شرح مختصر المنتهى الأصولي
تأليف
الإمام أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ
شرحه
العلامة القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
وعلى المختصر والشرح
حاشية العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ هـ
وحاشية السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦ هـ
وعلى حاشية الجرجاني
حاشية المحقق الشيخ حسن الهروي الفناري المتوفى سنة ٨٨٦ هـ
وعلى المختصر وشرحه وحاشية السعد والجرجاني
حاشية الشيخ محمد أبو الفضل الوراقي الجيزاوي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
[الجزء الثالث]
стр. 1367
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوطة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ١٣/ ١٢ /١١/ ٨٠٤٨١٠ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ بيروت - لبنان
стр. 1368
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(مباحث التخصيص)
قال: (التخصيص قصر العام على بعض مسمياته، أبو الحسين إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه وأراد ما يتناوله بتقدير عدم المخصص كقولهم خصص العام وقيل تعريف أن العموم للخصوص وأورد الدور وأجيب بأن المراد فى الحد التخصيص اللغوى).
أقول: قد فرغنا من بحث العام وها نحن نشرع فى التخصيص وفى المخصص وما يتعلق بهما، التخصيص فى الاصطلاح: قصر العام على بعض مسمياته، ويتناول ما أريد به جميع المسميات أولًا، ثم أخرج بعض كما فى الاستثناء وما لم يرد إلا بعض مسمياته ابتداء كما فى غيره، وقال أبو الحسين هو إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه، وأورد عليه أن ما أخرج فالخطاب لم يتناوله، فأجاب بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص كقولهم خصص العام وهذا عام مخصص ولا شك أن المخصص ليس بعام لكن المراد به كونه عامًا لولا تخصيصه وقيل هو تعريف أن العموم للخصوص وأورد عليه أنه تعريف التخصيص بالخصوص وفيه دور والأولى أنه ليس أعرف منه بل هو مثله فى الجلاء والخفاء، فإن من عرف حصول الخصوص عرف تحصيل الخصوص وبالعكس.
الجواب: أن المراد بالتخصيص المحدود التخصيص فى الاصطلاح وبالخصوص المذكور فى الحد هو الخصوص فى اللغة فتغايرا فلا دور ولا تساوى فى الجلاء لأن اللغوى قد عرف والاصطلاحى بعد لم يعرف.
قوله: (التخصيص) جمهور الشارحين على أن المراد بالمسميات أجزاء المسمى للقطع بأن الآحاد كزيد وعمرو مثلًا ليس من أفراد مسمى الرجال إذ مسماه ما فوق الاثنين من هذا الجنس لكن سيق فى تحقيق مفهوم العام أنها الآحاد التى دل العام عليها باعتبار أمر اشتركت فيه وهو معنى المسميات العام لا أفراد مدلوله ولولا أنه
стр. 1369
جوّز التخصيص بمثل الاستثناء إلى الواحد لجاز جعل مسميات صيغة الجمع هى الجماعات لا الآحاد.
قوله: (ويتناول) يعنى أن فى مثل: اقتلوا الكافرين إلا أهل الذمة؛ المراد بالكافرين جميع الكفار ليصح إخراج أهل الذمة فيتعلق الحكم فيكون القصر على البعض باعتبار الحكم فقط وفى مثل: اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة يتبين أن المراد بالكافرين غير أهل الذمة خاصة فيكون القصر على البعض باعتبار الدلالة والحكم جميعًا ويكون معنى القصر فى الأول أن اللفظ الذى يتناول جميع المسميات قد اقتصر الحكم فيه على بعضها، وفى الثانى أن اللفظ الذى كان يتناول الجميع فى نفسه قد اقتصرت دلالتها على البعض خاصة وحينئذٍ يندفع ما يتوهم من أن اللفظ إن كان على عمومه فلا قصر وإن وجدت قرينة صارفة عنه فلا عموم ولا قصر.
قوله: (كقولهم خصص العام) فهم الشارحون أن الشبهة من جهة أن معناه أخرج بعض ما تناوله بتقدير عدم المخصص وهو كلام قليل الجدوى فالأولى ما ذهب إليه المحقق من أن العام بمنزلة المتناول فى عبارة أبى الحسين إذ لا عموم بعد التخصيص وإنما المراد أنه عام على تقدير عدم المخصص وهذا ظاهر فى غير الاستثناء فاللفظ عام لتناوله الجميع وإن لم يكن الخطاب أعنى الحكم متناولًا فعبارة أبى الحسين تفتقر إلى هذا التأويل فى الاستثناء وغيره وفى الإخراج أيضًا لاقتضائه سابقة الدخول، وقولنا قصر العام على البعض إنما يفتقر إليه فى غير الاستثناء فيكون أولى وبعضهم لم يفرق بين العام والخطاب فزعم أن عبارة أبى الحسين أيضًا لا تفتقر إلى التأويل لأن الخطاب فى نفسه متناول لذلك البعض المخرج.
قوله: (وفيه دور) إنما يصح لو توقف معرفة الخصوص على معرفة التخصيص نعم لو قيل إنه تعريف الشئ بنفسه بناء على أن التأثير عين الأثر كما هو رأى الأشعرى لكان شيئًا وكأنه هو المراد بالدور إلا أنه أيضًا ليس بوارد لأن ذلك إنما هو بحسب الوجود دون المفهوم للقطع بتغاير مفهوم الإحراق والاحتراق، فلذا قال المحقق الأولى أنه تعريف للشئ بما يساويه فى الجلاء والخفاء وأما جوابه بأن المراد بالخصوص المذكور فى الحد هو اللغوى حتى كأنه قال التخصيص تعريف أن المراد باللفظ الموضوع لجميع الأفراد هو البعض منها فصحيح إلا أنه لا يطابق المتن حيث
стр. 1370
قال المراد فى الحد التخصيص اللغوى وكأنه مبنى على زعم المعترض أن التخصيص والخصوص واحد لا يخفى أنه إذا احتاج تعريفنا وتعريف أبى الحسين إلى تقدير عدم المخصص كان لزوم الدور ظاهرًا للقطع بأن المخصص هو الذى يفيد التخصيص الاصطلاحى، ويمكن أن يدفع بأن المراد أن المخصص لا من حيث هذا الوصف.
الشارح: (فإن من عرف حصول الخصوص) الأولى حذف لفظ الحصول إلا أنه ذكره لمناسبة التعبير عن التخصيص بتحصيل الخصوص.
قوله: (فى تحقيق مفهوم العام. . . إلخ) أى أن ما سبق من هذا التحقيق يصحح حمل المسميات على جزئيات المسمى فإن الرجال مثلًا جزئيات مدلوله أفراد الرجل الذى اشتركت فيه المأخوذ من لفظ الرجال فكل فرد مسمًى للمأخوذ من الصيغة جزئى له، ويصح تصحيح التعبير بالمسميات بوجه آخر وهو أن "ال" الجنسية فى الجمع قد أبطلت معنى الجمعية فالرجال فى قوة الرجل ولا شك أن أفراده آحاد وجزئيات له وكل منها مسمًى لتحقق الرجل فيه فالكل مسميات وهو معنى العام أى الآحاد التى دل عليها العام باعتبار أمر اشتركت فيه هى معنى مسميات العام.
قوله: (لا أفراد مدلوله) لأن مدلوله الجمع والآحاد ليست أفرادًا له.
قوله: (وحينئذ يندفع. . . إلخ) أى يكون القصر دائمًا باعتبار الحكم وتارة يكون باعتبار الدلالة والحكم وتارة يكون باعتبار الحكم فقط يندفع إلخ.
قوله: (إن التشبيه) أى فى قوله كقولهم خصص العام.
قوله: (بمنزلة المتناول فى عبارة أبى الحسين) أى وإن كان المراد بالمتناول فى عبارة أبى الحسين هو الحكم المعبر عنه بالخطاب فى كلامه.
قوله: (فزعم أن عبارة أبى الحسين لا تفتقر إلى التأويل) أى فى الاستثناء.
قوله: (ولا يخفى أنه إذا احتاج تعريفنا وتعريف أبى الحسين إلى تقدير عدم المخصص كان لزوم الدور ظاهرًا) فيه أنه ليس المراد أنه يقدر فى التعريف ذلك وإنما المراد أن المعنى على ذلك.
стр. 1371
قال: (ويطلق التخصيص على قصر اللفظ وإن لم يكن عامًا كما يطلق عليه عام لتعدده كعشرة والمسلمين المعهودين وضمائر الجمع ولا يستقيم تخصيص إلا فيما يستقيم توكيده بكل).
أقول: التخصيص كما يطلق على قصر العام على بعض مسمياته فقد يطلق على قصر اللفظ على بعض مسمياته، وإن لم يكن عامًا وذلك كما يطلق على اللفظ كونه عامًا لتعدد مسمياته، مثاله: عشرة، يقال له عام باعتبار آحاده، فإذا قصر على خمسة بالاستثناء عنه قيل قد خصص وكذلك المسلمون للمعهودين نحو جاءنى مسلمون وأكرمت المسلمين إلا زيدًا، فإنهم يسمون المسلمين عامًا، والاستثناء منه تخصيصًا له، واعلم أن التخصيص أى تفسير فسرناه من التفسيرين فلا يستقيم ولا يمكن إلا فيما يؤكد بكل وهو ذو أجزاء يمكن افتراقها حقيقة نحو الإنسان كلهم أو حكمًا نحو الجارية كلها وذلك ليكون له بعض يمكن القصر عليه ولأن التأكيد بكل إنما هو لدفع توهم إرادة القصر وكون الظاهر تجوّزًا أو سهوًا فتلازما.
قوله: (قصر اللفظ على بعض مسمياته) هذا كما فى العام للقطع بأن آحاد العشرة ليست مسمياتها وإنما مسمياتها العشرات.
قوله: (وضمائر الجمع) مثل جاءنى مسلمون فأكرمتهم إلا زيدًا، أو فقلت لهم أكرمونى إلا زيدًا، أو فقالوا: نحن نكرمك إلا زيدًا، وأما إذا كان المرجع عامًا فلا ينبغى أن يتردد فى عمومها، وقد تردد العلامة فى ذلك بل جزم بأنها ليست بعامة وبعضهم زعم أن المراد ما إذا كان المرجع معهودًا وأن حكمها حكم مرجعها فى العموم والخصوص.
قوله: (فتلازما) أى جواز التأكيد بكل وإمكان القصر على البعض سواء أريد قصر العام أو قصر اللفظ وهو المراد بالتفسيرين وهذا يشكل بمثل ما رأيت أحدًا فإنه يصح التخصيص ولا يصح التأكيد وبمثل أكلت الرغيف كله فإنه يصح التأكيد ولا يصح التخصيص بالتفسير الأول وكأنه أراد التلازم بين التأكيد بكل والتخصيص بأحد التفسيرين لا بكل منهما وحينذٍ يندفع الإشكال الثانى.
الشارح: (واعلم أن التخصيص بأى تفسير فسرناه من التفسيرين فلا يستقيم)
стр. 1372
الأولى حذف الفاء لأن الخبر هنا ليس من المواضع التى تقترن بالفاء.
قوله: (هذا كما فى العام. . . إلخ) أى أن قوله على التفسير الثانى للتخصيص قصر اللفظ على بعض مسمياته يجرى فيه ما تقدم من أن المراد بالمسميات الأجزاء.
قوله: (وأن حكمها حكم مرجعها فى العموم والخصوص) أى وهو زعم باطل لأنه متى كان المرجع معهودًا لا يكون عامًا.
قوله: (وهذا يشكل بمثل ما رأيت أحدم) فيه أنه ليس المراد بالتأكيد بكل التأكيد الاصطلاحى بل تقوية الإحاطة والشمول وإن لم يكن توكيدًا اصطلاحيًا ولا شك أنه فى مثل ما رأيت أحدًا يصح أن يقال ما رأيت كل أحد على أنه من عموم السلب.
стр. 1373
قال: (مسألة: التخصيص جائز إلا عند الشذوذ).
أقول: تخصيص العام جائز إلا عند شذوذ، ودليله ما تكرر أنه لا يلزم من وضع ألفاظ العموم للخصوص مجازًا محال لا لذاته ولا لغيره، ولنا أيضًا كثرة وقوعه مثل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، حتى قيل لا عام عْير مخصص إلا قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، ومستندًا لنا فيما مر فى المجاز أنه كذب إذ ينفى فيصدق والجواب ما مر.
قوله: (أنه كذب) إنما يتم فى الخبر فالأولى أن يقال إنه كذب أو بداء، والجواب المنع فإن صدق النفى إنما هو فيما يفيد العموم لا مطلقًا والبداء إنما يلزم لو أريد من أول الأمر العموم أبدًا.
قوله: (فإن صدق النفى إنما هو فيما يفيد العموم لا مطلقًا) أى حتى يكون صدقه تكذيبًا للإيجاب الوارد على البعض.
قوله: (لو أريد من أول الأمر العموم) أى مع أن التخصيص ليس العموم فيه مرادًا أصلًا بل المراد هو الخصوص من أول الأمر.
стр. 1374
قال: (مسألة: الأكثر أنه لا بد فى التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله وقيل يكفى ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل واحد والمختار أنه ما بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد وبالمتصل كالصفة يجوز إلى اثنين وبالمنفصل فى المحصور القليل يجوز إلى اثنين مثل قتلت كل زنديق، وقد قتل اثنين وهم ئلاثة وبالمنفصل فى غير المحصور أو العدد الكثير المذهب الأول، لنا أنه لو قال قتلت كل من فى المدينة وقد قتل ثلاثة عدّ لاغيًا وخُطِّئ، وكذلك: أكلت كل رمانة، وكذلك لو قال من دخل أو أكل وفسره بثلاثة القائل باثنين أو ثلاثة ما قيل فى الجمع، ورد بأن الجمع ليس بعام القائل بالواحد أكرم الناس إلا الجهال وأجيب بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه، قالوا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وليس محل النزاع، قالوا: لو امتنع ذلك لكان لتخصيصه وذلك يمنع الجميع، وأجيب بأن الممتنع تخصيص خاص بما تقدَّم، قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأريد نعيم بن مسعود ولم يعدّ مستهجنًا للقرينة، قلنا الناس للمعهود، فلا عموم، قالوا: صح أكلت الخبز وشربت الماء، لأقل، قلنا ذلك للبعض المطابق المعهود والذهنى مثله فى المعهود والوجودى فليس من العموم والخصوص فى شئ).
أقول: قد اختلف فى منتهى التخصيص إلى كم هو فذهب الأكثر إلى أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام، وقيل: يجوز إلى ثلاثة، وقيل إلى اثنين، وقيل: إلى واحد، والمختار أنه إن كان التخصيص باستثناء أو بدل جاز إلى واحد نحو عشرة إلا تسعة، واشتريت العشرة أحدها، وإلا فإن كان بمتصل غيرهما كالصفة والشرط جاز إلى اثنين نحو أكرم الناس العلماء، أو إن كانوا علماء.
وإن كان بمنفصل فإن كان فى محصور قليل جاز إلى اثنين كما تقول قتلت: كل زنديق وهم ثلاثة أو أربعة، وإن كان فى غير محصور أو فى عدد كثير فالمذهب الأول وهو أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلوله، فلا يقال من دخل دارى فأكرمه ويفسر بزيد وعمرو وبكر، لنا لو قال قتلت كل من فى المدينة ولم يقتل إلا ثلاثة عدَّ لاغيًا ومخطئًا، وكذا لو قال أكلت كل رمانة فى البستان ولم يأكل إلا ثلاثة، وكذلك لو قال كل من دخل دارى فهو حر أو كل من أكل فأكرمه وفسره بثلاثة فقال: أردت زيدًا وعمرًا وبكرًا عدَّ لاغيًا وخطئ، القائل بجواز التخصيص إلى اثنين أو ثلاثة، احتج بما قيل فى الجمع أن أقله ثلاثة أو اثنان كأنه جعله فرعًا
стр. 1375
لكون الجمع حقيقة فى الثلاثة أو فى الاثنين.
والجواب: أن الكلام فى أقل مرتبة يخصص إليها العام لا فى أقل مرتبة يطلق عليها الجمع، فإن الجمع ليس بعام ولم يقم دليل على تلازم حكميهما فلا تعلق لأحدهما بالآخر فلا يكون المثبت لأحدهما مثبتًا للآخر.
القائلون بجواز التخصيص إلى واحد قالوا: أولًا: يجوز أكرم الناس إلا الجهال وإن كان العام واحدًا اتفاقًا.
والجواب: أن عموم قولنا لا يجوز تخصيص العام إلى الواحد مخصوص بالاستثناء ونحوه أعنى بدل البعض فإنا قد استثنيناهما عن الكلية المدعاة فلا يمكن الإلزام بهما والفرق قائم وسيأتى.
قالوا: ثانيًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، والمراد هو تعالى وحده لا شريك له.
الجواب: أنه ليس محل النزاع فإنه للتعظيم وليس من التعميم والتخصيص فى شئ وذلك لما جرى به العادة أن العظماء يتكلمون عنهم وعن أتباعهم فيغلبون المتكلم فصار ذلك استعارة عن العظمة ولم يبق معنى العموم ملحوظًا أصلًا.
قالوا: ثالثًا: لو امتنع ذلك لكان لتخصيصه وإخراج اللفظ عن موضوعه إلى غيره فامتنع كل تخصيص.
الجواب: منع كونه للتخصيص حينئذ بل لتخصيص خاص وهو ما يعدّ معه لاغيًا.
قالوا: رابعًا: قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأراد نعيم ابن مسعود باتفاق المفسرين ولم يعدّه أهل اللسان مستهجنًا لوجود القرينة فوجب جواز التخصيص إلى الواحد مهما وجدت القرينة وهو المدعى.
الجواب: أنه غير محل النزاع فإن البحث فى تخصيص العام والناس ههنا ليس بعام بل للمعهود والمعهود ليس بعام لما عرفت فى حد العام حيث اعتبرنا قولنا مطلقًا وأخرجنا به المعهود.
قالوا: خامسًا: علم بالضرورة من اللغة صحة قولنا أكلت الخبز وشربت الماء والمراد به أقل القليل مما يتناوله الماء والخبز.
الجواب: أن ذلك غير محل النزاع فإن كل واحد من الماء والخبز فى المثالين ليس بعام بل هو للبعض الخارجى المطابق للمعهود الذهنى وهو الخبز والماء المقرر
стр. 1376
فى الذهن أنه يؤكل ويشرب وهو مقدار ما معلوم وذلك بعينه كما تقول للغلام ادخل السوق فإنك تريد به واحدًا من الأسواق المعهودة بينك وبينه عهدًا خارجيًا معينًا لبعض الأسواق بحسب العادة وإذا كان كذلك فليس بعام خصص ولا تعلق له بمسألة الخصوص والعموم أصلًا، إنما هو معهود يتناول عدة من المعينات قيد ببعض منها كالمطلق يقيد ببعض ما يوجد فى ضمنه من المقيدات ويحتملها من المحامل من غير صرف عن ظهور وعموم.
قوله: (لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام) قد فسروه بما فوق النصف ولا خفاء فى امتناع الاطلاع عليه إلا فيما يعلم عدد أفراد العام.
قوله: (عدّ لاغيًا وخطئ) كأنه يشير إلى دفع ما يتوهم مت أن اللغو لا ينافى الصحة.
قوله: (بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه) الظاهر أن المراد أن هذا المثال من قبيل ما يكون التخصيص فيه بالاستثناء ونحوه كبدل البعض وقد تقدَّم أنه يجوز إلى واحد لكن لما كان على ظاهر العبارة مناقشة لأنه مما خصص بالاستثناء لا بنحوه، زعم الشارح العلامة أن نحوه عطف على محذوف أى التخصيص بالاستثناء ونحوه يجوز إلى واحد وبعضهم أنه مرفوع أى ونحوه جائز وذهب الشارح المحقق إلى أن الضمير للحكم المذكور وهو لطيف لكن لا يخفى أنه لا يقال فى مثل اقتلوا الكافرين إلا أهل الذمة أن هذا الحكم مخصوص بأهل الذمة بل بمن عداهم اللهم إلا بتأويل وهو أنه مخصوص بسبب إخراج أهل الذمة.
قوله: (الناس للمعهود) ويبقى البحث فى صحة إطلاق الناس المعهود على واحد.
قوله: (بل هو للبعض) اعلم أن اللام قد تكون للإشارة إلى حصة من الحقيقة وهو العهد الخارجى وإلى نفس الحقيقة وحينئذٍ إما أن تعتبر من حيث هى وهو تعريف الطبيعة مثل الرجل خير من المرأة أو من حيث الوجود وحينئذٍ إما أن توجد قرينة البعضية وهو العهد الذهنى أولًا وهو الاستغراق فاللام للتعريف لا غير والتعريف إما تعريف العهد أو تعريف الجنس والمعرف تعريف الجنس قد يكون لبعض موجود باعتبار عهديته فى الذهن كما فى أكلت الخبز وهذا ليس من تخصيص العموم فى شئ كما أن إطلاق المعرَّف بلام العهد على موجود خارجى
стр. 1377
معين من بين المعهودات الخارجية مثل ادخل السوق لمن بينك وبينه أسواق معهودة ليس من تخصيص العموم بل هو إرادة لأحد المحتملات بدلالة قرينة من عادة أو غيرها.
المصنف: (أنه ما بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد) وجهه أنه فى الاستثناء المقصود الحكم على غير المستثنى وفى البدل المقصود بالحكم هو البدل.
المصنف: (لنا أنه لو قال. . . إلخ) استدلال على الدعوى الأخيرة وهى قوله وإن كان بالمنفصل فى غير المحصور، أو العدد الكثير فالمذهب الأول وهو أنه لا بد أن يبقى قريبًا من مدلوله واكتفى فى الاحتجاج على سائر دعاويه من كونه إن كان التخصيص بالمتصل كالصفة يجوز إلى اثنين وإن كان بالاستثناء أو البدل يجوز إلى واحد بما احتج به أصحابه وإبطال ما ذكر فى معارضته.
المصنف: (مخصوص الاستثناء ونحوه) الباء للسببية لا للتعدية لأن المقصور عليه هو غير الاستثناء والبدل لا هما.
المصنف: (وليس محل النزاع) أى لأن الضمير فى أنا والجمع فى حافظون ليس من صيغ العموم على أن الضمير فى أنا عند استعماله فى المعظم نفسه لم يلاحظ فيه العموم كما يلاحظ فى العام المراد به الخصوص.
الشارح: (ولم يبق معنى العموم ملحوظًا) ظاهره أن ضمير "نا" للعموم إلا أنه لم يكن من باب العام المراد به الخصوص عند إرادة المتكلم المعظم نفسه لكون العموم لا يلاحظ عادة وليس كذلك، ولعله أشار إلى جواب آخر على التنزل كما تقدم فيما كتبنا على المصنف.
قوله: (ولا خفاء فى امتناع الاطلاع عليه إلا فيما يعلم عدد أفراد العام) إن كان مراده وعلم عدد أفراد العام غير ممكن فباطل لأنه إذا كان أهل بلد محصورين وقال كل من فى البلد عالم وأخرج أهل بيت منهم علم أن الباقى فوق النصف وإن كان مراده مجرد إفادة أنه لا يمكن الاطلاع عليه إلا إذا علم عدد أفراد العام وهو ممكن فواضح الصحة.
قوله: (للحكم المذكور) وهو عدم جواز التخصيص إلى الواحد.
قوله: (لكن لا يخفى أنه لا يقال فى مثل اقتلوا الكافرين. . . إلخ) أى فكذا فيما نحن فيه من قوله أن الحكم بجواز التخصيص مخصوص بالاستثناء.
стр. 1378
قال: (المخصص متصل ومنفصل فالمتصل الاستثناء المتصل والشرط والصفة والغاية وبدل البعض).
أقول: المخصص ينقسم إلى متصل ومنفصل لأنه إما أن لا يستقل بنفسه أو يستقل، والأول المتصل، والثانى المنفصل، والمخصص المتصل خمسة:
١ - الاستثناء المتصل: نحو: أكرم الناس إلا الجهال، بخلاف المنقطع فإنه لا يخصص.
٢ - الشرط: مثل: أكرم الناس إن كانوا علماء.
٣ - الصفة: مثل: أكرم الناس العلماء.
٤ - الغاية: مثل: أكرم الناس إلى أن يجهلوا.
٥ - بدل البعض: مثل: أكرم الناس العلماء منهم.
وأنت تعلم أن منها ما يخرج المذكور كالاستثناء والغاية، ومنها ما يخرج غير المذكور كالشرط والصفة والبدل.
قوله: (العلماء منهم) قيد بذلك ليكون بدلًا لا صفة، واللَّه أعلم.
стр. 1379
(مسائل الاستثناء)
قال: (الاستثناء فى المنقطع قيل حقيقة، وقيل مجازًا، وعلى الحقيقة، قيل متواطئ، وقيل مشترك، ولا بد لصحته من مخالفة فى نفى الحكم، أو فى أن المستثنى حكم آخر له مخالفة بوجه مثل: ما زاد إلا ما نقص، ولأن المتصل أظهر لم يحمله فقهاء الأمصار على المنقطع إلا عند تعذره ومن ثمة قالوا فى: له عندى مائة درهم إلا ثوبًا وشبهه إلا قيمة ثوب).
أقول: المستثنى إن كان بعض المستثنى منه فالاستثناء متصل وإلا فمنقطع، والمنقطع قد علمت أنه لا مدخل له فى التخصيص فإن قولك جاءنى القوم إلا حمارًا لا يخرج بعض المسمى ولا نعرف خلافًا فى صحته لغة، إنما الخلاف فى كونه حقيقة أو مجازًا، فقيل حقيقة، وقيل مجاز، وعلى القول بأنه حقيقة فقد قيل: إنه متواطئ أى مقول على المتصل والمنقطع باعتبار أمر مشترك بينهما، وقيل لا بل هو مشترك بينهما بالاشتراك اللفظى، واعلم أنه لا بد لصحة الاستثناء المنقطع من مخالفة بوجه من الوجوه، وقد يكون بأن ينفى من المستثنى الحكم الذى يثبت للمستثنى منه، نحو: جاءنى القوم إلا حمارًا، فقد نفينا المجئ عن الحمار، بعد ما أثبتناه للقوم، وقد يكون بأن يكون المستثنى نفسه حكمًا آخر مخالفًا للمستثنى منه بوجه، مثل: ما زاد إلا ما نقص، فإن النقصان حكم مخالفة للزيادة، وكذا: ما نفع إلا ما ضر، ولا يقال: ما جاءنى زيد، إلا أن الجوهر الفرد حق إذ لا مخالفة بينهما بأحد الوجهين وبالجملة فإنه مقدر بلكن فكما يجب فيه مخالفة إما تحقيقًا، مثل: ما ضربنى زيد لكن ضربنى عمرو، وإما تقديرًا مثل: ما ضربنى لكن أكرمنى فكذا ههنا، واعلم أن الحق أن المتصل أظهر فلا يكون مشتركًا ولا للمشترك بل حقيقة فيه ومجازًا للمنقطع، فلذلك لم يحمله علماء الأمصار على المنفصل إلا عند تعذر المتصل حتى عدلوا للحمل على المتصل عن الظاهر وخالفوه، ومن ثمة قالوا "فى قوله: له عندى مائة درهم إلا ثوبًا وله على إبل إلا شاة" معناه: إلا قيمة ثوب أو قيمة شاة فيرتكبون الإضمار وهو خلاف الظاهر ليصير متصلًا ولو كان فى المنقطع ظاهرًا لم يرتكبوا مخالفة ظاهر حذرًا عنه.
стр. 1380
قوله: (الاستثناء فى المنقطع قيل حقيقة) ظاهر كلام الشارح وكثير من المحققين أن الخلاف فى صيغ الاستثناء لا فى لفظه لظهور أنه فيهما مجاز بحسب اللغة حقيقة عرفية بحسب النحو وما ذكر من أن علماء الأمصار لا يحملونه على المنقطع إلا عند تعذر المتصل إلى آخر كلامه، صريح فيما ذكرنا إلا أن ما ذكره العلامة وغيره من الاستدلال على كونه مجازًا فى المنقطع بأنه من ثنيت عنان الفرس صرفته وإنما يتحقق ذلك فى المتصل صريح فى أن الخلاف فى لفظ الاستثناء ثم فى قوله لا نعرف خلافًا فى صحته لغة رد لما ذكره الآمدى من أنه اختلف العلماء فى صحة الاستثناء من غير الجنس، فجوّزه أصحاب أبى حنيفة ومالك والقاضى أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة ومنعه الأكثرون وأما أصحابنا فمنهم من قال بالنفى ومنهم من قال بالإثبات.
قوله: (ما زاد إلا ما نقص) ما الأولى نافية والثانية مصدرية والمعنى لكن النقصان فعل أو لكن النقصان أمر وبيانه على ما قدره السيرافى وليس المعنى ما زاد شيئًا غير النقصان ليكون متصلًا مفرغًا.
قوله: (واعلم أى الحق) إشارة إلى الدليل على كونه مجازًا فى المنقطع وذلك لأن المتصل هو المتبادر إلى الفهم فلا يكون الاستثناء يعنى صيغته مشتركًا لفظًا لا موضوعًا للقدر المشترك بين المتصل والمنقطع إذ ليس أحد معانى المشترك أو أفراد المتواطئ أولى بالظهور والمتبادر عند قطع النظر عن عارض شهرة أو كثرة ملاحظة أو نحو ذلك.
قوله: (وليس المعنى ما زاد شيئًا غير النقص) الذى يؤخذ من كلام ابن السراج أن الاستثناء متصل وأن التقدير هو على حاله إلا النقص وكذا يقال فى قوله ما نفع إلا ما ضر أن التقدير هو على حاله إلا ما ضر وقال ابن مالك: إن المعنى ما عرض له عارض إلا النقص وما أفاد شيئًا إلا الضرر.
стр. 1381
قال: (وأما حدّه فعلى التواطؤ ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها وعلى الاشتراك والمجاز لا يجتمعان فى حد فيقال فى المنقطع ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها من غير إخراج، وأما المتصل فقال الغزالى ﵀: قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول وأورد على طرده التخصيص بالشرط والوصف بالذى والغاية ومثل قام القوم ولم يقم زيد ولا يرد الأوّلان، وعلى عكسه جاء القوم إلا زيد، فإنه ليس بذى صيغ، وقيل لفظه متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية وأورد على طرده قام القوم إلا زيد وعلى عكسه ما جاء إلا زيدًا فإنه لم يتصل بجملة وإن مدلوله كل استثناء مراد بالأول والاحتراز من الشرط والصفة وهم والأولى إخراج بإلا وأخواتها).
أقول: الاستثناء المنقطع قد علمت أنه اختلف فيه أمتواطى هو أم مشترك أو مجاز، فإن قلنا: إنه متواطئ فى المتصل والمنقطع أمكن حده مع المتصل بحد واحد باعتبار المعنى المشترك بينهما وهو مجرد المخالفة الأعم من الإخراج وعدمه فيقال ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها.
فقوله: ما دل على مخالفة؛ يتناول أنواع التخصيص.
وقوله: بإلا غير الصفة؛ يخرج سائر أنواعه وإنما قيد إلا بغير الصفة، ليخرج نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، لأنه بمعنى غير اللَّه فيكون صفة لا استثناء.
وقوله وأخواتها أراد به الحروف المرادة لإلا نحو سوى وحاشا وخلا وعدا وهى حروف معلومة معينة.
وأما إن قلنا إنه مشترك بين المتصل والمنقطع أو حقيقة فى المتصل مجاز فى المنقطع فلا يمكن الجمع بينهما فى حدّ واحد لأن مفهوميه حينئذٍ حقيقتان مختلفتان فلا يكون حدّهما واحدًا بل يجب حد كل واحد منهما باعتبار خصوصيتهما وهما متغايرتان ضرورة، وأما المنقطع فيزاد بما ذكرنا قَيَّد يمتاز به عن المتصل، وهو قولنا: من غير إخراج فيقال: ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها من غير إخراج فقولنا: من غير إخراج، هو الذى أخرج المتصل لأنه يدل على مخالفة مع إخراج، وأما المتصل فقال الغزالى ﵀: هو قول ذو صيغ
стр. 1382
مخصوصة محصورة دالٌّ على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول، واعترض على طرده وعكسه، أما طرده فقيل يرد عليه التخصيص بالشرط، مثل أكرم الناس إن علموا، وبالوصف بالذى نحو الناس الذين علموا، وبالنفى الصريح نحو: جاء القوم ولم يجى زيد، فإنها كلها ذو صيغ مخصوصة محصورة دالة على ما ذكرتم.
قال المصنِّفُ: ولا يرد الأولان أعنى التخصيص بالشرط والوصف بالذى لأنهما لا يخرجان المذكور به وهم العلماء فى مثالنا بل غير المذكور وهو من عدا العلماء على ما لا يخفى، والحق أنه لا يرد الثالث أيضًا، لأن تقييد الألفاظ بالدلالة إنما يراد بها فيه الدلالة بحسب الوضع ولم يجى زيد لم يوضع إلا لنفى المجئ عن زيد لأنه لم يرد زيد من الكلام الأول، وإنما يلزم ذلك من ذكره بعد الإثبات لزومًا عقليًا، إن كان القائل ممن لا يناقض نفسه لا لزومًا وضعيًا ألا ترى أنك تقول لم يجئ القوم ولم يجئ زيد، ولا دلالة على مخالفة أصلًا، وذلك بخلاف جاء القوم إلا زيد فإنه لم يوضع إلا لذلك، وأما عكسه فقيل يرد عليه جاء القوم إلا زيدًا فإنه استثناء ولم يصدق عليه أنه ذو صيغ بل ذو صيغة واحدة والحق أنه مندفع بظهور المراد وهو أن جنس الاستثناء ذو صيغ وكل استثناء ذو صيغة من الصيغ والمناقشة فى مثله مع مثله لا تحسن كل الحسن وقيل: إنه لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به وليس بشرط ولا صفة ولا غاية فاحترز بالمتصل عن المنفصل من لفظ أو عقل أو غيرهما وبقوله: لا يستقل عن اللفظى المتصل المستقل، وبقوله: دال إلى آخره عن المتصلات الغير المخصصة، وبقوله: ليس بشرط ولا صفة ولا غاية، عن الثلاث، وقد اعترض عليه بأنه فاسد من جهة الطرد والعكس ووجود اللغو فيه، أما الطرد، فلأن قولك: قام القوم لا زيد يصدق عليه الحد، وليس باستثناء.
وأما العكس: فأوّلًا لأن الاستثناء المفرغ نحو: ما جاء إلا زيد، استثناء ولا يصدق عليه الحد، لأنه لم يتصل بجملة لأن ما قبله ليس بجملة فإنه هو الفاعل، والفعل وحده مفرد لا جملة، وثانيًا: لأن الحق على ما سنبينه أن كل استثناء متصل مراد بما يتقدمه ثم يخرج عنه ثم يسند إلى الباقى.
وأما اللغو فيه فإن قوله وليس بشرط ولا صفة لا حاجة إليه فإنه لإخراجهما وظن دخولهما وهم لأنهما لا يدلان على أن مدلولهما غير مراد بل على أن المراد
стр. 1383
مدلولهما لا غير.
وقد يقال على الأول أن لا زيد وضع للنفى لا لإعلام عدم الإرادة بدليل جاءنى زيد لا عمرو.
وعلى الثانى: أن المراد الجملة أو ما يقدر بها وما اتصل به المفرغ يقدر معه عام يتناوله فيكون جملة معنى.
وعلى الثالث: أن المستثنى غير مراد فى الجملة، حيث لم يرد الإسناد به إليه.
وعلى الرابع: أنه لا يريد إخراج كل شرط وصفة بل نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
* وأكرم الناس إن لم يكونوا جهالًا *
فإنه دل على عدم إرادة اللَّه وعدم إرادة الجهال، وإذا عرفت أن شيئًا مما ذكر لا يخلو عن ضعف فالأولى أن يقال: إنه إخراج بإلا وأخواتها، ولا يخفى أن هذا حدّ بحسب اللفظ لأنه إن أراد بأخواتها ما يدل على الإخراج، ورد الغاية، ونحو جاء القوم لا زيد على ما يراه فتعين أن يريد الألفاظ المشهورة، والأولى أن يقال: إخراج بحرف وضع له ولا يرد الغاية ونحو جاء القوم لا زيد، وإن فهم منهما الإخراج فى بعض التراكيب إذ ليس وضعهما لذلك.
قوله: (الاستثناء المنقطع) مبتدأ خبره الجملة الشرطية أعنى قوله فإن قلنا أنه أى الاستثناء متواطئ أمكن حده أى المنقطع وقوله قد علمت حال وضمير أنه وفيه وهو للاستثناء وقوله أو مشترك أى لفظًا بين المتصل والمنقطع أو مجاز أى فى المنقطع.
قوله: (ما دل على مخالفة) الاستثناء قد يقال بمعنى المصدر وهو الإخراج أو المخالفة بمعنى المستثنى وهو المخرج والمذكور بعد إلا من غير إخراج وبمعنى اللفظ الدال على ذلك كالشرط والصفة وهو المقصود بالتعريف ههنا.
قوله: (أراد بها الحروف المرادفة لإلا) فيه تجوّز وتسامح إذ من الأخوات أسماء وأفعال والترادف بمعنى اتحاد المفهوم محال.
قوله: (لأن مفهوميه) يعنى الحقيقيين إن كان مشتركًا والحقيقى والمجازى إن كان مختصًا بالمتصل فإن قيل ربما تجمع الحقائق المختلفة فى حد كأنواع الحيوان، قلنا
стр. 1384
عند اتحاد مفهوم مشترك بينها والتقدير ههنا تعدد المفهوم.
قوله: (من غير إخراج) يخرج المتصل ويشعر بأن المتصل ما دل على مخالفة بإلا وأخواتها مع إخراج إلا أنه حاول إيراد تعريفات القوم وتزييفها ثم إيراد تعريف الاستثناء باعتبار معناه المصدرى وينبغى أن يعلم أنا إذا قلنا جاءنى القوم إلا زيدًا فالاستثناء يطلق على إخراج زيد وعلى زيد المخرج وعلى لفظ زيد المذكور بعد إلا وعلى مجموع لفظ إلا زيدًا وبهذه الاعتبارات اختلف العبارات فى تفسيره فيجب أن يحمل كل تفسير على ما يناسبه من المعانى الأربعة.
قوله: (قول ذى صيغ) ذكر الإمام حجة الإسلام أنه احترز عن التخصيص لأنه قد لا يكون بقول بل بفعل أو قرينة أو دليل عقلى وإذا كان بقول فلا تنحصر صيغه وأنه احترز بصيغ مخصوصة عن مثل رأيت المؤمنين ولم أر زيدًا، إذ المراد من الصيغ أدوات الاستثناء وإذ قد صرح بأن المراد بالصيغ المخصوصة المحصورة ما هو المتعارف من أدوات الاستثناء لم يرد عليه شئ بما ذكر والآمدى أخذ بظاهر اللفظ فاعترض بسائر التخصيصات مثل رأيت المؤمنين ولم أر زيدًا واقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة والقوم علماء وزيد جاهل إلى غير ذلك فإنها صيغ محصورة ضرورة تناهى الألفاظ الدالة ولما كان ظاهرًا أنه لا يريد بالمحصورة مجرد التناهى بل الداخلة تحت الضبط اقتصر المصنِّفُ على الاعتراض بمثل الشرط والنفى والغاية والوصف بالموصلات دون البدل وسائر الصفات وغير ذلك وأهمل الشارح ذكر الغاية وكأنها لم تقع فى نسخته ولا يخفى أن ما ذكره فى الجواب عن النفى جواب عن الغاية وفى بعض الضروح أن التعريف لأدوات الاستثناء كأنه قال أدوات الاستثناء كلمات ذوات صيغ وتقييد الوصف بمثل الذى لأنه الذى ذكر بعده شئ هو الصلة كأدوات الاستثناء يذكر بها المستثنى وهذا خبط عظيم.
قوله: (لفظ متصل بجملة) هذا بعينه التعريف الذى اختاره الآمدى إلا أنه ذكر مكان قوله وليس بشرط ولا صفة ولا غاية قوله بحرف إلا أو إحدى أخواتها وقال احترز بلفظ عن غير اللفظ من الدلالات المخصصة الحسية أو العقلية وبمتصل عن الدلائل المنفصلة وبقوله لا يستقل عن مثل قام القوم ولم يقم زيد، وبقوله يدل عن الصيغ المهملة وبقوله على أن مدلوله عن الأسماء المؤكدة والنعتية مثل جاءنى القوم العلماء كلهم وبحرف إلا أو إحدى أخواتها عن مثل قام القوم دون زيد وما
стр. 1385
ذكره الشارح من أنه احترز بالمتصل عن المنفصل من لفظ أو عقل أو غيرهما ليس على ما ينبغى لأن غير اللفظ ليس بداخل حتى يحترز عنه.
قوله: (وقد يقال) إشارة إلى دفع الاعتراضات ومبنى الأول على أن الدلالة المذكورة فى تفسير الألفاظ يراد بها الدلالة الوضعية ولا العاطفة إنما وضعت لنفى ما ثبت للأول لا للدلالة على أن المعطوف بها غير مراد بما سبق إذ لا يتصور ذلك فى مثل جاءنى زيد لا عمرو والثانى على أن مثل ما جاء إلا زيد فى تقدير ما جاء أحد إلا زيد حتى ذهب بعضهم إلى أن الفاعل مضمر وإلا زيد بدل والثالث على أن المستثنى غير مراد بحسب الحكم وإن كان مرادًا بحسب دلالة اللفظ فى المذهب المختار، والرابع على أن المراد بالمدلول أعم من المطابقى والتضمنى فإن اللفظ المتصل بالجملة هو قولنا إن لم تكونوا جهالًا وليس الجهال مدلوله المطابقى وكذا المراد بما اتصل به ليس نفس الجملة بل ما يصلح أن يتناول المستثنى وظاهر هذا التعريف للفظ المستثنى أعنى زيدًا من جاءنى القوم إلا زيدًا.
قوله: (لا يخلو عن ضعف) لتوجه الاعتراضات وإن أمكن دفعها بالعناية مع أن شيئًا مما ذكر لا يوافق المعنى المصدرى فلذا كان التفسير بالإخراج أقرب إلى الصواب لكن لا يخفى أن المراد بالإخراج المنع عن الدخول لأنه إن اعتبر فى حق تناول اللفظ فهو باق لا مخرج عنه وإن اعتبر فى حق الحكم فلا دخول فلا إخراج وأن المراد الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها وإلا لم يصدق على شئ من أفراد الاستثناء وللاستغناء عن هذه العناية كان الإخراج بحرف وضع له أولى من الإخراج بإلا وأخواتها لكن مقتضى سوق كلامه أن الإخراج بالألفاظ المشهورة حد بحسب اللفظ بخلاف الإخراج بحرف وضع له أو يدل عليه وهذا ظاهر ولو سلم فعلى تقدير أن لا يراد بأخواتها ما يدل على الإخراج لا يتعين أن يراد الألفاظ المشهورة لجواز أن يراد ما وضع للإخراج.
قوله: (فى بعض التراكيب) يعنى فيهما إذا كان المعطوف عليه متناولًا للمعطوف والمغيا للغاية بخلاف ما جاء زيد لا عمرو، ونمت البارحة حتى الصباح.
المصنف: (ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة) إن كان الاستثناء المعرف بمعنى أداة الاستثناء ورد أن الدال بواسطة شئ هو غير ذلك الشئ إلا أن يجعل قوله
стр. 1386
بإلا غير الصفة وأخواتها تصويرًا لما دل وإن كان الاستثناء المعرف بمعنى المستثنى كان قوله بإلا بيانًا للسبب الدال على المخالفة.
المصنف: (من غير إخراج) اعترض بأنه إن أراد مطلقًا لم يصدق التعريف على شئ من أفراد المحدود لأن الإخراج من الحكم لا بد منه فى المتصل والمنقطع، وإن أراد من غير إخراج من الجنس لإخراج الاستثناء المتصل ففيه أن المتصل ليس فيه إخراج من جنس المستثنى منه بل هو داخل فيه خارج من الحكم.
المصنف: (قول ذو صيغ. . . إلخ) يتبادر منه أنه تعريف للاستثناء بمعنى المستثنى أو بمعنى المستثنى والأداة وجعله تعريفًا للاستثناء بمعنى الأداة بعيد إذ كان حقه أن يقول هو صيغ مخصوصة لا ذو صيغ مخصوصة، وعبارة الشارح تقتضى أن المراد بالقول ذى الصيغ أدوات الاستثناء فالتعريف للاستثناء بمعنى الأداة فمعنى قول ذو صيغ مخصوصة صيغ مخصوصة وجعل القول صاحب الصيغ المخصوصة باعتبار تحققه فيها فالمصاحبة مصاحبة المطلق للمقيد ومعنى المذكور به على هذا مدخوله وما ارتبط به الذى هو المستثنى، وأما على إرادة المستثنى من الاستثناء المعرف فالمراد بالمذكور به مدلول المستثنى المذكور بذكره.
المصنف: (وأورد على طرده التخصيص بالشرط والوصف. . . إلخ) المناسب لكون الكلام فى الصيغ أن يقول وأورد على طرده نفسه الشرط والموصول حال كونه وصفًا.
المصنف: (وقيل لفظ متصل. . . إلخ) مبنى على أن المراد بالاستثناء المستثنى.
المصنف: (والأولى إخراج بإلا وأخواتها) هذا الأولى ليس على طريق التعريفين المتقدمين بل على طريق آخر وهو أن التعريف يكون للاستثناء بالمعنى الصدرى فكأنه قال وإذ لم يسلم تعريف الاستثناء على اعتبار أنه بمعنى الأدوات أو بمعنى المستثنى فالأولى أن يعرف باعتبار المعنى المصدرى ويقال فيه أنه الإخراج بإلا وأخواتها.
قوله: (أنه احتراز عن التخصيص) احترز عنه لأن الاستثناء ليس تخصيصًا لأن التخصيص قصر اللفظ على بعض مدلوله بقرينة فهو خاص باستعمال اللفظ العام فى بعض مدلوله هذا ظاهر على أن الاستثناء ليس تخصيصًا كما هو رأى غير الأكثر أما على رأى الأكثر كما سيأتى فى المصنف فهو من التخصيص فيكون
стр. 1387
الاحتراز عن التخصيص بغير الاستثناء لا عن مطلق التخصيص على هذا وقد حكى المحشى عبارة الغزالى بالمعنى وإلا فعبارته وفيه احتراز عن أدلة التخصيص لأنها قد لا تكون قولًا وتكون فعلًا وقرينة ودليل عقل فإن كانت قولًا فلا تنحصر صيغه. اهـ.
قوله: (لم يرد عليه شئ مما ذكر) أى من الشرط والصفة والغاية ونحو جاء القوم ولم يجئ زيد.
قوله: (بمثل الشرط والنفى والغاية والوصف بالموصلات) أى لأن كل منها أدوات محصورة.
قوله: (جواب عن الغاية) وهو أن الغاية لم توضع لأن المراد به غير مراد مما قبلها.
قوله: (وهذا خبط عظيم) لعله من جهة أنه جعل التعريف للأدوات الاستثناء مع أنه للاستثناء لا لأدواته ولأنه جعل الوصف بالذى من حيث إن الموصول لا بد له من صلة كأدوات الاستثناء مع أنه ليس مرادًا.
قوله: (وإلا لم يصدق. . . إلخ) أى لأنه ليس لنا استثناء يكون بجميع أدوات الاستثناء وقوله عن هذه العناية هى أن تجعل الواو بمعنى أو وقوله وهذا ظاهر تحريف وحقه وهذا غير ظاهر وقوله لا يتعين أن يراد. . . إلخ. أى فصح أن يكون التعريف ليس لفظيًا.
стр. 1388
قال: (وقد اختلف فى تقرير الدلالة فى الاستثناء، فالأكثر المراد بعشرة فى قولك: عشرة إلا ثلاثة سبعة، وإلا قرينة لذلك كالتخصيص بغيره، وقال القاضى: عشرة إلا ثلاثة بإزاء سبعة: كاسمين مركب ومفرد، وقيل المراد بعشرة عشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة والإسناد بعد الإخراج فلم يسند إلا إلى سبعة وهو الصحيح، لنا أن الأول غير مستقيم للقطع بأن من قال: اشتريت الجارية إلا نصفها، أو نحوه لم يرد استثناء نصفها من نصفها ولأنه بيان يتسلسل ولأنا نقطع بأن الضمير للجارية بكمالها ولإجماع العرببة على أنه إخراج بعض من كل ولإبطال النصوص وللعلم بأنا نسقط الخارج فيعلم أن المسند إليه ما بقى، والثانى كذلك للعلم بأنه خارج عن قانون اللغة إذ لا تركيب من ثلاثة ولا يعرب الأول وهو غير مضاف ولامتناع إعادة الضمير على جزء الاسم فى إلا نصفها، ولإجماع العربية إلى آخره. قال الأولون: لا يستقيم أن يراد عشرة بكمالها للعلم بأنه ما أقر إلا بسبعة فيتعين، وأجيب بأن الحكم بالإقرار باعتبار الإسناد ولم يسند إلا بعد الإخراج. قالوا: لو كان المراد عشرة امتنع من الصادق مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، وأجيب بما تقدم، القاضى إذا بطل أن يكون عشرة، وبطل أن يكون سبعة تعين أن يكون الجميع لسبعة وأجيب بما تقدَّم فيتبين أن الاستثناء على قول القاضى ليس بتخصيص وعلى الأكثر تخصيص، وعلى المختار محتمل).
أقول: يتبادر إلى الذهن فى الاستثناء أنه تناقض لأن قولك: على عشرة إلا ثلاثة، إثبات للثلاثة فى ضمن العوة، ونفى للثلاثة صريحًا، ولا شك أنهما لا يصدقان معًا، والتناقض غير جائز سيما فى كلام اللَّه تعالى، واضطروا إلى تقرير دلالته على وجه آخر غير ذلك دفعًا للتناقض، وقد اختلفوا فيه فقال الأكثر: المراد بعشرة ونحوها فى قوله: على عشرة إلا ثلاثة، إنما هو سبعة، وإلا ثلاثة قرينة لإرادة السبعة من العشرة إرادة الجزء باسم الكل كما فى التخصيص بغيره حيث يقول: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، والمراد الحربيون، بدليل يخرج الذمى، وقال القاضى أبو بكر: المجموع وهو عشرة إلا ثلاثة بإزاء سبعة كأنه وضع له اسمان مفرد هو سبعة ومركب هو عشر إلا ثلاثة، وقيل المراد بعشرة فى هذا التركيب هو معنى عشرة باعتبار أفراده لم يتغير فهو يتناول السبعة والثلاثة معًا، ثم أخرجت عنه الثلاثة بقوله: إلا ثلاثة فدل "إلا" على الإخراج وثلاثة على العدد المسمى بها حتى
стр. 1389
بقى سبعة ثم أسند إليه فلم يسند إلا إلى سبعة، فلا ثم إلا الإثبات ولا نفى أصلًا فلا تناقض لأنه إنما يتصوّر بتعارض إثبات ونفى هذا هو الصحيح، لنا إنه لا بد فى دفع التناقض من أحد التقديرات الثلاث لأنه إن أريد عشرة وأسند إليه فالتناقض ظاهر وانتفاؤه بأن لا يراد العشرة أو يراد ولا يسند إليه فإن لم ترد العشرة، فإن أريد بها السبعة فهو الأول، وإن لم يرد السبعة وهى مرادة قطعًا فتكون مرادة بالركب وهو الثانى، وإن أريد العشرة ولم يسند إليه فهو الثالث، وإذا تعين أحد الثلاث فإذا أبطلنا قسمين تعين الباقى، فنقول: الأوّلان باطلان فيتعين الثالث، أما الأول فلا يستقيم لوجوه:
أحدها: أنا نقطع أن من قال: اشتريت الجارية إلا نصفها لم يرد بالجارية نصفها وإلا لزم استثناء نصفها من نصفها وهو غير مراد قطعًا، مع أنه لو أراد ذلك لزم التسلسل لأن المراد هو الباقى بعد فيكون المراد الباقى من النصف بعد بإخرج النصف منه وهو الربع وهلم جرًا.
ثانيها: أنا نقطع أن الضمير عائد إلى الجارية بكمالها إذ المراد نصف كمال الجارية قطعًا.
ثالثها: أن أهل العربية أجمعت على أن الاستثناء المتصل إخراج بعض من كل ولو أريد الباقى من الجارية لم يكن ثمة كل وبعض وإخراج.
رابعها: أنه يبطل النصوص كلها إذ ما من لفظ إلا ويمكن الاستثناء لبعض مدلوله فيكون المراد هو الباقى فلا يبقى نصًا فى الكل ونحن نعلم أن نحو عشرة نص فى مدلوله.
وخامسها: أنا نعلم أنا نسقط الخارج من العوة عنها، وأن المسند إليه هو الباقى بعد ذلك فهذا المعنى معقول واللفظ دال عليه فوجب تقريره عليه إذ يجب إبقاء الألفاظ المفردة على وضعها ما أمكن وأما الثانى فلا يستقيم أيضًا لوجوه:
أولها: العلم بأنه خارج عن قانون اللغة إذ ليس فى لغتهم مركب من ثلاثة ألفاظ ولا يعرب الجزء الأول من المركب وهو غير مضاف، كل ذلك علم بالاستقراء.
ثانيها: أنه يلزم إعادة الضمير على جزء الاسم وهو الجارية فى نحو: اشتريت الجارية إلا نصفها مع عدم دلالته فيه فهو كما يرجع إلى شرًّا من تأبط شرًّا ونحره
стр. 1390
من برق نحره، علمين وأنه ممتنع.
ثالثها: إجماع أهل العربية. . . إلخ، وهو أنه إخراج بعض من كل وأنه يبطل النصوص لأنها تصير مهملة، فى التركيب وأنا نعلم أنا نسقط ثم نخرج كما تقدَّم.
الأولون قالوا: أولًا: لا بد أن يريد بعشرة كمالها أو سبعة لأنه لم يهمل، والأول باطل لأنا نعلم أنه ما أقر إلا بسبعة فتعين الثانى، وهو المراد.
الجواب: الإقرار إنما يحكم به باعتبار الإسناد ولا إسناد إلا بعد الإخراج فيكون إقرارًا بالباقى بعد الإخراج وهو السبعة، لذلك لا لأن المراد بالعشرة سبعة.
قالوا: ثانيًا: لو كان المراد بعشرة كمالها امتنع من الصادق مثل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، لما يلزم من إثبات لبث الخمسين ونفيه، وهو تناقض.
الجواب: ما تقدَّم فى صورة الإقرار أن الحكم باللبث إنما هو بعد إخراج الخمسين على الباقى.
قال القاضى: إذا بطل أن يكون المراد عشرة لدليل الأولين وأن يكون سبعة لما ذكر فى إبطال المذهب الأول تعين أن يكون المجموع سبعة لما مر أنه لا بد من أحد الثلاثة، وأجيب بما تقدَّم ثم ذكر المصنِّفُ نكتة وهى أنه قد تبين مما ذكرنا أن الاستثناء على قول القاضى ليس بتخصيص، فإن التخصيص قصر العام على بعض مسمياته وههنا لم يرد بالعام بعض مسمياته بل أريد بالمجموع نفس مسماه وعلى قول الأكثرين هو تخصيص لأنه قصر للعام على بعض مسمياته وعلى المذهب المختار يحتمل أن يقال: إنه تخصيص نظرًا إلى الحكم فإنه للعام فى الظاهر والمراد الخصوص وأن يقال ليس بتخصيص إذ المفرد لم يرد به إلا العموم كما كان عند الانفراد ولم يغير إلى تخصيص فهذا كلام المصنِّفُ ولا بد ههنا من التنبيه على حقيقة الحال، اعلم هداك اللَّه القصد أن عشرة أخرجت منها ثلاثة للسبعة مجاز لأن العشرة التى أخرجت منها ثلاثة: عشرة ولا شئ من السبعة بعشرة والعشرة بعد إخراج الثلاثة وقبلها مفهوم واحد وليس السبعة بعشرة على حال أطلقتها أو قيدتها إنما هى الباقى، العوة بعد إخراج الثلاث كما يقال: إنها أربعة ضمت إليها ثلاثة وأنها ليست بأربعة أصلًا، إنما هى الحاصل من ضم الأربعة إلى الثلاثة ثم إن السبعة مرادة فى هذا التركيب، فإن قلنا: هذا التركيب حقيقة فى عشرة وصفت
стр. 1391
بأنها أخرجت منها ثلاثة كان مجازًا فى السبعة من باب التخصيص وهو المذهب الأول، وإن قلنا: هو موضوع للباقى من العشرة بعد إخراج الثلاثة ولا يفهم منها عند الإطلاق إلا ذلك وليس مدلولها عشرة مقيدة فهو موضوع للسبعة لا على أنه وضع له وضعًا واحدًا كما يتصوّر بل على أنه يعبر عنه بلازم مركب، وقد يعبر عن الشئ باسمه الخاص، وقد يعبر عنه بمركب يدل على بعض لوازمه وذلك فى العدد ظاهر فإنك قد تنقص عددًا من عدد حتى ببقى المقصود وقد تضم عدد إلى عدد حتى يحصل ذلك، كما قال الشاعر:
بنت سبع وأربع وثلاث ... هى حتف المتيم المشتاق
والمراد بنت أربع عشرة ويعبر عنه بغيرهما كما يقال للعشرة جذر المائة وضعف الخمسة وربع الأربعين وغيرها وعلى هذا ينبغى أن يحمل مذهب القاضى ومختار المصنِّف يرجع إلى أحدهما وأنت بعد ذلك خبير بما يرد على الوجوه التى أبطل بها المذهبين فلا نطوّل بتفصيل ذلك.
قوله: (فلا ثم) أى ليس فى هذا التركيب إلا إثبات واحد هو للسبعة دون الثلاثة ولا نفى أصلًا لا للسبعة ولا للثلاثة وهذا ينافى ما ذكر من أن الاستثناء من الإثبات نفى اتفاقًا على أنه لا معنى لسلب نفى الثلاثة لأن التناقض إنما توهم بإثبات الثلاثة ضمنًا ونفيها صريحًا فإذا منع الإثبات اندفع التناقض لا يقال المراد أنه لا نفى للسبعة أصلًا لأنه كلام لا حاصل له إذ التناقض إنما توهم بإثبات الثلاثة ونفيها دون السبعة.
قوله: (أما الأول) وهو أن يراد بالعشرة السبعة مثلًا فلا يستقيم لوجوه ستة على ما هو ظاهر كلام المتن وأكثر الشروح إلا أن المحقق جعل الأوّلين وجهًا واحدًا لأنه جعل قوله: ولأنه كان يتسلسل تعليلًا لعدم إرادة استثناء نصفها من نصفها، وكأنه وقع فى نسخته بدون الواو وفى أكثر النسح: ولأنه كان يتسلسل عطفًا على قوله للقطع، فتقرير الأول أنه لو أريد بالجارية نصفها لزم استثناء نصفها من نصفها وهو مستغرف وتقرير الثانى أنه لو أريد استثناء نصفها من نصفها لكان المراد بالنصف المستثنى منه هو الربع لأنه الباقى بعد إخراج النصف من النصف ثم يلزم أن يكون المراد به الثمن لأنه الباقى بعد إخراج النصف من الربع وهكذا إلا إلى نهاية وهو
стр. 1392
المراد بالتسلسل وقرره بعضهم بأنه لو أريد بلفظ العشرة بعض مدلوله لجاز أن يراد بلفظ "إلا ثلاثة" بعض مدلوله وكما أن الأول يحتاج إلى قرينة فكذا الثانى وينقل الكلام إلى قرينته وهو المراد بالتسلسل وهذا فى غاية السقوط والأقرب أن يقال: إذا أريد بالجارية نصفها فضمير "إلا نصفها" إن كان للجارية بكمالها لزم الاستغراق وإن كان للجارية والمراد بها النصف لزم التسلسل.
قوله: (إذ ما من لفظ إلا ويمكن الاستثناء لبعض مدلوله) لا حاجة إلى هذا التعميم المنقوض بلفظ اللَّه، اللهم إلا أن يدعى إمكان الاستثناء منه باعتبار تناوله الذات والصفات.
قوله: (وخامسها) حاصله أنا نعلم قطعًا صحة ما ذهبنا إليه من غير استحالة وهو مدلول ظاهر اللفظ فلا حاجة لصرفه عنه وهذا جيد لكن يأباه قوله فى المتن: فيعلم بالفاء وتقرير الشارحين أن العلم الضرورى حاصل بأنا نسقط الخارج أى المستثنى من المستثنى منه فنعلم أن المسند إليه ما بقى بعد الإسقاط وعلى تقدير أن يكون المراد بالمستثنى منه هو الباقى لم يتصور ذلك إذ لا خارج ولا إسقاط ولا باقى بعد الإسقاط، وقد أجابوا عن الوجوه كلها بأن المراد بالمستثنى منه هو المجموع من حيث الظاهر، وبالنظر إلى أفراد اللفظ والباقى من حيث الحكم وبالنظر إلى التركيب وحينئذٍ لا يلزم شئ مما ذكر وأنت خبير بأن هذا رجوع إلى المذهب المختار وقد يجاب عن الرابع بأن النص ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا عند عدم القرينة، ولا إبطال لذلك لأن العشرة إنما حملت على السبعة بعد قرينة الاستثناء ولو سلم فمشترك الإلزام لجريانه فى سائر التخصيصات وهذا غلط لأن النص ما لا يحتمل الغير أصلًا والعمومات التى يجرى فيها التخصيص ظواهر لا نصوص.
قوله: (إذ ليس فى لغتهم مركب من ثلاثة ألفاظ) اعلم أنه لا نزاع فى التركيب من ثلاثة ألفاظ فصاعدًا بطريق الإضافة وإجراء الإعراب المستحق على كل من تلك الألفاظ مثل أبى عبد اللَّه وأبى عبد الرحمن ولا بطريق الحكاية وإبقاء اللفظ على ما كان عليه من الإعراب والبناء فمثل برق نحره وتأبط شرًّا، والتسمية بزيد منطلق أو ببيت من الشعر وبألم ونحو ذلك منثورة نثر أسماء الأعداد من غير إعراب وإنما الكلام فى التسمية بثلاثة ألفاظ فصاعدًا إذا جعلت اسمًا واحدًا على
стр. 1393
طريق حضرموت وبعلبك من غير أن يلاحظ فيها الإعراب والبناء الأصليان بل يكون بمنزلة زيد وعمرو يجرى الإعراب المستحق على حرفه الأخير وهذا ليس من لغة العرب بلا نزاع صرح بذلك صاحب الكشاف فى بحث أسماء السور ولا خفاء فى أن عشرة إلا ثلاثة إذا جعل اسمًا للسبعة كان الإعراب المستحق فى صدره ولم يكن محكيًا عن أصل منقول عنه إذ يختلف إعراب العشرة بحسب العوامل فكان مما اتفقوا على أنه ليس من لغة العرب هذا حقيقة الكلام فى هذا المقام وبعضهم لما لم يطلع على ذلك زعم أن هذا إنما هو فى الأجناس دون الأعلام إذ التركيب فى مثل شاب قرناها ليس تركيبًا واحدًا بل متعددًا أو مثله نادر لا اعتداد به.
قوله: (مع عدم دلالته) أى دلالة جزء الاسم حال كونه فى الاسم إشارة إلى علة الامتناع يعنى أن الكتابة عن الشئ بالضمير من خواص الاسم لأن الضمير هو اسم عبارة عن المرجع فيلزم أن يكون المرجع اسمًا فكل اسم فهو دال على معنى وجزء الكلمة ليس بدال فليس باسم فلا يصح مرجعًا للضمير.
قوله: (إجماع أهل العربية. . . إلخ) جعله الشارح العلامة إشارة إلى الوجوه الثلاثة الأخيرة ومعناه إلى آخر الكلام فى الوجوه الثلاثة وارتضاه المحقق وحاصله أنه ينتفى على هذا التقرير الكل والبعض والإخراج وأنه حينئذٍ يكون مثل العشرة جزءًا من الكلمة غير دال على معنى فتبطل نصوصيته وأنه حينئذٍ لا يتحقق الخارج والباقى والإسقاط وجمهور الشارحين جعلوه إشارة إلى الوجه الأول من هذه الثلاثة ومعناه إلى آخر هذا الوجه.
قوله: (وأجيب بما تقدَّم) من جواز أن تراد العشرة ويكون الحكم بعد إخراج الثلاثة من غير تناقض.
قوله: (اعلم) حاصله أن لفظ العشرة حقيقة فى العشرة من الأفراد سواء كان مطلقًا أو مقيدًا بـ "إلا ثلاثة" ولا شئ من السبعة حقيقة عشرة أفراد لأن الأعداد أنواع متباينة لا يصدق بعضها على البعض فليس لفظ العشرة حقيقة فى السبعة ومعلوم أن الحكم فى مثل علىّ عشرة إلا ثلاثة إنما هو على السبعة لا غير فالمعنى الحقيقى لهذا التركيب أعنى عشرة إلا ثلاثة إما أن يكون هو العشرة الموصوفة بإخراج الثلاثة فيكون مجازًا فى السبعة وهو مذهب الجمهور، وإما أن يكون هو الباقى من العشرة بعد إخراج الثلاثة فيكون حقيقة فى السبعة لا بأن تكون كلمة
стр. 1394
موضوعة بإزائها بل بمعنى أن مفرداتها مستعملة فى معانيها الحقيقية ومحصل المجموع معنى يصدق على السبعة ولا يتبادر إلى الفهم غيرها كما يطلق الطائر الولود على الخفاش من حيث إنه من أفراد هذا التركيب وعلى هذا ينبغى أن يحمل مذهب القاضى للقطع بأن المراد بالمفردات معانيها فمرجع المذهب الثالث وهو أن المراد بالعشرة مدلولها والحكم إنما هو على السبعة إلى أحد هذين المذهبين لأن كون الحكم على السبعة إما أن يكون باعتبار أنها مدلول مجازى للتركيب أو أمر يصدق عليه معناه المتبادر منه إلى الفهم وأنا أقول ما ذكر المحقق من حقيقة الحال اعتراف بحقية المذهب الثالث ورجوع المذهبين الأولين إليه لأن المركب سواء جعل حقيقة فى المعنى الذى وقع الإسناد إليه أو مجازًا لم يكن بد لمفرداته من الاستعمال فى معنى فيكون لفظ العشرة مستعملًا فى كمال معناها والحكم بعد إخراج الثلاثة وإلا لزم التناقض أو كون العشرة مجازًا عن السبعة فليتأمل.
قوله: (وأنت بعد ذلك) يعنى أن المراد بلفظ الجارية مجموع معناها وإنما يفهم النصف من التركيب ووصف الجارية بإخراج النصف عنها وحينئذٍ لا يلزم الاستغراق ولا يتسلسل ولا عود الضمير إلى غير ما هو المراد باللفظ ويتحقق إخراج البعض عن الكل وحمل اللفظ على ما هو نص فيه والإسناد إلى ما هو الباقى بعد الإسقاط وأيضًا إذا لم يجعل المستثنى والمستثنى منه وآلة الاستثناء كلمة واحدة موضوعة بإزاء الباقى بل كلًا منها كلمة مستعملة فى معناها والمجموع المركب من الثلاثة موضوعًا بإزاء معنى واحد يصدق على الباقى لم يلزم تركيب اسم واحد من أكثر من للفظين ولا إعراب صدر الكلمة ولا عود الضمير إلى جزء منها ولا بطلان إخراج البعض من الكل ونصوصية العشرة فى معناها والإسناد إلى الباقى بعد الإسقاط.
المصنف: (لم يرد استثناء نصفها من نصفها) أى لأنه يكون استثناء مستفرقًا.
المصنف: (ولأنه كان يتسلسل) أى لأن "إلا" قرينة على إرادة البعض من المستثنى منه والاستثناء بها يقتضى الإخراج من ذلك البعض فيكون المراد بعض ذلك البعض لأنه الباقى والإخراج منه فيكون المراد به بعض بعض البعض وهكذا وهذا مبنى على اعتبار الإخراج بعد إرادة البعض من ذلك البعض ويدفع بأن
стр. 1395
الإخراج ليس من البعض المراد بقرينة "إلا" بل من المستثنى منه باعتبار ظاهره من العموم على أن الحنفية على أن المستثنى لم يرد بالأول.
المصنف: (إذ لا تركيب من ثلاثة ولا يعرب الأول وهو غير مضاف) أى لا تركيب من ثلاثة ولا إعراب للأول وهو غير مضاف بل المعهود التركيب من ثلاثة مع إعراب الأول وهو مضاف ولو قال: وإعراب الأول بحذف لا لكان واضحًا لأن النفى فى قوله: إذ لا تركيب مقيد به إلا أنه أتى بالنافى لبيان تسلطه فى قوله: إذ لا تركيب عليه هذا ثم رأيت ما يؤخذ منه أن قوله: ولا يعرب الأول معناه: أن الأول لم يكن باقيًا على إعرابه الأول. . . إلخ. مثلًا إذا كان محكيًا عن الإعراب وملخصه أنه لا يكون الأول محكيًا.
الشارح: (إذ ما من لفظ إلا ويمكن. . . إلخ) أى ما من لفظ معناه ذو أجزاء أو جزئيات إلا ويمكن. . . إلخ. فلا نقض بلفظ الجلالة كما ذكره المحشى.
الشارح: (ثانيها أنه يلزم إعادة الضمير على جزء الاسم) هذا مدفوع بأنه لا ضمير عند جعل الكل اسمًا واحدًا لأن لفظ "ها" من أعتق الجارية إلا نصفها كالزاى من زيد فليس ضميرًا فكما صار الجزء الذى كان اسمًا ومرجعًا قبل التسمية لفظًا مهملًا لا يصلح أن يرجع إليه ضمير، كذلك ما كان ضميرًا راجعًا قبل التسمية صار بعدها لفظًا مهملًا لا يصلح أن يرجع إلى غيره.
الشارح: (أنا نسقط ثم نخرج) الأولى ثم نثبت الباقى بعد الإخراج.
الشارح: (أن عشرة أخرجت منها ثلاثة للسبعة مجازًا) أى لا يكون لفظ العشرة للسبعة إلا مجازًا ولكن الكلام فى مدلول التركيب بتمامه وعليه لا ترد الاعتراضات التى وردت على القول بالمجاز ولا الاعتراضات الواردة على قول القاضى.
الشارح: (وقبلها) أى قبل إخراجها وأنث لاكتساب التأنيث من المضاف إليه.
الشارح: (وهو المذهب الأول) أى بتأويله إلى ذلك إلا ما هو ظاهره من أن لفظ عشرة مجاز عن السبعة.
الشارح: (كما يقال العشرة جزر المائة) أى ضربها فى نفسها يحصل المائة.
الشارح: (وأنت خبير بما يرد على الوجوه) لعل المناسب إسقاط على.
قوله: (ولا نفى أصلًا) وعليه فالمستثنى مسكوت عنه لم يحكم فيه بشئ ويرد
стр. 1396
على هذه الطريقة عدم إفادة كلمة التوحيد التوحيد لأنها على هذه الطريقة إنما تفيد نفى الألوهية لغير اللَّه والتوحيد لا يتم إلا بنفى الألوهية عن غير اللَّه وإثباتها للَّه وقد التزمت هذه الطائفة القائلة بأن المستثنى مسكوت عنه أن كلمة التوحيد لا تفيد إلا نفى الألوهية عن غير اللَّه وقالت: إن التوحيد مستفاد من النفى القولى فى كلمة التوحيد والإثبات العلمى لأن المشركين لم ينكروا ألوهية اللَّه كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وإنما أشركوا فبنفى ألوهية غيره ينفى الشرك ويحصل التوحيد، نعم لا تكون من الدهرى كلمة التوحيد توحيدًا.
قوله: (وهذا ينافى ما ذكر من أن الاستثناء من الإثبات نفى اتفاقًا) قد يقال: الاتفاق إنما هو على أن ما بعد "إلا" مخرج من حكم الصدر وهذا صادق بمجرد عدم إرادته منه وإن كان مسكوتًا عنه.
قوله: (والباقى من حيث الحكم) أى والمراد بالباقى من حيث الحكم وقوله: ولو سلم فمشترك الإلزام أى لو سلم أن النص ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا مطلقًا فمشترك الإلزام.
قوله: (بيان الإعراب المستحق فى صدره) أى لا فى آخره حتى يكون له نظير فى اللغة.
قوله: (إذ التركيب فى مثل شاب قرناها ليس تركيبًا واحدًا بل متعددًا) يعنى أن المركب من ثلاثة أحرف فى الأعلام كثير فلا يقال: إنه خارج عن قانون اللغة فحينئذ يخص ذلك بأسماء الأجناس وقوله: أو مثله نادر عطف على قوله: إنما هو فى الأجناس والمعنى أننا إن لم نقل بأن امتناع التركيب من ثلاث كلمات على الوجه المتقدم إنما هو فى الأجناس لا فى الأعلام بل عممنا ذلك للأعلام أيضًا نقول: إن مثل شاب قرناها وبرق نحره نادر لا اعتداد به فلا يرد نقضًا.
قوله: (أو كون العشرة مجازًا عن السبعة) أى وهو باطل للوجوه الستة وهو عطف على قوله: للزم التناقض.
قوله: (وأيضا إذا لم يجعل. . . إلخ) إشارة إلى المذهب الثانى وتصحيحه بحيث لا يرد عليه الأوجه الأربعة المذكورة.
стр. 1397
قال: (مسألة: شرط الاستثناء الاتصال لفظًا أو ما فى حكمه كقطعه لتنفس أو سعال ونحوه، وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما يصح وإن طال شهرًا، وقيل يجوز بالنية كغيره وحمل عليه مذهب ابن عباس رضى اللَّه عنهما لقربه وقيل يصح فى القرآن خاصة، لنا لو صح لم يقل ﷺ : "فليكفر عن يمينه" معينًا لأن الاستثناء أسهل وكذلك جميع الإقرارات والطلاق والعتق وأيضًا فإنه يؤدى إلى أن لا يعلم صدق ولا كذب، قالوا: قال ﵊: "واللَّه لأغزون قريشًا -ثم سكت- وقال بعده: إن شاء اللَّه"، قلنا يحمل على المسكوت المعارض لما تقدَّم، قالوا: سأله اليهود عن لبث أهل الكهف فقال ﵊: غدًا أجيبكم فتأخر الوحى بضعة عشر يومًا، ثم نزل: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣]، فقال ﵊: "إن شاء اللَّه"، قلنا يحمل على: أَفعل إن شاء اللَّه. وقول ابن عباس رضى اللَّه عنهما متأول بما تقدَّم أو بمعنى المأمور به).
أقول: يشترط فى الاستثناء اتصاله بالمستثنى منه لفظًا أو ما هو فى حكم الاتصال فلا يضر قطعه بتنفس أو سعال ونحوهما مما لا يعدّ منفصلًا عرفًا، وروى عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه يصح الاستثناء وإن طال الزمان شهرًا، وقيل لا يجب الاتصال لفظًا بل يجوز الاتصال بالنية وإن لم يتلفظ به كالتخصيص بغير الاستثناء وحمل بعضهم مذهب ابن عباس رضى اللَّه عنهما على هذا حتى لو قال بعد شهر أردت إلا كذا يسمع منه، وذلك لأن هذا ليس ببعيد ولو حمل على ظاهر قوله وهو جوازه مطلقًا نواه أم لا، لكان بعيدًا جدًا، قيل يصح الانفصال فى كتاب اللَّه خاصة، لنا لو صح انفصال الاستثناء لما قال صلى اللَّه تعالى عليه وسلم: "من حلف على شئ ثم رأى غيره خيرًا منه فليعمل به وليكفر عن يمينه" فلم يوجب التكفير معينًا بل قال: فليستثن أو يكفر، وأوجب أحدهما لا بعينه لأنه لا حنث بالاستثناء مع كونه أسهل، فكان ذكره أولى، وإذا لم يذكر معينًا فلا أقل أن يخير بينهما لعدم وجوب شئ منهما معينًا وكذلك جميع الإقرارات والطلاق والعتق كان ينبغى أن يستثنى منها نفيًا لأحكامها بأسهل الطرق، والإجماع بخلافه، كيف ولو صح لقال به أحد، ولم يقل، كيف ونحن نعلم قطعًا أنه لو قال: على عشرة وقال بعد شهر إلا ثلاثة، لم يعدّ منتظمًا وحكم عليه بأنه لغو، ولنا أيضًا أنه يؤدى إلى أن لا يعلم صدق ولا كذب لجواز استثناء يرد عليه فيصرفه عن ظاهره
стр. 1398
إلى ما يصير صادقًا وإن كان ظاهره كاذبًا، وبالعكس.
قالوا: أولًا: روى أنه ﷺ قال: "لأغزون قريشًا"، ثم سكت، ثم قال: "إن شاء اللَّه" (*)، ولولا صحته لما ارتكبه.
الجواب: يحمل على المسكوت العارض بما تقدَّم من تنفس أو سعال جمعًا بينه وبين أدلتنا.
قالوا: ثانيًا: سأله اليهود عن مدة لبث أصحاب الكهف فى كهفهم؟ فقال: "غدًا أجيبكم"، فتأخر الوحى بضعة عشر يومًا، ثم نزل: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فقال: "إن شاء اللَّه" ولا كلام يعود إليه ذلك الاستثناء إلا قوله: "غدًا أجيبكم"، فعاد إليه فصح الانفصال بضعة عشر يومًا وفيه المطلوب.
الجواب: لا نسلم عوده إلى: ". . أجيبكم"، لجواز أن يكون المراد: "أفعل إن شاء اللَّه" أى أعلق كل ما أقول له إنى فاعله غدًا بمشيئة اللَّه وذلك كما تقول: أفعل كذا وكذا فقال: إن شاء اللَّه أى أفعل ذلك إن شاء اللَّه، أو المراد: أذكر إن شاء اللَّه.
قالوا: ثالثًا: قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما بصحته وهو عربى فقوله متبع.
الجواب: لا نسلم أنه قال به مطلقًا لأنه مؤوّل بما تقدَّم من أنه يسمع دعوى نيته، أو بأن الاستثناء المأمور به فى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، لو أخره إلى شهر من قوله: إنى فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء اللَّه، بأن لم يقله معه ثم أتى بعد الشهر بالعبارة الصحيحة فقال: إنى فاعل ذلك غدًا إن شاء اللَّه لكان ممتثلًا لهذا الأمر.
قوله: (وقيل يصح فى القرآن) قال الإمام فى البرهان: وإنما حملهم على ذلك خيال تخيلوه من كلام المتكلمين الصائرين إلى أن الكلام الأزلى واحد وإنما
стр. 1399
الترتيب فى جهات الوصول إلى المخاطبين فلو تأخر الاستثناء فذلك فى السماع والفهم دون الكلام وهذا غلط لأن الكلام ليس فى الكلام الأزلى بل فى العبارات التى تبلغنا وهى فى حكم كلام العرب ولا يوجد فيه تأخر الاستثناء واعلم أن الشارح المحقق قد أخذ فى بعض تعليقاته ذلك الخيال مذهبًا وزعم أن الكلام القائم بذات اللَّه تعالى هو اللفظ والمعنى جميعًا وليس هو بمرتب الأجزاء حتى يلزم الحدوث وإنما الترتيب فى تلفظنا لعدم مساعدة الآلة إلا على هذا الترتيب وحمل المعنى فى قول مشايخنا: إن الكلام الأزلى هو المعنى القائم بذات اللَّه تعالى على ما يقابل الذات دون ما يقابل اللفظ وأنت خبير بأن قيام اللفظ بذات اللَّه تعالى مما لا يقبله العقل مرتبًا كان أو غير مرتب.
قوله: (فلم يجب) عطف على لما قال وقوله أو يكفر عطف على المجزوم فى: فليستثن.
قوله: (وكذلك جميع الإقرارات) حمله الشارحون على أنه لو جاز تأخر الاستثناء لم يحصل الجزم بثبوت شئ منها لإمكان الاستثناء ولو بعد حين لكن لفظ كذلك لا يلائم ذلك فحمله المحقق على أن لها أيضًا طرفًا أسهل من ثبوت أحكامها وهو الاستثناء فينبغى أن يتعين أو يتخير فيه لا أقل وما يقال: إنه وجبت الكفارة لكونها أنفع للناس وثبتت أحكام الإقرارات لوجود القرينة على عدم الاستثناء ليس بشئ لأنه إذا جاز تأخر الاستثناء ولو بعد حين لم يصح الحكم بوجوب الكفارات وثبوت أحكام الإقرارات لجواز الاستثناء ما دام المكلف حيًا.
قوله: (بما تقدَّم) جعله الشارح المحقق متعلقًا بالعارض أى الذى يعرض بسبب تنفس أو سعال لأن ما ذكره الشارحون من أنه متعلق بقوله يحمل أى يحمل على المسكوت العارض بما تقدَّم من الدليل مبنى على أن المراد بالسكوت العارض لما لا يخل بالاتصال الحكمى وهذا مما لا دلالة عليه فإن قيل: إن شاء اللَّه شرط لا استثناء قلنا: اتفقوا على أنه لا فرق فى وجوب الاتصال بين الشرط والاستثناء.
قوله: (أذكر إن شاء اللَّه) جواب آخر ليس فى المتن أى أذكر هذه الكلمة امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أى أذكر مشيئة ربك، وقل: إن شاء اللَّه إذا فرط منك نسيان.
قوله: (قالوا ثالثًا) إشارة إلى أن ما ذكر فى المتن جواب عن دليل ثالث تقريره أن
стр. 1400
ابن عباس كان فصيحًا قدوة فى اللغة وقد قال بجواز تأخير الاستثناء وتقرير الجواب أنه متأوّل بأنه يسمع ولو بعد حين دعوى نية الاستثناء عند التكلم أو بأنه لو ذكر بعد حين الاستثناء المأمور به، وهو التعليق بمشيئة اللَّه تعالى أو لا أفعل ثم يقول بعد شهر أفعل إن شاء اللَّه، لكان ممتثلًا لهذا الأمر المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، لأنه فى معنى لا تقولن ذلك إلا ملتبسًا بمشيئة اللَّه قائلًا إن شاء اللَّه تعالى، أو من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، على ما سبق ولم يتنبه الشارحون لهذا المعنى فقال بعضهم المراد أنه يجوز الانفصال فى: إن شاء اللَّه خاصة دون غيره من الاستثناءات، وبعضهم المراد أنه لو أمر الشارع باستثناء متصل لصح وإلا
قوله: (أو لا أفعل) فيه سقط والأصل بأن يقول أو لا أفعل.
قوله: (لو أمر الشارع باستثناء متصل لصح وإلا فلا) لعل هنا تحريفًا وأصله لو أمر الشارع باستثناء منفصل لصح وإلا فلا، وإلا فلا معنى لهذه العبارة.
стр. 1401
قال: (مسألة: الاستثناء المستغرق باطل باتفاق، والأكثر على جواز المساوى والأكثر، وقالت الحنابلة والقاضى بمنعهما، وقال بعضهم والقاضى أيضًا بمنعه فى الأكثر خاصة وقيل إن كان العدد صريحًا. لنا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والغاوون أكثر بدليل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣]، فالمساوى أولى وأيضًا: "كلكم جائع إلا من أطعمته. . " وأيضًا فإن فقهاء الأمصار على أنه لو قال: علىّ عشرة إلا تسعة لم يلزمه إلا درهم، ولولا ظهوره لما اتفقوا عليه، عادة الأقل مقتضى الدليل منعه إلخ، وأجيب بالمنع لأن الإسناد بعد الإخراج ولو سلم فالدليل متبع قالوا على عشرة لا تسعة ونصف وثلث درهم ركيك مستقبح، وأجيب بأن استقباحه لا يمنع صحته كعشرة إلا دانقًا ودانقًا إلى عشرين).
أقول: الاستثناء المستغرق سواء كان مثل المستثنى منه أو أكثر باطل بالاتفاق، والأكثر على جواز المساوى للباقى بعد الاستثناء، أعنى نصف المستثنى منه، حتى يبقى النصف وعلى جواز الأكثر حتى يبقى أقل من النصف، وقالت الحنابلة والقاضى بمنعهما فيجب أن يبقى أكثر من النصف وقيل بمنعهما إذا كان العدد صريحًا فيجوز عشرة إلا أربعة ولا يجوز عشرة إلا خمسة أو ستة بخلاف ما لم يكن صريحًا فيجوز: أكرم بنى تميم إلا الجهال، وهم ألف والعالم فيهم واحد لنا أنه وقع فى القرآن استثناء الأكثر دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، ومن ههنا بيانية لأن الغاوين كلهم متبعوه فاستثنى الغاوين وهم أكثر من غيرهم، بدليل قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، دل على أن الأكثر ليس بمؤمن، وكل من ليس بمؤمن غاوٍ ينتج الأكثر غاوٍ، وإذا ثبت جواز استثناء الأكثر ثبت جواز استثناء المساوى بالطريق الأولى لأنه أقرب، ولنا أيضًا لو قال: "كلكم جائع إلا من أطعمته" وأطعم الأكثر صح قطعًا ولنا أيضًا أن فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه لو قال: على عشرة إلا تسعة لم يلزم إلا واحد ولولا أن استثناء الأكثر ظاهر فى وضع اللغة فى بقاء الأقل لامتنع الاتفاق عليه عادة ولصار قوم ولو قليلًا إلى أنه يلزمه العشرة لكون الاستثناء لغوًا لأنه غير صحيح كما فى المستغرق.
المشترطون لكونه أقل قالوا: أولًا: الدليل منع الاستثناء لأنه إنكار بعد إقرار
стр. 1402
خالفناه فى الأقل لأنه قد ينسى فبقى معمولًا به فى غيره.
الجواب: لا نسلم أن الدليل منعه فإنه إنكار بعد إقرار لأنه كجملة واحدة لما مر أنه إسناد بعد إخراج فليس فيه حكمان مختلفان.
قالوا: ثانيًا: لو قال عشرة إلا تسعة دراهم ونصف وثلث درهم يعدّ مستقبحًا ركيكًا وما هو إلا لأنه استثناء الأكثر فدل على عدم جوازه.
الجواب: أن استقباحه لا يستلزم عدم صحته، كما لو قال: على عشرة إلا دانقًا ودانقًا إلى أن عدّ عشرين دانقًا والمجموع ثلث العشرة فإنه يستقبح ويقال كان الواجب أن يقول إلا عشرين دانقًا ومع ذلك فإن العبارة صحيحة، ويسقط عنه عشرون دانقًا اتفاقًا، وإنما قبح لتطويل يعسر ضبطه مع إمكان الاختصار السهل ضبطه.
فلا.
قوله: (المساوى للباقى) يعنى أن المفهوم من الكلام هو اعتبار نسبة المساواة والأكثرية إلى الباقى بعد الاستثناء لا إلى النصف على ما ذكره العلامة وإن كانا متلازمين بحسب الصدق.
قوله: (دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي. .﴾ [الحجر: ٤٢] الآية) المشهور فى الاستدلال أن الآية مع قوله تعالى حكاية: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، تفيده وإلا لزم أن كلًا من الغاوين وغير الغاوين أقل من الآخر وتقريراهما إن تساويا ثبت استثناء المساوى وإن تفاوتا ثبت استثناء الأكثر والأقرب إلى التحقيق ما ذكره المحقق وقد افتقر أولًا إلى إثبات كون من فى الغاوين للتناول دون التبعيض ليكون المستثنى جميع الغاوين على ما أشار إليه المصنِّفُ بقوله: والغاوون أكثر وإلا فلا حاجة إلى التعرض له ويكفيه إثبات كون المتقين أكثر وهو ظاهر وثانيًا إلى إثبات كون الغاوين أكثر من غيرهم ليتحقق استثناء الأكثر فيلزم صحة استثناء المساوى ووجهه أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، معناه الحكم على أكثر الناس بعدم الإيمان على أنها موجبة معدولة المحمول أو سالبة المحمول إذ لو أريد سلب الحكم بإيمان الأكثر بحيث يحتمل التساوى لم يكن لذكر الأكثر فائدة.
стр. 1403
قوله: ("كلكم جائع إلا من أطعمته") من كلام النبى ﷺ حكاية عن رب العزة فيقوم حجة ولم يتنبه الشارح بل جمهور الشارحين لذلك حتى زعم بعضهم أن هذا دعوى الضرورة فى محل النزاع واعلم أن الاستدلال بالآية والحديث لا يتم على من يفرق بين العدد الصريح وغيره فاحتج عليهم بالإجماع ومساق كلام الشارح أنه إجماع الكل من غير مخالف لا إجماع الأكثر على ما صرح به فى المنتهى وقرره العلامة ههنا.
قوله: (فليس فيه) أى فى الاستثناء حكمان مختلفان فى حق المستثنى بأن يثبت ثم ينفى على ما زعم الخصم بل فيه حكم بالإثبات فى حق الباقى وبالنفى فى حق المستثنى فعلى هذا لو جعلنا ضمير فيه للمستثنى لكان أظهر، قال فى المتن: ولو سلم فالدليل متبع، أى لو سلم أن الدليل منع الاستثناء وأنه إنكار بعد إقرار لكن ما ذكرنا من الوجوه دليل على جواز استثناء الأكثر فيجب اتباعه وإن كان خلاف الظاهر.
قوله: (والمجموع ثلث العشرة) لأن عشرة دنانير ستون دانقًا فهذا مستقبح مع كون المستثنى أقل من الباقى.
стр. 1404
قال: (مسألة: الاستثناء بعد جمل بالواو قالت الشافعية للجميع والحنفية للأخيرة، والقاضى والغزالى بالوقف، والشريف بالاشتراك أبو الحسين إن تبين الإضراب عن الأولى فللأخيرة، مثل أن يختلفا نوعًا أو اسمًا وليس الثانى ضميره، أو حكمًا غير مشتركين فى غرض وإلا فللجميع والمختار إن ظهر الانقطاع فللأخيرة، والاتصال فللجميع وإلا فالوقف).
أقول: إذا تعاقبت جمل عطف بعضها على بعض بالواو ثم ورد بعدها استثناء فيمكن أن يرد إلى الجميع وإلى الأخيرة خاصة، ولا نزاع فيه إنما الخلاف فى الظهور، فقال الشافعى: ظاهر فى رجوعه إلى الجميع -أى: كل واحد من الجمل- وقالت الحنفية: إلى الجملة الأخيرة، وقال القاضى والغزالى وغيرهما: بالوقف، بمعنى أنه لا ندرى أنه حقيقة فى أيهما، وقال المرتضى: إنه مشترك بينهما فيتوقف إلى ظهور القرينة، وهذان موافقان للحنفية فى الحكم وإن خالفا فى المأخذ لأنه يرجع إلى الأخيرة، فيثبت حكمه فيها، ولا يثبت فى غيرها كالحنفية، لكن هؤلاء لعدم ظهور تناولها، والحنفية لظهور عدم تناولها، وقال أبو الحسين البصرى: إن تبين استقلال الثانية عن الأولى بالإضراب عن الأولى فللأخيرة وإلا فللجميع وظهور الإضراب بأن يختلفا نوعًا أو اسمًا مع أنه ليس فيهما الاسم الثانى ضمير الاسم الأول أو يختلفا حكمًا مع أن الجملتين فى الأقسام الثلاثة غير مشتركتين فى غرض:
الأول: أن يختلفا نوعًا مثل أكرم بنى تميم والنحاة هم العراقيون إلا زيد فإن أحدهما أمر والآخر خبر.
الثانى: أن يختلفا اسمًا لا حكمًا، أكرم بنى تميم وربيعة إلا زيدًا.
الثالث: أن يختلفا حكمًا لا اسمًا، أكرم بنى تميم واستأجر بنى تميم إلا زيدًا.
الرابع: أن يختلفا اسمًا وحكمًا، أكرم بنى تميم واستأجر ربيعة إلا زيدًا وعدم ظهور الإضراب بوجهين:
أحدهما: أن يكون الاسم الثانى ضمير الأول اتحدا نوعًا وحكمًا أو اختلفا فيهما أو فى أحدهما، نحو أكرم بنى تميم واستأجرهم أو أكرم بنى تميم وهم طوال.
ثانيهما: أن يشتركا فى غرض نحو: أكرم بنى تميم واخلع عليهم أو هم مقربون
стр. 1405
فإن الغرض هو التعظيم فيهما، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، اختلفت حكمًا ونوعًا، والثانى ضمير الأول والغرض واحد وهو الإهانة والانتقام، والمختار أنه إن ظهر الانقطاع للأخيرة عما قبلها بأمارة فللأخيرة وإن ظهر الاتصال فللجميع وإن لم يظهر أحدهما وجب الوقف، ومرجع هذا المذهب إلى الوقف لأن القائل به إنما يقول به عند عدم القرينة ووجه ما اختاره ظاهر فلم يذكره وهو أن الاتصال يجعلها كالواحدة والانفصال يجعلها كالأجانب والإشكال يوجب الشك.
قوله: (عطف بعضها على بعض بالواو) التقييد بالواو عبارة الإمام والآمدى وغيرهما والإطلاق عبارة الإمام الرازى والتعميم فى الواو وأو وغيرهما عبارة القاضى أبى بكر.
قوله: (وهذان) يعنى مذهبه ومذهب الاشتراك موافقان لمذهب الحنفية فى الحكم وهو أنه إنما يفيد الإخراج من مضمون الجملة الأخيرة دون غيرها لكن عندهما لعدم الدليل فى الغير وعندهم لدليل العلم وهذا معنى اختلاف المآخذ.
قوله: (بأن يختلفا نوعًا) أى من جهة الخبرية والإنشائية وكونهما أمرًا ونهيًا ونحو ذلك أو اسمًا بأن يكون الاسم الذى يصلح مستثنى منه فى إحداهما غير الذى فى الأخرى، أو حكمًا بأن يكون مضمون هذه حكمًا مخالفًا لمضمون الأخرى وهذا الاختلاف نوعًا يستلزم الاختلاف حكمًا فيه تردد إذ لم يصرحوا بأن الحكم فى مثل أكرم بنى تميم وبنو تميم مكرمون متحد أو مختلف وضمير منهما للقسمين أعنى المختلفين نوعًا والمختلفين اسمًا والأقسام الثلاثة إشارة إلى المختلفين نوعًا واسمًا وحكمًا وإنما أورد أربعة أمثلة مع أن ظاهر الكلام أن الأقسام ثلاثة لأن القسمة تقتضى قسمًا رابعًا، وهو المختلفان اسمًا وحكمًا معًا لأن كلًا من الاختلاف اسمًا وحكمًا أعم من أن يكون وحده أو مع الآخر ولا يخفى أن مثله جار فى الاختلاف نوعًا مثل أكرم بنى تميم والنحاة هم العراقيون وجعلوا مثالًا للاختلاف نوعًا لكن فيه اختلاف اسمًا وحكمًا أيضًا والمقال الصحيح للاختلاف نوعًا فقط أكرم بنى تميم وبنو تميم مكرمون إن لم يجعل مثله مختلفًا حكمًا وإلا فلا يتصور الاختلاف نوعًا بدون الاختلاف حكمًا وأما مثل أكرم بنى تميم وربيعة فظاهره من