أثبتنا أحدهما بقول غير العالم بأسبابهما لأثبتنا مع الشك بخلاف العالم فقد عرفت المآخذ والمسألة اجتهادية.
قوله: (وأما ما يقال) إشارة إلى أن قوله: وفى محل الخلاف مدلس دفع لما يجاب به عن تمسك القاضى ثم الظاهر أن قوله: وأجيب جواب التمسك لكن تصريح الشارح فى آخر كل من الوجهين بنفى التدليس ربما يشعر بأنه دفع لهذا الدفع ليبقى الجواب المذكور سالمًا وقد يعترض على الثانى بأن عدم معرفة الخلاف تنافى البصيرة بحالى الجرح والتعديل لأن من تمام البصيرة معرفة أسبابهما على ما فيهما من الاتفاق والاختلاف.
قوله: (لأدى إلى التقليد) يريد أن الاكتفاء بالإطلاق فى التعدى لا يؤدى إلى التقليد لعدم الاختلاف فى أسباب التعديل على ما قال الآمدى إنه قال الشافعى: لا بد من ذكر سبب الجرح لاختلاف الناس فيما يجرح بخلاف العدالة فإن سببها واحد لا اختلاف فيه لكن لا يخفى أن اجتناب أسباب الجرح أسباب للعدالة والاختلاف فيها اختلاف فيها والأقرب ما ذكره الإمام فى البرهان والغزالى فى المستصفى أن أسباب التعديل لكثرتها لا تضبط فلا يمكن ذكرها فلهذا يكتفى فيه بالإطلاق والتحقيق أن العدالة بمنزلة وجود مجموع يفتقر إلى اجتماع أجزاء وشرائط يتعذر ضبطها أو يتعسر والجرح بمنزلة عدم له يكفى فيه انتفاء شئ من الأجزاء والشروط فيذكر.
قوله: (فقد عرفت المآخذ) أى مآخذ الأقوال والمسألة اجتهادية يكتفى فيها بالظن فعليك بالترجيح واختيار ما هو أغلب على الظن.
المصنف: (وقال الإمام إن كان عالمًا. . . إلخ) ظاهر هذا أن القاضى يكتفى بالإطلاق فيهما مطلقًا من غير شرط كون العدل والمجرح عالمًا، والمعروف عنه أنه لا يجب ذكر سبب الجرح والتعديل إذا كان كل من الجارح والمعدل بصيرًا بذلك كما مشى عليه الغزالى فى المستصفى، ودليل القاضى الذى ذكره المصنف يفيد أنه لا بد أن يكون المعدل والمجرح ذا بصيرة فالأقوال فى الحقيقة أربعة كلها على تقدير العلم.
стр. 1122
المصنف: (لأثبت مع الشك للالتباس فيهما) أى لا يثبت الجرح أو العدالة مع الشك لأن إِطلاق التعديل أو التجريح يجوز أن يكون عن أمر هو سبب لذلك وأن يكون عن أمر ليس سببًا لكنه يظنه سببًا للاختلاف فى ذلك.
الشارح: (فنقول مهما أطلق فى محل الخلاف كان مدلسًا) هذا تخصيص لدعوى القاضى أنه يكفى الإِطلاق فيهما بأن محله فى غير صورة الخلاف أى فيما إِذا كان المعدل والمجرح معدلًا ومجرحًا باتفاق أما إِن كان معدلًا عند قوم ومجرحًا عند آخرين فلا بد من ذكر السبب وهو خلاف المنقول عن مذهب القاضى.
الشارح: (ربما لا يعرف الخلاف ولا يخطر بباله) الأولى أو لا يخطر بباله ليكون سببًا آخر ثم إِن ما ذكر فى هذه المسألة مبنى على أنه يجب فى الشهادة والرواية أن يكون الشاهد والراوى عدلًا فى مذهب الحاكم والمجتهد ولا يكفى عدالته فى مذهبه المخالف لمذهب الحاكم والمجتهد مع أن المقصود أن يكون الشاهد والراوى ثقة يحصل الظن بخبره ولا يفهم منه قلة المبالاة بالدين والكذب حرام فى جميع المذاهب.
قوله: (أى تمسك القاضى) هو أنه إِن شهد بغير بصيرة لم يكن عدلا والمفروض عدالته.
قوله: (جواب التمسك) أى جواب عن تمسك القاضى بأنه إِن شهد بغير بصيرة لم يكن عدلًا، وحاصل الجواب أنه قد يبنى على اعتقاده فيما يراه حقًا فعدم بصيرته لا تنافى عدالته.
قوله: (وقد يعترض على الثانى. . . إلخ) يجاب بأن عدمه عدم معرفته الاتفاق والاختلاف فى أسباب الجرح لا ينافى بصيرته وإن نافى كمال البصيرة، والقاضى إِنما اشترط البصيرة.
стр. 1123
قال: (مسألة: الجرح مقدم وقيل الترجيح لنا أنه جمع بينهما فوجب أما عند إثبات معين ونفيه باليقين فالترجيح).
أقول: إذا تعارض الجرح والتعديل فالجرح مقدم على التعديل وقيل بل التعديل مقدم، لنا أن تقدم الجرح جمع للجرح والتعديل فإن غايته قول المعدل إنه لم يعلم فسقًا ولم يظنه فظن عدالته، إذ العلم بالعدم لا يتصور والجارح يقول: أنا علمت فسقه فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبًا، ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به، والجمع أولى ما أمكن لأن تكذيب العدل خلاف الظاهر، هذا إذا أطلقا وأما إذا عين الجارح السبب ونفاه المعدّل بطريق يقينى مثل أن يقول الجارح هو قتل فلانًا يوم كذا، وقال المعدل هو حى وأنا رأيته بعد ذلك اليوم، فيقع بينهما التعارض لعدم إمكان الجمع المذكور وحينئذٍ يصار إلى الترجيح.
قوله: (وقيل بل التعديل مقدم) المذكور فى نسخ المتن وقيل الترجيح أى الحكم هو أن يرجح أحدهما بمرجح فيقدم ومن ههنا، اضطرب كلام الشارحين فى تقرير الدليل ومرجع الضمير فى "بينهما" فذهب العلامة إلى أن المعنى أن الجارح جمع بين إثبات شئ يقينًا مع عدم نفى المعدل إياه يقينًا.
أما الأول فلأن الظاهر من حال العدل أن لا يجرح إلا عن يقين.
وأما الثانى فلأن الكلام فى الصور الثلاث التى لم يعين الجارح سبب الجرح أو عين ولم ينفه المعدل أو نفاه بطريق غير يقين إذ لا خلاف فى أنه إذا عين السبب ونفاه المعدّل يتعين أن التقديم لا يكون إلا بالترجيح ثم قال: وله محمل آخر يتعين فيه مرجع ضمير "بينهما" وهو أن يريد أن تقديم الجرح فى الصور الثلاث جمع بين تقديم الجرح والعمل بالترجيح لأن الجرح راجح فى الصور الثلاث لأن الجارح اطلع على ما لم يعرفه المعدل أو عرفه ولم ينفه أصلًا أو نفاه لا بيقين وتقرير المحقق واضح لا غبار عليه وكأنه تحقق ما وقع فى بعض الشروح أن العمل بالجرح لا ينفى مقتضى التعديل فى غير صورة التعيين فيكون جمعًا بينهما فكان أولى بخلاف ما إذا عين ونفى بيقين فإنه لا بد من الترجيح لكن قوله: هذا إذا أطلق ليس على ما ينبغى إذ لا يتناول ما إذا عين الجارح السبب ولم يمنعه المعدل أو نفاه لا بيقين.
стр. 1124
الشارح: (وقيل بل التعديل مقدم) قيل: إن هذا لم يذكره الآمدى ولا الإمام وغيرهما مع مخالفته لما هو شرح له إذ الذى فى المتن: وقيل بل الترجيح وحينئذ فيحمل قول الشارح: وقيل بل التعديل مقدم على أنه مقدم فى الجملة وهو إذا رجح على الجرح ويفهم منه أنه إذا رجح الجرح يكون هو المقدم فيوافق المتن وهو تكلف ظاهر.
قوله: (من ههنا اضطرب كلام الشارحين) أى من أن فى نسخ المتن: وقيل الترجيح اضطرب كلام الشارحين. . . إلخ. أما لو كان الذى فى نسخ المتن: وقيل التعديل لكان تقرير الدليل ومرجع الضمير فى قوله: جمع بينهما واضحًا كما قرره الشارح.
стр. 1125
قال: (مسألة: حكم الحاكم المشترط العدالة بالشهادة تعديل باتفاق وعمل العالم مثله ورواية العدل ثالثها، المختار تعديل إن كان عادته أنه لا يروى إلا عن عدل وليس من الجرح ترك العمل فى شهادة ولا رواية لجواز معارض ولا الحد فى شهادة الزنا لعدم النصاب ولا بمسائل الاجتهاد ونحوها مما تقدَّم ولا بالتدليس على الأصح كقول من لحق الزهرى قال الزهرى موهمًا أنه سمعه، ومثل وراء النهر يعنى غير جيحان).
أقول: هذه طرق التعديل فمنها حكم الحاكم بمقتضى شهادة أحد فإن كان الحاكم العدل لا يرى العدالة شرطًا فى قبول الشهادة لم يكن تعديلًا وإن كان يراه شرطًا فهو تعديل اتفاقًا وكذا إذا عمل العالم الذى يرى العدالة شرطًا فى قبول الرواية بروايته وإنما الخلاف فى رواية العدل عنه هل هو تعديل أم لا؟ فيه مذاهب:
أولها: تعديل إذ الظاهر أنه لا يروى إلا عن عدل.
ثانيها: ليس بتعديل إذ كثيرًا نرى من يروى ولا يفكر ممن يروى.
وثالثها: وهو المختار أنه إن علم من عادته أنه لا يروى إلا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا، وأما ترك العمل بشهادته أو بروايته فليس جرحًا له لجواز أن تدلا وتقبلا ولا يرتب عليهما أثر ما لمعارض كرواية أو شهادة أخرى أو فقد شرط آخر غير العدالة، وكذلك الحد فى شهادة الزنا لعدم تمام النصاب ليس بجرح لأنه لا يدل على فسق وكذلك الحد على المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ إذا كان مذهبه ليس جرحًا، وكذلك أمثالها من خلاف البسملة ومسائل الأصول مما تقدَّم فى الإجماع وكذلك التدليس من المعاريض ليس بجرح على الأصح وذلك كقول من لحق الزهرى: قال الزهرى كذا موهمًا أنه سمعه منه، ومثل حدَّثنا فلان بما وراء النهر موهمًا أنه يريد بالنهر جيحان، وإنما يريد به غيره لأن قصده لذلك غير واضح.
قوله: (وكذلك الحد على المسائل الاجتهادية) عبارة الآمدى وليس من الجرح ترك العمل بروايته والحكم بشهادته ولا الشهادة بالزنا وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه إذا لم يكمل نصاب الشهادة ولا بما يسوغ فيه الاجتهاد ولا بالتدليس وأراد المصنِّفُ الحد فى شهادة الزنا فقال ولا الحد فى شهادة الزنا لعدم النصاب ولا المسائل الاجتهادية ونحوهما مما تقدَّم ولا بالتدليس ولما كان الكلام فى طرق الجرح
стр. 1126
والتعديل من تصريح المزكى بذلك وعدم تصريحه لا فى موجبات قبول الرواية وعدم قبولها من أوصاف فى الراوى اعتبر الشارح العلامة الحد فى المسائل الاجتهادية والشهادة فى التدليس على معنى ولا الحد بمزاولة المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ إذا كان مذهب المباشر ولا الشهادة بتدليس الراوى إذ لا معنى لاعتبار الحد فيه على ما هو مقتضى ظاهر الكلام وجوز أن يكون المعتبر فيهما جميعًا هو الشهادة على ما هو ظاهر كلام الآمدى وبعضهم لم يلتفت إلى وضع المسألة ولا إلى جانب اللفظ فجعل المعنى أن ليس من الجرح ترك الراوى العمل بالمسائل الاجتهادية ولا بتدليسه فى روايته ولم يبينوا المراد بنحوها وحمله الشارع المحقق على ما تقدَّم فى الإجماع من خلاف البسملة وبعض مسائل الأصول كزيادة الصفات وقدر الحد فى المسائل الاجتهادية على ما هو الظاهر وأبهم الأمر فى التدليس ومسائل الأصول على ما هو دأبه لأن اعتبار الحد فيهما ظاهر الفساد وعدم اعتباره مع ظهور عطفهما على مسائل الاجتهاد خارج عن من الاستقامة وقول الآمدى: ولا الشهادة بالزنا لأنه لم يأت بصريح القذف وإنما جاء ذلك مجئ الشهادة ولا بالتدليس لأنه ليس بكذب وإنما هو من المعاريض المغنية عن الكذب ربما يشعر بأن مراده أنه لا يحصل جرح الراوى وعدم قبول روايته بشهادته فى الزنا من غير نصاب ولا بارتكابه المحرمات التى هى محل اجتهاد ولا بتدليسه فى روايته.
قوله: (لحق الزهرى) أى لم يعاصره لكن روى عمن لقيه أو عاصره ورواه لكن سمعه بواسطة، كذا ذكره العلامة.
قوله: (جيحان) نهر بالشام وما ذكر ظاهر فى: سمعت فلانًا وراء النهر على ما فى المتون والشروح وأما فى: سمعت فلانًا بما وراء النهر على ما فى هذا الشارح فالظاهر منه بلاد ما وراء النهر والنهر جيحون.
قوله: (فجعل المعنى أن ليس من الجرح ترك الراوى العمل. . . إلخ) أى أن ترك العمل المذكور ليس من أسباب الجرح ولا يكون الراوى به مجروحًا.
قوله: (أى لم يعاصره لكن روى عمن لقيه) هذا لا يصلح تفسيرًا للحوق إذ معناه أنه عاصره، فالأحسن أن يقول: أى عاصره ولكن لم يسمع منه فإن كان معنى لحقه أتى بعده صح تفسيره بقوله: أى لم يعاصره ويكون قوله: وكذا لو عاصره إشارة إلى مسألة أخرى.
стр. 1127
قال: (مسألة: الأكثر على عدالة الصحابة، وقيل كغيرهم وقيل إلى حين الفتن، فلا يقبل الداخلون لأن الفاسق غير معين، وقالت المعتزلة عدول إلا من قاتل عليًا. لنا ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، "أصحابى كالنجوم" وما تحقق بالتواتر عنهم من الجد فى الامتثال، وأما الفتن فتحمل على اجتهادهم ولا إشكال بعد ذلك على قول المصوّبة وغيرهم).
أقول: أكثر الناس على أن الصحابة كلهم عدول وقيل هم كغيرهم فيهم العدل وغير العدل فيحتاج إلى التعديل، وقيل هم كغيرهم إلى حين ظهور الفتن أعنى بين على ومعاوية وأما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقًا، أى من الطرفين وذلك لأن الفاسق من الفريقين غير معين فكلاهما مجهول العدالة فلا يقبل، وأما الخارجون عنها فكغيرهم وقالت المعتزلة: هم عدول إلا من علم أنه قاتل عليًا فإنه مردود، لنا ما يدل على عدالتهم من الآيات نحو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أى عدولًا، وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، ومن الحديث نحو قوله: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وقوله: "خير القرون قرنى ثم من بعدهم الأقرب فالأقرب"، وقوله فى حقهم: "لو أنفق أحد ملء الأرض ذهبًا لما نال مد أحدهم"، ولنا أيضًا ما تحقق عنهم بالتواتر من الجد فى امتثالهم الأوامر والنواهى وبذلهم الأموال والأنفس، وذلك ينافى عدم العدالة، وأما ما ذكروه من الفتن فيحمل على الاجتهاد أى اجتهدوا فيها فأدى اجتهاد كل إلى ما ارتكبه وحينئذٍ فلا إشكال سواء قلنا كل مجتهد مصيب، وهو ظاهر أو قلنا المصيب واحد لوجوب العمل بالاجتهاد اتفاقًا ولا تفسيق بواجب.
قوله: (حين ظهور الفتن) جمهور الشارحين على أنه آخر عهد عثمان رضى اللَّه عنه، وفسره المحقق بما بين على رضى اللَّه عنه ومعاوية إما ميلًا إلى تفسيق قتلة عثمان بلا خلاف وإما توقفًا فيه على ما اشتهر من السلف فى أن أول من بغى فى الإسلام معاوية.
قوله: (ثم من بعدهم الأقرب فالأقرب) كأنه نقل بالمعنى وإلا فالرواية: "ثم
стр. 1128
الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وأما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله: "مثل أمتى مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره"، فقد ذكرناه فى شرح التنقيح.
الشارح: (وقيل: هم إلى حين ظهور الفتن) شرح لقول المصنف: وقيل إلى حين الفتن وشرحه بعض بأن المعنى: وقيل عدول إلى ظهور الفتن واعترض الكمال ما قاله العضد بأنه إن أراد أنه لا يبحث عن العدالة عند الدخول فى الفتن صار المعنى أنه يبحث عنها مطلقًا وهو المذهب الثانى وإن أراد أنه لا يبحث عن العدالة فى الداخلين ولا يقبلون بوجه فلم يقل به أحد.
الشارح: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) أى عدولا وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، مبنى على أن الخطاب للصحابة لا لجميع الأمة.
الشارح: (وقوله: والذين معه. . . إلخ) مبنى على أن معنى الذين معه أصحابه جميعًا.
الشارح: (وقوله: "أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم") مبنى على أن الخطاب فى: اقتديتم واهتديتم لمن بعد الصحابة، أما على أنه خطاب لبعض الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد بأن يقتدوا بالخلفاء الأربعة ومن على شاكلتهم فلا يفيد أن الصحابة كلهم عدول.
قوله: (إما ميلًا إلى تفسيق قتلة عثمان. . . إلخ) قال الأبهرى إنما قال العضد: بين على ومعاوية وإن كان هو ممن يقول بعدم قبول الداخل فى فتنة عثمان أيضًا تنبيهًا على أن الفتنة بينهما كانت بسبب قتل عثمان.
стр. 1129
قال: (مسألة: الصحابى من رأى النبى ﵊ وإن لم يرو ولم تطل وقيل إن طالت، وقيل إن اجتمعا، وهى لفظية وإن ابتنى عليها ما تقدَّم لنا يقبل التقييد بالقليل والكثير فكان المشترك كالزيارة والحديث ولو حلف أن لا يصحبه حنث بلحظة، قالوا أصحاب الجنة وأصحاب الحديث الملازم، قلنا عرف فى ذلك، قالوا يصح نفيه عن الوافد والرائى، قلنا نفى الأخص لا يستلزم نفى الأعم).
أقول: قد اختلف فى الصحابى فقيل: هو من رأى الرسول ﵊، وإن لم يرو عنه حديثًا ولم تطل صحبته له، وقيل إن طالت الصحبة وقيل إن اجتمعا أى طول الصحبة والرواية، والحق أن المسألة لفظية، وإن ابتنى عليها ما تقدَّم من عدالة الصحابة لنا أن الصحبة فعل يقبل التقييد بالقليل والكثير، بأن يقال: صحبه قليلًا أو كثيرًا، من غير تكرار، ولا نقض فوجب جعله للقدر المشترك بينهما دفعًا للمجاز والاشتراك كالزيارة والحديث فإنهما لما احتملا القليل والكثير جعل المحدث والزائر لمن اتصف بالقدر المشترك وأيضًا لو حلف لا يصحب فلانًا فصحبه لحظة حنث بالاتفاق، ولو شرط فيه الأمران أو أحدهما لما كان كذلك ولا يخفى أن ذلك إنما يأتى فى الصاحب لغة وأما الصحابى بياء النسبة المخصوص فى العرف بأصحاب النبى ﷺ فلا.
قالوا: أولًا: إذا قيل أصحاب الجنة وأصحاب الحديث فهم الملازمة بينهما ولو كانا لغير الملازم حقيقة لما فهم منه إذ العام لا يفهم منه الخاص بعينه.
الجواب: فهم الملازمة بينهما لعرف مجدد لأنه فى الوضع كذلك ولم يثبت مثله فى الصحابى.
قالوا: ثانيًا: لولا أن الصحابى يدل على الملازمة لما صح نفيه عن الوافد على الرسول أو الرائى، إذ الأصل اطراد الحقيقة وصحة النفى علامة المجاز لكنه يصح إذ يقال لم يكن صحابيًا لكنه وفد عليه من بنى فلان أو رآه ولم يصاحبه.
الجواب: أن المنفى الصحبة بقيد اللزوم أو المطلق الثانى ممنوع بل هو أول المسألة، والأول مسلم، ولا يفيد المطلوب لأن نفى الأخص وهو الصحبة المقيدة لا يستلزم نفى الأعم وهو الصحبة المطلقة.
قوله: (الصحابى من رآه ﷺ ) أى مسلم رأى النبى يعنى صحبه ولو أعمى وفى
стр. 1130
بعض الشروح أى رآه النبى ﵊.
قوله: (إذ الأصل) بيان للزوم بوجهين يعنى لو كان حقيقة فى الوافد كما فى الملازم لما صح نفيه عن الوافد لأن الأصل اطراد الحقيقة فى أفرادها ولأن صحة النفى علامة المجاز فينا فى الحقيقة.
المصنف: (من رأى النبى ﵊ أى مسلمًا وترك هذا لشهرته.
المصنف: (وهى لفظية) يعنى أن كون الصحابى من رأى النبى ﷺ أو من طالت صحبته أو غير ذلك خلاف لفظى راجع إلى الاصطلاح فى معنى اللفظ وإن انبنى عليها عدالة الصحابة.
الشارح: (من غير تكرار ولا نقض) أى فقوله: كثيرًا بعد صحبه ليس تكرارًا لما فهم من "صحبه" لأن الصحبة ليس معناه الاصطحاب الكثير حتى يتكرر ذكر "كثيرًا"، وليس قوله قليلًا بعد "صحبه" نقضًا وإبطالًا له فلو كان معنى "صحبه" الاجتماع الكثير لكان قوله: قليلًا بعده نقضًا له.
قوله: (فقد ذكرناه فى شرح التنقيح) نصه بعد الإشكال: قلنا الخيرية تختلف بالإضافات والاعتبارات فالقرون السابقة خير بنيل شرف قرب العهد بالنبى ﷺ ولزوم سيرة العدل والصدق واجتناب المعاصى ونحو ذلك على ما أشار إليه قوله ﵊: "ثم يفشوا الكذب" وأما باعتبار كثرة الثواب ونيل الدرجات فى الآخرة فلا يدرى أن الأول خير لكثرة طاعته وقلة معصيته، أم الآخر لإيمانه بالغيب وطوعًا ورغبة مع انقطاع زمن مشاهدة آثار الوحى وظهور المعجزات وبالتزامه طريق السنة مع فساد الزمان.
стр. 1131
قال: (مسألة: لو قال المعاصر العدل أنا صحابى احتمل الخلاف).
أقول: من عاصر الرسول وكان عدلًا إذا قال: أنا صحابى وكان مسلمًا فدعواه لعدالته صدّق ظاهرًا لا قطعًا، لأنه متهم بأنه يدعى لنفسه رتبة.
قوله: (وكان مسلمًا) ذكر العدل مغن عنه.
قوله: (صدّق) يشير إلى أن معنى احتمال الخلاف احتمال الكذب ومخالفة الواقع لكن احتمالًا مرجوحًا، وقيل معناه احتمال أن يخالفه ولا يقبله.
الشارح: (فدعواه لعدالته صدق ظاهرًا لا قطعًا) ظاهره أن قول العدل فى غير ذلك مما لا يرجع لنفسه يفيد القطع وليس كذلك، والجواب أن القطع قد يراد به ما يرفع الاحتمال الناشئ عن دليل صريح فالقطع فى غير ما يرجع لنفسه بهذا المعنى فلا ينافى أنه لا قطع فيه بمعنى عدم الاحتمال أصلًا.
стр. 1132
قال: (مسألة: العدد ليس بشرط خلافًا للجبائى فإنه اشترط خبرًا آخر أو ظاهرًا أو انتشاره فى الصحابة أو عمل بعضهم، وفى خبر الزنا أربعة والدليل، والجواب ما تقدَّم فى خبر الواحد، ولا الذكورة ولا البصر ولا عدم القرابة ولا عدم العداوة ولا الإكثار ولا معرفة نسبه، ولا العلم بفقه أو عربية أو معنى الحديث؛ لقوله ﵊: "نضر اللَّه امرأ. . . "، ولا موافقة القياس خلافًا لأبى حنيفة ﵀.
أقول: قد اشترط فى خبر الواحد شروط ليست هى بشروط عندنا؛ كما فعلوا ذلك فى التواتر فمنها: العدد، ولا يشترط خلافًا للجبائى، فإنه اشترط أحد أمور أربعة: إما خبرًا آخر، وإما موافقة ظاهر له، وإما انتشاره بين الصحابة، وإما عمل بعض الصحابة بموجبه، وزاد فى خبر يثبت به حكم الزنا أن يرويه أربعة من العدول والدليل على عدم اعتبار العدد، والجواب عن الأسئلة الواردة عليه وعن حجج المنكرين ما تقدَّم فى خبر الواحد، فمن جانبنا عمل الصحابة والأسئلة عليه بأجوبتها، وإنفاذه الآحاد لتبليغ الأحكام، ومن جانبهم توقفهم فى قبول المنفرد ونحو: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ومنها الذكورة ولا تشترط فتقبل المرأة، ومنها البصر فيقبل الأعمى لاتفاق الصحابة عليه، ومنها عدم القرابة، فيقبل للوالد ما للولد، ومنها عدم العداوة، فتقبل للعدوّ ما على العدو؛ لعموم حكم الحديث بخلاف الشهادة، ومنها الإكثار من رواية الحديث، فيقبل من روى حديثًا واحدًا فقط، ومنها كون الراوى معروف النسب فيقبل غيره؛ إذ لا مدخل لذلك فى الصدق، ومنها العلم بالفقه أو العربية أو معنى الحديث؛ فيقبل مع عدمها لقوله ﵊: "نضر اللَّه امرأ سمع منى حديثًا فوعاه فرواه كما وعى فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، ومنها كونه موافقًا للقياس فى الحكم اعتبره أبو حنيفة والحق خلافه لأن الاعتماد على خبره والراوى عدل فالظاهر صدقه.
قوله: (لاتفاق الصحابة على قبول الأعمى) حيث جوّزوا الرواية عن عائشة رضى اللَّه عنها، مع أن الراوى فى حقها كالأعمى لأنه لا يبصرها وإنما يعتمد صوتها وأما اتفاقهم على رواية الأعمى حقيقة فلم ينقل فى الكتب.
стр. 1133
قوله: (فتقبل للعدوّ ما على العدوّ) اعتبر العداوة والقرابة فيما بين الراوى ومن يكون حكم الخبر له أو عليه وهو سديد من جهة المعنى وإن كان مخالفًا لكلام القوم حيث اعتبروهما فيما بين الراوى والمروى عنه حتى قال الإمام الغزالى فيروى أولاد رسول اللَّه ﷺ عنه ويروى كل ولد عن والده.
стр. 1134
قال: (مسألة: إذا قال الصحابى: قال ﷺ ، حمل على أنه سمعه منه، وقال القاضى: متردد فيبتنى على عدالة الصحابة).
أقول: هذا شروع فى كيفية الرواية والصحابى إذا قال سمعته ﷺ أو أخبرنى أو حدَّثنى ونحوه فهو خبر يجب قبوله بلا خلاف، وقد اختلف فى مسائلها وهو يذكرها واحدة واحدة، وهذه منها، وهو إذا قال الصحابى قال ﷺ حمل على أنه سمعه بلا واسطة فيقبل، وقال القاضى: متردد بين أن يكون سمعه منه أو سمعه ممن يروى عنه للاحتمال وحينئذٍ فيبتنى قبوله على عدالة جميع الصحابة فإن قلنا بعدالتهم قبل لأنه يرويه إما بلا واسطة أو بواسطة عدل وإلا لم يقبل، إذ قد يرويه عن واسطة ولم يعلم عدالته.
قال: (مسألة: إذا قال سمعته أمر أو نهى فالأكثر حجة لظهوره فى تحققه لذلك قالوا يحتمل أنه اعتقد وليس كذلك عند غيره قلنا بعيد).
أقول: إذا قال الصحابى سمعته أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فالأكثر على أنه حجة لأن قوله ذلك ظاهر فى تحقق كونه أمرًا أو نهيًا والعدل لا يجزم بشئ غالبًا إلا إذا علمه.
قالوا: يحتمل أنه اعتقد مما سمعه من صيغة أو شاهده من فعل أمرًا ونهيًا وليس كذلك لكثرة الخلاف والوهم فيه كمن يعتقد أن الأمر بالشئ نهى عن ضده وبالعكس أو أن الفعل يدل على الأمر فيقول أمر أو نهى ولا يراه غيره أمرًا ونهيًا.
الجواب: أن ذلك وإن احتمل فبعيد منهم والاحتمالات البعيدة لا تمنع الظهور.
الشارح: (أو شاهده) هذا مع وجود لفظ السماع بعيد غاية البعد.
الشارح: (أو أن الفعل يدل على الأمر) أى مع أنك قد عرفت أن فعله ﷺ الذى لم يعرف صفته فيه أربعة مذاهب: الوجوب والندب والإباحة والوقف فلعل الراوى ممن يرى الوجوب مع أن العمل بالرواية لا بالراوى.
стр. 1135
قال: (مسألة: إذا قال أمرنا أو نهينا أو أوجب أو حرم فالأكثر حجة لظهوره فى أنه الآمر، قالوا يحتمل ذلك وأنه أمر الكتاب أو بعض الأئمة أو عن استنباط قلنا بعيد).
أقول: إذا قال الصحابى: أمرنا أو نهينا أو أوجب كذا أو حرم أو أبيح، وبالجملة فشئ من الأحكام بصيغة ما لم يسم فاعله، فالأكثر على أنه حجة فإنه ظاهر فى أن النبى ﷺ هو الآمر والناهى والموجب والمحرّم والمبيح، كما قال المختص بملك أمرنا أو نهينا فإنه يتبادر أمر ذلك الملك ونهيه وإن كان محتملًا صدوره من الغير بحسب لفظه قالوا: يحتمل ذلك أى كونه أمر النبى وأن لا يكون بل يريد به أمر الكتاب أو بعض الائمة أو أن يكون عن استنباط فإنه إذا قاس فغلب فى ظنه أنه مأمور به ويجب العمل بموجبه فيقول عرفًا أمرنا.
والجواب: أنه احتمال بعيد فلا يدفع الظهور.
قال: (مسألة: إذا قال من السنة كذا فالأكثر حجة لظهوره فى تحققها عنه خلافًا للكرخى)
أقول: إذا قال الصحابى من السنة كذا فالأكثر على أنه حجة لأنه ظاهر فى تحقق السنة عن النبى ﷺ وقد خالف الكرخى من الحنفية فيه لنا وله ما تقدَّم من الظهور والاحتمال فلا نكرره.
قوله: (لنا وله) أى لنا أنه الظاهر المتبادر إلى الفهم من إطلاق السنة. . . إلخ، وللكرخى أنه يجعل سنة الشيخين وسنة الخلفاء الراشدين وغير ذلك والجواب أنه احتمال بعيد لا يدفع الظهور.
стр. 1136
قال: (مسألة: إذا قال كنا نفعل أو كانوا فالأكثر حجة لظهوره فى عمل الجماعة، قالوا: لو كان لما ساغت المخالفة، قلنا لأن الطريق ظنى كخبر الواحد النص).
أقول: إذا قال الصحابى كنا نفعل أو كانوا يفعلون كما قالت عائشة رضى اللَّه عنها: "كانوا لا يقطعون فى الشئ التافه" فالأكثر أنه حجة لأنه ظاهر فى أن الضمير للجميع وأنه أراد عمل الجماعة وأنه حجة، قالوا: لو كان للجميع لما ساغت المخالفة لأنه إجماع واللازم منتف بالإجماع.
الجواب: منع الملازمة لأن ذلك فيما يكون الطريق قطعيًا وههنا الطربق ظنى فسوّغت المخالفة، كما تسوغ فى خبر الواحد، وإن كان المنقول به نصًا قاطعًا فإنه مخالفة لظنية الطريق ولا يمنعه قطعية المروى.
قوله: (وأنه أراد عمل الجماعة) حاول تقرير المتن وفى بعض الشروح أن الكلام فى درجات كيفية الرواية عن الرسول ﵊ فالأولى أن يقال: الظاهر أن المراد أنا نفعل أو هم يفعلون مع علم الرسول بذلك من غير إنكار فيكون سنة تقرير فيكون حجة وأما الاعتراض بأنه لا إجماع فى عصر النبى ﵊ فليس بوارد لجواز أن يريد عمل الجماعة بعده.
قوله: (حاول تقرير المتن) أى أن الشارح جارى المصنف فى عبارته وإن كان الكلام فى رواية الصحابة عن رسول اللَّه ﷺ والحاصل أن مراتب رواية الصحابة ستة:
الأولى: أن يقول: حدثنا رسول اللَّه ﷺ أو سمعته يقول كذا أو أخبرنى ونحو ذلك وهى مقبولة قطعًا.
الثانية: أن يقول: قال رسول اللَّه ﷺ وهو محمول على أنه سمع منه ﵊ لا محتمل ومتردد خلافًا للقاضى.
الثالثة: أن يقول: سمعته أمر أو نهى والأظهر أنه حجة.
الرابعة: أن يقول: أمرنا أو نهينا ونحو ذلك فالأكثر أيضًا أنه حجة.
الخامسة: أن يقول: من السنة كذا.
السادسة: أن يقول: كنا نفعل أو كانوا يفعلون والأكثر على أنه حجة فيهما أيضًا.
стр. 1137
(قال: ومستند غير الصحابى قراءة الشيخ أو قراءته عليه أو قراءة غيره عليه أو إجازته أو مناولته أو كتابته بما يرويه فالأول أعلاها على الأصح، إلا أنه إذا لم يقصد إسماعه، قال: قال وحدَّث وأخبر وسمعته وقرأته عليه، من غير نكير ولا ما يوجب سكوتًا من إكراه أو غفلة أو غيرهما معمول به خلافًا لبعض الظاهرية لأن العرف تقريره ولأن فيه إيهام الصحة فيقول حدَّثنا أو أخبرنا مقيدًا أو مطلقًا على الأصح ونقله الحاكم عن الأئمة الأربعة وقراءة غيره كقراءته وأما الإجازة للموجود المعين فالأكثر على تجويزها والأكثر على منع حدَّثنى وأخبرنى مطلقًا وبعضهم مقيدًا وأنبأنى اتفاق للعرف، ومنعها أبو حنيفة وأبو يوسف ولجميع الأمة الموجودين الظاهر قبولها لأنها مثلها وفى نسل فلان أو من يوجد من بنى فلان ونحوه خلاف واضح لنا أن الظاهر أن العدل لا يروى إلا بعد علم أو ظن وقد أذن له وأيضًا فإنه ﷺ كان يرسل كتبه مع الآحاد وإن لم يعلموا ما فيها قالوا كذب لأنه لم يحدثه قلنا حدثه ضمنًا كما لو قرئ عليه قالوا ظن فلا يجوز الحكم به كالشهادة قلنا الشهادة آكد).
أقول: ما مر بحسب ألفاظ الصحابى، وأما غير الصحابى فلا بد له من مستند وله مراتب وفى كل مرتبة ألفاظ يروى بها وهذا بيانها: أما مستنده أى ما يصح له من أجله أن يروى الحديث ويقبل منه فأمور ستة: قراءة الشيخ عليه أو قراءته على الشيخ أو قراءة غيره على الشيخ بحضوره أو إجازة الشيخ له أن يروى عنه أو مناولته إياه كتابًا يروى عنه ما فيه أو كتابته إليه بما يرويه عنه، وأما مراتبها وألفاظها فالأول: وهو قراءة الشيخ عليه أعلى المراتب على الأصح، دون قراءته على الشيخ وتصديقه وحينئذ إن قصد إسماعه وحده أو مع غيره قال عند الرواية عنه حدَّثنى أو أخبرنى أو سمعته وإن لم يقصد إسماعه قال: قال أو حدَّث أو أخبر ولا يضيفه إلى نفسه فإنه مشعر بالقصد ولم يكن أو سمعته، وأما قراءته على الشيخ من غير أن ينكر الشيخ عليه ولا وجود أمر يوجب المسكوت عنه من إكراه أو غفلة أو غيرهما من القدرات المانعة عن الإنكار فقد اختلف فى أنه هل يعمل به أو لا؟ فمنعه بعض الظاهرية والصحيح أنه معمول به لأنه يفهم منه عرفًا تقريره وأنه تصديق وأيضًا فى سكوته إيهام الصحة وذلك بعيد من العدل عند عدم الصحة فيقول عند الرواية حدَّثنا وأخبرنا قراءة عليه وهل يقول حدَّثنا وأخبرنا مطلقًا من
стр. 1138
غير ذكر القراءة، قال الحاكم: القراءة إخبار على ذلك عهدنا أئمتنا، ونقل ذلك عن الأئمة الأربعة، وأما قراءة غيره على الشيخ بحضوره بالشروط المذكورة فهو كقراءته، وأما الإجازة: وهو أن يقول أجزت لك أن تروى عنى كذا أو ما صح عندك أنه من مسموعاتى أو لك ولغيرك فلان وفلان، من الموجودين المعينين فالأكثر على جوازها، وإذا جوّزناها فيقول: أجازنى وأخبرنى وحدثنى إجازة، والأكثر على أنه لا يقول: حدَّثنى وأخبرنى مطلقًا، وقال بعض: ولا مقيدًا، أى لا يقول أيضًا: حدَّثنى وأخبرنى إجازة لكن يقول: أنبأنى بالاتفاق للعرف فإنه إنباء عرفًا، وإن كان هو الإخبار لغة يقال للإيذان والإعلام إنباء، قال:
زعم الغراب منبئ الأنباء ... أن الأحبة آذنوا بفناء
* وبذاك نبأنى الغراب الأسود *
وهذا الفعل ينبئ عن العداوة أو المحبة.
* تنبئك العينان ما هو كاتمه *
وقد منع الرواية بالإجازة أبو حنيفة وأبو يوسف، وأما الإجازة لجميع الأمة الموجودين لا لقوم معينين فالظاهر قبولها لأنها مثل الإجازة للموجودين المعينين إذ العام بمثابة تعداد الأفراد ولا فرق بينهما إلا بالاختصار والتطويل، ولا مدخل لاختلاف العبارة فى مثله وأما الإجازة فى نسل فلان أو من يوجد من بنى فلان من غير تعيين أو نحوه لأهل بلدة كذا ففى صحتها خلاف واضح وهو أولى بالمنع مما قبله فإن إجازة غير الموجود أبعد من إجازة الموجود غير المعين والمختار صحته، لنا فى صحة الإجازة الظاهر أن العدل لا يروى إلا بعد العلم أو الظن بروايته وعدالته وقد أذن له فيجب أن يصح لغيره وأيضًا فإنه كان يرسل كتبه مع الآحاد ولم يعلموا ما فيها ليعمل من يراها بموجبها، وما ذلك إلا الإجازة، فقد علم بذلك بطلان ما يقوله أبو بكر الرازى من أنه إن كان عالمًا بمضمون الكتاب جاز كما لو قال اشهدا علىّ بمضمون هذا الكتاب.
قالوا: أولًا: إذا قال حدَّثنى فقد كذب لأنه لم يحدثه وأنه لا يجوز.
الجواب: أنه وإن لم يحدثه صريحًا فقد حدثه ضمنًا، كما لو قرأ على الشيخ بحضوره، فإنه لم يحدثه وتجوز الرواية اتفاقًا.
قالوا: ثانيًا: ظن مستند إلى ما لا تجوز الشهادة عنه، فلا تجوز الرواية عنه قياسًا
стр. 1139
على الشهادة.
الجواب: الفرق بأن أمر الشهادة آكد من أمر الرواية ولذلك احتيط فى الشهادة ما لم يحتط فى الرواية فزيد فى شروطها ووجب العمل بكتب الرسول وإن لم يعلم مضمونه ولو شهد بمثله لم يجز، وأما المناولة والكتابة فمثل الإجازة دليلًا وجوابًا، فلم يتعرض لهما.
المصنف: (ومستند غير الصحابى. . . إلخ) تقدم بيان ما يقوله الصحابى فى روايته وشرع الآن فى بيان ما يقوله غير الصحابى، ولما كان أقوال غير الصحابى فى الرواية مبنية على المستند وهى مراتب تختلف الألفاظ باختلافها بين المستند وما يقول الراوى بالنسبة لكل مستند فقال: ومستند الراوى لكن هذا باعتبار الغالب وهو أن الصحابى يروى عن رسول اللَّه ﷺ سماعًا منه وإلا فقد يروى عن صحابى آخر أو تابعى فحينئذ يكون مستنده كغيره.
المصنف: (أو مناولته) قال الغزالى فى المستصفى: إن مجرد المناولة ليست مستندًا وعند اقترانها بقوله: أجزت لك أن تروى عنى ما فيه أو حدث به مثلًا رجعت للإجازة ففى جعل المناولة قسمًا آخر تكلف، ويجاب بأن المراد بالمناولة المناولة المحتفة بالقرائن الدالة على الإجازة وهى غير صريح الإجازة وغير المناولة مجردة والدليل على اعتبار المناولة ما روى عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد اللَّه بن حذافة وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى.
المصنف: (أو كتابته بما يرويه) هى غير الوجادة التى زادها بعضهم وهى: أن يجد كتابًا أو حديثًا بخط شيخ معروف، وصفة التحديث أن يقول: وجدت بخط فلان أو قرأت بخط فلان ويسوق الإسناد والمتن أو يقول: قرأت بخط فلان عن فلان، وفى العمل بها خلاف قال ابن الصلاح: لو توقف العمل بها على الرواية لانسد باب العمل بالمنقول لتعذر شروطه وقال ابن برهان إذا صح عنده النسخة جاز له العمل بها وإن لم يسمع، واتفق العلماء على الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية وكتب الحديث أولى لاعتناء الناس بضبط النسخ وتحريرها.
стр. 1140
المصنف: (وأنبأنى اتفاق) أى ممن جوز فلا ينافى قوله من منع الإجازة مطلقًا.
المصنف: (ولجميع الأمة الموجودين) المراد من كان صالحًا للرواية وكذا يقال فى نظائره.
المصنف: (قالوا كذب. . . إلخ) هذا لا يظهر إلا فى مثل حدثنى أو أخبرنى، أما فى مثل أنبأنى على ما هو العرف فلا يظهر دليلًا على المنع منه.
стр. 1141
قال: (مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقيل بلفظ مرادف وعن ابن سيرين منعه، وعن مالك أنه يشدّد فى الباء والتاء، وحمل على المبالغة فى الأولى لنا القطع بأنهم نقلوا عنه أحاديث فى وقائع متحدة بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة ولم ينكره أحد وأيضًا ما روى عن ابن مسعود، وغيره أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ كذا أو نحوه ولم ينكره أحد وأيضًا أجمع على تفسيره بالعجمية فالعربية أولى، وأيضًا فإن المقصود المعنى قطعًا وهو حاصل، قالوا: قال ﵊: "نضر اللَّه امرأ"، قلنا دعاء له لأنه الأولى ولم يمنع، قالوا يؤدى إلى الإخلال لاختلاف العلماء فى المعانى، وتفاوتهم فإذا قدر ذلك مرتين أو ثلاثًا اختل بالكلية، وأجيب بأن الكلام فيمن نقل بالمعنى سواء).
أقول: قد اختلف فى جواز نقل الحديث بالمعنى والنزاع فيمن هو عارف بمواقع الألفاظ وأما غيره فلا يجوز منه اتفاقًا، والمختار جوازه مع أن الأولى نقله بصورته ما أمكن وقيل: إنما يجوز بلفظ مرادف أى بتبديل لفظه بما يرادفه، وروى عن ابن سيرين وأبى بكر الرازى منعه ووجوب نقله بصورته، وروى عن مالك أنه كان يشدّد فى الباء والتاء، فى مثل باللَّه وتاللَّه، فلا يجوز أحدهما مكان الآخر مع ترادفهما وتوازيهما وحمل تشديده ذلك على المبالغة فى أن الأولى صورته لا أنه يجب صورته لنا القطع أنهم نقلوا عنه أحاديث فى وقائع متحدة بألفاظ مختلفة، والذى قال ﵊ واحد قطعًا والباقية نقل بالمعنى وتكرر ذلك وشاع وذاع ولم ينكره أحد، فكان ذلك إجماعًا على جوازه عادة، ولنا أيضًا أنه قد روى عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه وغيره أنهم قالوا: قال رسول اللَّه ﷺ : كذا أو نحوه وذلك تصريح بعدم تذكر اللفظ بعينه، وأن الروى هو المعنى ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعًا ولنا أيضًا أنه أجمع على جواز تفسيره بالعجمية فتفسيره بالعربية أولى بالجواز لأنه أقرب نظمًا وأوفى بمقصود تلك اللغة من لغة أخرى، ولنا أيضًا أنا نعلم أن المقصود فى التخاطب إنما هو المعنى ولا عبرة باللفظ.
قالوا: أوّلًا: قال ﵊: "نضر اللَّه امرأ. . . إلخ".
الجواب: أن هذا لا دلالة له على مطلوبكم فإنه دعاء لمن نقله بصورته لأنه أولى ولم يمنع فيه النقل بالمعنى، ويمكن أن يقال أيضًا بالموجب، فإن من نقل المعنى أداه كما سمعه، ولذلك يقول المترجم: أديته كما سمعته.
стр. 1142
قالوا: ثانيًا: تجويز ذلك يؤدى إلى الإخلال بمقصود الحديث، فإنا نقطع باختلاف العلماء فى معانى الألفاظ وتفاوتهم فى تنبه بعضهم على ما لا يتنبه له الآخر، فإذا قدر النقل بالمعنى مرتين وثلاثًا ووقع فى كل مرة أدنى تغيير حصل بالتكرار تغيير كثير واختل المقصود بالكلية.
والجواب: أن فرض تغيير ما فى كل مرة مما لا يتصور فى محل النزاع فإن الكلام فيمن نقل المعنى سواء من غير تغيير أصلًا وإلا لم يجز اتفاقًا.
المصنف: (وحمل على المبالغة) أى لا على ما حمله راوى كلامه من أنه لم يجوز أحدهما مكان الآخر.
المصنف: (نقلوا عنه أحاديث فى وقائع متحدة بألفاظ مختلفة) متحدة نعت لأحايث لا لوقائع والمعنى أنهم نقلوا عنه أحاديث متحدة المعنى بألفاظ مختلفة فى وقائع كثيرة، ففى كل واقعة منها نقل عنه أحاديث متحدة المعنى مع اختلاف الألفاظ والذى قاله ﵊ واحد.
المصنف: (كذا أو نحوه) أى فذكر نحوه لئلا يتوهم أن اللفظ الذى ذكره هو قوله ﷺ ودفع هذا التوهم ليس أمرًا واجبًا حتى لا يجوز النقل بالمعنى من غير عبارة تشعر بأن المروى ليس عبارة النبى ﷺ فاندفع ما يقال إن قوله كذا أو نحوه يدل للخصم المانع من الرواية بالمعنى لأنه لو كفى النقل بالمعنى لما احتيج إلى ذكر: أو نحوه.
الشارح: (فلا يجوز أحدهما مكان الآخر) هذا من حمل الراوى لكلام الإمام لا من كلام الإمام.
الشارح: (ويمكن أن يقال أيضًا بالموجب) أى لو لم نقل أنه دعاء لمن نقله بصورته لأنه الأولى نقول بموجبه ومقتضاه وهو التأدى كما يسمعه لكن لا يفيد مطلوبكم لأن من أدى بالمعنى فقد أدى كما سمعه.
стр. 1143
قال: (مسألة: إذا كذب الأصل الفرع سقط لكذب واحد غير معين ولا يقدح فى عدالتها فإن قال لا أدرى فالأكثر يعمل به خلافًا لبعض الحنفية، ولأحمد روايتان لنا عدل غير مكذب كالموت والجنون واستدل بأن سهيل بن أبى صالح روى عن أبيه عن أبى هريرة أنه ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، ثم قال لربيعة لا أدرى، وكان يقول: حدَّثنى ربيعة عنى قلنا صحيح فأين وجوب العمل قالوا لو جاز لجاز فى الشهادة قلنا الشهادات أضيق، قالوا لو عمل به لعمل الحاكم بحكمه إذا شهد شاهدان ونسى قلنا يجب ذلك عند مالك وأحمد وأبى يوسف وإنما يلزم الشافعية).
أقول: إذا روى عدل عن عدل ثم كذب الأصل الفرع فى روايته عنه، وقال: لم أر وله هذا فالاتفاق على أنه يسقط أى لا يعمل بذلك الحديث لأن أحدهما كاذب قطعًا من غير تعيين ولا يقدح فى عدالتهما لأن واحدًا منهما بعينه لم يعلم كذبه وقد كان عدلًا ولا يرفع اليقين بالشك، هذا إذا كذب أما إذا قال: ما أدرى رويته له أم لا فالأكثر على أنه يعمل به خلافًا لبعض الحنفية ولأحمد فيه روايتان، لنا أنه عدل غير مكذب فوجب العمل بروايته كما لو مات الأصل أو جن فإن عدم تذكره دون ذلك قطعًا، وقد استدل بأن سهيل بن أبى صالح روى عن أبيه عن أبى هريرة أنهما قالا إنه ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، فروى عنه ربيعة ثم قال سهيل لربيعة: لا أدرى أرويته أم لا؟ لأنه قد نسى فكان سهيل إذا روى قال: حدَّثنى ربيعة عنى، أنى حدثته عن أبى.
والجواب: أنه إنما يدل على الوقوع ولا دليل فيه على وجوب العمل به.
قالوا: أولًا: لو جاز ذلك فى الرواية جاز مثله فى الشهادة واللازم منتف، للإجماع على أنه لا تقبل شهادة الفرع مع نسيان الأصل.
الجواب: منع الملازمة فإن باب الشهادة أضيق من باب الرواية فقد اعتبر فيه الحرية والذكورة والعدد وامتناع العنعنة وامتناع الحجاب وعينوا له لفظ أشهد دون أعلم.
قالوا: ثانيًا: لو عمل بروايته مع نسيان الأصل لعمل الحاكم بحكمه إذا شهد شاهدان بحكمه فى قضية وهو قد نسى حكمه فيها واللازم منتف.
والجواب: منع انتفاء اللازم إذ يجب عليه الحكم عند مالك وأحمد وأبى
стр. 1144
يوسف، وإنما يلزم ذلك أصحاب الشافعى حيث لا يوجبون حكمه، والجواب من طرفهم أن نسيان الترافع وطول القال والقيل وما آل إليه ذلك من الحكم أبعد من نسيان الرواية فلا يصح القياس.
قوله: (باب الشهادة أضيق) فإن قيل ينبغى أن يكون الأمر بالعكس لأنه يثبت بالرواية حكم كلى يعم المكلفين إلى يوم القيامة وبالشهادة قضية جزئية قلنا: نعم إلا أن الرواية أبعد عن التهمة، فلذا كانت الشهادة أجدر بالاحتياط.
الشارح: (ولا يرفع اليقين بالشك) فيعمل برواية كل منهما فى غير ما وقع فيه التكذيب ومعنى كون الشك لا يرفع اليقين أنه يجب العمل بمقتضى اليقين الذى كان لا بمقتضى الشك الطارئ لا بمعنى أن اليقين الذى كان باق مع طريان الشك.
الشارح: (وامتناع العنعنة) فلا يقول: أشهد عن فلان عن فلان أن الأمر كذا وقوله: وامتناع الحجاب أى لا تجوز الشهادة مع احتجاب المشهود عليه عن الشاهد.
الشارح: (إذ يجب عليه الحكم عند مالك وأحمد وأبى يوسف) تبع الشارح فى هذا عبارة المصنف وقد أعترض على المصنف صاحب مسلم الثبوت بأن كتب أتباعه من الحنفية ناطقة بعدم القبول عنده.
стр. 1145
قال: (مسألة: إذا انفرد العدل بزيادة والمجلس واحد فإن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم يقبل وإلا فالجمهور يقبل وعن أحمد روايتان لنا عدل جازم فوجب قبوله قالوا: ظاهر الوهم فوجب رده قلنا سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد بخلاف سهوه عما سمع فإنه كثير فإن تعدد المجلس قبل باتفاق فإن جهل فأولى بالقبول ولو رواها مرة وتركها مرة فكروايتين وإذا أسنده وأرسلوه أو رفعه ووقفوه أو وصله وقطعوه فكالزيادة).
أقول: إذا انفرد العدل بزيادة فى الحديث مثل أن يروى أنه دخل البيت ويروى أنه دخل البيت وصلى فإما أن يتحد مجلس السماع أو يتعدد، أما إذا اتحد فإن كان غيره من الرواة فى الكثرة بحيث لا يتصوّر غفلة مثلهم عن مثل تلك الزيادة لم يقبل وإلا فالجمهور على أنه يقبل، وقال بعضهم: لا يقبل، وعن أحمد فيه روايتان، لنا أنه عدل جازم فى حكم ظنى فوجب قبول قوله وعدم رواية غيره لا يصلح مانعًا، إذ الفرض جواز الغفلة، قالوا: الظاهر نسبة الوهم إليه لوحدته وتعددهم فوجب رده.
الجواب: إن سهو الإنسان فيما لم يسمع حتى يجزم بأنه سمع بعيد جدًا بخلاف سهوه عما سمع فإن ذهول الإنسان عما يجرى بحضوره لاشتغاله عنه كثير الوقوع وأما إذا تعدد المجلس فيقبل بالاتفاق، فإذا جهل كونه واحدًا أو متعددًا فأولى بالقبول مما اتحد لاحتمال التعدد، وهذا كله إذا تعدد الرواة فلو روى الزيادة عدل واحد مرة وتركها مرة فكذا أى حكمه حكم تعدد الرواة وذلك حكم الاختلاف فى الزيادة وأما فى غيره مثل أن يسنده عدل ويرسله الباقون أو يرفعه إلى الرسول ووقفه الباقون على الصحابى أو وصله فلم يترك راويًا فى البين وقطعوه فتركوه فهى كالزيادة وحكمها حكمها.
قوله: (فكذا أى حكمه حكم تعدد الرواة) مشعر بأن الواقع فى نسخته فكذا مقام فكراويين أو فكراويتين على ما فى النسخ المشهورة. وبالجملة فحكمه أنه إن تعدد المجلس قبل اتفاقًا وإن اتحد ففيه الخلاف وظاهر العبارة لا يتناول ما إذا رواها مرة وتركها مرات أو بالعكس وفى الكتب المشهورة أنه إن تعذر الجمع بين قبول الزيادة والأصل لم تقبل وإن لم يتعذر فإن تعدد المجلس قبلت، وإن اتحد فإن
стр. 1146
كانت مرات روايته للزيادة أقل لم تقبل إلا أن يقول: سهوت فى تلك المرات وإن لم تكن أقل قبلت.
قوله: (إلا أن يقول: سهوت فى تلك المرات) أى: المرات التى لم أذكر فيها تلك الزيادة.
стр. 1147
قال: (مسألة: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا فى الغاية والاستثناء ونحوه مثل حتى تزهى وإلا سواء بسواء فإنه ممتنع).
أقول: هل يجوز حذف بعض الخبر ورواية الباقى؟ الأكثر على أنه جائز إذا كان مستقلًا لأنهما كخبرين، وأما إذا تعلق بالمذكور تعلقًا يغير المعنى كما فى الغاية نحو: "لا تباع النخلة حتى تزهى" أو الاستثناء نحو: "لا يباع مطعوم بمطعوم إلا سواء بسواء" لم يجز حذفه لاختلال المعنى المقصود.
قال: (مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى كابن مسعود فى مس الذكر وأبى هريرة فى غسل اليدين ورفع اليدين مقبول عند الأكثر خلافًا لبعض الحنفية لنا قبول الأمة له فى تفاصيل الصلاة وفى نحو الفصد والحجامة وقبول الفاسق وهو أضعف، قالوا: العادة تقضى بنقله متواترًا وردّ بالمنع وتواتر البيع والنكاح والطلاق والعتق اتفاق، أو كان مكلفًا بإشاعته).
أقول: إن من القضايا ما تعم به البلوى لحاجة الكل إليه كالصلاة ومقدماتها فهل يسمع فيه خبر الواحد وذلك كخبر ابن مسعود فى مس الذكر أنه ينقض الوضوء، وكخبر أبى هريرة فى غسل اليدين عند القيام من النوم، وكما روى عنه ﵊ أنه كان يرفع يديه عند إرادة الركوع ذهب بعض الحنفية إلى أنه لا يقبل والأكثر على قبوله، لنا قبول الأمة به فى تفاصيل الصلاة ووجوب الغسل من التقاء الختانين وهما مما تعم به البلوى، وأيضًا قبوله فى نحو الفصد والحجامة والقهقهة فى الصلاة فالحنفية أوجبوا بها الوضوء، وهو منها فجوابه وأيضًا قبل القياس فى نحوه مع أنه أضعف من خبر الواحد لما ستعرفه فخبر الواحد أولى بالقبول.
قالوا: العادة تقضى فى مثله بالتواتر لتوفر الدواعى على نقله ولما لم يتواتر علم كذبه.
الجواب: منع قضاء العادة بتواتره لما تقدَّم من الصور فإن قيل لو صح لوجب عليه أن يلقيه إلى عدد التواتر لئلا يؤدى إلى بطلان صلاة أكثر الناس كالبيع والنكاح والطلاق والعتق، قلنا: لا نسلم الوجوب وإبطال الصلاة يكون فيمن بلغه خاصة، وأما البيع وأخواته فاتفق فيه التواتر وإن لم يجب أو كان مكلفًا بإشاعته خاصة دون غيره وليس ذلك من العادة فى شئ.
стр. 1148
قوله: (وكما روى عنه ﵊ تغيير الأسلوب مشعر بأن خبر رفع اليدين عند الركوع ليس رواية أبى هريرة رضى اللَّه عنه على ما يشعر به ظاهر عبارة المتن لأن المذكور فى كتب الحديث روايته عن ابن عمر رضى اللَّه عنه إلا أنه ذكر الإمام محيى السنة أنه يرويه عمر وعلى ووائل بن حجر وأنس وأبو هريرة ومالك ابن الحويرث وأبو حميد الساعدى فى عشرة من أصحاب النبى ﵊.
المصنف: (فى تفاصيل الصلاة) أى كالأركان والشروط.
المصنف: (وفى نحو الفصد والحجامة) أى فى نقض الوضوء وهذا إلزام من المصنف للخصم وإلا فمذهبه عدم النقض بالفصد والحجامة والقهقهة فى الصلاة.
الشارح: (قيل القياس فى نحوه) أى نحو ما ذكر مما تعم به البلوى.
الشارح: (لما ستعرفه) أى فى مسألة الأكثر على أن الخبر المخالف للقياس. . . إلخ.
قوله: (إلا أنه ذكر الإمام محيى السنة. . . إلخ) أى فتغيير الأسلوب للإشارة إلى أنه لم يختص بأبى هريرة بل رواه أيضًا غيره.
стр. 1149
قال: (مسألة: خبر الواحد فى الحد مقبول خلافًا للكرخى والبصرى لنا ما تقدَّم، قالوا: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، والاحتمال شبهة قلنا لا شبهة كالشهادة وظاهر الكتاب).
أقول: خبر الواحد فيما يوجب الحد الأكثر على أنه مقبول خلافًا للكرخى والبصرى، لنا ما تقدَّم من أنه عدل جازم فى حكم ظنى فوجب قبوله، قالوا: قال ﵊: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (*)، واحتمال الكذب شبهة فوجب سقوط الحدِّ به.
والجواب: لا شبهة مع الحديث الصحيح، كما لا شبهة مع الشهادة، وظاهر الكتاب وإن قام الاحتمال فى الشهادة بالكذب، وفى ظاهر الكتاب بأن يراد به غير ظاهره.
قال: (مسألة: إذا حمل الصحابى ما رواه على أحد محمليه فالظاهر حمله عليه بقرينة فإن حمله على غير ظاهره فالأكثر على الظهور وفيه قال الشافعى: كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحججته، فلو كان نصًا فيتعين نسخه عنده وفى العمل نظر وإن عمل بخلاف خبره أكثر الأمة فالعمل بالخبر إلا إجماع المدينة).
أقول: إذا روى الصحابى خبرًا مجملًا كالقرء وحمله على أحد محمليه فالظاهر حمله عليه لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة معاينة وإن كان ظاهرًا فى معنى وحمله على غير ظاهره فالأكثر على أنه يعتبر ظهوره فيحمل على ظاهره وإليه ذهب الشافعى وفيه قال: كيف أترك الحديث بقول من لو عاصرته لحاججته أى الصحابى لأن فعله ليس بحجة وقيل يحمل على تأويله وأما لو كان نصًا فيتعين أنه قد نسخ عنده بناسخ اطلع هو عليه ورآه ناسخًا، وفى العمل نظر، فيمكن أن يقال يعمل بالخبر إذ ربما ظن ناسخًا ولم يكن وأن يقال يعمل بالناسخ لأن خطأه فيه بعيد، هذا إذا عمل هو بخلاف خبره فإن عمل بخلافه أكثر الأمة فالعمل بالخبر متعين إلا أن يكون فيه إجماع أهل المدينة فالعمل بإجماعهم لما مر أنه حجة.
стр. 1150
قوله: (وفى العمل نظر) تقرير أن فيه نظرًا أنه يعمل بالنص الذى رواه أو بالناسخ الذى دل عليه عمله وتقرير غيره أن فى جواز العمل بمثل هذا النص نظرًا لأنه فوق الظاهر وهو لا يترك إذا عمل الراوى بخلافه فهذا أولى، فإن قيل النص قوى لا يترك إلا بالناسخ بخلاف الظاهر فإنه ربما يترك للاجتهاد، قلنا ربما يظن غير الناسخ ناسخًا فيترك النص مع أن الواجب اتباعه ولا يخفى أن ما ذكر من وجه النظر إنما يدل على أن النظر إنما هو فى ترك العمل به لا فى جوازه.
الشارح: (إلا لقرينة معاينة) أى فلا يرد أن المجتهد لا يقلد الصحابى.
стр. 1151
قال: (مسألة: الأكثر على أن الخبر المخالف للقياس من كل وجه مقدّم وقيل بالعكس، أبو الحسين إن كانت العلة بقطعى فالقياس وإن كان الأصل مقطوعًا به فالاجتهاد، والمختار إن كانت العلة بنص راجح على الخبر ووجودها فى الفرع قطعى فالقياس وإن كان وجودها ظنيًا فالوقف وإلا فالخبر. لنا أن عمر رضى اللَّه عنه ترك القياس فى الجنين للخبر، وقال لولا هذا لقضينا فيه برأينا وفى دية الأصابع باعتبار منافعها بقوله فى كل إصبع عشر وفى ميراث الزوجة من الدية، وغير ذلك وشاع وذاع ولم ينكره أحد وأما مخالفة ابن عباس خبر أبى هريرة "توضئوا مما مسته النار"، فاستبعاد لظهوره، وكذلك هو وعائشة فى: "إذا استيقظ. ."، ولذلك قال: (فكيف أصنع بالمهراس)، وأيضًا أخر معاذ العمل بالقياس وأقره ﷺ عليه، وأيضًا لو قدم لقدم الأضعف، والثانية إجماع لأن الخبر مجتهد فيه فى العدالة والدلالة والقياس فى ستة: حكم الأصل وتعليله، ووصف التعليل، ووجوده فى الفرع، ونفى المعارض فيهما، وفى الأمر أيضًا إن كان الأصل خبرًا. قالوا: الخبر محتمل الكذب والكفر والفسق والخطأ والتجوز والنسخ، وأجيب بأنه بعيد وأيضًا فتطرق إذا كان الأصل خبرًا، وأما تقديم ما تقدَّم فلأنه يرجع إلى تعارض خبرين عمل بالراجح منهما والوقف لتعارض الترجيحين، فإن كان أحدهما أعم خص بالآخر، وسيأتى).
أقول: خبر الواحد إذا خالف القياس فإن تعارضا من وجه دون وجه فالجمع ما أمكن كما سيأتى، وإن خالفه من كل وجه بأن يبطل كل واحد منهما ما يثبته الآخر بالكلية فالأكثر على أن الخبر مقدم، وقيل بالعكس أى القياس مقدم، وقال أبو الحسين البصرى: إن كانت العلة ثابتة بدليل قطعى فالقياس مقدم، وإن كان حكم الأصل مقطوعًا به خاصة دون العلة فالاجتهاد فيه واجب حتى يظهر دليل أحدهما فيتبع، وإلا فالخبر مقدم، والمختار أنه إن كانت العلة تثبت بنص راجح على الخبر فى الدلالة فإن كان وجود العلة فى الفرع قطعيًا فالقياس مقدم وإن كان وجودها فيه ظنيًا فالتوقف وإلا أى وإن ثبتت العلة لا بنص راجح فالخبر مقدم لنا فى تقديم الخبر حيث تقدم أن عمر رضى اللَّه عنه ترك القياس بالخبر فى مسألة الجنين أنه ﷺ أوجب فيه الغرة، وقال: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا" أى بالقياس، ولولا لانتفاء الشئ لثبوت غيره فدل على أنه انتفى العمل بالقياس لثبوت الخبر
стр. 1152
وكذا فى دية الأصابع حيث رأى أنها تتفاوت باعتبار منافعها فتركه لخبر الواحد أنه قال فى كل إصبع عشرة، وكذا فى ميراث الزوجة من دية زوجها وكان يرى أن الدية للورثة ولم يملكها الزوج فلا ترث الزوجة منها فأخبر أن الرسول أمر بتوريثها منها فرجع إليه إلى غير ذلك من الصور التى يشهد بها كتب السير وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد فكان إجماعًا فإن قيل هذا معارض بأن ابن عباس خالف خبر أبى هريرة، وهو قوله: "توضئوا مما مسته النار" بالقياس فقال: "ألا نتوضأ بماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ"، وبأن ابن عباس وعائشة رضى اللَّه عنهما خالفا خبره وهو أنه قال: قال ﵊: "إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يغمسن يده فى الإناء فإنه لا يدرى أين باتت يده" بالقياس فقالا: "كيف نصنع بالمهراس؟ "، أى إذا كان فيه ماء ولم يدخل فيه اليد فكيف نتوضأ منه.
الجواب: أنهما لم يخالفاه للقياس بل لاستبعادهما له لظهور خلافه ولذلك صرحا بما يدل على ظهور خلافه فقالا: "فكيف نصنع بالمهراس؟ " ولنا أيضًا حديث معاذ أَخَّر فيه القياس عن الخبر وأقره ﷺ فكان الخبر مقدمًا، ولنا أيضًا أنه لو قدَّم القياس لقدَّم الأضعف واللازم ممتنع إجماعًا، بيان الملازمة أن الخبر يجتهد فيه فى أمرين: عدالة الراوى ودلالة الخبر، والقياس يجتهد فيه فى أمور ستة: حكم الأصل وتعليله فى الجملة، وتعيين الوصف الذى به التعليل، ووجود ذلك الوصف فى الفرع، ونفى المعارضة فى الأصل، ونفيه فى الفرع، هذا إذا لم يكن الأصل خبرًا، فإن كان خبرًا وجب الاجتهاد فى الستة مع الأمرين المذكورين، وهما: العدالة والدلالة، وظاهر أنما يجتهد فيه فى مواضع أكثر فاحتمال الخطأ فيه أكثر، فالظن الحاصل به أضعف، قالوا: الاحتمال فى القياس أقل، فكان أولى، وذلك أن الخبر يحتمل باعتبار العدالة، كذب الراوى وفسقه وكفره وخطأه وباعتبار الدلالة التجوز وباعتبار حكمه النسخ، والقياس لا يحتمل شيئًا من ذلك.
الجواب: أنها احتمالات بعيدة فلا تمنع الظهور وأيضًا فيأتى مثلها فى القياس إذا كان أصله خبرًا وأنتم لا تفصلون فتقدمون القياس مطلقًا فهذا دليلنا فيما يقدّم فيه الخبر، وأما تقديم ما تقدَّم من القياس على الخبر وهو إذا كانت العلة ثابتة بنص راجح ووجودها فى الفرع قطعيًا فلأنه يرجع إلى تعارض الخبرين وأحدهما راجح فيقدم الراجح وأما الوقف فيما أوجبنا فيه الوقف وهو إذا كانت العلة بنص راجح
стр. 1153
ووجودها فى الفرع ظنيًا فلتعارض الترجحين ترجيح خبر القياس بما ذكرنا من كونه راجحًا وترجيح الخبر الآخر لقلة المقدمات لعدم انضمام القياس إليه هذا كله إذا كانا عامين أو خاصين، فأما إذا كان أحدهما أعم والآخر أخص فالأعم يخصص بالأخص وسيأتى فى باب العموم والخصوص تفصيله.
قوله: (كما سيأتى) فى آخر هذه المسألة من أنه إذا كان أحدهما أعم فالآخر يخصصه.
قوله: (وإلا أى وإن ثبتت العلة لا بنص راجح) أخذ بالحاصل لأن قوله و"إلا" معناه وإن لم تثبت العلة بنص راجح ومعلوم أنه لا بد من ثبوتها فتعين أن يكون المعنى وإن ثبتت لا بنص راجح وذلك بأن تكون العلة مستنبطة أو منصوصة بنص مساوٍ أو مرجوح وأما ما وقع فى بعض الشروح من أن المعنى وإن لم يكن الخبر الدال على العلية راجحًا على الخبر الدال على الحكم أو وإن كانت العلة ظنية أو منصوصة لا بنص راجح وإن لم يكن وجودها فى الفرع ظنيًا أو وإن لم تكن منصوصة أو تكن ولكن بنص مساوٍ أو مرجوح أو يكون راجحًا لكن وجود العلة فى الفرع مشكوك فلا يخفى ما فيه.
قوله: (بماء الحميم) من إضافة الموصوف إلى الصفة وقيل بل الحميم الحمام والمهراس حجر عظيم منقور يصبون فيه الماء للوضوء.
قوله: (وأقره ﵊ فيه دفع لما ذكره العلامة من أنا لا نسلم دلالة التقديم على الترتيب ولو سلم فغايته تأخر القياس عن السنة عند معاذ وليس قول الصحابى حجة ولا رأى بعض المجتهدين حجة على البعض.
قوله: (وظاهر أن ما يجتهد فيه) إشارة إلى ضعف اعتراض العلامة بأنه يجوز أن يكون الخطأ فى العدالة والدلالة أكثر منه فى الستة المذكورة أو لا مدخل لكثرة العدد فى ذلك نعم احتمال تقديم الخبر على القياس الثابت أصله بالخبر يكفى فى إبطال مذهب الخصم، وإن لم يف بإثبات مذهب المستدل، فإن قيل هذا على تقدير صحته لا يتم فى القياس المنصوص العلة بنص غير راجح، قلنا غايته سقوط الاجتهاد فى موضعين تعليل حكم الأصل، وتعيين الوصف الصالح فتبقى أربعة وهى أكثر من اثنين.
стр. 1154
قوله: (وباعتبار الدلالة التجوز) وكذا الإضمار والاشتراك والتخصيص.
قوله: (والقياس لا يحتمل شيئًا من ذلك) مبنى على ما سيجئ من أن يقال القياس لا ينسخ ولا ينسخ به، وستعرف ما فيه من التفصيل.
قوله: (هذا) إشارة إلى جميع ما ذكر من الأدلة والغرض من هذا الكلام بيان حسن كلمة أما فى قوله وأما تقديم إذ قد زعم بعض الشارحين أنه جواب عن سؤال مقدر تقريره أن يقال ما ذكرتم من الأدلة اقتضت تقديم الخبر على القياس مطلقًا فكيف قدم القياس فى هذه الصورة وذكر الشارح العلامة أنه استدلال على تقديم القياس فى هذه الصورة لكن قد أورد فى هذا المقام السؤال الذى ذكر وأجيب عنه بهذا الجواب، وصدر بكلمة "أما" تفصيلًا للأمرين.
قوله: (فلأنه يرجع) يعنى أنه وإن كان بحسب الظاهر معارضًا بين القياس والخبر لكن مرجعه إلى تعارض الخبرين بناء على أن النص على العلة بمنزلة النص على الحكم وبهذا تبين أن فى صورة الوقف أيضًا المرجع إلى تعارض الخبرين لكن لكل منهما ترجيح من وجه، أحدهما بالذات، والآخر بالاستغناء عن المقدمات فيتعارض الترجيحان فيتوقف.
المصنف: (مسألة الأكثر على أن الخبر المخالف للقياس. . . إلخ) قال العلامة المقبلى صاحب نجاح الطالب على مختصر ابن الحاجب: هذه المسألة شهيرة ولا أرى لها حاصلًا فإن الخبر والقياس دليلان شرعيان جمعهما ذلك ووصف الخبرية والقياسية ملغى ففيهما ما فى دليلين من جنس أو جنسين من الجمع ثم الترجيح.
المصنف أيضا: (الأكثر على أن الخبر. . . إلخ) من الأكثر الشافعى وأحمد وأبو حنيفة وقوله وقيل بالعكس نسب إلى الإمام مالك إلا أنه استثنى أربع أحاديث قدمها على القياس حديث المصراة وحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب وحديث العرايا وحديث القزعة.
المصنف: (لنا إن عمر. . . إلخ) هذا دليل على المختار وهو دليل للأكثر أيضا والقياس المتروك فى ذلك لم تثبت عليته بقطعى ولم يثبت حكم الأصل فيه قطعيًا والقياس الذى تركه عمر فى الجنين وعمل بالخبر هو قياس إهلاك الحمل على إهلاك سائر الأمور المشكوكة الحياة والوجود فى عدم الوجوب والخبر الذى قدم
стр. 1155
عليه خبر حمل ابن مالك أنه ﵊ أوجب فيه الغرة.
المصنف: (باعتبار منافعها) وكان رأيه فى الخنصر ستًا من الإبل وفى البنصر تسعة وفى الوسطى عشرًا وفى المسبحة اثنى عشر وفى الإبهام خمسة عشر.
المصنف: (وفى ميراث الزوجة من الدية) والقياس الذى ترك هو قياس الدية على ما لا يملكه الزوج قبل موته فى عدم الميراث فيه.
المصنف: (وأما مخالفة ابن عباس خبر أبى هريرة توضئوا مما مسته النار) الظاهر أنهم لم يردوا خبر أبى هريرة وإنما ردوا تأويله وحمله على الوضوء الشرعى وأما الخبر فمحمول على الوضوء اللغوى وهو التنظيف بغسل اليد والمضمضة مثلًا.
المصنف: (وكذلك هو وعائشة فى إذا استيقظ) أى خالف ابن عباس وعائشة خبر أبى هريرة إذا استيقظ أحدكم من نومه الحديث والظاهر أنهما خالفاه فى التأويل والحمل لا فى أصل الخبر، وحملاه على أن النهى للتنزيه إن أمكن.
المصنف: (لأن الخبر مجتهد فيه. . . إلخ) رده بعضهم بأنه كم كثير مقدمات أقوى من قليلها وهو غير ظاهر حيث كانت المقدمات اجتهادية كما هو الفرض.
الشارح: (انتوضأ بما عنه نتوضأ) أى فلو كان الطعام الحار يوجب الوضوء لوجب الوضوء بالماء الحار الوضوء فنكون نتوضأ مما عنه نتوضأ وهو باطل.
قوله: (أى وإن لم يكن الخبر الدال على العلية راجحًا. . . إلخ) لعل وجه التورك على هذا بقوله الآتى ولا يخفى ما فيه هو أنه لا يشمل صورة الاستنباط.
قوله: (أو وإن كانت العلة ظنية. . . إلخ) لعل ما فيه هو أنه غير معنى قوله وإلا وغير حاصل المعنى لأن قوله: وإن لم يكن وجودها فى الفرع ظنيًا لا موقع للمبالغة به هنا.
قوله: (أو وإن لم تكن منصوصة. . . إلخ) فيه ما فى الذى قبله لأنه لا موقع لقوله لكن وجودها فى الفرع مشكوك فيه لأنه لا قياس حينئذ فهو خلاف الفرض فتأمل.
стр. 1156
قال: (مسألة: المرسل قول غير الصحابى: قال ﷺ ، وثالثها قال الشافعى رضى اللَّه عنه إن أسنده غيره أو أرسله وشيوخهما مختلفة أو عضده قول صحابى أو أكثر العلماء أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل قبل، ورابعها إن كان من أئمة النقل قبل وإلا فلا وهو المختار لنا أن إرسال الأئمة من التابعين كان مشهورًا مقبولًا ولم ينكره أحد كابن المسيب والشعبى والنخعى والحسن وغيرهم، فإن قيل يلزم أن يكون المخالف خارقًا، قلنا خرق الإجماع الاستدلالى أو الظنى لا يقدح وأيضًا لو لم يكن عدلًا عنده لكان مدلسًا فى الحديث، قالوا: لو قبل لقبل مع الشك لأنه لو سئل لجاز أن لا يعدل قلنا فى غير الأئمة. قالوا: لو قبل لقبل فى عصرنا؟ قلنا لغلبة الخلاف فيه، أما إن كان من أئمة النقل ولا ريبة تمنع قبل. قالوا: لا يكون للإسناد معنى. قلنا: فائدته فى أئمة النقل نقاوتهم ورفع الخلاف القائل مطلقًا تمسكوا بمراسيل التابعين ولا يفيدهم تعميمًا. قالوا: إرسال العدل يدل على تعديله. قلنا: نقطع بأن الجاهل يرسل ولا يدرى من وراءه، وقد أخذ على الشافعى، فقيل إن أسند فالعمل بالمسند وهو وارد وإن لم يسند فقد انضم غير مقبول إلى مثله، ولا يرد بأن الظن قد يحصل أو يقوى بالانضمام، والمنقطع أن يكون بينهما رجل وفيه نظر والموقوف أن يكون قول صحابى أو من دونه).
أقول: ما ذكرناه كله حكم المسند، وأما المرسل فهو أن يقول عدل ليس بصحابى: قال ﷺ كذا، وفيه مذاهب: أحدها: يقبل، وثانيها: لا يقبل، وثالثها، وهو قول الشافعى: أنه لا يقبل إلا بأحد أمورٍ خمسة: أن يسنده غيره أو يرسله آخر، وعلم أن شيوخهما مختلفة، أو أن يعضده قول صحابى أو أن يعضده قول أكثر أهل العلم، أو أن يعلم من حاله أنه لا يرسل إلا بروايته عن عدل، ورابعها: أنه إن كان الراوى من أئمة نقل الحديث قبل، وإلا لا يقبل وهذا هو المختار. لنا إرسال الأئمة من التابعين كان مشهورًا مقبولًا فيما بينهم ولم ينكره أحد، فكان إجماعًا، وذلك كإرسال سعيد بن المسيب والشعبى وإبراهيم النخعى والحسن البصرى، وغيرهم، فإن قيل لو كان كما ذكرتم لكان ذلك إجماعًا، فكان المخالف له خارقًا للإجماع فيكفر أو يخطأ قطعًا، واللازم منتف بالاتفاق.
والجواب: كون المخالف خارقًا مكفرًا أو مخطأ قطعًا إنما هو فى الإجماع المعلوم ضرورة، وأما الثابت بالاستدلال أو بالأدلة الظنية فلا، ولنا أيضًا أنه لو لم يكن
стр. 1157
المروى عنه عدلًا عنده لكان الجزم بالإسناد بروايته الموهم لأنه سمع من عدل تدليسًا فى الحديث، وهو بعيد من أئمة النقل.
قالوا: أولًا: لو قبل المرسل لقبل مع الشك فيه، واللازم منتف بالاتفاق، بيان الملازمة أنه لو سئل عن الراوى هل هو عدل جاز أن لا يعدّله كما يجوز أن يعدّله ومع احتمال عدم التعديل يبقى الشك ولا يحصل الظن.
الجواب: أن هذا الاحتمال إنما يأتى فى غير أئمة النقل، وأما الأئمة فالظاهر أنهم لا يجزمون إلا عمن لو سئلوا لعدّلوه.
قالوا: ثانيًا: لو قبل المرسل لقبل فى عصرنا إذ لا تأثير للزمان فيه، واللازم منتف اتفاقًا.
الجواب: منع الملازمة لغلبة ذلك، أى الإرسال عمن لو سئل عنه لم يعدّل فإن أهل زماننا يرسلون غالبًا، ولا يدرون ممن يروون هذا فى غير أئمة النقل، وأما أئمة النقل فإن لم يكن ثمة ريبة تمنع القبول فإنه يقبل، وهذا إشارة إلى منع انتفاء اللازم، والحاصل منع الملازمة فى غير محل النزاع، ومنع انتفاء اللازم فيما هو محل النزاع.
قالوا: ثالثًا: لو جاز العمل بالمرسل لما كان لذكر الإسناد فائدة، فكان اتفاقهم على ذكر الإسناد إجماعًا على العبث وذلك محال عادة.
والجواب: منع الملازمة بل فائدته فى غير أئمة النقل ظاهر، وهى فى أئمة النقل تفاوت رتبهم للترجيح عند التعارض وفى القبيلين رفع الخلاف إذ اختلف فى المرسل ولم يختلف فى المسند.
القائلون بقبول المرسل مطلقًا سواء كان راويه من أئمة النقل أم لا:
قالوا: أولًا: تمسكوا بمراسيل التابعين كما ذكرناه إلى آخره وذلك لا يفيدهم تعميمًا فإن من ذكرنا من الشعبى والنخعى والحسن كلهم من أئمة النقل فلم يجب فى غير الأئمة.
قالوا: ثانيًا: العدل إذا أرسل غلب على الظن أن المنقول عنه عدل وإلا لم يجزم بما نقله.
الجواب: منع ذلك فى غير الأئمة، لأنا نقطع أن الجاهل يرسل ولا يدرى ممن رواه فضلًا عن صفته التى هى العدالة ولذلك لم يقبل فى عصرنا، واعلم أن
стр. 1158
بعض الناس أخذ على الشافعى حيث قال: يقبل الرسل إذا أسنده غيره. . إلخ، وقال: أما اشتراطه إسناد غيره فباطل إذ العمل حينئذٍ بالمسند، وزعم المصنِّفُ أن هذا وارد عليه وقد يقال: مقصوده إذا لم تثبت عدالة ذلك الإسناد أو أنه لا يحتاج إليه وأما غير ذلك من الشروط وهى الأربعة غير الإسناد فباطل أيضًا لأن شيئًا منها ليس بدليل، وإلا فالعمل به فقد انضم غير مقبول إلى غير مقبول، فلا يكون مقبولًا، وهذا غير وارد فإن الظن قد لا يحصل بأحدهما، أو لا يقوى بحيث يجب العمل به ويحصل أو يقوى بانضمام الآخر إليه وههنا اصطلاحات للمحدثين فافهمها، المنقطع أن يكون بين الراويين رجل ولم يذكر وفى قبوله نظر يعرف مما ذكر فى المرسل، الموقوف هو أن يكون قول الصحابى أو من دونه كالتابعى، وأمره ظاهر فإنه مردود.
قوله: (عدل) يشير إلى أن المصنِّف إنما ترك قيد العدالة لظهوره ولا خفاء فى أن نقل الفعل كنقل القول، وبعضهم على أن المرسل هو أن يقول التابعى قال الرسول ﵊، وأما إذا كان القائل من تابع التابعين فمنقطع أو من غيرهم فمعضل.
قوله: (من أئمة نقل الحديث) يعنى من اشتهر بذلك وروى عنه الثقات واعترفوا له بصحة الرواية.
قوله: (لم يكن المروى عنه عدلًا عنده) أى عند الراوى المرسل لكان جزمه نظرًا إلى ظاهر الإطلاق بإسناد الحديث إلى النبى ﵊ بواسطة رواية ذلك الروى عنه الموهم ذلك الجزم أو لاستناد أن ذلك الراوى المرسل سمع من عدل تدليسًا وذلك بعيد فيمن ثبت أنه من أئمة نقل الحديث وإن لم يكن بعيدًا ممن هو عدل لعدم معرفته بقوانين نقل الحديث، وبهذا يندفع أن مجرد النقل لا يوجب الجزم بل قد يكفى الظن وأن هذا يقتضى قبول قول المرسل العدل سواء كان من أئمة الحديث أو لا.
قوله: (فى القبيلين) أى فى أئمة النقل وفى غيرهم.
قوله: (كما ذكرناه) يعنى أن التمسك قد اشتهر ولم ينكره أحد فكان إجماعًا.
قوله: (وقد يقال) جواب عن المؤاخذة على الشافعى بأنه إذا أسنده غيره كان
стр. 1159
العمل بذلك المسند وتقريره أنه يعمل بذلك المرسل وإن لم تثبت عدالة رواة ذلك المسند أو أنه يعمل بذلك المرسل من غير احتياج إلى تعديل رواة ذلك المسند وحاصله أن العمل بالمسند يتوقف على تعديل رواته لكن معاضدته للعمل بالمرسل لا تتوقف على ذلك بل تثبت العمل بالمرسل من غير ثبوت عدالة رواة المسند أو من غير احتياج إلى تعديلهم.
قوله: (وهذا غير وارد) فإن قيل: لا وجه لجعل الأول واردًا دون هذا لاشتراكهما فى أن يحصل الظن أو يقوى بانضمام البعض إلى البعض قلنا: جعل اشتراط عدالة الرواة مفروغًا عنه فجزم بأن المسند واجب العمل سواء انضم إليه أمر آخر أو لم ينضم بخلاف هذه الأمور الأربعة، فإن شيئًا منها بانفراده لا يوجب العمل.
قوله: (يعرف مما ذكر) لأنه نوع إرسال فلا يقبل إلا أن يسنده غيره أو يعضده أمر آخر من الأمور المذكورة، وذكر بعض الشارحين أن فى قبوله نظرًا لأن الراوى المتوسط مجهول الحال فلا تقبل روايته وفى بعض الشروح أنه يحتمل أن يريد به التوقف فى العمل من جهة أن الراوى عدل والظاهر من حاله أن لا يروى إلا عن عدل وأن المروى عنه غير معلوم فلا تعلم عدالته، وقيل إنه من حيث التعرض للإسناد يشبه المسند فيعمل به ومن حيث تذكر الواسطة يوهم التدليس فلا يعمل.
المصنف: (ولم ينكره أحد) أى فكان إجماعًا، رده الكمال بأنه لا إجماع مع قول ابن سيرين لا نأخذ بمراسيل الحسن وأبى العالية لأنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث وهو وإن لم يستلزم إرسالهما عن غير ثقة إذ اللازم أن الإمام العدل لا يرسل إلا عن ثقة وذلك لا يستلزم أن لا يأخذ إلا عن ثقة نافٍ للإجماع لأنه لا إجماع مع مخالفة ابن سيرين فهو خطأ على هذا وإن كان منع ابن سيرين من مراسيلهما خطأ أيضًا لأنه علل بما لا يصلح مانعًا. اهـ. بزيادة من الشارح وبعض تغيير.
المصنف: (لغلبة الخلاف فيه) أى فكثرة الخلاف والمذاهب فى عصرنا تمنع قبول المرسل فى عصرنا ووقع للشارح بدل لغلبة الخلاف فيه لغلبة ذلك فلذا قال لغلبة ذلك أى الإرسال عمن لو سئل عنه لم يعدل.
الشارح: (بل فائدته فى غير أئمة النقل ظاهرة) هى ظهور حال المروى عنه من ضعف أو عدالة.
стр. 1160
(مباحث الأمر)
قال: (الأمر حقيقة فى القول المخصوص اتفاقًا، وفى الفعل مجاز، وقيل مشترك، وقيل: متواطئ، لنا سبقه إلى الفهم، فلو كان متواطئًا لم يفهم منه الأخص كحيوان فى إنسان واستدل لو كان حقيقة لزم الاشنراك فيخل بالتفاهم فعورض بأن المجاز خلاف الأصل فيخل بالتفاهم وقد تقدَّم مثله والتواطؤ مشتركان فى عام فيجعل اللفظ له دفعًا للمعذورين وأجيب بأنه يؤدى إلى رفعهما أبدًا، فإن مثله لا يتعذر وإلى صحة دلالة الأعم على الأخص وأيضًا فإنه قول حادث هنا).
أقول: فرغ من السند وشرع فى المتن، مما يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع، فمنه أمر ونهى وعام وخاص ومطلق ومقيد ومجمل ومبين وظاهر ومؤوّل، ومنطوق ومفهوم، فبدأ بالأمر آتيًا عليها بما ذكرنا من الترتيب فالأمر ولا نعنى به مسماه كما هو المتعارف فى الأخبار عن الألفاظ أن يلفظ بها، والمراد مسمياتها بل لفظة الأمر وهو أم ر كما يقال زيد مبتدأ وضرب فعل ماض وفى حرف جر وإنه حقيقة فى القول المخصوص اتفاقًا فلو أنه قسم من الكلام وقد يطلق على الفعل فالأكثر على أنه فيه مجاز وقيل مشترك بين القول المخصوص والفعل، وقيل متواطئ فيهما، أى هو للقدر المشترك بينهما لنا سبق القول المخصوص إلى الفهم عند إطلاقه فكان حقيقة فيه غير مشترك بينهما وإلا لبادر الآخر أو لم يتبادر شئ منهما وهو ظاهر وليس متواطئًا وإلا لكان أعم من القول المخصوص ولم يفهم منه القول المخصوص لأن الأعم لا يدل على الأخص كما لا يفهم من الحيوان الإنسان خاصة واستدل بأنه لو كان حقيقة فى الفعل لكان مشتركًا إذ لا يشك فى أنه حقيقة فى القول المخصوص واللازم باطل لأن الاشتراك يخل بالتفاهم.
الجواب: أنه لو لم يكن حقيقة للزم المجاز واللازم باطل لأنه يخل بالتفاهم ويرجح كل بوجوه ترجيحه التى مرت وإليه الإشارة بقوله وقد تقدَّم مثله.
القائلون بالتواطؤ قالوا: أمران يشتركان فى عام وهو مفهوم أحدهما فوجب جعله لذلك العام دفعًا للاشتراك والمجاز فإن كليهما محذوران لإخلالهما بالتفاهم.
الجواب: أما أولًا: فبأنه إنما يستقيم لو لم يدل دليل على خلافه، وإلا لوجب