإجماع كالمقلد أى فيكون اجتهاده حين إجماعهم لا بعده.
قوله: (لا للإجماع) أى لا لمخالفة الإجماع والإجماع منعقد بدونه حيث كان عن قاطع.
قوله: (وعلى أنه لا عبرة بالمجتهد الفاسق) أى لمخالفته القاطع أما على اعتباره فلا ينعقد الإجماع بدونه فلا يقال فى المقلد غايته مجتهد خالف وعلم عصيانه.
стр. 1003
قال: (مسألة: المبتدع بما يتضمن كفرًا كالكافر عند المكفر وإلا فكغيره وبغيره، ثالثها يعتبر فى حق نفسه فقط لنا أن الأدلة لا تنتهض دونه، قالوا فاسق فيرد قوله كالكافر والصبى وأجيب بأن الكافر ليس من الأمة والصبى لقصوره، ولو سلم فيقبل فى نفسه).
أقول: المجتهد المبتدع إن كانت بدعته تتضمن كفرًا كالمجسمة فإن قلنا بالتكفير فهو كالكافر فلا تعتبر موافقته ولا مخالفته وإن لم نقل بتكفيره فهو كغيره من أصحاب البدع الظاهرة ثم غيره كمن فسق فسقًا فاحشًا وأصر كالخوارج اجتاحوا الأنفس وأحرقوا الديار وسبوا الذرارى واستباحوا الفروج والأموال هل يعتبر؟ فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: يعتبر مطلقًا، ثانيها: لا يعتبر مطلقًا، ثالثها: يعتبر فى حق نفسه لا فى حق غيره فلا يكون الاتفاق مع مخالفته حجة عليه ويكون حجة على من سواه. لنا الأدلة المذكورة لا تنتهض دونه إذ ليس من سواه كل الأمة والدليل إنما دل فيه وكل حكم شرعى لا دليل عليه وجب نفيه قالوا: فاسق فلا يعتبر قوله كالكافر والصبي بجامع عدم العدالة.
الجواب: منع علية الوصف للحكم بل إنما لم يعتبر الكافر لأنه ليس من الأمة، والصبى لقصوره عن النظر والاجتهاد، سلمنا ذلك لكن فسقه لا يمنع قبول قوله فى حقه كإقرار الفاسق والكافر كما هو الذهب الثالث، وقد يقال قوله هذا لو قيل كان له لا عليه.
قوله: (واستباحوا الفروج والأموال) أى تصرفوا فيها تصرف المبيحين وإلا فاستباحة الحرام القطعى كفر محض.
قوله: (وقد يقال) اعتراض على هذا الجواب وظاهره كلام على السند فتوجيهه أنه لا عبرة لكلام الفاسق فيما له وفاق كالكافر وهذا له ووجه كونه له لا عليه أنه يحصل له بهذا شرف الاعتداد به والاعتبار لمقالته وإلا فبالنظر إلى الحكم قد يكون عليه كما إذا أجمعوا على إباحة شئ فخالفهم إلى وجوبه أو حرمته.
المصنف: (قالوا فاسق فيرد قوله. . . إلخ) أى أن المبتدع فاسق والفسق مانع كالكفر والصبا، وقوله: فيقبل على نفسه أى كما يقبل إقرار الفاسق وهذا هو
стр. 1004
المذهب الثالث، وفى الفاسق مذاهب: أحدها عدم اعتباره مطلقًا وعليه الجمهور، ثانيها: اعتباره مطلقًا وهو رأي الشيخ أبى إسحاق الشيرازى، ثالثها: يعتبر فى حق نفسه دون غيره وهو رأي إمام الحرمين، رابعها: يسأل عن مأخذه لجواز أن يحمله فسقه على الفتيا من غير دليل فإن ذكر ما يجوز أن يكون محتملًا اعتبر، وإلا فلا وهو رأى ابن السمعانى. اهـ من شرح ابن السبكى.
قوله: (كلام على السند) هو قوله: كإقرار الفاسق.
قوله: (لا يسلمون الإجماع على القطع بتخطئة المخالف) أى يمنعونه فى كل إجماع بل الذى يقطع بتخطئة مخالفه إنما هو إجماع الصحابة.
стр. 1005
قال: (مسألة: لا يختص الإجماع بالصحابة وعن أحمد ﵀ قولان لنا الأدلة السمعية، قالوا: إجماع الصحابة قبل مجئ التابعين وغيرهم على أن ما لا قطع فيه سائر فيه الاجتهاد فلو اعتبر غيرهم خولف إجماعهم وتعارض الإجماعان، وأجيب بأنه لازم فى الصحابة قبل تحقق إجماعهم فوجب أن يكون ذلك مشروطًا بعدم الإجماع، قالوا: لو اعتبر لاعتبر مع مخالفة بعض الصحابة رضى اللَّه عنهم، وأجيب بعقد الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبريها).
أقول: لا يختص الإجماع المحتج به بالصحابة بل إجماع غيرهم حجة خلافًا للظاهرية، وعن أحمد فيه قولان لنا أنه إجماع الأمة فوجب اعتباره بالأدلة السمعية نحو: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، "لا تجتمع أمتى على الخطأ".
قالوا: أولًا: لو اعتبر إجماع غير الصحابة لزم عدم اعتبار إجماع الصحابة ولزم تعارض الإجماعين وكلاهما باطل، بيانه أنه انعقد إجماع الصحابة قبل مجئ التابعين وغيرهم فيما لا قاطع فيه من الأحكام أنه يجوز فيه الاجتهاد والأخذ بأى واحد من الطرفين أدى إليه الاجتهاد فلو أجمع غيرهم بعدهم فى شئ منها لم يجز فيه الاجتهاد إجماعًا ولا الأخذ بغير ما عليه الإجماع فأدى إلى بطلان الإجماع الأول وإلى تعارض الإجماعين.
والجواب: أن ذلك جار فى إجماع الصحابة قبل تحقق إجماعهم لإجماعهم على جواز الاجتهاد فى المسائل المختلف فيها، فلو صح ما ذكرتم وجب أن لا يجوز إجماعهم فى شئ منها واللازم باطل بالاتفاق فانتقض دليلكم، فالتحقيق أنه يجب أن يكون المجمع عليه منهم مشروطًا بعدم القاطع وهو أن ما لا قاطع فيه يسوغ فيه الاجتهاد ما دام كذلك وأكثر القضايا العرفية سيما السوالب تفيد ذلك وإن لم يصرح به فإذا قلت: لا شئ من النائم بيقظان فهم منه ما دام نائمًا، وفيما ذكرنا من الصورة قد زال الشرط فزال الحكم فلا يلزم شئ من الأمرين.
قالوا: ثانيًا: لو اعتبر إجماع غيرهم لاعتبر مع مخالفة بعض الصحابة لأنها لا تصلح معارضًا للإجماع واللازم منتف.
الجواب: أن من لا يعتبر مخالفة بعض الصحابة ولا يراها قادحة فى الإجماع فهذا عنه ساقط وإنما يتوجه على من يعتبرها وهو يمنع كون ذلك إجماعًا فإنه يشترط فى الإجماع أن لا يسبقه خلاف مستقر والحاصل أن معتبرها يمنع الملازمة
стр. 1006
وغيره يمنع بطلان اللازم.
قوله: (بالأدلة السمعية) لأن العقلية لا تنتهض لأن الظاهرية لا يسلمون الإجماع على القطع بتخطئة المخالف، فإن قيل: وكذا السمعية لأن المؤمن والأمة لا يتناول حقيقة إلا الموجودين حال نزول الآية وورود الأحاديث قلنا: فيلزم أن لا يعتد بمن وجد من الصحابة بعد ذلك وهو باطل اتفاقًا.
قوله: (جار فى إجماع الصحابة) يعنى لو صح ما ذكرتم لزم أن لا يصح إجماع الصحابة على شئ من المسائل المختلف فيها لأنهم قد أجمعوا على جواز الاجتهاد فيها فلو أجمعوا على شئ منها لزم بطلان الإجماع الأول وتعارض الإجماعين لأن الإجماع الأول يقتضى جواز الأخذ بالاجتهاد فى تلك المسألة، والإجماع الثانى ينفيه ويقتضى وجوب الأخذ بما أجمعوا عليه وبهذا يظهر أن قوله: قبل تحقق إجماعهم مما لا حاجة إليه وأن هذا الإلزام مقيد بما بعد الإجماع على جواز الاجتهاد فالأولى أن يقال: هذا لازم بعد تحقق إجماعهم على جواز الاجتهاد فيها.
قوله: (قد زال الشرط) أو وجد القاطع الذى هو الإجماع.
قوله: (لأنها) أى مخالفة بعض الصحابة لا تصلح معارضًا لإجماع غير الصحابة لأن الظنى لا يعارض القطعى.
المصنف: (لنا الأدلة السمعية) فإن قلت: كيف استدل المصنف هنا بالسمع وهو إنما يستند فى الإجماع إلى المعنى والعقل قلت: استناده إلى المعنى والعقل من أجل كون الإجماع حجة لأن ذلك أصل قاطع فيطلب له دليل قاطع، وهنا استناده إلى السمع فى أنه هل يختص بالصحابة وهى مسألة ظنية يكفى فيها دليل ظنى. اهـ. من شرح ابن السبكى.
قوله: (وبهذا يظهر. . . إلخ) فيه أن معنى قوله: قبل إجماعهم؛ قبل إجماعهم على الحكم بعد أنهم أجمعوا على أن ما لا قاطع فيه يجوز فيه الاجتهاد فلو صح ما ذكره الخصم لم يجز للصحابة أن يجمعوا على الحكم والتزام أن الصحابة أجمعوا على الحكم قبل إجماعهم على أن ما لا قاطع فيه يجوز فيه الاجتهاد لا دليل عليه فلا غبار على المصنف والشارح.
стр. 1007
قال: (مسألة: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين كإجماع غير ابن عباس رضى اللَّه عنهما، على العول وغير أبى موسى على أن النوم ينقض الوضوء لم يكن إجماعًا قطعيًا لأن الأدلة لا تتناوله والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف).
أقول: لا ينعقد الإجماع مع وجود المخالف وإن قل لأن الدليل لا ينتهض إلا فى كل الأمة نعم لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين كإجماع من عدا ابن عباس رضى اللَّه عنهما على العول ومن عدا أبا موسى الأشعرى على أن النوم ينقض الوضوء ومن عدا أبا طلحة على أن البرد لا يفطر، لم يكن إجماعًا قطعيًا، لما ذكرنا أن الأدلة لا تتناوله لكن الظاهر أنه يكون حجة لأنه يدل ظاهرًا على وجود راجح أو قاطع، لأنه لو قدر كون متمسك المخالف النادر راجحًا والكثيرون لم يطلعوا عليه أو اطلعوا عليه وخالفوه غلطًا أو عمدًا كان فى غاية البعد.
قوله: (لو ندر المخالف) أى قل غاية القلة لم يكن اتفاق من عداه إجماعًا قطعيًا بمعنى أنه لا يكفر جاحده لكن يكون إجماعًا ظنيًا يجب على المجتهد العمل به وكان التعريف المذكور إنما هو للإجماع القطعى، فإن قيل: حكم العادة جار ههنا إذ يستحيل عادة إجماع الأكثرين من المحققين على القطع فى شرعى من غير قاطع قلنا: ممنوع بل ذلك فى الكل نعم هو بعيد غاية البعد وإن كان ممكنًا فى نفسه بأن يطلع الواحد على ما لم يطلع عليه الجماعة إذ من البعيد أن يكون متمسك المخالف النادر راجحًا أو مساويًا.
الشارح: (على أن البرد لا يفطر) البرد يطلق لغة على النوم فيحتمل أنه المراد هنا.
стр. 1008
قال: (مسألة: التابعى المجتهد معتبر مع الصحابة فإن نشأ بعد إجماعهم فعلى انقراض العصر لنا ما تقدَّم واستدل لو لم يعتبر لم يسوغوا اجتهاده معهم كسعيد ابن المسيب وشريح والحسن ومسروق وأبى وائل، والشعبى، وابن جبير، وغيرهم، وعن أبى سلمة: (تذاكرت مع ابن عباس وأبى هريرة فى عدة الحامل للوفاة فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا بالوضع، فقال: أبو هريرة أنا مع ابن أخى، وأجيب بأنهم إنما سوغوه مع اختلافهم).
أقول: التابعى المجتهد عند انعقاد الإجماع من الصحابة يعتبر معهم فلا ينعقد إجماعهم مع مخالفته وقال بعض العلماء: لا يعتدّ به وبمخالفته، وأما من نشأ وبلغ درجة الاجتهاد بعد انعقاد إجماعهم فاعتباره وعدم اعتباره مبنى على الخلاف فى اشتراط انقراض العصر فمن اشترط اعتبر ومن لم يشترط لم يعتبر. لنا ما تقدَّم أن الأدلة لا تتناوله إذ ليسوا بدونه كل الأمة واستدل لو لم يعتبر قوله وكان إن خالفهم باطلًا قطعًا لم يسوغ الصحابة اجتهاده معهم لعدم الفائدة على تقديرى الموافقة والمخالفة، واللازم منتف، فإن الصحابة سوغوا للتابعين المعاصرين لهم الاجتهاد معهم كسعيد بن السيب وشريح، والحسن البصرى، ومسروق وأبى وائل، والشعبى، وسعيد بن جبير، وغيرهم، وكأبى سلمة، وقد روى عنه: تذاكرت مع ابن عباس وأبى هريرة فى عدة الحامل لوفاة زوجها فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، وقلت أنا بوضع الحمل، فقال: أبو هريرة أنا مع ابن أخى، أى أبى سلمة، فأجاز اجتهاد التابعى، ورجح رأيه على رأى الصحابى.
الجواب: إنما يصح ذلك لو قلنا بأن مخالفته لهم خطأ مطلقًا، ولا نقول به بل إذا خالفهم مع إجماعهم وما ذكرتموه ومن تسويغ الاجتهاد معهم إنما كان مع الاختلاف فلا يفيدكم.
قوله: (عند انعقاد الإجماع) قَيْد لاجتهاد التابعى يشعر به قوله: وإن نشأ أى حدث التابعى بل اجتهاده بعد إجماعهم، والتابعى ههنا أعم من أن يكون نادرًا أو كثيرًا، والمخالف النادر فى المسألة السابقة أعم من أن يكون تابعيًا أو غيره فبين المسألتين عموم من وجه، فمعنى قوله: لا ينعقد الإجماع، أنه لا يكون إجماعًا قطعيًا لكن يكون حجة عند ندرة التابعى، وقوله: لو لم يعتبر، قوله: أى: قول
стр. 1009
التابعى المجتهد وكان أى قوله: باطلًا قطعًا على تقدير مخالفته المجمعين من الصحابة فوسط الشرط بين كان وخبره وحاصل الجواب منع الملازمة إن أريد المخالفة مطلقًا، وبطلان اللازم إن أريد فيما اتفقوا عليه.
المصنف: (وأجيب بأنهم إنما سوغوه مع اختلافهم) يعنى فقول المستدل: لو لم يعتبر لم يسوغوا اجتهاده معهم إن أريد لم يسوغوا مطلقًا فالملازمة ممنوعة، لأنه لا يلزم من عدم اعتبار التابعى فى اتفاق الصحابة أن لا يسوغوا اجتهاده معهم مطلقًا بل أن لا يسوغوه فيما اتفقوا عليه لا فيما اختلفوا فيه، وإن أريد لم يسوغوا الاجتهاد فيما اتفقوا عليه فالملازمة مسلمة وتمنع بطلان اللازم.
стр. 1010
قال: (مسألة: إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك وقيل محمول على أن روايتهم متقدمة وقيل على المنقولات المستمرة، كالأذان والإقامة والصحيح التعميم. لنا أن العادة تقضى بأن مثل هذا الجمع المنحصر من العلماء الأحقين بالاجتهاد لا يجمعون إلا عن راجح، فإن قيل يجوز أن يكون متمسك غيرهم أرجح، ولم يطلع عليه بعضهم، قلنا العادة تقضى باطلاع الأكثر، والأكثر كاف فيما تقدم، واستدل بنحو: إن المدينة طيبة تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد، وهو بعيد وبتشبيه علمهم بروايتهم ورد بأنه تمثيل لا دليل مع أن الرواية ترجح بالكثرة بخلاف الاجتهاد).
أقول: قد اشتهر أن إجماع أهل المدينة وحدها من الصحابة والتابعين حجة عند مالك ﵀ فقيل قوله ذلك محمول على أن روايتهم متقدمة على رواية غيرهم، وقيل محمول على حجية إجماعهم فى المنقولات المستمرة كالأذان والإقامة والصاع والمد دون غيرها، والصحيح عند المصنِّف هو التعميم أى القول بكونه حجة مطلقًا والأكثر على أنه ليس بحجة لنا أن العادة قاضية بعدم إجماع هذا الجمع الكثير من العلماء المحصورين الأحقين بالاجتهاد إلا عن راجح فقوله: مثل هذا الجمع تنبيه على أنه لا خصوصية للمدينة فيستبعد كون المكان له مدخل وإنما اتفق فيها ذلك، ولو اتفق مثله فى غيرها لكان كذلك قوله: المنحصر أراد به انحصارهم فى المدينة واجتماعهم فيها وقلة غيبتهم عنها حتى لو اتفق عدتهم أو أكثر متفرقين فى البلاد أو مختلطين بمن خالفهم أو غائبين عن بلدتهم لم يعتبر ولم تقض العادة باطلاعهم على الراجح فلعل دليل المخالف راجح وهؤلاء مجمعون يتشاورون ويتناظرون ويتفقون فيبعد أن لا يطلع أحد منهم على دليل المخالف مع رجحانه.
قوله: الأحقين بالاجتهاد احتراز عن منحصرين فى موضع آخر لا يكون مهبطًا للوحى، وأهله غير واقفين على وجوه الأدلة من قول الرسول وفعله وفعل أصحابه فى زمانه ووجوه الترجيح فإنه لا يشك فى أن أهل المدينة كانوا أعرف بذلك، فإن قيل: لا نسلم أن العادة قاضية فى اتفاق مثلهم عن راجح لأنهم بعض الأمة فيجوز أن يكون متمسك غيرهم أرجح فرب راجح لم يطلع عليه البعض.
قلنا: لا نقول العادة قاضية باطلاع الكل فيرد ذلك بل باطلاع الأكثر، والأكثر
стр. 1011
كاف فى تتميم دليلنا بأن يقال: إذا وجب اطلاع الأكثر امتنع أن لا يطلع عليه من أهل المدينة أحد ويكون ذلك الأكثر غيرهم وما فيه أحد منهم والاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور، وقد استدل بنحو: "المدينة طيبة تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد" والباطل خبث، فينتفى عنها، وهو بعيد لأنه إنما يدل على فضلها لما علم من وجود الباطل كالفسوق والمعاصى فيها ولا دلالة على انتفاء الخطأ عما اتفق عليه أهلها بخصوصه واستدل بتشبيه علمهم بروايتهم فإنها تقدَّم على رواية غيرهم اتفاقًا، فكذا عملهم وعقيدتهم ورأيهم يقدم على ما لغيرهم.
الجواب: أنه تمثيل خال عن الجامع فلا يصلح دليلًا وإن سلم فالفرق ظاهر وهو أن الرواية تترجح بكثرة الرواة اتفاقًا، والاجتهاد لا يترجح بكثرة المجتهدين.
قوله: (تنبيه على أنه لا خصوصية) إشارة إلى دفع اعتراض الشارحين بأنه لا مدخل للبقعة فى النظر والاستدلال يعنى ليس ذلك لخصوصية المكان بل لأنه قد اتفق فيه إجماع المحصورين الأحقين، وقوله: أراد به انحصارهم، دفع لما ذكره العلامة من أنه إنما قال ذلك لئلا يرد عليه ما ورد على إجماع مجتهدى الأمة من أنهم منتشرون شرقًا وغربًا فلا يتصور إجماعهم ثم قال: والظاهر أنه لا حاجة إلى ذلك لأن الكلام مع مثبتى الإجماع دون منكريه وكأنه إنما تعرض له لينتهض دليلًا على كل مسلم.
قوله: (والأكثر كاف) تقرير الجواب على ما فى الشروح أن العادة تقضى باطلاع الأكثر عددًا وصحبة على المتمسك الراجح والأكثر كاف فى كون قولهم حجة وإن لم يكن إجماعًا قطعيًا على ما مر فى مسألة ندرة المخالف واعترض بأن كونهم أكثر عددًا ممنوع، وأكثر صحبة لم يتقدم ذكره فأجيب بأن المراد كونهما أكثر صحبة كاف كما أن كون أهل الإجماع أكثر عددًا كاف أو المراد أن الأكثر كاف فيما تقدَّم أى فى الاطلاع على الراجح، ولما كان هذا فى غاية الضعف مع شئ آخر وهو أن مقابل الأكثر هو الأقل وذلك لا يستلزم الندرة تكلف الشارح المحقق غاية التكلف وجعل قوله فيما بعد إشارة إلى تتميم الدليل، ولما ورد عليه منع لما ذكره بناء على احتمال أن يكون الأكثر المطلع على الراجح غيرهم ليس فيهم منهم أحد دفعه بأن الاحتمالات البعيدة لا تنفى الظهور.
стр. 1012
قوله: (بتشبيه عملهم) كذا فى جميع النسخ أى اجتهادهم واتفاقهم وكأنه وقع فى نسخة الشارح عملهم ففسره برأيهم وعقيدتهم وبالجملة لما كان ظاهر قوله: تمثيل لا دليل غير مستقيم لأن التمثيل هو القياس قيدوه بالخلو عن الجامع، ولما كان الجامع ظاهرًا وهو اختصاصهم بالصفات الموجبة للتقديم والترجيح بينوا الفرق بأن الرواية ترجح بالكثرة بخلاف الاجتهاد ووجهه أنه لما ترجحت الكثرة جاز أن يترجح بمثل هذه الصفات المناسبة للكثرة فى إفادة زيادة الظن.
المصنف: (وقيل على المنقولات المستمرة) أى المتكررة الوقوع وقوله: كالأذان والإقامة فلو أجمعوا على أن الإقامة فرادى كان حجة.
الشارح: (والصاع والمد) أى مقدارهما.
الشارح: (لا خصوصية للمدينة) أى من حيث هى وإن كانت لها خصوصية باعتبار كونها مهبط الوحى وأهلها أدرى بالسنة.
الشارح: (وأهله غير واقفين) عطف على قوله: لا يكون مهبطًا للوحى فهو صفة لموضع آخر.
قوله: (دليلًا على كل مسلم) أى سواء منكر الإجماع ومثبته لأن الإجماع المنكر هو إجماع مجتهدى الأمة وهم متشردون فى البلاد شرقًا وغربًا فلا يتصور إجماعهم بخلاف إجماع أهل المدينة.
قوله: (فأجيب بأن المراد. . . إلخ) يعنى ليس المراد بذكر الأكثر عددًا إلا تشبيه المقصود به وهو الأكثر صحبة وليس المراد بالأكثر عددًا أهل المدينة بل المراد أن أهل الإجماع أكثر عددًا من غيرهم.
قوله: (أو المراد أن الأكثر كاف فيما تقدم) أى فى الاطلاع على الراجح هذا وجه آخر فى تقرير الجواب باعتبار بيان المراد مما تقدم، فإنه فى الوجه الأول المراد به فى كون قولهم حجة وفى هذا فى الاطلاع على الراجح، وليس هذا جوابًا ثانيًا عن الاعتراض على تقرير الجواب على ما فى الشروح.
قوله: (ولما كان هذا) أى تقرير الجواب على ما فى الشروح، سواء كان المراد بما تقدم كون قولهم حجة أو الاطلاع على الراجح، وقوله فى غاية الضعف وذلك
стр. 1013
لأن كون العادة تقضى باطلاع الأكثر الذين هم أهل الإجماع من أهل المدينة والأكثر المذكور كاف فى كونه حجة أو فى الاطلاع على الراجح غير مسلم لأن الأكثر الكافى فى ذلك لا بد أن يعتبر فى ذاته وهو الأكثر من أهل الإجماع مطلقًا.
قوله: (إشارة إلى تتميم الدليل) أى فما تقدم هو الدليل المذكور قبل، والكلام على حذف مضاف.
قوله: (جاز أن يترجح بمثل هذه الصفات) أى التى لأهل المدينة بخلاف عملهم.
стр. 1014
قال: (مسألة: الإجماع لا ينعقد بأهل البيت وحدهم خلافًا للشيعة ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافًا لأحمد، ولا بأبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما، عند الأكثرين، قالوا: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"، "اقتدوا باللذين من بعدى"، قلنا يدل على أهلية اتباع المقلد ومعارض بمثل: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، و"خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء").
أقول: لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم مع مخالفة غيرهم لهم أو عدم الموافقة والمخالفة خلافًا للشيعة ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافًا لأحمد، ولا بأبى بكر وعمر عند الأكثرين خلافًا لبعضهم، لنا أن الأدلة لا تتناولهم وقد تكرر فلم تكرر، أما الشيعة فبنوا على أصلهم فى العصمة وقد قرر فى الكلام فلم يتعرض له، وأما الآخرون فقالوا: قال ﵊: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى"، وقال: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر".
الجواب: أنهما إنما يدلان على أهلية الأربعة أو الاثنين لتقليد المقلد لهم لا على حجة قولهم على المجتهد ثم إنه معارض بقوله: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فإنه يدل على اهتداء من اقتدى بمن خلفهم، وبقوله: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" والمراد المقلد قطعًا وإلا لزم كونه حجة عند مخالفتها لهم.
قوله: (أو عدم الموافقة والمخالفة) بأن علم منهم التوقف أو عدم سماع الحكم وإلا فيكون إجماعًا سكوتيًا.
قوله: (وقد قرر فى الكلام فلم يتعرض له) إشارة إلى دفع ما ذكره العلامة من أنه لا وجه لتركه أدلة الشيعة وكأنه غفل عنه عند الاختصار لأنه ذكر فى المنتهى فى مسألة برأسها، فإن قيل لم يبنوا على العصية بل تمسكوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية، وقوله ﵊: "إنى تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا كتاب اللَّه وعترتى"، ونحو ذلك قلنا: المراد أن عمدتهم الوثقى هى العصمة، وإلا فقد سبق أنهم لا يقولون بحجية الإجماع.
قوله: (لا على حجية قولهم) كأنه مبنى على الجمع بين الأدلة وإلا فدلالتهما على الحجة ظاهرة اللهم إلا أن يقال لفظ: "عليكم"، "واقتدوا"، مشعر بالتقليد
стр. 1015
أما المعارضة بالحديثين فوجهها أنهما يدلان على جواز الأخذ بقول كل صحابى وبقول عائشة رضى اللَّه عنها وإن خالف قول الخلفاء أو الشيخين فلو كان قولهم حجة لما جاز ذلك فلزم الحمل على تقليد المقلد جمعًا بين الأدلة فظهر أن الأولى أن يقال بدل قوله عند مخالفتها: عند المخالفة ليتعلق بالحديثين جميعًا إذ لا جهة للتخصيص بالأخير.
المصنف: (بمثل: أصحابى كالنجوم. . . إلخ) فى إسناده مجاهيل كما ذكره ابن السبكى.
المصنف: (خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء) قال الشارح ابن السبكى: قال شيخنا أبو الحجاج المزى ﵀: كل حديث فيه لفظ الحميراء لا أصل له إلا حديثًا واحدًا فى النسائى.
стр. 1016
قال: (مسألة: لا يشترط عدد التواتر عند الأكثر. لنا دليل السمع فلو لم يبق إلا واحد فقيل حجة لمضمون السمع وقيل لا لمعنى الاجتماع).
أقول: لا يشترط فى حجية الإجماع أن يبلغ عدد المجتهدين عدد أهل التواتر عند الأكثر، لنا أن دليل السمع يتناول إجماع الأقل من عدد التواتر لكونهم كل الأمة والمسلمين، وأما من استدل بالعقل وهو أنه لو لم يكن عن قاطع لما حصل فلا بد له من القول بعدد التواتر فإن انتفاء حكم العادة فى غيره ظاهر، وإذا قلنا: لا يشترط فلو لم يبق من المجتهدين إلا واحد فقيل: قوله حجة لمضمون السمعى وهو أنه لا يخرج الحق عن هذه الأمة وإن لم يخالف صريحه لعدم صدق سبيل المسلمين واجتماع الأمة عليه وقيل ليس بحجة لأن الإجماع يشعر بالاجتماع ولأن الاجتماع وسبيل المسلمين هو المنفى عنه الخطأ، وهو منتف ههنا.
قوله: (فإن انتفاء حكم العادة فى غيره) أى فى غير عدد التواتر (ظاهر) يعنى أن العادة لا تحكم بأن اتفاق ما دون عدد التواتر لا يكون إلا عن قاطع وليس المراد بعدد التواتر عددًا معينًا محصورًا بل ما يحصل العلم الضرورى عند إخبارهم بأمر مشاهد كما سيجئ وهذا ظاهر على تقرير الآمدى حيث قال: من استدل على حجية الإجماع بدليل العقل وهو أن الجمع الكثير لا يتصور تواطؤهم على الخطأ كإمام الحرمين وغيره فلا بد من استرداد ذلك عنده لتصور الخطأ على من دون عدد التواتر فأما على تقرير المصنِّف حيث جعل الدليل العقلى هو أن أهل الحل والعقد قد اتفقوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل اتفاقهم على ذلك من غير قاطع فيلزم قطعية خطأ المخالف وقطعية ما عليه الإجماع وأنهم قد اتفقوا على تقديمه على القاطع وعلى أن غير القاطع لا يقدّم على القاطع فلا اختصاص له بعدد التواتر على ما أشار إليه المصنِّفُ فيما سبق اللهم إلا أن يقال: لا نسلم الاتفاق على القطع بتخطئة المخالف وعلى التقديم على القاطع فيما دون عدد التواتر.
قوله: (لمضمون السمعى) يعنى لو لم يكن قول ذلك الواحد حقًا لخولف مضمون السمعى وهو عدم خلو الأمة عن قائل بالحق مطلع عليه وأن لم يخالف صريحه بناء على أن قول ذلك الواحد ليس بسبيل المؤمنين أو إجماع الأمة أو نحو ذلك وكما يمتنع مخالفة صريح الدليل يمتنع مخالفة مضمونه وإن كان قوله:
стр. 1017
يخالف على لفظ المبنى للفاعل ففاعله ضمير يعود إلى عدم حجيته أو إلى عدم حجية من يخالف قول ذلك الواحد وإن خالف مضمون الدليل وإن لم يخالف صريحه، وقد توهم بعضهم عود الضمير إلى ذلك القول وظاهر أنه ليس بمستقيم فغيروه إلى: وإن خالف وليس بسديد ولا مفيد على ما لا يخفى.
قوله: (وليس بسديد ولا مفيد على ما لا يخفى) أى لأن قوله فى ذاته بقطع النظر عن كونه حجة أو غير حجة لا معنى لكونه مخالفًا لصريح السمعى أو موافقًا له.
стр. 1018
قال: (مسألة إذا أفتى واحد وعرفوا به ولم ينكره واحد قبل استقرار المذاهب فإجماع، أو حجة، وعن الشافعى رضى اللَّه عنه ليس إجماعًا، ولا حجة، وعنه خلافه. وقال الجبائى: إجماع بشرط انقراض العصر، ابن أبى هريرة إن كان فتيا لا حكمًا، لنا سكوتهم ظاهر فى موافقتهم فكان كقولهم الظاهر فينتهض دليل السمع المخالف يحتمل أنه لم يجتهد أو وقف أو خالف فروى أو وقر أو هاب فلا إجماع ولا حجة، قلنا خلاف الظاهر لأن عادتهم ترك المسكوت الآخر دليل ظاهر لما ذكرناه الجبائى انقراض العصر لضعف الاحتمال، ابن أبى هريرة العادة فى الفتيا لا فى الحكم أجيب بأن الفرض قبل استقرار المذاهب وأما إذا لم ينتشر فليس بحجة عند الأكثر).
أقول: إذا قال واحد أو جماعة بقول وعرف به الباقون ولم ينكره أحد منهم فإن كان بعد استقرار المذاهب لم يدل على الموافقة قطعًا إذ لا عادة بإنكاره فلم يكن حجة وإن كان قبله وهو عند البحث عن المذاهب والنظر فيها فقد اختلف فيه والحق أنه إجماع أو حجة وليس بإجماع قطعى، وعن الشافعى رضى اللَّه عنه أنه ليس إجماعًا ولا حجة، وروى عنه خلافه، وقال الجبائى: هو إجماع بشرط انقراض العصر، وقال أبو على بن أبى هريرة: إن كان القول فتيا فإجماع، وإن كان حكمًا فلا. لنا سكوتهم ظاهر فى موافقتهم إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقاد المخالفة عادة كما ترى عليه الناس فكان ذلك فى إفادة الاتفاق ظنًا، كقول ظاهر الدلالة غير قطعيها، وحينئذٍ ينتهض دليل السمع فإنه سبيل المؤمنين، وقول كل الأمة وبالجملة فليس الظن الحاصل به دون الحاصل بالقياس وظواهر الأخبار فوجب العمل به، احتج المخالف وهو القائل بأنه ليس بإجماع ولا حجة بأنه يجوز أن يكون من لم ينكر إنما لم ينكر لأنه لم يجتهد بعد فلا رأى له فى المسألة أو اجتهد فتوقف لتعارض الأدلة أو خالفه لكن لما سمع خلاف رأيه روى لاحتمال رجحان مأخذ المخالف حتى يظهر عدمه أو وقره فلم يخالفه تعظيمًا له أو هاب المفتى أو الفتنة، كما نقل عن ابن عباس فى مسألة العول أنه سكت أولًا ثم أظهر الإنكار فقيل له فى ذلك فقال: إنه واللَّه لكان رجلًا مهيبًا يعنى عمر ومع قيام هذه الاحتمالات لا يدل على الموافقة فلا يكون إجماعًا ولا حجة.
الجواب: أنها وإن كانت محتملة فهى خلاف الظاهر لما علم من عادتهم ترك
стр. 1019
المسكوت فى مثله كقول معاذ لعمر لما رأى جلد الحامل: ما جعل اللَّه على ما فى بطنها سبيلًا، فقال عمر: لولا معاذ لهلك عمر، وكقول امرأة لما نفى المغالاة فى المهر: أيعطينا اللَّه بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، ويمنعنا عمر، فقال: كل أفقه من عمر حتى المخدرات فى الحجال، وكقول عبيدة لعلى -لما قال: "تجدد لى رأى فى أمهات الأولاد أنهن يبعن": "رأيك فى الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك". وغير ذلك مما توقف عليه التتبع لآثارهم.
قال المخالف الآخر -وهو القائل بأنه إجماع-: سكوتهم دليل ظاهر فى موافقتهم فكان إجماعًا.
الجواب: الظهور لا يكفى فى كونه إجماعًا قطعيًا بل فى كونه حجة، ونقول به.
وقال الجبائى: قبل انقراض العصر الاحتمالات المذكورة قوية، فلا يكون إجماعًا، وأما بعده فيضعف الاحتمال فيكون ظاهرًا فى الموافقة، فيكون إجماعًا.
والجواب: ما قلنا، قال ابن أبى هريرة: العادة فى الفتيا أنها تخالف ويبحث عنها دون الحكم، فإن كلًا يحكم بما يراه فيتبع ولا يخالف كما ترى فى عصرنا، وأيضًا الحاكم كتاب ويوقر دون المفتى.
الجواب: أن ذلك بعد استقرار المذاهب وقد فرضنا المسألة فيما قبل استقرارها والفتيا والحكم حينئذٍ سواء لأن إنكار الحكم إنكار للفتيا، واعلم أن هذا كله إذا أفتى وانتشر بين أهل عصره ولم ينكر وأما إذا لم ينتشر فعدم الإنكار لا يدل على الموافقة قطعًا، وبه قال الأكثر لأنه يجوز أن لا قول لهم فيه أو لهم قول مخالف لم ينقل بخلاف ما تقدم، وأن ذلك إذا كثر وتكرر وكان فيما تعم به البلوى ربما أفاد القطع.
قوله: (فإجماع أو حجة) قال العلامة: إنما ردد فيه لأن أحدهما ثابت ضرورة لما سيجئ وهذا مذهب أبى هاشم أنه حجة وليس بإجماع قطعى وهو الذى اختاره المصنِّفُ وصرح به فى المنتهى.
قوله: (وعنه خلافه) قيل أى حجة لا إجماع وقيل أى حجة وإجماع وهذا أقرب لكونه مذهبًا لبعض الشافعية وقيام الدليل عليه بخلاف الأول وحينئذٍ ينتهض دليل
стр. 1020
السمع، أى ظاهرًا فإن علمت موافقة الساكتين كان إجماعًا وإلا كان حجة لأن الاحتمال إنما يقدح فى القطعية دون الحجية كالقياس وخبر الواحد قال فى المنتهى وأما كونه غير قطعى فلانقداح الاحتمال.
قوله: (قال المخالف الآخر وهو القائل بأنه إجماع) ولا خفاء فى لزوم الحجية وهذا ما قال، وعنه خلافه والعلامة لما فسر الآخر بالقائل بكونه حجة لا إجماعًا قرر الدليل بأن سكوتهم دليل ظاهر على الموافقة فيكون حجة وإن لم يكن إجماعًا ولم يتنبه أن هذا بعينه ما اختاره المصنِّفُ.
المصنف: (إذا أفتى واحد) أى بعض المجتهدين واحد أو أكثر والمراد بالإفتاء هنا ما يشمل الحكم وإلا لم يصح التفصيل الآتى.
المصنف: (أو وقر) لا يقال: لا يصح المسكوت على المنكر فكيف يصح أن يسكت المجتهد توقيرًا لغيره لأنا نقول: إن اجتهاد غيره ليس منكرًا وليس على مجتهد رد اجتهاد غيره.
قوله: (لما سيجئ) أى فى القولة بعد هذه وهو أنه إن علمت موافقة الساكتين يعنى بنحو أمارة تدل على الرضا كان إجماعًا وإلا كان حجة، وقد رد ذلك ابن السبكى فى شرحه بأنه فاسد من وجهين أحدهما: أنه إذا علم أن سكوتهم عن رضا لم يكن من صور الإجماع السكوتى، والثانى: أن سكوتهم إذا لم يعلم أنه عن رضا فوراءه حالتان؛ إحداهما: أن يعلم أنه عن سخط وليس بحجة بلا نظر وكذا إذا ظن، والثانية: أن يجهل الحال فيكون حجة وإجماعًا ولا يلزم من كونه حجة وإجماعًا أن لا يكون قطعيًا حتى يجعل قسمًا مقابلًا للقطعى بل جاز كونه مظنونًا ونقطع مع ذلك بكونه حجة كما سلف، وقال قبل ذلك: إنه ليس المراد بالإجماع القطعى القطع بأن الإجماع حاصل إذ لا سبيل إلى ذلك مع أن السكوت يحتمل وجهًا سوى الرضا بل إن حكم اللَّه قطعًا ما ظنناه، وقد أشار إلى هذا البندنيجى وقال آخرون: بل ظنى واختاره ابن السمعانى وعلى المراد بالقطعى المذكور دل كلامه فى المختصر الكبير والأحكام. اهـ.
следующие страницы →