Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
قال: (مسألة: إذا أمر بفعل مطلق فالمطلوب الفعل الممكن المطابق للماهية لا الماهية، لنا أن الماهية يستحيل وجودها فى الأعيان لما يلزم من تعددها فيكون كليًا جزئيًا، وهو محال. قالوا: المطلوب مطلق والجزئى مقيد فالمشترك هو المطلوب، قلنا يستحيل بما ذكرناه).
أقول: إذا أمر الآمر بفعل مطلق نحو اضرب من غير تعيين ضرب معين فالمطلوب الفعل الجزئى الممكن المطابق للماهية الكلية المشتركة لا أن الماهية هى المطلوبة لنا أن الماهية الكلية يستحيل وجودها فى الأعيان فلا تطلب وإلا امتنع الامتثال وهو خلاف الإجماع بيان أن الماهية يستحيل وجودها فى الأعيان أنها لو وجدت لزم تعددها فى ضمن الجزئيات فمن حيث إنها موجودة تكون مشخصة جزئية ومن حيث إنها الماهية الكلية تكون كلية وأنه محال.
قالوا: المطلوب غير مقيد والجزئى مقيد فلا يكون المطلوب هو الجزئى فيكون هو المشترك إذ لا مخرج عنهما.
الجواب: يستحيل طلب المشترك بما ذكرنا من الدليل فوجب حمل الأمر على طلب الجزئى المقيد وإن كان ظاهرًا فى المشترك لأن القاطع لا يعارضه الظاهر، واعلم أنك إذا وقفت على الماهية بشرط شئ وبشرط لا شئ ولا بشرط شئ علمت أن المطلوب الماهية من حيث هى هى لا بقيد الجزئية ولا بقيد الكلية ولا يلزم من عدم اعتبار أحدهما اعتبار الآخر وأن ذلك غير مستحيل بل موجود فى ضمن الجزئيات وللإطناب فيه فن آخر.
قوله: (فالمطلوب الفعل الجزئى) أى الحقيقى، لأنه المتحقق فى الأعيان الممكن لا المستحيل كالضرب الذى لا يكون فيه حركة مثلًا وكالضرب الجزئى العقلى الذى هو محض صورة جزئية ذهنية (المطابق للماهية) أى يصدق عليه الضرب صدق الكلى على جزئياته لا الصورة العقلية الجزئية من حيث قيامها بعقل جزئى وبالجملة فردها من الأفراد الممكنة لتلك الماهية لا نفس الماهية المشتركة الكلية.
قوله: (تكون مشخصة جزئية) إشارة إلى أن المراد الجزئى الحقيقى ليندفع الاعتراض بأن الشئ قد يكون جزئيًا وكليًا معًا كالأجناس والأنواع المتوسطة.
قوله: (على طلب الجزئى المقيد) وصف كاشف ومؤكد لا مخصص والمراد
стр. 1227
التقييد بقيد ما من غير تعيين.
قوله: (واعلم) يشير إلى أن مبنى كلام الفريقين على عدم تحقيق معنى الماهية الكلية وعدم التفرقة بين الماهية المطلقة بمعنى عدم اشتراط قيد ما والمطلقة بمعنى اشتراط الإطلاق وعدم التقييد وتحقيقه أن الماهية قد توجد بشرط أن تكون مع بعض العوارض كالإنسان بقيد الوحدة ولا يصدق على التعدد وبالعكس وكالمقيد بهذا الشخص ولا يصدق على فرد آخر وتسمى الماهية المخلوطة والماهية بشرط شئ ولا ارتياب فى وجودها فى الأعيان وقد توجد بشرط التجرد عن جميع العوارض وتسمى المجردة والماهية بشرط لا شئ ولا خفاء فى أنها لا توجد فى الأعيان بل فى الأذهان وقد توجد لا بشرط أن تكون مقارنة أو مجردة بل مع تجويز أن تقارنها العوارض وأن لا تقارنها وتكون مقولًا على المجموع حال المقارنة وهى الكلى الطبيعى والماهية لا بشرط شئ والحق وجودها فى الأعيان لكن لا من حيث كونها جزئيًا من الجزئيات المتحققة على ما هو رأى الأكثرين بل من حيث إنه يوجد شئ تصدق هى عليه وتكون عينه بحسب الخارج وإن تغايرا بحسب المفهوم ولهذا زيادة تحقيق أوردناه فى موضعه وإذا تقرر هذا فنقول: يجوز أن يكون المطلق هى الماهية من حيث هى لا بقيد الكلية ولا بقيد الجزئية، وإن كانت لا تنفك فى الوجود عن أحدهما، وهذه لا يستحيل وجودها لأن الكلية المنافية للوجود العينى ليست قيدًا فيها وشرطًا لها بهذا المعنى فلا يلزم أن يكون المطلق هو الجزئى من حيث هو جزئى كما ذكره المصنِّفُ ولا المشترك بالمعنى الذى يقابل الجزئى ولا يصدق عليه المطلق كما فهمه الخصم بل المطلق الذى يصدق على المشخص والمتعدد، فإن قيل: الكلية والجزئية متنافيان فعدم اعتبار أحدهما يوجب اعتبار الآخر لئلا يلزم ارتفاع النقيضين قلنا: اعتبار عدم النقيضين غير ارتفاعهما واللازم هو الأول والمحال هو الثانى.
المصنف: (فالمطلوب الفعل الممكن المطابق للماهية) هذا بظاهره ينافى ما قدمه من أن الأمر لا يدل على تكرار ولا مرة بل المطلوب به الماهية من حيث هى وتدفع تلك المنافاة بأن مقتضى العقل طلب الفرد لا أن مدلول اللفظ ذلك حتى ينافى ما تقدم إلا أن النزاع بين من يقول: إن الأمر بفعل مطلق أمر بالماهية وبين من
стр. 1228
يقول: إنه أمر بجزئى يكون على هذا لفظيًا فمن قال المطلوب هو المقيد أراد به بحسب المآل وعلى هذا لا يتوجه ما ذكره الشارح من أنه مبنى على عدم الفرق بين الماهية لا بشرط شئ بل كلام المصنف مبنى على أن الماهية فى غير ضمن الفرد يمتنع وجودها إذ وجودها بهذا النحو لا يكون إلا بصفة الكلية.
قوله: (لا من حيث كونها جزئيًا. . . إلخ) أى لأنه لو كان الكلى الطبيعى جزءًا خارجيًا من الأشخاص لزم اتصافه بصفات متضادة ووجوده فى زمان واحد فى أمكنة مختلفة؛ لأن حصول الجزئى فى الخارج يوجب حصول أجزائه الخارجية فيه.
стр. 1229
قال: (مسألة: الأمران المتعاقبان بمتماثلين ولا مانع عادة من التكرار من تعريف أو غيره والثانى غير معطوف مثل صل ركعتين صل ركعتين، قيل معمول بهما، وقيل تأكيد، وقيل بالوقف الأول فائدة التأسيس أظهر فكان أولى، الثانى كثر فى التأكيد ويلزم من العمل مخالفة براءة الذمة وفى المعطوف العمل أرجح فإن رجح التأكيد بعادى قدم الأرجح وإلا فالوقف).
أقول: إذا تعاقب أمران بمتماثلين فإنه يحتمل التأكيد فيكون المطلوب الفعل مرة ويحتمل التأسيس فيكون المطلوب الفعل مكررًا، اللهم إلا إذا وجد مانع عادة من التكرار مثل تعريف يرجع الثانى إلى الأول نحو صل ركعتين صل الركعتين، أو غير ذلك مثل: اسقنى ماء اسقنى ماء، فإن القرينة وهو دفع الحاجة بمرة واحدة غالبًا تمنع تكرار السقى، فحينئذ يتعين التأكيد، وأما إذا لم يوجد ما يمنع التكرار فإما أن لا يكون الثانى معطوفًا على الأول أو يكون فإن لم يكن معطوفًا مثل صلِ ركعتين صلِ ركعتين، فقيل معمول بهما فيجب التكرار، وقيل تأكيد فتجب المرة، وقيل بالوقف فيهما.
الأول: وهو القائل بأنه يعمل بهما، قال: فائدة التأسيس وهو إيجاب آخر أظهر من فائدة التأكيد، وهو نفى وهم التجوز لأن التأسيس أكثرى والتأكيد أقلى، والحمل على الأظهر أولى.
الثانى: وهو القائل بأنه تأكيد، قال: كثر التكرير وفى التأكيد ما لم يكثر فى التأسيس فيحمل عليه إلحاقًا للفرد بالأعم الأغلب، وأيضًا فيلزم من العمل بهما مخالفة براءة الذمة التى هى الأصل بخلاف التأكيد وما لا يفضى إلى مخالفة الظاهر أولى مما يفضى إليه أما إذا كان معطوفًا مثل صلِ ركعتين وصل ركعتين، فالعمل بهما أرجح لأن ورود التأكيد بواو العطف لم يعهد أو يقل فإن رجح فى المعطوف التأكيد بعادى من تعريف أو غيره وقع التعارض بين العطف ومانع التكرار ويصار إلى الترجيح فيقدم الأرجح وإن لم يوجد أرجح بأن يتساويا وجب الوقف.
قوله: (يرجع الثانى إلى الأول) أى يجعله عبارة عنه وإشارة إليه بناء على أن أصل اللام هو العهد فالمصنف جعل المانع العادى شاملًا للتعريف خلافًا للآمدى
стр. 1230
حيث قال: إن كان قابلًا للتكرار فإن كانت العادة تمنع من تكرره أو كان الثانى منهما معرّفًا فلا خلاف فى أنه للتأكيد واحترز بقوله: إن كان قابلًا للتكرار عن مثل صم هذا اليوم فإنه لا خلاف فى كونه للتأكيد ولو بالعطف ولم يتعرض له المصنِّفُ لظهوره ولولا أن المانع العادى متعارف فيما يمكن عقلًا لكان مثل هذا مندرجًا تحته.
قوله: (لأن التأسيس أكثرى) يعنى بالنظر إلى نفسه وأما فى التكرير فالتأكيد أكثرى كما سيجئ وقد ترجح التأسيس بأنه أصل والتأكيد فرع وبأن وضع الكلام للإفادة دون الإعادة.
قوله: (التى هى الأصل) صفة براءة الذمة والمراد براءة الذمة عن المرة الثانية، وأما مرة واحدة فحاصل على التقديرين ولذا قال الآمدى: إن فى العمل بهما تكثير مخالفة الأصل.
وقوله: (إلى مخالفة الظاهر) إشارة إلى أن مخالفة الأصل مخالفة الظاهر وقال الآمدى: هذا معارض بما يلزم فى التأكيد من مخالفة ظاهر الأمر من الوجوب أو الندب أو المشترك بينهما للقطع بأنه ليس ظاهرًا فى التأكيد وإذا تعارض الترجيحان بقى التأسيس سالمًا مع ما فيه من الاحتياط لاحتمال الوجوب فى نفس الأمر واعترض عليه بأن ترجيح التأسيس معارض بما سبق من ترجيح التأكيد يكون التكرير فيه أكثر نعم لو قيل تعارضت التراجيح فبقى الاحتياط سالمًا لكان وجهًا.
قوله: (من تعريف) مثل صل ركعتين وصل الركعتين (أو غيره) مثل اسقنى ماء واسقنى ماء.
قوله: (وقع التعارض بين العطف) المقتضى للتأسيس والتكرير والمنع العادى الملائم للتأكيد.
المصنف: (الأمران المتعاقبان بمتماثلين) احترز بالمتعاقبين عن المتراخيين فإنهما غيران قطعًا فيعمل بهما سواء كانا بمتماثلين أو بمتخالفين بعطف أو بدونه واحترز بقوله: بمتماثلين عن المتعاقبين بمتخالفين فهما غيران أيضًا قطعًا سواء كانا بعطف أو بدونه.
الشارح: (فإن رجح فى المعطوف. . . إلخ) غير مناسب لأن فرض المسألة على
стр. 1231
مقتضى شرحه أولًا عدم المانع من التكرار كذا ما فهمناه عند التعليقة الأولى والظاهر أن قوله: فإن رجح تفصيل فى المعطوف والحاصل أن المانع العادى من التكرار عند عدم العطف يتعين معه التأكيد وتركه لظهوره، وأما عند العطف فما اعتبر مانعًا عند عدم العطف يعتبر عند العطف مرجحًا للتأكيد فقط فيتعارض مع العطف المقتضى للتأسيس فيقدم الأرجح إن وجد وإلا فالوقف وعلى هذا فعند العطف لا يوجد مانع من التكرار، وقول الشارح: وقع التعارض بين العطف ومانع التكرار المراد بالمانع ما هو مانع عند عدم العطف وإن لم يكن مانعًا عند العطف فصح جعل مسألة الترجيح بعادى من تعلقات العطف مع أن فرض المسألة عدم المانع.
قوله: (من مخالفة ظاهر الأمر فى الوجوب. . . إلخ) رد بأنه فى صورة الحمل على التأكيد لا يلزم استعمال صيغة الأمر فى غير معناها من الوجوب أو الندب أو القدر المشترك لأنه لا شك أن زيدًا الثانى فى: جاءنى زيد زيد لم يدل إلا على ما يدل عليه زيد الأول ولم يكن مستعملًا فى غير معناه الحقيقى، ورد هذا الرد بأنه خلاف الغرض من وضع التركيب وهو إفادة فائدة جديدة ولا شك أنه فى التأكيد لا يحصل البتة.
قوله: (لاحتمال الوجوب فى نفس الأمر) قد يقال يحتمل حرمة العمل الثانى فى نفس الأمر لكنه احتمال خلاف الظاهر.
стр. 1232
(مباحث النهى)
قال: (النهى اقتضاء كف عن فعل على جهة الاستعلاء، وما قيل فى حد الأمر من مزيف وغيره فقد قيل مقابله فى حد النهى والكلام فى صيغته والخلاف فى ظهور الحظر لا الكراهية وبالعكس أو مشتركة أو موقوفة كما تقدَّم وحكمها التكرار والفور، وفى تقدُّم الوجوب قرينة، نقل الأستاذ الإجماع، وتوقف الإمام، وله مسائل مختصة).
أقول: حدّ النهى أنه اقتضاء كف عن فعل على جهة الاستعلاء والقيود قد عرفت فائدتها فى الأمر وما قيل فى حد الأمر من تعريف وغيره قيل مقابله فى حد النهى مثل أنه القول المقتضى طاعة المنهى بترك النهى عنه أو قول القائل لمن دونه لا تفعل أو لا تفعل مجردة عن القرائن الصارفة عن النهى أو صيغة لا تفعل بإرادات ثلاث: وجود اللفظ، ودلالته، والامتثال، والاعتراضات ما مرت هناك والخلاف فى أنه هل له صيغة وفى صيغته أهى ظاهرة فى الحظر دون الكراهية أو بالعكس أو مشتركة أو للمشترك أو موقوفة كما تقدَّم فى صيغة الأمر وتخالف الأمر فى أن حكمها حكم التكرار فينسحب حكمها على جميع الأزمان والفور فيجب الانتهاء فى الحال، وفى تقدُّم الوجوب قرينة دالة على أنه للإباحة، نقل الأستاذ الإجماع على أنه للحظر ولم يقل أحد إنه للإباحة كما فى الأمر، وتوقف الإمام فيه لقيام الاحتمال فهذه من المسائل المشتركة وللنهى مسائل مختصة لا يوجد مثلها فى الأمر وها هى نذكرها.
قوله: (اقتضاء كف) احترز بالكف عن الأمر وبقيد الاستعلاء عن الدعاء والالتماس، قال الشارح العلامة: والجواب عن لزوم كون مثل كف عن الزنا نهيًا، هو أن المراد كف عن فعل هو مأخذ اشتقاق المقتضى وقد سبق للمحقق فى بحث الوجوب والتحريم ما يشير إلى اختلافهما باختلاف الحيثيات والاعتبارات وأن مثل كف عن الزنا باعتبار الإضافة إلى الكف أمر وإلى الزنا نهى.
قوله: (ومن تعريف وغيره) قد عرفت أن ما عدا اقتضاء فعل غير كف على جهة
стр. 1233
الاستعلاء كله مزيف عند المصنِّف ومن سبقه فكذا مقابلها فالأربعة مذكورة فى الشرح والثلاثة الباقية خبر عن العقاب على الفعل؛ خبر عن استحقاق العقاب على الفعل إرادة ترك الفعل والاعتراضات ما مر فى باب الأمر مثل أن المنهى مشتق من النهى فيجئ الدور وأن الخبر يحتمل الصدق والكذب بخلاف النهى فإنه يرد التحقير ونحوه والمبلغ والحاكى والأدنى فإن أخذ النهى فى تعريف النهى دور وأن فيه تهافتًا وأنه يستلزم ترك المنهيات كلها.
قوله: (هل له صيغة) يعنى هل لاقتضاء الكف على سبيل الاستعلاء صيغة تخصه بمعنى أنها لا تستعمل فى غيره.
قوله: (أو مشتركة) أى لفظًا بين التحريم والكراهة (أو للمشترك) أى موضوعة للقدر المشترك بينهما وهو طلب الكف استعلاء (أو موقوفة) أى متوقف فيها بمعنى لا ندرى أنها لأى معنى وضعت.
قوله: (وفى تقدم الوجوب) قد يتوهم أنه عطف على قوله: فى أن حكمها وليس كذلك بل هو ابتداء كلام كما فى المتن والظرف متعلق بقوله: نقل الأستاذ والمعنى أن تقدم التحريم على صيغة افعل كان عند البعض قرينة على أنها للإباحة كما سبق من أن القائلين بكون صيغة افعل للوجوب، قد اختلفوا فيها إذا وردت بعد الحظر فذهب الأكثرون إلى أنها للإباحة وأما فى النهى فنقل الأستاذ إجماع القائلين بكون لا تفعل للتحريم على أنها قبل الإيجاب وبعده سواء فى كونها للحظر وأن ليس تقدم الإيجاب قرينة كونها للإباحة كما قالوا فى الأمر بأن صيغته بعد الحظر للإباحة، فقوله: (ولم يقل) معناه وقال لم يقل أحد (إنه) أى النهى بعد الوجوب للإباحة كما قال الأكثرون فى الأمر إنه بعد الحظر للإباحة، وتوقف إمام الحرمين فى أنه بعد الإيجاب هل للتحريم أو لا لقيام احتمال الإباحة ولما كان ظاهر عبارة المتن مشعرًا بأن الأستاذ نقل الإجماع على أن تقدم الوجوب قرينة ذهب الشارحون إلى أن المعنى أنه قرينة كون النهى الوارد بعده للحظر وأنت خبير بأنه لا معنى لكون تقدُّم الوجوب قرينة ذلك فالحق ما ذكره المحقق.
المصنف: (النهى اقتضاء كف عن فعل) أى طلب كف غير مستقل بالمفهومية بل لوحظ لغيره وهو المتعلق وذلك الكف هو الكف الجزئى المدلول لـ"لا" الناهية
стр. 1234
فخرج كف فإن المطلوب فيه نفس الكف وخرج كف عن الزنا فإن المقصود أيضًا نفس الكف وأما كونه عن الزنا فمستفاد من الحرف لا من كف.
المصنف: (على جهة الاستعلاء) تقدم أن الشارح لم يرتض هذا القيد فى الأمر فكذا لا يرتضيه فى النهى.
المصنف: (من مزيف) هو سبعة تعاريف ذكر الشارح فى مقابلها من النهى أربعة وذكر الثلاثة الباقية المحشى.
المصنف: (وحكمها التكرار والفور) قد يقال: إن التكرار يغنى عن الفور لأن الفور لازم له.
المصنف: (نقل الأستاذ الإجماع) أى على نفى كونه قرينة للإباحة فليس صيغة لا تفعل بعد الوجوب كصيغة افعل بعد النهى.
المصنف: (وتوقف الإمام) أى حيث قال فى البرهان: ذكر الأستاذ أبو إسحاق أن صيغة النهى بعد تقدم الوجوب محمولة على الخطر والوجوب السابق لا ينتهض قرينة على حمل النهى على رفع الوجوب وادعى الوفاق فى ذلك ولست أرى ذلك مسلمًا أما أنا فأسحب زيل الوقف عليه كما قدمته فى صيغة الأمر بعد الحظر، وما أرى المخالفين يسلمون ذلك. اهـ. وهذا لا يرد نقل الإجماع لأنه مجرد تخمين وإنما يرده نقل الخلاف.
قوله: (مثل أن المنهى مشتق من النهى فيجئ الدور) هذا وارد على تعريف النهى بأنه القول المقتضى طاعة المنهى بترك المنهى عنه، وقوله: وإن الخبر يحتمل الصدق والكذب بخلاف النهى هذا وارد على تعريفه بأنه خبر عن العقاب على الفعل، أو خبر عن استحقاق العقاب على الفعل وقوله: فإنه يرد التحقير ونحوه كالإرشاد والمبلغ والحاكى والأدنى وارد على تعريفه بأنه قول القائل لمن دونه لا تفعل فيرد نحو: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١]، ونحو: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، مع أن الأول للتحقير والثانى للإرشاد وقد شملهما التعريف وليسا من المعرف ويرد قول الحاكى والمبلغ لمن دونه لا تفعل مع أنهما ليسا نهيا ويرد قول الأدنى لمن هو أعلى منه: لا تفعل فلا يشمله التعريف مع أنه من المعرف فيكون التعريف غير جامع.
قوله: (وإن أخذ النهى فى تعريف النهى دور) وارد على تعريفه بأنه صيغة لا
стр. 1235
تفعل مجردة عن القرائن الصارفة عن النهى.
قوله: (وإن فيه تهافتًا) وارد على تعريفه بأنه صيغة لا تفعل بإرادات ثلاث: إرادة وجود اللفظ، وإرادة دلالته على النهى، وإرادة الامتثال فإنه لا معنى لإرادة دلالة لفظ: لا تفعل على لفظ لا تفعل وهذا إن أريد من النهى الصيغة.
قوله: (وأنه يستلزم ترك المنهيات كلها) هذا وارد على تعريفه بأنه إرادة ترك الفعل.
قوله: (أو مشتركة) أى اشتراكًا لفظيًا بين اثنين فقط هما الحظر والكراهة لا أكثر كما فى الأمر، أو اشتراكًا معنويًا أى للقدر المشترك بين اثنين فقط لا أكثر كما فى الأمر.
стр. 1236
قال: (مسألة: النهى عن الشئ لعينه يدل على الفساد شرعًا لا لغة وقيل لغة وثالثها فى الإجزاء لا السببية لنا أن فساده سلب أحكامه وليس فى اللفظ ما يدل عليه لغةً قطعًا، وأما كونه يدل شرعًا فلأن العلماء لم يزل يستدلون على الفساد بالنهى فى الربويات والأنكحة وغيرها وأيضًا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة للنهى ومن ثبوته حكمة للصحة واللازم باطل لأنهما فى التساوى ومرجوحية النهى يمتنع النهى لخلوه عن الحكمة وفى رجحان النهى تمتنع الصحة لذلك).
أقول: النهى عن الشئ قد يكون لعينه وقد يكون لصفته وكلامنا الآن فى المنهى عنه لعينه وأنه يدل على فساد المنهى عنه شرعًا لا لغةً، وقيل يدل عليه لغة وقيل يدل على الفساد إذا استعمل فى مقابلة الإجزاء وهو موافقة العبادة للأمر أو إسقاطها للقضاء لا إذا استعمل فى مقابلة السببية وهو استتباع المعاملة أثرها وذلك أن الصحة وهى مقابلة تستعمل فى الأمرين لنا إما أنه لا يدل على الفساد لغة فلأن فساد الشئ عبارة عن سلب أحكامه وليس فى لفظ النهى ما يدل عليه لغة قطعًا ولو قال: لا تبع هذا فإنك لو فعلت لعاقبتك ولكن يترتب عليه أحكامه لم يكن ظاهرًا فى التناقض وإما أنه تدل على الفساد شرعًا فلأن علماء الأمصار فى الأعصار لم يزالوا يستدلون على الفساد بالنهى فى أبواب الربا والأنكحة والبيوع وغيرها وأيضًا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهى ومن ثبوته حكمة يدل عليها الصحة واللازم باطل لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضتا وتساقطتا وكان فعله كـ "لا فعل" فامتنع النهى عنه لخلوه عن الحكمة وإن كانت حكمة النهى مرجوحة فأولى لفوات الزائد من مصلحة الصحة وهى مصلحة خالصة وإن كانت راجحة امتنع الصحة لخلوه عن المصلحة أيضًا بل لفوات قدر الرجحان من مصلحة النهى وأنها مصلحة خالصة.
قوله: (وأنه يدل على فساد المنهى عنه شرعًا) ظاهر الكلام أن هذا أوّل المذاهب وثانيها أنه يدل عليه لغة وثالثها أنه يدل عليه فى العبادات دون المعاملات، وليس كذلك بل أول الذاهب أنه يدل على الفاسد فى الجملة وثانيها أنه لا يدل عليه أصلًا، وثالثها: التفصيل، ثم اختلف أصحاب المذهب الأول فى أن دلالته على الفساد من جهة الشرع أو من جهة اللغة، واختلف أصحاب المذهب الثانى فى أنه
стр. 1237
هل يدل على الصحة أم لا على ما ستجئ الإشارة إليه فصارت تفاصيل المذاهب خمسة، وفى بعض الشروح أنها ستة، لأنه إما أن يدل فى العبادات والمعاملات أو لا يدل فيهما أو يدل فى العبادات دون المعاملات وعلى كل تقدير فإما شرعًا أو لغة وليس بشئ لأن عدم الدلالة فيهما لا يكون إلا مذهبًا واحدًا حتى لو فصل إلى أنه لا يدل لغة بل شرعًا فقط كان أحد المذاهب الباقية وعكسه لا يعقل مذهبًا لأحد، نعم لو فصل عدم الدلالة على الفساد إلى أنه هل يدل على الصحة أم لا؟ وصح تفصيل الدلالة فى العبادات خاصة إلى أنها بحسب اللغة أو الشرع كانت المذاهب ستة.
قوله: (إذا استعمل) أى الفساد (فى مقابلة الإجزاء) بأن يراد به عدم الإجزاء، والإجزاء عند الجمهور: موافقة العبادة للأمر وعند البعض إسقاط العبادة قضاءها بمعنى الإتيان بها بحيث لا يجب قضاؤها ولا يدل على الفساد إن أريد به ما يقابل السببية أى عدم استتباع المعاملة أثرها أى حكمها وثمرتها المطلوبة منها كالملك للبيع (وذلك) أى كون الفساد مستعملًا فى المعنيين لأنه مقابل الصحة المستعملة فى الأمرين أعنى الإجزاء المفسر بالتفسيرين والسببية المفسرة باستتباع الأثر ولم يزد الشارحون فى شرح قوله: وثالثها فى الإجزاء لا السببية على أنه يدل على الفساد فى العبادات لا المعاملات.
قوله: (سلب أحكامه) أى عدم ترتب ثمراته وآثاره عليه وهذا يتناول فساد العبادات والمعاملات لأن حكم العبادة حصول الامتثال أو سقوط القضاء.
قوله: (قطعًا) مشعر بأن الحكم ضرورى فيكون قوله: ولو قال: لا تبع. . . إلخ، تنبيهًا عليه وإن أريد أن هذا الحكم ثابت قطعًا فهذا استدلال عليه بمعنى أنه لو دل عليه لغة لكان هذا الكلام تناقضًا وليس بتناقض اتفاقًا.
قوله: (على الفساد بالنهى) يعنى قد تواتر أنهم كانوا يستدلون على الفساد لا على مجرد التحريم وبالنهى لا بخصوص القرائن فى الربا مثل: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، والأنكحة، مثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، والبيوع، مثل: "لا تبيعوا الذهب بالذهب. . . " الحديث.
قوله: (وهى) أى القدر الزائد من مصلحة الصحة مصلحة خالصة لا معارض
стр. 1238
لها من جانب الفساد لأن التقدير أن حكمة النهى مرجوحة وكذا قوله (وأنها) أى قدر الرجحان من مصلحة النهى مصلحة خالصة لا يعارضها شئ من مصلحة الصحة ففواتها يوجب امتناع الصحة بطريق الأولى فإن قيل هذا إنما يتم على قاعدة الحسن والقبح العقليين قلنا: لا بل مبناه على كون أحكام الشرع على وفق الحكم والمصالح وتصرفات العقلاء كحكم الاستقراء وإن لم يكن واجبًا.
المصنف: (لزم من نفيه) أى نفى المنهى عنه الذى يقتضيه النهى وقوله: ثبوته أى ثبوت المنهى الذى يقتضيه الصحة.
المصنف: (وأيضًا لو لم يفسد لزم من نفيه) أى نفى المنهى عنه الذى هو مقتضى النهى، وقوله: ومن ثبوته أى ثبوت المنهى عنه كما هو مقتضى الصحة.
قوله: (ظاهر الكلام أن هذا أول المذاهب. . . إلخ) قال ميرزاجان راد على المحشى: إن الأول: أنه يدل على الفساد شرعًا وهو المختار عند المصنف، الثانى: أنه يدل عليه لغة، الثالث: التفصيل، الرابع: عدم دلالته على الفساد مطلقًا لا شرعًا ولا لغة، الخامس: دلالته على الصحة دون الفساد.
قوله: (وعكسه لا يعقل) أى عكس أنه يدل على الفساد فى العبادات دون المعاملات وهو أنه يدل عليه فى المعاملات دون العبادات لا يعقل، وكان الأولى تقديمه عقب قوله: أو يدل فى العبادات دون المعاملات ولعل تأخيره من الناسخ.
стр. 1239
(قال: اللغة لم يزل العلماء وأجيب بفهمهم شرعًا بما تقدَّم، قالوا الأمر يقتضى الصحة والنهى نقيضه فيقتضى نقيضها، وأجيب بأنه لا يقتضيها لغة، ولو سلم فلا يلزم اختلاف أحكام المقابلات ولو سلم فإنما يلزم أن لا يكون الصحة لا أن يقتضى الفساد النافي لو دل لناقض تصريح الصحة ونهيتك عن الربا لعينه وتملك به يصح وأجيب بالمنع بما سبق).
أقول: هذه حجج المخالفين فالقائلون بأنه يدل على الفساد لغة.
قالوا: أولًا: ما ذكرنا فى دلالته شرعًا وهو قولنا: لم يزل العلماء يستدلون بالنهى على الفساد.
الجواب: أنه يدل على دلالته على الفساد وأما لغة فلا بل ذلك لفهمهم دلالته شرعًا لما تقدَّم من دليلنا على عدم دلالته لغة.
قالوا: ثانيًا: الأمر يقتضى الصحة لما مر والنهى نقيضه والنقيضان مقتضاهما نقيضان فيكون النهى مقتضيًا لنقيض الصحة وهو الفساد.
والجواب: أن الأمر يقتضى الصحة شرعًا لا لغة، ونقول بمثله فى النهى ومرادكم دلالته لغة ومثله ممنوع فى الأمر سلمنا ذلك لكن المتقابلات لا يجب اختلاف أحكامها لجواز الاشتراك فى لازم واحد فضلًا عن تناقض أحكامها سلمنا، لكن نقيض قولنا: يقتضى الصحة أنه لا يقتضى الصحة ولا يلزم منه أن يقتضى الفساد فمن أين يلزم فى النهى أن يقتضى الفساد، نعم يلزم أن لا يقتضى الصحة ونحن نقول به والنافى لدلالته على الفساد مطلقًا لغة وشرعًا قال: لو دل النهى على الفساد لكان مناقضًا للتصريح، بصحة المنهى عنه واللازم منتف لأنه يصح أن تقول: نهيتك عن الربا لعينه ولو فعلت لعاقبتك لكنه يحصل به الملك.
الجواب: منع الملازمة بما سبق أن الظهور لا يمنع التصريح بنقيضه الصارف هو عنه.
قوله: (لما تقدَّم) جعله دليلًا على أنهم إنما فهموا الدلالة بحسب الشرع دون اللغة فجعله إشارة إلى ما سبق من الدليل على عدم الدلالة لغة، والشارحون جعلوه دليلًا على الدلالة شرعًا، ففسروه بما سبق من دليله المعقول، أعنى حديث تساوى الحكمتين أو تفاوتهما.
стр. 1240
قوله: (لما مر) فى بحث الحكم من أن الصحة موافقة أمر الشرع، وفى مسألة الإجزاء من أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يحقق الإجزاء أو يستلزمه.
قوله: (سلمنا) أى وجوب تناقض أحكام المتقابلات لكن لا نسلم أنه يستلزمه المطلوب أعنى كون النهى مقتضيًا للفساد فإن حكم الأمر هو أنه يقتضى الصحة فنقيضه أنه لا يقتضى الصحة وهو أعم من اقتضاء عدم الصحة أعنى الفساد والأعم لا يستلزم الأخص هذا إذا أريد بأحكامها النسب الإيجابية أو السلبية وإن أريد مقتضياتها والآثار المترتبة عليها لم يتأت هذا الأخير ولزم الاقتصار على ما تقدَّم.
قوله: (لأنه يصح) أى لغة وشرعًا أن يقول نهيتك عن الربا لعينه صرح بذلك ليكون من محل النزاع وإلا فالنهى عن الربا إنما هو لوصفه وهو استعماله على الزيادة.
قوله: (بما سبق) يعنى فى مسألة الأمر بعد الحظر حيث قيل: لو كان ورود الأمر بعد النهى مانعًا من الوجوب لامتنع معه التصريح بالوجوب، وأجيب بمنع الملازمة فإن قيام الدليل الظاهر لا يمنع التصريح بخلافه بل التصريح يكون قرينة صارفة عن الحمل على الظاهر الذى يجب العمل عليه عند التجرد عن القرينة وهذا معنى قوله: (الصارف هو) أى ذلك التصريح (عنه) أى عن ذلك الظاهر، وفى بعض الشروح أن الظاهر أنه منع لنفى التالى أى لا نسلم صحة أن يقول نهيتك وتملك من غير تناقض لما نبين عن قريب أنهما لا يجتمعان.
المصنف: (فإنما يلزم أن لا يكون الصحة) أى أن لا توجد الصحة عند النهى.
قوله: (هذا إن أريد بأحكام النسب الإيجابية أو السلبية. . . إلخ) فيه أن تقرير الدليل بأن النهى والأمر نقيضان فمقتضاهما نقيضان صريح فى أنه لم يقصد بالأحكام النسب الإيجابية أو السلبية بل الآثار.
стр. 1241
(قال: القائل يدل على الصحة لو لم يدل لكان المنهى عنه غير الشرعى والشرعى الصحيح كصوم يوم النحر والصلاة فى الأوقات المكروهة، وأجيب بأن الشرعى ليس معناه المعتبر؛ لقوله ﷺ : "دعى الصلاة. . " وللزوم دخول الوضوء وغيره فى مسمى الصلاة. قالوا: لو كان ممتنعًا لم يمنع. وأجيب: بأن المنع للنهى وبالنقض بمثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا. .﴾ [النساء: ٢٢]، و"دعى الصلاة. . ". قولهم نحمله على اللغوى يوقعهم فى مخالفة أن المتنع لا يمنع ثم هو متعذر فى الحائض).
أقول: إن قومًا ممن قال بأن النهى لا يدل على الفساد لم يقتصر على ذلك حتى قال إنه يدلس على الصحة ونسب ذلك إلى محمد بن الحسن.
قالوا: أولًا: لو لم يدل على الصحة لكان المنهى عنه غير الشرعى واللازم منتف، أما الملازمة فلأن المنهى عنه إذا لم يكن صحيحًا لم يكن شرعًا معتبرًا؛ لأن الشرعى المعتبر هو الصحيح، وأما انتفاء اللازم فلأنا نعلم أن المنهى عنه فى صوم يوم النحر والصلاة فى الأوقات المكروهة إنما هو الصوم والصلاة الشرعيان لا الإمساك والدعاء.
الجواب: أن الشرعى ليس معناه المعتبر شرعًا بل ما يسميه الشارع بذلك الاسم، وهو الصورة المعينة صحت أم لا كما تقول صلاة صحيحة، وصلاة فاسدة، ويدل عليه قوله: "دعى الصلاة أيام أقرائك"، وصلاة الحائض لا تصح اتفاقًا، ثم يلزم أن يكون الوضوء وغيره من شرائط الصلاة داخلًا فى مفهوم الصلاة لأن الصلاة المعتبرة هى المقرونة بالشروط، وذلك باطل بالاتفاق على أنها شرائط الصلاة لا أركانها.
قالوا: ثانيًا: لو لم يكن صحيحًا لكان ممتنعًا عنه، فلا يمنع عنه لأن المنع عن الممتنع لا يفيد.
والجواب: أولًا أنه ممتنع بهذا المنع وإنما المحال منع الممتنع بغير هذا المنع، كما ذكرناه فى تحصيل الحاصل أنه إذا كان للحاصل بهذا التحصيل لم يمتنع. وثانيًا بأنه منقوض بمثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، ولا يدل على الصحة بالإجماع، وكذا قوله: "دعى الصلاة أيام أقرائك" فإن قيل فنحمله ههنا على اللغوى فلا يلزم الصحة، قلنا دليلكم قائم فى اللغوى وهو أنه حينئذ يمتنع منهم اللغوى وقد منعوا عنه فيوقعهم ذلك فى مخالفة ما قالوا من أن الممتنع لا يمنع عنه
стр. 1242
ثم حمله على اللغوى وإن أمكن فى نكاح منكوحات الآباء فإنه متعذر فى صلاة الحائض فإن اللغوى وهو الدعاء غير ممنوع عنه اتفاقًا.
قوله: (ونسب ذلك إلى محمد بن الحسن) سوق الكلام مشعر باستبعاد هذا الكلام حتى أن بطلانه يكاد يلحق بالضرورات للقطع بأن ليس مدلول "لا" تبع هذا بذاك سوى طلب الكف عنه وتحريمه إما مع لزوم الفساد أو بدونه، وأما كون الصحة مدلوله الضمنى أو الالتزامى فكلا والحنفية يقبلون القضية ويدعون ظهور لزومها ودلالة النهى عليها وإلا لم يتحقق الابتلاء ولم يكن للنهى معنى وهذا عندهم من المباحث المشهورة وتقريره أن الأفعال إما حسية كالشرب والزنا ونحو ذلك وهو ظاهر وإما شرعية وهى التى يكون لها مع وجودها الحسى وجود شرعى بأن اعتبر الشارع لها أركانًا وشرائط مخصوصة كالبيع والنكاح ونحوهما والنهى عن الشرعيات يقتضى صحتها ومشروعيتها لئلا يلزم العبث ولا يبطل الابتلاء ونحن نقول إنما يلزم ذلك لو كان بطلانها وعدم مشروعيتها قبل هذا النهى وأما إذا كان به فلا لأنه يتصوّر من المكلف الإتيان بحركات وأفعال مخصوصة لولا هذا النهى لكانت شرعية فنهاه الشارع عن ذلك وأخرجها بهذا النهى عن المشروعية والإجزاء.
قوله: (الجواب أن الشرعى ليس معناه المعتبر شرعًا) فى شرح العلامة أن هذا معارضة فى المقدمة الاستثنائية أو فى نفس الحكم أو نقض إجمالى والحق أن هذا بيان لاختلال نظم الدليل بأنه أخذ فى بيان الملازمة الشرعى المعتبر، وفى نفى اللازم الشرعى من غير قيد الاعتبار فأوهم أن الشرعى هو المعتبر شرعًا فبين المجيب أن ليس كذلك بل الشرعى أعم من المعتبر شرعًا وحينئذٍ إن أريد أنه لو لم يكن صحيحًا لم يكن شرعيًا أصلًا فالملازمة ممنوعة لأن الشرعى أعم من الصحيح وإن أريد أنه لم يكن شرعيًا معتبرًا فانتفاء اللازم ممنوع وهو ظاهر.
قوله: (ثم يلزم) أى لو كان الشرعى هو المعتبر شرعًا لزم كون شرائط الأفعال الشرعية أركانًا لها لأن المعتبر شرعًا هى المقرونة بجميع الشرائط أى المستجمعة لها وقد يمنع اللزوم بأن المعتبر شرعًا هو القيد لا المجموع.
قوله: (لو لم يكن صحيحًا لكان ممتنعًا عنه) أى عن المكلف بمعنى أنه لا يتصوّر له وجود شرعى وهو معنى الصحة فلا يمنع المكلف عنه.
стр. 1243
قوله: (كما ذكرناه) أى فى الكتب الكلامية حيث قيل تأثير المؤثر وإيجاده الأثر إن كان حال وجوده لزم تحصيل الحاصل وهو محال وإن كان حال عدمه لزم جمع النقيضين مع أنه حيث لا أثر ولا تأثير فأجيب بأنه حال وجوده الذى بهذا الإيجاد والمحال إيجاد ما وجد سابقًا بغير هذا الإيجاد وهذا ما قاله فى المنتهى وأجيب بأنه إنما امتنع للنهى فلم يمنع الممتنع.
قوله: (فنحمله) أى كلًا من النكاح والصلاة فى الآية والحديث على اللغوى فلا يكون فعلًا شرعيًا بل حسيًا، ونحن إنما نقول بلزوم الصحة فى الأفعال الشرعية إذ لا معنى للصحة والفساد فى الحسيات ولا امتناع فيها بواسطة نهى الشارع فلا يكون الدليل قائمًا وتمام تحقيقه فى أصول الحنفية.
المصنف: (والشرعى الصحيح) دليل الملازمة، وقوله كصوم يوم النحر دليل انتفاء اللازم هذا هو مقتضى حل الشارح وهو ظاهر فى الأول لا الثانى فإن الظاهر من المصنف أنه مثال للشرعى الصحيح، وكون صوم يوم العيد صيامًا صحيحًا قد قال به بعض الحنفية وكذا صحة الصلاة فى الأوقات المكروهة.
قوله: (وإلا لم يتحقق الابتلاء) يعنى أن النهى عنه يجب أن يكون متصور الوجود شرعًا بحيث لو أقدم عليه لوجد حتى يكون العبد مبتلى بين أن يقدم على الفعل فيعاقب بإقدامه وبين أن يكف عنه فيثاب بامتناعه.
قوله: (وهو ظاهر) أى ما له تحقق بمجرد الحس والنهى عن الحسيات ليس منعًا للممتنع حتى ينافى الابتلاء كما فى المنهى عنه الشرعى والنهى فى الحسيات الأصل فيه على مذهب الحنفية أن يكون لعينه إلا لدليل يدل على أنه لوصفه أو لمجاور، وحكم النهى للوصف حكم النهى للعين فلا يترتب على النهى عنه حكم شرعى فلا تثبت حرمة المصاهرة بالزنا وإنما تثبت بالولد وهو الأصل فى إيجاب الحرمة ثم تتعدى منها إلى الأطراف والأسباب كالوطء وتقريره أن الزنا بذاته لا يوجب حرمة المصاهرة حتى يرد الإشكال بأن النهى عن الحسيات لا يفيد حكمًا شرعيًا بل لأن الوالد يوجب الحرمة لأن الاستمتاع بالجزء لا يجوز، ثم تتعدى منه إلى أطرافه أى فروعه وأصوله كأمهات النساء وتتعدى أيضًا إلى الأسباب أى الولد هو موجب لحرمة أمهات النساء فأقيم ما هو سبب الولد مقام الولد فى إيجاب حرمتهن كما
стр. 1244
أقيم السفر مقام المشقة فى الترخيص وسبب الولد هو الوطء ودواعيه فجعلت موجبة لحرمة المصاهرة لا ذاتًا بل لتبعية الولد، وما يعمل بالخلفية يعتبر فى عمله صفة الأصل والأصل وهو الولد لا يوصف بالحرمة فالقائم مقامه وهو الوطء يعتبر بصفاته أى الولد لا بصفاته هو نفسه فالزنا من حيث هو زنا لا يترتب عليه الآثار وإن ترتب عليه من حيث كونه وطئًا مجردًا قائمًا مقام الولد وهو باعتبار قيامه مقام الولد الذى لا يوصف بالحرمة ليس حرامًا والمنهى عنه الشرعى الأصل فيه عندهم أن يرجع لغيره إلا لدليل يدل على أنه لوصفه أو الخارج والمنهى عنه لعينه باطل ولوصفه فاسد بوصفه صحيح بأصله، والمنهى عنه لخارج صحيح لا فساد فيه وعند الشافعى النهى الشرعى عند الإطلاق ينصرف إلى عين المنهى عنه فيكون باطلًا وإن دل الدليل على أن النهى لوصف المنهى عنه باطل أيضًا، وإن كان لمجاور فالنهى للكراهة هذا ما يؤخذ من التوضيح وشرحه وهو يقتضى أن المنهى عنه الشرعى لعينه لا خلاف فى فساده وعدم اعتباره شرعًا وذلك خلاف ما يفيده المصنف من وقوع الخلاف فيه.
قوله: (لولا هذا النهى لكانت شرعية) أى شرعية معتبرة وهو الصحيح.
قوله: (معارضة فى المقدمة الاستثنائية أو فى الحكم أو نقض إجمالى) لا وجه لذلك أصلًا، ولذا قال: والحق. . . إلخ.
стр. 1245
قال: (مسألة: النهى عن الشئ لوصفه كذلك خلافًا للأكثر، وقال الشافعى يضاد وجوب أصله يعنى ظاهرًا وإلا ورد نهى الكراهة، وقال أبو حنيفة ﵀ يدل على فساد الوصف لأنه المنهى عنه لنا استدلال العلماء على تحريم صوم يوم العيد بنحوه وبما تقدَّم من المعنى، قالوا دل لناقض تصريح الصحة وطلاق الحائض وذبح ملك الغير معتبر وأجيب بأنه ظاهر فيه وما خولف فبدليل صرف النهى عنه).
أقول: ما ذكرناه هو المنهى عنه لعينه وأما المنهى عنه لوصفه مثل عقد الربا حرام لاشتماله على الزيادة فهو كذلك أى يدل على الفساد خلافًا للأكثر، وقال الشافعى النهى عن الصوف بضاد وجوب أصله ومعنى قول الشافعى رضى اللَّه عنه أنه ظاهر فى عدم وجوب أصله فيضاد وجوب الأصل ظاهرًا لا أنه يضاده عقلًا، وإلا ورد عليه نهى الكراهة ولزم أن لا يجامع مع وجوب أصله لأن نسبة الكراهة والتحريم إلى الوجوب فى التضاد سواء فلو لم يجامع أحدهما لم يجامع الآخر وذلك يوجب أن لا يتأدى الواجب بالصلاة والصوم المكروهين وأنه باطل إجماعًا، وقال أبو حنيفة رضى اللَّه عنه يدل على فساد الوصف ولا يدل على فساد أصله وهو المنهى عنه لوصفه حتى لو طرح الزيادة عاد عقد الربا صحيحًا، لنا استدلال العلماء على فساد صوم يوم العيد بنهى الرسول عنه وليس ذلك نهيًا عنه لأنه صوم بل لأنه فى يوم العيد وأنه وصف وأيضًا ما تقدَّم من المعنى وهو التقسيم فى مصلحة النهى والصحة وأنهما متساويان أو لا. . . إلخ، قالوا: لو دل النهى عن الشئ لوصفه على الفساد لناقض النهى التصريح بالصحة ولا تناقض كما مر وأيضًا وجب أن لا يعتبر طلاق الحائض ولا ذبح ملك الغير لحرمته إجماعًا، وهما معتبران.
والجواب: أنه ظاهر فى الفساد وقد علمت أنه يجوز التصريح بخلاف الظاهر وأنه يجوز مخالفة الظاهر للدليل فلعل ما ذكرتم من الصور خولف فيه الظاهر لدليل صرف النهى عنه إلى وصفه.
قوله: (وأما المنهى عنه لوصفه) قال الشارح العلامة هو أن ينهى عن الشئ مقيدًا بصفة نحو لا تصل كذا, ولا تبع كذا، وحاصله ما ينهى عن وصفه لا ما يكون الوصف علة للنهى على ما تشعر به عبارتهم، وهذا يخالف المنهى عنه لغيره لأنه الذى نهى فيه عن أمر يقارنه نحو الصلاة فى الأرض المغصوبة فإن النهى عنها لشغل حيز الغير الذى هو المنهى عنه لعينه والخلاف المشهور ههنا هو أن الشارع إذا
стр. 1246
أوجب الصوم وحرم إيقاعه فى يوم النحر فمتعلق التحريم عند أبى حنيفة ﵀ هو إيقاع الصوم فيه الذى هو وصف المنهى عنه لا نفسه فلا يضاد وجوب أصله لتغاير المتعلقين وعند الشافعى ﵀ يضاد وجوب أصله لأن تحريم إيقاع الصوم فى اليوم تحريم للصوم وكلام المصنِّف سيما فى المنهى صريح فى أن الخلاف ههنا كالخلاف فى المنهى عنه لعينه واللَّه أعلم.
قوله: (لا أنه) أى النهى عن الوصف (يضاده) أى وجوب الأصل عقلًا كان الأنسب أن يقول قطعًا لأنه المقابل للظاهر (وإلا ورد عليه) أى على ما ذكره الشافعى (نهى الكراهة) كالصلاة فى الأماكن المكروهة مع أنها تقع عن الواجب وأما إذا أراد أنه يضاده ظاهرًا لم يرد ذلك لأن الظاهر قد يندفع بمعارض أقوى وهو الإجماع على أن ما نهى نهى الكراهة فأصله واجب وقد يعتذر بأن كلام الشافعى فيما إذا كان النهى لوصف ونهى الكراهة ليس كذلك بل هو لأمر مجاور وبينهما فرق، وأما الحنفية فيفرقون بين المنهى عنه لذاته ولجزئه ولوصف لازم ولوصف مجاور ويحكمون فى البعض بالصحة وفى البعض بالفساد فى الأصل أو فى الوصف ولهم فى ذلك فروق وتدقيقات تطلب من أصولهم.
قوله: (ينهى الرسول) شرح لقوله فى المتن: بنحوه.
وقوله: (وأيضًا ما تقدَّم) شرح لقوله: وبما تقدَّم إشعارًا بأنه ليس عطفًا على نحوه كما هو الظاهر بل على ما قبله أى ويحتج أيضًا بما تقدَّم وهو أنه لم يفسد لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهى ومن ثبوته حكمة تدل عليها الصحة واللازم باطل لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضتا وتساقطتا فامتنع النهى لخلوه عن الحكمة، وإن كانت حكمة النهى مرجوحة فأولى بالامتناع وإن كانت راجحة امتنع الصحة لخلوها المصلحة.
قوله: (كما مر) أى فى المنهى عنه لعينه فكما جاز أن يقول نهيتك عن الربا لعينه لكن لو فعلت تملك فكذا نهيتك عن الربا لاشتماله على الزيادة ولو فعلت تملك ونهيتك عن الصلاة فى وقت كذا أو مكان كذا ولو صليت صحت.
قوله: (صرف النهى عنه) أى عما خولف فيه يعنى ذات المنهى عنه وأصله إلى وصفه فصار الفاسد هو الوصف لا الأصل وإن كان الظاهر عند التجرد عن القرائن فصار الأصل وما ذكره العلامة من أن الدليل صرف النهى عن الوصف إلى أمر خارج فبعيد جدًا.
стр. 1247
قال: (مسألة: النهى يقتضى الدوام ظاهرًا، لنا استدلال العلماء مع اختلاف الأوقات قالوا: نهيت الحائض عن الصلاة والصوم قلنا لأنه تعبد).
أقول: النهى يقتضى دوام ترك المنهى عنه عند المحققين اقتضاء ظاهرًا فيحمل عليه إلا إذا صرف عنه دليل وقد خالف فى ذلك شذوذ. لنا لم يزل العلماء يستدلون بالنهى على الترك مع اختلاف الأوقات ولا يخصصونه بوقت دون وقت ولولا أنه للدوام لما صح ذلك، قالوا: لو كان للدوام لما انفك عنه وقد انفك فإن الحائض نهيت عن الصلاة والصوم ولا دوام.
الجواب: أن كلامنا فى النهى المطلق وهذا مختص بوقت الحيض لأنه مقيد به فلا يتناول غيره ألا ترى أنه عام لجميع أوقات الحيض.
قوله: (وقد خالف فى ذلك شذوذ) حيث ذهبوا إلى أنه لمطلق طلب الكف من غير دلالة على الدوام والمرة كما فى الأمر احتجاجًا بأنه قد يستعمل فى كل منهما والمجاز والاشتراك خلاف الأصل فهو للقدر المشترك فلا يرد عليهم ما قيل لو كان للمرة لكان حمله على الدوام فى النهى عن الزنا وشرب الخمر، ونحو ذلك مجازًا والأصل عدمه.
قوله: (لما انفك عنه) أى النهى عن الدوام وقيل بالعكس.
قوله: (ألا ترى أنه عام) توضيح لكونه للدوام المطلق عند التجرد عن القرائن وذلك أنه لما قيد بوقت الحيض على الإطلاق أفاد عموم تلك الأوقات التى هى بمنزلة عموم جميع الأوقات فى المطلق على الإطلاق.
стр. 1248
(مباحث العام والخاص)
قال: (العام والخاص، أبو الحسين: العام اللفظ المستغرق لما يصلح له وليس بمانع لأن نحو عشرة ونحو ضرب زيد عمرًا يدخل فيه، الغزالى: اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا وليس بجامع لخروج المعدوم والمستحيل لأن مدلولهما ليس بشئ والموصولات لأنها ليست بلفظ واحد ولا مانع لأن كل مثنى يدخل فيه ولأن كل معهود ونكرة يدخل فيه، وقد يلتزم هذين، والأولى ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة، فقوله: اشتركت فيه ليخرج نحو عشرة ومطلقًا ليخرج المعهودون وضربة ليخرج نحو رجل والخاص بخلافه).
أقول: من أقسام المتن العام والخاص فتكلم فيهما وبدأ بحد العام، قال أبو الحسين البصرى: العام هو اللفظ المستغرق لما يصلح له وزاد بعض المتأخرين بوضع واحد احترازًا عن خروج المشترك إذا استغرق جميع أفراد معنى واحد واعترض عليه بأنه ليس بمانع لأن نحو عشرة ومائة يدخل فيه وكذلك ضرب زيد عمرًا إلا أنه يستغرق ما يصلح له إذ لا يخرج عنه شئ من المتعدد والذى يمكن أن يفيده وهو معنى الاستغراق مع أنه ليس بعام، ولا يخفى عليك أن ما يصلح له عشرة جميع العشرات لا ما يتضمنه من الآحاد، وعشرة لا يستغرقها إنما يتناولها تناول صلوحية على البدل، والجملة لا تصلح لمعانى أجزائها، وقال الغزالى العام اللفظ الواحد القال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا وفوائد القيود ظاهرة، واعترض عليه بأنه ليس بجامع ولا مانع أما أنه ليس بجامع فلخروج لفظ المعدوم والمستحيل فإنه عام ومدلوله ليس بشئ وأيضًا الموصولات بصلاتها من العام وليس بلفظ واحد، وأما أنه ليس بمانع فلأن كل مثنى يدخل فى الحدّ مع أنه ليس بعام، وأيضًا فكل جمع لمعهود أو لنكرة يدخل فيه وليس بعام إلا أن الغزالى يلتزم هذين ويرى أن جميع المعهود والنكرة عامان فلا يرد عليه، وقد يجاب عن الأول بأن المستحيل والمعدوم شئ لغة، وإن لم يكن شيئًا بالمعنى المتنازع فيه فى الكلام، وهو كونه متقررًا حال العدم، وعن الثانى بأن الموصولات هى التى يثبت لها العموم والصلات مبينة لأن الموصولات مبهمة لا يعلم أنها لماذا هى إلا بالصلة أو المراد
стр. 1249
باللفظ الواحد أن لا يتعدد بتعدد المعانى، وعن الثالث بأن المثنى تناوله لكل اثنين تناول احتمال لا تناول دلالة إلا بقرينة فلا يكون هو الدال بل معها وأيضًا لا يصدق عليه أنه يدل على معنيين فصاعدًا إذ لا يصلح لما فوق الاثنين، وعن الرابع يعلم مما ذكرنا أو يلتزم كما مر ثم ذكر المصنِّفُ أن الأولى أن يقال العام ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة فقوله ما دل كالجنس، وقوله على مسميات أخرج نحو زيد وقوله باعتبار أمر اشتركت فيه ليخرج نحو عشرة، فإن العشرة دل على آحاده لا باعتبار أمر اشتركت فيه لأن آحاد العشرة أجزاء لا جزئيات فلا يصدق على واحد واحد أنه عشرة، وقوله مطلقًا ليخرج المعهود فإنه يدل على مسميات باعتبار ما اشتركت فيه مع قيد خصصه بالمعهودين قوله: ضربة أى دفعة واحدة ليخرج نحو رجل وامرأة، فإنه يدل على مسمياته لا دفعة بل دفعات على البدل.
قوله: (احترازًا عن خروج المشترك) إذ لولا هذا القيد لما صدق الخبر على لفظ العين المتناول لجميع أفراد الباصرة مع أنه عام وللزم فى عمومه استغراقه لجميع أفراد معانيه المتعددة وهذا معنى قول الإمام فى المحصول إن قولنا بوضع واحد احترازًا عن المشترك والذى له حقيقة ومجاز فإن عمومه لا يقتضى أن يتناول مفهوميه معًا ومن ترك هذا القيد فكأنه نظر إلى أن ما يصلح له المشترك بحسب إطلاق واحد ليس هو جميع أفراد المفهومين بل أفراد مفهوم واحد ووجه ورود الاعتراضين أنه إن أريد بصلوحه للجميع أن يكون الجميع جزئيات مفهومه لم يصدق على مثل الرجال والمسلمين المتناول لكل فرد فرد وإن أريد أن تكون أجزاءه لم يصدق على مثل الرجل ولا رجل ونحو ذلك مما الجميع من جزئياته لا أجزائه فتعين أن يراد الأعم فيصدق على مثل العشرة والمائة من أسماء الأفراد ومثل ضرب زيدٌ عمرًا من الجمل المذكور فيها ما هو أجزاؤها من الفعل والفاعل والمفعول ولا يتم جواب المحقق عن الأول بأن العشرة لا تتناول جميع ما تصلح له وهى العشرات وعن الثانى بأن الجملة يعنى مثل ضرب زيد عمرًا لا تصلح لما تناولته من معانى أجزائها إذ لا تطلق عليها أصلًا يعنى قد انتفى فى الأول قيد التناول وفى الثانى قيد الصلوح ويمكن أن يقال المراد صلوح اسم الكلى
стр. 1250
للجزئيات، وعموم مثل الرجال والمسلمين، إنما هو باعتبار تناوله للجماعات دون الآحاد وحينئذٍ يتم الجواب ومن الشارحين من لم يقف على مراد المعترض فأجاب بأن مثل ضرب زيد عمرًا إن تناول جميع أفراد ضرب زيد عمرًا فعام وإن لم يتناول فغير داخل فى التعريف وقد تقرر الاعتراض ويقال إن أريد صلوح الكلى للجزئيات خرج مثل الرجال والمسلمين، أو الكل للإجزاء خرج مثل الرجل ولا رجل أو أحدهما، دخل مثل العشرة وضرب زيد عمرًا أو كلاهما خرج عموم البسائط باعتبار تناولها الجزئيات مثل النقطة والوحدة وفيما ذكرنا ما يشير إلى دفعه ثم ههنا بحث آخر وهو أن المعترض لما حمل الصلوح على المعنى الأعم فلا وجه لتخصيص الاعتراض بمثل العشرة والمائة، بل يرد مثل زيد ورجل وسائر ما هو موضوع للمعانى المركبة وإن خصصه بجميع ما يصلح له من الأجزاء المتشابهة فى الاسم والحد كأحد العشرة بخلاف أعضاء زيد على ما فهمه البعض فلا وجه للاعتراض بمثل ضرب زيد عمرًا وفى هذا المقام زيادة أبحاث تطلب من شرح التنقيح.
قوله: (وهو معنى الاستغراق) إشارة إلى أن المراد معناه اللغوى فلا يردّ اعتراض الآمدى بأنه يرادف العموم فلا يصح تعريفه به إذ المقصود تعريف الحقيقة لا شرح الاسم.
قوله: (وفوائد القيود ظاهرة) فإن اللفظ بمنزلة الجنس مع الإشعار بأن العموم من عوارض الألفاظ خاصة واحترز بالواحد عن مثل ضرب زيد عمرًا ومثل زيد قائم وسائر المركبات الدالة على معانى مفرداتها وبقوله من جهة واحدة عن المشترك كالعين مثلًا فإنه يدل على الباصرة من جهة وضعه لها واستعماله فيها وعلى الجارية من جهة الوضع لها والاستعمال فيها وقيل عن مثل رجل فإنه يدل على كل واحد على سبيل البدلية لكن من جهات أى إطلاقات متعددة، وبقوله: (على شيئين) عن مثل زيد ورجل مما مدلوله شئ واحد، وقوله: (فصاعدًا) ليدخل فيه العام المستغرق مثل الرجال والمسلمين ولا رجل إذ المتبادر إلى الفهم من قولنا شيئين أن مدلوله لا يكون فوق الاثنين.
قوله: (وهو) أى المعنى المتنازع فيه هو أن المعدوم حال العدم هل له تقرر وثبوت فى الخارج؟ وهل الثبوت أعم من الوجود وأما أنه هل يطلق عليه لفظ الشئ
стр. 1251
فبحث لغوى مرجعه إلى اللغة وقد صح عن سيبويه وأضرابه أن الشئ اسم لما يصلح أن يعلم ويخبر عنه.
قوله: (كل مثنى) مبناه على أن الشئ يتناول المعدوم والمستحيل كما هو مقتضى تعريفه وإلا فلا يصدق على مثل المعدومين والمستحيلين وكذا الكلام فى كل جمع لمعهود أو لنكرة.
قوله: (يلتزم هذين) فسره المحقق بدخول جمع المعهود وجمع النكرة وجمهور الشارحين بدخول كل مثنى ودخول كل جمع لمعهود أو نكرة ولا خفاء فى أنه أقرب وأنسب.
قوله: (أو المراد) يعنى لو سلم أن العام هو الموصول مع الصلة لا الموصول وحده فالمراد بوحدة اللفظ أن لا يتعدد بتعدد المعانى كرجل، فإن أى فرد يراد منه مما يصلح هو له فاللفظ بحاله لا يتغير ولا خفاء فى أن الموصول مع الصلة كذلك، فإن قولنا الذى فى الدار لا يتغير سواء أريد به زيد أو عمرو أو غيرهما ممن يصدق عليه أنه فى الدار بخلاف مثل زيد قائم وضرب زيد عمرًا ولقائل أن يقول إن أريد بالدلالة المطابقة فأمثال هذا لا يدلس على شيئين وإن أريد به الأعم دخل فى حد العام مثل الإنسان والعشرة وسائر الألفاظ التى لها مدلولات تضمنية.
قوله: (وعن الثالث) فى غاية السقوط لأن الاعتراض بدخول كل مثنى ليس باعتبار أنه يدل على كل اثنين بل أنه يدل على شيئين وهو ظاهر وأما إذا دل على كل اثنين مثل أكرم كل زوجين ولا تضرب زوجين فلا نزاع فى عمومه، وأما جوابه الآخر وهو أن المثنى لا يدل على شيئين فصاعدًا بل على شيئين فقط فمبناه على أن قولنا بعه بدرهمين فصاعدًا معناه الأمر بأن يبيعه بما فوق الدرهمين حتى لو باعه بدرهمين لم يكن ممتثلًا، والحق خلاف ذلك على ما لا يخفى وتحقيقه أنه حال محذوف العامل أى فيذهب الثمن صاعدًا بمعنى أنه قد يكون فوق الدرهمين والعام يدل على شيئين ويذهب المدلول صاعدًا أى قد يكون فوق الشيئين.
قوله: (وعن الرابع) لا يستقيم عطفه على ما تقدمه بل التقدير والجواب عن الرابع يعلم بما ذكرنا وهو أن تناول جمع المعهود والنكرة تناول احتمالك لا تناول دلالة وقد علمت ما فيه.
стр. 1252
وقوله: (أو يلتزم) عطف على ناظر إلى المعنى إذ لا يستقيم عطفه على يعلم على ما لا يخفى أى يلتزم الغزالى كون الجمع المعهود والنكرة عامًا إذ يكفى عنده انتظام جمع من المسميات بل اثنين منها وإذ قد مر ذلك مصرحًا به فى المتن أيضًا كان الأولى أن لا يذكر ههنا.
قوله: (ما دل كالجنس) مع التنبيه على أن العموم لا يخص الألفاظ ويدخل فيه الموصول مع الصلة والمسميات تعم الموجود والمعدوم ويخرج المثنى والمراد المسميات التى يصدق على كل منها ذلك الأمر المشترك فيخرج أسماء الأعداد لأن دلالتها على الآحاد ليست باعتبار أمر يشترك فيه بمعنى صدقه عليها ويدخل المشترك باعتبار استغراقه لأفراد أحد مفهوميه دون أفراد المفهومين وكذا المجاز باعتبار أفراد نوع مّا من العلاقات وفى كلامه إشارة إلى أن قوله باعتبار متعلق بقوله دل وكذا قوله ضربة وإن قوله مطلقًا قيد لما اشتركت فيه فيخرج جمع المعهود مثل جاءنى رجال فأكرمت الرجال، ويشكل بالجموع المضافة مثل علماء البلد، فإنه أيضًا مع قيد التخصيص والجواب أن الأمر المشترك فيه هو العالم المضاف إلى ذلك البلد وهو فى هذا المعنى مطلق بخلاف الرجال المعهودين فإنه لم يرد بهم أفراد الرجل المعهود على إطلاقه بل مع خصوصية العهد فليتأمل وأما جمع النكرة فالظاهر أنه داخل وعمومه خلاف ما اختاره، وقد يقال المراد مسميات الدال حتى كأنه قال ما دل على مسمياته أى جميع جزئيات مسماه ورجال ليس كذلك، وأنت خبير بأنه لا حاجة إلى قوله باعتبار أمر اشتركت فيه لأن عشرة مثلًا لا يدل على جميع مسمياته وأنه لا يتناول مثل الرجال والمسلمين باعتبار شموله أفراد الرجل والمسلم والحاصل أنه إن أريد مسميات على التنكير دخل جموع النكرات باعتبار الدلالة على الآحاد وإن لم يدخل باعتبار الدلالة على الجموع لأنها ليست ضرورية وإن أريد مسميات ما دل خرج مثل الرجال والمسلمين باعتبار الآحاد ولزم أن يكون عمومه باعتبار أنه يتناول كلًا من الجموع كما هو مذهب البعض لا من الآحاد كما هو الحق ولم يحتج إلى قوله باعتبار أمر اشتركت فيه وغاية ما يمكن أن يقال هو أن المراد مسميات ذلك اللفظ كمن وما هو أو مسميات ما اشتمل عليه ذلك اللفظ تحقيقًا كالرجال والمسلمين أو تقديرًا كالنساء لأنه بمنزلة الجمع للفظ يرادف المرأة وحينئذٍ يكون قيد باعتبار أمر اشتركت فيه للبيان والإيضاح.
стр. 1253
المصنف: (اللفظ المستغرق لما يصح له) معنى المستغرق المتناول دفعة وما فيما يصلح واقعة على المعنى والضمير فى يصلح عائد على اللفظ فالصلة جرت على غير ما هى له ولم يبرز لا من اللبس.
الشارح: (لما يصلح له) قيد لبيان الواقع لا للاحتراز ليس لنا لفظ يتناول ما لا يصلح له، ولكن فى هذا القيد تنبيه على أن العموم شمول اللفظ لما صدق عليه من المعانى كالعقلاء بالنسبة لمن وغيرهم بالنسبة لما لا بالنسبة لكل شئ.
الشارح: (احترازًا عن خروج المشترك) قال الأبهرى: وكذا عن دخوله حيث يراد به أفراد مفهوميه. اهـ. وهو غير صحيح لأن الحق أن المشترك المستعمل فى جميع أفراد معنييه أو معانيه عام وكذا اللفظ المستعمل فى أفراد معناه الحقيقى وأفراد معناه المجازى على سبيل الاستغراق عام، فذكر قيد بوضع واحد مفسد ولا يرد أنه لا يشمل المشترك المتناول جميع أفراد معنى واحد فإنه عام مع أنه ليس متناولًا جميع ما يصلح له لأنه مع قرينة المعنى الواحد لا يصلح لغيره فصح أنه متناول لجميع ما يصلح له.
الشارح: (فلأن كل مثنى يدخل فى الحد) أى كل مثنى دل على شيئين كما هو مقتضى الاعتراض الأول من خروج المعدوم والمستحيل فقول المحشى مبناه على أن الشئ يتناول المعدوم والمستحيل لا يناسب الاعتراض الأول واللائق تناسب الاعتراضات فى المبنى.
قوله: (وللزم فى عمومه. . . إلخ) أى واللازم باطل لأنه كما أنه عام عند استغراقه لجميع أفراد معانيه كذلك عام عند استغراقه لأفراد معنى واحد، هذا إذا نزلنا كلام المحشى على الحق المتقدم وأما إذا نزلناه على ما يأتى فيما كتبه على قوله جهة واحدة فبطلان اللازم بأنه عند استغراقه لجميع أفراد معانيه ليس بعام وسيأتى رده إلا إذا كان المراد أنه لا يصح استعمال المشترك فى أفراد المعنيين أو المعانى.
قوله: (وهذا معنى قول الإمام فى الحصول أن قولنا بوضع واحد احتراز عن المشترك) أى أن معناه احتراز عن خروجه.
قوله: (والذى له حقيقة ومجاز) أى يحترز عن خروجه باعتبار تناوله لجميع أفراد المعنى الحقيقى فقط أو المجازى فقط.
стр. 1254
قوله: (ووجه ورود الاعتراضين) أى الاعتراض بدخول نحو عشرة من أسماء العدد والاعتراض بدخول نحو ضرب زيد عمرا من الجمل المذكور فيها ما هو أجزاؤها، وقوله وعن الثانى بأن الجملة يعنى ضرب زيد عمرًا لا تصلح لما تتناوله. . . إلخ. يعنى أنها لا تطلق على واحد من تلك الأجزاء بحيث يراد منها على حدته وإنما يطلق كل لفظ منها على معناه والمجموع للجموع فلا صلاحية فيها.
قوله: (وحينئذ يتم الجواب) لا حاجة فى الجواب إلى ما ارتكبه سيما وأنه خلاف التحقيق من أن أفراد الجمع المستغرق آحاد لا جموع بل الحق فى الجواب أنه قد اشتهر فيما بينهم أن اللام تبطل الجمعية فلا يرد النقض بالرجال والمسلمين إذ يصدق عليهما أنهما يستغرقان جميع جزئيات مفهومهما بعد اللام وهو المقرر.
قوله: (خرج عموم البسائط باعتبار تناولها الجزئيات) أى لا باعتبار آخر الذى هو تناول الأجزاء لعدم وجوده.
قوله: (وفيما ذكرنا ما يشير إلى دفعه) وهو أن المراد صلوح الكلى لجزئيات ومثل الرجال والمسلمين أفراده جماعات.
قوله: (فلا وجه لتخصيص الاعتراض. . . إلخ) قد يقال وجهه أن التركيب فيهما أظهر منه فى غيرهما ويكفى للتمثيل ذكر بعض الأمثلة الواضحة.
قوله: (إذ المقصود. . . إلخ) تعليل لعدم صحة تعريف العموم بالاستغراق فهو من كلام الآمدى.
قوله: (وبقوله من جهة واحدة عن المشترك كالعين مثلًا) هذا إنما يظهر على القول بأن المشترك المستعمل فى أفراد معنيين أو أكثر ليس عامًا وكذا اللفظ باعتبار المعنى الحقيقى والمجازى وقد تقدم أن الحق خلافه.
قوله: (ليدخل فيه العام المستغرق مثل الرجال. . . إلخ) يرد أنه إذا كان لا يدخل العام إلا بقوله فصاعدًا فلا حاجة لقوله على شيئين بل كان بقول ما دل على أكثر من اثنين ويحذف قوله فصاعدًا.
قوله: (وهو) أى المعنى. . . إلخ. هذه القولة مقدمة على ما بعدها.
قوله: (ولا خفاء فى أنه أقرب وأنسب) أما الأقربية فلأنه لا فرق يؤثر بين المثنى والجمع وأما الأنسبية فلأن المصنف عبر بقوله لأن كل مثنى يدخل فيه وبقوله ولأن
стр. 1255
كل معهود ونكرة يدخل فيه فأتى بأن فى الأول وفى الثانى لكن الذى فى الأبهرى أن الشارح فسر قول المصنف هذين بجمع المعهود والنكرة كما قال الشارحون لأنه لم يقل أحد أن التثنية من ألفاظ العموم ولأن الغزالى حصر صيغ العموم فى خمسة أنواع؛ الأول: أسماء الجموع، الثانى: أسماء الشرط والموصول، الثالث: النكرة فى سياق النفى، الرابع: المفرد المحلى بـ "ال"، الخامس: نحو كل وجميع ولم يعد ألفاظ التثنية منها.
قوله: (فالمراد بوحدة اللفظ أن لا يتعدد) أشار بذلك إلى التأويل فى قول الشارح أو المراد باللفظ الواحد أن لا يتعدد بأن المعنى أو المراد بوحدة اللفظ وإلا فلا يصح لأن اللفظ الواحد ليس هو أن لا يتعدد كما هو ظاهر.
قوله: (بخلاف مثل زيد قائم وضرب زيد عمرًا) أى فإن اللفظ فيهما ليس واحدًا بل متعدد بتعدد المعانى التى اشتمل عليها الترغيب، وقوله فأمثال هذا أى الموصول لا يدل على شيئين أى بحيث يكون كل واحد منهما مدلولًا مطابقيًا أى وحينئذ فالدلالة على شيئين تخرج الموصول ولو اعتبرناه بصلته لفظًا واحدًا.
قوله: (وإن أريد. . . إلخ) الجواب: إنا نختار الشق الأول ونقول أن الموصول على القول بأنه موضوع للجزئيات بوضع عام دلالته عليها مطابقية لأن لفظ من الموصولة مثلًا يدل مع الصلة على زيد إن أريد به زيد وعلى عمرو إن أريد به عمرو وهكذا فإن أريد الجميع فقد دل على أشياء كل منها يدل عليه اللفظ مطابقة عند الانفراد وعلى القول بأنه موضوع للكلى بشرط استعماله فى الجزئى فذلك المفهوم يتعدد بتعدد الجزئى المراد به عند الاستعمال فقد دل اللفظ على شيئين كل منهما يدل عليه اللفظ مطابقة عند انفراده فالحاصل أن المراد بالشيئين فصاعدًا جزئيات المعنى هذا، وقد يقال: إن معنى قوله وأمثال هذا أى زيد قائم وضرب زيد عمرًا لا يدل على شيئين مطابقة فلا حاجة فى إخراجهما إلى اعتبار أن اللفظ واحد حيث أريد الدلالة المطابقية.
قوله: (بل أنه يدل على شيئين) أى شيئين هما جزءًا المدلول يعنى وحدتين.
قوله: (بمعنى أنه قد يكون. . . إلخ) أى فيكون المعنى ههنا أن العام يدل على شيئين وقد يدل على ما فوقهما وحينئذ يشمل المثنى مع أنه ليس بعام وقال الأبهرى: المراد بالشيئين فصاعدًا فى تعريف العام جزئيات مفهومه لا أجزاؤه فليس
стр. 1256
الجواب فى غايته السقوط كما قال المحشى.
قوله: (وقد علمت ما فيه) وهو أن الكلام ليس فى دلالة الجمع المعهود والجمع النكرة على الجماعات حتى يقال: إن الدلالة احتمالية بدلية بل فى دلالتهما على الوحدات التى هى أجزاؤهما.
قوله: (ناظر إلى المعنى) أى يجيب الغزالى بما ذكرنا أو يلتزم.
قوله: (كان الأولى. . . إلخ) أى لأن الشارح بصدد الأجوبة عن الاعتراضات التى ذكرها المصنف على تعريف الغزالى ولم يجب عنها وأما الجمع المعهود والنكرة فقد أجاب المصنف عن الاعتراض بهما بقوله وقد يلتزم هذين.
قوله: (ويدخل فى الموضوع مع الصلة) أى لأنه لم يقيد بلفظ واحد كما فعل الغزالى.
قوله: (والمسميات تعم. . . إلخ) أى بخلاف شيئين فى عبارة الغزالى.
قوله: (ويخرج المثنى) أى لأنه لم يقل مسميين مثل ما قال الغزالى شيئين.
قوله: (دون أفراد المفهومين) أى لعدم اشتراكهما فى أمر واحد.
قوله: (إشارة إلى أن قوله باعتبار متعلق بقوله دل) أى حيث قال فإن العشرة دل على آحاده لا باعتبار أمر اشتركت فيه.
قوله: (وكذا قوله ضربة) أى حيث قال فيما خرج بقوله ضربة من نحو رجل وامرأة فإنه يدل على مسمياته لا دفعة.
قوله: (وإن قوله مطلقًا قيد لما اشتركت فيه) وذلك من قوله فى المحترز باعتبار ما اشتركت فيه مع قيد يخصصه.
قوله: (فليتأمل) تأملناه فوجدنا أن الحق أنه لا فرق بين الرجال المعهودين وبين علماء البلد فى عدم الإطلاق وإن عالم البلد معهود بواسطة إضافته إلى البلد المعهود إذ لا فرق بين أن يكون العهد باللام أو الإضافة وفى مسلم الثبوت فرق بينهما بأن الجمع المضاف اعتبر فيه الخصوصية أولًا ثم اعتبر استغراقه لجميع أفراده والجمع المعهود اعتبر قبله مطلقًا وأريد تخصيصه ببعض مسمياته.
قوله: (فالظاهر أنه داخل) أى لأنه دال على مسميات هى أجزاؤه باعتبار أمر اشتركت فيه وهو مفهوم المفرد لأن المسميات لم تعتبر مسميات الدال بل أخذت على التنكير.
стр. 1257
قوله: (لأن عشرة لا يدل. . . إلخ) أى فهو خارج بقوله ما دل على مسميات فلا حاجة فى إخراجه إلى قوله باعتبار ما اشتركت فيه.
قوله: (وغاية مما يمكن أن يقال. . . إلخ) أى والجمع النكرة خرج بقوله مسميات اللفظ الدال أو مسميات ما اشتمل عليه ذلك اللفظ تحقيقًا أو تقديرًا لأن رجالًا مثلًا لم يدل على مسميات اللفظ دفعة ولم يدل على مسميات ما اشتمل عليه وهو لفظ رجل كذلك.
قوله: (وحينئذ يكون قيد باعتبار ما اشتركت فيه للبيان والإيضاح) أى لأن نحو عشرة خارج بقوله ما دل على مسميات باعتبار المعنى المراد منه وهو إنما ذكر لإخراجه ولا يقال أن العمرة متناولة للآحاد التى هى جزئيات مفهوم الواحد الذى يتضمن العشرة لأن العشرة ليست بمنزلة الجمع للفظ يرادف لفظ الواحد ولهذا لم يصح إطلاق لفظ عشرة على أزيد منها ولا أنقص لكن يشكل باسم الجمع نحو القوم.
стр. 1258
قال: (مسألة: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، وأما فى المعانى فثالثها الصحيح، كذلك لنا أن العموم حقيقة فى شمول أمر لتعدد وهو فى المعانى كعموم المطر والخصب ونحوه وكذلك المعنى الكلى لشموله الجزئيات، ومن ثم قيل العام ما لا يمنع تصوره من الشركة، فإن قيل المراد أمر واحد شامل وعموم المطر ونحوه ليس كذلك، قلنا ليس العموم بهذا الشرط لغة وأيضًا فإن ذلك ثابت فى عموم الصوت والأمر والنهى والمعنى الكلى).
أقول: العموم من عوارض الألفاظ حقيقة فإذا قيل هذا اللفظ عام صدق على سبيل الحقيقة وأما فى المعنى فإذا قيل هذا المعنى عام فهل هو حقيقة؟ فيه مذاهب أولها: لا يصدق حقيقة ولا مجازًا، ثانيها: يصدق مجازًا، ثالثها -وهو المختار-: يصدق حقيقة كما فى الألفاظ لنا أن العموم حقيقة فى شمول أمر لمتعدد وكما يصح فى الألفاظ باعتبار شموله لمعانٍ متعددة بحسب الوضع يصح فى المعانى باعتبار شمول معنى لمعان متعددة بالتحقق فيها، بيانه أنه يتصور شمول أمر معنوى لأمور متعددة كعموم المطر والخصب والقحط للبلاد، ولذلك يقال عم المطر وعم الخصب ونحوه، وكذلك ما يتصوره الإنسان من المعانى الكلية فإنها شاملة لجزئياتها المتعددة الداخلة تحتها، ولذلك يقول المنطقيون: العام ما لا يمنع تصوُّره الشركة فيه والخاص بخلافه، فإن قيل المراد العام أمر واحد شامل لمتعدد وشمول المطر والخصب ونحوهما ليس كذلك إذ الموجود فى كل مكان غير الموجود فى المكان الآخر وإنما هو أفراد من المطر والخصب.
والجواب: لا نسلم أنه يعتبر فى اللغة فى العموم هذا القيد بل يكفى الشمول سواء كان هناك أمرًا واحدًا أو لم يكن، ولئن سلمنا فالعموم بذلك المعنى ثابت فى الصوت يسمعه طائفة وهو أمر واحد يعمهم وكذلك الأمر والنهى النفسيان قد يعمان خلقًا كثيرًا وكذلك المعانى الكلية تتصور لعمومها الآحاد التى تحتها، وأعلم أن الإطلاق اللغوى أمر سهل إنما النزاع فى واحد متعلق بمتعدد وذلك لا يتصوّر فى الأعيان الخارجية، إنما يتصوَّر فى المعانى الذهنية والأصوليون ينكرون وجودها.
قوله: (حقيقة فى شمول أمر لمتعدد) إشارة إلى أن له مفهومًا واحدًا شاملًا لعموم الألفاظ وعموم المعانى فيندفع ما يقال أن مجرد صحة الإطلاق لا يوجب
стр. 1259
كونه حقيقة لجواز أن يكون مجازًا هو خير من الاشتراك.
قوله: (بيانه أنه يتصوَّر شمول أمر معنوى) هذا ما قال فى المنتهى وبيان وجود أمر معنوى شامل لمتعدد عموم المطر وكذلك ما يتصوَّره الإنسان من الكليات فإنها شاملة لجزئياتها ولذا قال: (وكذلك) أى: ومثل عموم المطر ونحوه عموم ما يتصوره الإنسان وفيه إشارة إلى أن المعنى المقابل للفظ قد يكون من الموجودات الخارجية عينًا كالمطر أو عرضًا كالخصب وقد لا يكون كالمعانى الكلية، (ولذلك) أى ولأن ما يتصور من المعانى الكلية يتصف بالعموم يقول المنطقيون: العام ما لا يمنع تصوّره الشركة والخاص ما يمنع وما لا يمنع الشركة هو مفهوم الكلى وأنت جبير بأنهم إنما يقولون ذلك للكلى لا للعام بل العام والخاص عندهم إنما يقال لمفهومين يصدق أحدهما على كل ما يصدق عليه الآخر من غير عكس أو يصدق كل منهما على بعض ما يصدق عليه الآخر فقط.
قوله: (وهو أمر أحد يعمهم) بمعنى كونه مسموعًا لهم وإلا فعروض الصوت إنما هو لجوهر الهواء وكذا الأمر والنهى النفسيان أعنى طلب الفعل وطلب الترك يعم الكثير بمعنى تعلقه بهم بمعنى كونهم مأمورين بالفعل أو الترك وقُيد بالنفسيين لأن اللفظى داخل فى الصوت ومن لم يقيد أراد أنهما من كيفيات الصوت لا نفسه.
قوله: (وأعلم) نفى لما زعم الشارحون أن النزاع لفظى لأنه إن أريد بالعموم استغراق اللفظ لمسمياته على ما هو مصطلح الأصول فهو من عوارض الألفاظ خاصة وإن أريد شمول أمر لمتعدد عم الألفاظ والمعانى وإن أريد شمول مفهوم الأفراد كما هو مصطلح أهل الاستدلال اختص بالمعانى يعنى أن ما دل عليه كلام الفريقين هو أن العموم بحسب اللغة هل يطلق على الألفاظ والمعانى وأمره سهل أو يتعين برجوعه إلى أهل اللغة واستعمال الفصحاء وإنما النزاع فى أن أمرًا واحدًا هل يكون متعلقًا لأمور متعددة وذلك إنما يتصوّر فى المعانى الذهنية فمن أثبتها أثبته ومن نفاها نفاه ولا يتصور فى الأعيان الخارجية لأن العرض الواحد لا يحل المحال المتعددة وهذا إنما يستقيم لو أريد بالتعلق الحلول فى المحال ومرادهم أعم من ذلك كالصوت للسامعين واللفظ للمعانى ومن الغلط الفاحش فى هذا المقام ما يقع لبعضهم أن المراد العموم إنما يكون فى الألفاظ الموضوعة بإزاء الأعيان دون الموضوعات بإزاء المعانى.
стр. 1260
المصنف: (كعموم المطر) المراد بالمطر أفراده الخارجية وعمومه عبارة عن شمول تلك الأفراد الخارجية للبلاد والأمكنة وكذا يقال فى الخصب.
الشارح: (بالتحقق فيها) أى لكونها جزئيات للمعنى أو متعلقات له كما فى عموم المطر والخصب.
قوله: (يصدق أحدهما على كل ما يصدق عليه الآخر) وذلك فى العام والخاص المطلق وقوله أو يصدق. . . إلخ. أى كما فى العام والخاص من وجه.
قوله: (بمعنى كونه مسموعًا لهم وإلا فعروض الصوت إنما هو لجوهر الهواء) يعنى فليس المسموع فى الحقيقة شيئًا واحدًا يعمهم بل الصوت متعدد وليس قائمًا بالسامعين، بل الذى سمعه زيد مثل الذى سمعه عمرو لأن الهواء الحامل للصوت إذا صادم الهواء المجاور له حدث فيه مثل ذلك الصوت فالمسموع الذى تعلق به استماع زيد مثل المسموع الذى تعلق به استماع عمرو لا عينه.
قوله: (يعنى أن ما دل عليه كلام الفريقين. . . إلخ) أى يقصد الشارح بقوله وأعلم. . . إلخ. أن إطلاق العموم وإن كان مرجعه إلى الاستعمال اللغوى لكن له منشأ وقع الخلاف فيه وهو أن الأمر الواحد هل يكون متعلقًا الأمور متعددة فمن أثبت الوجود الذهنى أثبته ومن نفاه نفاه هذا وقال صاحب التحرير: ومنشأ الخلاف الخلاف فى معناه أى العموم وهو شمول الأمر فمن اعتبر وحدته شخصية منع الإطلاق الحقيقى إذ لا يتصف به إلا الذهنى ولا يتحقق عندهم أى الأصوليين وكان العموم مجازًا فى المعنى كما قال فخر الإسلام ولم يظهر طريق المجاز للقائل بأنه لا يتصف بالحقيقة ولا بالمجاز فمنع وصف المعانى به مطلقًا ومن فهم من اللغة أن الأمر الواحد أعم من الشخصى والنوعى وهو الحق لقولهم مطر عام وخصب عام فى النوعى وصوت عام فى الشخصى بمعنى كونه مسموعًا للسامعين أجازه أى وصف المعانى به حقيقة وكونه مقتصرًا على الذهنى وهو منتف فينتفى الإطلاق ممنوع بل المراد بالشمول التعلق الأعم من المطابقة كما فى الذهنى والحلول كما فى المطر والخصب وكونه مسموعًا كالصوت على أن نفى الذهنى لفظى كما يفيده استدلالهم وقد استبعد هذا الخلاف وإن شمول بعض المعانى لمتعدد أكثر وأظهر من أن يقع فيه نزاع إنما هو هل يصح تخصيص المعنى العام كاللفظ
стр. 1261
وهو استبعاد يتعذر فيه القول الثانى إذ لا معنى لجواز التخصيص مجازًا نعم صرح مانعو تخصيص العلة بأن المعنى لا يخص وصرح بعضهم بأنه لا يعم وهو ينافى ما ذكره ويتعذر إرادة أنه يعم ولا يخص من قوله لا يعم. اهـ. وقال الغزالى: الرجل له وجود فى الأعيان ووجود فى اللسان أما الوجود فى الأعيان فلا عموم له إذ ليس فى الوجود إلا زيد وعمرو ولا يوجد رجل مطلق بشملها وأما الوجود فى اللسان فيتحقق فيه العموم وإن لفظ الرجل قد وضع للدلالة ونسبته إلى زيد وعمرو فى الدلالة واحد فسمى عامًا باعتبار نسبة دلالته إلى المدلولات الكثيرة وأما الوجود الذهنى فيتحقق فيه العموم إن قيل به لأن معنى الرجل يسمى كليًا من حيث إن العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الرجل وإذا رأى غيره لم يأخذ منه غير الصورة الأولى. اهـ. وقوله يعنى أن المراد العموم. . . إلخ. تحريف وصوابه حذف المراد.
стр. 1262
قال: (مسألة: الشافعى والمحققون للعموم صيغة والخلاف فى عمومها وخصوصها كما فى الأمر وقيل بالوقف فى الأخبار لا الأمر والنهى، والوقف إما على معنى ما ندرى، وإما نعلم أنه وضع ولا ندرى أحقيقة أم مجاز، وهى أسماء الشرط والاستفهام والموصولات والجموع المعرفة تعريف جنس والمضافة واسم الجنس كذلك والنكرة فى النفى لنا القطع فى لا تضرب أحدًا وأيضًا لم يزل العلماء تستدل بمثل: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿الزَّانِيَةُ﴾ [النور: ٢]، و ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وكاحتجاج عمر فى قتال أبى بكر مانعى الزكاة: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها حقنوا منى دماءهم وأموالهم"، وكذلك: "الأئمة من قريش"، و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وشاع وذاع ولم ينكره أحد، قولهم فهم بالقرائن يؤدى إلى أن لا يثبت للفظ مدلول ظاهر أبدًا، والاتفاق فيمن دخل دارى فهو حر أو طالق أنه يعم وأيضًا كثرة الوقائع واستدل بأنه معنى ظاهر محتاج إلى التعبير عنه كغيره، وأجيب بأنه قد يستغنى بالمجاز وبالمشترك).
أقول: ذهب الشافعى ﵀ وجميع المحققين إلى أن العموم له صيغة موضوعة له حقيقة وتحرير محل النزاع كما فى الأمر وحاصله راجع إلى الصيغ المخصوصة التى سنذكرها هل هى للعموم أم لا؟ فقال الأكثر له صيغة هى حقيقة فيه وقال قوم الصيغة حفيقة للخصوص وهى فى العموم مجاز، وقال الأشعري: تارة بأنها مشتركة، وتارة بالوقف، وقيل بالوقف فى الأخبار دون الأمر والنهى، وقال القاضى بالوقف إما على أنا لا ندرى أوضع لها أم لا؟ أو ندرى أنه وضع لها ولا ندرى أحقيقة منفردًا أو مشتركًا أم مجاز؟ ثم الصيغة الموضوعة له عند المحققين هى هذه فمنها أسماء الشروط والاستفهام نحو: من، وما، ومهما، وأينما، ومنها الموصولات، نحو: من، وما، والذى، ومنها الجموع المعرفة تعريف جنس لا عهد، والجموع المضافة، نحو: العلماء وعلماء بغداد، ومنها اسم الجنس، كذلك أى معرفًا تعريف جنس أو مضافًا، ومنها النكرة فى سياق النفى دون الإثبات، نحو: ما من رجل، لنا أن السيد إذا قال لعبده لا تضرب أحدًا فهم منه العموم حتى لو ضرب واحدًا عدَّ مخالفًا، والتبادر دليل الحقيقة فالنكرة فى النفى للعموم حقيقة فللعموم صيغة وأيضًا لنا أنا نقطع بأن العلماء لم يزالوا
стр. 1263
يستدلون بمثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا. . .﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا. . .﴾ [النور: ٢]، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ. . .﴾ [النساء: ١١]، ومنه احتجاج عمر فى قضية قتال أبى بكر مانعى الزكاة بقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه فإذا قالوها فقد حقنوا منى ماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وهو أنه منعه عن القتال واحتج عليه بذلك وقرره وعدل إلى الاحتجاج بقوله إلا بحقها، والزكاة من حقها، فدل أنهما فهما منه العموم فى وجوب القتال قبل أن يقولوا لا إله إلا اللَّه، وعدمه بعده، ومنه احتجاج أبى بكر بقوله: "الأئمة من قريش" وقرره الصحابة ومنه احتجاج أبى بكر بقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد ولولا أن الصيغة للعموم لما كان فيه حجة فى الصور الجزئية لأنك إذا قلت بعض الأئمة من قريش لم يلزم منه أن يكون من غيرهم إمام فكان ينكر الاحتجاج به عادة، واعترض عليه بأن ذلك إنما فهم بالقرائن.
والجواب: أن فتح هذا الباب يؤدى إلى أن لا يثبت للفظ مفهوم ظاهر لجواز أن يفهم بالقرائن فإن الناقلين لها لم ينقلوا نص الواضع بل أخذوا الأكثر من تتبع موارد الاستعمال والتحقيق أن التجويز لا ينافى الظهور وقد يقال فى مثل: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، أنه فهم العموم لترتب الحكم على الوصف المشعر بالعلية، أو بأنه علم أنه التمهيد قاعدة كما رجم ماعزًا فعلم العموم لأنه شارع، وإما لقوله حكمى على الواحد حكمى على الجماعة، وإما لتنقيح المناط وهو إلغاء الخصوصية وعليه فقس، وأيضًا لنا الاتفاق على أنه إذا قال: من دخل دارى فهو حر أو فهى طالق، أنه يعم العبيد والنساء، وأيضًا لنا كثرة الوقائع التى استعمل فيها الصيغ للعموم واستدل بها على العموم مما ذكرناه وما لم نذكره وهى تفيد لمن تتبعها العلم بأنها ظاهرة فى العموم وذلك نحو قول عثمان (رضى اللَّه عنه) لما سمع:
* وكل نعيم لا محالة زائل *
"كذب فإن نعيم أهل الجنة لا يزول"، ونحو: لا إله إلا اللَّه، فإنه يفهم منه نفى جميع ما سوى اللَّه، ونحو اعتراض ابن الزبعرى على قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، بقوله أليس قد عبدت الملائكة والمسيح؟ ورد قول اليهود ما أنزل اللَّه على بشر من شئ، بقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ
стр. 1264
الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، وذلك أكثر من أن يحصى مفصلًا، فلذلك أجمل واستدل بأن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير عنه فوجب الوضع له عادة ككثير من المعانى التى وضع لها لظهورها والحاجة إلى التعبير عنها مما لا يحصى كالواحد والاثنين والخبر والاستخبار.
الجواب: أنه قد يستغنى عن الوضع لها خاصة بالمجاز وبالمشترك فلا يكون ظاهرًا فى العموم وذلك كخصوص الروائح والطعوم استغنى فيها عن الوضع بالتقييد بالإضافة نحو رائحة العود والمسك ولم يؤد ذلك إلى إهماله.
قوله: (وتحرير محل النزاع كما فى الأمر) شرح لقولها والخلاف فى عمومها وخصوصها كما فى الأمر يعنى أنه لا يتصور نزاع فى إمكان التعبير عن العموم بعبارة مثل كل وجميع الرجال ونحو ذلك وإنما النزاع فى الصيغ المخصوصة التى تدعى عمومها وجمهور الشارحين على أن معناه أن الخلاف ههنا فى أنها للعموم فقط أو للخصوص فقط أو لهما على الاشتراك أو موقوف كالخلاف فى صيغة الأمر أنها للوجوب خاصة أو الندب خاصة أو مشترك أو موقوف إلا أنه لا يتصوّر ههنا اشتراك معنوى ولا قائل به.
قوله: (أوضع) أى لفظ العموم لها أى للإخبار والأمر والنهى يعنى فيها ولأجلها ولا ندرى أن ذلك اللفظ حقيقة فى العموم أو مجاز وعلى تقدير كونها حقيقة لا ندرى أمنفرد أى موضوع بإزاء العموم فقط أم مشترك بين العموم والخصوص وظاهر هذا الكلام فاسد لأنه إذا علم أنه وضع للعموم فقط كيف يتصوّر التردد فى أنه حقيقة أو مجاز اللهم إلا أن يراد مطلق الوضع على ما يتناول النوعى المحقق فى المجاز.
قوله: (نحو من وما) للشرط والاستفهام ومهما وأينما للشرط خاصة.
قوله: (لا تضرب أحدًا) وكذا فى الخبر مثل ما ضربه أحد حتى لو ضربه أحد كان الكلام كاذبًا وكذا لا تضرب رجلًا من النكرات التى تقع فى الإثبات أيضًا بخلاف أحد فإنه إذا لم يكن مبدل الهمزة من الواو لم يكن بمعنى الواحد من العدد بل كان اسمًا لا يصلح أن يخاطب يستوى فيه المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع لا يستعمل إلا فى النفى نص عليه أئمة اللغة، وهذا لا يضر بالمقصود
стр. 1265
وهو إثبات صيغة العموم وإن جعلنا المقصود إثبات كون الألفاظ المعدودة للعموم انتهض ما ذكر دليلًا على البعض مع الإرشاد إلى طريق إثبات البعض الآخر وهو تتبع موارد الاستعمال.
قوله: (وهو) أى قضيته بالقتال أو احتجاج عمر أن عمر منع أبا بكر عن القتال (واحتج) أى عمر على أبى بكر بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس. . " الحديث، وقرر أبو بكر ذلك الاحتجاج والعموم وعدل عنه إلى الاحتجاج بقوله: "إلا بحقه" أى بحق هذا القول الذى هو كلمة الشهادة فدل ما ذكرنا على أن الشيخين فهما من هذا الحديث عموم لفظ الناس فى وجوب قتالهم قبل أن يقولوا "لا إله إلا اللَّه" وعموم ضميره فى عدم جواز القتال بعده، وكذا عموم الجمع المضاف وهو الدماء والأموال.
قوله: (ولم ينكره أحد) قال فى المنتهى: فإن قيل الإجماع السكوتى وإن انتهض دليلًا فى الفروع فلا ينتهض فى الأصول؟ قلنا: شاع ولم ينكر فيقتضى عادة القطع لتحقق الإجماع وجواز الاستدلال به فى الأصول ولو سلم فالمطلوب دلالة اللفظ فيكفى الظن.
قوله: (يؤدى إلى أن لا يثبت للفظ مفهوم ظاهر) وقيده فى المتن بقوله: أبدًا، واعترض بأنه يجوز أن يثبت بنص الواضع عليه، والجواب أنا لا ننفى الجواز بل الوقوع إذ لم ينقل أحد نص الواضع ولو سلم فالمراد أنه لا يثبت أبدًا مفهوم ظاهر لا قطع به وتكون جميع المفهومات قطعية.
قوله: (وعليه فقس) أى يمكن أن يسند العموم فى كل مثال علم عمومه إلى بعض هذه الوجوه لكنه عناد لأنا نقطع أن العموم فى مثل لا تضرب أحدًا ولا تشتم رجلًا إنما يفهم من الصيغة فلا يكون ظاهرًا فى العموم، إما على تقدير المجازية فلأن الظاهر هو الحقيقة وإما على تقدير الاشتراك فلتساوى الدلالتين من غير رجحان وظهور فى أحدهما.
المصنف: (وقيل بالوقف فى الإخبار لا الأمر والنهى) وهذا غير الوقف المطلق الداخل فى قوله كما فى الأمر ولما كان هذا لا يشمله قوله كما فى الأمر زاده المصنف كما زاد قوله والوقف أما على معنى. . . إلخ.
следующие страницы →