Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
قال: (مسألة: إذا اختلف التواتر فى الوقائع فالمعلوم ما اتفقوا عليه بتضمن أو التزام كوقائع حاتم وعلى رضى اللَّه عنه).
أقول: إذا كثرت الأخبار فى الوقائع واختلف فيها لكن كل واحد منه يشمل على معنى مشترك بينها بجهة التضمن أو الالتزام حصل العلم بالقدر المشترك ويسمى المتواتر من جهة المعنى وذلك كوقائع حاتم فيما يحكى من عطاياه من فرس وإبل وعين وثوب فإنها تتضمن جوده فيعلم وإن لم يعلم شئ من تلك القضايا بعينه وكوقائع على فى حروبه من أنه هزم فى خيبر كذا وفعل فى أحد كذا إلى غير ذلك فإنه يدل بالالتزام على شجاعته وقد تواتر ذلك منه وإن كان شئ من تلك الجزئيات لم يبلغ درجة القطع، واعلم أن الواقعة الواحدة لا تتضمن السخاوة ولا الشجاعة بل القدر المشترك الحاصل من الجزئيات ذلك وهو متواتر لا لأن أحدها صدق قطعًا بل بالعادة.
قوله: (فإنها تتضمن جوده) يشير إلى أن الأول مثال للتضمن والثانى مثال للالتزام، أما الالتزام فظاهر وأما التضمن فلأن الجود لما كان إفادة ما ينبغى لا لعوض كان جزءًا من كل إعطاء مخصوص وهذا بالنظر إلى الظاهر وإلا فالجود صفة فى النفس هى مبدأ تلك الإفادة ولا يخفى أنه لا معنى لاختلاف التواتر فى الوقائع فلهذا حمله على اختلاف الإخبار فيها وبعضهم على اختلاف الوقائع المخبر بها.
قوله: (واعلم) تحقيق للمقام وتنبيه على أنه لا شئ من الوقائع بانفراده يدل على السخاوة أو الشجاعة بمعنى حصول العلم بها ههنا بل القدر المشترك بين الجزئيات هو السخاوة أو الشجاعة وهو متواتر لا بمعنى أن شيئًا من الوقائع الجزئية معلوم الصدق قطعًا، كيف وهو آحاد بل بمعنى أن العلم القطعى بالقدر المشترك يحصل من سماعها بطريق العادة.
قوله: (وإلا فالجود صفة فى النفس هى مبدأ تلك الإفادة) يعنى فلا يظهر كون المعلوم مدلولًا عليه تضمنا والظاهر أنه ليس المراد بالتضمن مقابل الالتزام بل مقابل المطابقة وإن المراد منه الالتزام والاختلاف اختلاف فى التعبير كما يدل عليه قول الشارح بعد حيث اقتصر على ذكر التضمن فى السخاوة والشجاعة.
стр. 1087
(مباحث خبر الواحد)
قال: (خبر الواحد ما لم ينته إلى التواتر وقيل ما أفاد الظن ويبطل عكسه بخبر لا يفيد الظن والمستفيض هو ما زاد نقلته على ثلاثة).
أقول: فرغ من الخبر المتواتر فشرع فى قسيمه وهو خبر الواحد، وذلك ما لم ينته إلى حد التواتر كثرت رواته أو قلوا، وقيل: هو خبر أفاد الظن ويبطل عكسه بخبر لا يفيد الظن، وربما لا يراد إذ لا عبرة به فلا يرد، ومن الخبر قسم يسمى المستفيض وهو ما زاد نقلته على الثلاثة.
قوله: (مما لم ينته إلى التواتر) أى خبر الواحد لا يفيد العلم بنفسه سواء لم يفد العلم بنفسه أصلًا أو أفاد بالقرائن الزائدة فلا يكون تعريفًا للشئ بما يساويه فى الجلاء والخفاء فعلى هذا لا واسطة بين الخبر المتواتر وخبر الواحد فالمستفيض نوع منه.
قوله: (وربما لا يراد) جواب عن الاعتراض بأن الخبر الذى لا يفيد الظن غير داخل فى المحدود لأن المقصود تعريف الخبر الذى يعتد به فى الأحكام ولا يكون متواترًا فعلى هذا ثبتت الواسطة.
قوله: (أى خبر الواحد لا يفيد العلم بنفسه. . . إلخ) أى لما ذكر فيما تقدم أن المتواتر ما أفاد العلم بنفسه فحينئذ يفهم من قوله فى خبر الآحاد: ما لم ينته إلى التواتر أنه ما لا يفيد العلم بنفسه فلا يكون تعريفًا للشئ بما يساويه فى الجلاء والخفاء.
قوله: (فالمستفيض نوع منه) هو نوع منه حتى على الوجه الثانى فى تعريف خبر الآحاد لأن المعتبر فى المستفيض أن لا يبلغ مرتبة المتواتر نعم إذا اعتبر فيه إفادة العلم نظرًا بخلاف المتواتر فإفادته العلم ضرورة كان غير داخل فى خبر الآحاد على التعريف الثانى ويكون واسطة.
قوله: (فعلى هذا ثبتت الواسطة) أى بالخبر الذى لم يفد الظن.
стр. 1088
قال: (مسألة: قد يحصل العلم بخبر الواحد العدل بالقرائن لغير التعريف وقيل وبغير قرينة وقال أحمد ويطرد والأكثر لا بقرينة ولا بغيرها لنا لو حصل بغير قرينة لكان عاديًا فيطرد ولأدى إلى تناقض المعلومين ولوجب تخطئة المخالف وأما حصوله بقرينة فلو أخبر ملك بموت ولد مشرف مع صراخ وجنازة وانهتاك حريم ونحوه لقطعنا بصحته، واعترض بأنه حصل بالقرائن، ورد بأنه لولا الخبر لجوزنا موت آخر، قالوا أدلتكم تأباه قلنا انتفى الأول؛ لأنه مطرد فى مثله وانتفى الثانى لأنه يستحيل حصول مثله فى النقيض واننفى الثالث لأنا نخطئ المخالف لو وقع قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، فنهى وذم فدل على أنه ممنوع وأجيب بأن المتتبع الإجماع وبأنه مؤوّل فيما المطلوب فيه العلم من الدين).
أقول: قد اختلف فى خبر الواحد العدل هل بفيد العلم أو لا، والمختار أنه يفيد العلم بانضمام القرائن وعنى بها الزائدة على ما لا ينفك التعريف عنه عادة وقال قوم: ويحصل العلم به بغير قرينة أيضًا ثم اختلفوا فقال أحمد فى قول: يحصل العلم به بلا قرينة ويطرد أى كما حصل خبر الواحد حصل العلم وقال قوم: لا يطرد أى قد يحصل العلم به لكن ليس كلما حصل حصل العلم به، وقال الأكثرون: لا يحصل العلم به لا بقرينة ولا بغير قرينة، فههنا مقامان:
أحدهما: أنه لا يحصل العلم به بغير قرينة لنا فيه لو حصل بلا قرينة لكان عاديًا إذ لا علية عندنا ولا ترتب إلا بإجراء اللَّه عادته بخلق شئ عقيب آخر، ولو كان عاديًا لاطرد كخبر المتواتر وانتفاء اللازم بين، ولنا أيضًا لو حصل العلم به لأدى إلى تناقض المعلومين إذا أخبر عدلان بأمرين متناقضين فإن ذلك جائز بالضرورة بل واقع واللازم باطل لإن المعلومين واقعان فى الواقع وإلا كان العلم جهلًا فيلزم اجتماع النقيضين، ولنا أيضًا لو حصل العلم به لوجب القطع بتخطئة من يخالفه بالاجتهاد وهو خلاف الإجماع.
الثانى: حصول العلم فيه بالقرائن، ولنا فيه أنه لو أخبر ملك بموت ولد له مشرف على الموت وانضم إليه القرائن من صراخ وجنازة وخروج المخدرات على حالة منكرة غير معتادة، دون موت مثله ولذلك الملك وأكابر مملكته فإنا نقطع بصحة ذلك الخبر ونعلم به موت الولد نجد ذلك من أنفسنا وجدانًا ضروريًا لا
стр. 1089
يتطرق إليه الشك، واعترض عليه بأن العلم ثمة لا يحصل بالخبر بل بالقرائن كالعلم بخجل الخَجِل ووجل الوَجِل، وارتضاع الطفل اللبن من الثدى ونحوها.
والجواب: أنه حصل بالخبر بضميمة القرائن إذ لولا الخبر لجوزنا موت شخص آخر، واعلم أن العدالة ليست شرطًا فى إفادة مثله للعلم على ما لا يخفى فقوله بخبر الواحد العدل إنما ذكره لأن سائر المذاهب المذكورة مقيدة به فإن أحدًا لم يقل إن خبر غير العدل يفيد العلم مطردًا، المخالفون أيضًا فرقتان: فرقة تنكر إفادته للعلم مع القرينة وفرقة تقول بإفادته له بلا قرينة.
أما المنكرون مطلقًا فقالوا: أدلتكم على امتناع إفادته للعلم بلا قرينة تأبى كونه مفيدًا له بقرينة للزوم الاطراد وتناقض المعلومين والقطع بتخطئة مخالفة.
والجواب: أنها لا تتأتى فى الخبر مع القرائن، أما لزوم الاطراد فلأنه ملتزم فى مثله فإنه لا يخلو عن العلم وأما تناقض المعلومين فلأن ذلك إذا حصل فى قضية امتنع أن يحصل مثله فى نقيضها عادة، وأما تخطئة المخالف قطعًا فلأنه ملتزم ولو وقع لم يجز مخالفته بالاجتهاد، إلا أنه لم يقع فى الشرعيات.
وأما القائلون بإفادته مطلقًا، فقالوا: يجب العمل به إجماعًا ولولا أنه مفيد للعلم غير مقتصر على الظن لما وجب العمل به بل لم يجز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والنهى للتحريم، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، فى معرض الذم، فدل على حرمته.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أنه إنما المتبع هو الإجماع على وجوب العمل بالظواهر، وأنه قاطع.
وثانيهما: أن ظاهرها فى العموم مؤوّل بتخصيصه بما المطلوب فيه العلم من أصول الدين لا ما يطلب فيه العمل من أحكام الشرع.
قوله: (وعنى بها الزائدة) يعنى أن المراد بالقرائن لغير التعريف القرائن المنفصلة غير اللازمة من أحوال فى الخبر والمخبر والمخبر عنه كالصراخ والجنازة وخروج المخدرات ونحو ذلك فيما إذا أخبر ملك بموت ولده وحاصل المذاهب فى ذلك أربعة: الأول: أنه يفيد العلم عند انضمام القرائن فقط وهو المختار، الثانى: أنه يفيد العلم مطلقًا على اطراد، الثالث: أنه يفيده لا على اطراد، الرابع: أنه لا
стр. 1090
يفيده أصلًا بل إنما يفيد الظن فقط ففى المختار دعوتان: إحداهما: أنه يفيد العلم عند القرائن، وثانيتهما: أنه لا يفيده بدون القرائن.
قوله: (ولو كان عاديًا لاطرد) لأن معناه الحصول دائمًا من غير اقتضاء عقلى وهو معنى الاطراد والتمثيل بالتواتر تنبيه على هذا المعنى وانتفاء اللازم ضرورى بالوجدان إذ كثيرًا ما نسمع خبر العدل ولا يحصل لنا العلم القطعى وبهذا يسقط ما فى بعض الشروح من منع الملازمة إذ كثيرًا ما يتخلف الحكم عن العاديات بعارض ومن أن التشبيه بالمتواتر تمثيل لا دليل ومن منع انتفاء اللازم عند الخلو عن القرائن وإنما لا يحصل العلم عند قرينة الكذب.
قوله: (فإن ذلك جائز بالضرورة) دفع لما فى بعض الشروح من منع إمكان خبر عدل آخر بنقيض خبر العدل الأول قوله: بل واقع دفع لما فى شرح العلامة من أن المقدم مركب من حصول العلم ومن إخبار عدلين بالنقيضين وانتفاء التالى لا يوجب انتفاء كل من جزأى المقدم بل يجوز أن يكون انتفاؤه بانتفاء الجزء التالى.
قوله: (نجد ذلك من أنفسنا) تنبيه على أن المثال المذكور تنبيه على إمكان الضرورة لا تصحيح الدعوى الكلية بالمثال الجزئى على أن فى كليته الدعوى أيضًا نظرًا إلا أنه سيجئ فى جواب المنكرين ما يشعر بالكلية والاطراد.
قوله: (اعلم) قد سمعت أن المذاهب أربعة ولا خفاء فى أن عدم إفادته العلم أصلًا لا يتقيد بالعدالة وأن إفادته العلم بلا قرينة يتقيد بها مطردًا، كان كما هو مذهب أحمد أو غير مطرد كما هو مذهب البعض على ما يشعر به دليلهم وأما إفادته العلم عند القرائن فلا يتقيد بها لأن التعويل فيه على القرائن فالتقييد بالعدالة لبيان المذهب بناء على تقيد البعض بها لا الكل فالمراد بسائر المذاهب المذهبان القائلان بإفادة العلم بلا قرينة مطردًا أو غير مطرد وإنما قَيَّد المحقق بقوله مطردًا لأنه أوضح فى البجان.
قوله: (المخالفون أيضًا فرقتان) لفظة أيضًا ليست فى موقعها وإنما يحسن لو كان القائلون بالمختار فرقتين وكأنه نظر إلى أن المخالفين لما افترقوا فرقتين كان لهم على الإطلاق مقامان كما للقائلين بالمختار ثم لا يخفى أن المخالفين ثلاث فرق لأن القائلين بإفادته العلم بلا قرينة فرقتان: فرقة تقول بالاطراد، وفرقة تقول بعدم الاطراد، وليس فى الأدلة ما يشير إلى هذا التفصيل فلهذا جعلهما فرقة واحدة.
стр. 1091
قوله: (امتنع أن يحصل مثله فى نقيضها) قد يمنع ذلك كما إذا أخبر الملك بموت ولده مع القرائن ثم أخبر أنه لم يمت، وإنما اشتبه على المخبر والحاضرين وقامت القرائن على ذلك والجواب أن المطابقة معتبرة فى العلم فامتناع حصول العلم بنقيض ما علم ضرورى نعم قد يحصل الاعتقاد وهو لا يوجب التناقض لعدم استلزامه الثبوت فى الواقع.
قوله: (ولولا أنه مفيد للعلم) تقريرًا لدليل أنه لو لم يفد العلم لم بجب العمل به واللازم منتف بالإجماع، أما الملازمة فلأنه لو عمل به لكان اتباعًا لغير المعلوم وهو باطل بالنص، فأجاب أوّلًا بأنا لا نسلم أنه لو عمل به كان اتباعًا لغير المعلوم بل للإجماع القاطع على وجوب العمل بالظواهر، وثانيًا بأنا لا نسلم بطلان اتباع غير المعلوم فيما نحن فيه وإنما ذلك فى الاعتقاديات التى يطلب فيها اليقين والنصوص مخصصة بها وإن كان ظاهرها العموم.
المصنف: (قد يحصل العلم بخبر الواحد العدل بالقرائن) التعبير بقد بالنظر إلى خبر العدل فى ذاته بقطع النظر عن القرائن فلا ينافى أنه مع القرائن مطرد حصول العلم به كما يدل عليه ما قاله الشارح فى جواب المنكرين حيث قال: أما لزوم الاطراد فلأنه ملتزم فى مثله.
الشارح: (أنه إنما المتبع هو الإجماع) تحريف وأصله: أن المتبع إنما هو الإجماع.
قوله: (لأن معناه الحصول دائمًا من غير اقتضاء عقلى) أى معنى الحصول بالعادة ذلك لا أنه لا يتخلف أصلًا كما نبه على ذلك بالتمثيل بالمتواتر فإنه لا يتخلف عنه حصول العلم عادة لا عقلًا.
قوله: (إذ كثيرًا ما يتخلف) علة للمنع الساقط.
قوله: (ومن أن التشبيه بالمتواتر تمثيل لا دليل) زيادة من الناسخ لا معنى لها.
قوله: (ومن منع انتفاء اللازم) علم ذلك من كونه وجدانيًا كما قال وقوله: وإنما لا يحصل العلم. . . إلخ. من كلام المانع.
قوله: (مركب من حصول العلم ومن إخبار عدلين) وذلك لأن المعنى لو حصل العلم به وأخبر عدلان لأدى إلى التناقض المعلومين.
قوله: (بانتفاء الخبر الثانى) وهو وقوع خبر العدلين بالأمرين المتناقضين.
стр. 1092
قال: (مسألة: إذا أخبر واحد بحضرته ﷺ ولم ينكره لم يدل على صدقه قطعًا، لنا أنه يحتمل أنه ما سمعه أو ما فهمه أو كان قد بينه أو رأى تأخيره أو ما علمه أو صغيرة).
أقول: إذا أخبر واحد عن شئ بحضرة النبى ﷺ ولم ينكر عليه لم يدل على صدق المخبر دلالة قاطعة وإن كان الظاهر صدقه لنا أنه لا يتعين المسكوت للرضا به لصدقه بل يحتمل أنه ما سمعه أو ما فهمه أو كان قد بينه وعلم أنه لا يفيد إنكاره، أو ما علمه نفيًا أو إثباتًا لكونه دنيويًا، أو رأى تأخيره إلى وقت الحاجة إلى بيانه وبتقدير عدم الجميع فتركه للإنكار صغيرة وهى جائزة على الأنبياء وإن بعدت.
قال: (مسألة: إذا أخبر واحد بحضرة خلق كثير ولم يكذبوه وعلم أنه لو كان كذبًا لعلموه ولا حامل على المسكوت فهو صادق قطعًا للعادة).
أقول: إذا أخبر واحد بشئ بحضور خلق كثير ولم يكذبوه فإن كان مما يحتمل أن لا يعلموه مثل خبر غريب لا يقف عليه إلا الأفراد لم يدل على صدقه أصلًا، وإن كان مما لو كان لعلموه فإن كان مما يجوز أن يكون لهم حامل على المسكوت من خوف أو غيره لم يدل أيضًا وإن علم أنه لا حامل لهم عليه فهو يدل على صدقه قطعًا لنا أن سكوتهم وعدم تكذيبهم مع علمهم بالكذب فى مثله ممتنع عادة ولا يقال: لعلهم ما علموا أو علمه بعضهم أو جميعهم وسكتوا لأنا نقول ذلك معلوم الانتفاء بالعادة.
قوله: (فتركه للإنكار صغيرة) يشير إلى أن فى نسخته: أو صغيرة بلفظ الاسم وعلى تقدير أن يكون صغره بلفظ الفعل فمعناه: عدّ ترك الإنكار صغيرة فارتكبها وقيل معناه: عد الكذب صغيرة فترك إنكاره.
стр. 1093
قال: (مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعى على نقله وقد شاركه خلق كثير كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر فى مدينة فهو كاذب قطعًا خلافًا للشيعة لنا العلم عادة ولذلك نقطع بكذب من ادعى أن القرآن عورض، قالوا الحوامل المقدرة كثيرة ولذلك لم ينقل النصارى كلام المسيح فى المهد ونقل انشقاق القمر وتسبيح الحصى وحنين الجذع وتسليم الغزالة وإفراد الإقامة وإفراد الحج، وترك البسملة آحادًا، وأجيب بأن كلام عيسى ﵇، إن كان فى حضرة خلق فقد نقل قطعًا، وكذلك غيره مما ذكر واستغنى عن الاستمرار بالقرآن الذى هو أشهرها، وأما الفروع فليس من ذلك، وإن سلم فإنما ينقل مثله ليعلم من لا يعلم وذلك فيما لا يكون مستمرًا مستغنًى عن نقله، وإن سلم فاستغنى لكونه مستمرًا، أو كان الأمران شائعين).
أقول: إذا انفرد الواحد بالخبر عن شئ تتوفر الدعوى على نقل مثله وشاركه فيما يدعيه سببًا للعلم خلق كثير كما إذا انفرد واحد بالإخبار عن قتل خطيب على المنبر يوم الجمعة بمشهد من أهل المدينة فهو كاذب قطعًا خلافًا للشيعة لنا أنا نجد من أنفسنا العلم بكذبه قطعًا ولولا أن هذا الأصل مركوز فى العقول لما قطعنا بكذب من ادعى أن القرآن قد عورض لكنه لم ينقل وأن بين مكة والمدينة مدينة أكبر منهما، قالوا: الحوامل المقدرة على كتمان الأخبار كثيرة لا يمكن ضبطها فكيف الجزم بعدمها، ومع جوازها لا يحصل الجزم ويدل عليه أمور، منها: أن النصارى لم ينقلوا كلام المسيح فى المهد، مع أنه مما تتوفر الدواعى على نقله، ومنها: أن معجزات الرسول كانشقاق القمر وتسبيح الحصى فى يده وحنين الجذع الذى كان يستند إليه حين استند إلى غيره وتسليم الغزالة عليه لم يتواتر بل نقل آحادًا، ومنها: أن كثيرًا من الأمور الكثيرة الوقوع مما تعم به البلوى وتمس الحاجة إليه لم يتواتر بل نقل آحادًا, ولذلك اختلف فيه كإفراد الإقامة وتثنيتها وإفراد الحج عن العمرة، وقرانه بها، وقراءة البسملة فى الصلاة، وتركها.
الجواب: أن انتفاء الحامل يعلم بالعادة كالحامل على أكل طعام واحد، وأما كلام عيسى فى المهد فإن كان بحضرة خلق كثير نقل قطعًا، فلو ثبت أنه لم ينقل فلقلة المشاهدين فليس مما نحن فيه، وأما المعجزات فكذلك أى لو كثر مشاهدوها لتواترت وإلا فغير محل النزاع مع أنا لا نسلم أنها مما تتوفر الدواعى على نقله فإنه إنما تنقل لتستمر بين الناس وقد استغنى عنها وعن استمرارها بالقرآن الباقى على وجه كل
стр. 1094
زمان، الدائر على كل لسان، فى كل مكان، وأما الفروع فليست مما ذكرنا لعدم توفر الدواعى على نقلها، إن سلم فإنما ينقل مثله ليعلم من لا يعلم وذلك فيما لا يكون مستمرًا مستغنى عن نقله، وإن سلم فقد نقل إلا أنه نقل الآخر أيضًا لكونهما شائعين، والخلاف لعدم الفوز بالترجيح حتى يتعين الأولى منهما.
قوله: (لنا أنا نجد) حاصله دعوى الضرورة وحاصل شبهة الخصم أنه لو لم يعلم انتفاء الحاصل لم يحصل الجزم بالكذب والمقدم حق فكذا التالى وحاصل الجواب منع حقيقة المقدم وإبطال ما جعله دليلًا عليها.
قوله: (وقراءة البسملة) وإنما اقتصر المصنِّفُ على الترك ميلًا منه إلى أنها ليست من الفاتحة وأن النبى ﷺ كان يتركها لكنه لم ينقل تواترًا بل آحادًا.
قوله: (وأما كلام عيسى) اعترض العلامة بأنه لا معنى لكون النقل قطعيًا بتقدير وآحادًا بتقدير لأنه إن كان واقعًا اتصف بأحدهما فقط ولا يجاب بجواز كونه آحادًا عند قوم متواترًا عند آخرين والأمر كذلك لتواتره عندنا لأن قطعنا به إنما هو من القرآن لا التواتر ولأنه لو كان كذلك لكان الأولى ترك بعض التعرض للترديد والاقتصار على منع عدم التواتر، وفى بعض الشروح أن معنى الترديد أنه إن لم يكن بحضور خلق كثير فليس من المسألة وإن كان واجب أن ينقلوه قطعيًا للدليل المذكور.
قوله: (إلا أنه نقل الآخر) يعنى لا نسلم أنه لم بنقل بل نقل كل من الفروع إلا أنه نقل الطرف الآخر المقابل أيضًا بناء على جواز الأمرين مثلًا كما نقل إفراد الإقامة نقل تثنيتها وكما نقل إفراد الحج نقل قرانه، وكما نقل ترك البسملة نقل قراءتها فالخلاف ليس لعدم النقل تواترًا بل لعدم الظفر بترجيح أحد الطرفين.
المصنف: (وإن سلم فإنما ينقل مثله ليعلم. . . إلخ) فيه زيادة والأصل: وإن سلم فاستغنى لكونه مستمرًا وما بينهما ليس من المصنف بل هو من كلام الشارح تبينًا: للمصنف كما يأتى من الشارح وقول المصنف: أو كان الأمران شائعين أى جائزى الاجتماع فلا يلزم تعارض القاطعين وهما الخبران المتواتران فإن قيل فمقتضى ذلك أن يقول بالإتيان بالبسملة وتركها كل من الفريقين أجيب بأنه لم يتواتر كل منهما إلا عند فريق واحد.
стр. 1095
قال: (مسألة: التعبد بخبر الواحد العدل جائز عقلًا خلافًا للجبائى، لنا القطع بذلك قالوا يؤدى إلى تحليل الحرام وعكسه، قلنا إن كان المصيب واحدًا فالمخالف ساقط كالتعبد بالمفتى والشهادة وإلا فلا يرد وإن تساويا فالوقف والتخيير يدفعه، قالوا لو جاز لجاز التعبد فى الإخبار عن البارى قلنا للعلم بالعادة أنه كاذب).
أقول: التعبد بخبر الواحد العدل وهو أن يوجب الشارع العمل بمقتضاه على المكلفين جائز عقلًا خلافًا لأبى على الجبائى، لنا القطع بذلك فإنا لو فرضنا أن الشارع يقول للمكلف: إذا أخبرك عدل بشئ فاعمل بموجبه، وعرضناه على عقولنا فإنا نعلم قطعًا أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته.
قالوا: أولًا: أنه وإن لم يكن ممتنعًا لذاته فهو ممتنع لغيره لأنه يؤدى إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال، بتقدير كذبه فإنه ممكن قطعًا وذلك باطل وما يؤدى إلى الباطل لا يجوز عقلًا.
الجواب: إن قلنا: كل مجتهد مصيب فسقوطه ظاهر إذ لا حلال ولا حرام فى نفس الأمر إنما هما تابعان لظن المجتهد ويختلف بالنسبة فيكون حلالًا لواحد حرامًا لآخر، وإن قلنا: المصيب واحد فقط فلا يرد أيضًا لأن الحكم المخالف للظن ساقط عنه إجماعًا، وما هو إلا كالتعبد بقول المفتى والشاهدين إذا خالفا ما فى الواقع، وهذا يصلح مستندًا ونقضًا بالاستقلال، لا يقال هذا بالنسبة إلى مجتهدين لكن يؤدى إلى التناقض عند تساوى الخبرين بالنسبة إلى مجتهد واحد لتعارضهما من غير ترجيح لأنا نقول: التوقف وهو عدم العمل بهما، كأن لا دليل إذ شرط العمل عدم المعارض أو التخيير وهو تجويز العمل بأيهما شاء يدفع وروده.
قالوا: ثانيًا: لو جاز التعبد به لجاز التعبد فى الإخبار عن البارى وهو باطل، بغير معجزة إجماعًا.
فالجواب: لا نسلم الملازمة لأن العادة ثمة قد أفادت أن من ادعى النبوة بدون معجزة فهو كاذب وأيضًا فالفرق بأنه يفضى ذلك إلى كثرة الكذب فيه عادة بخلاف الإخبار.
قوله: (وهذا) أى التعبد بقول المفتى والشاهدين يصلح مستندًا لمنع وروده على تقدير كون المصيب واحدًا، ونقضًا للدليل بأنه لو صح بجميع مقدماته لما جاز
стр. 1096
التعبد بقول المفتى والشاهدين لجريانه فيهما واعلم أن كلام الشارح العلامة فى هذا المقام من التطويل والاضطراب بحيث لا يحظى الناظر فيه بطائل.
قوله: (لا يقال) إشارة إلى أن قوله: وإن تساويا فالوقف والتخيير يدفعه جواب سؤال تقريره: أن ما ذكرتم من تعدد الحكم فى الواقعة الواحدة على تقدير تصويب المجتهدين وتعين الحكم الموافق للظن وسقوط ما يخالفه على تقدير تصويب الواحد إنما يتم بالنسبة إلى المجتهدين أو ترجح أحد الخبرين وأما على تقدير تساوى الخبرين بالنسبة إلى مجتهد واحد فتنافى الحكمين ووجوب العمل بالنقيضين لازم قطعًا، وتقرير الجواب: أنه يندفع بتوقفه عن العمل بهما أو تخييره فى العمل بأيهما شاء.
قوله: (لو جاز التعبد به) أى بخبر الواحد العدل فى الإخبار عن الرسول ﵊ لجاز التعبد به فى الإخبار عن البارئ لاشتراكهما فى عدالة المخبر وحصول ظن الصدق، والجواب: أولًا: منع الجامع لانتفاء ظن الصدق فى الفرع، وثانيًا: وجود الفارق وهو قضاء العادة بأن التعبد به فى الإخبار عن البارئ يفضى إلى كثرة الكذب بخلاف الإخبار عن الرسول.
المصنف: (يؤدى إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال) أى إن كان هناك خبران وعمل بأحدهما لرجحانه لجواز كونه خطأً أو كذبًا.
الشارح: (وما يؤدى إلى الباطل لا يجوز عقلًا) فيه أنه إنما أدى إلى الباطل شرعًا وما يؤدى إلى الباطل شرعًا باطل شرعًا لا عقلًا فلا يظهر أنه ممتنع عقلًا لغيره.
стр. 1097
قال: (يجب العلم بخبر الواحد العدل خلافًا للقاسانى وابن داود والروافضة والجمهور بالسمع، وقال أحمد والقفال وابن سريج والبصرى بالعقل، لنا تكرر العمل به كثيرًا من الصحابة والتابعين شائعًا ذائعًا من غير نكير، وذلك يقضى بالاتفاق عادة كالقول قطعًا قولهم لعل العمل بغيرها قلنا علم قطعًا من سياقها أن العمل بها قولهم فقد أنكر أبو بكر رضى اللَّه عنه خبر المغيرة فى ميراث الجدة حتى رواه محمد بن سلمة وأنكر عمر رضى اللَّه عنه خبر أبى موسى فى الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخدرى وأنكر خبر فاطمة بنت قيس، وأنكرت عائشة رضى اللَّه عنها خبر ابن عمر، وأجيب بإنما أنكروا عند الارتياب قالوا لعلها أخبار مخصوصة قلنا نقطع بأنهم عملوا لظهورها لا لخصوصها وأيضًا التواتر أنه ﵊ كان ينفذ الآحاد إلى النواحى لتبليغ الأحكام).
أقول: قد ثبت جواز التعبد بخبر الواحد وهو واقع بمعنى أنه يجب العمل بخبر الواحد وقد أنكره القاسانى والرافضة وابن داود.
والقائلون بالوقوع قد اختلفوا فى طريق إثباته والجمهور على أنه يجب بدليل السمع، وقال أحمد والقفال وابن سريج وأبو الحسين البصرى بدليل العقل لنا إجماع الصحابة والتابعين بدليل ما نقل عنهم من الاستدلال بخبر الواحد وعملهم بها فى الوقائع المختلفة التى لا تكاد تحصى وقد تكرر ذلك مرة بعد أخرى وشاع وذاع بينهم ولم ينكر عليهم أحد وإلا نقل وذلك يوجب العلم العادى باتفاقهم كالقول الصريح وإن كان احتمال غيره قائمًا فى كل واحد واحد، فمن ذلك أنه عمل أبو بكر بخبر المغيرة فى ميراث الجدة وعمل عمر رضى اللَّه عنه بخبر عبد الرحمن فى جزية المجوس وبخبر حمل بن مالك فى وجوب الغرة بالجنين وبخبر الضحاك فى إيراث الزوجة من دية الزوج وبخبر عمرو بن حزم فى دية الأصابع وعمل عثمان وعلى بخبر فريعة فى أن عدة الوفاة فى منزل الزوج وعمل ابن عباس بخبر أبى سعيد بالربا فى النقد وعمل الصحابة بخبر أبى بكر: "الأئمة من قريش"، و"الأنبياء يدفنون حيث يموتون"، و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث. . " إلى غير ذلك مما لا يجدى استيعاب النظر فيه إلا التطويل وموضعه كتب السير.
وقد اعترض عليه بوجوه:
الأول: قولهم: لا نسلم أن العمل فى هذه الوقائع كان بهذه الأخبار إذ لعله
стр. 1098
بغيرها, ولا يلزم من موافقة العمل الخبر أن يكون به على أنه السبب للعمل.
والجواب: أنه قد علم من سياقها أن العمل بها والعادة تحيل كون العمل بغيرها.
الثانى: قولهم: هذا معارض بأنه أنكر أبو بكر خبر المغيرة حتى رواه محمد بن سلمة، وأنكر عمر خبر أبى موسى فى الاستئذان حتى رواه أبو سعيد، وأنكر خبر فاطمة بنت قيس، وقال: كيف نترك كتاب اللَّه بقول امرأة لا نعلم أصدقت أم كذبت، وكان يحلف على غير أبى بكر، وأنكرت عائشة خبر ابن عمر فى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.
والجواب: أنهم إنما أنكروه مع الارتياب، وقصوره عن إفادة الظن، وذلك مما لا نزاع فيه وأيضًا فلا يخرج بانضمام ما ذكرتم عن كونه خبر واحد، وقد قبل مع ذلك فهو دليل عليكم لا لكم.
الثالث: أنهم قالوا: لعلها أخبار مخصوصة تلقوها بالقبول ولا يلزم فى كل خبر.
الجواب: أنا نعلم أنهم عملوا بها لظهورها وإفادتها الظن لا لخصوصياتها كظاهر الكتاب والمتواتر وهو اتفاق على وجوب العمل بما أفاد الظن، ولنا أيضًا تواتر أنه كان ينفذ الآحاد إلى النواحى لتبليغ الأحكام مع العلم بأن المبعوث إليهم كانوا مكلفين بالعمل بمقتضاه.
قوله: (للقاسانى) قاسان بالقاف والسين المهملة من بلاد الترك.
قوله: (وأبو الحسين البصرى) صرح بالاسم لئلا يتوهم أن البكرى هو أبو عبد اللَّه على ما هو دأبه فى هذا الكتاب، فإن مذهبه ليس وجوب العلم عقلًا مطلقًا بل فيما لا يسقط بالشبهة خاصة ثم لا يخفى أن القائلين بالوجوب عقلًا قائلون بالوجوب سمعًا.
قوله: (وذلك) أى ما نقل عنهم من الاستدلال شائعًا ذائعًا من غير نكير يوجب الحكم العادى قطعًا باتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد، كما أن القول الصريح منهم يوجب العلم باتفاقهم، والحاصل أنه قد تواتر معنى أنهم كانوا يستدلون بأخبار الآحاد وإن كانت تفاصيل ذلك آحادًا وهذا إجماع منهم على
стр. 1099
ذلك، وبهذا يندفع ما يقال: إن ما ذكر من الإخبار فى الاحتجاج بخبر الواحد أخبار آحاد وذلك يتوقف على كونه حجة فيدور، فإن قيل غاية ما ذكر جواز الاستدلال والعمل به وإنما النزاع فى الوجوب قلنا: إيجابهم الأحكام بأخبار الآحاد يدل على وجوب العمل بها على أن القول بالجواز دون الوجوب سمعًا مما لا قائل به وإنما الخلاف فى الوجوب عقلًا كما سبق.
قوله: (عمل أبو بكر) هو كان يرى حرمان الجدة حتى روى المغيرة بن شعبة ومحمد بن سلمة أن النبى ﵊ أعطاها السدس وعمل عمر رضى اللَّه عنه فى جزية المجوس بما روى عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه قوله ﵊: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وعمل فى غرة الجنين بما روى حملُ بن مالك بالحاء المهملة أنه كان عنده امرأتان إحداهما تسمى مليكة والأخرى أم عفيف رمت إحداهما الأخرى بحجر أو مسطح أو عمود فسطاط فأصاب بطنها فألقت جنينها "فقضى فيه رسول اللَّه ﷺ بغرة عبد أو أمة". والمسطح بكسر الميم نوع من الملاعق وقيل عود يرقق به الخبز، وعمل بخبر الضحاك وهو الأحنف بن قيس التميمى أسلم على عهد رسول اللَّه ﷺ ولم يره دعا له رسول اللَّه ﵊ حين قدم عليه وقد بنى تميم فذكروه له روى أنه ﵊ كتب إليه "أن يورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها". وعمل بخبر عمرو بن حزم: أن فى كل أصبع عشرة من الإبل، وكان عمر يرى أن فى الخنصر ستة وفى البنصر تسعة وفى الإبهام خمسة عشر، وفى كل من الآخرتين عشرة، وعمل عثمان وعلى رضى اللَّه عنهما بقول فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه حيث قالت: جئت إلى رسول اللَّه ﵊ استأذنه بعد وفاة زوجي فى موضع العدة فقال: "امكثى حتى تنقضى عدتك".
قوله: (وأيضًا فلا يخرج) وذلك للقطع بأنه بانضمام أمر إليه لم يصر هو متواترًا مفيدًا للقطع بل إنما تأكد الظن وزالت الشبهة.
قوله: (كان ينفذ الآحاد) اعترض عليه الآمدى وغيره بأن النزاع إنما هو فى وجوب عمل المجتهد وليس فى هذا ما يدل عليه.
стр. 1100
المصنف: (تكرر العمل به. . . إلخ) يشير إلى إجماع سكوتى تواتر معنى وأنه إجماع قطعى.
الشارح: (وبخبر حمل بن مالك) بفتح الحاء والميم كما فى بعض الشروح.
الشارح: (وكان يحلف على غير أبى بكر) أى أن عليًا كرم اللَّه وجهه كان لا يكتفى بخبر الواحد إذا كان غير أبى بكر حتى يحلفه على ما روى.
стр. 1101
قال: (واستدل بظواهر مثل: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾، لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ﴿إِنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٧٤]، ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦]، وفيه بعد).
أقول: وقد استدل من قبلنا بظواهر لا تفيد إلا الظن ولا يكفى فى المسائل العلمية، منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَة لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وجه الاحتجاج أن "لعل" هنا للوجوب لامتناع الترجى عليه تعالى، والطائفة من كل فرقة لا تكون أهل التواتر فقد أوجب الحذر بقول الآحاد وهو بعيد لأن المراد الفتوى فى الفروع سلمنا لكنه ظاهر فلا يجدى فى الأصول ومنها: ﴿إِنَّ الَذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية، أوعد بالكتمان لقصد الإظهار، ولولا وجوب العمل به لما كان للإظهار فائدة فلم يصلح مقصودًا للشارع وهو أيضًا بعيد لأن المراد بما أنزل اللَّه القرآن سلمنا لكن أين وجوب العمل، ومنها قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، أمر بالتثبت فى الفاسق فدل على أن العدل بخلافه وهو أيضًا بعيد، لأنه مفهوم المخالفة وهو ضعيفا، وإن سلم فاستدلال بظاهر فى أصل فلا يجدى.
قوله: (ولا يكفى فى المسائل العلمية) إشارة إلى وجه البعد فى الجميع لا يقال: المسألة العلمية وسيلة العمل فيكفى فيها الظن، لأنا نقول: جميع مسائل الأصول كذلك وقد منعوا فيها الاكتفاء بالظن وإنما ذلك فيما يتعلق بكيفية العمل بالذات كمسائل الفقه.
قوله: (لامتناع الترجى) يعنى لما تعذر حمل لعل على حقيقته، التى هى الترجى حملت على أقرب المجازات وهو الطلب فيفيد الإيجاب كالأمر لما مر، وإنما قلنا: إنه أقرب المجازات لأن الترجى وإن لم يكن طلبًا بل توقعًا لكن لا يفهم منه فى حق اللَّه تعالى إلا الطلب.
قوله: (والطائفة) يعنى أن الفرقة اسم للثلاثة فصاعدًا فالطائفة منها تكون واحدًا أو اثنين وبالجملة لا يلزم أن يبلغ حد التواتر وهو المراد بالآحاد.
قوله: (المراد الفتوى فى الفروع) بقرينة التفقه والإنذار فيختص القوم بالمقلدين دون المجتهدين ولو سلم أنه ليس بمراد فلا أقل من احتماله احتمالًا قريبًا ولا يبقى قطعيًا فلا تثبت به الأصول.
стр. 1102
قال: (قالوا ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، وقد تقدَّم ويلزمهم أن لا يمنعوه إلا بقاطع، قالوا توقف ﵊ فى خبر ذى اليدين حتى أخبره أبو بكر وعمر قلنا غير ما نحن فيه وإن سلم فإنما توقف للريبة بالانفراد فإنه ظاهر فى الغلط ويجب التوقف فى مثله).
أقول: المانعون لوجوب العمل بخبر الواحد:
قالوا: أوّلًا: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فنهى عن اتباع الظن، وقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، فذم باتباع الظن والنهى والذم دليل الحرمة فإنه ينافى الوجوب ولا شك أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
الجواب: بعدما تقدَّم من أن المتبع هو الإجماع وأنه ظاهر فى أصل يلزمهم أن لا يمنعوا التعبدية إلا بدليل قاطع ولا قاطع لهم وما ذكروه لا عموم له فى الأشخاص ولا فى الأزمان وقابل التخصيص ولغيره.
قالوا: ثانيًا: توقف النبى ﷺ فى خبر ذى اليدين حين صلى الظهر ركعتين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال ﷺ : "شئ من ذلك لم يكن"، حتى أخبره أبو بكر وعمر فدل أن خبر الواحد لا يعمل به.
الجواب: أنه ليس من صور محل النزاع لأن الكلام فى تعبد الأمة بخبر الواحد منقولًا عن الرسول وإن سلم فإنما توقف لأنه لا انفرد بالإخبار عنه بين جمع كثير فى أمر الغالب عدم مثله، وعدم الغفلة عنه إن كان كان ظاهرًا فى الغلط فظن كذبه فضلًا عن أن يكون مفيدًا للظن بصدقه والتوقف فى مثله وعدم العمل به واجب اتفاقًا.
قوله: (إلى وجوب العمل) يعنى لا نسلم انحصار فائدة الإظهار فى وجوب العمل لجواز أن يكون جواز العمل أو الانضمام إلى آخر وآخر حتى يصير متواترًا موجبًا للعمل.
قوله: (وأنه ظاهر) أى كل من الدليلين ليس بقطعى بل ظاهر استدل به فيما يكون من الأصول التى لا بد فى إثباتها عن قاطع.
قوله: (وقابل للتخصيص) فيما له عموم وهو القضايا والأحكام فيخص بما لا يطلب فيه العمل من الأصول.
стр. 1103
قوله: (ولغيره) كتأويل العلم بما يعم الظن والقطع وتأويل الظنى بالشك والوهم.
قوله: (شئ من ذلك لم يكن) نقل بالمعنى وإلا فالمنقول: كل ذلك لم يكن والمقصود عموم السلب لا سلب العموم بدليل ما روى أنه قال: بعض ذلك قد كان ولأن "أم" سؤال عن أحد الأمرين فجوابه تعيين أحدهما أو نفيهما بالكلية.
الشارح: (ويلزمهم أن لا يمنعوه. . . إلخ) أى حيث منعوا العمل بخبر الواحد؛ لأنه يفيد الظن فلا يصح لهم أن يتمسكوا فى منعه بما يفيد الظن بل كان حقهم أن يتمسكوا بدليل قطعى مع أنهم تمسكوا بالظاهر.
стр. 1104
قال أبو الحسين: (العمل بالظن فى تفاصيل معلوم الأصل واجب عقلًا كالعدل فى مضرة شئ وضعف حائط وخبر الواحد كذلك لأن الرسول بعث للمصالح فخبر الواحد تفصيل لها وهو مبنى على التحسين سلمنا لكنه لم يجب فى العقليات بل أولى سلمنا فلا نسلمه فى الشرعيات، سلمنا وغايته قياس ظنى فى الأصول، قالوا صدقه ممكن فيجب احتياطا، قلنا إن كان أصله المتواتر فضعيف، وإن كان المفتى، فالمفتى خاص، وهذا عام، سلمنا لكنه قياس شرعى، قالوا لو لم يجب لخلت وقائع ورد بمنع الثانية، سلمنا لكن الحكم النفى وهو مدرك شرعى بعد الشرع).
أقول: القائل بأنه يفيد بدليل العقل أما أبو الحسين فقال: الظن فى تفاصيل الجمل المعلوم وجوبها عقلًا فالعمل به واجب عقلًا، بدليل أنه لما كان اجتناب المضار إجمالًا واجبًا قطعًا وجب تفاصيله عقلًا مثل قبول خبر العدل فى مضرة أكل شئ معين فيحكم العقل بأن لا يؤكل وفى انكسار جدار يريد أن ينقض فيحكم العقل بأن لا يقام تحته وما نحن فيه كذلك، لأنه ﷺ بعث لتحصيل المصالح ودفع المضار قطعًا ومضمون خبر الواحد تفصيل له والخبر يفيد الظن به فوجب العمل به قطعًا.
والجواب: أنه مبنى على التحسين والتقبيح بالعقل وقد أبطلناه، سلمناه ولا نسلم أن العمل بالظن فى تفاصيل مقطوع الأصل واجب بل هو أولى للاحتياط ولم ينته إلى حد الوجوب، سلمنا ذلك فى العقليات فلم يجب مثله فى الشرعيات ولا يجوز قياسها عليها لعدم التماثل وهو شرط القياس، سلمناه لكنه قياس فلا يفيد إلا الظن، لجواز كون خصوصية الأصل شرطًا أو خصوصية الفرع مانعًا والمسألة أصولية فلا يجدى فيها الظن.
وأما الباقون فقالوا: أولًا: صدقه ممكن فيجب اتباعه احتياطًا.
والجواب: أنه قياس بغير أصل فإن كان أصله الخبر المتواتر فضعيف لأن المتواتر وجب اتباعه لإفادته العلم لا للاحتياط فالجامع منفى وإن كان أصله فتوى المفتى فضعيف أيضًا لأن الفرق ظاهر وهو أن حكم المفتى خاص بمقلده فيها وحكم خبر الواحد عام فى الأشخاص والأزمان سلمناه لكنه قياس فلا يفيد إلا الظن وهو شرعى لا دليل عقلى وهو خلاف مطلوبكم.
قالوا: ثانيًا: لو لم يجب العمل بخبر الواحد لخلت وقائع كثيرة عن الحكم وهو ممتنع أما الأولى فلأن القرآن والمتواتر لا يفيان بالأحكام بالاستقراء التام المفيد
стр. 1105
للقطع، وأما الثانية فظاهره الجواب بمنع الثانية وهو امتناع خلو وقائع كثيرة عن الحكم عقلًا سلمناه لكن نمنع الملازمة لأن الحكم فيما لا دليل فيه نفى الحكم ونفى الدليل دليل على نفى الحكم لما ورد الشرع بأن ما لا دليل فيه لا حكم فيه فكان عدم الدليل لعدم الحكم مدركًا شرعيًا ولم يلزم إثبات حاكم غير الشرع.
قوله: (فلم يجب مثله) بكسر اللام على لفظ الاستفهام ولم يقل ولا نسلمه فى الشرعيات كما فى المتن تنبيهًا على أن هذا المنع مجرد مطالبة بالدليل من غير أن يسند إلى سند يعتدّ به لما لا يخفى من سند الشارحين وهو منع كون العلة فى العقليات هى الظن المذكور لجواز أن يكون أمرًا لازمًا له فى العقليات خاصة أو منع كونه علة فى الشرعيات لجواز أن تكون خصوصيتها مانعة ثم أشار إلى دفع ما يتوهم دليلًا وهو قياس الشرعيات على العقليات.
قوله: (سلمناه) أى عدم الفرق المؤثر وصحة القياس على الفتوى لكن دعواكم ثبوت ذلك بدليل عقلى والقياس لا أفاد الظن دون العلم لم يكن دليلًا ولما كان أصله حكمًا شرعيًا لم يكن عقليًا بل شرعيًا بخلاف ما مر لأبى الحسين من قياس الشرعيات على العقليات فإنه لو ثبت كان عقليًا ولذلك اقتصر فى رده على أنه لا يفيد إلا الظن.
قوله: (بالاستقراء التام) أما فى القرآن فواضح وأما فى الحديث فلأن المتواتر أيضًا أحاديث قليلة مضبوطة عند أئمة الحديث ومعنى عدم وفائهما بالأحكام أن من الأحكام ما لم يمكن إسنادها إليهما إلا بطريق القياس على ما فيهما من الأحكام ثم لا يخفى أن الأنسب تقديم منع الملازمة إلا أنه قدم منع انتفاء اللازم ترقيًا من الأدنى الأضعف إلى الأعلى الأقوى لظهور أن منع الملازمة ههنا أقوى من منع انتفاء اللازم وحاصل الكلام أن عدم الدليل مدرك شرعى لعدم الحكم للإجماع على أن ما لا دليل فيه فهو منفى فضمير هو لعدم الدليل لا لعدم الحكم على ما ذهب إليه بعض الشارحين إذ المدارك إنما تقال للأدلة دون الأحكام ولهذا ذهب العلامة إلى أنه لا يصح جعل الضمير لنفى الحكم إلا إذا روى مدرك بضم الميم بمعنى أنه معلوم شرعى وهو بعيد وإنما قال: بعد الشرع لظهور أنه قبل ورود الشرع ليس من المدارك الشرعية.
стр. 1106
(قال: أما الشرائط فمنها البلوغ لاحتمال كذبه لعلمه بعدم التكليف، وإجماع المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الدماء قبل تفرقهم مستثنى لكثرة الجناية بينهم منفردين والرواية بعده والسماع قبله مقبولة كالشهادة ولقبول ابن عباس وابن الزبير وغيرهم فى مثله ولا سماع للصبيان).
أقول: أما حكم خبر الواحد فما ذكرنا وأما شرائطه المعتبرة فى وجوب العمل به فأمور كلها فى الراوى الشرط الأول: البلوغ لأن الصبى وإن قارب البلوغ وأمكنه الضبط يحتمل أن يكذب لعلمه بأنه غير مكلف فلا يحرم عليه الكذب فلا إثم له فيه فلا مانع له من إقدامه عليه فلا يحصل ظن عدم الإقدام على الكذب فلا يحصل ظن صدقه وهو الموجب للعمل كالفاسق لا يقال: أجمع أهل المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض فى الدماء قبل تفرقهم مع أنه احتيط فى الشهادة ما لم يحتط فى الرواية، لأنا نقول إنه مستثنى لمسيس الحاجة إليه لكثرة الجناية فيما بينهم إذا كانوا منفردين لا يحضرهم عدل فلو لم تعتبر شهادتهم لضاعت الحقوق التى توجبها تلك الجنايات والمشروع استثناء لا يرد نقضًا كالعرايا وشهادة خزيمة هذا إذا سمع وروى قبل البلوغ، أما الرواية بعد البلوغ لخبر والحال أنه قد سمعه قبل البلوغ فإنها مقبولة، أما أولًا فقياسًا على الشهادة، وأنها متفق عليها، فالرواية أولى بالقبول، وأما ثانيًا فبإجماع الصحابة على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير وغيرهما فى مثله مما حملوه قبل البلوغ ورووه بعده، يدل عليه كتب الحديث، وأنهم لم يسألوا قط عن تحملهم أقبل البلوغ كان أم بعده؟ ولم يفرقوا بينهما قابلين روايتهم وإن احتمل الأمرين احتمالًا ظاهرًا، وأما ثالثًا فبإجماعهم على إحضار الصبيان مجالس الرواية وإسماعهم الحديث ولو لم يعتبر نقله لما أفاد ذلك، وقد يقال: إن ذلك للتبرك ولذلك يحضرون من لا يضبط.
قوله: (فى مثله) أى مثل ما نحن فيه من الأخبار التى حملوها وسمعوها قبل البلوغ ورووها بعده.
стр. 1107
قال: (ومنها الإسلام للإجماع وأبو حنيفة وإن قبل شهادة بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، وهو فاسق بالعرف المتقدم واستدل بأنه لا يوثق به كالفاسق وضعف بأنه قد يوثق ببعضهم لتدينه فى ذلك).
أقول: الشرط الثانى لقبول خبر الواحد: الإسلام، أما أولًا فبدليل الإجماع، فإن قيل أليس أبو حنيفة يقبل شهادة بعض الكفار على بعض، فيلزم فى الرواية، قلنا: نعم لكنه لا يقبل فى الرواية، قد صرح به وذلك أن شهادتهم قبلت للضرورة، صيانة للحقوق، إذ أكثر معاملاتهم مما لا يحضره مسلمان، وأما ثانيًا فلقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، والكافر فاسق بالعرف المتقدم علم ذلك بالاستقراء، وإن كان لا يسمى فى العرف المتأخر فاسقًا ويجعل قسيمًا له، ويعرف بأنه مسلم ذو كبيرة أو صغيرة أصر عليها، وقد استدل بأن الكافر لا يوثق به فلا يقبل قوله قياسًا على الفاسق، وقيل بأنه ضعيف لأنه قد يوثق بقول بعضهم لظهور تدينه فى ذلك الدين مع تحريم الكذب فيه أو فى تحريم الكذب.
قوله: (أو فى تحريم الكذب) يعنى أن ذلك إشارة إلى الدين أو إلى تحريم الكذب.
стр. 1108
قال: (والمبتدع بما يتضمن التكفير كالكافر عند المكفر، وأما عند غير المكفر فكالبدع الواضحة وما لا يتضمن التكفير إن كان واضحًا كفسق الخوارج ونحوه فرده قوم وقبله قوم، والرادّ ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦]، هو فاسق القابل نحن نحكم بالظاهر والآية أولى لتواترها وخصوصها بالفاسق وعدم تخصيصها وهذا مختص بالكافر والفاسق المظنون صدقهما باتفاق، قالوا: أجمعوا على قبول قتلة عثمان وردّ بالمنع أو بأنه مذهب بعض وأما نحو خلاف البسملة وبعض الأصول، وإن ادعى القطع فليس من ذلك لقوة الشبهة من الجانبين، وأما من يشرب النبيذ ويلعب بالشطرنج ونحوه من مجتهد ومقلد فالقطع أنه ليس بفاسق وإن قلنا المصيب واحد لأنه يؤدى إلى تفسيق وإيجاب الشافعى الحد لظهور أمر التحريم عنده).
أقول: ما ذكرناه حكم الكافر وأما المبتدع فقد يكون مبتدعًا ببدعة تتضمن التكفير وقد يكون ببدعة لا تتضمنه فإن كان يتضمن التكفير فيكفر به قوم ولا يكفر به قوم فمن كفره به فهو عنده كالكافر وقد علمت حكمه ومن لم يكفره به فهو عنده كالبدع الواضحة وسنذكر حكمها، وإن كان لا يتضمن التكفير فإن لم تكن واضحة قبل اتفاقًا وإن كانت واضحة كفسق الخوارج: استباحوا الدماء وشنوا الإغارة وأحرقوا وسبوا فرده قوم وقبله قوم قال الرادّ له: قد قال تعالى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وهذا فاسق كما مر، وقال القابل: قال ﵊: "نحن نحكم بالظاهر" وهذا ظاهر إذا ظن صدقه، والمختار الردّ لأن الآية أولى بالعمل بها من الحديث.
فأوّلًا: لكونها متواترة والحديث آحادًا.
وثانيًا: لخصوصها بالفاسق وعموم الحديث للفاسق والعدل، ودلالة الخاص على ما يتناوله أظهر إذ العام يحتمل عدم تناوله لذلك الخاص لتخصيصه دون الخاص.
وثالثًا: لأنها لم تخصص إذ كل فاسق مردود والحديث مخصص لإيجاب العمل بكل ظاهر وخبر الكافر والفاسق ظاهر إذا ظن صدقهما ولا يعمل بهما اتفاقًا.
قالوا: قتل عثمان وهو إمام الحق بدعة واضحة، ومع هذا فالصحابة كانوا
стр. 1109
يقبلون قتلة عثمان شهادة ورواية وهو إجماع على قبول رواية المبتدع بالبدعة الواضحة.
الجواب: لا نسلم القبول إجماعًا وإن سلمنا فلا نسلم الإجماع على كون ذلك بدعة واضحة حتى يلزم الإجماع على قبول ذى البدعة الواضحة بل كان ذلك مذهبًا لبعضهم فإن القتلة لا يرون ذلك وكذلك كثير من الآخرين ويجعلونه اجتهاديًا، وأما نحو خلاف البسملة وجعلها من القرآن وبعض مسائل الأصول كزيادة الصفات فإنها وإن ادعى الخصم فيها القطع فليس من ذلك أى من البدع الواضحة فيقبل اتفاقًا وإنما لم تكن واضحة لقوة الشبهة من الجانبين كما تبين فى موضعه فهذه حال العقائد، وأما ما يتوهم أنه فسق لكونه خللًا فى العمل نحو: من شرب النبيذ أو لعب بالشطرنح من مجتهد يراهما حلالًا أو مقلد له فيه فالقطع أنه ليس بفاسق، أما إذا قلنا: كل مجتهد مصيب فظاهر وإن قلنا: المصيب واحد فكذلك لأنه يجب على المجتهد العمل بظنه وللمقلد بفتواه فلو فسقنا به لفسقنا بواجب وأنه باطل بالضرورة، فإن قيل: أليس الشافعى يحدّ بشرب النبيذ مع ما ذكرتم من الوجوب؟ قلنا: الصحيح عدم الحد عليه والشافعى يحده لظهور أمر التحريم عنده لا لأنه فاسق ولذلك قال: أحد شارب النبيذ وأقبل شهادته.
قوله: (ومن لم يكفره) أى المبتدع (به) أى بالبدعة التى تتضمن التكفير وتذكير الضمير بتأويل الابتداع وكذا جميع الضمائر العائدة إلى البدعة فى غير هذا المقام.
قوله: (فهو) أى ذلك المبتدع (عنده) أى عند من لم يكفره (كالبدع) أى كأهل البدع الواضحة، يشير إلى أن قوله: أما غير المكفر مبتدأ خبره قوله: فكالبدع بحذف صدر الجملة.
قوله: (وأما نحو خلاف البسملة) يعنى أن رأى كل من المتخاصمين فى مثل هذه المسائل وإن كان بدعة عند الآخر وقطعيًا بزعم صاحبه لكنه ليس من البدع الواضحة التى تقدح فى قبول الرواية، ثم البدعة عند المصنِّف فى البسملة هو جعلها من القرآن وفى الصفات هو جعلها غير زائدة على الذات بل عينها كما هو رأى المعتزلة، وإن أريد بالزيادة الغيرية فالبدعة من الزيادة لأن الحق أنها ليست عين الذات ولا غيرها وفى شرح العلامة أن قوله: فإن ادعى القطع معناه القطع بحقيقة
стр. 1110
أو بأنه من الفسق الواضح أو مما يكفر به فليس من ذلك، أى من القطعى أو من الفسق الواضح أو مما يكفر به ولفظ المنتهى مشعر بأن المراد أنه ليس من القطعى.
قوله: (لفسقنا بواجب) أى بارتكاب عمل متفرع على رأى يجب عليه الحكم بموجبه فإن على المجتهد يجب اتباع ظنه وعلى المقلد اتباع مجتهد وإلا فالتفسيق إنما هو بالشرب وهو ليس بواجب بل مباح عنده والواجب عليه هو الحكم بإباحته.
الشارح: (والشافعى يحده لظهور أمر التحريم لا لأنه فاسق) عبارة المستصفى وقد قال الشافعى: أقبل شهادة الحنفى وأحده إذا شرب النبيذ لأن هذا فسق غير مقطوع به إنما المقطوع به فسق الخوارج. . . إلخ.
стр. 1111
قال: (ومنها رجحان ضبطه على سهوه لعدم حصول الظن).
أقول: الشرط الثالث: رجحان ضبط الراوى على سهوه إذ مع المرجوحية والمساواة لا يترجح طرف الإصابة فلا يحصل الظن.
قال: (ومنها العدالة: وهى محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض الصغائر وبعض المباح، وقد اضطرب فى الكبائر فروى ابن عمر: "الشرك باللَّه وقتل النفس وقذف المحصنة والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد فى الحرم" وزاد أبو هريرة: "أكل الربا"، وزاد على رضى اللَّه عنه: "السرقة وشرب الخمر" وقيل: ما توعد الشارع عليه بخصوصه وأما بعض الصغائر فما يدل على الخسة: كسرقة لقمة والتطفيف بحبة، وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأرذال والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة).
أقول: الشرط الرابع: عدالة الراوى وهى محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة وليس معها بدعة فقولنا: دينية ليخرج الكافر وقولنا: تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليخرج الفاسق وقولنا: ليس معها بدعة ليخرج المبتدع إذ هؤلاء لا تقبل روايتهم وهذه لما كانت هيئة نفسية خفية فلا بد لها من علامات تتحقق بها، وإنما تتحقق باجتناب أمور أربعة: الكبائر، والإصرار على الصغائر، وبعض الصغائر، وبعض المباح، أما الكبائر فقد اضطرب فيها الرواة، فروى ابن عمر رضى اللَّه عنهما تسعة: "الشرك باللَّه وقتل النفس بغير حق، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف والسحر، وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد فى الحرم"، وزاد أبو هريرة: "أكل الربا"، وزاد على رضى اللَّه عنه: "السرقة وشرب الخمر"، وربما قيل الكبيرة: كل ما توعد عليه الشارع بخصوصه، وقال بعض: كل ما كان مفسدته مثل مفسدة أقلها مفسدة أو أكثر منه، فإن مفسدة دلالة الكفار إلى المسلمين ليستأصلوهم أكثر من مفسدة الفرار من الزحف، ومفسدة إمساك المحصنة ليزنى بها أكثر من مفسدة القذف، ويمكن أن يقال: هو ما يدل على قلة المبالاة بالدين، دلالة أدنى ما ذكر من الأمور.
وأما الإصرار على الصغائر فمرجعه العرف وبلوغه مبلغًا ينفى الثقة، وأما ترك بعض الصغائر فالمراد منها ما يدل على خسة النفس ودناءة الهمة: كسرقة لقمة
стр. 1112
والتطفيف فى الوزن بحبة، وأما ترك بعض المباح، فالمراد ما يدل على مثل ذلك: كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأرذال، والحرف الدنيئة: كالدباغة والحجامة والحياكة، ممن لا يليق به ذلك من غير ضرورة تحمله على ذلك لأن مرتكبها لا يجتنب الكذب غالبًا.
قوله: (رجحان ضبطه على سهوه) فى كلام الآمدى رجحان ضبطه على عدم ضبطه وذكره على سهوه، فلم يجعل السهو مقابلًا للضبط.
قوله: (التقوى) وهو الاحتراز عما يذم به شرعًا والمروءة عرفًا وفى كلامه إشعار بأن تارك المروءة فاسق وليس كذلك ولم يقتصر على ذكر التقوى لأنها تتعلق بالعمليات خاصة فلا بد من تحقق نفى البدعة المتعلقة بالاعتقاديات إلا أن فى كون البدعة مخلًا بالعدالة نظرًا ولهذا لم يتعرض له الإمام الغزالى حيث قال: هى هيئة راسخة فى النفس من الدين تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا ثم لا يخفى أن اشتراط العدالة مغن عن اشتراط الإسلام.
قوله: (إذ هؤلاء) أى الكافر والفاسق والمبتدع لا تقبل روايتهم على ما مر من التفصيل فى المبتدع والأنسب بالاحتراز أن يقال: إذ هؤلاء ليسوا عدولًا.
قوله: (والإلحاد فى الحرم) أى الظلم فى حرم مكة وهو فى الأصل الميل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، أى من يرد فيه مرادًا حال كونه مائلًا عن القصلى ظالمًا وحقيقته متلبسًا بإلحاد متلبسًا بظلم على أنهما حالان مترادفان.
قوله: (وقال بعض) إشارة إلى ما ذكره بعضهم من أنك إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسدها فهى من الصغائر وإلا فمن الكبائر ثم قال: الأولى أن تضبط بما يشعر بتهاون مرتكبها فى دينه إشعار ما هو للأصغر من الكبائر المنصوص عليها.
المصنف: (وهى محافظة دينية) يريد ملكة نفسانية يلزمها المحافظ على الدين.
المصنف: (وتتحقق باجتناب الكبائر. . . إلخ) أى تتحقق العدالة باعتبار أدناها إذ
стр. 1113
العدالة لها مراتب.
المصنف: (كاللعب بالحمام) أى من غير قمار.
الشارح: (إذ هؤلاء لا تقبل روايتهم تعليل لخروجهم) أى إنما خرج هؤلاء بهذا القيد لأنه لا تقبل روايتهم.
الشارح: (ويمكن أن يقال هو ما يدل على قلة المبالاة. . . إلخ) هو راجع إلى قول البعض المذكور قبله لأنهما متلازمان كذا فى التحرير.
قوله: (هو الاحتراز عما يذم به شرعًا) ذكر الضمير العائد على التقوى مراعاة للخبر قيل الأولى أن يقال: هى الاحتراز عن الكبائر لأن الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر، وأما كونها الاحتراز عما يذم شرعًا فيقتضى أنه لا فرق بين المعصوم والمتقى وليس كذلك.
قوله: (مغن عن اشتراط الإسلام) قد يقال: لما اختص بذلك خص بالذكر.
قوله: (والمروءة عرفًا) لعل هنا سقطًا والأصل: والمروءة هى الاحتراز عما يذم به عرفًا.
قوله: (وفى كلامه إشعار. . . إلخ) كلام المصنف لا إشعار فيه لأنه عطف المروءة على التقوى وقد ذكر أن العدالة تتحقق بترك بعض المباح نعم فى كلام الشارح حيث قال: وقولنا تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليخرج الفاسق.
قوله: (وحقيقته متلبسًا بإلحاد متلبسًا بظلم) أى معناه الوضعى الذى يقتضيه التركيب بحسب أصل الوضع، وأما ما ذكر قبل من قوله: حال كونه مائلًا عن القصد ظالمًا فبيان أصل المعنى ومآله.
стр. 1114
قال: (وأما الحرية والذكورة وعدم القرابة والعداوة فمختص بالشهادة).
أقول: هذه شروط فى الرواية والشهادة وتعتبر فى الشهادة شروط لا تعتبر فى الرواية: كالحرية والذكورة والعدد وعدم القرابة للمشهود له، وعدم العداوة للمشهود عليه، لأن أمر الشهادة أخلق بالاحتياط لقوة البواعث عليه من الطمع والاهتمام بأمر الخصومات، ولأنه خاص، فالمحبة والعداوة تؤثران فيه والخبر عام وأيضًا فالمساهلة فيها بخصوصها أكثر ولذلك نرى من كثرة شهود الزور ما لا نراه من كثرة رواة المفترى.
قوله: (والعدد) زيادة من الشارح لا توجد فى نسخ المتن.
قوله: (ولأنه خاص) عطف على لقوة البواعث عليه والضمير لأمر الشهادة وقوله: وأيضًا دليل آخر لاشتراط الأمور المذكورة فى الشهادة دون الخبر.
الشارح: (ولأنه خاص فالمحبة والعداوة تؤثران فيه والخبر عام) حاصله الفرق بين الرواية والشهادة بأن الرواية: الخبر فيها عام لا يختص بمعين، وأما الشهادة: فالخبر فيها غير عام بل مختص بمعين وأورد على هذا الفرق أن الشهادة قد تكون فى الأمر العام كالشهادة بالوقف على الفقراء والمساكين إلى يوم القيامة والرواية قد تكون فى الأمور الجزئية كالإخبار عن النجاسة وأوقات الصلوات وأجيب بأن العموم فى الشهادة بالوقف على الفقراء والمساكين إلى يوم القيامة إنما جاء بطريق العرض والتبع والمقصود الأول منها الواقف وإثباته عليه وهو شخص معين، والمقصود فى الإخبار بالنجاسة ونحوها نقل الحكم العام الذى لا يختص بواحد معين.
стр. 1115
قال: (مسألة: مجهول الحال لا يقبل وعن أبى حنيفة قبوله، لنا الأدلة تمنع من الظن، فخولف فى العدل فيبقى ما عداه، وأيضًا الفسق مانع فوجب تحقق ظن عدمه كالصبا والكفر، قالوا: الفسق سبب التثبت، فإذا انتفى انتفى، قلنا لا ينتفى إلا بالخبرة أو التزكية، قالوا: نحن نحكم بالظاهر، ورد بمنع الظاهر وبنحو: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦]. قالوا: ظاهر الصدق كإخباره بالذكاة وطهارة الماء ونجاسته ورق جاريته. ورد بأن ذلك مقبول مع الفسق والرواية أعلى رتبة من ذلك).
أقول: مجهول الحال، وهو من لا تعلم عدالته لا تقبل روايته، وروى عن أبى حنيفة قبول روايته اكتفاءً بسلامته من الفسق ظاهرًا.
لنا الأدلة نحو: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، دلت على المنع من اتباع الظن فى المعلوم عدالته وفسقه والمجهول فخولف فى المعلوم عدالته بدليل هو الإجماع فيبقى فيما عداه معمولًا به فيمتنع اتباع الظن فيه ومنه صورة النزاع وهو المجهول، وأيضًا الفسق مانع بالاتفاق فيجب تحقق ظن عدمه كالصبا والكفر فإنا لا نقنع بظهور عدمهما ما لم يتحقق.
قالوا: أولًا: الفسق شرط وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق انتفى وجوب التثبت وههنا قد انتفى الفسق فلا يجب التثبت.
الجواب: لا نسلم أنه ههنا انتفى الفسق بل انتفى العلم به ولا يلزم من عدم العلم بالشئ عدمه، والمطلوب العلم بانتفائه ولا يحصل إلا بالخبرة به أو بتزكية خبير به له واعلم أن هذا مبنى على أن الأصل الفسق أو العدالة والظاهر أنه الفسق لأن العدالة طارئة ولأنه أكثر.
قالوا: ثانيًا: قال ﵇: نحن نحكم بالظاهر. وهذا ظاهر، إذ يوجب ظنًا ولذلك أسلم أعرابى فشهد بالهلال، فقبل.
الجواب: أما أوّلًا فبأنا لا نسلم أن هذا ظاهر بل يستوى فيه صدقه وكذبه ما لم يعلم عدالته، وأما قصة الأعرابى فلعله ﵊ عرف عدالته لأن الإسلام يجب ما قبله ولم يحدث بعد ما ينقض العدالة وأما ثانيًا: فلأنه معارض بنحو: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨].
قالوا: ثالثًا: هو ظاهر الصدق فيقبل إخباره كإخباره بكون اللحم مذكاة وبكون الماء طاهرًا أو نجسًا، وبرق جاريته التى يبيعها إذ فى الكل لا يشترط العدالة ويكتفى
стр. 1116
بظاهر صدقه.
والجواب: أولًا بأن ذلك ليس محل النزاع، إذ محل النزاع ما اشترط فيه عدم الفسق وذلك مقبول مع الفسق اتفاقًا، وثانيًا بأن الرواية أعلى مرتبة من هذه الأمور الجزئية لأنها تثبت شرعًا عامًا فلا يلزم من القبول فى ذلك القبول فى الرواية.
قوله: (فخولف) أى كل من الأدلة وكذا ضمير يبقى ومعمولًا به وضمير ما عداه لمعلوم العدالة وضمير فيه ومنه لما عداه وقد يعترض بأن الآيات مخصصة بما المطلوب فيه العلم من الأصول كما سبق الإجماع على وجوب اتباع الظن فى العمليات سواء حصل بخبر العدل أو غيره ويجاب بأنه لا ظن فى المجهول فلا جهة للتخصيص على أن قبول الرواية ليس من العمليات وإن كان يؤول إليها كسائر مسائل الأصول وفيه نظر.
قوله: (فإنا لا نقنع بظهور عدمهما) يعنى لا يكفى ظهور عدم الصبا والكفر فى قبول الرواية بل يجب تحقق ظن عدمهما وتوهم الشارح العلامة أن المراد تحقق ظن عدمهما فى الشهادة فاعترض بأن الاحتياط فى باب الشهادة آكد وههنا بحث وهو: أنا لا نفهم من ظهور عدمهما سوى ظنه فإذا تحقق ظهوره تحقق ظنه قطعًا وكأنه جعل الظهور دون الظن وهو بعيد.
قوله: (فلا يجب التثبت) هذا على قانون المعقول غير موجه لأن رفع الملزوم لا يوجب رفع اللازم إلا أنه إلزام على القائلين بمفهوم الشرط فيندفع ما ذكره العلامة من أن انتفاء السبب المعين لا يوجب انتفاء المسبب لجواز تعدد السبب إلا أنه يمكن تمشيته بما ذكره من أن تعدد السبب ههنا معلوم لأن الجهل بالعدالة والفسق أيضًا سبب التثبت.
قوله: (ولأنه) أى الفسق أكثر فهو أغلب على الظن وأرجح وهو معنى الأصل وهذا ظاهر لكن فى كون العدالة طارئة نظر بل الأصل أن الصبى إذا بلغ بلغ عدلًا حتى تصدر عنه معصية.
المصنف: (لنا الأدلة تمنع من الظن) أى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ونحو ذلك
стр. 1117
تمنع من الظن، ويرد عليه أنه قد مر منه الاعتراض على من استدل بهذه الآيات على منع العمل بخبر الواحد بأن ذلك استدلال بالظن على ما هو أصل لا يكفى فيه الظن فبين كلاميه تناف.
المصنف: (وأيضًا الفسق مانع) فوجب تحقق ظن عدمه اعترض بأن العلماء والعقلاء على أنه إذا تم المقتضى لا يتوقفون إلى أن يظنوا عدم المانع بل المدار على عدم الظهور المانع.
الشارح: (فخولف فى المعلوم عدالته) أى المظنون ذلك ظنًا قويًا.
الشارح: (الفسق شرط التثبت) أى لقوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) فإذا انتفى الفسق انتفى وجوب التثبت أى لأن ذلك هو معنى الشرط كما سيقرره المصنف، وأكثر استعمال "إن" فى غير السبب على أن الأصل عدم تعدد السبب ثم قول الشارح الفسق شرط بيان لمراد المصنف من قوله الفسق سبب.
قوله: (فلا جهة للتخصيص) أى لأنه لم يدخل وهذا الجواب غير ملاق لكلام المصنف والشارح.
قوله: (فاعترض بأن الاحتياط فى باب الشهادة آكد) أى فلا يلزم من وجوب تحقق ظن عدم الصبا والكفر فى الشهادة وجوب تحقق ظن عدم الفسق فى الرواية.
قوله: (وههنا بحث وهو أنا لا نفهم من ظهور عدمهما. . . إلخ) رد بأن المراد بظهور عدمهما ظهور عدم الدليل عليهما وهو غير ظن العدم.
قوله: (إلا أنه يمكن تمشيته) أى تمشية اعتراض العلامة بما ذكره من أن تعدد السبب معلوم، وفيه أنه أول النزاع فإن من قال بأن خبر المجهول يعمل به كيف يسلم أن الجهل أيضًا سبب للتثبت.
قوله: (لكن فى كون العدالة طارئة نظر. . . إلخ) رد بأن الرسوخ معتبر فى العدالة فلا يصير الصبى إذا بلغ عدلًا إلا إذا صارت التقوى ملكة له راسخة فيه غير أن ذلك يعكر على مسألة الأعرابى الذى قبلت شهادته عقب إسلامه.
стр. 1118
قال: (الأكثر أن الجرح والتعديل يثبت بقول الواحد فى الرواية دون الشهادة وقيل لا فيهما وقيل نعم فيهما، الأول شرط فلا يزيد على مشروطه كغيره، قالوا شهادة فيتعدد، وأجيب بأنه خبر، قالوا: أحوط. أجيب: بأن الآخر أحوط، والثالث ظاهر).
أقول: الأكثر على أن الجرح والتعديل كليهما يثبت بقول العدل الواحد فى الرواية ولا يثبت به فى الشهادة بل يجب اثنان وقيل لا يثبت بالواحد بل يجب الاثنان فيهما جميعًا، وقيل يثبت بالواحد فيهما جميعًا، وهو قول القاضى، قال القائل الأول: التعديل شرط للرواية فلا يزيد على مشروطه أى لا يحتاط فيه إلا ما يحتاطه فى أصله، كغيره من الشروط وقد اكتفى فى أصل الرواية بواحد، وفى الشهادة باثنين فيكون تعديل كل واحد كأصله، واعلم أنه لا يتم مدعاه إلا بأن يبين أنه لا ينقص عن أصله حتى يثبت له أنه يجب فى الشهادة اثنان ولم يثبت كما فى تعديل شهود الزنا فإنه يكفى اثنان.
القائلون بالمذهب الثانى قالوا: أولًا: شهادة فيجب التعدد كسائر الشهادات، وأجيب بالمعارضة بأنه إخبار فيكفى الواحد كسائر الأخبار.
وقالوا: ثانيًا: اعتبار العدد أحوط، لأنه يبعد احتمال العمل بما ليس بحديث، وأجيب بأن الآخر وهو عدم اعتبار العدد أحوط لأنه يبعد احتمال عدم العمل بما هو حديث، وأما المذهب الثالث، فالكلام فيه سؤالًا وجوابًا ظاهر مما قلنا إذ يجعل المعارضة فى الثانى دليلًا، والدليل معارضة فيقال خبر فيكفى الواحد فيعارض بأنه شهادة فلا يكفى أو يقال أحوط فيعارض بأن الآخر أحوط.
قوله: (واعلم) يعنى أن عدم زيادة الشرط على مشروطه إنما تفيد عدم اشتراطه العدد فى تعديل الراوى أو جرحه ولا تفيد اشتراطه فى تعديل الشاهد أو جرحه فلا بد فى ثبوت تمام المدعى من ثبوت أن الشرط كما لا يزيد على مشروطه لا ينقص عنه وليس بثابت لأنه يشترط فى شهود الزنا كونهم أربعة ويكفى فى تعديلهم اثنان على أن عدم الزيادة أيضًا ليس بثابت إذ يكفى فى شهادة هلال رمضان واحد ويفتقر فى تعديله إلى اثنين، ويمكن الجواب بأن كلًا منهما ثابت فى باب الشهادة على الإطلاق وزيادة الأصل فى شهادة الزنا ونقصانه فى شهادة هلال
стр. 1119
رمضان إنما يثبت بخصوص نص احتياطًا لدرء العقوبات وإيجاب العبادات.
قوله: (بالمذهب الثانى) وهو أنه لا يثبت بالواحد فيها جميعًا بل لا بد من العدد وما وقع فى نسخ الشارح من تقديم الثالث على الثانى كأنه من سهو القلم.
الشارح: (وهو عدم اعتبار العدد أحوط) هذه العارضة مدفوعة بأن شرع ما لم يشرع شر من ترك ما شرع.
قوله: (ويمكن الجواب بأن كلا منهما. . . إلخ) لم يرتض هذا الجواب صاحب التحرير.
стр. 1120
قال: (مسألة: قال القاضى: يكفى الإطلاق فيهما وقيل لا فيهما، وقال الشافعى رضى اللَّه عنه فى التعديل وقيل بالعكس، وقال الإمام إن كان عالمًا كفى فيهما وإلا لم يكف، القاضى إن شهد بغير بصيرة لم يكن عدلًا وفى محل الخلاف مدلس، وأجيب بأنه قد يبنى على اعتقاده أو لا يعرف الخلاف النافى لو اكتفى لأثبت مع الشك للالتباس فيهما، أجيب بأنه لا شك مع أخبار العدل، الشافعى لو اكتفى فى الجرح لأدى إلى التقليد للاختلاف فيه العكس العدالة ملتبسة لكثرة التصنع بخلاف الجرح، الإمام غير العالم يوجب الشك).
أقول: قال القاضى أبو بكر: يكفى الإطلاق فى الجرح والتعديل ولا حاجة إلى ذكر السبب وقال قوم: لا يكفى الإطلاق فيهما بل يجب ذكر السبب، وقال الشافعية: يكفى فى التعديل دون الجرح وقيل بالعكس، أى يكفى فى الجرح دون التعديل، وقال الإمام: إن صدر عمن يعلم أسبابهما كفى الإطلاق فيهما، وإلا لم يكف فيهما، احتج القاضى بأنه إن شهد من غير بصيرة له بحالهما لم يكن عدلًا وهو خلاف المفروض، وأما ما يقال: إنه قد اختلف فى سبب الجرح فربما جرح بسبب لا نراه فنقول: مهما أطلق فى محل الخلاف كان مدلسًا، وذلك يقدح فى عدالته، وأجيب أوّلًا بأنه قد يبنى الجرح على اعتقاده فيما يراه جرحًا حقًا فلا يكون مدلسًا، وثانيًا بأنه ربما لا يعرف الخلاف ولا يخطر بباله أصلًا فلا تدليس احتج النافى وهو القائل لا يكفى الإطلاق فيهما بأنه لو اكتفى بالإطلاق لأثبت ما يثبت مع الشك فيه للالتباس فى أسباب الجرح والتعديل وكثرة الخلاف فيه واللازم ظاهر البطلان.
الجواب: أنا لا نسلم أنه يثبت مع الشك فإن قول العدل يوجب الظن فإنه لو لم يعرف لم يقل، احتج الشافعية على أنه يكفى فى التعديل خاصة بأنه لو اكتفى به فى الجرح لأدى إلى التقليد واللازم باطل أما الملازمة فللاختلاف فى أسباب الجرح فهو فى كون الحديث مردودًا مقلد للجارح للعمل بمجرد قوله فيما يراه جرحًا وربما لو ذكره لم يره المجتهد جرحًا وأنه بعض مقدمات اجتهاده ولن يكون مجتهدًا من يقلد فى بعض مقدمات اجتهاده فيكون مقلدًا إذ لا واسطة وأما بطلان اللازم فلأن الاجتهاد هو المقصود من الرواية وكلامنا فى المجتهد القائل بالعكس، قال: العدالة تلتبس على الناس لكثرة التصنع فيها بخلاف الجرح الإمام قال: لو
стр. 1121
أثبتنا أحدهما بقول غير العالم بأسبابهما لأثبتنا مع الشك بخلاف العالم فقد عرفت المآخذ والمسألة اجتهادية.
قوله: (وأما ما يقال) إشارة إلى أن قوله: وفى محل الخلاف مدلس دفع لما يجاب به عن تمسك القاضى ثم الظاهر أن قوله: وأجيب جواب التمسك لكن تصريح الشارح فى آخر كل من الوجهين بنفى التدليس ربما يشعر بأنه دفع لهذا الدفع ليبقى الجواب المذكور سالمًا وقد يعترض على الثانى بأن عدم معرفة الخلاف تنافى البصيرة بحالى الجرح والتعديل لأن من تمام البصيرة معرفة أسبابهما على ما فيهما من الاتفاق والاختلاف.
قوله: (لأدى إلى التقليد) يريد أن الاكتفاء بالإطلاق فى التعدى لا يؤدى إلى التقليد لعدم الاختلاف فى أسباب التعديل على ما قال الآمدى إنه قال الشافعى: لا بد من ذكر سبب الجرح لاختلاف الناس فيما يجرح بخلاف العدالة فإن سببها واحد لا اختلاف فيه لكن لا يخفى أن اجتناب أسباب الجرح أسباب للعدالة والاختلاف فيها اختلاف فيها والأقرب ما ذكره الإمام فى البرهان والغزالى فى المستصفى أن أسباب التعديل لكثرتها لا تضبط فلا يمكن ذكرها فلهذا يكتفى فيه بالإطلاق والتحقيق أن العدالة بمنزلة وجود مجموع يفتقر إلى اجتماع أجزاء وشرائط يتعذر ضبطها أو يتعسر والجرح بمنزلة عدم له يكفى فيه انتفاء شئ من الأجزاء والشروط فيذكر.
قوله: (فقد عرفت المآخذ) أى مآخذ الأقوال والمسألة اجتهادية يكتفى فيها بالظن فعليك بالترجيح واختيار ما هو أغلب على الظن.
المصنف: (وقال الإمام إن كان عالمًا. . . إلخ) ظاهر هذا أن القاضى يكتفى بالإطلاق فيهما مطلقًا من غير شرط كون العدل والمجرح عالمًا، والمعروف عنه أنه لا يجب ذكر سبب الجرح والتعديل إذا كان كل من الجارح والمعدل بصيرًا بذلك كما مشى عليه الغزالى فى المستصفى، ودليل القاضى الذى ذكره المصنف يفيد أنه لا بد أن يكون المعدل والمجرح ذا بصيرة فالأقوال فى الحقيقة أربعة كلها على تقدير العلم.
стр. 1122
المصنف: (لأثبت مع الشك للالتباس فيهما) أى لا يثبت الجرح أو العدالة مع الشك لأن إِطلاق التعديل أو التجريح يجوز أن يكون عن أمر هو سبب لذلك وأن يكون عن أمر ليس سببًا لكنه يظنه سببًا للاختلاف فى ذلك.
الشارح: (فنقول مهما أطلق فى محل الخلاف كان مدلسًا) هذا تخصيص لدعوى القاضى أنه يكفى الإِطلاق فيهما بأن محله فى غير صورة الخلاف أى فيما إِذا كان المعدل والمجرح معدلًا ومجرحًا باتفاق أما إِن كان معدلًا عند قوم ومجرحًا عند آخرين فلا بد من ذكر السبب وهو خلاف المنقول عن مذهب القاضى.
الشارح: (ربما لا يعرف الخلاف ولا يخطر بباله) الأولى أو لا يخطر بباله ليكون سببًا آخر ثم إِن ما ذكر فى هذه المسألة مبنى على أنه يجب فى الشهادة والرواية أن يكون الشاهد والراوى عدلًا فى مذهب الحاكم والمجتهد ولا يكفى عدالته فى مذهبه المخالف لمذهب الحاكم والمجتهد مع أن المقصود أن يكون الشاهد والراوى ثقة يحصل الظن بخبره ولا يفهم منه قلة المبالاة بالدين والكذب حرام فى جميع المذاهب.
قوله: (أى تمسك القاضى) هو أنه إِن شهد بغير بصيرة لم يكن عدلا والمفروض عدالته.
قوله: (جواب التمسك) أى جواب عن تمسك القاضى بأنه إِن شهد بغير بصيرة لم يكن عدلًا، وحاصل الجواب أنه قد يبنى على اعتقاده فيما يراه حقًا فعدم بصيرته لا تنافى عدالته.
قوله: (وقد يعترض على الثانى. . . إلخ) يجاب بأن عدمه عدم معرفته الاتفاق والاختلاف فى أسباب الجرح لا ينافى بصيرته وإن نافى كمال البصيرة، والقاضى إِنما اشترط البصيرة.
стр. 1123
قال: (مسألة: الجرح مقدم وقيل الترجيح لنا أنه جمع بينهما فوجب أما عند إثبات معين ونفيه باليقين فالترجيح).
أقول: إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح مقدم على التعديل وقيل بل التعديل مقدم، لنا أن تقدم الجرح جمع للجرح والتعديل فإن غايته قول المعدل إنه لم يعلم فسقًا ولم يظنه فظن عدالته، إذ العلم بالعدم لا يتصور والجارح يقول: أنا علمت فسقه فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبًا، ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به، والجمع أولى ما أمكن لأن تكذيب العدل خلاف الظاهر، هذا إذا أطلقا وأما إذا عين الجارح السبب ونفاه المعدّل بطريق يقينى مثل أن يقول الجارح هو قتل فلانًا يوم كذا، وقال المعدل هو حى وأنا رأيته بعد ذلك اليوم، فيقع بينهما التعارض لعدم إمكان الجمع المذكور وحينئذٍ يصار إلى الترجيح.
قوله: (وقيل بل التعديل مقدم) المذكور فى نسخ المتن وقيل الترجيح أى الحكم هو أن يرجح أحدهما بمرجح فيقدم ومن ههنا، اضطرب كلام الشارحين فى تقرير الدليل ومرجع الضمير فى "بينهما" فذهب العلامة إلى أن المعنى أن الجارح جمع بين إثبات شئ يقينًا مع عدم نفى المعدل إياه يقينًا.
أما الأول فلأن الظاهر من حال العدل أن لا يجرح إلا عن يقين.
وأما الثانى فلأن الكلام فى الصور الثلاث التى لم يعين الجارح سبب الجرح أو عين ولم ينفه المعدل أو نفاه بطريق غير يقين إذ لا خلاف فى أنه إذا عين السبب ونفاه المعدّل يتعين أن التقديم لا يكون إلا بالترجيح ثم قال: وله محمل آخر يتعين فيه مرجع ضمير "بينهما" وهو أن يريد أن تقديم الجرح فى الصور الثلاث جمع بين تقديم الجرح والعمل بالترجيح لأن الجرح راجح فى الصور الثلاث لأن الجارح اطلع على ما لم يعرفه المعدل أو عرفه ولم ينفه أصلًا أو نفاه لا بيقين وتقرير المحقق واضح لا غبار عليه وكأنه تحقق ما وقع فى بعض الشروح أن العمل بالجرح لا ينفى مقتضى التعديل فى غير صورة التعيين فيكون جمعًا بينهما فكان أولى بخلاف ما إذا عين ونفى بيقين فإنه لا بد من الترجيح لكن قوله: هذا إذا أطلق ليس على ما ينبغى إذ لا يتناول ما إذا عين الجارح السبب ولم يمنعه المعدل أو نفاه لا بيقين.
стр. 1124
الشارح: (وقيل بل التعديل مقدم) قيل: إن هذا لم يذكره الآمدى ولا الإمام وغيرهما مع مخالفته لما هو شرح له إذ الذى فى المتن: وقيل بل الترجيح وحينئذ فيحمل قول الشارح: وقيل بل التعديل مقدم على أنه مقدم فى الجملة وهو إذا رجح على الجرح ويفهم منه أنه إذا رجح الجرح يكون هو المقدم فيوافق المتن وهو تكلف ظاهر.
قوله: (من ههنا اضطرب كلام الشارحين) أى من أن فى نسخ المتن: وقيل الترجيح اضطرب كلام الشارحين. . . إلخ. أما لو كان الذى فى نسخ المتن: وقيل التعديل لكان تقرير الدليل ومرجع الضمير فى قوله: جمع بينهما واضحًا كما قرره الشارح.
стр. 1125
قال: (مسألة: حكم الحاكم المشترط العدالة بالشهادة تعديل باتفاق وعمل العالم مثله ورواية العدل ثالثها، المختار تعديل إن كان عادته أنه لا يروى إلا عن عدل وليس من الجرح ترك العمل فى شهادة ولا رواية لجواز معارض ولا الحد فى شهادة الزنا لعدم النصاب ولا بمسائل الاجتهاد ونحوها مما تقدَّم ولا بالتدليس على الأصح كقول من لحق الزهرى قال الزهرى موهمًا أنه سمعه، ومثل وراء النهر يعنى غير جيحان).
أقول: هذه طرق التعديل فمنها حكم الحاكم بمقتضى شهادة أحد فإن كان الحاكم العدل لا يرى العدالة شرطًا فى قبول الشهادة لم يكن تعديلًا وإن كان يراه شرطًا فهو تعديل اتفاقًا وكذا إذا عمل العالم الذى يرى العدالة شرطًا فى قبول الرواية بروايته وإنما الخلاف فى رواية العدل عنه هل هو تعديل أم لا؟ فيه مذاهب:
أولها: تعديل إذ الظاهر أنه لا يروى إلا عن عدل.
ثانيها: ليس بتعديل إذ كثيرًا نرى من يروى ولا يفكر ممن يروى.
وثالثها: وهو المختار أنه إن علم من عادته أنه لا يروى إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا، وأما ترك العمل بشهادته أو بروايته فليس جرحًا له لجواز أن تدلا وتقبلا ولا يرتب عليهما أثر ما لمعارض كرواية أو شهادة أخرى أو فقد شرط آخر غير العدالة، وكذلك الحد فى شهادة الزنا لعدم تمام النصاب ليس بجرح لأنه لا يدل على فسق وكذلك الحد على المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ إذا كان مذهبه ليس جرحًا، وكذلك أمثالها من خلاف البسملة ومسائل الأصول مما تقدَّم فى الإجماع وكذلك التدليس من المعاريض ليس بجرح على الأصح وذلك كقول من لحق الزهرى: قال الزهرى كذا موهمًا أنه سمعه منه، ومثل حدَّثنا فلان بما وراء النهر موهمًا أنه يريد بالنهر جيحان، وإنما يريد به غيره لأن قصده لذلك غير واضح.
قوله: (وكذلك الحد على المسائل الاجتهادية) عبارة الآمدى وليس من الجرح ترك العمل بروايته والحكم بشهادته ولا الشهادة بالزنا وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه إذا لم يكمل نصاب الشهادة ولا بما يسوغ فيه الاجتهاد ولا بالتدليس وأراد المصنِّفُ الحد فى شهادة الزنا فقال ولا الحد فى شهادة الزنا لعدم النصاب ولا المسائل الاجتهادية ونحوهما مما تقدَّم ولا بالتدليس ولما كان الكلام فى طرق الجرح
следующие страницы →