Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وهو استبعاد يتعذر فيه القول الثانى إذ لا معنى لجواز التخصيص مجازًا نعم صرح مانعو تخصيص العلة بأن المعنى لا يخص وصرح بعضهم بأنه لا يعم وهو ينافى ما ذكره ويتعذر إرادة أنه يعم ولا يخص من قوله لا يعم. اهـ. وقال الغزالى: الرجل له وجود فى الأعيان ووجود فى اللسان أما الوجود فى الأعيان فلا عموم له إذ ليس فى الوجود إلا زيد وعمرو ولا يوجد رجل مطلق بشملها وأما الوجود فى اللسان فيتحقق فيه العموم وإن لفظ الرجل قد وضع للدلالة ونسبته إلى زيد وعمرو فى الدلالة واحد فسمى عامًا باعتبار نسبة دلالته إلى المدلولات الكثيرة وأما الوجود الذهنى فيتحقق فيه العموم إن قيل به لأن معنى الرجل يسمى كليًا من حيث إن العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الرجل وإذا رأى غيره لم يأخذ منه غير الصورة الأولى. اهـ. وقوله يعنى أن المراد العموم. . . إلخ. تحريف وصوابه حذف المراد.
стр. 1262
قال: (مسألة: الشافعى والمحققون للعموم صيغة والخلاف فى عمومها وخصوصها كما فى الأمر وقيل بالوقف فى الأخبار لا الأمر والنهى، والوقف إما على معنى ما ندرى، وإما نعلم أنه وضع ولا ندرى أحقيقة أم مجاز، وهى أسماء الشرط والاستفهام والموصولات والجموع المعرفة تعريف جنس والمضافة واسم الجنس كذلك والنكرة فى النفى لنا القطع فى لا تضرب أحدًا وأيضًا لم يزل العلماء تستدل بمثل: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿الزَّانِيَةُ﴾ [النور: ٢]، و ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وكاحتجاج عمر فى قتال أبى بكر مانعى الزكاة: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها حقنوا منى دماءهم وأموالهم"، وكذلك: "الأئمة من قريش"، و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وشاع وذاع ولم ينكره أحد، قولهم فهم بالقرائن يؤدى إلى أن لا يثبت للفظ مدلول ظاهر أبدًا، والاتفاق فيمن دخل دارى فهو حر أو طالق أنه يعم وأيضًا كثرة الوقائع واستدل بأنه معنى ظاهر محتاج إلى التعبير عنه كغيره، وأجيب بأنه قد يستغنى بالمجاز وبالمشترك).
أقول: ذهب الشافعى ﵀ وجميع المحققين إلى أن العموم له صيغة موضوعة له حقيقة وتحرير محل النزاع كما فى الأمر وحاصله راجع إلى الصيغ المخصوصة التى سنذكرها هل هى للعموم أم لا؟ فقال الأكثر له صيغة هى حقيقة فيه وقال قوم الصيغة حفيقة للخصوص وهى فى العموم مجاز، وقال الأشعري: تارة بأنها مشتركة، وتارة بالوقف، وقيل بالوقف فى الأخبار دون الأمر والنهى، وقال القاضى بالوقف إما على أنا لا ندرى أوضع لها أم لا؟ أو ندرى أنه وضع لها ولا ندرى أحقيقة منفردًا أو مشتركًا أم مجاز؟ ثم الصيغة الموضوعة له عند المحققين هى هذه فمنها أسماء الشروط والاستفهام نحو: من، وما، ومهما، وأينما، ومنها الموصولات، نحو: من، وما، والذى، ومنها الجموع المعرفة تعريف جنس لا عهد، والجموع المضافة، نحو: العلماء وعلماء بغداد، ومنها اسم الجنس، كذلك أى معرفًا تعريف جنس أو مضافًا، ومنها النكرة فى سياق النفى دون الإثبات، نحو: ما من رجل، لنا أن السيد إذا قال لعبده لا تضرب أحدًا فهم منه العموم حتى لو ضرب واحدًا عدَّ مخالفًا، والتبادر دليل الحقيقة فالنكرة فى النفى للعموم حقيقة فللعموم صيغة وأيضًا لنا أنا نقطع بأن العلماء لم يزالوا
стр. 1263
يستدلون بمثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا. . .﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا. . .﴾ [النور: ٢]، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ. . .﴾ [النساء: ١١]، ومنه احتجاج عمر فى قضية قتال أبى بكر مانعى الزكاة بقوله ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه فإذا قالوها فقد حقنوا منى ماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وهو أنه منعه عن القتال واحتج عليه بذلك وقرره وعدل إلى الاحتجاج بقوله إلا بحقها، والزكاة من حقها، فدل أنهما فهما منه العموم فى وجوب القتال قبل أن يقولوا لا إله إلا اللَّه، وعدمه بعده، ومنه احتجاج أبى بكر بقوله: "الأئمة من قريش" وقرره الصحابة ومنه احتجاج أبى بكر بقوله: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد ولولا أن الصيغة للعموم لما كان فيه حجة فى الصور الجزئية لأنك إذا قلت بعض الأئمة من قريش لم يلزم منه أن يكون من غيرهم إمام فكان ينكر الاحتجاج به عادة، واعترض عليه بأن ذلك إنما فهم بالقرائن.
والجواب: أن فتح هذا الباب يؤدى إلى أن لا يثبت للفظ مفهوم ظاهر لجواز أن يفهم بالقرائن فإن الناقلين لها لم ينقلوا نص الواضع بل أخذوا الأكثر من تتبع موارد الاستعمال والتحقيق أن التجويز لا ينافى الظهور وقد يقال فى مثل: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ [المائدة: ٣٨]، أنه فهم العموم لترتب الحكم على الوصف المشعر بالعلية، أو بأنه علم أنه التمهيد قاعدة كما رجم ماعزًا فعلم العموم لأنه شارع، وإما لقوله حكمى على الواحد حكمى على الجماعة، وإما لتنقيح المناط وهو إلغاء الخصوصية وعليه فقس، وأيضًا لنا الاتفاق على أنه إذا قال: من دخل دارى فهو حر أو فهى طالق، أنه يعم العبيد والنساء، وأيضًا لنا كثرة الوقائع التى استعمل فيها الصيغ للعموم واستدل بها على العموم مما ذكرناه وما لم نذكره وهى تفيد لمن تتبعها العلم بأنها ظاهرة فى العموم وذلك نحو قول عثمان (رضى اللَّه عنه) لما سمع:
* وكل نعيم لا محالة زائل *
"كذب فإن نعيم أهل الجنة لا يزول"، ونحو: لا إله إلا اللَّه، فإنه يفهم منه نفى جميع ما سوى اللَّه، ونحو اعتراض ابن الزبعرى على قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، بقوله أليس قد عبدت الملائكة والمسيح؟ ورد قول اليهود ما أنزل اللَّه على بشر من شئ، بقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ
стр. 1264
الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]، وذلك أكثر من أن يحصى مفصلًا، فلذلك أجمل واستدل بأن العموم معنى ظاهر يعقله الأكثر، والحاجة ماسة إلى التعبير عنه فوجب الوضع له عادة ككثير من المعانى التى وضع لها لظهورها والحاجة إلى التعبير عنها مما لا يحصى كالواحد والاثنين والخبر والاستخبار.
الجواب: أنه قد يستغنى عن الوضع لها خاصة بالمجاز وبالمشترك فلا يكون ظاهرًا فى العموم وذلك كخصوص الروائح والطعوم استغنى فيها عن الوضع بالتقييد بالإضافة نحو رائحة العود والمسك ولم يؤد ذلك إلى إهماله.
قوله: (وتحرير محل النزاع كما فى الأمر) شرح لقولها والخلاف فى عمومها وخصوصها كما فى الأمر يعنى أنه لا يتصور نزاع فى إمكان التعبير عن العموم بعبارة مثل كل وجميع الرجال ونحو ذلك وإنما النزاع فى الصيغ المخصوصة التى تدعى عمومها وجمهور الشارحين على أن معناه أن الخلاف ههنا فى أنها للعموم فقط أو للخصوص فقط أو لهما على الاشتراك أو موقوف كالخلاف فى صيغة الأمر أنها للوجوب خاصة أو الندب خاصة أو مشترك أو موقوف إلا أنه لا يتصوّر ههنا اشتراك معنوى ولا قائل به.
قوله: (أوضع) أى لفظ العموم لها أى للإخبار والأمر والنهى يعنى فيها ولأجلها ولا ندرى أن ذلك اللفظ حقيقة فى العموم أو مجاز وعلى تقدير كونها حقيقة لا ندرى أمنفرد أى موضوع بإزاء العموم فقط أم مشترك بين العموم والخصوص وظاهر هذا الكلام فاسد لأنه إذا علم أنه وضع للعموم فقط كيف يتصوّر التردد فى أنه حقيقة أو مجاز اللهم إلا أن يراد مطلق الوضع على ما يتناول النوعى المحقق فى المجاز.
قوله: (نحو من وما) للشرط والاستفهام ومهما وأينما للشرط خاصة.
قوله: (لا تضرب أحدًا) وكذا فى الخبر مثل ما ضربه أحد حتى لو ضربه أحد كان الكلام كاذبًا وكذا لا تضرب رجلًا من النكرات التى تقع فى الإثبات أيضًا بخلاف أحد فإنه إذا لم يكن مبدل الهمزة من الواو لم يكن بمعنى الواحد من العدد بل كان اسمًا لا يصلح أن يخاطب يستوى فيه المذكر والمؤنث والمثنى والمجموع لا يستعمل إلا فى النفى نص عليه أئمة اللغة، وهذا لا يضر بالمقصود
стр. 1265
وهو إثبات صيغة العموم وإن جعلنا المقصود إثبات كون الألفاظ المعدودة للعموم انتهض ما ذكر دليلًا على البعض مع الإرشاد إلى طريق إثبات البعض الآخر وهو تتبع موارد الاستعمال.
قوله: (وهو) أى قضيته بالقتال أو احتجاج عمر أن عمر منع أبا بكر عن القتال (واحتج) أى عمر على أبى بكر بقوله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس. . " الحديث، وقرر أبو بكر ذلك الاحتجاج والعموم وعدل عنه إلى الاحتجاج بقوله: "إلا بحقه" أى بحق هذا القول الذى هو كلمة الشهادة فدل ما ذكرنا على أن الشيخين فهما من هذا الحديث عموم لفظ الناس فى وجوب قتالهم قبل أن يقولوا "لا إله إلا اللَّه" وعموم ضميره فى عدم جواز القتال بعده، وكذا عموم الجمع المضاف وهو الدماء والأموال.
قوله: (ولم ينكره أحد) قال فى المنتهى: فإن قيل الإجماع السكوتى وإن انتهض دليلًا فى الفروع فلا ينتهض فى الأصول؟ قلنا: شاع ولم ينكر فيقتضى عادة القطع لتحقق الإجماع وجواز الاستدلال به فى الأصول ولو سلم فالمطلوب دلالة اللفظ فيكفى الظن.
قوله: (يؤدى إلى أن لا يثبت للفظ مفهوم ظاهر) وقيده فى المتن بقوله: أبدًا، واعترض بأنه يجوز أن يثبت بنص الواضع عليه، والجواب أنا لا ننفى الجواز بل الوقوع إذ لم ينقل أحد نص الواضع ولو سلم فالمراد أنه لا يثبت أبدًا مفهوم ظاهر لا قطع به وتكون جميع المفهومات قطعية.
قوله: (وعليه فقس) أى يمكن أن يسند العموم فى كل مثال علم عمومه إلى بعض هذه الوجوه لكنه عناد لأنا نقطع أن العموم فى مثل لا تضرب أحدًا ولا تشتم رجلًا إنما يفهم من الصيغة فلا يكون ظاهرًا فى العموم، إما على تقدير المجازية فلأن الظاهر هو الحقيقة وإما على تقدير الاشتراك فلتساوى الدلالتين من غير رجحان وظهور فى أحدهما.
المصنف: (وقيل بالوقف فى الإخبار لا الأمر والنهى) وهذا غير الوقف المطلق الداخل فى قوله كما فى الأمر ولما كان هذا لا يشمله قوله كما فى الأمر زاده المصنف كما زاد قوله والوقف أما على معنى. . . إلخ.
стр. 1266
المصنف: (أما على معنى ما ندر) أى وضعت للعموم أو لم توضع قال فى التحرير والتردد الأول يرجع إلى التردد الثانى إذ لا شك فى الاستعمال وبالاستعمال يعلم وضعه فلم يبق إلا التردد فى أنه النوعى فتكون الصيغ مجازًا أو الحقيقى فتكون حقيقة.
المصنف: (وشاع وذاع) دليل آخر أى شاع الاستدلال بتلك الصيغ على العموم.
الشارح: (فللعموم صيغة) هذا على ظاهر أن الخلاف هل للعموم صيغة أو لا مع أنه ليس مرادًا.
الشارح: (والتحقيق أن التجوز لا ينافى الظهور) رد الجواب.
الشارح: (إنه لتمهيد قاعدة) أى أن الحكم خرج مخرج البيان لحكم كلى ينطبق على جزئياته وإن كان جزئيًا باعتبار متعلقه الذى اتفق وقوعه متعلقًا به.
стр. 1267
(قال: الخصوص متيقن فجعله له حقيقة أولى رد بأنه إثبات لغة بالترجيح وبأن العموم أحوط فكان أولى، قالوا: لا عام إلا مخصص فيظهر أنها للأغلب، رد بأن احتياج تخصيصها إلى دليل مشعر بأنها للعموم وأيضًا فإنما يكون ذلك عند عدم دليل الاشتراك أطلقت لهما والأصل الحقيقة وأجيب بأنه على خلاف الأصل وقد تقدَّم مثله، الفارق الإجماع على التكليف للعام وذلك بالأمر والنهى، وأجيب بأن الإجماع على الإخبار للعام).
أقول: هذه حجج المخالفين فالقائلون بأن هذه الصيغ حقيقة فى الخصوص قالوا: أولًا: أن الخصوص متيقن لأنها إن كانت له فمراد وإن كانت للعموم فداخل فى المراد وعلى التقديرين يلزم ثبوته بخلاف العموم فإنه مشكوك فيه إذ ربما كان للخصوص فكان العموم غير مراد ولا داخل فيه فلا يثبت فجعله حقيقة للخصوص المتيقن أولى من جعله للعموم المشكوك فيه.
الجواب: أولًا: إنه إثبات اللغة بالترجيح وذلك لا يجوز بل لا يثبت إلا بالنقل كما عرف، وثانيًا: أن العموم أحوط لاحتمال أن يراد العموم فلو حمله على الخصوص أضاع غيره مما يدخل فى العموم فخالف الأمر والأحوط أولى وأعلم أن ذلك مما يختلف فى الإيجاب والإباحة.
قالوا: ثانيًا: مشهور فى الألسن حتى صار مثلًا أنه ما من عام إلا وقد خص منه والظاهر أنه للأغلب حقيقة وفى الأقل مجاز تقليلًا للمجاز.
الجواب: أولًا: إن احتياج خروج البعض عنها إلى التخصيص بمخصص ظاهر فى أنه للعموم ولا يحمل على الخصوص إلا لدليل وهو دليل المجاز فى الخصوص والحقيقة فى العموم، وثانيًا أن ذلك أى ظهور كونها حقيقة للأغلب إنما يكون عند عدم الدليل على أنه للأقل كالغائط والمزادة، وههنا قد دلت أدلتنا عليه.
القائلون بالاشتراك قالوا: قد أطلقت الصيغة للعموم والخصوص، والأصل فى الإطلاق الحقيقة فتكون حقيقة فيهما وهو معنى الاشتراك.
الجواب: الاشتراك خلاف الأصل فيحمل على المجاز فى أحدهما لأنه أولى من الاشتراك وقد تقدَّم مثله فى مسألة تعارضهما، الفارق وهو القائل بأنهما فى الأمر والنهى للعموم، وفى الإخبار متوقف قال الإجماع منعقد على أن التكليف للعام أى لعامة المكلفين والتكليف إنما يتصوّر بالأمر والنهى فلولا أن صيغهما
стр. 1268
للعموم لما كان التكليف عامًا.
الجواب: المعارضة بمثله فى الإخبار للإجماع على الإخبار بما ورد فى حق جميع الأمة، وإنا مكلفون بمعرفتها.
قوله: (فخالف الأمر) يعنى فيما إذا قيل أكرم العالم وأريد العموم ولو ترك إكرام البعض خالف مقتضى الأمر وكذا لا تكرم جاهلًا لكن ما ذكر بما يتم فى الإيجاب حيث يأثم بترك البعض، وأما فى مثل الإباحة مثل اشرب الشراب، وكل الطعام، فلا خفاء فى أن الخصوص أحوط، إذ لو عمل بالعموم لربما أثم بتناول محرم من الطعام والشراب.
قوله: (والظاهر أنه) أى العام يكون (للأغلب حقيقة وللأقل مجازًا تقليلًا للمجاز) الذى هو خلاف الأصل وفى هذا إشارة إلى أن هذا الكلام أعنى قولهم ما من عام إلا وقد خص منه وارد على سبيل المبالغة وإلحاق القليل بالعدم إذ لو حمل على ظاهره لكان العام معدومًا مغلوبًا وبهذا يندفع ما يقال إنه فى قوة قولنا كل عام فهو مخصوص فهذا العام إن لم يكن مخصوصًا فقد كذب وعاد على موضوعه بالنقض وإن كان مخصوصًا لم يفد لأنه لا نزاع فى تخصيص العمومات ولم يتم الاستدلال به على أن الخصوص أغلب وأيضًا إما أن يكون شئ من العمومات على عمومه أو لا وأيًا ما كان يكذب عموم هذا الكلام ولقائل أن يقول: قد خص منه البعض الذى هو نفس ذلك العام فلا يكذب ولا يقصر عن إفادة المرام لأن الحكم ههنا تخصيص فإخراج البعض عنه يكون إبقاءً لعمومه لا إعدامًا، وقد يجاب أيضًا بأنه خص منه مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، فيصدق ويبقى حجة فيما عداه، غايته لا يكون قطعيًا ونحن لا ندعى ذلك.
قوله: (ولا يحمل) عطف على للعموم أى ظاهر فى أنه لا يحمل على الخصوص إلا لدليل (وهو) أى الظهور فى العموم وفى عدم الحمل على الخصوص إلا لدليل دليل على أنه مجاز فى الخصوص حقيقة فى العموم على ما هو المدعى وفى تقريره دفع لما ذكره الشارح العلامة من أن الحقيقة قد تحتاج إلى قرينة تعيين المراد كما فى المشترك وإن لم يحتج إلى قرينة فى الدلالة وذلك لأنه عند عدم المخصص يفهم منه الكل وأنه لا يخرج عنه البعض وليس يفهم منه
стр. 1269
بعض ما حتى يتعين بالقرينة وحاصل هذا الجواب معارضة والثانى منع أى لا نسلم أن كل لفظ غلب فى معنًى فهو حقيقة فيه وإنما يكون لو لم يقم دليل على كونه حقيقة فى المغلوب وتقرير الشارحين أنه إنما يكون ذلك حقيقة فى الخصوص لو دلت عليه عند عدم الدليل أى القرينة وأما عندها فلا والحق ما ذكره المحقق.
قوله: (لعامة المكلفين) أولى مما فى بعض الشروح أن المراد أن التكليف كما يقع لأجل الخاص يقع لأجل العام.
الشارح: (للإجماع على الإخبار بما ورد فى حق جميع الأمة) أى على قصد الإخبار بذلك فلابد له حينئذ من صيغة خبرية تكون عامة وقوله وإنا مكلفون بمعرفتها أى معرفة ما ورد فى حق الأمة والمعرفة كالعمل الذى أوجبه الأمر فيلزم أن يكون التكليف بها عامًا وهو يقتضى صيغة العموم فى الإخبار.
قوله: (لكن ما ذكر إنما يتم. . . إلخ) شرح لقول الشارح وأعلم أن ذلك مما يختلف. . . إلخ.
قوله: (فقد كذب وعاد على موضوعه بالنقض) أى لأنه لم يصدق كل عام مخصوص لأن كل عام من جملة ماصدقات مدلول اللفظ لأنه يصدق على نفسه وغيره ولم يتخصص.
قوله: (وإن كان مخصوصًا لم يفد لأنه لا نزاع. . . إلخ) يعنى أنه حينئذ ليس قاعدة كلية بل فى حكم المهملة ومدلولها لا يحتاج إلى النص ومع ذلك ينافى قولهم أن من بعد النفى نص فى العموم لا تقبل التخصيص.
قوله: (وأيًا ما كان يكذب عموم هذا الكلام) أما على أن من الأشياء ما هو على عمومه فظاهر وأما على عدم العموم لشئ فكل عام ليس مخصوصًا فيكذب كل عام مخصوص.
قوله: (قد خص منه البعض) أى الذى هو كل عام فليس هناك شئ على عمومه إلا كل عام مخصوص فالقاعدة على عمومها ولم يخرج منها شئ إلا لفظ كل عام.
قوله: (قد يحتاج إلى قرينة معين المراد) يعنى أن الاحتياج إلى الدليل لا يشعر بأن الصيغة للعموم حقيقة وفى الخصوص مجاز لجواز أن تكون مشتركة والدليل
стр. 1270
لتعين المراد لا لأصل الدلالة فلا تكون فى الخصوص مجازًا.
قوله: (وذلك. . . إلخ) بيان لوجه دفع ما ذكره العلامة وحاصله أن الصيغ لو كانت مشتركة واردة الخصوص بالقرينة المعينة لكان يفهم منها بعض ما كما يفهم منها الكل ويتعين البعض أو الكل بالقرينة مع أنه ليس كذلك، إذ المفهوم منها إنما هو الكل وعدم خروج شئ منها ولا يفهم البعض إلا بالدليل عليه.
قوله: (والحق ما ذكره المحقق) أى فى فهم معنى كلام المصنف فى الرد وإن كان المآل واحدًا.
стр. 1271
قال: (مسألة: الجمع المنكر ليس بعام لنا القطع بأن رجالًا فى الجموع كرجل فى الوحدان ولو قال له عندى عبيد صح تفسيره بأقل الجمع، قالوا صح إطلاقه على كل جمع فحمله على الجميع حمل على جميع حقائقه، ورد بنحو رجل وإنه إنما يصح على البدل، قالوا: لو لم يكن للعموم لكان مختصًا بالبعض، رد برجل وأنه موضوع للجمع المشترك).
أقول: الجمع المنكر نحو رجال ليس من صيغ العموم عند المحققين لنا القطع بأن رجالًا بين الجموع فى صلوحه لكل عدد بدلًا كرجل بين الوحدان فى صلوحه لكل واحد فكما أن رجلًا ليس للعموم فيما يتناوله من الوحدان وجب أن لا يكون رجال للعموم فيما يتناوله من مراتب العدد، وأيضًا لو قال له عندى عبيد صح تفسيره بأقل الجمع، وهو الثلاثة اتفاقًا، ولو كان ظاهرًا فى العموم لما صح، وربما تمنع الملازمة وتسند بقيام القرينة.
قالوا: أولًا: ثبت إطلاقه على كل مرتبة من مراتب الجموع، فإذا حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه فكان أولى.
الجواب: النقض بنحو رجل فإنه يصح لكل واحد على البدل ولا يوجب ذلك حمله على الجميع، ولا يقال إن ذلك حمل له على جميع حقائقه فكذا ههنا، وقد يفرق بأن جميع الأفراد إحدى حقائقه وهو يتناول سائر الحقائق لأنها مندرجة تحتها فكان الحمل عليه أولى فإنه لما كان مترددًا بين حقائقه كفانا فى الترجيح هذا القدر وأما رجل فليس له حقيقة تتناول البواقى بل الجواب منع كونها حقيقة فى كل مرتبة إنما هى للقدر المشترك بينها فلا دلالة لها على خصوص أصلًا.
قالوا: ثانيًا: لو لم يكن للعموم لكان مختصًا بالبعض واللازم منتف لعدم المخصص وامتناع التخصيص بلا مخصص.
الجواب: أولًا: النقض برجل ونحوه مما ليس للعموم ولا مختصًا ببعض بل شائعًا يصلح للجميع.
وثانيًا: بأنه موضوع للجميع المشترك بين العموم والخصوص ولا يلزم من عدم اعتبار قَيْد هو العموم اعتبار عدمه حتى يلزم اعتبار القيد الآخر وهو الخصوص فلا بلزم من عدم كونه للعموم كونه مختصًا بالبعض.
стр. 1272
قوله: (لما صح) أى تفسيره بأقل الجمع لأنه بعض المقر به ظاهرًا لا كله اللهم إلا أن يقال العدول عن الظاهر لقيام القرينة العقلية هو استحالة أن يكون عنده جميع عبيد الدنيا فالملازمة ممنوعة، والجواب أن معنى العموم جميع عبيده كما فى قولنا له عندى العبيد ولا قرينة تنفى ذلك.
قوله: (على جميع حقائقه) أى على جميع الأفراد التى هى حقيقة فى كل منها لكونه من أفراد الموضوع له لا نفس الموضوع له ليلزم الاشتراك اللفظى وبهذا يندفع ما يقال إنه لا حقيقة له إلا القدر المشترك بين المجموع عملًا بالأولى لأنه مثل الجمع فى أنه يصح لكل واحد على سبيل البدل كما أن الجمع يصح لكل مرتبة وقد يفرق بأن جميع الأفراد أى مراتب الجمع إحدى حقائقه وفى قوله: كفانا فى الترجيح هذا القدر دفع لما ذكره الآمدى من أنه على تقدير كونه حقيقة فى كل عدد بخصوصه فحمله على الاستغراق المحتمل ليس أولى من حمله على الأقل المتيقن، وأما الجواب بمنع كونه حقيقة فى كل مرتبة فلا يخفى ضعفه للقطع بأن كل مرتبة فهى من أفراد القدر المشترك فيكون اللفظ حقيقة فيها من حيث كونها من أفراد الموضوع له ولا حاجة إلى الدلالة عليها بخصوصها كما إذا جاءك زيد فقلت: جاءنى إنسان، ثم أعلم أن ضمير وهو وعليه لجميع الأفراد وكذا ضمير تحتها نظرًا إلى المعنى وضمير كونها ولها بصيغة الجمع وضمير بينها للمراتب واعترض فى بعض الشروح على تجويز المصنِّف إطلاق الجمع على كل مرتبة بأن من مراتبه المرتبة المستغرقة وصدقه عليها إن كان بطريق الحقيقة حصل مدعى المستدل، والجواب أن المدعى كونه ظاهرًا فى العموم والاستغراق بحيث لو أطلق على البعض كالجمع المحلى باللام كان مجازًا وأما كونه حقيقة فيه من حيث إنه من أفراد الموضوع له فلا نزاع فيه للقطع بأن جميع الرجال رجال وقد يجاب بأنه لا تتصور مرتبة مستغرقة لأن كل مرتبة تفرض ففوقها مرتبة أخرى ضرورة عدم تناهى المراتب وهذا بخلاف الجمع العام فإنه عبارة عن مفهوم يتناول جميع المراتب تناول الكلى لجزئياته ولا استحالة فى اندراج الجزئيات غير المتناهية تحت كل واحد وإنما المستحيل تناول الكل لأجزاء غير متناهية وتناول المرتبة الواحدة لجميع المراتب من هذا القبيل وفيه نظر لأن المراد بالمرتبة المستغرقة مفهوم الجمع العام ومعناه أن رجالًا كما يصدق على ثلاثة وأربعة يصدق على جميع الرجال.
стр. 1273
المصنف: (الجمع المنكر ليس بعام) أى بل هو مطلق يراد به تارة مدلول العموم وتارة مدلول الخصوص.
المصنف: (صح إطلاقه على كل جمع فحمله على الجميع حمل له جميع حقائقه) لا يخفى أن فى هذا الاستدلال تسليم أنه موضوع لأى جماعة كانت والحمل على الكل حمل على بعض أفراده للاحتياط وهو ينافى العموم.
قوله: (اللهم إلا أن يقال العدول عن الظاهر. . . إلخ) هو ما أشار إليه الشارح بقوله وربما تمنع الملازمة ويسند بقيام القرينة.
قوله: (ولا قرينة تنفى ذلك) أى مع أنه يصح التفسير فليس ظاهرًا فى العموم.
قوله: (أى على جميع الأفراد) أى المراتب التى هى أى الصيغة حقيقة فى كل منها.
قوله: (عملًا بالأولى) أى عند تعارض الاشتراك اللفظى والمعنوى.
قوله: (لأنه مثل الجمع) أى لأن صيغة الجمع مثل لفظ الجمع فى أنه للقدر المشترك.
قوله: (وأما الجواب يمنع. . . إلخ) أى الجواب الذى ذكره الشارح بقوله بل الجواب منع. . . إلخ.
قوله: (وفيه نظر لأن المراد. . . إلخ) أى فليس معنى عمومه تناوله لجميع المراتب بل بمعنى شموله لجميع الآحاد.
стр. 1274
قال: (مسألة: أبنية الجمع لاثنين يصح وثالثها مجاز، الإمام ولواحد لنا أنه يسبق الزائد وهو دليل الحقيقة والصحة، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، والمراد أخوان، واستدل ابن عباس بها ولم ينكر عليه وعدل إلى التأويل قالوا: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، والمراد أخوان والأصل الحقيقة، رد بقضية ابن عباس، قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، ورد بأن فرعون مراد، قالوا الاثنان فما فوقهما جماعة، وأجيب فى الفضيلة لأنه ﵊ بعث بالشرع لا اللغة، النافون، قال ابن عباس: ليس الأخوان إخوة، وعورض بقول زيد: الأخوان إخوة، والتحقيق أراد أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، قالوا: لا يقال جاءنى رجلان عاقلون ولا رجال عاقلان، وأجيب بأنهم يراعون صورة اللفظ).
أقول: أبنية الجمع هل يصح إطلاقها لاثنين فيه مذاهب، أحدها: لا يصح، ثانيها: يصح حقيقة، ثالثها: يصح مجازًا، رابعها: وهو للإمام يصح ويصح للواحد أيضًا، وأعلم أن النزاع فى نحو رجال ومسلمين، وضربوا واضربوا لا لفظ ج م ع ولا فى نحو نحن فعلنا ولا فى نحو ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، فإنه وفاق كذا فى المنتهى، لنا أما أنه ليس حقيقة فى الاثنين فلأنه يسبق إلى الفهم عند إطلاق هذه الصيغ بلا قرينة الزائد على الاثنين وذلك دليل على أنه حقيقة فى الزائد دونه لما علمت أنه من علامة المجاز أن يتبادر غيره وأما أنه صحيح للاثنين فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، فأطلق الإخوة والمراد أخوان فما فوقهما إجماعًا، ويدل على الأمرين جميعًا أنه قال ابن عباس لعثمان: ليس الإخوان إخوة فى لسان قومك، فقال: لا أنقض أمرًا كان قبلى وتوارثه الناس، واستدل ابن عباس ولم ينكره عثمان عليه بل عدل إلى التأويل وهو الحمل على خلاف الظاهر بالإجماع فدل ذلك على صحته وأنه ليس حقيقة فيه فتدبر الكلام، لنا فى المجاز أنه يسبق وفى الصحة قوله فإن كان.
ولنا استدلال القائلين بكونها للاثنين حقيقة، قالوا: أولًا: قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، والمراد به ما يتناول الأخوين اتفاقًا، والأصل فى الإطلاق الحقيقة.
الجواب: قصة ابن عباس تدل على أنه مجاز، فارتكبناه وإن كان خلاف الأصل.
стр. 1275
قالوا: ثانيًا: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، والمراد موسى وهارون.
الجواب: لا نسلم أن المراد هما فقط بل فرعون مراد معهما.
قالوا: ثالثًا: قال ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" وأنه صريح فى إطلاق لفظ الجمع عليهما لكونه مشتقًا من الجماعة وبمعناها.
الجواب: أن هذا لفظ له محملان لغوى، وهو ما ذكرتم وشرعى وهو انعقاد الجماعة وحصول فضيلتها بهما فوجب حمله على المحمل الشرعى لأنه ﵇ بعث لتعليم الشرع دون اللغة، وأعلم أن هذا الدليل وإن سلم فليس فى محل النزاع لما مر أنه ليس النزاع فى ج م ع وإنما النزاع فى صيغ الجموع.
القائلون بالنفى وهو أنها لا تصلح للاثنين أصلًا، قالوا: أولًا: قال ابن عباس: ليس الأخوان إخوة.
الجواب: المعارضة بقول زيد: الأخوان إخوة والتحقيق أنه أراد أحدهما، وهو ابن عباس بقوله الإخوان ليس بإخوة أنه ليس بإخوة حقيقة، وأراد الآخر وهو زيد بقوله: الأخوان إخوة أنه إخوة مجازًا جمعًا بين الكلامين، وهو ما ذهبنا إليه.
قالوا: ثانيًا: لو صح لاثنين لجاز أن يقال جاءنى رجلان عالمون، ورجال عالمان، فيجعل عالمون فى الأول ورجال فى الثانى لاثنين.
الجواب: لا نسلم الملازمة لأنهم ربما أرادوا مراعاة صورة اللفظ بأن يكون كلاهما جمعًا أو مثنًى وفيه بعد فإنه يقال جاءنى زيد وعمرو وبكر العالمون ولا يقال العالمان ولا جاء زيد وعمرو العالمون.
قوله: (ويصح للواحد أيضًا) قال الإمام فى البرهان: والذى أراه أن الرد إلى رجل واحد ليس بدعًا أيضًا ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين ومثاله أن تقول للمرأة إذا برزت للرجل: أتتبرجين للرجال، لاستواء الواحد والجمع فى استكراه التبرج له وقال مثل الخلاف فى أقل الجمع فى أن الرجل إذا قال لفلان على دراهم وأوصى بدراهم فهو محمول على أقل الجمع إن اثنين فاثنان أو ثلاثة فثلاثة.
قوله: (ولنا استدلال) أى لنا فى الصحة وفى المجازية استدلال ابن عباس وعدول عثمان إلى التأويل فليس هذا دليلًا على مجرد الصحة أو كونه حقيقة فى
стр. 1276
الثلاثة على ما فى الشروح.
قوله: (وفيه) أى فى هذا الجواب (بعد) لأنه لو روعيت الصورة لما تغير وصف المفردات المتعاطفة بلفظ الجمع دون التثنية ووصف الفردين المتعاطفين بلفظ التثنية، دون الجمع وفى هذا الاستبعاد بعد لما تقرر عندهم من أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فتعاطف المفردات بمنزلة الجمع وفى صورته وتعاطف المفردين بمنزلة التثنية وفى صورتها.
المصنف: (الجمع لاثنين يصح) ظاهره أن هناك من يقول بأنه لا يصح للاثنين ولا مجاز أو يلزمه أن لا يصح للواحد ولو مجازًا قال ابن السبكى ولا أعرف قائلًا بذلك.
الشارح: (والصحة فإن كان له إخوة. . . إلخ) أى ودليل الصحة فإن كان له إخوة. . . إلخ.
الشارح: (لا لفظ ج. م. ع) أى لأنه أطلق مجتمع سواء كان اثنين أو أكثر وقوله ولا فى نحو نحن فعلنا أى لأن ذلك موضوع للمتكلم ومعه غيره سواء كان واحدًا أو متعددًا وقوله ولا فى نحو ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، أى مما استكره فيه اجتماع تثنيتين فإنه يصح إرادة الاثنين من الجمع من غير خلاف.
الشارح: (دونه) أى دون الاثنين.
الشارح: (أنه قال ابن عباس لعثمان) أى حيث حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين.
الشارح: (بل فرعون مراد معهما) وهو وإن كان غائبًا لكن أدرج فى المخاطبين تغليبًا.
الشارح: (وهو بعيد فإنه يقال: جاءنى زيد وعمرو وبكر العالمون ولا يقال العالمان ولا جاء زيد وعمرو العالمون) الصواب أن يقول لأنه يقال جاء زيد وعمرو وبكر العالمون ولا يقال جاء زيد العالم وعمرو العالم وبكر العالم ويقال جاء زيد وعمرو العالمان ولا يقال جاء زيد العالم وجاء بكر العالم يعنى فلم تراع صورة الإفراد بل روعى المعنى فتأمل ويظهر أن المراد لفظ العالمان فى الأولى لم يتقدمه صيغة جمع حتى يمتنع ولفظ العالمون فى الثانية لم يتقدمه صيغة تثنية حتى يمتنع
стр. 1277
فكان حقهما الجواز مع امتناعهما فلا غبار على ما قاله وكان على الشارح أن يقول ويقال جاء زيد وعمرو العالمان ولا يقال. . . إلخ.
قوله: (أتتبرجين للرجال لاستواء الواحد والجمع فى استكراه التبرج له) أى فقد أطلق الجمع على الواحد مجازًا وفيه أن الرجال من صيغ العموم المستعمل فى الخصوص لا من الجمع المنكر الذى الكلام فيه على أنه لا يلزم أن يكون مستعملًا فى الواحد مجازًا بل مستعمل فى الأكثر من الواحد على الأصل والمعنى التبرج للرجال هل هو عادتك حتى تتبرجى لهذا الرجل، ومثله يراد كثيرًا يقول القائل لمن هو مظنة الظلم عند مشاهدته يظلم واحدًا أتظلم المسلمين ثم الحق أن إطلاق الجمع على الواحد مجازًا صحيح متى وجد المصحح كقولك: رأيت رجالًا وقد رأيت رجلًا يقوم مقام الكل وغير صحيح إذا لم يوجد المصحح.
стр. 1278
قال: (مسألة: إذا خص العام كان مجازًا فى الباقى الحنابلة حقيقة، الرازى إن كان غير منحصر أبو الحسين إن خص بما لا يستقل من شرط أو صفة أو استثناء، القاضى: إن خص بشرط أو استثناء، عبد الجبار: إن خص بشرط أو صفة، وقيل: إن خص بدليل لفظى، الإمام حقيقة فى تناوله مجاز فى الاقتصار عليه، لنا لو كان حقيقة لكان مشتركًا لأن الفرض أنه حقيقة فى الاستغراق، وأيضًا الخصوص بقرينة كسائر المجاز).
أقول: العلم إذا خصص وأريد به الباقى فهو مجاز أو حقيقة، الجمهور على أنه مجاز، وقالت الحنابلة: حقيقة، وقال أبو بكر الرازى: حقيقة إن كان الباقى غير منحصر، أى له كثرة يعسر العلم بقدرها، وإلا فمجاز، وقال أبو الحسين البصرى: حقيقة إن خصص بمخصص لا يستقل بنفسه من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية وإن خصص بمستقل من سمع أو عاقل فمجاز، وقال القاضى أبو بكر: حقيقة إن خصص بشرط أو استثناء لا صفة وغيرها، وقال القاضى عبد الجبار: حقيقة إن خصص بشرط أو صفة لا استثناء وغيره، وقيل حقيقة إن خصص بدليل لفظى اتصل أو انفصل.
وقال الإمام: حقيقة فى تناوله مجاز فى الاقتصار عليه لنا أنه لو كان حقيقة فى الباقى كما فى الكل لكان مشتركًا بينهما واللازم منتف، إما الملازمة فلأنه ثبت للعموم حقيقة والبعض مخالف له فى المعقول والمفروض أنه حقيقة فيه فيكون حقيقة فى معنيين مختلفين وهو معنى المشترك، وإما بطلان اللازم فلأن الفرض وقع فى مثله وأيضًا لو كان حقيقة لكان كل مجاز حقيقة واللازم ظاهر البطلان، بيان الملازمة أنه إنما يحكم بكونه حقيقة لأنه ظاهر فى الخصوص مع القرينة وإن كان ظاهرًا بدونها فى العموم، وكل لفظ بالنسبة إلى معناه المجازى كذلك وقد يقال إرادة الاستغراق باقية إذ المراد بقول القائل أكرم بنى تميم الطوال عند الخصم أكرم بنى تميم من قد علمت من صفتهم أنهم الطوال سواء عمهم الطول أو خص بعضهم ولذلك يقول وأما القصار منهم فلا تكرمهم ويرجع الضمير إلى بنى تميم لا إلى الطوال منهم وأيضًا فلم يرد الباقى بوضع واستعمال ثان بل بالوضع والاستعمال الأول وإنما طرأ عليه عدم إرادة المخرج بخلاف المجاز وبه يعرف الجواب عن الثانى.
стр. 1279
قوله: (عبد الجبار حقيقة إن خصص بشرط أو صفة) هذا خلاف ما اختاره فى عمدة الأدلة حيث قال: والصحيح أنه يصير مجازًا بأى شئ خصص لأنه استعمال اللفظ فى غير ما وضع له بقرينة اتصلت أو انفصلت استقلت أم لا.
قوله: (الإمام حقيقة فى تناوله) قال فى البرهان والذى أراه اجتماع جهتى الحقيقة والمجاز فى اللفظ لأن تناوله لبقية المسميات لا تجوّز فيه فهو من هذا الوجه حقيقة فى المتناول واختصاصه بها وقصوره عما عداها جهة فى التجوّز والقول الكامل أن العمل واجب واللفظ حقيقة فى تناول البقية مجاز فى الاختصاص.
قوله: (والبعض مخالف له) أى للعموم (فى المعقول) أى المفهوم يعنى ثبت كونه حقيقة فى العموم من حيث هو عموم وهو لا يصدق على البعض فلا يكون إطلاقه عليه حقيقة باعتبار مفهوم واحد مشترك بين الكل والبعض ليكون الاشتراك معنويًا بل يتعين الاشتراك اللفظى وهو خلاف ما فرض من كونه ظاهرًا فى العموم غير مشترك بينه وبين الخصوص وهذا معنى قوله: (فلأن الفرض وقع فى مثله) أى فيما ليس مشتركًا لفظًا، قال فى المنتهى: والثانية الفرض أو لكونه خلاف الأصل.
الشارح: (وأيضًا لو كان حقيقة لكان كل مجاز حقيقة. . . إلخ) شرح لقول المصنف وأيضًا الخصوص بقرينة كسائر المجاز.
الشارح: (إرادة الاستغراق بقية) اعترض بأن الحكم فى العام المخصوص إنما هو على البعض والمعتبر الاستعمال الذى يكون مناطًا للحكم فلا إرادة للاستغراق استعمالًا على أنه يتضمن لغوًا ضرورة أن الحكم على البعض يتم بإرادة البعض المتعلق للحكم فإرادة البعض الآخر معه لغو وأجيب بأن العام مستعمل فى الكل ثم أخرج منه البعض ثم عرض الحكم فالحكم على البعض الذى بقى بعد الإخراج من الكل ومثله مثل الكناية فإنه يذكر فيها شئ ويكون مناط الحكم شيئًا آخر يكنى به إليه كما تقول فلان طويل النجاد كناية عن طول القامة فكذا هنا المذكور العام والمقصود بالحكم البعض بدلالة المخصص وهذا طريق إلى التعبير غايته أنه أطول من التعبير بمفهوم آخر ولا لغو فيه، وهذا ظاهر فى المخصص المتصل وأما
стр. 1280
فى المنفصل فغير ظاهر لأنه ليس مرتبطًا بالعام بل مفيد لحكم معارض لحكم العام فى بعض الأفراد ولدفع المعارضة يصير قرينة على أن الحكم فى العام على البعض غير المتناول له هذا المخصص.
الشارح: (وأيضًا فلم يرد الباقى بوضع واستعمال ثان) رده فى التحرير بأن الحقيقة هى إرادة الباقى بالأول من حيث هو داخل فى تمام الوضعى المراد باللفظ لا بمجرد كونه تمام المراد بالحكم، أما إذا أريد هذا فكونه موضوعًا له إنما هو بالثانى. اهـ. وأعلم أن من فرق بين العام والمخصوص والعام المراد به الخصوص فقال: إن الثانى مجاز لأن عمومه ليس مرادًا لا تناولًا ولا حكمًا، وأما الأول فحقيقة لأن عمومه مراد تناولًا لا حكمًا يقول بأن المخصص بالاستثناء أو الشرط والغاية والصفة من الأول فكون ما ذكر حقيقة منظورًا فيه لاستعمال اللفظ فى الجميع ثم أخرج منه البعض ثم عرض الحكم بعد الإخراج وهناك توجيه آخر لكونه حقيقة هو أن العموم بالنظر إلى المقيد والقيد فالعموم فى مثل أكرم بنى تميم الفقهاء إنما هو باعتبار الموصوف والصفة فالمعنى أكرم جميع الفقهاء من بنى تميم وكذا الباقى فقولك أكرم بنى تميم إن جاءوا فى معنى أكرم جميع الجائين منهم وفى أكرم بنى تميم إلا زيدًا أكرم جميع بنى تميم المخرج منهم زيد وفى التنقيح أن التخصيص هو قصر العام على بعض أفراده بمستقل وهو إما بالكلام أو غيره وهو إما العقل نحو خالق كل شئ يعلم ضرورة أن اللَّه تعالى مخصوص منه وإما الحس وأما العادة وأما غير ذلك مما ذكره وأما قصر العام على بعض أفراده بغير مستقل كالشرط والغاية والصفة فلا يسمى تخصيصًا عنده وهو حقيقة فى الباقى والأول مجاز.
стр. 1281
(قال الحنابلة: التناول باق فكان حقيقة وأجيب بأنه وإن مع غيره قالوا يسبق وهو دليل الحقيقة قلنا بقرينة وهو دليل المجاز الرازى إذا بقى غير منحصر فهو معنى العموم وأجيب بأنه كان للجميع أبو الحسين لو كان ما لا يستقل يوجب تجوّزًا فى نحو الرجال المسلمون وأكرم بنى تميم إن دخلوا لكان نحو مسلمون للجماعة مجازًا، ولكان نحو المسلم للجنس أو للعهد مجازًا ونحو ألف سنة إلا خمسين عامًا مجازًا، وأجيب بأن الواو فى المسلمون كألف ضارب وواو مضروب، والألف واللام فى المسلم وإن كان كلمة حرفًا أو اسمًا فالمجموع الدال والاستثناء سيأتى والقاضى مثله إلا أن الصفة عنده كأنها مستقلة وعبد الجبار كذلك إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص المخصص باللفظية لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوزًا. . . إلخ وهو أضعف. الإمام: العام كتكرار الآحاد وإنما اختصر فإذا أخرج بعضها بقى الباقى حقيقة، وأجيب بالمنع فإن العام ظاهر فى الجميع فإذا خص خرج قطعًا والمتكرر نص).
أقول: الحنابلة وهم القائلون بأنه حقيقة قالوا: أولًا: كان اللفظ متناولًا له حقيقة باتفاق والتناول باق على ما كان لم يتغير إنما طرأ عدم تناول الغير.
الجواب: كان يتناوله مع غيره، والآن يتناوله وحده وهما متغايران فقد استعمل فى غير ما وضع له، وقد يقال كونه لا يتناول غيره أو يتناوله لا يغير صفة تناوله لما يتناول.
قالوا: ثانيًا: يسبق إلى الفهم إذ مع القرينة لا يحتمل غيره وهو دليل الحقيقة.
الجواب: أنه إنما يتبادر مع القرينة إذ دونها يسبق العموم وأنه دليل المجاز، وقد يقال إرادة الباقى معلومة دون القرينة إنما المحتاج إلى القرينة عدم إرادة المخرج، الرازى وهو القائل بأنه حقيقة إن بقى غير منحصر.
قال: معنى العموم حقيقة كون اللفظ دالًا على أمر غير منحصر فى عدد فإذا كان الباقى غير منحصر كان عامًا.
الجواب: منع كون معناه ذلك بل معناه تناوله للجميع وكان للجميع وقد صار لغيره فكان مجازًا ولا يخفى أن هذا منشؤه فاشتباه كون النزاع فى لفظ العام أو فى الصيغ أبو الحسين وهو القائل بأنه حقيقة إن خص بغير مستقل، قال: لو كان التقييد بما لا يستقل يوجب تجوّزًا فى نحو الرجال المسلمون من المقيد بالصفة،
стр. 1282
وأكرم بنى تميم، إن دخلوا من المقيد بالشرط لكان نحو مسلمون للجماعة، مجازًا ولكان نحو المسلم للجنس، أو للعهد مجازًا، ولكان نحو ألف سنة إلا خمسين عامًا مجازًا، واللوازم الثلاثة باطلة بالاتفاق بيان الملازمة أن كل واحد من المذكورات مقيد بقيد هو كالجزء له وقد صار به لمعنى غير ما وضع له أولًا وهى بدونه للمنقول عنه ومعه للمنقول إليه ولا يحتمل غيره وقد جعلتم ذلك موجبًا للتجوّز فالفرق تحكم.
الجواب: أن ما ذكرتم من الصور ليس شئ منها عامًا مقيدًا فإن الواو فى مسلمون كألف ضارب وواو مضروب جزء الكلمة والمجموع لفظ واحد والألف واللام فى المسلم وإن كانت كلمة سواء كان اسمًا وهو ما كان بمعنى الذى أو حرفًا وهو ما سواه فالمجموع الدال وهو الجنس والقيد لا أن مسلم للجنس والألف واللام للقيد والاستثناء سيأتى أنه إخراج بعد إرادة العموم من اللفظ وشئ مما ذكرنا لا يتحقق فى العام المخصص فلم يلزم من كون ذلك مجازًا كون هذه مجازات، القاضى أبو بكر قال: مثل ما قال أبو الحسين وهو إلزام أن يكون مسلمون والمسلم وألف سنة إلا خمسين عامًا مجازات إلا أن الصفة عنده كأنها مخصص مستقل فلا يتناولها الدليل ويحققه أن تخصيصها ليست لفظية بدليل أن الصفة قد تشمل أفراد الموصوف نحو الجسم الحادث والصانع القديم وقد لا تشمل إلا أن ذلك يعلم من خارج لا من الصفة. والقاضى عبد الجبار قال مثل ما قالاه إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص لما ستعلم أن المستثنى باق على عمومه فى الإرادة والتخصيص إنما هو فى الإسناد، القائل بأن المخصص بالدلائل اللفظية حقيقة قال: لو كانت الدلائل اللفظية توجب تجوّزًا لكان نحو مسلمون والمسلم مجازًا. . إلخ وهذا ضعيف بالمرة لما مر أن المتصل كالجزء من الكلام كما فى صورة الإلزام سيصلح جامعًا وأما تعميمه فى غير المتصل مع ظهور الفرق فلا وجه له.
الإمام قال: العام كتكرير الآحاد المتعددة، قال أهل العربية: معنى الرجال فلان وفلان وفلان إلى أن يستوعب وإنما وضع الرجال اختصارًا وإذا كان كذلك لا شك أنه فى تكرير الآحاد إذا بطل إرادة البعض لم يصر الباقى مجازًا فكذا ههنا.
الجواب: منع كونه كتكرار الأفراد، وإنما يقول أهل العربية ذلك لا لأنه مثله فى جميع أحكامه بل لبيان الحكمة فى وضعه بل العام ظاهر فى الجميع فإذا أخرج
стр. 1283
بعض خرج عما هو ظاهر فيه قطعًا، وهو معنى المجاز والمكرر استعمل كل واحد فى كل واحد نصًا، وإذا خرج بعض عن الإرادة بقى الباقى نصًا فيما يتناوله لم يتغير عن وضعه أصلًا.
قوله: (وقد يقال) جواب عن الدليل الأول بوجهين وعن الثانى بوجه واحد، حاصل الأول أنا لا نسلم أن العام بعد التخصيص يراد به خصوص الباقى دون الاستغراق ليكون معنًى آخر ويلزم منه عدم مجازية الاشتراك، وحاصل الثانى أنه لو سلم إرادة الباقى فبالاستعمال الأول الطارئ عليه عدم إرادة القدر الذى أخرج من المجموع وحينئذ يتوجه على الدليل الأول أنا لا نسلم أنه لو كان حقيقة فى الباقى لكان مشتركًا لفظًا وإنما يلزم لو كان ذلك بوضع ثان واستعمال ثان، وعلى الثانى أنا لا نسلم أنا لا نحكم بكونه حقيقة إلا لكونه ظاهرًا فى الخصوص مع القرينة بل لكونه مستعملًا فى معناه الأول غايته أنه طرأ عليه عدم إرادة البعض وهذا بخلاف المجاز فإنه إنما يكون باستعمال ثان ضرورة أن استعمال الحقيقة يكون فى الموضوع له والمجاز فى غيره فقوله لم يرد الباقى بوضع واستعمال ثان يعنى بوضع شخصى ليلزم الاشتراك أو نوعى ليلزم المجاز ولم يقتصر على الاستعمال ملاحظة لجانب الاشتراك.
قوله: (وقد يقال) اعتراض غير متوجه لأن حاصل الجواب أن بقاء التناول لا يوجب كونه حقيقة وإن كون اللفظ حقيقة أو مجازًا أمر إضافى يختلف بالحيثية فكونه حقيقة قبل التخصيص لم يكن من حيث كونه متناولًا للباقى ولا للباقى حتى يكون بقاء التناول مستلزمًا لبقاء كونه حقيقة بل من حيث إنه مستعمل فى المعنى الذى ذلك الباقى بعض منه وبعد التخصيص قد يستعمل فى نفس الباقى فلا يبقى حقيقة والقول بأنه كان متناولًا له حقيقة مجرد عبارة والكلام فى الحقيقة المقابلة للمجاز وهى صفة للفظ وكذا اعتراضه على الجواب عن الدليل الثانى بأن إرادة الباقى معلومة دون القرينة لأن اللفظ إنما يكون حقيقة إذا علم إرادة الباقى على أنه نفس المراد وقبل القرينة إنما يعلم على أنه داخل تحت المراد وجزء منه وإنما يصير تمام المراد بمعونة القرينة وهذا معنى المجاز.
قوله: (ولا يخفى) مثل هذا الاشتباه وقع لكثير من الأصوليين فى كثير من المواضع يكون الأمر للوجوب والجمع للاثنين والعام مجازًا فى الباقى والاستثناء
стр. 1284
مجازًا فى المنقطع وهذا من باب اشتباه العارض بالمعروض.
قوله: (أبو الحسين) قد عرفت أن مذهبه أنه حقيقة إن خص بغير مستقل من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية وعلى هذا فمثل ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] يكون من صور الدعوى لا من صور الاتفاق وقد يجاب بأن الخلاف فى العام المخصص ومثل: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، ليس منه لأن أسماء العدد ليست من العموم فى شئ فهى بعد الاستثناء حقيقة اتفاقًا أى بينه وبين الخصم لا بين الكل لما سيأتى فى الاستثناء أن بعضهم على أن عمرة إلا ثلاثة مجاز عن السبعة والاستثناء قرينة وعلى هذا كان ينبغى أن يقول بعد قوله وأكرم بنى تميم إن دخلوا من المقيد بالشرط وأكرم بنى تميم إلا الداخلين من المقيد بالاستثناء ولا يخفى عليك أن قوله والاستثناء سيأتى أنه إخراج بعد إرادة العموم مشعر بأن العام الذى أخرج منه البعض بالاستثناء باق على عمومه بحسب الدلالة والإرادة وليس من العام المخصص فى شئ وليس بمجاز فما ذكرنا عند تقرير المذاهب من أن العام المخصص بالاستثناء عند أبى الحسين حقيقة يكون بالنظر إلى الحكم والإسناد على ما سيأتى فى الاستثناء من أنه على المختار يحتمل أن يكون تخصيصًا وأن لا يكون.
قوله: (سواء كان اسمًا) إن كان الكلام فى مطلق المعرف باللام فظاهر أن اللام قد تكون اسمًا، وقد تكون حرفًا، وإن كان فى مثل المسلم فالجمهور على أنه اسم موصول وكونه حرف التعريف إنما هو قول المازنى وأظن أن الخلاف فى الصفات التى تصلح صفة للموصول ويقصد بها معنى الفعل من نحو الضارب والقائم دون مثل المؤمن والكافر والصانع والحائك وما أشبه ذلك وبالجملة فالمجموع يعدّ فى العرف كلمة واحدة ويفهم منه معنًى واحد من غير تجوّز ونقل من معنًى إلى آخر، ولا كذلك الموصوف مع الصفة.
قوله: (فلا يتناولها الدليل) لأن صورة الاتفاق على كونها ليست بمجازات كلها مما يقيد بقيد هو كالجزء لا استقلال له فلا يصح إلحاق المستقل بها ويرد عليه مثل ما سبق أن الاستثناء من صور الدعوى وقد ذكر فى صور الاتفاق.
قوله: (والقاضى عبد الجبار قال مثل ما قالاه) أى أبو الحسين والقاضى أبو بكر وتقريره أنه لو كان التخصيص بالشرط أو الصفة يوجب التجوّز لكان مثل المسلمين والمسلم مجازًا ولم يتعرض لجواب القاضيين اكتفاء بجواب أبى الحسين ثم ظاهر
стр. 1285
الكلام أن مذهب القاضى عبد الجبار أن ما أخرج منه البعض بالاستثناء فهو حقيقة وأنه على عمومه بحسب الدلالة والإرادة لم يطرأ عليه نقل ولا استعمال فى الغير وكلام الآمدى صريح فى أن مذهبه أنه يجاز وفى قوله: والتخصيص إنما هو فى الإسناد تصحيح لكون المستثنى منه من البحث أعنى العام المخصص وتوجيه لما وقع فى عبارة عبد الجبار من تخصيص العام بالاستثناء.
قوله: (مع ظهور الفرق) وهو كون القيد فى صورة الاتفاق غير مستقل كما فى المخصص المتصل، ومستقلًا فى المنفصل ولا يلزم من مجازية المقيد بالمستقل مجازية المقيد بغير المستقل وقريب من ذلك ما فى الشروح أن الجامع كما كان أخص كان القياس أقوى لجواز أن تكون علة الأصل هى ذلك الأخص ولا توجد فى الفرع ولا خفاء فى أن القرينة اللفظية غير المستقلة أخص من مطلق القرينة كاللفظية.
قوله: (العام كتكرير الآحاد) اقتصر على بيان كونه حقيقة فى التناول دون كونه مجازًا فى الاقتصار لظهوره حيث كان غير مقتصر فصار مقتصرًا ثم لا يخفى ما فى قوله والمكرر استعمل كل واحد فى كل واحد نصًا والصواب فى واحد.
الشارح: (فالمجموع الدال وهو الجنس والقيد) الأولى وهو مسلم و"ال".
الشارح: (ويحققه أن تخصيصها ليست لفظية) تحريف وحقه أن تخصيصها ليس لفظيًا أى ليس مستفادًا من اللفظ بل يعلم من خارج كما قال.
قوله: (وعلى هذا كان ينبغى. . . إلخ) مردود بأن الاستثناء داخل فى نحو لأنه قال: يوجب تجوزًا فى نحو الرجال المسلمون وقوله: ولا يخفى عليك أن قوله أى الشارح وقوله يكون بالنظر إلى الحكم أى كونه عامًا مخصوصًا إنما هو بالنظر إلى الحكم وإلا فهو بالنظر لذاته باق على عمومه.
قوله: (ويرد عليه مثل ما سبق. . . إلخ) ويجاب عنه أيضًا بمثل ما سبق من أن المذكور فى صور الاتفاق ليس من العام؛ لأن أسماء العدد ليست من العموم فى شئ.
قوله: (لظهوره حيث كان غير مقتصر فصار مقتصرًا) اعترض بأنه لم يستعمل فى الاقتصار حتى يكون مجازًا فيه فإن أريد استعماله فيما اقتصر عليه من العام لم يصح كونه حقيقة وقد قال: إنه حقيقة فى التناول بمعنى المتناول.
стр. 1286
قال: (مسألة: العام بعد التخصيص بمبين حجة، وقال البلخى: إن خص بمتصل، وقال البصرى: إن كان العموم منبئًا عنه، كـ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وإلا فليس بحجة]: كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، فإنه لا ينبئ عن النصاب والحرز، عبد الجبار إن كان غير مفتقر إلى بيان كالمشركين بخلاف: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإنه مفتقر قبل إخراج الحائض، وقيل حجة فى أقل الجمع، وقال أبو ثور ليس بحجة لنا ما سبق من استدلال الصحابة مع التخصيص، وأيضًا القطع بأنه إذا قال أكرم بنى تميم ولا تكرم فلانًا فترك عدّ عاصيًا، وأيضًا فإن الأصل بقاؤه واستدل لو لم يكن حجة لكانت دلالته موقوفة على دلالته على الآخر واللازم باطل لأنه إن عكس فدور، وإلا فتحكم، وأجيب بأن الدور إنما يلزم بتوقف التقدم وأما بتوقف المعية فلا، قالوا: صار مجملًا لتعدد مجازه فيما بقى وفى كل منه قلنا لما بقى بما تقدَّم أقل الجمع هو المتحقق وما بقى مشكوك قلنا لا شك مع ما تقدَّم).
أقول: قد اختلف فى العام المخصص هل هو حجة فيما بقى أم لا أما الخصص بمجمل نحو هذا العام مخصوص أو لم يرد كل ما يتناوله فليس بحجة بالاتفاق إنما الكلام فى المخصص بمبين مثل أن يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ثم يظهر أن الذمى غير مراد والمختار أنه حجة فيما بقى، وقال البلخى إن خص بمتصل فحجة وإن خص بمنفصل فلا، وقال أبو عبد اللَّه البصرى، إن كان لفظ العموم منبئًا عنه قبل التخصيص فحجة وإلا فلا، مثاله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فإنه ينبئ عن الحربى إنباءه عن الذمى بخلاف السارق والسارقة فاقطعوا فإنه لا ينبئ عن كون المال نصاب السرقة، وهو الربح ومخرجًا من حرز فإذا بطل العمل به فى صورة انتفائهما لم يعمل به فى صورة وجودهما، وقال عبد الجبار: إن كان قبل التخصيص لا يحتاج إلى بيان فهو حجة وإلا فلا، مثاله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فإنه بين فى مراده قبل إخراج الذمى بخلاف: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإنه مفتقر إلى البيان قبل إخراج الحائض ولذلك بينه رسول اللَّه ﷺ بفعله، فقال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى"، وقيل يبقى حجة فى أقل الجمع من اثنين أو ثلاثة على الرأيين، وقال أبو ثور ليس بحجة مطلقًا لنا ما سبق من استدلال الصحابة مع التخصيص، وتكرر وشاع ولم ينكر فكان إجماعًا، ولنا أيضًا أنا نقطع بأنه إذا قال أكرم بنى تميم، وأما فلانًا منهم فلا تكرمه فترك إكرام
стр. 1287
سائر بنى تميم عدّ عاصيًا فدل على ظهوره فيه وهو المطلوب، ولنا أيضًا أنه كان متناولًا للباقى والأصل بقاؤه على ما كان عليه واستدل بأنه لو لم يكن حجة فى الباقى لكان إفادته للباقى موقوفة على إفادته للآخر بالضرورة واللازم باطل لأنه إن عكس حتى توقف إفادته للآخر على إفادته له لزم الدور وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح، وهو التحكم.
الجواب: أن التوقف ينقسم إلى توقف تقدم كالمعلول على العلة والمشروط على الشرط والتوقف من الطرفين بهذا المعنى محال ضرورة استلزامه تقدم الشئ على نفسه وهو المراد بالدور إذا أطلق وحكم باستحالته وإلى توقف معية كتوقف كون هذا ابنًا لذاك على كون ذاك أبًا لهذا وبالعكس وكتوقف قيام كل من اللبنتين المتساندتين على قيام الأخرى وهذا لا يمتنع من الطرفين وليس دورًا مطلقًا وإن كان يعبر عنه بدور المعية ثم التوقف فيما ذكرتم من الطرفين هو توقف معية فلا يمتنع.
قالوا: أولًا: حقيقته العموم ولم ترد وسائر ما تحته من المراتب مجازاته وإذا لم ترد الحقيقة وتعددت المجازات كان اللفظ محملًا فيها فلا يحمل على شئ منها، وإلا بقى أحد المجازات فلا يحمل عليه فيبقى مترددًا بين جميع مراتب الخصوص فلا يبقى حجة فى شئ منها.
الجواب: إنما ذلك إذا كانت المجازات متساوية ولا دليل على تعيين أحدها، وما ذكرناه من الأدلة دلت على حمله على الباقى فيصار إليه.
قالوا: ثانيًا: أقل الجمع هو المتحقق والباقى مشكوك فيه فلا يصار إليه، وهذا حجة على من قال بأنه حجة فى أقل الجمع.
والجواب: لا نسلم أن الباقى مشكوك فيه لما ذكرنا من الدلائل على وجوب الحمل على ما بقى.
قوله: (أما المخصص بمجمل) أى مبهم غير معين كما إذا قال هذا العام مخصوص أو قال هذا العام لم يرد به كل ما يتناوله أو قال اقتلوا المشركين إلا بعضهم.
قوله: (ثم يظهر) أى بلفظ متصل أو منفصل أو بغيره.
стр. 1288
قوله: (منبئًا عنه) أى عما بقى مثل لفظ المشركين فإنه قبل إخراج الذمى ينبئ عن الحربى أى ينتقل الذهن إليه ويعلم حكمه بخلاف السارق إذا أخرج منه السارق لغير النصاب ومن غير الحرز فإنه لا ينبئ عن السابق لربع دينار من الحرز ولا ينتقل الذهن إلى ذلك ما لم ينبه الشارع على التفصيل ولدقة هذا الفرق قال الشارح العلامة كما أن المشركين قبل التخصيص ينبئ عن الذمى، كذلك السارق ينبئ عن السارق لغير النصاب، ومن غير الحرز، وكما لا ينبئ السارق عن النصاب والحرز الذى هو سبب التخصيص، كذلك المشركون لا ينبئ عن سبب تخصيص الذمى وسوق كلامه يشير إلى أن ضمير عنه للقدر المخرج، وقد صرح بأنه لما خص به العام ولا خفاء فى أنه إنما يصدق على الباقى دون المخرج اللهم إلا أن يراد ما خص العام بسببه أى بسبب إخراجه.
قوله: (لنا ما سبق) احتج بوجوه ثلاثة ينتهض بعضها على الكل وبعضها على البعض، وتقرير الثالث على ما فى الشروح أنه قبل التخصيص كان حجة فى كل واحد فتبقى حجيته حتى يظهر المعارض ولم يظهر إلا فى القدر المخصوص فتبقى حجيته حتى يظهر المعارض ولم يظهر إلا فى القدر المخصوص فتبقى فى الباقى.
قوله: (بالضرورة) لأنه لا معنى لتوقف إفادته للباقى على إفادته للآخر إلا إنه إذا أفاد الآخر ودل عليه وكان حجة فيه أفاد الباقى ودل عليه وكان حجة فيه وإذا انتفى ذلك فى حق الآخر انتفى فى حق الباقى.
قوله: (وإلا كان ترجيحًا بلا مرجح) لأن التقديرين كلًا منهما بعض العام ومدلول لضمنى له من غير فرق ولولا هذا التقدير لجاز أن تتوقف إفادة اللفظ لمعنى على إفادته لآخر من غير عكس كما فى المدلول التضمنى أو الالتزامى بالنسبة إلى المطابقى على أنك إذا تحققت بالتوقف فى مثل هذا أيضًا من الجانبين.
قوله: (وهو المراد بالدور إذا أطلق) ربما يشعر بأنه حقيقة الدور والمعية مجاز لا تفهم إلا بقرينة.
قوله: (وما ذكرناه من الأدلة) إشارة إلى أن ما تقدَّم عبارة عن الأدلة الثلاثة السابقة لا عن الآخر منها كما ذكره بعض الشارحين.
стр. 1289
قال: (مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال فى عمومه اتفاقًا والعام على سبب خاص بسؤال مثل قوله ﵊ -لما سئل عن بئر بضاعة-: "خلق اللَّه الماء طهورًا لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه"، أو بغير سؤال كما روى أنه ﷺ مر بشاة ميمونة فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"، معتبر فى عمومه على الأكثر، ونقل عن الشافعى خلافه لنا استدلال الصحابة بمثله، كآية السرقة وهى فى سرقة المجن، أو رداء صفوان، وآية الظهار فى سلمة بن صخر وآية اللعان فى هلال بن أمية، أو غيره، ولنا أيضًا فإن اللفظ عام فالتمسك به. قالوا: لو كان عامًا لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد، وأجيب بأنه اختص بالمنع للقطع بدخوله على أن أبا حنيفة ﵀ أخرج الأمة المستفرشة من عموم: "الولد للفراش"، فلم يلحق ولدها مع وروده فى ولد زمعة، وقد قال عبد اللَّه بن زمعة هو أخى وابن وليدة أبى ولد على فراشه، قالوا: لو عم لم يكن فى نقل السبب فائدة، قلنا فائدته منع تخصيصه ومعرفة الأسباب، قالوا لو قال تغد عندى فقال: واللَّه لا تغدّيت لم يعم، قلنا: العرف خاص، قالوا: لو عم لم يكن مطابقًا، قلنا طابق وزاد، قالوا: لو عم لكان حكمًا بأحد المجازات بالتحكم لفوات الظهور بالنصوصية. قلنا: النص خارجى بقرينة).
أقول: الجواب: إن لم يكن مستقلًا بدون السؤال كان فى عمومه وخصوصه تابعًا للسؤال مثل أن يسأل هل يتوضأ بماء البحر فيقول نعم، ولا نزاع فيه وإنما النزاع فيما إذا بنى عام مستقل على سبب خاص سواء كان ذلك السبب سؤالًا أم لا، مثال الأول قوله ﵊ -لما سئل عن بئر بضاعة-: "خلق اللَّه الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه"، والثانى كما روى أنه مر بشاة ميمونة فقال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"، ففى هاتين الصورتين العبرة بعموم اللفظ فيحكم بطهورية كل ماء وطهر كل إهاب، أو بخصوص السبب فيحكم بطهورية بئر بضاعة وطهر إهاب الشاة.
قال: الأكثر أن المعتبر عموم اللفظ، ونقل عن الشافعى خلافه وهو أنه لا عبرة بعموم اللفظ إنما المعتبر خصوص السبب، لنا أن الصحابة عممت أكثر العمومات مع ابتنائها على أسباب خاصة، فمنها آية السرقة، ونزلت فى سرقة المجن، أو رداء صفوان على الخلاف فيه، ومنها آية الظهار ونزلت فى سلمة بن صخر، ومنها آية
стр. 1290
اللعان ونزلت فى هلال بن أمية وكذلك غيره من العمومات لكل سبب خاص، ولنا أيضًا أن اللفظ عام، والعمل به وخصوص السبب لا يصلح معارضًا إذ لا منافاة قطعًا.
قالوا: أولًا: لو كان عامًا للسبب ولغيره لجاز تخصيص السبب عنه بالاجتهاد حتى يجوز فى المثالين الحكم بعدم طهورية بئر بضاعة وطهارة إهاب الشاة وبطلانه قطعى متفق عليه.
الجواب: لا نسلم الملازمة فإنه يختص من بين ما يتناوله العموم بالمنع عن إخراجه للقطع بدخوله فى الإرادة ولا بعد أن يدل الدليل على إرادة خاص فيصير كالنص فيه والظاهر فى غيره فيمكن إخراج غيره دونه ويمكن أيضًا منع بطلان اللازم فإنه نقل عن أبى حنيفة ﵀ إخراج السبب بالاجتهاد لأن قوله ﵊: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" عام فى كل مستفرشة من أمة أو زوجة وأنه ورد فى ولد زمعة وهو ولد أمة مستفرشة، قال عبد اللَّه بن زمعة فى جواب من كان يدعى أنه ابن أخيه: هو أخى وابن وليدة أبى ولد على فراشه، فقال الرسول ﷺ ذلك، فالسبب هو الأمة المستفرشة ومع هذا فإن أبا حنيفة يخرجها عن العموم بالاجتهاد فلا يلحق ولدها بسيدها.
قالوا: ثانيًا: لو عمَّ العام فى السبب وغيره كان نسبته إليهما سواء وإذ لا يختص السبب بحكم فلا يكون لذكر السبب فائدة فلم يبالغوا فى بيانه وتدوينه وحفظه متعبين أنفسهم فى ذلك ولم يقع الاختلاف فيه عادة.
الجواب: لا نسلم انتفاء الفائدة حينئذٍ إذ لا يلزم من انتفاء الفائدة المعينة انتفاؤها مطلقًا بل فائدته منع تخصيصه بالاجتهاد ونفس معرفة الأسباب إذ ليس كل معرفة يراد العمل بها.
قالوا: ثالثًا: الاتفاق على أنه لو قال تغدّ عندى فقال واللَّه لا تغدّيت لم يعم قوله لا تغدّيت كل تغدّ ونزل على التغدّى عنده حتى لو تغدّى لا عنده لم يحنث.
الجواب: خرج ذلك من عموم دليلنا لعرف خاص فيه والتخلف لمانع لا يقدح فى الدليل ولا يصرفه عما لا يتحقق فيه المانع.
قالوا: رابعًا: لو عم السبب المسئول عنه وغيره لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال وأنه مما يجب نفى مثله من الشارع.
стр. 1291
والجواب: منع الملازمة بل قد جاء بالجواب المطابق وزاد عليه ما لم يسأل عنه وذكر الزيادة لا يخرجه عن المطابقة.
قالوا: خامسًا: لو كان عامًا لكان حكمًا بأحد المجازات بالتحكم واللازم منتف بيان الملازمة أن ظهوره فى العموم قد فات بنصوصيته فى صورة السبب حيث يتناولها بخصوصها بعد أن لم يكن فصار مصروفًا عما وضع له إلى غير ما وضع له والسبب خاصة مع سائر الخصوصيات ومع بعضها ودونها مجازات له فكان الحمل على السبب مع سائر الخصوصيات على التعيين تحكمًا.
الجواب: أنه باق على ظاهره لم يفت ظهوره بالنصوصية فى السبب لأنه لم يدل على السبب بل ذلك خارج من مفهوم اللفظ وقد علم بقرينة وهو وروده فيه فعلم أنه لم يخرج عن العموم لا أنه أريد من اللفظ بخصوصه.
قوله: (ولا نزاع فيه) ظاهر الكلام أنه لا نزاع فى كونه تابعًا للسؤال فى العموم والخصوص حتى لو قيل هل يجوز الوضوء بماء البحر فقال: "نعم". كان عامًا، وقيل: هل يجوز لى الوضوء بماء البحر فقال: "نعم"، كان خاصًا به إلا أن صريح كلام الآمدى والشارحين وبه تشعر عبارة المتن أن الاتفاق إنما هو فى العموم وأما فى الخصوص فخلاف الشافعى حيث ذهب إلى دلالة الجواب عن جواز التوضؤ بماء البحر لكل أحد مصيرًا منه إلى أن ترك الاستفصال فى حكاية الحال مع قيام الاحتمال تنزل منزلة العموم فى المقال.
قوله: (عام مستقل) بمعنى أن يكون مع قطع النظر عن السؤال وافيًا بالقصود وقَيَّد السبب بالخاص لأنه إن كان مساويًا فلا خفاء فى كون الجواب تابعًا وإن كان أعم كما إذا سئل عن التوضؤ بماء البحر؟ فقال يجوز، فلا خفاء فى خصوص الحكم إلا أن هذا لا يكون من بناء العام.
قوله: (إذ لا منافاة قطعًا) يشير إلى أن الحكم ضرورى وربما ننبه عليه بأنه لو قال تمسكوا بهذا العموم لم يكن تناقضًا ومخالفة للظاهر وأيضًا الأصل عدم المنافاة فمن ادعاها فعليه البيان.
قوله: (لجاز تخصيص السبب) لأنه بعض الأفراد فحكمه حكم البواقى.
قوله: (أخرج السبب بالاجتهاد) إذ لا خفاء فى أنه لا يتصوّر إخراج السبب
стр. 1292
الخاص الذى ورد فيه الحكم وهو ولد زمعة ولم يجوز أبو حنيفة ﵀ ذلك حتى قال الغزالى: إن أبا حنيفة إنما أخرج السبب عن العموم لأنه لم يبلغه السبب فى قصة عبد بن زمعة، فالأولى تقرير الشارح العلامة وهو أنه إن أريد بالسبب المعين تمنع الملازمة لجواز أن يكون دخوله قطعيًا وإن أريد نوع ذلك نمنع بطلان اللازم بالاتفاق فإن أبا حنيفة ﵀ أخرج المستفرشة أى ولدها عن عموم الولد للفراش مع وروده فى الأمة على ما روى أنه كان لزمعة أمة يلم بها وكانت له عليها ضريبة، وقد كان أصابها عتبة بن أبى وقاص وظهر بها حمل وهلك عتبة كافرًا فعهد إلى أخيه سعد بن أبى وقاص أن ابن وليدة زمعة منى فاقبضه إليك فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبى وقاص وقال إن أخى كان عهد إلى فيه فقام إليه عبد بن زمعة فقال هو أخى وابن وليدة أبى ولد على فراشه. فقال ﵇: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر"، فقوله عبد بن زمعة هو المذكور فى كتب الحديث، وعبد اللَّه سهو، وقوله ابن وليدة أبى يعنى أمته فإن الوليدة هى الأمة ووقع فى بعض الشروح ههنا سهو آخر فاحش وهو أن عبد اللَّه ابن زمعة وسعد بن أبى وقاص ترافعا فى ولد أمة مستفرشة لوليد بن زمعة، وبهذا يظهر أن من فوائد معرفة الأسباب الأمن من هذه الأغلاط.
قوله: (تغدى) فى أكثر النسخ بلفظ الأمر لكن الملائم لقوله لا تغديت هو تغدى بلفظ الماضى.
قوله: (لعرف خاص فيه) يعنى قد جرى العرف فى صورة الخلف على مثل هذا الفعل أن يراد بالمطلق التقييد بما ورد فى السؤال بخلاف مثل: "خلق الماء طهورًا"، عند السؤال عن بئر بضاعة، فإنه لا عرف فى تقييده وتخصيصه.
قوله: (وذكر الزيادة لا يخرجه) فإن قيل: ترك الزيادة رعاية لتمام المطابقة، قلنا: المحافظة على الأحكام الشرعية أولى من اللفظية وقد يترك الأولى من جهة لرعاية جهات أخر.
قوله: (قد فمات بنصوصيته) لأن ظهور اللفظ فى العموم عبارة عن تساوى نسبته إلى جميع ما يتناوله من غير تناول للبعض بخصوصه فيفوت ذلك حيث تناول صورة السبب بخصوصها بعد ما لم يكن متناولًا لها بخصوصها بل كان متناولًا لها من حيث اندراجها فى العموم، وإذا فات ذلك انصرف اللفظ عما
стр. 1293
وضع له وتحقق هناك مجازات ثلاثة خصوص السبب مع سائر الخصوصيات والفرق بينه وبين العموم أنه لا تعرض فى العموم للخصوصيات خصوص السبب مع بعض الخصوصيات خصوص السبب وحده أى بدون الخصوصيات فالحمل على الأول تحكم بل ترجيح للمرجوح لرجحان الثالث بالنصوصية فى خصوص السبب وتقريرات الشروح ههنا مضطربة منها أن صورة السبب هى إحدى مجازات العام لأن كل بعض منه مجاز مراد من العام قطعًا لفوات الظهور أى احتمال إرادتها منه بسبب كون الخطاب نصًا فيها فيكون تحكمًا لعدم أولوية كونه نصًا فى البعض والجواب أن عدم الأولوية بالنظر إلى العام لا ينافى النصوصية الخارجية بقرينة، ومنها أن ظهور العموم قد فات بالنصوص على السبب فلو حمل على العموم لبطلت لأن النص ما لا يحتمل غير معنى والجواب أن النصوصية بواسطة القرينة الخارجية لا تنافى الحمل على العموم من حيث ما هو هو من غير اعتبار القرينة، ومنها لو حمل على العموم مع ظهور النصوصية فى السبب الخاص لكان مجازًا فيما وراء السبب لفوات ظهور النصوصية فيكون مترددًا بين كل ما وراء السبب وبين أفراده فحمله على البعض تحكم.
المصنف: (وهلال ابن أمية أو غيره) النسخة التى شرح عليها الشارح وغيره بدون همز وجعل الضمير عائدًا على ما ذكر من العمومات وأما على نسخة أو بالهمز فالضمير عائد على هلال ابن أمية وأو للترديد بينه وبين غيره فى سبب نزول آية اللعان.
المصنف: (قلنا النص خارجى بقرينة) اعترض بأن النصوصية دائمًا إنما تكون من خارج فلا تكون من ذات اللفظ إلا إن كان اللفظ علمًا لم يتجوز به فالأولى فى الجواب أن المجاز إنما يتحقق بالاستعمال فى المعنى الذى لم يوضع له لا بكيفية الدلالة من نصوصية أو ظهور.
قوله: (وأما فى الخصوص فخلاف الشافعى. . . إلخ) على هذا ينظر عند الشافعى ما الفرق بين ما إذا كان الجواب مستقلًا عامًا، والسبب خاص حيث جعل اللفظ خاصًا بالسبب ملغًى عمومه وبين ما إذا كان الجواب غير مستقل والسبب خاص حيث جعل الجواب للعموم.
стр. 1294
قوله: (وأيضًا الأصل. . . إلخ) تنبيه آخر.
قوله: (ولم يجوز ذلك حتى قال الغزالى. . . إلخ) يعنى أن أبا حنيفة لم يجوز ذلك حتى يقول الغزالى إنه لم يبلغه بل إنما جوز إخراج نوع السبب لا السبب المعين قال فى التحرير والتحقيق إنه لم يخرج نوع السبب أيضًا لأنها ما لم تصر أم ولده عنده فليست بفراش ووليدة زمعة كانت أم ولد.
قوله: (لأن كل بعض منه) أى من العام مجاز أى من حيث إنها أبعاض المعنى المجازى الذى هو جميع أفراد العام الذى بعضها منصوص وقوله فيكون تحكمًا أى كون صورة السبب نصية دون غيره مع كون كل من الأبعاض من المعنى المجازى تحكمًا وهو كلام فاسد لأنه على هذا ليس هناك مجازات متعددة ولا يدل عليه كلام المصنف.
قوله: (ومنها أن ظهور العموم. . . إلخ) هو لا يدل عليه كلام المصنف ولا ينطبق عليه.
قوله: (وبين أفراده) أى أفراد ما وراء السبب.
قوله: (فحمله على البعض) وهو جميع ما وراء السبب تحكم.
стр. 1295
قال: (مسألة: المشترك يصح إطلاقه على معنييه مجازًا لا حقيقة وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز وعن القاضى والمعتزلة يصح حقيقة إن صح الجمع، وعن الشافعى ظاهر فيهما عند تجرد القرائن فالعام، أبو الحسين والغزالى يصح أن يراد لا أنه لغة، وقيل لا يصح أن يراد، وقيل: يجوز فى النفى لا الإثبات والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبنى عليه، لنا فى المشترك أنه يسبق أحدهما، فإذا أطلق عليهما كان مجازًا النافى للصحة لو كان للمجموع حقيقة لكان مريد أحدهما خاصة غير مريد وهو محال وأجيب بأن المراد المدلولان معًا لا بقاؤه لكل مفرد وأما الحقيقة والمجاز قوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، فاستعماله لهما استعمال فى غير ما وضع له أولًا وهو معنى المجاز النافى للصحة لو صح لهما لكان مريدًا ما وضعت له أولًا غير مريد وهو محال وأجيب بأنه مريد ما وضع له أولًا، وثانيًا بوضع مجازى الشافعى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الحج: ١٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وهى من اللَّه رحمة ومن الملائكة استغفار وأجيب بأن السجود الخضوع والصلاة الاعتناء بإظهار الشرف أو بتقدير خبر أو فعل حذف لدلالة ما يقارنه أو بأنه مجاز بما تقدَّم).
أقول: اللفظ المشترك يصح إطلاقه على كل واحد من معنييه معًا كما يصح إطلاقه على واحد منهما بدلًا عن الآخر بأن يراد به فى إطلاق واحد هذا وذلك غير إرادة مجموع المعنيين مثاله أن تطلق القرء وتريد به طهرًا وحيضًا فإذا أطلق عليهما كان مجازًا لا حقيقة وكذلك اللفظ إذا أطلق على معنييه المجازى والحقيقى مثاله أن تطلق الأسد وتريد به السبع والشجاع ونقل عن القاضى والمعتزلة أنه يصح إطلاقه أى المشترك حقيقة إن صح الجمع بينهما بخلاف صيغة افعل للأمر والتهديد، ونقل عن الشافعى ﵀ أنه ظاهر فيهما دون أحدهما فيحمل عند التجرد عن القرائن عليهما ولا يحمل على أحدهما، خاصة إلا بقرينة وهو عام فيهما والعام عنده قسمان: قسم متفق الحقيقة، وقسم مختلف الحقيقة، وقال أبو الحسين والغزالى يصح أن يراد ولا مانع من القصد كما زعم قوم أن الدليل القاطع قائم على امتناعه لكنه ليس من اللغة فإن اللغة منعت عنه ولولا منعها عنه لى يمنع عنه غيره من عقل وقيل بل لا يصح أن يراد كما ذكرنا، وفصل قوم فقالوا يجوز فى النفى لا الإثبات ثم اختلف فى جمعه باعتبار معنييه نحو عيون وتريد به باصرة
стр. 1296
وذهبا وجارية فالأكثر على أنه مبنى على الخلاف فى المفرد فإن جاز جاز وإلا فلا وقيل بل يجوز وإن لم يجز فههنا مقامان المقام الأول أن المشترك لمعنييه مجاز ولنا فيه أنه يسبق منه إلى الفهم عند إطلاقه، أحد المعنيين على البدل دون الجمع وهو علامة الحقيقة فى أحدهما دون الجمع النافى للصحة، قال: لو صح اللفظ لهما معًا لكان حقيقة وإلا كان مستعملًا فى غير ما وضع له وهو خلاف المفروض ولو كان حقيقة لهما لكان مريدًا أحدهما خاصة غير مريد له خاصة وأنه محال بيان الملازمة أن له حينئذٍ ثلاثة معان هذا وحده وهذا وحده وهما معًا والمفروض استعماله فى جميع معانيه فيكون مريدًا لهذا وحده، ولهذا وحده ولهما معًا وكونه مريدًا لهما معًا معناه أن لا يريد هذا وحده أو هذا وحده فيلزم من حيث إرادتهما بدلًا الاكتفاء بكل واحد منهما وإرادتهما منفردين ومن حيث أراد المجموع معًا عدم الاكتفاء بأحدهما وإرادتهما مجتمعين وهو ما ذكرنا من اللازم.
الجواب: أنه مناقشة لفظية إذ المراد نفس المدلولين معًا لا بقاؤه لكل واحد منفردًا وحاصله دعوى أن مفهوميه هما منفردين فإذا استعمل فى المجموع لم يكن مستعملًا فى مفهوميه فيكون النزاع عائدًا إلى تسمية ذلك استعمالًا له فى مفهوميه لا إلى إبطال ذلك وذلك قليل الجدوى، والتحقيق فيه أن الإفراد وعدمه قَيد للاستعمال لا للمستعمل فيه فيتواردان على الاستعمال والمعنى المستعمل فيه بحاله والوضع لكل واحد من المعنيين مع قطع النظر عن الإفراد عن الآخر والاجتماع معه نعم يستعمل تارة فى هذا من غير استعمال فى الآخر وتارة مع استعماله فيه والواضع وضع اللفظ للمعنى المستعمل فيه فى الحالين فظهر صحته وأنه حقيقة يظهر بالتأمل، المقام الثانى فى أن اللفظ المستعمل فى الحقيقة والمجاز مجاز فيهما، ولنا فيه أن استعماله لهما استعمال له فى غير ما وضع له أولًا لأن ذلك لم يكن المعنى المجازى داخلًا فيه وهو داخل الآن فكان مجازًا إذ لا معنى للمجاز إلا ذلك النافى للصحة.
قال: لو صح اللفظ لهما لكان مريدًا لا وضع له لمكان المعنى الحقيقى غير مريد لما وضع له لمكان المعنى المجاز ولدليلكم وذلك فى استعمال واحد محال.
الجواب: لا نسلم الملازمة فإنه لم يرد ما وضع له بالوضع الأول بل هو داخل فى المراد حيث أراد المجموع مما وضع له أولًا وما لم يوضع له أولًا بوضع ثان
стр. 1297
مجازى لهذا المعنى الثالث أعنى المجموع وقد هجر الحقيقة والمجاز الأول وخرجا عن الإرادة بخصوصهما ودخلا فى بحث مراد ثالث، احتج الشافعى ﵀ على كونه حقيقة ظاهرة فى الجميع بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨]، والسجود من الناس وضع الجبهة على الأرض ومن غيرهم أمر مخالف لذلك قطعًا، وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة من اللَّه مغفرة ومن الملائكة استغفار وهما مختلفان.
الجواب: أولًا: أن معنى السجود فى الكل واحد وهو غاية الخضوع وكذا فى الصلاة وهو الاعتناء بإظهار الشرف ولو مجازًا فيكون متواطئًا لا مشتركًا وثانيًا بأنه بتقدير خبر أو فعل حذف لدلالة ما يقارنه عليه أى يقدر فى الآية الأولى فعل كأنه قال: ويسجد له كثير من الناس، وفى الثانية خبر كأنه قال إن اللَّه يصلى وإنما جاز ذلك لأن يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض وملائكته يصلون مقارن له وهو مثل المحذوف فكان دالًا عليه مثل:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأى مختلف
أى نحن بما عندنا راضون وعلى هذا فقد يكون كرر اللفظ مرادًا به كل مرة معنى لأن المقدور فى حكم المذكور وذلك جائز اتفاقًا، وثالثًا بأنه وإن ثبت الاستعمال فلا يتعين كونه حقيقة بل نقول إنه مجاوز وإن كان خلاف الأصل بما ذكرنا من الدليل.
قوله: (بأن يراد به) متعلق بقوله يصح إطلاقه على كل واحد من معنييه لا بقوله كما يصح لأن إرادة هذا وهذا فى إطلاق واحد لا تكون على سبيل البدل ولأن محل النزاع أليق بأن يوضح (وذلك) أى إرادة هذا وهذا غير إرادة المجموع لأن فى كل واحد مناط الحكم ومتعلق الإثبات والنفى بخلاف ما إذا أريد به المجموع فإنه لا يلزم ذلك وبالجملة فرق ما بينهما فرق ما بين الكل الإفرادى والكل المجموعى، وهو مشهور يوضحه أنه يصح كل فرد تسعه هذه الدار ولا يصح كل الأفراد ويصح كل الأفراد يرفع هذا الحجر ولا يصح كل فرد فللمشترك أحوال إطلاقه على كل من المعنيين على سبيل البدل بأن يطلق تارة ويراد هذا
стр. 1298
ويطلق تارة أخرى، ويراد ذلك ولا نزاع فى صحته وفى كونه حقيقة إطلاقه على أحد المعنيين لا على التعيين بأن يراد به فى إطلاق واحد هذا أو ذاك مثل: "تربصى قرءًا"، أى طهرًا أو حيضًا، وليكن ثوبك جونًا أى أبيض أو أسود وليس فى كلام القوم ما يشعر بإثبات ذلك أو نفيه إلا ما يشير إليه كلام المفتاح من أن ذلك حقيقة المشترك عند التجرد عن القرائن، الثالث: إطلاقه على مجموع المعنيين بأن يراد به فى إطلاق واحد المجموع المركب من المعنيين بحيث لا يفيد أن كلا منهما مناط الحكم ولا نزاع فى امتناع ذلك حقيقة وفى جوازه مجازًا إن وجدت علاقة مصححة فإن قيل علاقة الجزء والكل متحققة قطعًا، قلنا ليس كل ما يعتبر جزءًا من مجموع يصح إطلاق اسمه عليه للقطع بامتناع إطلاق الأرض على مجموع السماء والأرض بناء على أنها جزء ورابعها إطلاقه على كل واحد منهما بأن يراد به فى إطلاق واحد هذا وذاك على أن يكون كل منهما مناط الحكم ومتعلق الإثبات والنفى وهذا هو المتنازع فيه وعلى هذا قياس الجمع بين الحقيقة والمجاز أعنى إرادة المعنى الحقيقى والمجازى بل ربما يستغنى عنه بذكر المشترك نظرًا إلى أن اللفظ موضوع للمعنى الحقيقى بالشخص وللمجازى بالنوع.
قوله: (للأمر والتهديد) يعنى على تقدير كون الصيغة حقيقة فيهما وهذا أولى من التمثيل بالقرء للطهر والحيض والجون للأسود والأبيض، لأنه ربما يصح بحسب الحكم مثل القرء من صفات النساء والجون جسم.
قوله: (ونقل عن الشافعى ﵀ يعنى يصح للمتكلم استعماله فيهما ويجب على السامع حمله عليهما عند الإطلاق فهذا أخص من مذهب القاضى والمعتزلة والمراد الصحة اللغوية فيتميز عن مذهب أبى الحسين والغزالى إذ الصحة عندهما عقلية بمعنى أنه لا دليل على امتناعه سوى منع أهل اللغة.
وقوله: (بل لا يصح أن يراد كما ذكرنا) إشارة إلى ما قال أنه زعم قوم أن الدليل القاطع قائم على امتناعه وسيجئ تقرير الدليل بجوابه فضبط المذاهب أنه لا يصح مطلقًا أو يصح عقلًا لا لغة أو يصح لغة فى النفى فقط أو فى الإثبات أيضًا لكن فى الجمع خاصة أو فى الكل من غير ظهور فى المعنيين جميعًا، أو مع الظهور فيهما ثم لا يخفى أن ذكر المعنيين لمجرد التمثيل وأنه أقل مراتب التعدد وإلا فالمعانى أيضًا كذلك بلا تفاوت.
стр. 1299
قوله: (فههنا مقامان) لا خفاء فى أن الأصل المقدم إثبات صحة الاستعمال ليفرع عليه كونه حقيقة أو مجازًا وكأنه اعتمد فيه على ما هو المتعارف فى كتابه من أنه لو امتنع لامتنع لدليل والأصل عدمه.
قوله: (ولنا فيه) أى فى المقام الأول (أنه يسبق منه) أى من المشترك أحد المعنيين على البدل بأن يراد هذا أو ذاك لا الجمع بأن يراد هذا وذاك والسبق إلى الفهم علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز قيل الصحح علامة الكلية والجزئية وفيه نظر أما أوّلًا فلأن الكلام فى إرادة كل من المعنيين لا فى إرادة المجموع الذى أحد المعنيين جزء منه، وأما ثانيًا فلما سبق من أن ليس كل جزء يصح إطلاقه على الكل بل إذا كان له تركب حقيقى وكان الجزء مما إذا انتفى انتفى الكل بحسب العرف أيضًا كالرقبة للإنسان بخلاف الإصبع والظفر ونحو ذلك هذا وقد يمنع سبق أحد المعنيين من إطلاق المشترك بل إنما يدعى سبقهما على ما هو مذهب الشافعى ﵀ على أنه لو سبق أحدهما لا على التعيين وكان حقيقة فيه كان الاشتراك معنويًا لا لفظيًا ثم القول بكونه مجازًا عند الاستعمال فى كل من المعنيين مشكل لأن كلًا منهما نفس الموضوع له.
قوله: (وهو خلاف المفروض) لأن المفروض استعماله فى كل من المعنيين وكونه موضوعًا لكل منهما والحق أن المقدمة القائلة بأنه لو استعمل فى المعنيين لكان حقيقة فيهما ليس له كثير دخل فى الدليل إذ يكفى أن يقال لو استعمل فى كل من معنييه والتقدير أن معناه هذا وحده لو استعمل لزم أن يكون كل منهما وحده وهذا وحده وإلا لم يكن معناه وليس وحده وإلا لم يكن الاستعمال فى كل من المعنيين والجواب أن المراد استعماله فى كل من الأمرين اللذين وضع اللفظ لهما سواء كانا مع قيد الانفراد أو بدونه وحاصل الاستدلال أنه إذا استعمل فى المجموع لم يكن ذلك استعمالًا فى معنييه لانتفاء قيد الانفراد المعتبر فى كل منهما حتى يكون معناه وهذا نزاع لا يتعلق به غرض أصولى لوقوع الاتفاق حينئذٍ على أنه يصح أن يذكر المولى مثلًا، ويراد به المعتق والمعتق وتتفرع عليه الأحكام وإن لم يسم ذلك استعمالًا فى كلا معنيى المولى على أن المعنى الموضوع له المستعمل فيه اللفظ هو كل من المعنيين لا بشرط أن يكون وحده ولا بشرط أن يكون لا وحده على ما هو شأن الماهية بلا شرط شئ وهو متحقق فى حال الانفراد عن
стр. 1300
الآخر والاجتماع معه والمستدل جعل الانفراد قيدًا فيه وليس كذلك وإنما يقع الانفراد والاجتماع قيدين بوصف الاستعمال لا لنفس المعنى وبهذا يظهر أن استعمال اللفظ فى المعنى حال الاجتماع مع الآخر استعمال له فى نفس الموضوع له كحال الانفراد سيصح ويكون حقيقة لعدم الفرق ويظهر ذلك بالتأمل فى الفرق بين المعنى مطلقًا وبشرط الانفراد أو الاجتماع وفى الفرق بين كون الانفراد قيدًا للمستعمل أو الاستعمال.
قوله: (ولدليلكم) يعنى ما ذكر آنفًا من أن استعماله لهما استعمال فى غير ما وضع له أوّلًا.
قوله: (بوضع ثان) متعلق بقوله أراد المجموع وفيه إشارة إلى أن التعيين المجازى أيضًا وضع على ما سبق من افتقار نوع العلاقة إلى السماع والحاصل أنه مريد لمعنًى مجازى شامل للمعنى الحقيقى والمعنى المجازى الأول هو معنًى ثالث لهما، والنافون للصحة لا ينازعون فى جواز إرادة معنًى مجازى شامل ويسمونه عموم المجاز مثل أن يراد بوضع المقدم فى قوله لا أضع قدمى فى دار فلان الدخول فيتناول الدخول حافيًا وهو الحقيقة وناعلًا وراكبًا، والقائلون بالصحة يدعون ذلك فى جميع صور النزاع فإنه إذا أريد المجموع لا من حيث تعلق الحكم بالمجموع من حيث هو بل من حيث تعلقه بكل واحد كان شاملًا للمعنيين لكن تصحيح هذا المجاز وبيان العلاقة فيه مشكل وحديث استعمال الجزء فى الكل كاذب كما سمعت وما ذكره المحقق من خروج المعنيين عن الإرادة ودخولهما تحت مراد ثالث تحقيق وتوضيح للجواب إلا أنه مناف لما سبق فى تحرير محل النزاع من أن الكلام فيما إذا كان كل من المعنيين مرادًا باللفظ ومناطًا للحكم وأنت خبير بأن الدخول تحت المراد لا يستلزم أن يكون مرادًا بحيث يصير مناط الحكم.
المصنف: (لو كان للمجموع حقيقة) أى لكل من الأمرين أو الأمور على أن يكون كل مناط الحكم لا المركب كما هو ظاهر من لفظ المجموع.
المصنف: (إن صح الجمع) أى فى الإرادة بحيث يجتمعان فى الحكم والظاهر أن هذا لا خلاف فيه بينهم فهو شرط عند الجميع.
المصنف: (وعن الشافعى ظاهر فيهما) يعنى لوضعه لكل من الأمرين مثلًا
следующие страницы →