Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
قال: (مسألة: الاستثناء المستغرق باطل باتفاق، والأكثر على جواز المساوى والأكثر، وقالت الحنابلة والقاضى بمنعهما، وقال بعضهم والقاضى أيضًا بمنعه فى الأكثر خاصة وقيل إن كان العدد صريحًا. لنا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، والغاوون أكثر بدليل: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣]، فالمساوى أولى وأيضًا: "كلكم جائع إلا من أطعمته. . " وأيضًا فإن فقهاء الأمصار على أنه لو قال: علىّ عشرة إلا تسعة لم يلزمه إلا درهم، ولولا ظهوره لما اتفقوا عليه، عادة الأقل مقتضى الدليل منعه إلخ، وأجيب بالمنع لأن الإسناد بعد الإخراج ولو سلم فالدليل متبع قالوا على عشرة لا تسعة ونصف وثلث درهم ركيك مستقبح، وأجيب بأن استقباحه لا يمنع صحته كعشرة إلا دانقًا ودانقًا إلى عشرين).
أقول: الاستثناء المستغرق سواء كان مثل المستثنى منه أو أكثر باطل بالاتفاق، والأكثر على جواز المساوى للباقى بعد الاستثناء، أعنى نصف المستثنى منه، حتى يبقى النصف وعلى جواز الأكثر حتى يبقى أقل من النصف، وقالت الحنابلة والقاضى بمنعهما فيجب أن يبقى أكثر من النصف وقيل بمنعهما إذا كان العدد صريحًا فيجوز عشرة إلا أربعة ولا يجوز عشرة إلا خمسة أو ستة بخلاف ما لم يكن صريحًا فيجوز: أكرم بنى تميم إلا الجهال، وهم ألف والعالم فيهم واحد لنا أنه وقع فى القرآن استثناء الأكثر دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، ومن ههنا بيانية لأن الغاوين كلهم متبعوه فاستثنى الغاوين وهم أكثر من غيرهم، بدليل قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، دل على أن الأكثر ليس بمؤمن، وكل من ليس بمؤمن غاوٍ ينتج الأكثر غاوٍ، وإذا ثبت جواز استثناء الأكثر ثبت جواز استثناء المساوى بالطريق الأولى لأنه أقرب، ولنا أيضًا لو قال: "كلكم جائع إلا من أطعمته" وأطعم الأكثر صح قطعًا ولنا أيضًا أن فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه لو قال: على عشرة إلا تسعة لم يلزم إلا واحد ولولا أن استثناء الأكثر ظاهر فى وضع اللغة فى بقاء الأقل لامتنع الاتفاق عليه عادة ولصار قوم ولو قليلًا إلى أنه يلزمه العشرة لكون الاستثناء لغوًا لأنه غير صحيح كما فى المستغرق.
المشترطون لكونه أقل قالوا: أولًا: الدليل منع الاستثناء لأنه إنكار بعد إقرار
стр. 1402
خالفناه فى الأقل لأنه قد ينسى فبقى معمولًا به فى غيره.
الجواب: لا نسلم أن الدليل منعه فإنه إنكار بعد إقرار لأنه كجملة واحدة لما مر أنه إسناد بعد إخراج فليس فيه حكمان مختلفان.
قالوا: ثانيًا: لو قال عشرة إلا تسعة دراهم ونصف وثلث درهم يعدّ مستقبحًا ركيكًا وما هو إلا لأنه استثناء الأكثر فدل على عدم جوازه.
الجواب: أن استقباحه لا يستلزم عدم صحته، كما لو قال: على عشرة إلا دانقًا ودانقًا إلى أن عدّ عشرين دانقًا والمجموع ثلث العشرة فإنه يستقبح ويقال كان الواجب أن يقول إلا عشرين دانقًا ومع ذلك فإن العبارة صحيحة، ويسقط عنه عشرون دانقًا اتفاقًا، وإنما قبح لتطويل يعسر ضبطه مع إمكان الاختصار السهل ضبطه.
فلا.
قوله: (المساوى للباقى) يعنى أن المفهوم من الكلام هو اعتبار نسبة المساواة والأكثرية إلى الباقى بعد الاستثناء لا إلى النصف على ما ذكره العلامة وإن كانا متلازمين بحسب الصدق.
قوله: (دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي. .﴾ [الحجر: ٤٢] الآية) المشهور فى الاستدلال أن الآية مع قوله تعالى حكاية: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]، تفيده وإلا لزم أن كلًا من الغاوين وغير الغاوين أقل من الآخر وتقريراهما إن تساويا ثبت استثناء المساوى وإن تفاوتا ثبت استثناء الأكثر والأقرب إلى التحقيق ما ذكره المحقق وقد افتقر أولًا إلى إثبات كون من فى الغاوين للتناول دون التبعيض ليكون المستثنى جميع الغاوين على ما أشار إليه المصنِّفُ بقوله: والغاوون أكثر وإلا فلا حاجة إلى التعرض له ويكفيه إثبات كون المتقين أكثر وهو ظاهر وثانيًا إلى إثبات كون الغاوين أكثر من غيرهم ليتحقق استثناء الأكثر فيلزم صحة استثناء المساوى ووجهه أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، معناه الحكم على أكثر الناس بعدم الإيمان على أنها موجبة معدولة المحمول أو سالبة المحمول إذ لو أريد سلب الحكم بإيمان الأكثر بحيث يحتمل التساوى لم يكن لذكر الأكثر فائدة.
стр. 1403
قوله: ("كلكم جائع إلا من أطعمته") من كلام النبى ﷺ حكاية عن رب العزة فيقوم حجة ولم يتنبه الشارح بل جمهور الشارحين لذلك حتى زعم بعضهم أن هذا دعوى الضرورة فى محل النزاع واعلم أن الاستدلال بالآية والحديث لا يتم على من يفرق بين العدد الصريح وغيره فاحتج عليهم بالإجماع ومساق كلام الشارح أنه إجماع الكل من غير مخالف لا إجماع الأكثر على ما صرح به فى المنتهى وقرره العلامة ههنا.
قوله: (فليس فيه) أى فى الاستثناء حكمان مختلفان فى حق المستثنى بأن يثبت ثم ينفى على ما زعم الخصم بل فيه حكم بالإثبات فى حق الباقى وبالنفى فى حق المستثنى فعلى هذا لو جعلنا ضمير فيه للمستثنى لكان أظهر، قال فى المتن: ولو سلم فالدليل متبع، أى لو سلم أن الدليل منع الاستثناء وأنه إنكار بعد إقرار لكن ما ذكرنا من الوجوه دليل على جواز استثناء الأكثر فيجب اتباعه وإن كان خلاف الظاهر.
قوله: (والمجموع ثلث العشرة) لأن عشرة دنانير ستون دانقًا فهذا مستقبح مع كون المستثنى أقل من الباقى.
стр. 1404
قال: (مسألة: الاستثناء بعد جمل بالواو قالت الشافعية للجميع والحنفية للأخيرة، والقاضى والغزالى بالوقف، والشريف بالاشتراك أبو الحسين إن تبين الإضراب عن الأولى فللأخيرة، مثل أن يختلفا نوعًا أو اسمًا وليس الثانى ضميره، أو حكمًا غير مشتركين فى غرض وإلا فللجميع والمختار إن ظهر الانقطاع فللأخيرة، والاتصال فللجميع وإلا فالوقف).
أقول: إذا تعاقبت جمل عطف بعضها على بعض بالواو ثم ورد بعدها استثناء فيمكن أن يرد إلى الجميع وإلى الأخيرة خاصة، ولا نزاع فيه إنما الخلاف فى الظهور، فقال الشافعى: ظاهر فى رجوعه إلى الجميع -أى: كل واحد من الجمل- وقالت الحنفية: إلى الجملة الأخيرة، وقال القاضى والغزالى وغيرهما: بالوقف، بمعنى أنه لا ندرى أنه حقيقة فى أيهما، وقال المرتضى: إنه مشترك بينهما فيتوقف إلى ظهور القرينة، وهذان موافقان للحنفية فى الحكم وإن خالفا فى المأخذ لأنه يرجع إلى الأخيرة، فيثبت حكمه فيها، ولا يثبت فى غيرها كالحنفية، لكن هؤلاء لعدم ظهور تناولها، والحنفية لظهور عدم تناولها، وقال أبو الحسين البصرى: إن تبين استقلال الثانية عن الأولى بالإضراب عن الأولى فللأخيرة وإلا فللجميع وظهور الإضراب بأن يختلفا نوعًا أو اسمًا مع أنه ليس فيهما الاسم الثانى ضمير الاسم الأول أو يختلفا حكمًا مع أن الجملتين فى الأقسام الثلاثة غير مشتركتين فى غرض:
الأول: أن يختلفا نوعًا مثل أكرم بنى تميم والنحاة هم العراقيون إلا زيد فإن أحدهما أمر والآخر خبر.
الثانى: أن يختلفا اسمًا لا حكمًا، أكرم بنى تميم وربيعة إلا زيدًا.
الثالث: أن يختلفا حكمًا لا اسمًا، أكرم بنى تميم واستأجر بنى تميم إلا زيدًا.
الرابع: أن يختلفا اسمًا وحكمًا، أكرم بنى تميم واستأجر ربيعة إلا زيدًا وعدم ظهور الإضراب بوجهين:
أحدهما: أن يكون الاسم الثانى ضمير الأول اتحدا نوعًا وحكمًا أو اختلفا فيهما أو فى أحدهما، نحو أكرم بنى تميم واستأجرهم أو أكرم بنى تميم وهم طوال.
ثانيهما: أن يشتركا فى غرض نحو: أكرم بنى تميم واخلع عليهم أو هم مقربون
стр. 1405
فإن الغرض هو التعظيم فيهما، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، اختلفت حكمًا ونوعًا، والثانى ضمير الأول والغرض واحد وهو الإهانة والانتقام، والمختار أنه إن ظهر الانقطاع للأخيرة عما قبلها بأمارة فللأخيرة وإن ظهر الاتصال فللجميع وإن لم يظهر أحدهما وجب الوقف، ومرجع هذا المذهب إلى الوقف لأن القائل به إنما يقول به عند عدم القرينة ووجه ما اختاره ظاهر فلم يذكره وهو أن الاتصال يجعلها كالواحدة والانفصال يجعلها كالأجانب والإشكال يوجب الشك.
قوله: (عطف بعضها على بعض بالواو) التقييد بالواو عبارة الإمام والآمدى وغيرهما والإطلاق عبارة الإمام الرازى والتعميم فى الواو وأو وغيرهما عبارة القاضى أبى بكر.
قوله: (وهذان) يعنى مذهبه ومذهب الاشتراك موافقان لمذهب الحنفية فى الحكم وهو أنه إنما يفيد الإخراج من مضمون الجملة الأخيرة دون غيرها لكن عندهما لعدم الدليل فى الغير وعندهم لدليل العلم وهذا معنى اختلاف المآخذ.
قوله: (بأن يختلفا نوعًا) أى من جهة الخبرية والإنشائية وكونهما أمرًا ونهيًا ونحو ذلك أو اسمًا بأن يكون الاسم الذى يصلح مستثنى منه فى إحداهما غير الذى فى الأخرى، أو حكمًا بأن يكون مضمون هذه حكمًا مخالفًا لمضمون الأخرى وهذا الاختلاف نوعًا يستلزم الاختلاف حكمًا فيه تردد إذ لم يصرحوا بأن الحكم فى مثل أكرم بنى تميم وبنو تميم مكرمون متحد أو مختلف وضمير منهما للقسمين أعنى المختلفين نوعًا والمختلفين اسمًا والأقسام الثلاثة إشارة إلى المختلفين نوعًا واسمًا وحكمًا وإنما أورد أربعة أمثلة مع أن ظاهر الكلام أن الأقسام ثلاثة لأن القسمة تقتضى قسمًا رابعًا، وهو المختلفان اسمًا وحكمًا معًا لأن كلًا من الاختلاف اسمًا وحكمًا أعم من أن يكون وحده أو مع الآخر ولا يخفى أن مثله جار فى الاختلاف نوعًا مثل أكرم بنى تميم والنحاة هم العراقيون وجعلوا مثالًا للاختلاف نوعًا لكن فيه اختلاف اسمًا وحكمًا أيضًا والمقال الصحيح للاختلاف نوعًا فقط أكرم بنى تميم وبنو تميم مكرمون إن لم يجعل مثله مختلفًا حكمًا وإلا فلا يتصور الاختلاف نوعًا بدون الاختلاف حكمًا وأما مثل أكرم بنى تميم وربيعة فظاهره من
стр. 1406
عطف المفرد لكن المراد وأكرم ربيعة فلا اختلاف إلا فى الاسم المستثنى منه وأما ما لا يظهر فيه الإعراب فالوجه الأدل منه على ظاهر عبارة الكتاب أربعة أقسام: المتحدتان فى النوع والحكم المختلفتان فيهما المختلفتان فى النوع المختلفتان فى الحكم واقتصر على مثالين أحدهما للاختلاف فى الحكم وهو أكرم بنى تميم واستأجرهم والثانى للاختلاف فى النوع والحكم وهو أكرم بنى تميم وهم طوال فإن الأولى أمر والحكم هو الإكرام والثانية إضمار والحكم هو الطول ولا يتصور الاتحاد نوعًا وحكمًا إلا فى مثل أكرم بنى تميم وأكرمهم وقد يمثل بمثل أكرم بنى تميم وأكرم ربيعة وليس بمستقيم لأن الاسم الثانى ضمير الأول ومثال الاختلاف فى النوع فقط أكرم بنى تميم وهم مكرمون والوجه الثانى منه قد ذكر له مثالين أحدهما للاختلاف حكمًا فقط وهو أكرم بنى تميم واخلع عليهم، والثانى النوع والحكم نحو أكرم بنى تميم وهم معربون والشارح المحقق قد اقتفى فى بيان هذه الأقسام والأمثلة أثر الآمدى وللمرح العلامة ههنا زيادة تفصيل واستيفاء للأقسام. قوله: (والإشكال يوجب الشك) أى إذا أشكل الحال والتبس الانقطاع والاتصال حصل الشك فوجب التوقف.
المصنف: (قالت الشافعية للجميع) وكذا قال مالك وأحمد وقوله: أبو الحسين إن تبين. . . إلخ. فى التحرير أنه لا يزيد على قول الشافعى إلا بتفصيل القرينة.
الشارح: (مع أنه ليس فيهما) يظهر من كلام الشارح الآتى أن هذا القيد راجع أيضًا للاختلاف حكمًا.
قوله: (وإنما أورد أربعة) يظهر أن أقسام ظهور الإضراب سبعة لأن اختلاف النوع تحته ثلاثة وكذا اختلاف الاسم واختلاف الحكم وبإسقاط المكرر يبقى سبعة.
قوله: (لأن الاسم الثانى ضمير الأول) الصواب ليس ضمير الأول.
стр. 1407
قال: (الشافعية: العطف يصير المتعدد كالمفرد، وأجيب بأن ذلك فى المفردات، قالوا: لو قال واللَّه لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء اللَّه، عاد إلى الجميع وأجيب بأنه شرط فإن ألحق به فقياس وإن سلم فالفرق أن الشرط مقدر تقديمه وإن سلم فلقرينة الاتصال وهى اليمين على الجميع، قالوا: لو كرر لكان مستهجنًا قلنا عند قرينة الاتصال كان سلم فللطول مع إمكان إلا كذا فى الجميع، قالوا: صالح فالبعض تحكم كالعام قلنا صلاحيته لا توجب ظهوره فيه كالجمع المنكر، قالوا: لو قال على خمسة وخمسة إلا ستة كان للجميع قلنا مفردات وأيضًا للاستقامة).
أقول: الشافعية وهم القائلون بعوده إلى الجميع قالوا: أولًا: العطف يصير المتعدد كالمفرد فلا فرق بين قولنا اضرب الذين قتلوا وسرقوا وزنوا إلا من تاب وبين، قولنا اضرب الذين هم قتلة وسراق وزناة، إلا من تاب ولا شك أنه لا يعود من المفرد إلى جزء فكذا فى الجمل المعطوفة.
الجواب: أن ذلك فى المفردات، وأما فى الجمل فممنوع فإن قولك ضرب بنو تميم وقتل مضر وبكر شجعان، ليست كالمفرد قطعًا.
قالوا: ثانيًا: لو قال واللَّه لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء اللَّه تعالى عاد إلى الجميع اتفاقًا.
الجواب: أنه شرط لا استثناء وهو غير محل النزاع فإن قال وإذا كان الشرط للجميع فكذا الاستثناء لأنه تخصيص متصل مثله، قلنا هذا قياس فى اللغة وقد أبطلناه ولو سلم فالفرق أن الشرط وإن تأخر لفظًا فهو مقدم تقديرًا، ولو سلم فهذا إنما يرجع إلى الجميع للقرينة الدالة على اتصال الجمل وهو اليمين عليها، وذلك مما نقول به إنما الكلام فيما لا قرينة فيها وفى الظهور حينئذ، وقد يقال على الثانى أن الشرط مقدر تقديمه على ما يرجع إليه فلو كان للأخيرة قدم عليها فقط دون الجميع فلا يصلح فارقًا.
قالوا: ثالثًا: لو كرر الاستثناء فى كل جملة قبل الأخرى فقال: اضرب من سرق إلا زيدًا، ومن زنى إلا زيدًا، وكمن قتل إلا زيدًا عدّ مستهجنًا، ولولا أن المذكور بعدها يعود إلى الجميع وكان مغنيًا عن التكرار لما استهجن لتعينه طريقًا، قلنا إنما يستهجن عند قرينة الاتصال خاصة، أما عند عدمها فلا لتعينها طريقًا، سلمنا ذلك لكن إنما يستهجن لما فيه من الطول مع إمكان عدمه بأن يقول بعد
стр. 1408
الجمل إلا كذا فى الجميع فيصرح بعوده إلى الجميع.
قالوا: رابعًا: هو صالح للجميع فالقول بالعود إلى البعض تحكم فيعود إلى الكل.
الجواب: إن صلاحيته للجميع لا توجب ظهوره فيه كالجمع المنكر فإنه صالح للجميع وليس بظاهر فيه ولا فى شئ مما يصلح له من مراتب الجمع.
قالوا: خامسًا: لو قال على خمسة وخمسة إلا ستة لكان للجميع اتفاقًا، فكذا فى غيره من الصور دفعًا للاشتراك والمجاز.
الجواب: أولًا أنه غير محل النزاع لأن كلامنا فى الجمل وهذه مفردات، وثانيًا: أنه إنما يرجع إلى الجميع ليستقيم إذ لو رجع إلى الأخيرة لم يستقم، وثالثًا: أن مدعاكم الرجوع إلى كل واحد لا إلى الجميع والحق أن النزاع فيما يصلح للجميع وللأخيرة وهذا ليس منه.
قوله: (العطف يصير المتعدد كالمفرد) ناظر إلى ما يقال أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فإن قيل التوضيح بالمقال المذكور ليس بشئ إذ ليس فيه جعل الأمور المتعددة المتعاطفة بمنزلة مفرد بل جعل كل مع الجمل بمنزلة مفرد قلنا المراد أن تعاطف المفردات الواقعة موقع الخبر للمبتدأ جعلها بمنزلة اسم واحد حتى عاد الاستثناء إلى الكل اتفاقًا فكذلك تعاطف الجمل بجعلها بمنزلة جملة فيعود الاستثناء إلى الكل والجواب أن ذلك فى المفردات أو ما هو فى حكمها من الجملة التى لها محل من الإعراب أو التى وقعت صلة للموصول أو نحو ذلك مما يوجب الاتصال والارتباط وقد تقرر الجواب بالفرق بين المفرد وما هو كالمفرد فإن أريد الإلحاق به احتيج إلى جامع مع أنه قياس فى اللغة والاستثناء فى المثال المذكور إنما يعود إلى الكل ككون الجمل فى حكم المفرد لعطفها على الصلة.
قوله: (ولو سلم) فهذا يرجع إلى قوله: (إنه شرط لا استثناء) أى لو سلم أنه استثناء صرح بذلك فى المنتهى فحينئذٍ يكون جوابًا ثانيًا عن أصل الاستدلال ويحتمل أن يراد لو سلم عدم الفرق أو عدم تقدم الشرط فيكون جوابًا ثالثًا عن السؤال المذكور.
стр. 1409
قوله: (وفى الظهور) أى ظهور الرجوع إلى الجميع عند عدم قرينة الاتصال والانفصال.
قوله: (وقد يقال على الثانى) أى الجواب الثانى عن السؤال وهذا الفرق بأن الشرط مقدم تقديرًا.
قوله: (لتعينه طريقًا) أى لو سلم بعد إلى الجميع لكان التكرار عند قصد الرجوع إلى الجميع طريقًا متعينًا لاهداء المقصود فلزم أن لا يستقبح وقوله لتعينها طريقًا بتأنيث الضمير يفتقر إلى تأويل.
قوله: (لا يوجب ظهوره فيه) هذا إن استدل بمجرد صلاحيته للجميع وإن ضم إليه بعد العود إلى البعض للتحكم أجيب بمنع التحكم، فإن القرب مرجح.
المصنف: (العطف يصير المتعدد كالفرد) أى العطف يصير المتعدد سواء كانت جملا أو مفردات كالفرد أى الأمر الواحد فكما أن المفردات المتعاطفة بعضها على بعض فى قولك اضرب الذين هم قتلة وسراق وزناة إلا من تاب فى حكم الأمر الواحد ويعود الاستثناء إلى الجميع كذلك الجمل المتعاطفة فى قولك قتل هؤلاء الجماعة وسرقوا وزنوا إلا زيدا فى حكم الأمر الواحد فيعود الاستثناء إلى الجميع، هذا ويحتمل أن لِكون معنى كلام المصنف أن العطف فى المفردات يصيرها كالفرد الواحد فيقاس عليه عطف الجمل.
المصنف: (وأجيب بأن ذلك فى المفردات. . . إلخ) يحتمل أن يكون محصل الجواب أن ما ذكر من أن العطف يصير المتعدد كالواحد ليس على إطلاقه بل ذلك فى المفردات فقط وهو المناسب للحل الأول فى معنى قول المصنف العطف يصير المتعدد كالمفرد ويحتمل أن يكون حاصل الجواب أن قياس الجمل على المفردات قياس مع الفارق مع أنه قياس فى اللغة وهو المناسب للحل الثانى فى معنى قول المصنف المذكور وسيشير إلى ذلك المحشى فقوله ناظر إلى أن العطف. . . إلخ. وقوله قلنا المراد. . . إلخ. يناسب الحل الأول وقوله وقد يقرر الجواب. . . إلخ. يناسب الثانى.
المصنف: (وإن سلم فلقرينة الاتصال) أى والكلام عند عدم قرينة الاتصال التى تجعل الجمل كجملة واحدة.
стр. 1410
المصنف: (لو كرر لكان مستهجنًا) فلو كان لا يرجع الاستثناء إلى كل واحدة عند تأخيره ولا بد إذا أريد رجوعه إلى كل واحدة من ذكره عند كل واحدة لم يكن مستهجنًا لتعينه طريقًا.
المصنف: (قلنا عند قرينة الاتصال) أى الاستهجان عند ذلك لأن الجمل حينئذ كالجملة الواحدة بخلاف ما إذا لم توجد قرينة الاتصال فلا استهجان والكلام عند عدم القرينة.
المصنف: (وإن سلم) أى الاستهجان عند عدم قرينة الاتصال فليس لأن الاستثناء عند التأخر يعود إلى الجميع ويغنى عن ذكره عقب كل جملة بل للتطويل مع إمكان الاختصار والإتيان بإلا كذا فى الجميع.
الشارح: (إلى كل واحد لا إلى الجميع) أى المجموع.
الشارح: (فيما يصلح للجميع) أى لكل واحد.
قوله: (فيرجع إلى قوله أنه شرط الاستثناء) أى قول الشارح ولو سلم فهذا. . . إلخ. يرجع لقوله أولًا أنه شرط الاستثناء.
قوله: (يفتقر إلى تأويل) يقال فى التاويل أنه أنث الضمير الراجع إلى رجوع الاستثناء مراعاة للخبر بحسب الأصل أعنى طريقًا أو أن المصدر الذى هو مرجع الضمير يذكر ويؤنث باعتبار أن مدلوله الحقيقة والماهية.
стр. 1411
قال: (المخصص آية القذف لم ترجع إلى الجلد اتفاقًا قلنا الدليل وهو حق الآدمى ولذلك عاد إلى غيره، قالوا: علىّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين للأخير قلنا أين العطف وأيضًا مفردات وأيضًا للتعذر فكان الأقرب أولى ولو تعذر تعين الأول مثل على عشرة إلا اثنين إلا اثنين، قالوا: الثانية حائلة كالسكوت، قلنا لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة، قالوا: حكم الأول يقين والرفع مشكوك، قلنا لا يقين مع الجواز للجميع، وأيضًا فالأخيرة كذلك للجواز بدليل: قالوا: إنما يرجع لعدم استقلاله فيتقيد بالأول وما يليه هو التحقق. قلنا يجوز أن يكون وضعه للجميع، كما لو قام دليل القائل بالاشتراك حسن الاستفهام، قلنا للجهل بحقيقته أو لرفع الاحتمال، قالوا: صح الإطلاق والأصل الحقيقة، قلنا: الأصل عدم الاشتراك).
أقول: القائلون بأن الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة مطلقًا قالوا: أولًا: لو رجع إلى الجميع لرجع قوله فى آية القذف: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]، إلى الجميع فكان يجب أن يسقط الجلد بالتوبة ولا يسقط اتفاقًا.
الجواب: لا يلزم من ظهوره للجميع العود إليه دائمًا بل قد يصرف عنه لدليل وههنا كذلك لأن الجلد حق الآدمى فلا يساقط بالتوبة إنما يسقط بإسقاط المستحق ولأجل أنه ظاهر فى العموم وقد خولف به فى الجلد لدليل عاد إلى غيره من رد الشهادة والتفسيق اتفاقًا، ولو اختص بالأخيرة لما كان كذلك.
قالوا: ثانيًا: لو قال على عشرة إلا أربعة إلا اثنين عاد إلا اثنين إلى الأخيرة، وهو الأربعة فيفيد استثناء الاثنين من الأربعة حتى يلزم ثمانية.
الجواب: أما أولًا أن الكلام فى المتعدد المعطوف بعضها على بعض بالواو فأين الواو هاهنا، وثانيًا: أن الكلام فى الجمل وهذه مفردات، وثالثها: أن هاهنا يتعذر عوده إلى الجميع وإلا لكان الاثنان مثبتًا منفيًا وكان لغوًا، إذ معه يلزم الستة كما يلزم دونه إذ لا فرق بين أن يستثنى منه أربعة وأن يستثنى منه أربعة إلا اثنين واثنان، وإذا تعذر الجمع تردد بين الأولى والأخيرة فجعله للأخيرة أولى لأنها أقرب وهم يعتمدون القرب فى غير موضع ولو تعذر عوده إلى الأخيرة تعين عوده إلى الأولى نحو على عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة فيكون اللازم خمسة.
قالوا: ثالثًا: الجملة الثانية حائلة بين الاستثناء وبين الأولى فكان مانعًا من تعلق الاستثناء به فكان كالسكوت.
стр. 1412
والجواب: منع كونها حائلة وإنما تكون حائلة لو لم يكن الجميع بمثابة جملة واحدة وأنه ممنوع.
قالوا: رابعًا: حكم الأولى بكمالها متيقن ورفعه برفع البعض بالاستثناء مشكوك فيه لجواز كونه للأخيرة فلا يعارضه.
الجواب: أولًا لا نسلم أن حكم الأولى متيقن إذ لا تيقن مع جواز كون الاستثناء للجميع وثانيًا فالأخيرة كذلك لأن حكمها ثابت باليقين والرفع مشكوك فيه لجواز رجوع الاستثناء إلى الأولى لدليل يدل عليه.
قالوا: خامسًا: إنما يرجع الاستثناء إلى ما قبله للضرورة وهو عدم استقلاله وما وجب للضرورة يقدر بقدرها ويكفى فى ذلك العود إلى جملة واحدة ثم الأخيرة هى المتحققة سواء عاد إليها فقط أو إلى الجميع فيحمل عليها دون ما لم يتحقق.
الجواب: لا نسلم أنه يرجع للضرورة بل عندنا إن وضعه للجميع فلا يتقيد بالأخيرة كما لو دل دليل على عوده إلى الجميع فإنه يعتبر إجماعًا ومع جواز وضعه للجميع لا يتم ما ذكرتم القائلون بأنه مشترك بين كونه للجميع والأخيرة.
قالوا: أولًا: حسن الاستفهام عند إطلاقه عنهما أيهما المراد وأنه دليل الاشتراك.
الجواب: لا نسلم أنه دليل الاشتراك لجواز أن يكون حسنه لعدم معرفة ما هو حقيقة فيه ولو سلم العلم به فلرفع الاحتمال لأنه ليس بنص فى أحدهما بل ظاهر مع قيام احتمال الآخر فيندفع بالتصريح.
قالوا: ثانيًا: صح إطلاقه للجميع والأخيرة، والأصل فى الإطلاق الحقيقة فكان حقيقة لهما ولزم الاشتراك.
الجواب: أن الأصل عدم الاشتراك وقد أن المجاز أولى منه.
قوله: (لو رجع إلى الجميع) مبنى الكلام على أنه إما راجع إلى الجميع أو إلى الأخيرة خاصة فإذا انتفى الأول تعين الثانى وإلا فمجرد امتناع الرجوع إلى الجميع لا يوجب الاختصاص بالأخيرة، ثم ههنا أبحاث: الأول: أن مبنى الكلام على أن ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، عطف على الأمر والنهى قبله، وقد ذكر فى أصول الحنفية أن ذلك ممتنع حاصله فيه طلبية من تمام الحد خوطب بها الحكام
стр. 1413
وهذه اسمية إخبارية لا تعلق لها بالحكام ولا بالحد الثانى أن دعوى الاتفاق على عوده إلى رد الشهادة ليس بمستقيم لأن التائب لا يصير مقبول الشهادة عند الحنفية بل هو عندهم عاد إلى التفسيق فقط الثالث أنه إذا تعلق بالأخيرة فلهم كلام فى أن المستثنى منه لفظ أولئك أو لفظ الفاسقون أو الضمير فى الفاسقون وبالجملة فى هذه الآية مباحث كثيرة تطلب من شرح التنقيح.
قوله: (وإلا لكان الاثنان مثبتًا) لأنه من الأربعة المنفية ومنفيًا لاستثنائه من العشرة المثبتة كما إذا قلت جاء القوم ولم يجئ العلماء إلا زيدًا وزعمت أن الاستثناء عائد إلى الجملتين.
قوله: (وهم يعتمدون القرب فى غير موضع) كإعمال الثانى فى باب التنازع وإعمال الباء فى ألقى بيده دون الفعل وعود ضمير ضربته إلى عمرو فى ضرب زيد عمرًا وضربته وتعين سلمى للفاعلية فى مثل ضربت سلمى سعدى وإبطال لام الابتداء عمل الفعل فى مثل ظننت لزيد قائم إلى غير ذلك.
قوله: (بل عندنا أن وضعه للجميع) لا يقال هذا محتمل فلا يدفع الظاهر الذى هو ثبوت حكم الأول لأنا نقول إنما ذكرنا ذلك على طريق السند لمنع كون الرجوع إلى الجميع ضروريًا ولم لا يجوز أن يكون ظاهرًا وحينئذٍ يمتنع ثبوت حكم الأول بل الظاهر عدم ثبوته وبهذا يندفع ما يقال على جواب الوجه الرابع أن الجملة الأولى المقتضية لحكمها ثابتة بيقين والاستثناء لا يدفعه بيقين فيثبت الحكم لوجود المقتضى وانتفاء المانع لأنا لا نسلم انتفاء المانع حينئذٍ بل وضع الاستثناء للرجوع إلى الجميع مانع متحقق وإنما لم يتعرض فى الأجوبة للنقض بالشرط حيث يعم الكل لأنه ربما يعرف بأنه متقدم تقديرًا فيصير متقدمًا على الكل.
المصنف: (وأيضًا للتعذر) أى لأن الاثنين تكون مثبتة منفية كما سيقول الشارح وهذا تناقض ورد بأن التناقض شرطه اتحاد الموضوع وهو مختلف هنا لأن الاثنين المثبتين هما الاثنان من الأربعة والمنفيان هما الاثنان من الستة، نعم فى ذلك لغو لأن المال الإقرار بستة فيكفى على عشرة الأربعة ولا حاجة للاستثناء الثانى أعنى الاثنين.
المصنف: (حكم الأول يقين) الأولى حكم الأولى ظاهر أى حكمها بتمامها.
стр. 1414
الشارح: (لرجع قوله فى آية القذف ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾) التلاوة ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥]، فلعله حكى بالمعنى.
قوله: (وقد ذكر فى أصول الحنفية أن ذلك ممتنع. . . إلخ) فيه أن المتنع إنما هو عطف الخبر على الإنشاء وعكسه فى الجمل التى لا محل لها من الإعراب وهنا لها محل من الإعراب لأن قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤]، وقع خبرًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، إلا أن هذا إنما يرد إذا جعل الذين يرمون مبتدأ أما إذا جعل مصوبًا بفعل محذوف فلا يرد.
قوله: (من تمام الحد خوطب بها الحكام) فيه إشارة إلى وجه آخر غير الإنشاء والخبر ولا يخفى أنه لا يصلح سببًا لمنع العطف.
قوله: (فلهم كلام. . . إلخ) حاصله أن بعضهم جعل الاستثناء منقطعًا لأن الذين تابوا لم يدخلوا فى حكم الصدر لو سكت عنهم لأنهم ليسوا بفاسقين إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يخفى أن هذا إنما يتم إذا لم يكن معنى هم الفاسقون الثبات على الفسق والدوام عليه بهالا فلا وجه للانقطاع وبعضهم جعله متصلا لأن المستثنى منه ليس الفاسقون بل أولئك أو ضمير الفاسقين ورد بأنه إذا أريد الفسق فى الجملة لم يصح إخراج التائبين منهم وقوله أو لفظ الفاسقون أى يكون الاستثناء لإخراج التائبين منهم فى الحكم الذى هو الحمل على أولئك القاذفين فإن الاستثناء كما يكون من المحكوم عليه يكون من غيره كما يقال كرام بلدتنا أغنياء إلا زيد يعنى أن زيدًا وإن كان غنيًا إلا أنه خارج عن الحمل على الكرام ويرد عليه أنه يلزم أن يكون التائبون من الفاسقين ولا يكونون من القاذفين والأمر بالعكس.
قوله: (أو لفظ الفاسقون) أى وهو مردود بأن "الفاسقون" ليس مستثنى منه بل هو الحكم.
قوله: (الذى هو ثبوت حكم الأول) أى جميعه فى الجملة الأولى.
قوله: (فيصير متقدمًا على الكل) أى لأنه لما زال عن موضعه كان هناك وجه لرجوعه إلى الكل.
стр. 1415
قال: (مسألة الاستثناء من الإثبات نفى وبالعكس خلافًا لأبى حنيفة لنا النقل وأيضًا لو لم يكن لم يكن لا إله إلا اللَّه توحيدًا).
أقول: الاستثناء من الإثبات نفى اتفاقًا وبالعكس أى الاستثناء من النفى إثبات خلافًا لأبى حنيفة رضى اللَّه عنه، لنا النقل من أهل العربية أنه كذلك وهو المعتمد فى إثبات مدلولات الألفاظ، ولنا أيضًا لو لم يكن كذلك لم يكن لا إله إلا اللَّه يتم به التوحيد واللازم باطل بالإجماع بيان الملازمة أنه إنما يتم بإثبات الإلهية للَّه تعالى ونفيها عما سواه والمفروض أنه لا يفيد الإثبات له وإنما يفيد النفى فقط فلو تكلم بها دهرى منكر لوجود الصانع وهى لا تفيد إلا نفى الغير لما نافى معتقده ولم يعلم بها إسلامه وهو المراد، واعلم أن الحنفية لا يفرقون بين النفى والإثبات من جهة الدلالة الوضعية ولا يرون شيحًا منهما يدل الاستثناء منه على المخالفة فيما يفيده من النسبة الخارجية بل فى النسبة النفسية فإن كان ذلك مدلول الجملة فالمخالفة فيها عدم الحكم النفسى وهم يقولون به فيهما، وإن كان مدلوله النسبة الخارجية فالاستثناء إعلام بعدم التعرض له والسكوت عنه من غير حكم بالمخالفة فيهما، نعم بين الإثبات والنفى فرق من جهة الحكم وذلك أن المسكوت عن إثبات الحكم يستلزم نفى الحكم بالبراءة الأصلية بخلاف السكوت عن النفى إذ لا مقتضى معه للإثبات فهم يحملون كلام أهل العربية على نفى الحكم النفسى وكلمة التوحيد على عرف الشارع.
قوله: (الاستثناء من الإثبات نفى) المشهور من كلام الشافعية أن هذا وفاق وإنما الخلاف فى كونه من النفى إثباتًا بل هو تكلم بالباقى بعد الثنيا ومعناه أنه أخرج المستثنى وحكم على الباقى من غير حكم على المستثنى ففى مثل على عشرة إلا ثلاثة لا تثبت الثلاثة بحكم البراءة الأصلية، وعدم الدلالة على الثبوت لا بسبب دلالة اللفظ على عدم الثبوت وفى مثل ليس على إلا سبعة لا يثبت شئ بحسب دلالة اللفظ لغة وإنما يثبت بحسب العرف وطريق الإشارة كما فى كلمة التوحيد حيث يحصل بها الإيمان من المشرك ومن القائل بنفى الصانع بحسب عرف الشرع ويؤوّلون كلام العربية أنه من الإثبات نفى بأنه مجاز تعبيرًا عن عدم الحكم بالحكم بالعدم لكونه لازمًا لكن إنكار دلالة ما قائم إلا زيد على ثبوت القيام لزيد يكاد
стр. 1416
يلحق بإنكار الضروريات وإجماع العربية على أنه من النفى إثبات لا يحتمل التأويل وحاول الشارح المحقق توفيقًا بين كلامهم وكلام أهل العربية مبنيًا على ما سبق من أن الخبر يدل على نسبة نفسية لها متعلق يعبر عنه بالنسبة الخارجية الواقعة فى نفس الأمر فإن اعتبرت دلالته على النسبة الخارجية فلا نفى ولا إثبات فى المستثنى أى لا دلالة فى اللفظ على أن للمستثنى حكمًا مخالفًا لحكم الصدر كان اعتبرت دلالته على النسبة النفسية ففى الاستثناء سواء كان من النفى أو من الإثبات دلالة على أن للمستثنى حكمًا مخالفا لحكم الصدر هو عدم الحكم النفسى الثابت فى الصدر فإن قيل كما أن المخالفة فى النسبة النفسية هى عدم الحكم النفسى فكذلك فى الخارجية هى عدم الحكم الخارجى وقد ذكر أن فى الاستثناء إعلامًا بعدم التعرض وهو يستلزم عدم الحكم ضرورة فيكون فيه دلالة على المخالفة، قلنا الإعلام بعد التعرض للشئ ليس إعلامًا بعدم ذلك الشئ وعدم التعرض إنما يستلزم عدم الحكم الذكرى أو النفسى لا الخارجى، واعلم أن ضمير منهما وفيهما للنفى والإثبات وضمير فيها للنسبة النفسية وضمير مدلوله للجملة بتأويل الكلام أو الخبر وضمير له وعنه للمدلول الذى هو النسبة الخارجية ومن الغلط الظاهر ما يفسر النسبة الخارجية بالنسبة اللسانية التى هى الذكر الحكمى، ثم ههنا بحث: وهو أن ما ذكر لا يتأتى فيما هو العمدة فى مأخذ الأحكام أعنى الإنشاء لعدم تقدم دلالته على النسبة الخارجية فيلزم أن لا يكون زيد فى مثل أكرم الناس إلا زيدًا فى حكم المسكوت عنه بل محكومًا عليه بعدم إيجاب إكرامه بلا خلاف.
قوله: (نعم بين الإثبات والنفى فرق من جهة الحكم) ليس على ما ينبغى لأن السكوت عن النفى قد يستلزم الإثبات بحكم الإباحة الأصلية، مثل: لا تجالس إلا رجلًا عالمًا فالحق أن السكوت عن المستثنى إبقاء له على ما كان عليه من الإثبات أو النفى من غير فرق.
قوله: (على نفى الحكم النفسى) شامل لكونه من الإثبات نفيًا ومن النفى إثباتًا أما الأول فظاهر، وأما الثانى فلأن الحكم النفسى فى الصدر إذا كان هو النفى ففيه إثبات ففى مثل ليس على إلا سبعة دلالة الحكم النفسى بعدم ثبوت السبعة.
المصنف: (الاستثناء من الإثبات نفى وبالعكس) لا يقال أن المصنف قد اختار أن
стр. 1417
الحكم فى الاستثناء بعد الإخراج فهو تكلم بالباقى بعد الثنيا ويلزم من ذلك أن قولك مثلًا قام الاتوم إلا زيدًا فى قوة قام غير زيد وهو ساكت عن حكم زيد بالإيجاب أو السلب فليس الاستثناء من النفى إثباتًا ومن الإثبات نفيًا لأنا نقول المراد أن الاستثناء تكلم صريحًا بالباقى بعد الثنيا وهذا لا ينافى تضمنه حكمًا مخالفًا لحكم الصدر فى المستثنى فقول المصنف بالحكمين فى الاستثناء لا ينافى اختياره أن الاستثناء بعد الإخراج.
قوله: (وإنما الخلاف فى كونه من النفى إثباتًا بل هو تكلم بالباقى بعد الثنيا) هكذا فى النسخ التى بأيدينا وفيها سقط بعد قوله إثباتًا والأصل وليس كذلك.
قوله: (بحسب عرف الشرع) رد بأن عرف الشرع حادث والكلام فى كلمة التوحيد فى أول الإسلام قبل حدوث العرف إلا أن يقال المخاطب أول الإسلام لم يكن دهريًا بل مشركًا فكان وجود اللَّه مسلمًا عندهم ثم صارت كلمة التوحيد حقيقة عرفية فيه فكانت مفيدة للتوحيد إذا قالها الدهرى.
قوله: (لكونه لازمًا) أى عدم الحكم لازم للحكم بالعدم وهذا إنما يظهر إذا كان المراد بعدم الحكم عدم الحكم الإيجابى فإنه لازم للحكم بالعدم أما إذا كان المراد به عدم الحكم رأسًا فلا يظهر كونه لازمًا للحكم بالعدم، وإذا كان المراد الأول كان قوله بعد لا يحتمل التأويل غير ظاهر لأن الحكم الإيجابى يلزمه عدم الحكم السلبى.
قوله: (من أن الخبر يدل على نسبة نفسية لها متعلق يعبر عنه بالنسبة الخارجية) لأنه موضوع للإعلام بما فى الضمير وقوله فإن اعتبرت دلالته على النسبة الخارجية أى من حيث أن لها متعلقًا يشعر الخبر بوقرعه وقوله فلا نفى ولا إثبات فى المستثنى أى لأنه لا يشعر بوقوع النسبة بين المستثنى وحكم الصدر فى الخارج فالكلام الخبرى الاستثنائى الإيجابى يدل على ثبوت النسبة الذهنية بين المستثنى منه وما نسب إليه يشعر بوقوع متعلق تلك النسبة فى الخارج ويدل أيضًا على انتفاء النسبة الذهنية بين المستثنى وما نسب إلى المستثنى منه لكن لا يشعر بوقوع متعلق تلك النسبة فى الخارج كما أشعر بوقوع متعلق النسبة الذهنية فى الخارج التى بين المستثنى منه وما نسب إليه وكذا الكلام الخبرى السلبى الاستثنائى فالاستثناء لا يدل على المخالفة فى الحكم الخارجى إذ لا دلالة له عليه لا إثباتًا ولا نفيًا ويدل على
стр. 1418
المخالفة فيهما فى الحكم الذهنى فإن كان من الإثبات دل الاستثناء على أن الحكم الذهنى الذى للمستثنى منه ليس للمستثنى لخروجه عما تعلق الحكم به، وإن كان من النفى دل على أن الحكم الذهنى الذى هو النفى ليس للمستثنى ونفيه إثبات فى الجملة لكن جعل هذا إثباتًا غير ظاهر.
قوله: (لا يتأتى فيما هو العمدة فى مأخذ الأحكام أعنى الإنشاء) حاصله أن الإنشاء إنما يدل على ثبوت النسبة الذهنية بين المستثنى منه وما نسب إليه ولا يشعر بوقوع متعلق تلك النسبة فى الخارج، ويدل أيضًا على انتفاء النسبة الذهنية بين المستثنى وما نسب إليه المستثنى منه ولا يشعر بوقوع المتعلق فى الخارج ومقتضى ذلك أن الاستثناء فيه من النفى إثبات باتفاق لوجود مخالفة المستثنى للمستثنى منه فيما اعتبر فى مدلوله وعدم انتفائها باعتبار أمر آخر مع أن الخلاف قالوه فى الجميع لا فرق بين الإنشاء والخبر.
стр. 1419
قال: (قالوا: لو كان للزم من لا علم إلا بحياة ولا صلاة إلا بطهور ثبوت العلم والصلاة بمجردهما قلنا ليس مخرجًا من العلم والصلاة فإن اختار تقدير لا صلاة إلا صلاة بطهور إطراد، وإن اختار لا صلاة تثبت بوجه إلا بذلك فلا يلزم من الشرط المشروط وإنما الإشكال فى المنفى الأعم فى مثله وفى مثل ما زيد إلا قائم إذ لا يستقيم نفى جميع الصفات المعتبرة أجيب بأمرين الأول: أن الغرض المبالغة بذلك، الثانى: أنه أكدها، والقول بأنه منقطع بعيد لأنه مفرغ وكل مفرغ متصل لأنه من تمامه).
أقول: الحنفية قالوا: لو كان الاستثناء من النفى للإثبات للزم من قولنا لا علم إلا بحياة ثبوت العلم بمجرد الحياة، ومن قولنا لا صلاة إلا بطهور ثبوت الصلاة بمجرد الطهور، وأنه باطل بالاتفاق.
الجواب: أن قولنا إلا بحياة وإلا بطهور، ليس إخراج الحياة من العلم والطهور من الصلاة فثبتا بثبوتهما، وذلك أنا لم نقل لا صلاة إلا الطهور ولا علم إلا الحياة، بل قلنا بحياة وبطهور فلا بد من تقدير متعلق هو المستثنى بالحقيقة وهو إما صلاة بطهور تستثنى من حاصلة خبر لـ "لا صلاة" فيكون التقدير لا صلاة حاصلة إلا صلاة بطهور، وأما وجه من الوجوه التى تقع عليها الصلاة تستثنى من تثبت بوجه خبرًا له، فيكون التقدير لا صلاة تثبت بوجه من الوجوه إلا باقترانها بالطهور، فإن اختار فى تقديره لا صلاة إلا صلاة بطهور فيطرد فإن كل صلاة بطهور صلاة حاصلة قطعًا، وإن اختار فى تقديره لا صلاة تثبت بوجه إلا بطهور فإنه إنما تثبت بهذا الوجه ولا تخلو عنه، كما تقول كتبت بالقلم فإنه لا يقتضى علية القلم باستقلاله للكتابة بل كونه آلة لا تحصل الكتابة إلا به فهذا تصريح بكون الطهور شرطًا للصلاة فكأنه قال لا وجه يعتبر فى ثبوتها إلا هذا ويلزم منه ثبوت كونه شرطًا وأنه حق لكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط لزومًا، كليًا يحصل بمجرده بل يحصل بحصوله فى الجملة والأمر كذلك، هاهنا فاندفع الإشكال من جهة الإثبات، وإنما الإشكال فى مثل هذا التركيب فى المنفى الأعم الذى يقتضيه الاستثناء المفرغ، وهو أن لا تكون الصلاة بلا طهور صلاة وأن لا تثبت بوجه غير هذا الوجه فيلزم نفى الصفات المعتبرة إذا حصلت مع الطهور وكذلك فى قولنا ما زيد إلا عالم فإنه يلزم أن لا يكون إنسانًا ولا حيًا ولا موجودًا
стр. 1420
ولا شيئًا إلى غير ذلك. والجواب عنه بأمرين: أحدهما: أن المراد المبالغة فى تحقق العلم لزيد كأن قائلًا قال ما زيد عالمًا فقال ما زيد إلا عالم نفيًا لما يتوهمه الخاطب من نفى العلم وثبوت الجهل له، والآخر: أن ذلك آكد صفاته فكان سائر الصفات بالنسبة إليه غير معتبرة والذى عليه أرباب المعانى أن المراد نفى ما يتوهمه المخاطب من الحكم وإثبات غيره فإذا قال لا صلاة إلا بطهور، فإنما يرد على من يظن أن الصلاة إذا استجمعت الشرائط صحت بدون الطهور فكان معناها أنها لا تصح بدون ذلك وتصح مع الطهور، وكذا فى ما زيد إلا عالم إنما يقوله ردًا لمن ظن أنه جاهل أو أكار أو غيره، هذا وقد قيل أنه استثناء منقطع إذ لم يدخل العلم فى الحياة والطهور فى الصلاة فلا إخراج حقيقة وقولهم هذا بعيد فإنه استثناء مفرغ وكل استثناء مفرغ متصل لأنه من تمام الكلام وإليه النسبة ولذلك لم يجز نصبه ويقدر بقدر الضرورة عام يناسبه ويتناوله كما قدرنا.
قوله: (الحنفية) لا خفاء فى أن مثل "لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولى"، ولا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالسياسة إنما يدل على أن المستثنى منه مشروط بالمذكور لا يتحقق بدونه، وأما أنه يتحقق معه فلا ولو كان الاستثناء من النفى إثباتًا للزم الثبوت معه البتة ولما كان الإشكال قويًا بالغ الشارح المحقق فى تحقيق الجواب وتوضيحه وحاصله أنه لا بد من تقدير أمر يتعلق به قولنا بطهور على أن يكون ظرفًا مستقرًا صفة له أى إلا صلاة بطهور أو ظرفًا لغوًا صلة له أى إلا باقترانها بطهور وذلك المتعلق هو المستثنى وأما المستثنى منه فعلى الأول مذكور هو النكرة المنفية وعلى الثانى محذوف هو بوجه من الوجوه والاستثناء مفرغ وقول الشارح أنه استثنى من حاصلة أو من تثبت معناه أن الحكم الذى أخرج منه المستثنى هو ذلك، فالخصم إن اختار التقدير الأول كان معنى الإثبات أن كل صلاة بطهور حاصلة ولا فساد فيه كان اختار الثانى كان معناه أن الاقتران بالطهور يعتبر فى ثبوت الصلاة البتة لأن معنى صدر الكلام أنه لا وجه يعتبر فى ثبوت الصلاة فلا معنى للإثبات فى المستثنى سوى أنه يعتبر وهو حق والاعتراض على الأول بأنه إن أريد الحصول الشرعى فلا اطراد إذ قد يوجد الطهور ولا يوجد غيره من الشرائط فلا يصح وإن أريد الحصول الحسى فلا معنى
стр. 1421
للاستثناء لأن كل صلاة فهى حاصلة قطعًا سواء كانت بطهور أو بغير طهور وإن أريد أن الصلاة بغير طهور ليست بصلاة حقيقة فكذا بدون سائر الشرائط وعلى الثانى أنه إذا كان التقدير لا صلاة تثبت بوجه إلا بهذا الوجه البتة ليكون إثباتًا وإلا يكون مترددًا بين النفى والإثبات ولا يفيده تحقق الثبوت فى لا وجه يعتبر فى الصلاة إلا الاقتران بالطهور لأنه كلام آخر ليس مدلول هذا الكلام ولا من لوازمه بل الجواب عن أهل الاستدلال أنا لا نسلم أن قولنا لا صلاة إلا صلاة بطهور يقتضى صحة كل صلاة ملصقة بالطهور، بل لا يقتضى إلا صحة صلاة بطهور فى الجملة وكذا فى الثانى لا يقتضى إلا ثبوت الصلاة عند الاقتران بالطهور فى الجملة وما يقال من أنا إذا قلنا بصحة الصلاة الملصقة بالطهور لزم عموم الحكم فى كل صلاة كذلك لعموم النكرة الموصوفة بصفة عامة مثل لا أجالس إلا رجلًا عالمًا ولدلالة الكلام على أن علة الصحة هى الوصف المذكور فضعيف لأن الأول ممنوع أو مبنى على الثانى والثانى مختص بما إذا كان الوصف صالحًا للاستقلال بالعلية ولم يعارضه قاطع وتمام تحقيق هذا الكلام فى شرح التنقيح.
قوله: (والأمر كذلك) يعنى أن الاقتران بالطهور مما يحصل بحصوله الصلاة فى الجملة كما إذا وجدت سائر الشروط.
قوله: (وإنما الإشكال) يعنى لما ذكرنا من التقديرين فظهر صحة كون الاستثناء إثباتًا، وهو أن كل صلاة بطهور حاصلة وكل اقتران بطهور معتبر فى ثبوت الصلاة وإنما الإشكال فى النفى العام الذى يقتضيه الاستثناء المفرغ والغرض من هذا الكلام تحقيق المقام ولا تعلق له بجواب الاستدلال وفى بعض الشروح أن المراد أن الخصم إن اختار التقدير الأول فهو مطرد من غير انتقاض وإن اختار الثانى فهو يرد نقضًا حيث أفاد شرطية الطهور للصلاة ولا يلزم من ثبوت الشرط ثبوت المشروط، فالإشكال على الاستثناء من المنفى الأعم إنما يرد فيه وفى مثل ما زيد إلا عالم، حيث استلزم نفى جميع الصفات سوى العلم، والحق أنه إن أراد أن التقدير الأول لا إشكال فيه أصلا والتقدير الثانى لا إشكال فيه أيضًا فى جانب الإثبات حيث أفاد أن اقتران الطهور يعتبر فى ثبوت الصلاة وإنما الإشكال على هذا التقدير فى جانب النفى حيث كان استثناء مفرغًا مفيدًا نفى جميع الشروط سوى الطهور وكذا فى مثل ما زيد إلا قائم وأما ما توهمه الشارح المحقق من أنه على التقدير الأول
стр. 1422
أيضًا استثناء مفرغ فليس بمستقيم لأن المستثنى منه مذكور هو النكرة المنفية وإلا صلاة بطهور رفع على البدل ويجوز النصب على الاستثناء كما فى لا إله إلا اللَّه، بعينه ثم هذا الإشكال إنما هو بالنسبة إلى من لا وقوف له على علم المعانى وعلى انقسام القصر إلى قصر الموصوف على الصفة والصفة على الموصوف وانقسام كل إلى الحقيقى والإضافى والتحقيقى والادعائى فمثل ما زيد إلا عالم لا يصح حقيقيًا بمعنى أنه لا صفة له سوى العلم، وإنما يصح إضافيًا ردًا على من زعم أنه جاهل أو يردده بين العلم والجهل أو يعتقده عالمًا وشاعرًا مثلًا فأنت تثبت العلم وتنفى غيره مما يتوهم المخاطب وإلى هذا ينظر الوجه الأول من الجواب، أو حقيقيًا ادعائيًا فإنك تجعل سائر صفاته بمنزلة العلم وتدعى أنه لا صفة له غير العلم وإلى هذا ينظر الوجه الثانى فحصر المحقق ما عليه علماء المعانى فى الوجه الأول ليس على ما ينبغى وكأنه اعتبر الأعم الأغلب أعنى الحقيقى من الإضافى.
قوله: (وقولهم هذا بعيد) بل باطل محض لأن المستثنى ليس هو الحياة أو الطهور بل الجار والمجرور وقول الشارح إذ لم يدخل العلم فى الحياة ليس كما ينبغى والصواب العكس لأن المثال لا علم إلا بحياة وما ذكر إنما يصح فى لا حياة إلا بعلم وقوله فإنه استثناء مفرغ قد عرفت أنه إنما يصح على التقدير الثانى فقوله ولذلك يقدر عام يناسبه ينبغى أن يحمل على هذا التقدير وقوله ولذلك لم يجز نصبه يعنى بأن تترك الباء وإلا فلا يتصوّر النصب.
قوله: (إلا بهذا الوجه البتة) فيه تحريف وسقط وحقه إلا بهذا الوجه لم يفد الحصول البتة ليكون إثباتًا ولا يكون مترددًا.
قوله: (لأنه كلام آخر ليس مدلول هذا الكلام ولا من لوازمه) أى لأن مدلوله أنه لا بد من الطهور ولا تثبت الصلاة بدونه وهذا لا إثبات فيه للمستثنى وقوله ولم يعارضه قاطع أى وهنا قد قام القاطع على اشتراط استقبال القبلة وستر العورة ونحو ذلك.
стр. 1423
(مباحث الشرط والصفة والغاية)
قال: (التخصيص بالشرط الغزالى الشرط ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عنده وأورد أنه دور وعلى طرده جزء السبب وقيل ما يتوقف تأثير المؤثر عليه وأورد على عكسه الحياة فى العلم القديم والأولى ما يستلزم نفيه نفى أمر على غير جهة السببية).
أقول: الثانى من المخصصات المتصلة هو الشرط وأما حده فقال الغزالى الشرط ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عنده، وأورد عليه أولًا أنه دور لأنه عرف الشرط بالمشروط وهو مشتق منه فيتوقف تعقله على تعقله، وثانيًا أنه غير مطرد لأن جزء السبب كذلك، وقد يجاب عن الأول بأن ذلك بمثابة قولنا شرط الشئ ما لا يوجد ذلك الشئ بدونه، وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير المحتاج إليه فى تعقل ذلك وعن الثانى أن جزء السبب قد يوجد المسبب دونه إذا وجد سبب آخر وقيل الشرط ما يتوقف تأثير المؤثر عليه، ويفهم منه أنه لا تتوقف ذات المؤثر عليه فيخرج جزء السبب واعترض عليه بأنه غير منعكس لأن الحياة شرط فى العلم القديم ولا يتصور هناك تأثير ومؤثر إذ المحوج إلى المؤثر هو الحدوث والمختار فى تعريفه أن يقال هو ما يستلزم نفيه نفى أمر لا على جهة السببية فيخرج السبب وجزؤه والفرق بين السبب والشرط متوقف على فهم المعنى المميز بينهما ففيه تعريف الشئ بمثله فى الخفاء.
قوله: (وقد يجاب عن الأول) حاصله أن المراد بالمشروط المأخوذ فى تعريف الشرط ما يصدق عليه ذلك والموقوف على تعقل الشرط هو تعقل مفهوم المشروط بحقيقته وأما الجواب الثانى ففى غاية السقوط لأن المراد جزء السبب المتحد على ما صرح به الآمدى.
قوله: (ويفهم منه) هذا مصرح به فى عبارة الآمدى حيث قال الشرط ما يتوقف عليه المؤثر فى تأثيره لا فى ذاته فيخرج جزء السبب وسبب السبب لكنه يشكل بنفس السبب ضرورة توقف تأثير الشئ على تحقق ذاته، ولا خفاء فى أنه مناقشة
стр. 1424
فى العبارة وإلا فتوقف ذات الشئ على نفسه بمعنى أنه لا يوجد بدونه ضرورى.
قوله: (لأن الحياة شرط فى العلم القديم) ولا يصدق عليها أن تأثير المؤثر فى العلم يتوقف عليها لأنا فرضناه قديمًا ولا مؤثر فى العلم القديم وهذا المعنى مع وضوحه قد خفى على كثير من الشارحين حتى توهموا أن موجب التعريف أن يصدق على الحياة أن تأثير العلم فى الشئ يتوقف عليها والعلم ليس من الصفات المؤثرة ثم بنوا على ذلك خيالات فاسدة لم يعرفوا أنا إذا قلنا الوضوء شرط فى الصلاة لم نرد أنه يتوقف عليه تأثير الصلاة فى شئ بل تأثير المؤثر فى الصلاة.
قوله: (المعنى المميز بينهما) هو التأثير والإفضاء واستلزام الوجود للوجود حيث يوجد فى السبب دون الشرط.
المصنف: (ولا يلزم أن يوجد عنده) زاد هذا القيد لإخراج السبب مع أنه خارج بما قبله لأنه لا يقال فيه ما لا يوجد المشروط دونه إذ المتبادر من المشروط أن يكون مشروطًا بالنسبة إليه والسبب ليس كذلك نعم إذا أريد بالمشروط الشئ وجرد عن معنى مشروط كان قوله ولا يوجد عنده لإخراج السبب لدخوله فيما قبله وكذا جزء السبب لا يرد على التعريف نقضًا إلا إذا أريد بالمشروط الشئ لا يوصف كونه مشروطًا.
المصنف: (ما يتوقف تأثير المؤثر عليه) أى تأثير المؤثر فى المشروط يتوقف عليه.
الشارح: (بمثابة قولنا شرط الشئ ما لا يوجد ذلك الشئ بدونه) يرد على هذا التأويل العلة المادية والعلة الغائية إذ يصدق على كل منهما ما لا يوجد الشئ بدونه فيكون تعريف الشرط غير مطرد ويجاب بأن المراد خارج يتوقف عليه الشئ بالذات والعلة المادية ليست خارجًا والعلة الغائية وإن كانت خارجًا عن الشئ لكن لا يتوقف الشئ عليها بالذات من غير واسطة بل بواسطة فاعلية الفاعل فالمعلول موقوف أولًا على الفاعل الموقوف فاعليته على العلة الغائية لأنها علة فى فاعليته.
الشارح: (إذ المحوج للمؤثر هو الحدوث) قيل لو تم هذا لكانت صفات الواجب وهى زائدة قديمة مستغنية عن المؤثر مطلقًا حتى عن الذات الموصوف بها إذ لا حدوث فلا حاجة فيلزم أما كونها واجبة الوجود فيتعدد الواجب بالذات أو كونها ممكنة مستغنية عن المؤثر وحينئذ يلزم انسداد باب إثبات اللَّه تعالى ورد أولًا
стр. 1425
بأن وجود الصفة هو وجودها لموصوفها فلا يلزم وجوب وجود موجودات متعددة وثانيًا بأن انسداد باب إثبات الواجب إنما يلزم لو كانت مستغنية عن المقتضى والمؤثر أخص منه عندهم، لأن المفيد للوجود يقال له المقتضى فإن كان مفيدًا بالإرادة والاختيار يسمى مؤثرًا وحينئذ يسقط قول الطوسى إنهم بين أن يجعلوها واجبة وبين أن يجعلوها محدثة لأن لهم أن يجعلوها ممكنة حاصلة بالإيجاب بالاختيار.
الشارح: (والفرق بين السبب والشرط. . . إلخ) أراد الشارح الاعتراض على المصنف بأن التعريف الذى قال فيه أنه أولى ليس بصحيح فضلًا عن أنه أولى.
قوله: (ففى غاية السقوط لأن المراد جزء السبب المتحد) وأجيب بأن المراد بما لا يوجد الشئ بدونه ما لا يوجد بدونه مطلقًا أى لنوعه فيقتضى نوعه أن لا يوجد الشئ دونه وهذا فى الشرط صحيح بخلاف جزء السبب لأن عدم وجود المسبب دونه إنما هو بخصوص المادة لا مطلقًا لكن يلزم أن لا يكون القيد الثانى وهو ولا يلزم أن يوجد عنده له فائدة فإن السبب حينئذ يخرج بالقيد الأول لا يقال كما يتعدد السبب يتعدد الشرط بدلًا فلم كان نوع الشرط لا يوجد المشروط بدونه بخلاف نوع السبب لأنا نقول عند تعدد الشرط تعددًا بدليًا الشرط فى الحقيقة القدر المشترك بين الجميع بخلاف السبب التعدد فيحكم بأن كل واحد سبب لأن المعتبر فى الشرط أن لا يتحقق المشروط بدونه والمعتبر فى السبب استتباع وجوده لوجود المسبب.
قوله: (ضرورة توقف تأثير الشئ على تحقق ذاته) أى فقد صدق على السبب أنه يتوقف التأثير فى المشروط عليه وبقوله ولا خفاء فى أنه. . . إلخ. رد لهذا الإشكال حاصله أن هنا قيدًا آخر وهو أن ذات المؤثر لا تتوقف عليه والسبب وإن توقف التأثير على تحقق ذاته لكن ذات المؤثر تتوقف على المؤثر ضرورة أن الشئ لا يوجد بدون ذاته ورد أيضًا بأن المتبادر من توقف الشئ على الشئ تغاير كل منهما فلا يصدق على السبب أنه يتوقف عليه تأثير المؤثر لا ذاته.
стр. 1426
قال: (وهو عقلى كالحياة للعلم وشرعى كالطهارة ولغوى مثل أنت طالق إن دخلت الدار وهو فى السببية أغلب وإنما استعمل فى الشرط الذى لم يبق للمسبب سواه فلذلك يخرج به ما لولاه لدخل لغة مثل أكرم بنى تميم إن دخلوا فيقصره الشرط على الداخلين).
أقول: الشرط ينقسم إلى عقلى وشرعى ولغوى أما العقلى فكالحياة للعلم فإن العقل هو الذى يحكم بأن العلم لا يوجد إلا بحياة، وأما الشرعى فكالطهارة للصلاة فإن الشرع هو الحاكم بذلك وأما اللغوى فمثل قولنا إن دخلت الدار، من قولنا أنت طالق إن دخلت الدار فإن أهل اللغة وضعوا هذا التركيب ليدل على أن ما دخلت عليه إن هو الشرط والآخر المعلق به هو الجزاء هذا وإن الشرط اللغوى صار استعماله فى السببية غالبًا يقال إن دخلت الدار فأنت طالق والمراد أن الدخول سبب الطلاق يستلزم وجوده وجوده لا مجرد كون عدمه مستلزمًا لعدمه من غير سببية ويستعمل فى شرط شبيه بالسبب من حيث إنه يستتبع الوجود وهو الشرط الذى لم يبق للمسبب أمر يتوقف عليه سواه فإذا وجد ذلك الشرط فقد وجد الأسباب والشروط كلها فيوجد المشروط فإذا قيل إن طلعت الشمس فالبيت مضئ فهم منه أنه لا تتوقف إضاءته إلا على طلوعها ولذلك أى ولأنه يستعمل فيما لم يبق للمسبب سواه يخرج ما لولاه لدخل لغة، فإذا قلت أكرم بنى تميم إن دخلوا فلولا الشرط لعم وجوب الإكرام جميعهم مطلقًا لوجود المقتضى بأسره فإذا ذكر الشرط علم أنه بقى شرط لولاه لكان المقتضى تمامًا فاستتبع مقتضاه فيقتضى الوجود لو وجد الشرط والعدم لولاه فيقصر الإكرام على الداخلين الدار ويخرج غير الداخلين إياها ولولاه لما خرجوا وكانوا داخلين فى حكم وجوب الإكرام.
قوله: (لدخل لغة) أى بحسب اللغة ودلالة اللفظ وإن لم يدخل فى الواقع وبحكم العقل والشرع كما يقال حجوا إن استطعتم وإنما بالغ المحقق فى توضيح المقام لأن جمهور الشارحين زعموا أن قوله فلذلك إشارة إلى كون الشرط مخصصًا أو عبارة عما يستلزم نفيه نفى أمر ولا تعلق له بقوله، وإنما استعمل.
المصنف: (وهو فى السببية أغلب) أى فيستلزم وجوده لوجود المسبب لا نفيه
стр. 1427
لنفيه، وبهذا ينتج فى الاستثناء وضع المقدم وضع التالى لا نفى المقدم لنفى التالى.
الشارح: (فمثل قولنا: إن دخلت الدار) كان الأنسب أن يقول فمثل قولنا دخلت الدار من إن دخلت الدار لكنه قال ذلك تنبيها على أن تسميته بالشرط لكونه مدخول أدواته.
стр. 1428
قال: (وقد يتحد الشرط ويتعدد على الجميع وعلى البدل فهذه ثلاثة كل منها مع الجزاء كذلك فتكون تسعة).
أقول: هذا تقسيم آخر للشرط والمشروط باعتبار الاتحاد والتعدد وهو أن الشرط إما أن يتحد أو يتعدد وإذا تعدد فإما أن يكون كل واحد شرطًا على الجمع حتى يتوقف المشروط على حصولهما جميعًا أو على البدل حتى يحصل بحصول أيهما كان فهذه ثلاثة والجزاء أيضًا كذلك لأنه إما أن يتحد أو يتعدد وإذا تعدد فإما على الجمع حتى يلزم حصول هذا وذاك معًا، وإما على البدل حتى يلزم حصول أحدهما مبهمًا، فهذه أيضًا ثلاثة، وإذا اعتبر التركيب كان ثلاثة من الشرط مع ثلاثة من الجزاء يحصل من الضرب تسعة وحكمه ظاهر فلا نطوّل به.
فرع: إذا قال إن دخلتما الدار فأنتما طالقان فدخلت إحداهما قيل تطلق هى إذ الشرط أحدهما والجزاء أحدهما وطلاق كل بدخولها يعرف بالعرف، وقيل بل لا يطلق شئ منهما لأن الشرط دخولهما جميعًا وقيل بل يطلقان لأن الشرط دخولهما بدلًا.
قوله: (هذا تقسيم آخر) نفى لما ذكره الشارح العلامة فى قوله فلذلك أنه لما فرغ من تفصيل أقسامه شرع فى تحصيل أحكامه فمنها أنه يخرج به ما لولاه لدخل لغة، ومنها أنه قد يتحد أو يتعدد إلخ.
قوله: (فرع) فيه إشارة إلى أن المعتبر فى التعدد وعدمه هو المعنى دون اللفظ وأن المتعدد على سبيل البدل لا يجب أن يكون بكلمة أو على ما فى الشروح.
الشارح: (وطلاق كل بدخولها يعرف بالعرف) تعليل لما قبله وهو كقولهم مقابله الجمع بالجمع تقتضى القسمة آحادًا فكأنه قال: إن دخلت هذه فهى طالق وإن دخلت الأخرى فهى طالق.
стр. 1429
قال: (والشرط كالاستثناء فى الاتصال وفى تعقبه الجمل وعن أبى حنيفة رضى اللَّه عنه للجميع ففرق).
أقول: حكم الشرط حكم الاستثناء فيما ذكر من وجوه الاتصال، وكذا فى تعقبه الجمل أهو للجميع أو للأخيرة؟ وعن أبى حنيفة رضى اللَّه عنه: أنه للجميع فرق بين الشرط والاستثناء حيث جعل الشرط للجميع، والاستثناء للأخيرة، فإن نظر إلى أنه مقدم تقديرًا فقد علمت أنه مقدم على ما يرجع إليه فقط.
قوله: (فإن نظر) لما ذكره الشارحون من أن وجه الفرق أن الشرط مقدم معنى فيقع الجميع فى حيز الجزاء بخلاف الاستثناء يعنى قد سبق فى الاستثناء أن هذا لا يصلح فارقًا لأنه إنما يقدر تقديمه على ما يرجع إليه سواء كان هو الجميع أو الأخيرة.
стр. 1430
قال: (وقولهم فى مثل أكرمك إن دخلت الدار ما تقدَّم خبر والجزاء محذوف مراعاة لتقدمه كالاستفهام والقسم فإن عنوا ليس بجزاء فى اللفظ فمسلم وإن عنوا ولا فى المعنى فعناد، والحق أنه لما كان جملة روعيت الشائبتان).
أقول: قياس الشرط أن يكون صدر الجملتين مقدمًا عليهما لأن الشرط قسم من الكلام فحقه أن يشعر به من أول الأمر ليعلم نوعه إجمالًا ثم شخصه تفصيلًا كما فعلوا ذلك فى الاستفهام والتمنى والقسم والنفى ومن ثمة قيل فى نحو: أكرمك إن دخلت الدار إن ما تقدَّم من الجزاء خبر لا جزاء، والجزاء محذوف تقديره أكرمك إن دخلت الدار أكرمك لدلالة الخبر وهو أكرمك الأول عليه وإنما صير إليه مراعاة لتقدمه الواجب كما وجب فى الاستفهام والقسم وقولهم هذا إن عنوا به أنه ليس بجزاء فى اللفظ فمسلم وإلا لجزم وإن عنوا به أنه ليس بجزاء لا فى اللفظ ولا فى المعنى فعناد إذ نعلم قطعًا أنه لا يدل إلا على إكرام مقيد بقيد دخول الدار، ولذلك لو لم يدخل ولم يكرم لم يعدّ كاذبًا، والتعليق ثانيًا لا ينافى الإطلاق أوّلًا نعم إنه يدل على التقييد ثانيًا كان المراد بالمطلق كان هو المقيد وهو المراد بقولنا هو جزاء معنى والحق أنه لما كان المقدم جملة مستقلة عومل معاملة المستقل لفظًا فلم يجزم وأريد به الجزاء معنى فقدر الجزاء دالًا على أنه مراد تعليقه بالشرط وإن استقل لفظًا فروعيت فيه الشائبتان، فلذلك قال بكل واحد منهما قائل، وجاز الإطلاق بالاعتبارين، والتحقيق ما ذكرنا من التفصيل.
قوله: (ما تقدّم من الجزاء) أى كل جزاء قدم على الشرط فهو إخبار بما فيه من النسبة لا جزاء لما بعده من الشرط لكنه دل على الجزاء المحذوف وهذا إشارة إلى أن الخبر فى مثل إن دخلت الدار أكرمك هو الجملة الشرطية بكمالها لا مجرد الجزاء.
قوله: (وإنما صير إليه) إشعار بأن مراعاة مفعول له لا خبر للمبتدأ الذى هو قولهم على ما فى بعض الشروح وإنما الخبر هو قوله فإن عنوا.
قوله: (وإلا لجزم) أى شائعًا مستفيضًا على ما هو المختار عند كون الشرط ماضيًا حتى إن صاحب الكشاف جعل اتفاق القراء على ترك الجزم بمنزلة الممتنع حيث استدل برفع تودّ فى قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾ [آل عمران: ٣٠]. على أن
стр. 1431
ما موصولة لا شرطية.
قوله: (والتعليق ثانيًا) دفع لما عسى يتوهم من أن تعليق الإكرام بالدخول يقتضى أن لا يتحقق بدونه وإطلاقه أوّلًا يدل على تحققه دخل أو لم يدخل فيتنافيان يعنى لا تنافى لأن التعليق يدل على تقييد الإكرام بالدخول فى ثانى الحال وعلى أن المراد بالمطلق أوّلًا هو المقيد.
قوله: (فروعيت فيه الشائبتان) يعنى لاستقلاله لفظًا ترك جزمه وأطلق القول بأنه اختار الإجزاء ولعدم استقلاله معنًى قدر للشرط جزاء يدل على أن هذا المستقل مقصود التعليق بالشرط وأطلق القول بأن المذكور جزاء والحق التفصيل وهو أنه جزاء معنى ليس بجزاء لفظًا.
стр. 1432
قال: (والتخصيص بالصفة مثل أكرم بنى تميم الطوال وهى كالاستثناء فى العود إلى متعدد).
أقول: الثالث: من أقسام التخصيص المتصل: التخصيص بالصفة نحو: أكرم بنى تميم الطوال فقصر الصفة وهى الطوال العام وهو بنو تميم على بعض أفراده وهو الطوال وهو عند العود على متعدد نحو: أكرم بنى تميم ومضر وربيعة الطوال، هو للجميع أو للأخير؟ حكمه حكم الاستثناء بعد الجمل والمختار المختار.
قال: (التخصيص بالغاية مثل: أكرم بنى تميم إلى أن يدخلوا فيقصره على غير الداخلين كالصفة وقد تكون هى والمقيد بها متحدين ومتعددين كالشرط وهى كالاستثناء فى العود إلى المتعدد).
أقول: الرابع من أقسام التخصيص المتصل: التخصيص بالغاية، نحو: أكرم بنى تميم إلى أن يدخلوا فالغاية وهو إلى أن يدخلوا قصر العام وهو بنى تميم على غير الداخلين وكل واحد من الغاية وما قَيَّد بها قد يكون متحدًا ومتعددًا على الجميع أو على البدل فتأتى الأقسام التسعة كما فى الشرط والغاية بعد المتعدد كالاستثناء فى العود إلى الجميع أو إلى الأخير، والمذاهب المذاهب والمختار المختار.
قوله: (وكل واحد من الغاية) صرح بلفظ كل لئلا يتوهم من ظاهر عبارة المتن أن الوحدة أو التعدد يعتبر بين الغاية وذى الغاية.
стр. 1433
(مسائل التخصيص بالمنفصل)
قال: (التخصيص بالمنفصل يجوز التخصيص بالعقل، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وأيضًا: ﴿وَللَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فى خروج الأطفال بالعقل، قالوا: لو كان تخصيصًا لصحت الإرادة لغة، قلنا التخصيص للمفرد وما نسب إليه مانع هنا وهو معنى التخصيص، قالوا: لو كان مخصصًا لكان متأخرًا لأنه بيان، قلنا لكان متأخر بيانه لا ذاته، قالوا: لو جاز به لجاز النسخ، قلنا: النسخ على التفسيرين محجوب عن نظر العقل. قالوا: تعارضا. قلنا: فيجب تأويل المحتمل).
أقول: هذا حين فرغ من التخصيص بالمتصل وشرع فى التخصيص بالمنفصل، وفيه مسائل، هذه أولاها: هل يجوز التخصيص بالعقل؟ الجمهور على جوازه، ومنعه طائفة، لنا قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢]، والعقل قاض ضرورة بخروج القديم الواجب عنه قال لاستحالة كونه مخلوقًا ومقدورًا، ولنا أيضًا قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، والعقل قاض بخروج من لا يفهم الخطاب كالأطفال والمجانين.
قالوا: أولًا: لو كان مثل ذلك تخصيصًا لصحت إرادة العموم لغة قطعًا، واللازم باطل، أما الملازمة فلأن تلك مسمياته لغة وإطلاق اللفظ على مسمياته لغة صحيح لغة قطعًا، وأما انتفاء اللازم فلأن ذلك لا يصح لعاقل فإذا قلنا هذا خالق كل شئ فهم منه لغة أنه أراد به غير نفسه ولو أراد به نفسه لخطئ لغة.
الجواب: إن التخصيص للمفرد وهو: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الحديد: ٢]، ويصح إرادة الجميع به لغة فإذا وقع فى التركيب فما نسب إليه، وهو المخلوقية والمقدورية هو المانع من إرادة الجميع وقصره على البعض وهو غير نفسه، والعقل هو القاضى بذلك ولا معنى للتخصيص عقلًا إلا ذلك والحق أنه يصلح فى التركيب للجميع أيضًا لغة، ولو أراد لم يخطى لغة وإنما يكذب فى المعنى، والخطأ لغة غير الكذب فى الخبر.
قالوا: ثانيًا: لو كان العقل مخصصًا لكان متأخرًا واللازم منتف، أما الملازمة فلأن تخصيص الشئ بيان للمراد منه والبيان متأخر عن المبين لامتناع البيان ولا
стр. 1434
مبين، وأما انتفاء اللازم فلتقدم العقل على الخطاب ضرورة.
الجواب: العقل له ذات وله صفة وهو أنه بيان فإن أردت بتأخره تأخر ذاته فلا يلزم وإن أردت تأخر كونه بيانًا فلا يمتنع.
قالوا: ثالثًا: لو جاز التخصيص بالعقل لجاز النسخ بالعقل لأنه بيان مثله واللازم منتف بالإجماع.
الجواب: لا نسلم الملازمة لأن النسخ إما بيان مدة الحكم وإما رفع الحكم على التفسيرين وكلاهما محجوب عن نظر العقل بخلاف التخصيص فإن خروج البعض عن الخطاب قد يدركه العقل كما فى الصور المذكورة.
قالوا: رابعًا: تعارضًا، أعنى دليل الشرع ودليل العقل فترجيح أحدهما بلا مرجح تحكم.
الجواب: لا نسلم التحكم فإنهما لما تعارضا وجب تأويل المحتمل وهو دليل الشرع لاستحالة إبطال القاطع وهو دليل العقل.
قوله: (القديم الواجب) وصف القديم بالواجب ليكون الخروج ظنًا ثابتًا من جهتى القدم والوجوب بحيث لا يتصوّر فيه نزاع.
قوله: (وإطلاق اللفظ) تنبجه على أنا لا نعنى بصحة الإرادة لغة سوى صحة إطلاق اللفظ.
قوله: (وقصره على لفظ الماضى) أى هو الذى منع وقصر.
قوله: (والخطأ لغة غير الكذب) لأن الخطأ عدم المطابقة لقوانين اللغة والكذب عدم المطابقة لما فى نفس الأمر.
قوله: (لامتناع البيان ولا مبين) على لفظ اسم الفعول فإن قيل بل الأمر بالعكس لامتناع المبين ولا بيان، قلنا: المراد أن المبين أعنى الخطاب الذى يتبين المراد منه لا مفهوم المبين.
قوله: (وجب تأويل المحتمل) مبنى على أن العام ليس بقطعى بمعنى عدم الاحتمال، وأما تعارض القطعيين من الفعل والنقل فغير مسلم الثبوت.
стр. 1435
قال: (مسألة: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب ، أبو حنيفة والقاضى والإمام ﵏ إن كان الخاص متأخرًا وإلا فالعام ناسخ وإن جهل تساقطا لنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤]، مخصص لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ. . .﴾ [المائدة: ٥]، مخصص لقوله: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وأيضًا لا يبطل القاطع بالمحتمل، قالوا: إذا قال اقتل زيدًا ثم قال لا تقتل المشركين فكأنه قال لا تقتل زيدًا فالثانى ناسخ، قلنا النخصيص أولى لأنه أغلب ولا رفع فيه كما لو تأخر الخاص، قالوا: على خلاف قوله لتبين، قلنا تبيانًا لكل شئ والحق أنه المبين بالكتاب والسنة، قالوا: البيان يستدعى التأخير، قلنا: استبعاد، قالوا: قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: (كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث)، قلنا يحمل على غير المخصص جمعًا بين الأدلة).
أقول: تخصيص الكتاب بالكتاب جائز إن علم تقدُّم العام أو تقدُّم الخاص أو جهل التاريخ ومنعه بعض مطلقًا وفصل أبو حنيفة والقاضى وإمام الحرمين ﵏ فقالوا: إن عُلِمَ التاريخ فالخاص إن كان متأخرًا خصص العام وإن كان متقدمًا فلا بل كان العام ناسخًا للخاص وإن جُهِلَ التاريخ تساقطا لاحتمال بطلان حكم الخاص لتأخر العام وثبوت حكمه لتقدمه فيتوقف فى مورد الخاص ويطلب فيه دليل آخر لنا لو لم يجز لم يقع وقد وقع كثيرًا، منه قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، مخصص لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، مخصص لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإن الذمية مشركة للتثليث وغيره، ولنا أيضًا أنه لو لم يخصص لبطل القاطع واللازم منتف، أما الملازمة فلأن دلالة الخاص على مدلوله قاطع ودلالة العام على العموم محتمل، لجواز أن يراد به الخاص فلو لم يخصص العام متأخرًا بل أبطلنا به الخاص، قلنا أبطلنا القاطع بالمحتمل، وأما بطلان اللازم فالعقل يقضى به قضاء أوليًا.
قالوا: أولًا: إذا قال: اقتل زيدًا ثم قال لا تقتل المشركين فهو بمثابة أن يقوله لا تقتل زيدًا ولا عمرًا إلى أن يأتى على الإفراد واحدًا بعد واحد وهذا اختصار لذلك المطوّل وإجمال لذلك المفصل ولا شك أنه لو قال لا تقتل زيدًا لكان ناسخًا لقوله
стр. 1436
اقتل زيدًا فكذا ما هو بمثابته.
الجواب: أن خصوصية زيد فى الإثبات إذا كان مذكورًا بنصوصيته لم يمكن التخصيص فيصار إلى النسخ بخلاف ما لو كان مذكورًا بعموم المشركين فإن تخصيصه ممكن فلا يصار إلى النسخ لأن التخصيص أولى من النسخ، أما أولًا فلأنه أغلب وأكثر والإلحاق بالأغلب أغلب على الظن كمن دخل على مدينة أغلبها المسلمون، فإن من يراه يظنه مسلمًا وإن جاز خلافه، وأما ثانيًا فلأن النسخ رفع والتخصيص لا رفع فيه وإنما هو دفع والدفع أهون من الرفع وكلاهما لو تأخر الخاص فإنه يحمل على التخصيص وإن كان النسخ محتملًا بأن تقرر حكم العام ثم يرفع ولا يصار إليه بل يجزم بالتخصيص للوجهين المذكورين.
قالوا: ثانيًا: لو كان الكتاب مخصصًا للكتاب لكان مخالفًا لقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، إذ التخصيص تبيين فيكون المبين هو الكتاب لا الرسول فيلزم وقوع نقيض ما نطق به القرآن، وأنه محال.
الجواب: أنه معارض بقوله فى صافة القرآن ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، والكتاب شئ فيجب أن يكون تبيانًا له، والحق أن الكل ورد على لسانه فكان هو المبين تارة بالقرآن وتارة بالسنة فلا مخالفة ولا تعارض.
قالوا: قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" وهو ظاهر فى أخذ الجماعة بذلك فكان إجماعًا ثم إن العام المتأخر أحدث فوجب الأخذ به وترك الخاص المتقدم، وهو المطلوب.
الجواب: أنه محمول على ما لا يقبل التخصيص جمعًا بين دليلنا وهذا الدليل فإن الجمع بين الأدلة ولو بإعمالها من وجه أولى من إبطال البعض.
قوله: (فالخاص إن كان متأخرًا خصص العام) ليس على إطلاقه بل إذا كان موصولًا وأما إذا كان متراخيًا فبنسخه فى قدر ما تناولاه حتى يكون العام قطعيًا فيما بقى لا ظنيًا كالعام الذى خُص منه البعض ثم أنه لم يبين حكم ما إذا علم المقارنة وذكر فى المحصول أنه يجب أن يكون الخاص مخصصًا للعام وفى أصول الحنفية أن حكم المقارنة والجهل والتاريخ واحد وهو ثبوت حكم التعارض فى قدر ما تناولاه لكن لا يخفى أن المقارنة بمعنى المعية إنما تتصوّر فى فعل خاص للنبى
стр. 1437
﵇ مع قول عام.
قوله: (وقد وقع كثيرًا) ههنا أبحاث، أى الاحتجاج بالآيتين، إما على المانعين مطلقًا فظاهر وإما على القائلين بالتفصيل فإنما يتم لو كان آية الحمل بعد آية المتوفى فى النزول وكذا الكلام فى الآيتين الأخريين وأما أن التخصيص إنما هو بالآية لا بدليل آخر فمعلوم قطعًا مع أن الأصل عدم التغيير أنه إن أريد بالتخصيص أن وجوب العدة بالأشهر مقصور على الحامل فهذا مما لا نزاع فيه وإن أريد أنه ليس بطريق النسخ فلا دلالة عليه ولهذا احتج الحنفية بالآيتين على أن المتأخر ناسخ للمتقدم فى حق ما تناوله لكن أى ذلك إنما يظهر عندهم لأن العام بعد التخصيص يصير ظنيًا فيما يبقى وبعد النسخ يكون قطعيًا كما كان وعندنا العام ظنى سواء لحقه نسخ أو تخصيص أو لم يلحق أن مقتضى تفصيل الحنفية وبعض أدلة الشافعية أن المخصص يكون خاصًا البتة وليس بلازم فإن أولات الأحمال أيضًا عام نعم يكون خاصًا بمعنى كونه متناولًا لبعض ما تناوله العام لكن مثل هذا الخاص لا يلزم أن يكون قطعيًا عند الشافعية فلا يتم استدلالهم الثانى.
قوله: (قالوا: أوّلًا) اعلم أن الوجه الثانى دليل على أن الكتاب لا يصلح مخصصًا للكتاب والنافية على أن العام بعد الخاص ناسخ له لا مخصص به، ولا تعرض فى الشرح للثالث وهو أن المخصص للعام بيان له فيكف يكون متقدمًا عليه، والجواب أنه استبعاد إذ لا يمتنع أن يرد كلام ليكون بيانًا للمراد بكلام آخر يرد بعده وتحقيقه ما سبق من أنه تتقدم ذاته ويتأخر وصف كونه بيانًا له.
قوله: (لو كان آية الحمل بعد آية المتوفى فى النزول) صوابه أن يقول لو كان آية الحمل قبل آية المتوفى فيصير ظنيًا فى الباقى لاحتمال هذا المخصص أن يكون معللا فيقاس عليه كل ما وجد فيه العلة فلا يعرف الباقى من العام بعد التخصيص أو لاحتمال كل بعض من الباقى أن يكون هو المراد.
стр. 1438
قال: (مسألة يجوز تخصيص السنة بالسنة لنا: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" مخصص لقوله: "فيما سقت السماء العشر" وهى كالتى قبلها فى الخلاف).
أقول: الجمهور على أنه يجوز تخصيص السنة بالسنة خلافًا لشرذمة لنا لو لم يجز لما وقع وقد وقع فإن قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" مخصص لقوله: "فيما سقت السماء العشر" فإن الثانى يتناول ما دون خمسة أوسق، وقد أخرج بالأول وهذه المسألة كالمسألة التى قبلها وهى تخصيص الكتاب بالكتاب، فيجئ فيه دليلها من إبطال الأقوى بالأضعف والاستدلال بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، والمذاهب والشبه والأجوبة.
قال: (مسألة: يجوز تخصيص السنة بالقرآن، لنا ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وأيضًا لا يبطل القاطع بالمحتمل، قالوا ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد تقدَّم).
أقول: تخصيص السنة بالقرآن جائز عند الجمهور، لنا قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فدخلت السنة، ولنا أيضًا أنه لا يبطل القاطع وهو القرآن بخصوصه بالمحتمل وهو السنة، لعمومها كما تقدم، قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٤٤]، فيكون كلامه مبينًا للقرآن فلا يكون القرآن مبينًا لكلامه.
الجواب: ما تقدَّم أن الكل بلسانه فهو المبين بالقرآن.
قوله: (فيجئ فيه) أى فى هذه المسألة على تأويل البحث (دليلها) أى دليل المسألة التى قبلها وهو أنه لو لم يكن الخاص من السنة مخصصًا للعام ههنا لزم إبطال القاطع بالمحتمل وأما قوله والاستدلال بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]؛ فإن أراد استدلال المذهب فلا دلالة كان أراد استدلال الخصم بأن يقال السنة شئ وكل شئ، فالقرآن تبيان له فلا تبيين بالسنة ثم يجاب بأنه لا استحالة فى اجتماع المبينات لأنها معرّفات لا مؤثرات أو بأن البيان بالسنة فى الحقيقة بيان بالقرآن كان ذلك من قبيل الشبه والأجوبة.
стр. 1439
قال: (مسألة: يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، وقال به الأئمة الأربعة وبالمتواتر اتفاقًا، ابن أبان: إن كان خص بقطعى، الكرخى: إن كان خص بمنفصل، القاضى: بالوقف، لنا أنهم خصوا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، بقوله ﵊: "ولا تنكح المرأة على عمنها ولا على خالتها"، و ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١]، بقوله ﵊: "لا يرث القاتل ولا الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر"، و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، وأورد إن كانوا أجمعوا فالمخصص الإجماع وإلا فلا دليل، قلنا أجمعوا على التخصيص بها، قالوا: رد عمر رضى اللَّه عنه حديث فاطمة بنت قيس أنه ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصًا لقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، قلنا لتردده فى صدقها ولذلك قال: (كيف نترك كتاب ربنا يقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت)، قالوا: العام قطعى والخبر ظنى، وزاد ابن أبان والكرخى لم يضعف بالتجوّز، قلنا التخصيص فى الدلالة وهى ظنية فالجمع أولى، القاضى كلاهما قطعى من وجه فوجب التوقف، قلنا الجمع أولى).
أقول: يجوز تخصيص القرآن بالخبر المتواتر اتفاقًا وأما بخبر الواحد، فالحق: جوازه وبه قال الأئمة الأربعة، قال ابن أبان: إنما يجوز إن كان العام خاص من قبل بدليل قطعى متصلًا كان أو منفصلًا، وقال الكرخى: إنما يجوز إن كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل سواء كان قاطعًا أو ظنيًا، والقاضى أبو بكر يقول بالوقف بمعنى لا أدرى أيجوز أم لا، لنا أن الصحابة خصوا القرآن بخبر الواحد من غير نكير فكان إجماعًا، منه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها، فخص بقوله ﵊: "ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"، ومنه قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، فإنه يوجب الميراث للولد عمومًا، وقد خص بقوله ﵊: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" اعترض بأنهم إن أجمعوا على خروج ما ذكرتم من عموم النص فالمخصص هو الإجماع لا السنة، وإلا فلا نسلم التخصيص إذ لا دليل عليه فإنه لا يتصوّر فيه دليل سوى الإجماع والفرض عدمه.
الجواب: أنهم أجمعوا على التخصيص بأخبار الآحاد حيث لم ينكروه لما وقع فلا يكون التخصيص بالإجماع بل بخبر الواحد ودليله الإجماع.
стр. 1440
قالوا: أولًا: رد عمر رضى اللَّه عنه خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصًا لقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فقال: "كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا يقول امرأة"، ولو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يردها ولم يجعل كونها خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعًا من قبوله.
الجواب: أنه إنما رده لتردده فى صدقها وكذبها، ولذلك قال: بقول امرأة لا ندرى أصدقت أم كذبت. فعلل الرد بالتردد فى صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد.
قالوا: ثانيًا: العام وهو الكتاب قطعى والخاص وهو خبر الواحد ظنى فيلزم ترك القطعى بالظنى.
الجواب: إن التخصيص وقع فى الدلالة لأنه دفع للدلالة فى بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعى بالظنى بل هو ترك لظنى بظنى، ويقرر بعبارة أخرى، فيقال: الكتاب العام قطعى المتن ظنى الدلالة والخبر الخاص بالعكس فكان لكل قوة من وجه فوجب الجمع بينهما، والكرخى قال مثل ذلك إلا أنه زاد قيدًا فقال: الخاص ظنى والعام قطعى لم يضعف بصرفه عن حقيقته إلى المجاز لأن المخصص بالمنفصل مجاز عنده دون المتصل والقطعى يترك بالظنى إذا ضعف بالتجوز إذ لا يبقى قطعيًا إذ نسبته إلى جميع مراتب التجوز بالجواز سواء وإن كان ظاهرًا فى الباقى، فارتفع مانع القطع.
الجواب: ما تقدَّم، القاضى: كلاهما قطعى من وجه ظنى من وجه، كما قررناه فوقع التعارض فوجب التوقف، الجواب يرجح الخبر بأن اعتباره جمع بين الدليلين واعتبار الكتاب إبطال للخبر بالمرة، والجمع أولى من الإبطال.
قوله: (يجوز تخصيص القرآن) العام عند بعض الحنفية قطعى، فالخاص فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس إلا إذا خص منه البعض بقطعى فيصير ظنيًا فى الثانى، وعندهم أن قصر العام على البعض إنما يكون تخصيصًا إذا كان بمستقل متصل فالقصر بغير المستقل كالاستثناء والشرط والصفة والغاية لا يكون تخصيصًا كما لا يكون نسخًا والقصر بالمستقل المتراخى لا يكون تخصيصًا بل نسخًا ولا يصير ظنيًا فى الثانى فى الصورتين وإنما يصير ظنيًا إذا خص بمستقل غير متراخ كلامًا كان
следующие страницы →