Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
قوله: (إلا أن تقرير الآمدى ناظر. . . إلخ) يعنى أنه مع كون عموم المعطوف عليه يستلزم عموم المعطوف إلا أن المعطوف إذا خص بدليل خارجى اقتضى تخصيص المعطوف عليه وانتفى عمومه فيستدل بانتفاء العموم فى المعطوف على انتفائه فى المعطوف عليه هذا على تقرير الآمدى وأما على تقرير الشارح فعموم المعطوف عليه يستلزم عموم المعطوف فمتى ثبت العموم صيغة فى المعطوف عليه ثبت العموم فى المعطوف صيغة وإن حصل تخصيص للثانى أو الأول فمن الخارج فالاستدلال فى الحديث إنما هو بعموم الأول على عموم الثانى لا بخصوص الثانى على خصوص الأول.
قوله: (أو يقدر ما دام فى عهده) يعنى ويكون الغرض النهى عن قتله من حيث كونه كافرًا فليس كغيره يقتل لكفره لكونه معاهدًا وهذا لا ينافى أنه يقتل قصاصًا إذا قتل مسلمًا أو ذميًا.
قوله: (وتقرير الشروح أنه لو كان اشتراك المعطوف والمعطوف عليه. . . إلخ) الملازمة على هذا التقرير ظاهرة لأنه يترتب على الاشتراك المذكور وكون اللفظ فى الجملتين لا بد أن بكون واحدًا فى العموم والخصوص أن كافرًا الأول للحربى فقط لكون الثانى كذلك اتفاقًا.
قوله: (وهو فاسد. . . إلخ) فالفساد على هذا غير الفساد على الأول لأن الفساد على هذا هو لزوم أن يقتل السلم بالذمى مع أنه لا يقتل بالكافر مطلقًا ولكن هذا إنما يكون فاسدًا على مذهب الخصم المذكور أعنى الشافعية ومن وافقهم لا على مذهب الحنفية فلا يصح الرد عليهم بذلك لأنه رد مذهب بمذهب وهو غير معتبر.
قوله: (فعند انتفاء القيد ينتفى الحكم فيلزم وجوب القصاص) مردود بأن الحنفية لا يقولون بمفهوم المخالفة وتقرير الجواب أن خصوص المعطوف إنما يوجب خصوص المعطوف عليه لو كان خصوصه. . . إلخ. هذا بالنظر لدفع الإشكال باعتبار الخصوص الذى فى المعطوف فى الحديث وقوله: وعموم المعطوف عليه. . . إلخ. لدفع الإشكال بآية ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 1332
قال: (مسألة: مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ليس بعام للأمة، إلا بدليل من قياس أو غيره، وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه: عام إلا بدليل، لنا القطع بأن خطاب المفرد لا يتناول غيره لغة وأيضًا يجب أن يكون خروج غيره تخصيصًا، قالوا: إذا قيل لمن له منصب الاقتداء اركب لمناجزة العدو ونحوه فهم لغة أنه أمر لأتباعه معه، ولذلك يقال فتح وكسر والمراد مع أتباعه، قلنا ممنوع أو فهم لأن المقصود متوقف على المشاركة بخلاف هذا، قالوا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، يدل عليه، قلنا ذكر النبى ﷺ أولًا للتشريف ثم خوطب الجميع، قالوا ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولو كان خاصًا لم يتعد، قلنا نقطع بأن الإلحاق للقياس، قالوا: فمثل: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، و ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، لا يفيد، قلنا يفيد قطع الإلحاق).
أقول: الخطاب الخاص بالرسول ﷺ مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ [الزمر: ٦٥]، ليس بعام للأمة فإن عم فبدليل خارجى من قياس لهم عليه أو نص أو إجماع يوجب التشريك إما مطلقًا أو فى ذلك الحكم خاصة وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه: هو عام للأمة ظاهرًا فيحمل عليه إلا بدليل خارجى يصرف عنه ويوجب تخصيصه به لنا أن مثله وضع لخطاب المفرد وخطاب المفرد لا يتناول غيره لغة ولنا أيضًا لو كان يتناول الأمة لكان إخراج غير المذكور والنص على أن المراد هو المذكور دون غيره تخصيصًا للعموم ولا قائل به وقد يقال على الأول أنه يتناوله فى مثله عرفًا، وعلى الثانى لا نسلم بطلان اللازم فإن التخصيص يقع فى العام عرفًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
قالوا: أولًا: من له منصب الاقتداء به بمعنى أنه يقتدى به طائفة كالأمير لجنده وأتباعه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو أو اذهب لفتح البلدة الفلانية أو نحوهما فهم منه أن الأمر له ولأتباعه معه، ولذلك يقال إنه كسر العدوّ وفتح المدينة، والمراد هو مع أتباعه لأنهم الذين كسروا وفتحوا لا هو وحده.
والجواب: أن فهم ذلك من الخطاب له ممنوع وإن سلم فإنما يفهم بدليل وهو أن المقصود وهو المناجزة أو الفتح موقوف على مشاركة أتباعه له بخلاف هذه الصورة فإن قيام الرسول ﷺ ونحوه مما لا يتوقف على مشاركة الأمة له.
стр. 1333
قالوا: ثانيًا: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فأفرده بالخطاب وأمر بصيغة الجمع والعموم فدل أن مثله عام خطابًا له وللأمة.
الجواب: أن ذكر النبى ﵊ بالنداء أولًا فيما ذكرتم من المثال للتشريف والخطاب بالأمر للجميع لا أن النداء للجميع ولا يمتنع أن يقال: يا فلان افعل أنت وأتباعك كذا إنما النزاع فيما يقال افعل أنت كذا ولا يتعرض للأتباع.
قالوا: ثالثًا: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أخبر أنه إنما أباحه له ليكون شاملًا للأمة، ولو كان خطابه خاصًا به ولا يتعدى حكمه إلى الأمة لما حصل الغرض.
الجواب: منع الملازمة لجواز أن يتعدّى حكمه إليهم بالقياس والأمر كذلك فإنا نقطع بأن الإلحاق للقياس وإباحة زينب له خاصة ولا يدل على الإباحة للغير.
قالوا: رابعًا: لو كان خطابه لا يعم الأمة لكان مثل قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، و ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، غير مقيد لدلالته على اختصاص الخطاب به، وهو مستفاد من نفس الخطاب واللازم باطل لامتناع اللغو فى كلامه تعالى.
الجواب: منع عدم الفائدة فإن الخطاب وإن لم يدل على العموم فلا يدل على عدم العموم بل هو محتمل لهما وهذا يقطع احتمال العموم وفائدته أنه لا يلحق الأمة به للقياس كما كان يلحق به لو لم يرد ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، و ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] عليه.
قوله: (لنا أن مثله) الدليل على المقدمتين الاستقراء وإجماع أئمة اللغة.
قوله: (إخراج غير المذكور) توضيح للمقصود بما وقع فى المتن من لفظ الخروج ثم فسر الإخراج بالنص على أن المراد هو المذكور لا غير إذ لا دخول ههنا حتى تتحقق حقيقة الإخراج.
قوله: (ولا قائل به) تنبيه على أن القول بكونه تخصيصًا خلاف ما عليه الاتفاق لا مجرد كونه خلاف الأصل حتى يتوجه النقض بسائر الصور بأن يقال: لو كان الجمع المعرف عامًا لكان إخراج البعض عنه تخصيصًا وهو خلاف الأصل إذ الأصل عدم التخصيص فيجاب بأن ذلك فيما يشك فى عمومه.
стр. 1334
قوله: (وقد يقال) اعتراض على الدليل الأول بأن عدم التناول لغة لا ينافى العموم لجواز أن يتناوله عرفًا يعنى أن خطاب المفرد يتناول الغير عرفًا فيما إذا كان المخاطب قدوة والغير أتباعًا وأشياعًا له وعلى الثانى بمنع أن إخراج غير المذكور ليس بتخصيص، فإنا قائلون بأنه عام عرفًا، وأن الإخراج عنه تخصيص، والتخصيص كما يقع فى العام لغة يقع فى العام عرفًا، كما فى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فإنه يعم عرفًا حرمة جميع الاستتباعات وقد خص عنه النظر وأمثاله.
قوله: (من له منصب الاقتداء) فسره باقتداء طائفة به لئلا يتوهم أن المراد اقتداء عامة الناس به وفى أمر الدين على ما هو المتبادر إلى الفهم.
قوله: (والجواب) يعنى لا نسلم أن كون الأمر له ولأتباعهم يفهم من خطاب له لا بالاستقلال ولا بمعونة الدليل لتوقف المأمور به على معاونة الإتباع فيما ذكرتم من المثال بخلاف ما أمر به النبى ﵊ من الأحكام الشرعية، فإن قيل قد ذكر فى صدر البحث أن الخطاب الخاص بالرسول يعنى بحسب ظاهر اللفظ ليس بعام للأمة يعنى بحسب تناول الحكم إلا بدليل وههنا قد جعل مثل ما ذكرنا من المثال مما عمومه بدليل ونفى ذلك من خطاب الرسول، قلنا ذلك دليل شرعى على ثبوت الحكم فى حقهم لا من لفظ ذلك الخطاب وهذا دليل على تناول الخطاب لغير المذكور وفهمه منه وبهذا يظهر فساد ما ذكر فى بعض الشروح من أن فى المنع الثانى تسليم المدعى إلا أن يقول الخصم بعموم خطاب الفرد مع من له رتبة الاقتداء مطلقًا وأما اعتراضه على الأول بأنه منع ما هو معلوم بالضرورة العرفية فليس ببعيد، وأما تقرير الجواب على ما ذكره الآمدى وتبعه الجمهور وهو أنا لا نسلم الفهم لغة وبهذا يصح أنه أمر المقتدى ولم يأمر أتباعه، نعم غايته أنه يفهم عند أمر المقتدى بمثل الركوب وشن الغارة لزوم توقف مقصود الأمر على اتباع الأصحاب إلزامًا لا مطابقة أو تضمنًا ولا يلزم ذلك فى خطاب النبى ﵊، فلا يخفى أنه لا يطابق المتن.
قوله: (ولا يمتنع أن يقال يا فلان افعل أنت وأتباعك كذا) فإن قيل هذا ليس نظير ما نحن فيه وإنما نظيره أن يقال: يا فلان افعلوا كذا فيكون النداء للمقتدى خاصة والأمر له ولأتباعه عامة، فى صحته ألف نزاع قلنا: هو تطهير له مع التنبيه
стр. 1335
على أن فيه تغليبًا وكفى بمثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١] الآية، شاهدًا على الصحة.
قوله: (وهو) أى اختصاص الخطاب به مستفاد من نفس الخطاب حيث زعمتم أنه لا يعم الأمة وحقيقة الجواب أن الاختصاص الذى يدل عليه لفظ لك معناه أن الحكم يكون له ولا يكون لغيره والذى يستفاد من نفس الخطاب معناه أنه يدل على ثبوت الحكم له ولا يدل على ثبوته لغيره وهذا أعم من الدلالة على عدم ثبوته للغير فمنشأ الغلط عدم التفرقة بين الدلالة على عدم الحكم وعدم الدلالة على الحكم فقوله: (بل هو) أى الخطاب (محتمل لهما) أى للعموم وعدمه وهذا إشارة إلى مثل: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، و ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وضمير فائدته يعود إليه، وضمير به إلى الرسول، وضمير عليه إلى الخطاب.
المصنف: (ليس بعام للأمة) أى من حيث الحكم لأن الصيغة حيث كانت خاصة فلا ينبنى عليها إلا الحكم الخاص ولا يكون الحكم عامًا للأمة إلا بدليل خارجى عن اللفظ بالمرة.
المصنف: (وقال أبو حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه عام) أى من حيث الحكم لا من الصيغة لأن الصيغة وإن كانت خاصة إلا أن العرف قاض بتبعية الأتباع للمقتدى به فى الحكم فالخطاب مختص به ﷺ فى مثل: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، والأمة تبع له فى هذا الحكم ولذا تعلق الحنفية فى عقد النكاح بلفظ الهبة بهذه الآية.
المصنف: (لا يتناول غيره لغة) يعنى وحينئذ يكون المبنى عليها مختصًا به أيضًا فقد اتفق الفريقان على أن الصيغة خاصة به ﷺ ، ولكن اختلفوا فى أن الحكم هل يعم الأمة نظرًا إلى أن الأمر للرئيس يكون ثابتًا مثله للمرءوس أو لا نظرًا لمجرد الصيغة.
المصنف: (يجب أن يكون خروج غيره تخصيصًا) أى ولا قائل به باتفاق لأن الحنفية لم يقولوا بعموم اللفظ أصلًا ولم يستعمل فى غير معناه.
المصنف: (فهم لغة أنه أمر لأتباعه) ليس المراد أن اللفظ مستعمل فيه وفى الأتباع لا باعتباره مفردًا ولا باعتباره مركبًا بل المراد أن أهل اللغة يفهمون ذلك من
стр. 1336
أن حكم الأتباع حكم المتبوع.
المصنف: (﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] يدل عليه) أى فيدل على أن حكم التابع حكم المتبوع لأنه جمع الكل فى الخطاب فى قوله: ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ مع أنه عبر أولًا بلفظ خاص.
المصنف: (ذكر النبى ﷺ أولًا للتشريف) أى لم يكن ذكره لقصد الحكم عليه حتى إنه انبنى عليه تعميم الخطاب فى ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ فيكون دليلًا على أن الحكم الذى للنبى ﷺ بخصوصه يكون للأمة أيضًا بطريق التبع.
المصنف: (ولو كان خاصًا) أى لا تتبعه الأمة فيه.
المصنف: (لا يفيد) أى حيث لم تكن أمته تابعة له.
الشارح: (لا يتناول غيره لغة) يعنى وحينئذ يكون المبنى عليها مختصًا به.
الشارح: (وقد يقال على الأول أنه يتناوله عرفًا) ظاهره أن المصنف يقول: إن الخصم يقول بالتناول لغة فيمنع أنه يقول: بالتناول عرفًا وليس كذلك كما عرفت من تقريرنا للمصنف وأن الفريقين متفقان على أن الصيغة ليست عامة لغة فهذا الاعتراض لا وجه له.
الشارح: (فإن التخصيص يقع فى العام عرفًا) عرفت أن اللفظ ليس مستعملًا فى العام أصلًا عند الجميع وحينئذ لا يصح أن يكون النص على أن المذكور هو المراد تخصيصًا أصلًا.
الشارح: (فهم أن الأمر له ولأتباعه معه) ليس الفهم من الصيغة بالاستعمال فى الجميع بل الصيغة لا تزال خاصة بالمتبوع وإنما عموم الأمر للأتباع من أن الأتباع حكمهم حكم المتبوع.
الشارح: (أن فهم ذلك من الخطاب له) أى بأن يكون العموم مبنيًا على الخطاب للمتبوع لا أن الخطاب له ولهم بالصيغة لما عرفت.
الشارح: (وإن سلم) أى فهم ذلك من بنائه على الخطاب للمتبوع.
الشارح: (خطابًا له وللأمة) خطاب الأمة بطريق التبع لا أن الصيغة مستعملة فى الأمة أيضًا.
الشارح: (لا أن النداء للجميع) أى للرسول بمقتضى الصيغة وللأمة بمقتضى التبعية كما هو العرف من غير استعمال للصيغة فى الجميع.
الشارح: (ولا يتعدى حكمه للأمة) أى لكونهم أتباعًا له.
стр. 1337
الشارح: (وإباحة زينب له خاصة) أى زوجة الابن المدعى.
قوله: (الدليل على المقدمتين الاستقراء وإجماع أئمة اللغة) قد فهم المحشى أن الخلاف فى الصيغة هل تعم بأن يراد منها الجميع أو لا؟ فقال ذلك الكلام وعلمت أن النزاع ليس فى دلالة الصيغة بهذا المعنى.
قوله: (اعتراض على الدليل. . . إلخ) عرفت أن هذا كله خلاف التحقيق فى مراد المصنف وفى محل النزاع وبه يندفع ما قيل فى بعض كتب الحنفية إن ابن الحاجب يقول: إن اللفظ لا يعم لغة وهو لا يصلح للرد علينا لأنا لا ندعى أنه يعم لغة بل نقول: إنه يعم عرفًا لأن ابن الحاجب على ما سمعت ينازع فى العموم العرفى.
قوله: (بخلاف ما أمر به النبى ﷺ من الأحكام) ظاهره أن كل ما أمر به من الأحكام ليس فيها التوقف وستعلم ما فيه.
قوله: (فإن قيل قد ذكر فى صدر البحث. . . إلخ) حاصله أنه قال أولًا: إن الخطاب للرسول ﷺ ليس بعام إلا بدليل فأفاد أنه قد يعم بالدليل وهذا الجواب يفيد أنه لا عموم له أصلًا ولا يتأتى أن يعم بالدليل لأنه لا توقف فى الأحكام الشرعية التى أمر بها الرسول ﵊ على الأتباع كما فى المثال وقولنا: قلنا. . . إلخ. حاصله أن الدليل المثبت فى قوله: ليس بعام إلا بدليل الدليل الخارج عن اللفظ بالمرة من قياس أو إجماع مثلًا والمنفى فى خطاب الرسول ﵊ هو الدليل الحاصل من الخطاب بمعونة توقف المأمور به على الأتباع وقد فهم المحشى أن قول الشارح: بخلاف هذه الصورة معناه بخلافها وخلاف غيرها من الصور التى الأمر فيها للرسول ﷺ وفيه أن من الأوامر التى للرسول ﷺ ما يتوقف حصول المأمور به فيها على الأتباع كقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩].
قوله: (وبهذا يظهر فساد ما ذكر فى بعض الشروح من أن فى المنع الثانى تسليم المدعى) وهو العموم إلا بدليل لأنه سلم أن الخطاب عام وإن كان بقرينة ووجه ظهور الفساد أنه ليس فى خطاب الرسول بالأحكام عموم أصلًا ولا بالقرينة وهو المدعى وإنما العموم فى المثال وهو ليس المدعى وهذا على ما فهم من أن جميع الأحكام التى أمر بها الرسول ﵊ لا يتوقف الإتيان بالمأمور به على معاونة الأتباع وقد علمت ما فيه.
стр. 1338
قوله: (إلا أن يقول الخصم بعموم خطاب المفرد مع من له رتبة الاقتداء مطلقًا) أى سواء كان من له رتبة الاقتداء رسولًا أو أميرًا يعنى فحينئذ يكون الجواب الثانى تسليمًا للمدعى باعتبار أن العموم تحقق فى مثل: اركب لمناجزة العدو وإن لم يتحقق فى الأوامر للرسول ﵊ وهذا أعنى قوله: إلا أن يقول الخصم استثناء من قوله: وبهذا ظهر فساد ما ذكر فى بعض الشروح. . . إلخ. فهو من كلام المحشى استدراك على ما ذكره من الفساد لا من قول بعض الشروح ويرد عليه أن الكلام ليس فى خطاب الواحد مطلقًا بل فى خطاب الواحد الذى هو خصوص الرسول ﵊ هذا ما ظهر فى تقرير قوله: وبهذا ظهر فساد ما ذكر فى بعض الشروح من أن فى المنع الثانى تسليم المدعى إلا أن يقول الخصم بعموم خطاب المفرد مع من له رتبة الاقتداء مطلقًا، ويحتمل أن فى عبارة المحشى تحريفًا وأصله وبهذا ظهر صحة ما ذكر فى بعض الشروح. . . إلخ. ويكون المعنى على هذا وبهذا أى بكون الدليل المثبت فى أصل دعوى أن العموم إنما يكون من الدليل هو الدليل الخارجى الدال على تعميم الحكم للأمة والدليل المنفى فى خطاب الرسول هو الدليل على عموم ذلك الخطاب بقرينة فيه ظهر صحة ما ذكر فى بعض الشروح من أن فى المنع الثانى تسليم المدعى لأن الدليل المثبت فى هذا المنع فى نحو: اركب لمناجزة العدو لا ينافى أن العموم من الخطاب لأن الدليل ليس بخارج عن الخطاب حتى يتوهم أنه إنما يوافق مذهب غير الحنفية من المالكية والشافعية لا مذهب الخصم ويكون قوله: إلا أن بقول الخصم. . . إلخ. من كلام بعض الشروح ومعناه إذا قال الخصم بذلك لا يكون فى المنع الثانى تسليم المدعى لأن المدعى أنه يعم مطلقًا والمنع الثانى أفاد أنه يعم عند القرينة لا فى مثل خطاب الرسول بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ١، ٢]، ونحوه لكن يمنع هذا الاحتمال قوله: وأما اعتراضه على الأول بأنه منع ما هو معلوم بالضرورة العرفية فليس ببعيد فإنه ظاهر فى أن الثانى اعتراض من هذا البعض على الشارح فى قوله وإن سلم. . . إلخ. فتدبر.
قوله: (فلا يخفى أنه لا يطابق المتن) أى لأن كلام المتن فى أمر يتوقف الإتيان بالمأمور به فيه على معاونة الأتباع.
قوله: (وهذا) أى لفظ "هذا" الذى فى الشارح.
стр. 1339
قال: (مسألة: خطابه لواحد لا يعم خلافًا للحنابلة لنا ما تقدَّم من القطع ولزوم التخصيص ومن عدم فائدة حكمى على الواحد، قالوا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، "بعثت إلى الأسود والأحمر" يدل عليه وأجيب بأن المعنى تعريف كل ما يختص به ولا يلزم اشتراك الجميع قالوا: حكمى على الواحد حكمى على الجماعة، يأبى ذلك، قلنا إنه محمول على أنه على الجماعة بالقياس أو بهذا الدليل لا أن خطاب الواحد للجميع، قالوا: نقطع بأن الصحابة حكمت على الأمة بذلك كحكمهم بحكم ماعز فى الزنا وغيره، قلنا إن كانوا حكموا للتساوى فى المعنى فهو القياس وإلا فخلاف الإجماع، قالوا: لو كان خاصًا لكان "يجزئك ولا يجزئ أحدًا بعدك" وتخصصه ﵊ خزيمة بقبول شهادته وحده، زيادة من غير فائدة، قلنا فائدته قطع الإلحاق كما تقدَّم).
الأول: خطاب الشارع لواحد من الأمة لا يعم جميع الأمة بصيغته فلا يتناول الباقين بخلاف الحنابلة ولعلهم لا يدعون تناوله بصيغته بل بالقياس، أو بقوله: "حكمى على الواحد حكمى على الجماعة" لنا ما تقدَّم من القطع بأن خطاب المفرد لا يتناول غيره ومن لزوم كون إخراج الغير تخصيصًا وأنه يلزم عدم فائدة قوله: حكمى على الواحد حكمى على الجماعة لفهم ما يتضمنه من الخطاب نفسه بصيغته.
قالوا: أولًا: النصوص تدل على تعميم أحكامه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله ﵊: "بعثت إلى الناس كافة"، وقوله: "بعثت إلى الأسود والأحمر" أى العرب والعجم.
الجواب: منع دلالتها على تعميم مثل ذلك وإنما تدل لو دلت على عموم كل حكم لكل مكلف وفساده ظاهر بل معنى التعميم أنه بعث ليعرّف كل أحد من الناس من مقيم ومسافر وعبد وحر وطاهر وحائض ما يختص به من الأحكام لا أن الكل للكل.
قالوا: ثانيًا: قوله ﵊: "حكمى على الواحد حكمى على الجماعة" يأبى ما ذكرتم من عدم تناول حكم الواحد للجميع بصريحه.
الجواب: منع كونه يأباه لأنه محمول على أنه يعم بالقياس أو بهذا الدليل لا أن الخطاب الواحد خطاب للجميع لغة وفيه وقع النزاع.
стр. 1340
قالوا: ثالثًا: نحن نعلم قطعًا أن الصحابة كانوا يحكمون على الجماعة فى الحوادث بما حكم به النبى ﷺ على الواحد كحكمهم برجم كل زانٍ لرجمه ماعزًا وضرب الجزية على كل مجوسى لضربه إياها على مجوس هجر، وشاع وذاع ولم ينكر فكان إجماعًا.
الجواب: إن كان حكمهم بذلك بعد علمهم بتساوى الأمة فى المعنى المعلل به ذلك الحكم كالزنا للرجم والمجوسية للجزية فهو معنى القياس والإلحاق به مما لا نزاع فيه وإن كان بدون ذلك فهو خلاف الإجماع فلا يجوز دعوى الإجماع عليه.
قالوا: رابعًا: لو كان الخطاب لواحد خاصًا به لكان قوله ﵊ لأبى بردة فى الكفارة حين أجازه فى أكل التمر الذى أمره بإطعامها: "يجزئك ولا يجزئ أحدًا بعدك" وتخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه عبد الرحمن بن عوف بجواز لبس الحرير وغير ذلك زيادة من غير فائدة.
الجواب: منع عدم الفائدة بل فائدته نفى احتمال الشركة قطعًا للإلحاق بالقياس كما تقدَّم.
قوله: (بصيغته) تنصيص على محل النزاع إذ لا نزاع فى جواز تناوله الأمة بحسب الدليل ثم أشار إلى رفع النزاع باحتمال أنهم يريدون التناول بحسب الدليل دون الصيغة لأنه نزاع فيما علم ثبوته من اللغة قطعًا.
قوله: (وأنه يلزم) عطف على ما تقدَّم لأن ذلك ليس مما تقدَّم وإن كان ظاهر لفظ المتن يقتضيه يعنى يلزم أن لا تكون له فائدة أصلية من التأسيس إذ التأكيد خلاف الأصل وقد يقال فائدته دفع التوهم وقطع الاحتمال لأن عموم خطاب الواحد للأمة ظاهر لا قطعى ومختلف فيه لا متفق عليه.
قوله: (وإنما يدل لو دلت) هذا على طريق الفرض والمساهلة وإلا فعموم كل حكم لكل مكلف لا يقتضى تناول كل خطاب بصيغته للكل.
قوله: (لأن الكل للكل) يعنى ليس معنى التعميم أن كل حكم ثابت لكل مكلف حتى يجب على المريض والحائض مثلًا ما يجب على الصحيح والطاهر، ولا خفاء أن الأولى لكل بالتنكير إذ كون الكل للكل حق ولا يقتضى أن يثبت الكل بل
стр. 1341
البعض لكل أحد.
قوله: (من عدم تناول حكم الواحد للجميع) إشارة إلى أن "على" فى قوله: على الجماعة ليس تقابل اللام حتى يكون الحكم عليهم غير متناول للحكم لهم بل هى مثلها فى قولهم المحكوم عليه هو المكلف فتناول الحكم عليهم الإيجاب والندب والتحريم وغيرها.
قوله: (فهو خلاف الإجماع) فإن قيل هذا إنما يصح لو وقع الإجماع على عدم التناول بدون العلم بالتساوى وليس كذلك بل غايته عدم الإجماع على التناول لا الإجماع على عدم التناول وهو عين النزاع قلنا: كأنه يريد بخلاف الإجماع أنه ليس بإجماع، وفى قوله: فى المعنى المعلل به ذلك الحكم إشارة إلى أن المراد به الجامع ولا يرد ما قيل: إنه يجوز أن لا يعلم التساوى ذلك فى المعنى ويثبت الحكم بدليل آخر كنص عام مثلًا لأن الكلام فيما إذا كان حكم النبى ﵊ على الواحد من غير تعميم.
قوله: (لأبى بردة فى الكفارة) الظاهر أنه غلط والصواب أن ذلك فى التضحية بالجذعة، على ما ذكر فى الكتب المعتبرة أنه قال أبو بردة: عندى جذعة خير من مسنة فقال ﵊: "اجعلها مكانها -أو قال: اذبحها- ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك". قال صاحب الفائق: قال النبى ﵊ لأبى بردة بن نيار فى الجذعة التى أمره أن يضحى بها: "ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك": أى لا يؤدى عنها الواجب ولا تقضيه، من قوله تعالى: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، قال الإمام محيى السنة: جزى عنى هذا الأمر ويجزيك من هذا الأمر الأقل: أى يقضى وينوب، وهو بلا همزة فإذا كان بمعنى الكفاية، قلت: جزأ عنى، وأجزأ بالهمزة، وأبو بردة شهد العقبة الثانية وبدرًا وأحدًا، وسائر المشاهد، وكانت معه راية بنى حارثة يوم الفتح توفى فى أول خلافة معاوية بعد شهوده مع على حروبه كلها، وأما حديث الكفارة فإنما هو فى قصة أعرابى واقع أهله فى نهار رمضان، ليس فيه أنه: لا يجزئ أحدًا بعدك.
قوله: (وتخصيصه) أى ولكان تخصيصه وهو عطف على قوله: وهذا إنما يستقيم فى شهادة خزيمة لا فى لبس الحرير لعبد الرحمن، فإن ذلك ترخيص لضرورة القمل ونحوه لا تخصيص.
стр. 1342
المصنف: (لنا ما تقدم من القطع. . . إلخ) أى لنا مثل ما تقدم من القطع. . . إلخ. لأن القطع المتقدم هو أن خطاب الرسول ﵊ لا يعم الأمة وهذا القطع بأن خطاب واحد من الأمة لا يعم جميعهم وبتقدير مثل صح بيان ما تقدم بالقطع وما عطف عليه لا يقال: إن عدم فائدة "حكمى على الواحد حكمى على الجماعة" لم يتقدم مثله لأنا نقول: قد تقدم مثله وهو عدم فائدة مثل قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، و ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
الشارح: (ولعلهم لا يدعون تناوله بصيغته) أى لا لغة ولا عرفًا فليس كخطاب المقتدى به فإنه يعم عرفًا عند الحنفية والحنابلة.
الشارح: (لكان قوله ﷺ لأبى بردة فى الكفارة. . . إلخ) الذى فى صحيح مسلم عن أبى بردة رضى اللَّه عنه أنه قال: جاء أعرابى إلى النبى ﷺ فقال: هلكت يا رسول اللَّه قال وما أهلكك؟ قال: واقعت أهلى فى رمضان، فقال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا، فقال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا؛ ثم جلس فأتى النبى ﷺ بعزق فيه تمر فقال: تصدق بهذا، فقال: أأفقر منا فما بين لابتيها أهل ما أحوج منا فضحك النبى ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك. وفى رواية فكلوه، هكذا رواه ولم يصرح باسم الأعرابى فيحتمل أن اسم الأعرابى أبو بردة غير أبى بردة المشهور ويكون قول الشارح: يجزئك ولا يجزئ أحدًا بعدك حكاية بالمعنى والعزق: بفتح العين والزاى وروى بسكون الزاى أيضًا مكيال يسع خمسة عشر صاعًا وهى ستون مدًا، وأفقر منصوب بفعل مقدر أى أتجد أفقر منا كما قال النووى وعلى هذا لا غلط من الشارح كما ادعى المحشى بل هى واقعة أخرى غير واقعة الضحية التى هى: أن أبا بردة بن نيار خال البراء بن عازب ضحى قبل صلاة العيد فقال ﷺ : تلك شاة لحم وأمره أن يضحى بأخرى فقال أبو بردة عندى يا رسول اللَّه جذعة من الغنم هى خير من مسنة فقال ﷺ : ضح بها ولا تصلح لغيرك وفى رواية: ولا يجزى جذعة عن أحد بعدك.
قوله: (لأنه نزاع فيما علم ثبوته من اللغة قطعًا) أى أن النزاع فى تناول خطاب الواحد غيره من الأمة نزاع فيما علم ثبوته وهو عدم التناول من اللغة قطعًا.
стр. 1343
قوله: (عطف على ما تقدم لأن ذلك ليس مما تقدم) قد علمت أنه عطف على القطع الواقع بيانًا لما تقدم وأن الكلام على تقدير مثل ما تقدم.
قوله: (فائدته رفع التوهم) أى لأن دلالة خطاب الواحد على العموم بالظهور وتحتمل الخلاف فيدفع احتمال الخلاف المتوهم بقوله: "حكمى على الواحد حكمى على الجماعة".
قوله: (بل البعض) أى بل لا يقتضى أن يثبت البعض.
قوله: (فإن قيل هذا إنما يصح. . . إلخ) اعتراض على الشارح فى رده مذهب الحنابلة بأنهم إذا قالوا: إن الصحابة حكمت بالعموم والتناول لجميع الأمة يكون ذلك خلاف الإجماع وحاصله أنه إنما يصح ذلك لو كان هناك إجماع على عدم التناول عند عدم العلم بالمساواة وليس كذلك بل غايته عدم الإجماع على التناول لا الإجماع على عدم التناول وهو عين النزاع يعنى حيث لم يكن هناك إجماع على عدم التناول ولا إجماع على التناول فالنزاع لا يزال صحيحًا ويصح أن نقول نحن الحنابلة بالتناول لأنه لم يكن هناك إجماع على عدم التناول حتى لا يصح أن نقول بالتناول وقوله: قلنا كأنه يريد بخلاف الإجماع أنه ليس بإجماع جواب عن الشارح بأن مراده بقول خلاف الإجماع أن التناول وشمول جميع الأمة فيما ذكرتم ليس بإجماع فلا يصح منكم يا حنابلة دعوى أن الصحابة جميعًا حكموا بالعدم فيما ذكرتم وقوله: ولا يرد ما قيل أى لتصحيح ما قاله الحنابلة ورد ما ورد عليهم من أنه عند عدم العلم بالتساوى لا إجماع وقوله: لأن الكلام. . . إلخ. رد لهذا التصحيح.
قوله: (قال الإمام محيى السنة) مراده به الشيخ النووى.
قوله: (وليس فيه أنه لا يجزى أحدًا بعدك) علمت أن الشارح حكاه بالمعنى.
قوله: (لا تخصيص) مذهب الجمهور أنه يجوز لكل أحد لبس الحرير للحاجة وبعضهم قال بأن لبس الحرير خاص بعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام الذين شكيا إلى رسول اللَّه ﷺ القمل فى بعض الأسفار فرخص لهما لبسه.
стр. 1344
قال: (مسألة: جمع المذكر السالم كالمسلمين ونحو فعلوا مما يغلب فيه المذكر لا يدخل فيه النساء ظاهرًا خلافًا للحنابلة لنا ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ولو كان داخلًا لما حسن فإن قدر مجيئه للنصوصية ففائدة التأسيس أولى وأيضًا قالت أم سلمة رضى اللَّه عنها: يا رسول اللَّه إن النساء قلن ما نرى اللَّه ذكر إلا الرجال، فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .﴾، ولو كن داخلات لم يصح تقريره النفى وأيضًا فإجماع العربية على أنه جمع المذكر، قالوا: المعروف تغليب الذكور، قلنا صحيح إذا قصد الجميع ويكون مجازًا فإن قيل الأصل الحقيقة قلنا يلزم الاشتراك وقد تقدَّم مثله، قالوا: لو لم يدخلن لما شاركن المذكرين فى الأحكام قلنا بدليل خارج ولذلك لم يدخلن فى الجهاد والجمعة، وغيرهما، قالوا لو أوصى لرجال ونساء بشئ ثم قال أوصيت لهم بكذا دخل النساء بغير قرينة وهو معنى الحقيقة قلنا بل بقرينة الإيصاء الأول).
أقول: صيغة المذكر هل تتناول النساء وليس النزاع فى دخول النساء فى نحو: الرجال لانتفائه اتفاقًا ولا فى نحو: الناس ولا فى نحو: من وما لثبوته اتفاقًا، إنما النزاع فيما ميز بين صيغة المذكر والمؤنث بعلامة فإن العرب تغلب فيه المذكر، فإذا أرادوا الجمع بين المذكر والمؤنث يطلقونه ويريدون الطائفتين ولا يفرد المؤنث بالذكر كما هو عادتهم فى تغليب المتكلم على الحاضر والحاضر على الغائب والعقلاء على غيرهم وذلك مثل المسلمين وفعلوا، وافعلوا، فهذه الصيغ إذا أطلقت هل هى ظاهرة فى دخول النساء فيها كما تدخل عند التغليب أو لا؟ الأكثر على أنها لا تدخل ظاهرًا خلافًا للحنابلة، لنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ونحوه، ولو كان مدلول المسلمات داخلًا فى المسلمين لما حسن هذا لكونه عطفًا للخاص على العام، فإن قيل فائدته كونه نصًا فى النساء، ولا يقبل التخصيص فهو مذكور للتأكيد كما عطف جبريل وميكائيل على الملائكة والصلاة الوسطى على الصلوات، قلنا فائدة التأسيس أولى من فائدة التأكيد ولنا أيضًا قد روى عن أم سلمة رضى اللَّه عنها أنها قالت: يا رسول اللَّه إن النساء قلن ما نرى اللَّه ذكر إلا الرجال، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، فنفت ذكرهن مطلقًا ولو كن داخلات لما صدق نفيهن ولم يجز تقريره ﷺ للنفى، ولنا أيضًا إجماع العربية على أن هذه الصيغ جمع المذكر وأنه
стр. 1345
لتضعيف المفرد والمفرد مذكر.
قالوا: أولًا: المعروف من أهل اللسان تغليبهم المذكر على المؤنث عند اجتماعهما باتفاق ولو كان ألف امرأة مع رجل واحد، قال تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، والمراد بنو إسرائيل رجالهم ونساؤهم، وقال: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، والمراد آدم وحواء وإبليس، وهذا إنما يتصوّر بدخول النساء فيه.
الجواب: أنه إنما يدل على أن الإطلاق صحيح إذا قصد الجميع ونحن نقول به لكنه يكون مجازًا ولا يلزم أن يكون ظاهرًا وفيه النزاع فإن قيل: الأصل فى الإطلاق الحقيقة فلا يصار إلى المجاز إلا لدليل، قلنا: لا نزاع فى أنه للرجال وحدهم حقيقة ولو كان لهم وللنساء معًا حقيقة أيضًا لزم الاشتراك، وإلا فالمجاز وقد علمت أن المجاز أولى من الاشتراك وقد تقدَّم ذلك.
قالوا: ثانيًا: لو لم يدخل النساء فى هذه الصيغ لما شاركن فى الأحكام لثبوت أكثرها بهذه الصيغ واللازم منتف بالاتفاق كما فى أحكام الصلاة والصوم والزكاة وقد ثبت بنحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، و ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
والجواب: منع الملازمة، نعم يلزم أن لا يشاركن فى الأحكام بهذه الصيغ وما المانع أن يشاركن بدليل خارج والأمر كذلك ولذلك لم يدخلن فى الجهاد والجمعة وغيرها لعدم الدليل الخارجى فيها.
قالوا: ثالثًا: لو أوصى لرجال ونساء بمائة درهم ثم قال: أوصيت لهم بكذا دخلت النساء بغير قرينة وهو معنى الحقيقة فيكون حقيقة فى الرجال والنساء ظاهرًا فيهما، وهو المطلوب.
والجواب: منع المبادرة ثمة بلا قرينة فإن الوصية المتقدمة قرينة دالة على إرادتهما.
قوله: (صيغة المذكر) يعنى أن الصيغة التى يصح إطلاقها على الذكور خاصة قد تكون موضوعة بحسب المادة للذكور خاصة مثل الرجال ولا نزاع فى أنها لا تتناول النساء، وقد تكون موضوعة لما هو أعم مثل الناس ومن وما ولا نزاع فى أنها
стр. 1346
تتناول النساء وقد تكون بحسب المادة موضوعة لهما وبحسب الصيغة للمذكر خاصة وهذا هو المتنازع فيه وحاصله أن تغليب الذكور على الإناث والقصد إليهما جميعًا ظاهر ومبنى على قيام القرينة.
قوله: (التأسيس أولى) فإن قيل: الإفادة بطريق النصوصية دون الظهور تأسيس لا تأكيد قلنا: ليس هذا إلا تقوية لمدلول الأول يدفع توهم التجوّز وعدم الشمول وهو معنى التأكيد.
قوله: (مذكور للتأكيد) والحق أن مثله لا يعدّ تأكيدًا لأنه ليس لتقوية الأول بل لفائدة أخرى من تنصيص أو تنبيه على زيادة فضله أو نحو ذلك.
قوله: (مطلقًا) دفع لما يقال يجوز أن تريد أم سلمة عدم ذكرهن بصيغة ظاهرة فيهن خاصة لا ذكرهن مطلقًا، يعنى أن مدلول قولها: (ما نري اللَّه ذكر إلا الرجال)، نفى ذكرهن لا خصوصًا ولا فى ضمن العموم وإلا لما صح الحصر.
قوله: (لما صدق نفيهن) يحتمل أن يكون إضافة إلى الفاعل لكن الأنسب بصدر الكلام أن يكون إلى المفعول أى لما صح نفى أم لسلمة ذكرهن ثم الظاهر أن هذا مع عدم جواز التقرير لازم واحد إذ لا فساد فى مجرد عدم صدق كلام النساء فعلى هذا لو قال: فلم يجز بالفاء لكان أحسن.
قوله: (وأنه) أى إجماعهم على أن الجمع (لتضعيف المفرد) أى جعل مدلوله فوق الواحد والمفرد مذكر اتفاقًا إذ لا نزاع فى أن مثل مسلم وفعل وافعل للمذكر خاصة.
قوله: (لا نزاع) يعنى أن المصير إلى المجاز لدليل وهو لزوم الاشتراك المرجوح بالنسبة إلى المجاز فقوله: وإلا فالمجاز معناه لو لم يكن لهم وللنساء معًا حقيقة وقد ثبت الإطلاق عليهما كان مجازًا بالضرورة، والمحقق جعل قوله: وقد تقدَّم مثله إشارة إلى ما تقدَّم من رجحان المجاز على الاشتراك وجمهور الشارحين إلى ما سبق فى مسألة أن العام إذا خص كان مجازًا من أنه حقيقة فى الاستغراق فلو كان حقيقة فى الباقى أيضًا يلزم الاشتراك والقول بجواز كونه حقيقة فى القدر المشترك بين محض الذكور وجمع الذكور والإناث جميعًا ينافى الغرض المذكور أعنى كونه حقيقة فى الذكور بالخصوص إلا أن للخصم أن ينازع فى ذلك.
قوله: (ولذلك) أى ولكون الأمر كذلك يعنى أنهن شاركن بدليل من خارج
стр. 1347
كالإجماع مثلًا لم يشاركن فى مثل الجهاد والجمعة لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، لعدم الدليل، ولولا أن هذا فى معرض التأكيد والتحقيق للمنع لكان للخصم أن يقول: بل عدم المشاركة يتوقف على الدليل كالإجماع على عدم الجهاد والجمعة عليهن، وإن ضم هذا إلى الدليل، أى لو لم يدخلن لما شاركن فى الأحكام بهذه الصيغ، فالجواب منع انتفاء اللازم.
المصنف: (مما يغلب فيه المذكر) أى مما يستعمل فى الإناث والذكور تغليبًا عند الاجتماع كما تقول: زيد وعمرو وهند فعلوا.
المصنف: (لا يدخل فيه النساء ظاهرًا) أى فيكون التغليب مجازًا.
المصنف: (ففائدة التأسيس أولى) أى فلا تدخل النساء فى جمع المذكر ليكون ذكرها بعده تأسيسًا لا تأكيدًا بخلاف ذكر جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة فإنهما داخلان فى الملائكة قطعًا فحمل ذكرهما على التأكيد.
المصنف: (قالوا العروف تغليب الذكور) قال الكمال: هذا بعيد أن يقوله الحنابلة لأن فيه اعترافًا بالمجازية فالأولى فى تقرير دليلهم أن يقال صح إطلاقه للمذكر والمؤنث كما للمذكر فقط والأصل فى الإطلاق الحقيقة.
الشارح: (ولا فى نحو من وما لثبوته اتفاقًا) أى من المتنازعين هنا فلا ينافى أن فى نحو: من وما خلافًا كما سيأتى فى قول المصنف من الشرطية تأمل المؤنث عند الأكثر.
الشارح: (كما تدخل عند التغليب) أى عند اجتماع المذكر والمؤنث وتغليب المذكر على المؤنث.
قوله: (يعنى أن الصيغة التى يصح إطلاقها على الذكور خاصة) قصد بذلك دفع التنافى بين قوله صيغة المذكر وقوله وهل تتناول النساء.
قوله: (يجوز أن تريد أم سلمة عدم ذكرهن بصيغة ظاهرة فيهن خاصة لا ذكرهن مطلقًا) يعنى وحينئذ فصدق نفيها وجواز تقريره ﷺ لا يقتضى عموم صيغة الجمع المذكر للنساء.
قوله: (إضافة إلى الفاعل) أى فضميرهن عائد للنساء اللاتى قلن: ما نرى اللَّه ذكر إلا الرجال.
стр. 1348
قوله: (نفى أم سلمة) أى الداخلة فى النساء القائلات ما نرى إلخ.
قوله: (ثم الظاهر أن هذا. . . إلخ) قيل بصح أن عدم صحة نفيهن وحده كاف لأن النساء اللاتى سئلن متصفات بالعدالة سيما وفيهن أمهات المؤمنين فيلزم الفساد فى عدم صدقهن لأنه يخل بعدالتهن.
قوله: (وإن ضم هذا إلى الدليل. . . إلخ) أى جعل من جملة الصيغ التى تشارك النساء فيها الرجال صيغة الجهاد نحو: جاهدوا وصيغة الجمع نحو: فاسعوا بأن يكون المعنى لو لم يدخلن لما شاركن فى هذه الصيغ التى منها جاهدوا واسعوا واللازم وهو عدم المشاركة باطل فالجواب بمنع انتفاء اللازم لعدم دخولهن فى الجهاد والجمعة فالحاصل أننا نمنع الملازمة إن لم يلاحظ دخول صيغة الجهاد والجمعة فى دليل الخصم ونمنع انتفاء اللازم إن لوحظ ذلك.
стр. 1349
قال: (مسألة: من الشرطية تشمل المؤنث عند الأكثر، لنا أنه لو قال: من دخل دارى فهو حر عتقن بالدخول).
أقول: ما لا يفرق فيه بين المذكر والؤنث مثل: من وما وإن كان العائد إليه مذكرًا فإنه يعم المذكر والمؤنث عند الأكثرين، وقال قوم: إنه يختص بالمذكر لنا لو قال: من دخل دارى فهو حر فدخلها النساء عتقن بالإجماع، ولولا الظهور لما أجمع عليه عادة.
قوله: (ما لا يفرق) يشير إلى أن ذكر "من" الشرطية لمجرد التمثيل والضابط الألفاظ التى لا يفرق فيها بين المذكر والمؤنث وكان لها عموم مثل: من وما الموصولتين أو الشرطيتين وغير ذلك.
المصنف: (لنا لو قال من دخل دارى. . . إلخ) ولنا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، فقد بين من بالذكر والأنثى ولولا شمول من لهما لما صح التبيين بهما.
قوله: (مثل من وما) أى الموصولتين أو الشرطيتين وغير ذلك كالاستفهاميتين.
стр. 1350
قال: (مسألة: الخطاب بالناس والمؤمنين ونحوهما يشمل العبيد عند الأكثر، وقال الرازى إن كان لحق اللَّه، لنا أن العبد من الناس والمؤمنين قطعًا فوجب دخوله، قالوا: ثبت صرف منافعه إلى سيده فلو خوطب بصرفها إلى غيره، لتناقض رد بأنه فى غير تضايق العبادات فلا تناقض قالوا: ثبت خروجه من خطاب الجهاد والحج والجمعة وغيرها، قلنا بدليل كخروج المريض والمسافر).
أقول: خطاب الشارع بالأحكام بصيغة تتناول العبيد لغة مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، هل يتناول العبيد شرعًا حتى يعمهم الحكم أو لا بل يختص بالأحرار، الأكثر على أنه يتناول العبيد، وقال أبو بكر الرازى يعمهم إن كان الخطاب لحق من حقوق اللَّه تعالى دون حقوق الناس، لنا أن العبد من الناس والمؤمنين فيدخل فى الخطاب العام بهما قطعًا وكونه عبدًا لا يصلح مانعًا لذلك.
قالوا: أولًا: قد ثبت بالإجماع صرف منافع العبد إلى سيده فلو كلف بالخطاب لكان صرفًا لمنافعه إلى غير سيده وذلك تناقض فيتبع الإجماع ويترك الظاهر.
الجواب: لا نسلم صرف منافعه إلى سيده عمومًا بل قد استثنى من ذلك وقت تضايق العبادات حتى لو أمره السيد فى آخر وقت الظهر حين تضايق عليه الصلاة فلو أطاعه لفاتته وجبت عليه الصلاة وعدم صرف منفعته فى ذلك الوقت إلى السيد، وإذا ثبت هذا فالتعبد بالعبادة ليس مناقضًا لقولهم يصرف منافعه إلى السيد، إلا فى وقت تضايق العبادة فاندفع ما ذكرتم.
قالوا: ثانيًا: خرج العبد عن خطاب الجهاد والجمعة والعمرة والحج والتبرعات والأقارير ونحوها، ولو كان الخطاب متناولًا له بعمومه لزم التخصيص، والأصل عدمه.
الجواب: أن خروجه بدليل اقتضى خروجه وذلك كخروج المريض والمسافر والحائض عن العمومات الدالة على وجوب الصلاة والصوم والجهاد وذلك لا يدل على عدم تناولها لهم اتفاقًا، غايته خلاف الأصل ارتكب لدليل وهو جائز.
قوله: (ويترك الظاهر) وهو دخوله فى عموم الخطاب.
قوله: (فلو أطاعه) أى العبد السيد (لفاتته) أى صلاة الظهر العبد وهذا الشرطية
стр. 1351
عطف على تضايق بيانًا له وتفسيرًا وقوله وجبت عليه الصلاة، وجواب لو أمره السيد وعدم صدق عطف على الصلاة وقوله إلا فى وقت استثناء من قوله يصرف منافعه.
قوله: (كخروج المريض) أى من عموم الصوم والجهاد والمسافر عن الصوم والحائض عن الكل.
المصنف: (يشمل العبيد) أى شرعًا بمعنى أنهم مرادون شرعًا من الصيغة لعمومها لغة.
المصنف: (وقال الرازي. . . إلخ) لم يأت بدليل يدل على التفصيل لأن الدليلين اللذين ذكرهما إنما هما للقائل بعدم العموم مطلقًا.
стр. 1352
قال: (مسألة: مثل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣]، يشمل الرسول ﷺ عند الأكثرين، وقال الحليمى إلا أن يكون معه قل لنا ما تقدَّم وأيضًا فهموه لأنه إذا كان لم يفعل ﷺ سألوه فيذكر موجب التخصيص، قالوا: لا يكون آمرًا مأمورًا ومُبَلِّغًا مُبَلَّغًا بخطاب واحد، ولأن أمر للأعلى ممن دونه، قلنا الآمر هو اللَّه سبحانه، والمبلغ جبريل ﵇. قالوا: خص بأحكام كوجوب ركعتى الفجر والضحى والأضحى وتحريم الزكاة وإباحة النكاح بغير ولى ولا شهود ولا مهر وغيرها. قلنا: كالمريض والمسافر وغيرهما ولم يخرجوا بذلك من العمومات).
أقول: ما ورد على لسان الرسول ﷺ من العمومات المتناولة له لغة هل يعم الرسول أو كونه واردًا بلسانه يمنع دخوله فيها مثاله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣]، وغيره
فالأكثر على أنه يشمل الرسول ﷺ مطلقًا، وقيل لا يشمله مطلقًا، وقال الحليمى مفصلًا إن كان مأمورًا فى أوله بالقول للأمة نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، لا يشمله وإلا شمله لنا ما تقدَّم أنه ممن يتناوله اللفظ لغة فوجب الدخول فيه عند التركيب ولنا أيضًا أن الصحابة فهموا دخوله ﵊ فيها ولذلك إذا لم يفعل بمقتضاه سألوه عن الموجب وذكر موجب التخصيص وذلك تقرير منه لدخوله فيها.
قالوا: أولًا: أنه ﵊ آمر أو مبلغ فإن كان آمرًا فلا يكون مأمورًا لأن الواحد بالخطاب الواحد لا يكون آمرًا ومأمورًا معًا وإن كان مبلغًا فلا يكون مبلغًا إليه لمثل ذلك فإن قيل قد يكون آمرًا مأمورًا من جهتين قلنا الآمر أعلى مرتبة من المأمور فلا بد من المغايرة.
الجواب: لا نسلم أنه آمر أو مبلغ بل الآمر هو اللَّه والمبلغ هو جبريل وهو حاك لتبليغ جبريل ما هو داخل فيه.
قالوا: ثانيًا: أنه ﵊ مخصوص بأحكام من وجوب أشياء نحو ركعتى الفجر وصلاة الضحى والأضحى وتحريم أشياء كالزكاة وخائنة الأعين وإباحة أشياء كالنكاح من غير شهود وولى وبلا مهر والزيادة على أربع نسوة والتزويج بلفظ الهبة إلى غير ذلك مما نطق به موضعه فدل على عدم مشاركته لأمته فى عموم الخطاب.
стр. 1353
الجواب: أن انفراده فى ذلك بدليل لا يوجب عدم المشاركة مطلقًا فإن عدم الحكم قد يكون لمانع كما يكون لعدم المقتضى وذلك كما خرج المريض والمسافر وغيرهما من عمومات مخصوصة ولا يوجب ذلك خروجهم من العمومات مطلقًا.
قوله: (ما ورد عطى لسان الرسول) نفى لما ذهب إليه الشارح العلامة من أن المراد بمثل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [النساء: ١]، و ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣]، خطاب التكاليف الوارد بالألفاظ العامة مع كونه منادى يعنى أن المراد ما هو أعم من ذلك.
قوله: (هل يعم الرسول) أى بحسب الحكم المستفاد من التركيب أو لا يعم بناء على أن وروده بلسان الرسول يمنع دخول الرسول فى العمومات.
قوله: (مطلقًا) أى سواء كان مأمورًا فى أوله بالقول أو لم يكن وليس المراد صريح لفظ القول بل يدخل فيه مثل بلغهم كذا واكتب إليهم كذا أو ما أشبه ذلك.
قوله: (فهموا دخوله) ضمير دخوله وسألوه ومنه للرسول وضمير فيها للعمومات وضميره مقتضاه لما ورد بلسانه مثال ذلك ما روى أنه ﵇ أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ولم يفسخ فقالوا: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ، ولم ينكر عليهم ما فهموه من دخوله فى ذلك الأمر، بل تحوّل إلى بيان الموجب بقوله إنى قلدت هديًا، وإذا كانوا يفهمون من أمر الرسول لهم دخوله فيه فمن أمر اللَّه الوارد بلسانه أولى وإذا وجد مثل ذلك فى الخطابات المصدرة بلفظ قل انتهض على الحليمى أيضًا واحتج الحليمى بأن الأمر بالآمر بالشئ لا يكون آمرًا به لو قال الملك لوزيره قل يا أيها الناس افعلوا كذا لم يدخل الوزير وأجيب بأن جميع الخطابات المنزلة عليه فهى فى تقدير قل فيلزم أن لا يدخل فى شئ منها ورد بالمنع ولو سلم فليس المقدر كالملفوظ من كل وجه.
قوله: (فإن قيل قد يكون آمرًا مأمورًا) ظاهر عبارة المتن أن قوله ولأن الأمر طلب الأعلى شبهة أخرى للخصم والشارح جعله جواب سؤال يورد على الشبهة الأولى نظرًا إلى ما فى بعض النسخ من تجرد قوله ولأن عن الواو والأول هو الموافق لكلام الآمدى، فإن قيل فمثله يرد على التبليغ ولا يتأتى الجواب بمثل ما
стр. 1354
ذكر إذ لا يشترط كون المبلغ أعلى، قلنا لا بد من أن يكون وصول الخطاب إلى المبلغ قبل وصوله إلى المبلغ إليه، وهذا فى الواحد محال وإن تعددت جهاته وهو ظاهر.
قوله: (وهو) أى الرسول يحكى تبليغ جبريل الخطاب الذى هو أى الرسول داخل فيه.
قوله: (نحو ركعتى الفجر) ذكره الآمدى ولا يوجد فى كتب الفروع.
قوله: (كالزكاة) فإن قيل كما تحرم عليه ﷺ تحرم على أقربائه بنى هاشم وبنى المطلب قلنا لما كان بسبب قرابته عدّ من خصائصه أو تقول التحريم عليه وعلى الأقارب من خصائصه.
قوله: (وخائنة الأعين) فسرت بالإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر سمى بذلك لأنه يشبه الخيانة من حيث إنه لخفى.
قوله: (والزيادة على الأربع) يعنى إلى التسع فما فوقها على ما هو الصحيح.
قوله: (إلى غير ذلك) أما من الواجبات فكالوتر والتهجد والسواك وتخيير نسائه فيه والمشاورة وتغيير المنكر ومصابرة العدو الكثير وقضاء دين الميت المعسر وأما من المحرمات فكصدقة التطوّع، ونزع لأْمَته حين يقاتل، والمَنّ ليستكثر، ونكاح الكتابية والأمة، وأما من المباحات فكصوم الوصال وصفى المغنم وخمس الخمس وجعل إرثه صدقة وأن يشهد ويقبل ويحكم لنفسه ولولده.
المصنف: (يشمل الرسول ﷺ ) أى لتناوله له لغة ولأنه مرسل لنفسه أيضًا فلا يقال كيف يتناول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، نفسه ﷺ إذ لا بعد فى إخباره بأنه رسول لنفسه.
المصنف: (أو لأن الأمر للأعلى ممن دونه) أى أن الأمر يشترط فيه أن يكون من الأعلى للأدنى فلا يصح أن يكون آمرًا ومأمورًا وهذه الشبهة محكية على لسان الخصم فلا يرد أن يقال: إنه لا يشترط العلو عند المصنف وإنما يشترط الاستعلاء.
الشارح: (يشمل الرسول ﷺ مطلقًا) أى سواء عبر فيه بقل أو لم يعبر به قال إمام الحرمين فى البرهان: وكان التقدير فيه بلغنى من أمر ربى كذا فاسمعوه وعوه واتبعوه. اهـ. يعنى والذى بلغه عام فى نفسه فلا يغيره كون النبى قد اختص
стр. 1355
بشئ وهو التبليغ.
الشارح: (وقيل لا يشمله مطلقًا) قال فى البرهان لا يؤبه بمن ذهب إلى ذلك لأن اللفظ صالح ووضع اللسان حاكم باقتضاء التعميم والرسول ﷺ من المتعبدين بقضايا التكاليف كالأمة.
قوله: (وأجيب بأن الخطابات المنزلة. . . إلخ) قد علمت ما قاله فى البرهان من أن المعنى على أنه بلغنى عن اللَّه كذا فاسمعوه وعوه فليس قول اللَّه تعالى قل كذا من باب الأمر بالأمر فى الحقيقة.
стр. 1356
قال: (مسألة: مثل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، ليس خطابًا لمن بعدهم، وإنما ثبت الحكم بدليل آخر، من: إجماع أو نص أو قياس خلافًا للحنابلة، لنا القطع بأنه لا يقال للمعدومين يا أيها الناس، وأيضًا إذا امتنع فى الصبى والمجنون فالمعدوم أجدر. قالوا: لو لم يكن مخاطبًا لم يكن مرسلًا إليه، والثانية اتفاق، وأجيب بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهى بل لبعض شفاهًا ولبعض بنصب الأدلة بأن حكمهم كحكم من شافههم، قالوا: الاحتجاج به دليل التعميم. قلنا: لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر جمعًا بين الأدلة).
أقول: ما وضع لخطاب المشافهة نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، ليس خطابًا لمن بعدهم وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من إجماع أو قياس أو نص أما بمجرد الصيغة فلا، وقالت الحنابلة: هو عام لمن بعدهم، لنا أنا نعلم قطعًا أنه لا يقال للمعدومين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [الحجرات: ١٣]، ونحوه وإنكاره مكابرة، ولنا أيضًا أنه امتنع خطاب الصبى والمجنون بنحوه، وإذا لم نوجهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب، فالمعدوم أجدر أن يمتنع لأن تناوله أبعد.
قالوا: أولًا: لو لم يكن الرسول مخاطبًا لمن بعدهم لم يكن مرسلًا إليه واللازم منتف، أما الملازمة فإذ لا معنى لإرساله إلا أن يقال له بلغه أحكامى ولا تبليغ إلا بهذه العمومات وهى لا تتناوله، وأما انتفاء اللازم فبالإجماع.
الجواب: لا نسلم أنه لا تبليغ إلا بهذه العمومات التى هى خطاب المشافهة إذ التبليغ لا تتعين فيه المشافهة نعم يجب التبليغ فى الجملة وأنه يحصل بأن يحصل للبعض شفاهًا وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم.
قالوا: ثانيًا: لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك وهو إجماع على العموم لهم.
الجواب: لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر جمعًا بين الأدلة، أى هذا الدليل الدال على المشاركة فى الحكم، ودليلنا الدال على عدم الدخول فى الخطاب.
стр. 1357
قوله: (لمن بعدهم) أى لمن بعد الموجودين فى زمن الوحى وقيل لمن بعد الحاضرين، مهابط الوحى والأول هو الوجه ويدل عليه ما ذكر فى الاستدلال أنه لا يقال للمعدومين يا أيها الناس واعلم أن القول بعموم النصوص لمن بعد الموجودين وإن نسب إلى الحنابلة فليس ببعيد حتى قال الشارح العلامة ذكر فى الكتب المشهورة أن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من دين محمد ﵊، وهو قريب وما ذكره المحقق من أن إنكاره مكابرة حق فيما إذا كان الخطاب للمعدومين خاصة وأما إذا كان للموجودين والمعدومين ويكون إطلاق لفظ المؤمنين أو الناس عليهم بطريق التغليب فلا ومثله فصيح شائع فى الكلام يعرفه علماء البيان وكذا الاستدلال الثانى ضعيفًا لأن عدم توجه التكليف بناء على دليل لا ينافى عموم الخطاب، وتناوله لفظًا.
قوله: (لو لم يكن الرسول مخاطبًا) فإن قيل هذه الخطابات إنما هى من اللَّه تعالى وإنما الرسول مبلغ قلنا هذا التقرير ناظر إلى أن الرسول ﵊ هو الذى يوجه الكلام نحو المخاطبين فهو المخاطب لهم وإن جعلنا المخاطب هو اللَّه تعالى فالتقرير أنه لو لم يكن مخاطبًا لمن بعد الرسول لم يكن الرسول مرسلًا إليهم لأن معنى إرساله إليهم أن يقال له بلغه ما خاطبتهم به وقد وقع فى بعض النسخ وكذا فى المنتهى لو لم يكن مخاطبًا به والمعنى لو لم يكن من بعده مخاطبًا بمثل يا أيها الناس لم يكن الرسول مرسلًا إليهم لما مر.
قوله: (وأما انتفاء اللازم فبالإجماع) لم يتمسك بمثل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ١٢٨]. "بعثت إلى الأسود والأحمر"؛ لأن الخصم لا يسلم شموله المعدومين.
قوله: (جمعًا بين الأدلة) دفع لما يقال سياق القصص على ما نقلت، يدل على أن احتجاجهم كان بنفس هذه العمومات وأنها تتناولهم، فإن قيل على جواب الشبهتين الأدلة الأخرى أيضًا من قبيل الخطابات والمفروض أنها لا تتناول المعدومين، سلمنا أنها ليست من الخطابات كإجماع أو قياس يحصل فى ذلك الزمان فدليل حجيتها من الخطابات، والتقدير أنها لا تتناول العدومين فكيف يحتج بها، قلنا يجوز أن يثبت ذلك بإجماع أو تنصيص على ثبوت الحكم أو حجية
стр. 1358
الأدلة فى حق الموجودين والمعدومين بطريق آخر غير تناول الخطاب لهم كما فى قوله: "الجهاد ماض إلى يوم القيامة"، "لا تجتمع أمتى على الضلالة".
المصنف: (مثل يا أيها الناس ليس خطابًا. . . إلخ) اعلم أنه لا خلاف فى أن الموجودين وقت الخطاب ومن بعدهم سواء فى الحكم وإنما الخلاف فى أن غير الموجودين هل يشملهم اللفظ لغة أو شمول الحكم لهم من دليل منفصل والجمهور على الثانى لا يقال قد صححوا قول الأصحاب أن الأمر يتعلق بالمعدوم ومقتضاه صحة توجه الخطاب بنحو اعبدوا للمعدومين فيكون الحق التناول لأنا نقول فرق بين الخطاب النفسى والخطاب اللفظى فتعلق الخطاب النفسى فى الأزل يدخله معنى التعليق على معنى أن المعدوم الذى علم اللَّه أنه يوجد بشرائط التكليف توجه عليه حكم فى الأزل بما يفهمه ويعقله فيما لا يزال بخلاف الخطاب اللفظى فتوجيهه إلى المعدوم ممتنع لكونه غير فاهم.
قوله: (فليس ببعيد) رد بأن المراد عدم التناول على سبيل الحقيقة ولا شك فى بعد عموم المنصوص على هذا الوجه وأن العموم على طريق التغليب مجاز وهو رد فى غير محله لأن من قال بعدم العموم نفاه عن اللفظ مطلقًا حقيقة أو مجازًا وإنما يفهم شمول الحكم للمعدومين من دليل آخر من إجماع أو قياس أو غير ذلك لا على معنى أن يكون ذلك قرينة على إرادة العموم من الخطاب مجازًا.
قوله: (وكذا الاستدلال الثانى ضعيف لأن عدم. . . إلخ) رد بأن الاستدلال الثانى مبناه على أن الخطاب ليس متوجهًا لنحو الصبى والمجنون لعدم فهمهما وأن خروجهما لعدم الفهم لا لعدم التكليف حتى يقال: إن عدم توجه التكليف إلخ.
قوله: (سياق القصص على ما نقلت) أى قصص الاحتجاج فى كل عصر من العلماء على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ما فيه الخطاب الشفاهى.
قوله: (على جواب الشبهتين) أى الذى هو أن التبليغ بنصب الأدلة وأنهم علموا من دليل آخر.
قوله: (فدليل حجتها من الخطابات) أى التى استند إليها الإجماع أو القياس.
стр. 1359
قال: (مسألة: المخاطب داخل فى عموم متعلق خطابه عند الأكثر أمرًا ونهيًا أو خبرًا: مثل ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، من أحسن إليك فأكرمه أو فلا تهنه. قالوا: يلزم ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، قلنا: خص بالعقل).
أقول: من خاطب المكلفين بخطاب هو داخل فى عموم متعلقه، فالمخاطب نفسه هل يدخل فى ذلك الخطاب لتناوله له صيغة أو لا يدخل لقرينة كونه مخاطبًا. مثاله فى الخبر: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وفى الأمر قولك: "من أكرمك فأكرمه"، فإنه أمر عام لا يختص بمخاطب دون مخاطب وفى النهى قولك من أكرمك فلا تهنه فإنه نهى عام فالأكثر على أنه يدخل وقيل لا يدخل، لنا ما تقدَّم أنه يتناوله لغة فوجب تناوله له فى التركيب.
قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فيلزم أن يكون خالقًا لنفسه؟
الجواب: أنه ظاهر فيه وقد خص بدليل العقل.
قوله: (من خاطب) يشير إلى أن قول المصنِّف المخاطب داخل إنما هو بكسر الطاء على صيغة اسم الفعول.
وقوله: (فالمخاطب نفسه) على صيغة اسم الفاعل.
وقوله: (لتناوله) أى الخطاب (له) أى للمخاطب (صيغة) يشير إلى أن الكلام فيما إذا وجد فى الكلام صيغة تتناول المخاطب بحسب اللغة كلفظ كل شئ فى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، ولفظ من فى: من أكرمك فأكرمه، أو فلا تهنه، وبهذا يظهر أن المقصود دخول المخاطب أعنى المتكلم بالأمر والنهى فى مفعول أكرمه ولا تهنه لا فى فاعلها فقول الشارح لا يختص بمخاطب دون مخاطب مما لا معنى له، والصواب بواحد دون واحد.
قوله: (أو حجية الأدلة) عطت على ثبوت الحكم وقوله فى حق الموجودين والمعدومين بطريق آخر تنازعه كل من ثبوت الحكم وحجية الأدلة والمعنى أنه يجوز أن يثبت ذلك أى شمول الحكم للمعدومين بإجماع على ثبوت الحكم فى حق الموجودين والمعدومين بطريق آخر أو يثبت ذلك بالتنصيص على ثبوت الحكم
стр. 1360
لذلك أو يثبت ذلك بإجماع أو نص على حجية الأدلة كذلك.
قوله: (كما فى قوله الجهاد ماض إلى يوم القيامة) مثال للنص على ثبوت الحكم فى حق المعدومين بطريق آخر غير تناول الخطاب لأنه لا خطاب وقوله لا تجتمع. . . إلخ. مثال للنص على حجية الإجماع الذى هو من الأدلة.
قوله: (لا فى فاعلها) يؤيد ذلك أنه قال عموم متعلق الخطاب والمفعول هو الذى يصدق عليه عرفًا أنه متعلق بخلاف الفاعل.
стр. 1361
قال: (مسألة: مثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، لا يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع من المال خلافًا للأكثر، لنا أنه بصدقة واحدة يصدق أنه أخذ منها صدقة فيلزم الامتثال، وأيضًا فإن كل دينار مال ولا يجب ذلك بالإجماع، قالوا: المعنى من كل مال فيجب العموم، قلنا: كل للتفصيل ولذلك فرق بين: للرجال عندى درهم، وبين لكل رجل عندى درهم، باتفاق).
أقول: مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، لا يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع أموالهم بل يكفى أخذ صدقة واحدة من جملة الأموال، والأكثر على خلافه، لنا أنه إذا أخذ من جملة أموالهم صدقة واحدة صدق أنه أخذ من أموالهم، صدقة وإذا صدق ذلك فقد امتثل، ولنا أيضًا الإجماع، على أن كل دينار وكل درهم مال ولا يجب أخذ الصدقة منه إجماعًا فلا يجب من كل مال وإذا لم يجب لم يجب من كل نوع إذ لا مقتضى له إلا فهم العموم من الخطاب، وقد يجاب عن الأول بمنع صدق ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، على ظاهره إذ معناه بقضية العموم خذ من كل مال صدقة، وعن الثانى أنه ظاهر فى العموم وعارضه الإجماع فى بعض متناولاته فخصه منها فبقى فيما عداه حجة، قالوا: أموالهم للعموم لأنه جمع حجة مضاف كما مر فيكون المعنى خذ من كل واحد من أموالهم صدقة إذ معنى العموم ذلك وهو المطلوب.
الجواب: منع أن معنى العموم ذلك، فإن كل وضع لاستغراف كل واحد واحد مفصلًا وهو أمر زائد على العموم، ولذلك فرق بين للرجال عندى درهم، وبين لكل رجل عندى درهم حتى يلزم فى الأول درهم واحد، وفى الثانى دراهم بعدة الرجال.
قوله: (صدق أنه أخذ من أموالهم صدقة) هذا عين النزاع، فإن من زعم أن: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع لا يسلم ذلك ويدعى أنه لا يصدق إلا بأخذ الصدقة من كل نوع وذلك أيضًا بواسطة العرف والإجماع على أنه لا يجب الأخذ من كل فرد يصدق عليه أنه مال حتى الدينار والدرهم والدانق وما دون ذلك وإلا فقضية العموم بحكم اللغة يقتضى ذلك فقوله فى الدليل الثانى: وإذا لم يجب من كل دينار وكل درهم لم يجب من
стр. 1362
كل نوع فى حيز المنع لأن الإجماع إنما عارض العام فى بعض متناولاته الذى هو الأفراد فبقى حجة فيما عدا ذلك البعض أعنى الأنواع، وتحقيق المقام أن الجمع لتضعيف المفرد والمفرد خصوصًا مثل المال والعلم، والمال قد يراد به الفرد فيكون معنى الجمع المعرف باللام أو الإضافة جميع الأفراد وقد يراد به الجنس فيكون معناه جميع الأنواع كالأموال والعلوم والتعويل على القرائن وقد دل العرف، وانعقد الإجماع على أن المراد فى مثل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. . .﴾ [التوبة: ١٠٣] الأنواع لا الأفراد، وأما ما يتوهم من أن معنى الجمع العام هو المجموع من حيث هو مجموع أو كل واحد من الجموع لا من الآحاد حتى بنوا عليه أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فقد تكلمنا عليه فى شرح التلخيص، نعم قد تقوم قرينة على أن المراد بالجمع المعرف هو المجموع لا كل فرد مثل: هذه الدار لا تسع الرجال، أو نفس الحقيقة مثل: فلان يركب الخيل، ويا هند لا تحدثى الرجال، فلهذا يفرق بين: للرجال عندى درهم، ولكل رجل عندى درهم، عملًا بالبراءة الأصلية، بخلاف مثل: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ويحب كل محسن، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]، أو لأحدٍ من العباد.
المصنف: (مثل ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]) أى من كل جمع مضاف لجمع أو ضمير جمع وقد عبر الحنفية عن هذه المسألة بقولهم: الجمع المضاف إلى جمع لا يوجب الجمع فى كل فرد خلافًا لزفر ودليلهم أن مقابلة الجمع بالجمع تقضى القسمة آحادًا فالمعنى خذ من مال غنى صدقة ومن مال غنى آخر صدقة وهكذا، وهذا لا يقتضى الأخذ من جميع أموال كل واحد واحد ولا يقتضى استغراق آحاد مال كل ولا أنواعه والغلبة فى الاستعمال ذلك ولا يضر تخلفه فى نحو قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ [الأنعام: ٣١]، وقد استدل ابن الحاجب على هذا المذهب بأن أخذ صدقة واحدة من أموال كل يصدق عليه أنه أخذ صدقة من أموالهم فيتحقق به الامتثال ورد بأنه عين النزاع والخصم لا يسلم ذلك.
المصنف: (لا يقتضى أخذ الصدقة من كل نوع من المال) أى من كل نوع من المال لكل واحد واحد يعنى كما لا يقتضى الأخذ من كل الآحاد.
المصنف: (خلافًا للأكثر) أى حيث قال إنه يوجب الأخذ من كل نوع من أموال
стр. 1363
كل واحد واحد لأنه جمع مضاف للعموم فيعم.
الشارح: (وهو أمر زائد على العموم) أى فالعموم متحقق بشمول جميع الأجزاء وعلى هذا فالجمع مراد منه مجموع الأفراد عند عدم التفصيل بكله ومع ذلك هو عام وهذا مقتضى أن استغراق المفرد أشمل ومقتضى ما قاله السعد فى شرح التلخيص من أن مدلول الجمع المستغرق كل فرد فرد وإنما يراد المجموع بالقرينة أن استغراق الفرد ليس أشمل فقول المحشى: وأما ما يتوهم. . . إلخ. قصد به الرد على قول الشارح الجواب منع أن معنى العموم ذلك. . . إلخ.
стр. 1364
قال: (مسألة: العلى بمعنى المدح والذم مثل: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ﴾ [الانفطار: ١٣]، و ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ [الانفطار: ١٤]، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] عام، وعن الشافعى خلافه، لنا عام ولا منافى، نعم كغيره، قالوا: سيق لقصد المبالغة فى الحث أو الزجر فلا يلزم التعميم، قلنا: التعميم أبلغ، وأيضًا لا منافاة بينهما).
أقول: العام قد يتضمن معنى المدح والذم، مثاله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ (١٣) وَإِن الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيْمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، فمثل هذا العام هل هو للعموم فيثبت به الحكم فى جميع متناولاته أو لا، الأكثر أنه للعموم، ونقل عن الشافعى خلافه، حتى أحال بعض الشافعية التعلق بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيْلِ اللُّهِ﴾، فى وجوب الزكاة فى الحلى لأن القصد بذلك إلحاق الذم بمن يكنز الذهب والفضة، لنا أنه عام بصيغته وضعًا ولا منافاة بين المدح والذم وبين التعميم فوجب التعميم عملًا بمقتضى السالم عن المعارض، قالوا: سيق الكلام لقصد المدح والذم وقد عهد فيهما التجوز والتوسع وأن يذكر العام بيان لم يرد العموم مبالغة وإغراقًا.
الجواب: أن التعميم أبلغ فى المدح والذم فيدل السوق لهما على إرادته لا على عدم إرادته، سلمنا ذلك لكن لا منافاة بين السوق للمبالغة وبين التعميم حتى يدل ثبوت أحدهما على نفى الآخر.
قوله: (التعلق بقوله) أى التمسك يعنى يزعمون أن ليس الذهب والفضة عامًا للحلى حتى تجب فيه الزكاة بناء على أن سوق الكلام للذم لا لإيجاب الزكاة فى كل ذهب وفضة.
قوله: (ولا منافاة) عين النزاع فإن الخصم يزعم أن قصد المدح أو الذم ينافى قصد عموم الحكم وإن كان اللفظ عامًا بصيغته لما أن المقصود من إيراد مثله المنع عما الذم لأجله على وجه المبالغة فلو ثبت العموم فات معنى الذم.
قوله: (مبالغة) متعلق بأن يذكر وهى أعم من الإغراق على ما عرف فى فن البديع.
قوله: (سلمنا ذلك) حاصل الشبهة أن ذكر العام مع عدم التعميم وإرادة العموم أدخل فى المبالغة فى المدح والذم، والجواب أنّا لا نسلم ذلك بل التعميم أدخل
стр. 1365
فيها ولو سلم فالتعميم وإن لم يكن أدخل فيها فليس منافيًا لها حتى يكون القصد إليها مستلزمًا لنفى العموم بل غاية الأمر أن المبالغة تحصل بكل منهما وإن كان عدم التعميم أدخل وعلى هذا لا يتوجه ما يقال لا نسلم عدم المنافاة فإن المبالغة إنما تحصل بتقدير ذكر العام وعدم إرادة العموم، ويجاب بأن قصد المبالغة فى الحث لا ينافى العموم لا قصد المبالغة مطلقًا فإنه قد ينافيه كما فى ضربت الناس كلهم.
قوله: (حاصل الشبهة. . . إلخ) يعنى أن كون السياق للمدح أو الذم لقصد الحس أو الزجر يتحقق مع عدم إرادة التعميم ومع إرادة التعميم وعند عدم إرادة التعميم يكون أبلغ فحينئذ لا لزوم لإرادة التعميم هذا حاصل الشبهة وحاصل الرد أنا نمنع أن الأبلغية عند عدم إرادة التعميم بل الأبلغية عند إرادة التعميم سلمنا أن الأبلغية إنما تكون عند عدم إرادة التعميم لكن التعميم لا ينافى أصل المبالغة التى سيق الكلام لها لأنها تحصل معه كما تحصل عند عدمه.
قوله: (لا نسلم عدم المنافاة) أى التى ادعاها بقوله لكنه لا منافاة بين السوق للمبالغة وبين التعميم وقوله ويجاب بأن قصد المبالغة. . . إلخ. عطف على المنفى.
стр. 1366
شرح مختصر المنتهى الأصولي
تأليف
الإمام أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ
شرحه
العلامة القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
وعلى المختصر والشرح
حاشية العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ هـ
وحاشية السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦ هـ
وعلى حاشية الجرجاني
حاشية المحقق الشيخ حسن الهروي الفناري المتوفى سنة ٨٨٦ هـ
وعلى المختصر وشرحه وحاشية السعد والجرجاني
حاشية الشيخ محمد أبو الفضل الوراقي الجيزاوي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
[الجزء الثالث]
стр. 1367
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوطة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ١٣/ ١٢ /١١/ ٨٠٤٨١٠ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ بيروت - لبنان
стр. 1368
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(مباحث التخصيص)
قال: (التخصيص قصر العام على بعض مسمياته، أبو الحسين إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه وأراد ما يتناوله بتقدير عدم المخصص كقولهم خصص العام وقيل تعريف أن العموم للخصوص وأورد الدور وأجيب بأن المراد فى الحد التخصيص اللغوى).
أقول: قد فرغنا من بحث العام وها نحن نشرع فى التخصيص وفى المخصص وما يتعلق بهما، التخصيص فى الاصطلاح: قصر العام على بعض مسمياته، ويتناول ما أريد به جميع المسميات أولًا، ثم أخرج بعض كما فى الاستثناء وما لم يرد إلا بعض مسمياته ابتداء كما فى غيره، وقال أبو الحسين هو إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه، وأورد عليه أن ما أخرج فالخطاب لم يتناوله، فأجاب بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص كقولهم خصص العام وهذا عام مخصص ولا شك أن المخصص ليس بعام لكن المراد به كونه عامًا لولا تخصيصه وقيل هو تعريف أن العموم للخصوص وأورد عليه أنه تعريف التخصيص بالخصوص وفيه دور والأولى أنه ليس أعرف منه بل هو مثله فى الجلاء والخفاء، فإن من عرف حصول الخصوص عرف تحصيل الخصوص وبالعكس.
الجواب: أن المراد بالتخصيص المحدود التخصيص فى الاصطلاح وبالخصوص المذكور فى الحد هو الخصوص فى اللغة فتغايرا فلا دور ولا تساوى فى الجلاء لأن اللغوى قد عرف والاصطلاحى بعد لم يعرف.
قوله: (التخصيص) جمهور الشارحين على أن المراد بالمسميات أجزاء المسمى للقطع بأن الآحاد كزيد وعمرو مثلًا ليس من أفراد مسمى الرجال إذ مسماه ما فوق الاثنين من هذا الجنس لكن سيق فى تحقيق مفهوم العام أنها الآحاد التى دل العام عليها باعتبار أمر اشتركت فيه وهو معنى المسميات العام لا أفراد مدلوله ولولا أنه
стр. 1369
جوّز التخصيص بمثل الاستثناء إلى الواحد لجاز جعل مسميات صيغة الجمع هى الجماعات لا الآحاد.
قوله: (ويتناول) يعنى أن فى مثل: اقتلوا الكافرين إلا أهل الذمة؛ المراد بالكافرين جميع الكفار ليصح إخراج أهل الذمة فيتعلق الحكم فيكون القصر على البعض باعتبار الحكم فقط وفى مثل: اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة يتبين أن المراد بالكافرين غير أهل الذمة خاصة فيكون القصر على البعض باعتبار الدلالة والحكم جميعًا ويكون معنى القصر فى الأول أن اللفظ الذى يتناول جميع المسميات قد اقتصر الحكم فيه على بعضها، وفى الثانى أن اللفظ الذى كان يتناول الجميع فى نفسه قد اقتصرت دلالتها على البعض خاصة وحينئذٍ يندفع ما يتوهم من أن اللفظ إن كان على عمومه فلا قصر وإن وجدت قرينة صارفة عنه فلا عموم ولا قصر.
قوله: (كقولهم خصص العام) فهم الشارحون أن الشبهة من جهة أن معناه أخرج بعض ما تناوله بتقدير عدم المخصص وهو كلام قليل الجدوى فالأولى ما ذهب إليه المحقق من أن العام بمنزلة المتناول فى عبارة أبى الحسين إذ لا عموم بعد التخصيص وإنما المراد أنه عام على تقدير عدم المخصص وهذا ظاهر فى غير الاستثناء فاللفظ عام لتناوله الجميع وإن لم يكن الخطاب أعنى الحكم متناولًا فعبارة أبى الحسين تفتقر إلى هذا التأويل فى الاستثناء وغيره وفى الإخراج أيضًا لاقتضائه سابقة الدخول، وقولنا قصر العام على البعض إنما يفتقر إليه فى غير الاستثناء فيكون أولى وبعضهم لم يفرق بين العام والخطاب فزعم أن عبارة أبى الحسين أيضًا لا تفتقر إلى التأويل لأن الخطاب فى نفسه متناول لذلك البعض المخرج.
قوله: (وفيه دور) إنما يصح لو توقف معرفة الخصوص على معرفة التخصيص نعم لو قيل إنه تعريف الشئ بنفسه بناء على أن التأثير عين الأثر كما هو رأى الأشعرى لكان شيئًا وكأنه هو المراد بالدور إلا أنه أيضًا ليس بوارد لأن ذلك إنما هو بحسب الوجود دون المفهوم للقطع بتغاير مفهوم الإحراق والاحتراق، فلذا قال المحقق الأولى أنه تعريف للشئ بما يساويه فى الجلاء والخفاء وأما جوابه بأن المراد بالخصوص المذكور فى الحد هو اللغوى حتى كأنه قال التخصيص تعريف أن المراد باللفظ الموضوع لجميع الأفراد هو البعض منها فصحيح إلا أنه لا يطابق المتن حيث
стр. 1370
قال المراد فى الحد التخصيص اللغوى وكأنه مبنى على زعم المعترض أن التخصيص والخصوص واحد لا يخفى أنه إذا احتاج تعريفنا وتعريف أبى الحسين إلى تقدير عدم المخصص كان لزوم الدور ظاهرًا للقطع بأن المخصص هو الذى يفيد التخصيص الاصطلاحى، ويمكن أن يدفع بأن المراد أن المخصص لا من حيث هذا الوصف.
الشارح: (فإن من عرف حصول الخصوص) الأولى حذف لفظ الحصول إلا أنه ذكره لمناسبة التعبير عن التخصيص بتحصيل الخصوص.
قوله: (فى تحقيق مفهوم العام. . . إلخ) أى أن ما سبق من هذا التحقيق يصحح حمل المسميات على جزئيات المسمى فإن الرجال مثلًا جزئيات مدلوله أفراد الرجل الذى اشتركت فيه المأخوذ من لفظ الرجال فكل فرد مسمًى للمأخوذ من الصيغة جزئى له، ويصح تصحيح التعبير بالمسميات بوجه آخر وهو أن "ال" الجنسية فى الجمع قد أبطلت معنى الجمعية فالرجال فى قوة الرجل ولا شك أن أفراده آحاد وجزئيات له وكل منها مسمًى لتحقق الرجل فيه فالكل مسميات وهو معنى العام أى الآحاد التى دل عليها العام باعتبار أمر اشتركت فيه هى معنى مسميات العام.
قوله: (لا أفراد مدلوله) لأن مدلوله الجمع والآحاد ليست أفرادًا له.
قوله: (وحينئذ يندفع. . . إلخ) أى يكون القصر دائمًا باعتبار الحكم وتارة يكون باعتبار الدلالة والحكم وتارة يكون باعتبار الحكم فقط يندفع إلخ.
قوله: (إن التشبيه) أى فى قوله كقولهم خصص العام.
قوله: (بمنزلة المتناول فى عبارة أبى الحسين) أى وإن كان المراد بالمتناول فى عبارة أبى الحسين هو الحكم المعبر عنه بالخطاب فى كلامه.
قوله: (فزعم أن عبارة أبى الحسين لا تفتقر إلى التأويل) أى فى الاستثناء.
قوله: (ولا يخفى أنه إذا احتاج تعريفنا وتعريف أبى الحسين إلى تقدير عدم المخصص كان لزوم الدور ظاهرًا) فيه أنه ليس المراد أنه يقدر فى التعريف ذلك وإنما المراد أن المعنى على ذلك.
следующие страницы →