← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الحاشية لا يقال فعلى هذا يلزم أن يكون المنطق أعلى من الكلام والإلهى لأنه يبين مبادئ كثيرة لهما لا يبين مثلها فى الأدنى كما لا يخفى لأنا نقول: هو لا يبين مبادئهما أصلًا بل يبين ما يعرض لمبادئهما التصورية والتصديقية المصطلح عليها من الطرق الموصلة إلى مقاصدها ومثله يستحق أن يسمى وسيلة وآلة فظهر أن الاستمداد كله ليس من مبادئ العلم بالمعنى المشهور. اهـ. وقد وضحه الخلخالى فقال قوله: لا يبين مثلها فى الأدنى دفع لما يقال: إن كون المنطق مبينًا لمبادئهما لا يوجب كونه أعلى منهما فإنه قد تبين مبادئ الأعلى فى الأدنى ووجه الدفع أن هذا إنما يكون فى مبادئ قليلة نادرة وما ذكرنا ليس من هذا القبيل وقوله: لا يبين مبادئهما أصلًا وجهه أن مبادئهما إنما هى الأدلة والمعرفات المخصوصة المعينة وظاهر أن هذه ليست مباحث مبينة فى المنطق بل المباحث المبينة فيه هى ما يعرض لهذه التعريفات والأدلة المعينة التى هى المبادئ المصطلح عليها وهى المبادئ بالمعنى الأخص الذى هو جزء من العلم أعنى الطرق الموصلة إلى مقاصدها توصلًا قريبًا، وقوله: فظهر أن الاستمداد كله أى ما يستمد منه ليس كله بالمعنى المشهور وهو ما يتوقف عليه ذاتًا فاستمداد الكلام والإلهى من للمنطق لا يوجب كون مسائله مبادئ لهما بالمعنى المشهور ليستلزم كونه أعلى. اهـ. وهذا الذى ذكره فى حاشية الحاشية باعتبار إطلاق الكلام على ما لا يشمل مباحث النظر كما هو أحد إطلاقيه فلا ينافى أن المنطق جزء من الكلام بإطلاق آخر كما أنه لا منافاة بين ما ذكره المحشى هنا من قوله وليست جزءًا من العلوم وبين ما ذكره فى شرح المواقف من أن المنطق جزء من الكلام لأن المنطق فى نفسه ليس جزءًا من الكلام لكن لما كان علم الكلام رئيس العلوم الدينية ومقدمًا عليها لم يرض علماء الإسلام أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلًا سواء كان شرعيًا أو لا فأخذوا موضوعه على وجه يتناول العقائد والمباحث النظرية التى يتوقف عليها العقائد فجاء علم الكلام كافلًا لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع تعالى وصفاته وغير ذلك من المباحث النظرية التى يتوقف عليها مواد أدلة العقائد وصورها ومواد معرفاتها وصورها وكانت مباحث النظر من الكلام. قوله: (لما كان رئيس العلوم الشرعية) أى لأنه متكفل بإثبات الصانع تعالى وصفاته وإثبات النبوة ولولا ذلك لا يتصور علم التفسير والحديث والفقه وأصوله.

стр. 142

قوله: (فعدت مبادئ كلامية) وبهذا الاعتبار جعل استمداد الأصول من القواعد المنطقية استمدادًا من الكلام ولم يجعل المستمد منه أربعة: الكلام والعربية والأحكام والمنطق. قوله: (وفيه أن إيراد علم. . . إلخ) وأيضًا فيه أنه يلزمه توسط الفائدة والاستمداد بين الحد وما يتعلق به وهو ما تأباه الطباع السليمة وأيضًا يلزم أنه لم يذكر الاستمداد التفصيلى من الكلام كما ذكر الاستمداد التفصيلى من أخويه. قوله: (وقيل هو الذاكر له) حكايته بقبل لا تنافى جعله من المعانى اللغوية عنده. قوله: (ولا يبعد. . . إلخ) ذكر فى حاشية الحاشية أن ذلك رد على من قال ما به الإرشاد عطف على المرشد لا على قوله الناصب والذاكر إذ ليس من معانى المرشد وحاصل الرد أنه إن أراد أنه ليس من معاني المرشد أصلًا فممنوع لأن ما به الإرشاد من المعانى المجازية للمرشد وإن أراد أنه ليس من المعانى الحقيقية فنمنع تمام التقريب إذ لا يلزم من عدم كونه من المعانى الحقيقية للمرشد عدم جواز عطفه على ما هو معنى حقيقى له إذ يكفى فى ذلك كونه كان مطلق معانيه فإن قيل إذا لم يكن ما به الإرشاد من المعانى الحقيقية للمرشد لم يصح كونه من المعانى الحقيقية للدليل فكيف كان معنى حقيقيًا للدليل دون المرشد سمع الحكم بترادف الدليل والمرشد فالجواب أن الترادف باعتبار بعض معاني الدليل وهو اثنان منها لأن الدليل له معان ثلاثة يرادف المرشد باثنين منها وليس له معنى واحد شامل للأمور الثلاثة حتى ينافى الترادف. قوله: (واعترض بأنه بعيد) المعترض هو التفتازانى وقوله لما فيه من إطلاق المرشد على معناه حقيقة ومجازًا أى فى قوله الدليل لغة المرشد لا فى قوله والمرشد الناصب والذاكر وما به الإرشاد لعدم الجمع فى ذلك. قوله: (ما يطلق عليه لفظ المرشد) أى فلم يعتبر شخص كل من المعانى الحقيقية والمجازية بل اعتبر مجرد شئ يطلق عليه لفظ المرشد سواء كان الإطلاق حقيقيًا أو مجازيًا وذلك ليس من الجمع الممنوع. قوله: (هو مدلول المرشد) أى أن المعتبر أمر على يشمل المعنيين وليس المعتبر شخص كل حتى يلزم الجمع.

стр. 143

قوله: (على أن المصنف. . . إلخ) جواب ثان. قوله: (وما قيل) القائل التفتازانى وقوله: من أن الإرشاد. . . إلخ. اعتراض على قول المصنف: الدليل لغة المرشد وحاصل الاعتراض أن الإرشاد هو الهداية وهذا لا نزاع فيه والهداية اعتبر فيها الإيصال بخلاف الدلالة فإنها أعم فقد فسر الأعم بالأخص. قوله: (وأيضًا قولنا الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يشمل المعنى المجازى) أى فمثله قوله المرشد كذا يكون معناه أن كذا مفهوم بحسب وضع اللغة فقوله: وأيضًا قولنا. . . إلخ. اعتراض على التوجيه الذى ذكره الشارح. قوله: (فجوابه أن المصنف. . . إلخ) جواب عن الاعتراض الأول الوارد على المصنف. قوله: (فالإرشاد والهداية عنده يرادفان الدلالة) تعرض للهداية لما علمت من أن كون الإرشاد هو الهداية مما لا نزاع فيه. قوله: (وأن الشارح. . . إلخ) جواب عن قوله: وأيضًا قولنا. . . إلخ. الوارد على الشارح. قوله: (تنبيهًا على أن الدليل. . . إلخ) قال بعضهم أقول يمكن أن يكون فائدة ذكر قيد الإمكان الاحتراز عن مذهبى التوليد والإعداد اللزومى فإنه عند أهل الحق لا وجوب عنه تعالى ولا عليه فبعد النظر فى الدليل لا يجب التوصل بالنظر إلى نفس الدليل بل يمكن. قوله: (المعنى العام) وهو كون عدم الموصل ليس واجبًا فيصدق بوجوب التوصل ووجوده. قوله: (المقدمات المرتبة وحدها) أى المقدمات المعروضة للهيئة والترتيب وحدها من غير أخذ الهيئة الترتيبية معها إذ النظر فى المجموع من حيث هو مجموع مستحيل يعنى إذا أخذت مع الترتيب بجعل إحداهما صغرى ولأخرى كبرى يستحيل الترتيب فيها بهذا الأخذ مرة أخرى وهذا لا ينافى إمكان الترتيب فيها من حيثية أخرى بأن يأخذ المجموع شيئًا واحدًا ويجعل صغرى، كقولنا: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم مقدمتان مرتبات على هيئة الشكل الأول وكل مقدمتين مرتبتين على هيئة الشكل الأول ينتجان المطلوب فهما ينتجان المطلوب.

стр. 144

قوله: (وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة) تمهيد للاعتراض الآتى فى قوله: والحكم يكون الإفضاء فى الفاسد. . . إلخ. ورد على التفتازانى حيث فسر صحة النظر بأن يكون فى جهة الدلالة فقصره على صحة المادة. قوله: (إذ ليس هو فى نفسه سببًا للتوصل ولا آلة) يشير إلى أن الباء فى قوله بالنظر باء السببية أو الآلة. قوله: (فلو لم يقيد. . . إلخ) تفصيل لكلام التفتازانى حيث قال فلو أطلق النظر لفهم منه أن الدليل يجب أن يمكن التوصل به إلى مطلوب خبرى بأى نظر كان فمعناه لو أطلق النظر عن القيد فلم يقيد بالصحة وقيل ما يمكن التوصل بالنظر فيه إلى مطلوب خبرى لكانت اللام إما للاستغراق وإما للعهد الذهنى وأيما كان يفهم أنه يجب فى الدليل أن يمكن التوصل بأى نظر كان إلى المطلوب أما على الاستغراق فظاهر وأما على العهد الذهنى فللإبهام فيصدق على أى فرد من أفراد النظر فليس مراد المحشى الاعتراض على التفتازانى كما فهم بعضهم حيث قال: إن قوله: بأى نظر كان هو معنى العموم لا الإطلاق الذى هو بصدد بيانه فقول المحشى وإن اقتصر على الإطلاق لم يكن هناك تنبيه. . . إلخ. تعريض للعلامة النحرير. قوله: (والحكم بكون الإفضاء. . . إلخ) رد على الشارح حيث أطلق أن الفاسد قد يفضى إلى المطلوب اتفاقًا وقوله: إنما يصح إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط. . . إلخ. أى مع أنه قد يكون بينها الارتباط المذكور كقولنا: كل إنسان حجر وكل حجر فرس فلا يصح ذلك الحكم بالإفضاء الاتفاقى، وقوله: أو يخص بفاسد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه أى ولا دليل على ذلك التخصيص مع أنه يبقى عليه الواسطة بين الصحيح والفاسد المذكور وهى فاسد المادة لكذبها مع صحة الصورة فلا يكون فى التعريف ما يخرجها إلا إذا فسر الصحيح بما يشمل تلك الواسطة وهو خلاف الظاهر ومثال وضع ما ليس بدليل مكانه قولنا فى الاستدلال على أن العالم حادث: الإنسان متعجب وكل متعجب ضاحك أو الإنسان متغير وكل متغير حادث والحاصل أن الفساد فى المادة إما بعدم مطابقتها للواقع وإما بعدم مناسبتها للمطلوب لكن قيل: إن فساد المادة مع صحة الصورة ليس من فساد النظر فى شئ غاية الأمر أنه لا يفيد اليقين الذى يفيده البرهان. قوله: (لإخراج القول الشارح) أى مواده بقطع النظر عن الترتيب إذ لو أخذت

стр. 145

مع الترتيب لم يحتج لإخراجه بقيد الخبرى ولا يصح قوله: ولو قيد المطلوب بالتصورى كان حدًا للقول الشارح. قوله: (أعنى الموصل) أى الذى شأنه الإيصال ليوافق قوله ما يمكن التوصل. . . إلخ. قوله: (توليدًا) هو مذهب المعتزلة لأنهم أثبتوا لبعض الحوادث مؤثرًا غير اللَّه تعالى قالوا: الفعل الصادر عنه إما بالمباشرة وإما بالتوليد ومعنى التوليد عندهم أن يوجب فعل لفاعله فعلًا آخر كحركة اليد والمفتاح فإن حركة اليد أوجبت لفاعلها حركة المفتاح فكلاهما صادرتان عنه الأولى بالمباشرة والثانية بالتوليد والنظر فعل العبد واقع بمباشرته يتولد عنه فعل آخر هو العلم بالمنظور فيه. قوله: (أو أعدادًا لزومًا) هو مذهب الحكماء وهو أن النظر يعد الذهن إعدادًا تامًا فتفاض النتيجة من المبدأ الفياض لزومًا لأنهم زعموا أن المبدأ الذى يستند إليه الحوادث موجب وعام الفيض ويتوقف حصول الفيض منه على الاستعداد الخارجى المستدعى لذلك الفيض. قوله: (أو عادة) هو مذهب الأشاعرة وهو أن حصول العلم عقب النظر بطريق جرى العادة لا بالاستلزام لأن جميع الممكنات مستندة إلى اللَّه تعالى بلا واسطة وهو فاعل مختار لا يجب عنه شئ ولا يجب عليه ولا علاقة بين الحوادث المتعاقبة بوجه بل اللَّه تعالى أجرى عادته بأن يخلق بعض الحوادث عقب بعض كالإحراق عقب مماسة النار والعلم بعد النظر ممكن حادث ولا مؤثر سوى اللَّه تعالى فهو فعله الصادر عنه تعالى بلا وجوب عنه ولا عليه وهو دائمى أو أكثرى فيكون عاديًا وهناك مذهب رابع لم يشر إليه المحشى وهو مذهب الرازى: وهو أن حصول العلم عقب النظر واجب عقلًا لا إنفكاك عنه وهما فعلان للَّه تعالى وهذا لا يصح مع كون اللَّه تعالى فاعلًا مختارًا فى جميع الممكنات وليس قول المحشى لزومًا إشارة إلى مذهبه لأنه بعيد عن السياق إذ كأن يقولا أو لزومًا كما قال فى غيره وقوله أو عادة عطف على قوله أو إعدادًا لا على قوله لزومًا حتى يتوهم أن القائلين بالعادة يقولون بالإعداد مع أنه ليس كذلك. قوله: (على المعقول والمسموع) لكن القول الآخر الذى هو النتيجة المراد منه المعقول فقط إذ المسموع ليس لازمًا أصلًا ولزوم المسموع بالنظر لمدلوله ولا ينافى ذلك أن اللزوم ذاتى.

стр. 146

قوله: (على أن الهيئة لها مدخل فى ذلك) أى بالجزئية فما لم تصر الأقوال واحدة بسبب عروض الهيئة الموحدة لها لم يحصل عنها شئ. قوله: (إذ لا يكون عنه إحداهما) وإلا لزم أن الشئ يكون ناشئًا عن نفسه. قوله: (التمثيل) هو الذى تسميه الفقهاء قياسًا وهو مشاركة أمر لأمر فى علة الحكم فيثبت الحكم للأول وإنما يفيد الظن لعدم القطع بالعلية حتى لو قطع بها رجع إلى القياس المنطقى المفيد لليقين. قوله: (والاستقراء) أى الناقص أما التام فيرجع للقياس المنطقى. قوله: (من قضايا مشهورة أو مسلمة) أى من حيث هى مشهرة أو مسلمة لا من حيثية أخرى كاليقينية إن وجدت. قوله: (وعبر عنهما بالظنى) أى عبر الشارح عن الجدلى والخطابى بالظنى. قوله: (من قضايا مشبهة بالمشهورات. . . إلخ) أى ولم يعتبر المشابهة بالمظنونات والمخيلات لأن القضايا المشابهة لهما إن أفادت ظنًا أو تخيلًا فهى هى وإلا لم تكن معتدًا بها. قوله: (وعبر عنه) أى عن المغالطى وقوله إطلاقًا للأخص هو السفطى وقوله على الأعم هو المغالطى الشامل للشغب والسفسطة. قوله: (إذ لا برهان. . . إلخ) توجيه لجعل الضمير عائدًا على القياس مع أن السياق للدليل وإن كان رجوعه إلى القياس أوفق بقول الشارح: يجمع القياس البرهانى والظنى. قوله: (فإن قلت. . . إلخ) الإشكال المذكور وجوابه ذكرهما التفتازانى وسيأتى للمحشى رد الجواب. قوله: (جمهور المنطقيين) هذا لا ينافى ما تقدم عن أن التعريف الأول للأكثر لأن ذلك فى تعريف الدليل الشامل للقياس وغيره وأما هذا ففى تعريف القياس. قوله: (وفساده ظاهر. . . إلخ) حمل المحشى الاستلزام على الاستلزام فى التحقق كما يدل عليه قوله: فإن تحقق اللزوم. . . إلخ. وقوله: إذ لو تحقق الأول فى نفس الأمر تحقق الثاني وعلى ذلك يكون المراد بالتسليم تسليم صدق المقدمات وتحققها فى نفس الأمر مع أنه لا مانع من أن يراد بالاستلزام الاستلزام فى العلم بل هو الظاهر وعليه يكون التسليم معناه التصديق بالمقدمات ولا شك أن الاستلزام العلمى المذكور لابد منه فى الكل كما قال التفتازانى فى جواب السؤال الذى ذكره

стр. 147

فلابد من التسليم فى الكل ولا ينافيه قوله: وأما بدونه فلا استلزام إلا فى البرهان المقتضى كون الاستلزام فى المعلوم لا فى العلم لأن المراد أن البرهان لكون مقدماته قطعية يستلزم النتيجة بمجرد تلك القطعبة لأنه لا ينفك عنه التصديق سواء سلم أو لم يسلم مكابرة وعنادًا فالتسليم حاصل فى الحقيقة. قوله: (وإنما صرح بتقدير التسليم) أى فى قوله متى سلمت يعنى لا عبرة بإبهام تقدير التسليم أن له مدخلًا فى الاستلزام للقرينة العقلية على أنه لا دخل له وذكره لدفع توهم عدم كون تعريف القياس غير جامع للصناعات كلها. قوله: (فالحكم بعدم الاستلزام. . . إلخ) تفريع على ما سبق له وإشارة إلى أن قوله فإنه لا علاقة بين الظن وبين شئ لانتفائه مع بقاء سببه ممنوع فيما إذا كان الشئ الذى يستفاد منه الظن قياسًا صحيح الصورة فإن زوال الظن مع بقاء مقدمات القياس المفيدة له ممنوع بل الذى قاله إنما يظهر فى المفرد كالغيم الرطب يكون أمارة على الخضرة. قوله: (أى فى استلزام البرهان. . . إلخ) جعل الضمير فى قوله: وفيه بحث راجعًا إلى استلزام البرهان ويرد عليه أن البحث فى ذلك الاستلزام الذى ذكره بقوله فإن أراد بالاستلزام. . . إلخ ليس مذكورًا فى الكلام ويجاب بأنه مذكور بذكر مبناه الذى ذكره بقوله: وهو أن فيضان النتيجة إلى قوله: ولا مؤثر إلا اللَّه . قوله: (فإن أريد بالاستلزام. . . إلخ) حاصله أنه إن أريد بالاستلزام الاستلزام الذى بمعنى امتناع الانفكاك عقلًا فالتعريف فاسد لأنه لا استلزام فى الواقع ولا يجدى فى صحته موافقته لمذهب المعرف وإن حمل على الدوام والامتناع العادى فهو خلاف ما يفهم من ظاهر العبارة مع كونه مخالفًا لمذهب ذلك المعرف. قوله: (صحيح مطلقًا) أى على مذهبهم وفى الواقع لموافقته لهما. قوله: (وقد قيل مراده. . . إلخ) القائل السعد وهو قد جعل الضمير فى قوله وفيه بحث لعدم استلزام الأمارة الظن بناء على جعل الاستلزام بمعنى الاستعقاب العادى فهو يقول لأصحاب التعريف الثانى الاستلزام الذاتى باطل وإنما الحاصل الاستعقاب العادى وبناء عليه لا فرق بين الأمارة والبرهان ثم أجاب بناء على أن الاستلزام الاستعقاب بالفرق بين الإمارة والبرهان وقد ذكره المحشى بقوله ورد. . . إلخ. قوله: (بأن وجود التخلف فيها) أى كثيرًا.

стр. 148

قوله: (ومن قال هو أن الأمارة. . . إلخ) أى البحث هو أن الأمارة. . . إلخ. فيكون البحث عبارة عن الدليل والضمير فى قوله: وفيه بحث راجع إلى قوله: لانتفائه مع بقاء سببه. قوله: (دون التقادير الثلاثة) هى كذب المقدمتين وكذب الصغرى فقط وكذب الكبرى فقط. قوله: (ومع جوازهما) أى التقادير الثلاثة وقوله فعدمها أى النتيجة. قوله: (إما راجح أو مساو) قال بعضهم الظاهر أن العبرة بالضرورى عند المستدل وعليه فالتقادير الثلاثة مرجوحة موهومة عنده فلا وجه لقوله أو مساو. قوله: (ولما كان البحث. . . إلخ) اعتذار عن جعل الدليل على عدم الاستلزام فى الأمارة الذى عبر عنه بالبحث مذكورًا فى علم الكلام. قوله: (فقد أبعد عن المرام) أى لأن التعبير عن الدليل بالبحث خلاف الظاهر. قوله: (فيتناول الأقسام الثلاثة) هى المفرد والمقدمات غير المرتبة والمقدمات المرتبة وحدها بقطع النظر عن ترتيبها وعلى هذا فالحصر فى قوله: الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم إضافى أى لا القضيتان المرتبتان المعتبر ترتيبهما. قوله: (وعلى التقديرين) أى تقديرى الخصوص والعموم. قوله: (فالمعنيان) أى معنى الدليل عندنا ومعناه عند المناطقة. قوله: (متباينان صدقًا) أى حملًا لأن المعنى الأصولى يصدق على الأقسام الثلاثة المذكورة بناء على العموم وعلى المفرد بناء على الخصوص والمعنى المنطقى لا يصدق على واحد من تلك الأقسام وإنما يصدق على القضايا المرتبة باعتبار أن الترتيب جزء منها. قوله: (ومن زعم تساويهما فى الوجود. . . إلخ) أى إذا شرط النظر فى المعنى الأصولى كان المعنى المنطقي أعم فى الوجود لأن المعنى الأصولى على هذا التقدير لا يتحقق إلا فى صورة يكون فيها مقدمتان مرتبتان مع اعتبار الصحة ولا يصدق فى مقدمتين مرتبتين كاذبتين والمعنى المنطقى يصدق عليهما وإذا لم يشترط النظر فالنسبة بينهما العموم والخصوص الوجهى لصدقهما فى المعنى الأصولى الواقع مع النظر وصدق الأصولى بدون المعنى المنطقى فى المفرد الذى لا يقع معه النظر بالفعل وصدق المنطقى بدون الأصولى فى بعض الكواذب كذا فى الهروى.

стр. 149

قال: (ولا بد من مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه فمن ثم وجبت المقدمتان). أقول: لا بد فى الدليل من مستلزم للمطلوب وإلا لم ينتقل الذهن منه إليه ولا من ثبوته للمحكوم عليه ليكون الحاصل خبريًا فلذلك وجبت فيه المقدمتان لتنبئ إحداهما عن اللزوم والأخرى عن ثبوت الملزوم فإن قلت هذا يختص فيما أرى ببعض الدلائل. وإلا فما تقريره فى نحو لا شئ من الملح بمقتات وكل ربوى مقتات وفي نحو لو كان الملح ربويًا لكان مقتاتًا وليس فليس قلنا مهما جعلنا المطلوب والوسط هما النفى والإثبات يزول هذا الوهم وتقريره فى المثالين أن نفى الاقتيات حاصل له ويستلزم نفى الربوية وفى الثانى كذلك وستراه يرجع الجميع إلى أمر واحد وهو الشكل الأول فتعين بذلك أن نظره إلى ما ذكرت. قوله: (ولا بد من مستلزم) هذا على تفسير المتكلمين ظاهر وأما على تفسير الأصوليين وهو المقصود بالبيان فوجوب المقدمتين إنما يكون على تقدير النظر، وإليه أشار بقوله ليكون الحاصل خبريًا يعنى إذا كان المستلزم حاصلًا للأصغر يكون اللازم حاصلًا له ضرورة فيحصل مطلوب خبرى هو النتيجة فحصول المستلزم للأصغر ليس مضمون النتيجة على ما سبق إلى الوهم بل مضمون الصغرى. قوله: (لتنبئ إحداهما عن اللزوم) هذه هى الكبرى فى الشكل الأول قدمها فى البيان لأن الملزوم من حيث هو ملزوم إنما يكون بعد اللزوم. قوله: (مهما جعلنا المطلوب) لما كان الظاهر أن المطلوب هو النتيجة والمستلزم هو الحد الأوسط وحصوله للأصغر هو حمله عليه بالإيجاب توهم أكثر الشارحين أن ما ذكره إنما يصح فى الشكل الأول والهاربين الأول والثانى من الشكل الثانى لا فى الاستثنائى ولا فى باقى الضروب والأشكال مما صغراه سالبة والوسط موضوع وبعضهم فهم من المطلوب الأكبر فجعل هذا مختصًا بالضربين الأول والثانى من الشكل الأول إذ فيهما لزوم الأكبر للأوسط وثبوت الأوسط للأصغر على أنه لو جرى على ظاهره لم يصح إلا فى الكبرى الضرورية فذهب الشارح المحقق إلى أن هذا وهم، والتحقيق أن المراد بالمطلوب النفى والإثبات بين الأكبر والأصغر وبالمستلزم الإثبات أو النفى بين الأوسط والأصغر فلابدّ من مقدّمه

стр. 150

الإثبات أو النفى الذى هو نفس المستلزم ولأخرى لبيان الاستلزام، وحاصل ذلك أن الأصغر قد حصل نسبة الأوسط إليه وهى مستلزمة لنسبة الأكبر أيضًا إليه وهذا حقيقة الشكل الأول الذى هو مرجع الكل كأنه قيل الأصغر نسب إليه الأوسط، وكل ما نسب إليه الأوسط نسب إليه الأكبر ولا يخفى أن فى جعل المستخدم بهذا المعنى حاصلًا للمحكوم عليه نوع تكلف والأظهر أن المستلزم هو الأوسط ومعنى حصوله للأصغر نسبته إليه وتعلقه به بحمله على الأصغر أو يحيل الأصغر عليه إيجابًا أو سلبًا. قوله: (لا بد فى الدليل) وجوب المقدمتين على الاصطلاح المنطقى ظاهر على تعريفهم، وأما على الاصطلاح الأصولى فإنما يجبان فيه من حيث يتعلق به النظر؛ والسبب فى ذلك أنه لا بد فى الدليل من حيث يتوصل به إلى المطلوب أعنى المحكوم به من مستلزم له وإلا لم ينتقل الذهم منه إليه، ولا بد أيضًا من ثبوت المستلزم الموصوف للمحكوم عليه ليلزم من ثبوته له ثبوت لازمه له فيكون الحاصل منه خبريًا ولوجوب المستلزم بالحصول وجبت فى الدليل المقدمتان لتنبئ إحداهما عن اللزوم وهى الكبرى، وقدمت لأنها العمدة فى الإنتاج المشتملة على النتيجة بالقوة ولأخرى عن ثبوت الملزوم للمحكوم عليه وهى الصغرى، فإن قلت: الاستلزام إنما يكون فى القطعيات دون الظنيات على ما سبق قلت: إن أريد التعميم كما هو الظاهر حمل الاستلزام هنا على المناسبة المصححة للانتقال لا على امتناع الانفكاك. قوله: (هذا يختص) أى: ما ذكرتم من المستلزم للمطلوب الحاصل للمحكوم عليه إنما يوجد فى بعض الدلائل؛ لأن محصوله حمل الوسط الذى هو المستلزم على المحكوم عليه أعنى الأصغر إيجابًا كليًا أو جزئيًا، وحمل الأكبر الذى هو المطلوب على الوسط إيجابًا كليًا فاختص بالضرب الأول والثالث من الشكل الأول ولو أجرى الاستلزام على ظاهره لوحب أيضًا أن تكون كبراهما ضرورية وأما الضربان الباقيان منه فقد انتفى فيهما الاستلزام لمكان السلب وكذا فى الضرب الأول والثالث من الثانى وفى الضربين الآخرين منه انتفى الأمران لسلب الوسط عن الحكوم عليه واستلزام المطلوب للأوسط وفى ضروب الثالث انتفى الحصول

стр. 151

مطلقًا وفى المنتجة للسلب الاستلزام أيضًا وفى ضروب الرابع انتفى الأمران معًا. قوله: (وإلا فما تقريره) أورد مثالين أحدهما من الاقترانيات الذى انتفى فيه الشرطان فإن المقتات الذى هو الوسط ليس حاصلًا للمحكوم عليه أعنى الملح بل مسلوب عنه ولا مستلزمًا للمطلوب الذى هو الربوى بل الأسر بالعكس، وثانيهما استثنائى انتفيا فيه أيضًا قيل: وأما الاستثنائى الذى يستثنى فيه عين القدم كقولنا إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان لكنه إنسان فاشتماله على هيئة الشكل الأول المستجمع للشرطين ظاهر وهذا إنما يجرى فى بعض أقسامه الذى يسهل ردّه إليه كما سيأتى بيانه. قوله: (مهما جعلنا) يريد أن وهم الاختصاص ببعض الدلائل إنما ينشأ إذا جعل المطلوب والأوسط هو المفرد المذكور بدون ملاحظة وجوده أو عدمه أما إذا لوحظ فيهما ذلك زال التوهم فيقال فى المثالين أن الوسط هو نفى الاقتيات وهو حاصل للملح ومستلزم للمطلوب الذى هو نفى الربوية فكأنه قيل الملح سلب عنه الاقتيات، وكل ما سلب عنه الاقتيات سلب عنه الربوية ينتج أن الملح سلب عنه الربوية ومثل هذا يسمى موجبة سالبة المحمول وسالبة الطرفين والأولى لازمة للسالبة والثانية صادقة فى عكس نقيض الموجبة على طريقة القدماء والمصنف يجوّز استعماله فى القياس وستطلع على تحقيقها فالمراد من النفى والإثبات هو الوجود والعدم مضافين إلى الفرد تركيبًا تقييديًا واقعًا محمولًا أو موضوعًا وما ظن من أنه أريد بهما الإيقاع والانتزاع أما فى المطلوب فلأنه لا دليل إلا على تصديق وأما فى الوسط فلأن الموصل إليه لا يكون إلا تصديقًا أيضًا فسهو؛ لأن قوله أن نفى الاقتيات حاصل له تصريح بأنه محمول على الملح حاصل له ثم الوسط لابد وأن يكون متكررًا والحكم الموجود فى الصغرى لم يتكرر فى الكبرى قطعًا ولم يرد بالمطلوب ههنا النتيجة كما هو المتعارف بل محمولها فإنه مطلوب الثبوت للمحكوم عليه ومقابل له ولا شك أن المستلزم للنتيجة هو المجموع وليس حاصلًا للمحكوم عليه وقوله لتنبئ إحداهما عن اللزوم أى لزوم المطلوب للمستلزم الذى هو الوسط ينبئ عن فساده أيضًا والوسط موصل أبعد ولا يكون إلا تصورًا، وإذا عرفت الحال فى المثالين فقس عليهما ما عداهما وسيجئ تفاصيله. قوله: (وستراه) لما وجه كلامه بما هو خلاف الظاهر أيده بأن المصنف سيرجع

стр. 152

جميع الأدلة من الأشكال الثلاثة والاستثنائيات إلى الشكل الأول، بناء على أنه المنتج والمستلزم للمطلوب الخبرى فى نفس الأمر وهو السبب للعلم بالإنتاج فما عداه إن اشتمل على هيئته ينتج وإلا فلا. (فتعين بذلك أن نظره إلى ما ذكرناه) من التأويل فى المطلوب والوسط ليمكن رد الجميع إليه. واعلم أن كلامه كما يقتضى انحصار الإنتاج فى الضربين من الشكل الأول يقتضى تأويل السوالب بالموجبات السالبة المحمول؛ فالقضية المعتبرة فى الإنتاج هى الموجبة وكون الكبرى ضرورية وإنما يتأتى بأن يؤخذ المحمول فى القضية الممكنة مثلًا إمكانه فترجع ضرورية وربما يستغنى عن هذا بما أسلفناه. قوله: (من حيث يتوصل به إلى المطلوب) فائدة هذا القيد توضيح قول الشارح وإلا لم ينتقل الذهن منه إليه فإن الظاهر هو التوصل بالدليل إلى الحكم وانتقال الذهن منه إليه لا إلى المحكوم به لكن لما كان للمحكوم به زيادة اختصاص بالحكم الذى لا يحصل بدونه جعل مطلوبه من الدليل وانتقال الذهن منه إليه واجبًا. الشارح: (ليكون الحاصل خبريًا) أى ليحصل المطلوب الخبرى لأنه إذا كان الوسط ثبت له الأكبر وقد ثبت ذلك الأوسط للأصغر فقد ثبت الأكبر للأصغر. التفتازانى: (لأن الملزوم من حيث هو ملزوم. . . إلخ) الأوضح أن لو قال: لأن حصول الملزوم للمحكوم عليه من حيث هو ملزوم إنما يكون بعد اللزوم. التفتازانى: (إنما يصح فى الشكل الأول) أى لأن حصول المستلزم للمطلوب ظاهر فيه لإيجاب صغراه فى جميع ضروبه. التفتازانى: (والضربين الأول والثانى من الشكل الثانى) الضرب الأول منه ما كانت الصغرى فيه موجبة كلية والكبرى سالبة كلية وحصول الأوسط للأصغر فيه إيجابًا ظاهر وأما الضرب الثانى فهو ما كانت فيه الصغرى سالبة كلية والكبرى موجبة كلية كقولنا: كل غائب ليس: بمعلوم الصفة وكل ما يصح بيعه معلوم الصفة ولا شك أن الأوسط فيه ليس حاصلًا للأصغر فلعل قوله والثانى تحريف وصوابه والثالث وهو ما كانت الصغرى فيه موجبة جزئية والكبرى سالبة كلية كقولك بعض الغائب مجهول الصفة وكل ما يصح بيعه ليس بمجهول الصفة فالأوسط فيه

стр. 153

حاصل للأصغر إيجابًا. التفتازانى: (بالضربين الأول والثانى من الشكل الأول) تحريف وصوابه بالضرب الأول والثالث من الشكل الأول لأن الضرب الأول فيه ما كانت الصغرى موجبة كلية والكبرى كذلك، والثانى ما كانت الصغرى فيه موجبة كلية والكبرى سالبة كلية فليس فى الضرب الثانى منه لزوم الأكبر للأوسط بل سلب اللزوم وأما الثالث فالصغرى فيه موجبة جزئية والكبرى موجبة كلية ولزوم الأكبر للأوسط فيه ظاهر لإيجاب الكبرى. التفتازانى: (النفى والإثبات بين الأكبر والأصغر) أى فيكون هو النتيجة. التفتازانى: (والأخرى لبيان الاستلزام) وهى الكبرى. التفتازانى: (نوع تكلف) أى لأن إثبات الوسط أو نفيه للأصغر ليس حاصلًا للمحكوم عليه الذى هو الأصغر بل الحاصل الوسط إيجابًا أو سلبًا فالحصول باعتبار الوسط. قوله: (من حيث يتعلق به النظر) لأنه مجموع الحركتين حركة من المطالب إلى المبادئ وحركة من المبادئ إلى المطالب وذلك يقتضى المقدمتين. قوله: (لتنبئ أحدهما عن اللزوم) إنباؤها عن اللزوم باعتبار كونها كلية دالة على ثبوت الأكبر لجميع أفراد الأوسط. قوله: (على النتيجة بالقوة) لأنه حكم بالأكبر الذى هو محمول النتيجة على جميع أفراد الأوسط ومن جملة أفراد الأوسط الأصغر فقد وجدت النتيجة بالقوة لا بالفعل. قوله: (وأما الضربان الباقيان منه) هما الثانى والرابع. قوله: (لمكان السلب) لأن الضرب الثانى هو المركب من موجبة كلية وسالبة كلية والضرب الرابع هو المركب من جزئية موجبة وسالبة كلية. قوله: (وكذا فى الضرب الأول والثالث من الشكل الثانى) أى لأن الأول مركب من موجبة وسالبة كلية والثالث من موجبة جزئية وسالبة كلية ولا استلزام فيهما لمكان السلب. قوله: (وفى الضربين الأخيرين) هما الثانى والرابع وقوله لسلب الوسط عن المحكوم عليه أى لأن الثانى الصغرى فيه سالبة كلية والرابع صغراه سالبة جزئية.

стр. 154

قوله: (واستلزام المطلوب للوسط عطف على قوله لسلب الوسط) أى فالوسط ليس مستلزمًا للمطلوب كما قال المصنف بل الأمر بالعكس. قوله: (انتفى الحصول مطلقًا) أى لأن الوسط موضوع فى الصغرى والكبرى فليس حاصلًا للمحكوم عليه بل المحكوم عليه فى الواقع وقع محكومًا به على الوسط. قوله: (مطلقًا) أى سواء أنتج الإيجاب أو السلب. قوله: (وفى المنتجة للسلب لا استلزام أيضًا) أى انتفى فيها الاستلزام كما انتفى فيها الحصول وضروبه على ما سيأتى ستة؛ الأول: أن تكون المقدمتان كلتاهما موجبة كلية، الثانى: أن تكون الأولى موجبة جزئية والثانية موجبة كلية، الثالث: كلية موجبة صغرى وجزئية موجبة كبرى، الرابع: كلية موجبة وكلية سالبة، الخامس: جزئية موجبة وكلية سالبة، السادس: كلية موجبة وجزئية سالبة. قوله: (انتفى الأمران معًا) أى الحصول والاستلزام أما الحصول فلأن الوسط موضوع فى الصغرى وأما الاستلزام فلأن الوسط وقع لازمًا للأكبر فى الإيجاب ومسلوبًا عنه فى السلب وضروبه خمسة على ما سيأتى. قوله: (انتفيا فيه أيضًا) لأن الاقتيات فى المثال وقع مسلوبًا عن الملح والاستلزام وقع للأصغر لا للأوسط لأن ذلك مقتضى الشرطية. قوله: (الذى اتحد فيه موضوع المقدم وموضوع التالى) (*) أى كالمثال الذى ذكره. قوله: (فيقال فى المثالين) لم يتعرض لتمثيل الإثبات لعدم الاحتياج إليه وذكره استطرادى تنبيهًا على جواز اعتباره وإن لم يكن لازمًا بأن يقال العالم ثبت له التغير وكل ما ثبت له التغير حادث. قوله: (والأولى لازمة للسالبة) قالوا فى بيان اللزوم أنه إذا صدق سلب ب عن ج صدق على ج أنه منتفٍ عنه ب وإلا لصدق نقيضه أعنى ليس منتفيًا عنه ب فلا تصدق السالبة وهذا خلف. قوله: (والمصنف يجوز. . . إلخ) جواب عما يقال: إن بيان إنتاج القياس بعكس النقيض مخالف للمشهور فإنهم جوزوا العكس المستوى دون عكس النقيض فإن

стр. 155

المستوى لا يغير حدود القياس بخلاف عكس النقيض وحاصل الجواب: أن المصنف يجوز استعماله فى القياس على ما يأتى أنه استعمل فى بيان إنتاج الرابع فى الشكل الثانى عكس النقيض حيث يبين لعكس الكبرى وهو الموجبة الكلية بنقيض مفرديها وما ذكره الشارح بيان لكلامه على مذهبه. قوله: (هو الوجود والعدم) المراد من الوجود ثبوت المحمول والمراد من العدم سلبه حتى تكون القضية سالبة المحمول أو سالبة الطرفين فلا يقال: إن القضية معدولة لا سالبة وقوله واقعًا محمولًا أو موضوعًا أى الوجود أو العدم المضاف هو الواقع محمولًا لا مجموع المضاف والمضاف إليه حتى تكون معدولة جعل السلب جزءًا من محمولها. قوله أيضًا: (هو الوجود والعدم) أى فالمراد من النفى والإثبات هو المطلوب أو الوسط ثبوتًا أو انتفاء لا المفهوم من ظاهره. قوله: (ثم الوسط. . . إلخ) تزيف آخر. قوله: (فإنه مطلوب الثبوت للمحكوم عليه) أى فصح التعبير عنه بالمطلوب وقوله: ومقابل له أى فهناك دليل على إرادته وهو أنه ذكر فى مقابلة المحكوم عليه فى قوله من مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه ومقابل المحكوم عليه هو المحمول. قوله: (ولا شك أن المستلزم. . . إلخ) إبطال لإرادة النتيجة بالمطلوب وقوله: والوسط موصل أبعد إشارة إلى تزييف آخر لقوله: أما فى الوسط فلأن الموصل لا يكون إلا تصديقًا ووجه الرد أن الموصل القريب هو القياس والبعيد هو كل واحد من المقدمتين وأما الوسط فهو طريق أبعد فإنه محمول الصغرى وموضوع الكبرى فلا يكون إلا مفردًا ولو بالقوة فلا يكون إلا تصورًا. قوله: (وكون الكبرى) عطف على قوله تأويل السوالب. قوله: (بما أسلفناه) وهو أن المراد بالاستلزام المناسبة المصححة للانتقال ولو لم يكن هناك امتناع انفكاك.

стр. 156

قال: (والنظر الفكر الذى يطلب به علم أو ظن). أقول: الفكر هو انتقال النفس فى المعانى انتقالًا بالقصد وذلك قد يكون لطلب علم أو ظن فيسمى نظرًا وقد لا يكون كذلك كأكثر حديث النفس فلا يسمى نظرًا وبهذا صرح الإمام فى الشامل وقول الآمدى مراده أن النظر هو الفكر ثم تفسيره بأنه الذى يطلب به علم أو ظن بعيد. قوله: (انتقالًا بالقصد) احتراز عن الحدس وعما يتوارد على النفس من المعانى بلا قصد. قوله: (وقول الآمدى) لما كان المراد بالفكر والنظر فى عبارة المنطقيين واحدًا زعم الآمدى أن مراد القاضى أبى بكر فى هذا التعريف أن يفسر النظر بالفكر تنبيهًا على اتحادهما معنى ثم يعرّفه بما يطلب به علم أو ظن ولا شك أنه بعيد لم يعهد مثله فى التعريفات ولا يفهم من اللفظ، مع أن التفسير بالذى يطلب به علم أو ظن ينتقض بالقوة العاقلة وكثير من آلات الإدراك وبالدليل نفسه وعلى هذا التعريف أسئلة أقواها أن الظن غير المطابق جهل لا يطلبه عاقل وما يعلم مطابقته علم فلا حاجة إلى ذكر الظن، والجواب أن المطابق قد يطلب لا من حيث الجزم بل من حيث الرجحان. قوله: (الفكر. . . إلخ) حركة النفس فى المحسوسات تسمى تخيلًا وفى المعقولات تسمى فكرًا، هذا هو المشهور ولما بدل الحركة بالانتقال الذى هو أعم منها زيد القصد احترازًا عن الحدس وأيضًا الحركة فيما يتوارد من المعقولات بلا اختيار كما فى المنام لا تسمى فكرًا، ولعل المراد بالمعانى ههنا هو المعقولات المقابلة للمحسوسات الشاملة للموهومات لأن الفكر الذى بهذا المعنى هو الذى عد من خواص الإنسان، وذلك الانتقال الفكرى قد يكون لطلب علم أو ظن فيسمى نظرًا، وقد لا يكون كذلك فلا يسمى به: فالفكر جنس له وما بعده فصل، وإنما قال: أو ظن ليتناول النظر فى الأمارات وبما ذكرناه من أن الفكر هو الانتقال المذكور وأن أحد قسميه هو النظر صرح إمام الحرمين فى الشامل، قال الآمدى فى الإبكار: مراد القاضى أن النظر هو الفكر أى: هما مترادفان وما بعدهما تعريف

стр. 157

لهما. قال الشارح: هو بعيد عن الصواب إذ لا يناسب المقام ولم يعهد مثله فى التعريفات ويوجب الالتباس وبالجملة؛ المتبادر من العبارة خلافه فيبعد إرادته قيل: ينتقض الحد أيضًا بالقوة العاقلة وكثير من آلات الإدراك وبالدليل نفسه فإن قلت: ماذا أريد بالنظر المعرف بما ذكر أمجموع الحركتين كما هو رأى القدماء أم الحركة الثانية وحدها كما هو مذهب المتأخرين؟ وهل يتناول النظر فى التصورات أو لا؟ قلت: الظاهر حمله على المعنى الأول إذ به يحصل المطلوب لا بالحركة الثانية وحدها والتصور مندرج فى العلم على ما فسر به فيتناول الحد الأنظار التصورية والتصديقية من اليقينيات والظنون وما يجرى مجراهما. تنبيه: الانتقال الفكرى حركة فى الكيفيات النفسانية التى هى الصور المعقولة على قياس الحركة فى الكيفيات المحسوسة فتنتقل النفس به من ملاحظة صورة إلى أخرى. قوله: (زيد القصد احترازًا عن الحدس) بيان ذلك أن الانتقال الواقع فى المعانى الحدسية أى فى المواد المرتبة الحاصلة بلا حركة ليس بالقصد إذ ليس هناك إلا ملاحظة المبادئ وملاحظة المطلوب بسرعة من غير قصد واختيار فى الانتقال كالانتقال الواقع فى المنام بخلاف المعانى الفكرية، فإن فيها انتقالات مقرونة بالقصد إليها وللنفس اختيار فى تلك الانتقالات فإن قلت قد تتحقق الحركة الأولى أى الحركة من المطلوب إلى المعقولات مع قصد الانتقال إلى المطلوب وبعد ذلك يحصل الانتقال الحدسى فلا يخرج من تعريف الفكر بسبب القيد بالقصد مطلق الحدس قلت: معنى الكلام أن الفكر هو انتقال النفس فى المعانى الواقعة ملاحظتها مع القصد إلى ذلك الانتقال أى لا يكون الانتقال الواقع فيها بلا اختيار بل وقع من النفس ملاحظة معنى مع قصد الانتقال منه وانتقلت بالاختيار وفى الحدث ليس الانتقال من ملاحظة المبادئ المرتبة بالقصد والاختيار بخلاف المعانى الفكرية فإنه يقع فيها الملاحظات المقصود منها الانتقال وذلك الانتقال يكون بالقصد والاختيار؛ لأن النفس بعد ملاحظة تلك المعانى تجعلها مرتبة فيحصل الانتقال. قوله: (حركة فى الكيفيات النفسانية) الظاهر أن الحركة لا تتصور فى الكيفيات العلمية لأن النفس تتكيف بكيفية علمية فى آنٍ وتتكيف بكيفية علمية أخرى فى آن

стр. 158

آخر على وجه لا يتوسط بينهما كيفية علمية أخرى وليس هناك حركة وإلا لزم تتالى الآنات فإطلاق الحركة على الفكر يكون على سبيل التجوز، وكذا إطلاق السرعة فى قولهم: الحدس هو سرعة الانتقال من المبادئ. التفتازانى: (أن مراد القاضى أبى بكر فى هذا التعريف. . . إلخ) قال القاضى أبو بكر: الذى يطلب به علم أو غلبة ظن فأورد عليه أسئلة أربعة: الأول: أن الظن غير المطابق جهل فيلزم مما ذكره فى التعريف أن يكون الجهل مطلوبًا ولا يطلبه عاقل فإن المطلوب ما تعلم مطابقته فيكون علمًا لا ظنًا فقوله: أو غلبة ظن مستدرك وأجيب بأن الظن مطلوب من غير ملاحظة المطابقة وعدمها فإن المقصود الأصلى قد يترتب على الظن من حيث هو ظن كما فى الاجتهاديات العملية ولا يلزم من طلب الأعم طلب الأخص، الثانى: غلبة الظن غير أصل الظن فيخرج عنه ما يطلب به أصل الظن وأجيب بأن الظن هو المعبر عنه بغلبة الظن لأن الرجحان مأخوذ فى حقيقته وإنما عدل عن الظن إلى غلبته تنبيهًا على اعتبار الرجحان فيه، الثالث: الحد إنما يكون للماهية من حيث هى هى وهذا المذكور فى تعريف النظر تعديد لأقسامه فإن ما يطلب به العلم قسم وما يطلب به الظن قسم وأجيب بأن الانقسام إليهما خاصة للنظر مميزة له عما عداه، الرابع: لفظ الفكر فى هذا التعريف زائد لا حاجة إليه إذ باقى الحد مغن عنه إذ يكفى أن يقال: النظر هو الذى يطلب به علم أو ظن والجواب أن الفكر جنس فى التعريف وهو حركة النفس فى المعقولات فإن كان لطلب علم أو ظن كان نظرًا وإلا لم يكن نظرًا فليس الفكر مرادفًا للنظر فقوله فى هذا التعريف مع أن القاضى عبر بغلبة الظن دون الظن لا شئ فيه لما علمت من أن المراد بالغلبة نفس الظن. التفتازانى: (بعيد لم يعهد مثله فى التعريفات) أى لأن بيان الترادف واتحاد المدلول ينبو عنه مقام التحديد الذى يقتضى ذكر الأجزاء الموصلة إلى المعرف. التفتازانى: (وعلى هذا التعريف أسئلة) علمت أنها أربعة على تعريف القاضى وهى على تعريف المصنف ثلاتة لأنه لم يأخذ الغلبة فى التعريف كما أخذها القاضى. قوله: (وفى المعقولات تسمى فكرًا) يرد أن يقال: إن الفكر هو المعبر عنه

стр. 159

بالحركة بالقصد لا مطلق الحركة كما سيذكره ويجاب بأنه ليس الغرض من ذلك تعريف الفكر بالتعريف الجامع المانع بل مجرد الفرق بين الحركة فى المحسوسات والحركة فى المعقولات وإن كانت لا تسمى فكرًا ولا تكون تعريفًا له إلا إذا اعتبر فيها القصد ويجاب أيضًا بأنه أسند ذلك إلى المشهور فلا ينافى أن له اختيارًا آخر. قوله: (زيد القصد) احترازًا عن الحدس لأن الحدس هو الانتقال الدفعى الحاصل من غير قصد كما إذا اطلعت النفس على المبادئ المرتبة فانتقلت منها إلى ما هى له من غير سبق قصد لها فى ذلك الانتقال وبزيادة القصد يحصل الاحتراز عن الحركة غير الاختيارية أيضًا والحاصل أن الحدس لا حركة فيه فلو عبر بالحركة يخرج الحدس ولكن يبقى شاملًا للحركة غير الاختيارية وبزيادة القصد تخرج تلك الحركة فزيادة القصد لا بد منها لإخراج تلك الحركة وأما الحدس فلا يحتاج فى إخراجه لزيادة القصد إلا إذا عبر بالانتقال لا بالحركة. قوله: (الشاملة للموهومات) صفة للمحسوسات. قوله: (قال الآمدى. . . إلخ) نشأ له ذلك من استعمال المنطقيين النظر والفكر فى معنى واحد. قوله: (إذ لا يناسب المقام) أى مقام التعريف الذى يناسبه ذكر أجزائه كما مر. قوله: (ويوجب الالتباس) أى بأن الفكر من أجزاء التعريف. قوله: (ينتقض الحد. . . إلخ) نقل عنه أن الباء للسببية أو الآلة يعنى القريبة وما ذكر ليس سببًا قريبًا أو آلة كذلك لا يقال الدليل والتعريف قريبان إلى النتيجة والمعرف فهذا الجواب لا يحسم مادة الإشكال لأن نقول لا نسلم ذلك لأن الترتيب الواقع فيهما هو الأقرب وإن كان الترتيب جزءًا منهما وقيل: إن الذى يحسم مادة الإشكال أن يقال المتبادر من التعريف ما يكون له نوع استقلال واختصاص بالطلب وليس ذلك إلا فى مجموع الحركتين. قوله أيضًا: (مجموع الحركتين) لأنه لا شك أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أى معلوم اتفق بل لابد من أمور معلومة مناسبة له ولا شك أيضًا أنه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أى وجه كان بل لا بد له من ترتيب معين فيما بينها ومن هيئة مخصوصة عارضة لها بسبب ذلك الترتيب فإذا حصل لنا شعور بأمر تصوري أو تصديقى وحاولنا تحصيله على وجه أكمل فلا بد أن يتحرك الذهن فى

стр. 160

المعلومات المخزونة عنده منتقلًا من معلوم إلى معلوم حتى يجد المعلومات المناسبة لذلك المطلوب وهى المسماة بمبادئه ثم لا بد أيضًا أن يتحرك فى تلك المبادئ ليرتبها ترتيبًا خاصًا يؤدى إلى ذلك المطلوب فهناك حركتان مبدأ الأولى منهما المطلوب المشعور به بالوجه الناقص ومنتهاها آخر ما يحصل من تلك المبادئ ومبدأ الثانية أول ما يوضع منها للترتيب ومنتهاها المطلوب على الوجه الأكمل وحينئذ فحقيقة النظر هو التوسط بين المعلوم والمجهول وذلك مجموع الحركتين اللتين هما من قبيل الحركة فى الكيفيات النفسانية وأما الترتيب الذى ذكروه فى تعريف النظر فهو لازم للحركة الثانية. اهـ من حاشية السيد على المواقف. قوله: (كما هو مذهب المتأخرين) كتب ههنا أن المتأخرين إنما أطلقوا الفكر على الحركة الثانية تسامحًا والمراد مجموع الحركتين فعبر عن الكل لأشهر أجزائه لأنها أشهر وكذا من جعل الفكر عبارة عن الترتيب قد تسامح لأن الترتيب لازم للحركة الثانية. قوله: (لا بالحركة الثانية وحدها) أى وإن كان يدور عليها حصول المطلوب وجودًا وعدمًا فليس مخالفًا لما صرح به فى حاشية المطالع من قوله: إن حصول المجهول يدور على الحركة الثانية وجودًا وعدمًا. قوله: (على قياس الحركة) فى المحسوسات فكما يمكن أن يفرض فى الحركة فى الكيفيات المحسوسة بين المبتدأ والمنتهى كيفيات متعددة غير متناهية كذلك يمكن فى الحركة الفكرية بين المبتدأ والمنتهى صور غير متناهية أما فى الحركة الأولى فظاهر وأما فى الحركة الثانية فلعدم اشتراط وجود ما بين المبدأ والمنتهى بالفعل بل يكفى وجوده بالقوة فلا يرد أنه ليس للنفس فى زمان الفكر إلا العلم بمفهومات متناهية كالجنس والفصل والصغرى والكبرى كذا فى بعض الحواشى وبه رد قول الهروى الظاهر أن الحركة لا تتصور فى الكيفيات النفسية لعدم التوسط بين الكيفيتين للنفس وإلا لزم تتالى الآنات وأصحاب الحركة فى الكيف لا يقولون بالتتالى المذكور لئلا يلزم الجزء الذى لا يتجزأ وهم ينكرونه.

стр. 161

قال: (والعلم قيل لا يحد فقال الإمام: لعسره، وقيل: لأنه ضرورى من وجهين أحدهما أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم فلو علم العلم بغيره كان دورًا، وأجيب بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره لا على تصوره فلا دور، وثانيهما أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة وأجيب بأنه لا يلزم من حصول أمر تصوّره أو تقدّم تصوّره). أقول: قد اختلفوا فى تحديد العلم فقيل لا يحد وقيل يحد؛ أما القائلون بأنه لا يحد فافترقوا فرقتين فقال الإمام والغزالى: ذلك لعسر تحديده. وإنما يعرف بالقسمة أو المثال واستبعد لأنهما إن أفادا تميزًا فيعرّف بهما وإلا فلا يعرف بهما وليس ببعيد إذ الشئ قد يعلم بتقسيم يخرجه فيجعل له اسم ويتميز عن غيره فى مثال جزئى ولا يعرف له لازم بين الثبوت لأفراده بين الانتفاء عن جميع ما عداها. ولا يصلح للتعريف لازم إلا إذا كان كذلك والعلم من هذا القبيل فإنا نعرفه باعتبار الجزم والمطابقة والموجب ونعلم أن اعتقادنا بأن الواحد نصف الاثنين كذلك ولكن لا نعلم المطابق وغيره بضابط ضرورة وإلا لم يحصل الجهل لأحد وقيل لأنه ضرورى لوجهين: الأول: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم فلو علم العلم بغيره لزم الدور لكنه معلوم فيكون لا بالغير وهو الضرورى. والجواب: بعد تسليم كونه معلومًا أن توقف تصور غير العلم إنما هو على حصول العلم بغيره أعنى علمًا جزئيًا متعلقًا بذلك الغير لا على تصور حقيقة العلم والذى يراد حصوله بالغير إنما هو تصوّر حقيقة العلم لا حصول جزئى منه فلا دور للاختلاف. والثانى: أن علم كل أحد بأنه موجود ضرورى أى معلوم بالضرورة وهذا علم خاص وهو مسبوق بالعلم المطلق والسابق على الضرورى ضرورى فالعلم المطلق ضرورى. والجواب: أن الضرورى حصول العلم له وهو غير تصوّر العلم الذى هو المتنازع فيه وذلك أنه لا يلزم من حصول أمر تصوّره حتى يتبع تصوّره حصوله ولا تقدم تصوّره حتى يكون تصوّره شرطًا لحصوله وإذا كان كذلك جاز الانفكاك مطلقًا، فيتغايران فلا يلزم من كون أحدهما ضروريًا كون الآخر كذلك وسيجئ فى الخبر ما إذا عطفته إلى هذا الموضوع ينفعك.

стр. 162

قوله: (واستبعد) قال حجة الإسلام وربما يعسر تحديد العلم على الوجه الحقيقى بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل؛ لأن ذلك متعسر فى أكثر الأشياء بل فى أكثر المدركات الحسية كرائحة المسك فكيف فى الإدراكات؟ لكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال أما التقسيم فهو أن نميزه عما يلبس من الإدراكات فيتميز عن الظن والشك بالجزم وعن الجهل بالمطابقة وعن اعتقاد المقلد بأن الاعتقاد يبقى مع تغير المعتقد ويصير جهلًا بخلاف العلم وبعد هذا التقسيم والتمييز يكاد يرتسم العلم فى النفس بحقيقته ومعناه، وأما المثال فهو أن إدراك البصيرة شبيه بإدراك الباصرة فكما أنه لا معنى للإبصار إلا انطباع صورة المبصر أى مثاله المطابق فى القوة الباصرة كانطباع الصورة فى المرآة كذلك العلم عبارة عن انطباع صور المعقولات فى العقل فالنفس بمنزلة حديد المرآة وغريزتها التى بها تتهيأ لقبول الصور أعنى العقل بمنزلة صفاء المرآة واستنارتها وحصول الصورة فى مرآة العقل هو العلم فالتقسيم المذكور يقطع العلم عن مظان الاشتباه، وهذا المثال يفهمك حقيقة العلم، هذا ملخص كلامه فى المستصفى وبه يتبين أن مراده عسر تحديده بالحد الحقيقى لا بما يفيد امتيازه وأن ليس مراده بالمثال جزئيًا من جزئياته كما فى اعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين على ما فهمه الشارح. قوله: (يخرجه) أى يخرج التقسيم ذلك الشئ كما يقال الاعتقاد إما أن يكون مطابقًا أو لا والمطابق إما أن يكون جازمًا أو لا والجازم إما أن يكون ثابتًا أو لا، فهذا التقسيم قد أخرج لنا اعتقادًا جازمًا مطابقًا ثابتًا فسميناه العلم. قوله: (ولا يصلح للتعريف) فيه بحث لأن المعتبر فى الرسم هو كون اللازم مختصًا بالماهية شاملًا لأفرادها منتفيًا عما عداها، وأما كون اللازم كذلك بينا فلا إذ لا يشترط العلم بالاختصاص فضلًا عن كونه بينًا، وما يقال إن التعريف لا يكون إلا باللازم البين فمعناه أن يكون بحيث يحصل منه الانتقال إلى الملزوم البتة. قوله: (وإلا لم يحصل الجهل لأحد) يعنى لو كنا نعلم بضابط كلى يفيد أن أى اعتقاد مطابق وأيه غير مطابق لم يكن شئ من اعتقاداتنا جهلًا، لعلمنا حينئذ بأنه هل هو مطابق أم لا باعتبار ذلك الضابط. قوله: (الأول) حاصله أن تصور العلم لو كان كسبيًا لتوقف تصور حقيقة العلم

стр. 163

على تصور الغير لكن تصور الغير موقوف على العلم فيدور والجواب منع لزوم الدور، وإنما يلزم لو توقف تصور الغير على تصور حقيقة العلم وليس كذلك بل على حصول فرد من أفراد العلم متعلق بذلك الغير، وعلى العبارة مؤاخذة وإن كان كلامًا على السند وهو أن تصور الغير ليس نفس حصول العلم به فكيف يتوقف عليه، وغاية ما تكلف الشارح العلامة أن تصور الشئ أخص من العلم به ضرورة تقيده بعدم الحكم فيتوقف عليه ولا يخفى ضعفه. قوله: (أى معلوم بالضرورة) هذا التفسير للضرورى إنما يكون حيث يقع صفة لمتعلق العلم، وأما إذا وقع صفة للعلم فلا يفهم منه سوى أنه حاصل بغير نظر واكتساب سلمنا لكنه لا يطابق المتن وهو أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة إلا إذا حمل على أنه يعلم العلم بوجوده ولا يخفى بعده سلمنا، لكن هذا التفسير يدفع الجواب على الوجه المذكور بيان ذلك أنهم استدلوا بأن علم كل أحد بوجوده ضرورى أى حاصل بلا نظر وهو علم خاص فيكون المطلق ضروريًا وأجيب بأن الضرورى هو علمه بوجوده لا تصور علمه وحصول العلم بالشئ ضرورة لا يوجب تصور العلم فضلًا عن بداهته فدفع بأن كونه عالمًا بوجوده ضرورى أى معلوم بالضرورة بمعنى أن تصديقه بأنه عالم بوجوده ضرورى والعلم أحد تصورات هذا التصديق فيكون تصوره ضروريًا، وأجيب بأن التصديق الضرورى هو الذى لا يتوقف بعد تصورات الأجزاء على نظر وكسب فهو لا يستلزم بداهة الأجزاء فدفع بأن هذا التصديق ضرورى بجميع أجزائه بمعنى أنه لا يتوقف على كسب ونظر أصلًا لا فى نفس الحكم ولا فى أطرافه ضرورة حصوله لمن لا يتأتى منه النظر والاستدلال، فعلى هذا لا يتوجه فى الجواب أن تصور العلم ليس بضرورى بل إن التصديق إنما يتوقف على تصورات الأطراف بوجه والكلام فى تصور حقيقة العلم. قوله: (الضرورى حصول العلم له) فإن قيل الضرورى والمكتسب من صفات العلم خاصة فما معنى كون العلم ضروريًا قلنا المراد أن تصور وجوده أو تصديقه بأنه موجود ضرورى. قوله: (وهو غير تصور العلم) فإن قيل العلم من صفات النفس فحصوله فى النفس تصوره قلنا تصور الشئ وجوده فى النفس وجودًا غير متأصل، بمعنى أن

стр. 164

يرتسم فى النفس مثال مطابق له وحصول العلم بالشئ فى النفس وجوده فيها وجودًا متأصلًا كالكرم والبخل والإيمان والكفر وهذا يوجب الاتصاف لا التصور والأول بالعكس فالكافر يتصور الإيمان ولا يتصف به ويتصف بالكفر ولا يتصوره. قوله: (وذلك أنه لا يلزم) آثر فى تقرير هذا الجواب بعض التطويل ليبين فائدة قوله أو تقدم تصوره بصيغة المصدر عطفًا على تصوره فأثبت التغاير بين حصول العلم وتصوره بمعنى جواز الانفكاك مطلقًا أى من الجانبين؛ لأن هذا غاية التغاير إذ قد يفسر بأن المفهوم من هذا ليس هو المفهوم من الآخر وقد يفسر بجواز الانفكاك فقيل يكفى من جانب وقيل بل من الجانبين ومبناه على أن تصور الشئ بدون حصوله نفسه ظاهر فالحاصل أن تصور العلم بعدما أنه ليس نفس حصول العلم ليس لازمًا له لاحقًا ولا شرطًا له سابقًا فلا يلزم من بداهته بداهته، والعجب أنه جعل تقدم التصور على حصوله فى بحث الخبر دليل الانفكاك والتغاير حيث قال: لا يلزم من حصول أمر تصوره إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصور حصوله فيتصور وهو غير حاصل؛ وذلك لأنه قال فى المتن يجوز أن يحصل ضرورة ولا يتصوره أو يتقدم تصوره بصيغة المضارع وفى بعض النسخ أو تقدم تصوره بصيغة الماضى وههنا أيضًا كذلك فى كثير من النسخ عطفًا على: لا يلزم أى يقدم تصوّره على حصوله فينفك عنه فيغايره، والحاصل أن تقدم التصور قد يوجد مع الانقضاء فيكون دليل الانفكاك وقد يوجد مع البقاء فيكون دليل عدم الانفكاك قيل: وإنما عدل ههنا عن صيغة الماضى لأنه لو تقدم تصور العلم على حصوله يلزم بداهة تصور العلم لأن حصول العلم لكل أحد بوجوده ضرورى بمعنى أنه لا يتوقف على كسب أصلًا؛ إذ لا يخلو عنه البله والصبيان والسابق على البديهى أولى أن يكون بديهيًا والجواب أن المراد جواز التقدم فى الجملة لا لزومه على أن مثله فى الخبر آت أيضًا. قوله: (وسيجئ فى الخبر) يجوز أن يكون إشارة إلى احتمال أن يكون تقدم تصوره بلفظ الماضى وأن يكون إشارة إلى ما ورد من أن البداهة تنافى الاستدلال وأجاب بأن العلم البديهى بالشئ مغاير للعلم بأن ذلك العلم بديهى ولا يلزم من بداهة الأول بداهة الثانى. واعلم أن لهذا الدليل تقريرًا آخر وهو أنه لو كان مطلق

стр. 165

العلم كسبيًا لكان كل علم كسبيًا ضرورة أن كسبية الجزء تستلزم كسبية الكل، واللازم باطل ضرورة كثرة التصورات والتصديقات البديهية وتقرير الجواب أن كسبية مطلق العلم لا تستلزم إلا كسبية تصور كل علم وهو لا ينافى حصول بعض العلوم من التصورات والتصديقات بلا كسب كما أن حصول الشئ ليس نفس تصوره ولا مشروطًا بتصوره. قوله: (وإنما يعرف) أى: العلم على صيغة المجهول من المعرفة وكذلك قوله: وإلا فلا يعرف وأما قوله: فيعرف بهما، فمن التعريف والمذكور فى المستصفى أنه ربما يعسر تحديده على الوجه الحقيقى بعبارة محررة جامعة للجنس والفصل الذاتيين فإن ذلك عسير فى أكثر الأشياء بل فى أكثر المدركات الحسية كرائحة المسك وطعم العسل، وإذا عجزنا عن حد المدركات فنحن عن تحديد الإدراكات أعجز ولكنا نقدر على شرح معنى العلم بتقسيم ومثال، فقد صرح بأن المتعسر هو الحد الحقيقى لا الرسمى وأنه ليس مختصًا به لصعوبة الامتياز بين الذاتيات والعرضيات وعلى هذا فاستبعاد الآمدى فى غاية السقوط لأن ثبوت الحد الرسمى وسهولته لا ينافى عسر الحد الحقيقى ذكر فى الأحكام أنهما قالا: لا سبيل إلى تحديده، وطريق تعريفه إنما هو القسمة والمثال وهو غير سديد فإن القسمة إن لم تكن مفيدة لتميزه عما سواه فليست بمعرفة له وإن كانت مميزة له عما سواه فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا وحاصله أنهما نفيا عنه التحديد وأثبتا له التعريف بوجه مخصوص، فاعترض بأن ذلك الوجه إن لم يفد تميزًا لم يكن تعريفًا، وإن أفاده صار رسميًا والشارح بنى الكلام على أنهما نفيا عنه التعريف مطلقًا وأثبتا له طريق معرفته ووجه اعتراضه بأن الطريق المذكور إن أفاد تميزًا كان تعريفًا وإلا لم يكن طريقًا إلى معرفته وأجاب عنه بأن إفادته للتميز لا تستلزم كونه صالحًا للتعريف، فإن الشئ قد يعلم بتقسيم يخرجه بأن يؤخذ مقسم شامل له ذاتيًا أو عرضيًا ويميز بعضه عن بعض بأمور متمايزة ويكون أحد أقسامه ذلك الشئ فيعرف باعتبار الشامل والمميز ويجعل له اسم وقد يتميز أيضا عن غيره فى مثال جزئى، ولا يعرف لذلك الشئ على تقديرى إخراجه بالقسمة وامتيازه بالمثال لازم بين الثبوت له فى جميع أفراده وبين الانتفاء عما عداها (ولا يصلح للتعريف لازم إلا إذا كان كذلك) فقد جاز أن

стр. 166

يكون شئ طريقًا إلى معرفة شئ آخر، ولا يكون معرفًا له لانتفاء شرائطه، وهذا الجواب يخالف ما هو المشهور من أن القسمة الحقيقية لانطوائها على المشترك وما به تمايز أقسامه تشتمل على تعريفاتها، وأن المثال مآله إلى تعريف رسمى وأن المعتبر فى اللازم اختصاصه وشموله لا العلم بذلك نعم لا بد من كونه بحيث ينتقل الذهن منه إلى الملزوم وإن لم يكن معرفًا له ولا طريقًا إلى معرفته إلا أن الانتقال إذ لم يكن على وجه الاكتساب كان موصلًا إلى معرفته ولم يكن معرفًا له كما فى الانتقال عن تصورات الماهيات إلى لوازمها البينة لكنه خلاف ظاهر الحال فى القسمة والمثال. قوله: (والعلم من هذا القبيل) أى مما يعلم بتقسيم يخرجه ويميزه عن غيره فى مثال جزئى ولم يعرف له لازم كذلك؛ لأن التباسه إنما هو بالإدراكات لا بغيرها من الصفات النفسية، ونحن نعرفه باعتبار الجزم الذى به يمتاز عن الشك والظن وبالمطابقة التى بها يتميز عن الجهل المركب، وبالموجب الذى يميزه عن تقليد المصيب فإذا قسمنا الاعتقاد المرادف للتصديق بملاحظة هذه الصفات خرج العلم بالمعنى الأخص (و) كذلك (نعلم أن اعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين كذلك) أى مستجمع لهذه الأوصاف وعلم وليس غيره فقد تميز لنا بذلك المعنى فى هذا المثال ولا نعلم له فى شئ من الحالين لازمًا صالحًا لتعريفه به؛ إذ ليس مجموع هذه الأمور لازمًا بينًا كما ذكر (لأنا لا نعلم المطابق وغيره) من الصفات أو غير المطابق (بضابط ضرورة) أى: علمًا ضروريًا إذ لو علم الكل على هذا الوجه لم يحصل الجهل لأحد من العقلاء لتميزه بذلك الضابط المطابق عن غيره تميزًا ضروريًا، فلا يحصل له اعتقاد غير مطابق إذ لا يتمكن فيه، وإنما اعتبر الضابط لظهور أن المطابقة مثلًا ليست بينة بدون مراجعة إلى ضابط، واعتبر كون العلم ضروريًا حاصلًا من الضابط على وجه التنبيه؛ إذ لو كان مكتسبًا لم يكن اللزوم بينًا ولا يخفى جريانه فى كثير من الرسومات والأمثلة. واعلم أن الغزالى أورد فى المثال تشبيه إدراك البصيرة بإدراك البصر، والأمر فى ذلك سهل. قوله: (الأول) أقول: لو لم يكن العلم ضروريًا لكان كسبيًا، إذ لا واسطة بينهما فيتوقف على العلم بغيره مع توقفه عليه فيكون دورًا، وإنما قال: لكنه معلوم دفعًا لما يقال من كون امتناع اكتسابه لا يستلزم كونه ضروريًا لجواز امتناع

стр. 167

حصوله، والجواب: أنا لا نسلم كونه معلومًا بكنهه والنزاع إنما وقع فيه ولئن سلمنا فلا نسلم لزوم دور لأنه إذا كان كسبيًا كان تصوره موقوفًا على تصور غيره، وتصور غيره لا يتوقف على تصوره، فإن أكثر الناس يتصورون أشياء كثيرة ولا يتصورون حقيقة العلم وبهذا القدر انكشف الحال واندفع الإشكال وإنما زيد فى الجواب بيان ما يتوقف عليه تصور غير العلم تنبيهًا على منشأ توهم الدور فإنه يتوقف على حصول علم جزئى يتعلق بذلك الغير وعلى حصول ماهية العلم فى ضمنه، فكأنه لم يفرق بين حصوله وتصوره فإن قلت: توقف تصور غيره على حصول ماهيته أمر معقول إذ لا امتناع فى توقف حصول الخاص على حصول العام، وأما توقفه على حصول علم جزئى متعلق بذلك الغير فلا لأن توقفه من حيث الحصول فيكون حصوله متوقفًا على حصوله، لأن العلم المتعلق به هو ذلك التصور بعينه قلت: يمكن أن يحمل تصور الغير على كونه متصورًا معلومًا، ولا استحالة فى توقف كون الشئ معلومًا على حصول العلم به وقيل: العلم الجزئى المتعلق بذلك الغير أعم مفهومًا من تصوره فيرجع إلى توقف حصول الخاص على حصول العام مع أنه كلام على ما يتعلق بإيضاح المنع. قوله: (والثانى أن علم كل أحد) الضرورى يقع صفة للعلم: بمعنى: أن حصوله لا يحتاج إلى نظر وكسب ويقع صفة للمعلوم: بمعنى أن حصول العلم به كذلك، ولما قال: إن علم كل أحد بأنه موجود ضرورى، احتمل أن يكون من القبيل الثانى أى: العلم بذلك العلم حاصل بلا اكتساب فلا يطابقه الجواب، ويخالف تقرير السؤال على ما ذكر فى متن الكتاب فلذلك فسره بقوله: أى معلوم بالضرورة يعنى: أن كونه موجودًا معلوم له بالضرورة لا أن علمه به معلوم بالضرورة على ما ظن، فالضرورى صفة للعلم فى نفسه لا باعتبار تعلق علم آخر به، وإنما حمل عليه أولًا صريحًا ثم فسره بما هو مقتضى عبارة المصنف، ثانيًا تنبيهًا على أن الضرورة هناك كذلك. قوله: (والجواب أن الضرورى) أقول: أى المستغنى عن تجشم الاكتساب هو حصول ماهية العلم له فى ضمن هذا الجزئى الحاصل له ضرورة وهو غير تصور ماهيته الذى هو المتنازع فيه، وبيان التغاير (أنه لا يلزم من حصول أمر تصوره حتى يتبع تصوره حصوله) فإن كثيرًا من الملكات حاصلة للنفس، وليس يتبع تصورها

стр. 168

حصولها (ولا نقدم تصوره) أى ولا يلزم من حصول أمر تقدم تصوره (حتى يكون تصوره شرطًا لحصوله) وإذا لم يكن تصور الشئ تابعًا لحصوله لا حقًا ولا شرطًا له سابقًا (جاز الانفكاك مطلقًا) أى من الجانبين لأن عدم استلزام التصور للحصول فى غاية الظهور، أو جاز انفكاك الحصول عن التصور أى: لا يستلزمه مطلقًا لا تابعًا ولا متقدمًا (فيتغايران) قطعًا (فلا يلزم من كون أحدهما ضروريًا) غير محتاج إلى نظر (كون الآخر كذلك) فإن قيل: كل أحد يعلم بالضرورة، أنه عالم بوجوده والعلم أحد تصورات هذا التصديق البديهى مطلقًا فيكون ضروريًا، أجيب بأن اللازم من ذلك أن يكون تصور العلم بوجه ما ضروريًا وليس بمطلوب. قوله: (وسيجئ فى الخبر ما إذا عطفته إلى هذا الموضع ينفعك) هو أنه قال المصنف: هناك فى مثل هذا الاستدلال، ورد بأنه يجوز أن يحصل ضرورى ولا نتصوره أو يتقدم تصوره أى يتصور، ولا يكون حاصلًا فبين جواز انفكاك كل من الحصول والتصور عن الآخر وعلى هذا فالمناسب هنا أن يجعل قوله: أو تقدم فعلًا ماضيًا معطوفًا على قوله: لا يلزم؛ ليظهر الانفكاك من الجانبين، لا مصدرًا معطوفًا على قوله: تصوره كما قرر أولًا ولذلك صرح فيه بـ "لا" مع الواو تنبيها على انتفاء الأمرين معا فيكون تفصيلًا لعدم استلزام الحصول للتصور إذ فيه تعسف أما أولًا فلحمل اللزوم على معنى مآله التبعية ليصح جعل المقدم قسيما للتقدم وأما ثانيا فلأن كل واحد من التبعية والتقدم يقتضى التغاير فلا يجامع الاتحاد وهذا التوجيه يوهم خلافه قيل: وما يتوهم من أن الحمل على صيغة الماضى ههنا يستلزم تقدم تصور العلم على حصوله البديهى ويلزمه أن يكون أولى بالبداهة، فجوابه: أن المراد جواز تقدم التصور على الحصول فيه وفى غيره بيانا للتغاير لا وقوع ذلك التقدم فيه على أن مثله آت فيما ذكره فى الخبر. قوله: (والشارح بنى الكلام) يعنى أن الشارح قد وقع فى الغلط من وجهين الأول أنه حمل كلام الإمامين على غير مرادهما بأن حمل التحديد على مطلق التعريف والثانى أنه حمل كلام الآمدى على غير مراده لأن مراده فى الاعتراض أنها إذا كانت مميزة فهذا التعريف هو التحديد وهو يزعم أن الإمام سلم كونه تعريفًا ومنع كونه تحديدًا وعلى ما ذكره الشارح يكون مراده فى الاعتراض أنها إذا كانت

стр. 169

مميزة فهذا الطريق إلى المعرفة يكون تعريفًا فهو يزعم أن الإمام سلم كونه طريقًا إلى المعرفة ومنع كونه تعريفًا. قوله: (فإذا قسمنا الاعتقاد) يعنى أن العلم بعد ما لم يكن التباسه إلا بإدراكات وحصل لنا العلم ببعض اعتباراته على وجه يتميز بكل اعتبار نوع من أنواع الإدراكات، ولم يكن عندنا شئ يتميز به عن كل واحد منها قسمناه بملاحظة تلك الاعتبارات فحصل لنا العلم بما هو مركب منها وحصل تميزه عن كل واحد منها وكذا الحال فى المثال إلا أن الاعتبارات المذكورة تعتبر عند التقسيم فى العلم وعند التمثيل فى المثال الذى هو الاعتقاد بأن الواحد نصف الاثنين؛ فإن قيل: ما الفائدة فى قوله وليس غيره بعد أن قال إن الاعتقاد بأن الواحد نصف الاثنين مستجمع لهذه الأوصاف وعلم؟ قلنا: لما كان المقصود من التقسيم والتمثيل فى هذا المقام هو التميز لماهية العلم عن غيرها ذكر الاعتبارات المذكورة وفي العلم والاعتقاد بها وذكر التميز فى جانب المثال وقع بقوله: وليس غيره. قوله: (إذ لا امتناع فى توقف حصول الخاص على حصول العام) يعنى أن تصور الغير خاص وماهية العلم عام وتوقف حصول الأول على الثانى أمر معقول أى لا يأباه العقل فى بادئ الرأى إذ لا امتناع فى توقف حصول الخاص على حصول العام أى لا امتناع فى هذا الجنس من التوقف فإن هذا الحكم فى بعض أفراده صحيح وهذا القدر كاف فى هذا التقرير فلا يصح أن يقال: قد يكون العام خارجًا عن الخاص عارضًا له وقد يكون حصول الخاص عين حصول العام وماهية العلم بالنسبة إلى فرده يجوز أن تكون من قبيل أحدهما. قوله: (على أن الضرورة هناك كذلك) لا يخفى أن عبارة المتن فيها خفاء يحتاج رفعه إلى التصريح ثم التفسير لأجل التنبيه بعبارة هى أخفى مما قصد توضيحه بها؛ فإن قوله: أى معلوم بالضرورة تفسير مذكور بعد لفظ ضرورى واقع على خبر المبتدأ هو علم كل واحد ويتبادر الذهن من ذلك إلى أن قوله ضرورى وقوله معلوم بالضرورة يكون المبتدأ فيهما واحدًا فلزم أن يكون العلم معلومًا، وما فعله من تقدير مبتدأ آخر هو كونه موجودًا وجعل التفسير تفسيرًا لمجموع الكلام خلاف الظاهر والظاهر ما ذكره غيره. قوله: (أى المستغنى عن تجشم الاكتساب) إنما فسر بذلك لأنه قد تقرر أن

стр. 170

الضرورى إذا كان صفة للمعلوم معناه أن العلم به لا يحتاج إلى كسب وحصول العلم معلوم ولا يصح إرادة هذا المعنى هنا ففسر بما هو المناسب. قوله: (جاز الانفكاك مطلقًا) أى من الجانبين فإن قلت إثبات أن التصور لا يكون تابعًا للحصول ولا متقدمًا عليه بأن يكون شرطًا له لا يقتضى جواز الانفكاك بينهما؛ لأن الاستلزام وامتناع الانفكاك بين الشيئين لا يقتضى التقدم والتأخر بينهما كالمتضايفين فامتناع التقدم والتأخر لا يحصل الانفكاك وجوازه، قلت: هذا كلام على السند الذى لا ينفع فيه المناقشة على أنه يجوز أن يقال هنا مقدمة ظاهرة تركها المجيب وهى أن التصوّر لا يستلزم الحصول وهذا الاستلزام أعم متناول للأقسام الثلاثة التى هى التقدم والتأخر والمعية وإذا انتفى استلزام التصوّر للحصول على وجه المعية يلزم انتفاء استلزام الحصول للتصوّر على ذلك الوجه قطعًا فهذه المقدمة الظاهرة المتروكة مع المقدمة المذكورة تفيد جواز الانفكاك من الجانبين. قوله: (لأن عدم استلزام التصوّر للحصول فى غاية الظهور) لا يقال هذا القول لا يصح سالبة كلية لأن تصوّر ماهية العلم وتصور كل مفهوم كلى يستلزم حصوله فى الذهن ورفع الإيجاب الكلى لا ينفع هنا؛ لأنا نقول: حصول الماهية الذى كلامنا فيه حصول ليس مثل حصول المفهومات الكلية فى الذهن حين تصورها كيف وهذا الجنس من الحصول يستلزم التصور والتصور يستلزمه ويلزم من كون أحدهما ضروريًا كون الآخر كذلك، ويبطل الجواب بتمامه ولأجل ذلك قال المحشى الحصول قد يكون بدون التصور مثل حصول الملكات النفسانية فإن حصول ماهية العلم فى ضمن فردها من جنس هذا الحصول فإذا تصورنا الشجاعة مثلًا فلها حصول ظلى لا ينفك عن التصور ولها حصول آخر من غير نظر إلى التصور متحقق حين عدمه وحصول ماهية العلم فى ضمن فرده من قبيل الثانى لا من قبيل الأول. الشارح: (ويتميز عن غيره) عطف على قوله: يعلم بتقسيم بيان للعلم بالمثال. الشارح: (بعد تسليم كونه معلومًا) أى بالكنه وفيه إشارة إلى الجواب بالمنع وهو ما قاله السيد وحاصل جواب الشارح: أنا لا نسلم كونه معلومًا بكنهه والنزاع إنما وقع فيه وهذا الجواب هو الموافق لما قاله الغزالى من أن التحديد الحقيقى هو

стр. 171

الممتنع دون غيره، ومحصل الجواب بالمنع: أنا لا نسلم كونه معلومًا بحقيقته فلا يلزم من امتناع كونه مكتسبًا لئلا يلزم الدور كونه ضروريًا لجواز أن يكون تصوره بكنهه ممتنعًا. الشارح: (إنما هو على حصول العلم بغيره) أى ويلزمه التوقف على حصول العلم فقوله: غير العلم إنما يعرف بالعلم ليس معناه إنما يتصور بتصور العلم، بل معناه إنما يتصور بحصول العلم وقوله: والذى يراد حصوله بالغير. . . إلخ. أى فالجهة منفكة. التفتازانى: (وإن كان كلامًا على السند) هو قوله: بل على حصول فرد من أفراد العلم متعلق بذلك الغير، وقوله: يتوقف عليه أى توقت الخاص على العام. التفتازانى: (ولا يخفى ضعفه) أى لأنه ليس المراد من العلم المتعلق بالغير الأمر الكلى الشامل للتصور والتصديق وإن كان مفهومه فى ذاته عامًا. التفتازانى: (وأما إذا وقع صفة للعلم) أى كما هنا يعنى فلا يصح هذا التفسير وقوله: سلمنا أى أنه تفسير للعلم لكنه لا يطابق المتن، وقوله: ولا يخفى بعده أى لأن المتبادر أن نفس العلم بأنه موجود ضرورى لا العلم بالعلم بذلك، وقوله: لكن هذا التفسير يدفع الجواب على الوجه المذكور أى لأن حاصل الجواب أن الضرورى حصول علمه بأنه موجود لا تصور علمه بذلك وقد اعتبر على هذا التفسير العلم بالعلم فيكون الجواب مدفوعًا على هذا التفسير فلا يكون جوابًا على هذا التفسير وإنما يكون الجواب بأن التصديق إنما يتوقف على تصورات الأطراف بوجه والكلام فى تصور حقيقة العلم. التفتازانى: (قلنا: المراد. . . إلخ) أى فليس المراد حصوله ضرورى فالظاهر غير مراد. التفتازانى: (ومبناه) أى مبنى إثبات جواز الانفكاك من الجانبين على أن تصور الشئ. . . إلخ أى فلم يبين هذا لظهوره فلا يقال: إن انفكاك الحصول عن التصور لا يقتضى جواز الانفكاك من الجانبين. التفتازانى: (ليس لازمًا. . . إلخ) أى فالغرض من قوله: لا يلزم من حصول أمر تصوره. . . إلخ. بيان المغايرة الكاملة. التفتازانى: (والعجب أنه جعل. . . إلخ) أى فقد خالف هنا ما سيأتى، وقوله:

стр. 172

لأنه قال فى المتن. . . إلخ، عبارته فى مبحث الخبر والخبر قول مخصوص للصيغة والمعنى فقيل لا يحد لعسره وقيل: لأنه ضرورى من وجهين: الأول أن كل واحد يعلم أنه موجود ضرورة فالمطلق أولى والاستدلال على أن العلم ضرورى لا ينافى كونه ضروريًا بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة ورد بأنه يحصل ضرورة ولا يتصور أو يتقدم تصوره وكتب الشارح على هذا الموضع ما نصه. لا يلزم من حصول أمر تصوره إذ قد يحصل ولا يتصور وقد يتقدم تصوره فيتصور وهو غير حاصل. اهـ. فقوله: ولا يتصور بالواو دون الفاء إشارة إلى أن اللزوم بمعنى عدم الانفاك، وقوله: وقد يتقدم بالواو دون "أو" إشارة إلى أن "أو" فى عبارة المصنف بمعنى الواو حتى يناسب اعتبار جواز الانفكاك من الجانبين. التفتازانى: (وأن يكون إشارة إلى ما ورد أن البداهة تنافى الاستدلال) قال المصنف فى بحث الخبر والاستدلال على أن العلم ضرورة لا ينافى كونه ضروريًا بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة. اهـ. قال الشارح فى هذا الموضع: وربما يقال الاستدلال على كونه ضروريًا ينافى كونه ضروريًا لأن الضرورى لا يقبل الاستدلال ويجاب عنه بأن كون العلم ضروريًا كيفية لحصوله وأنه يقبل الاستدلال عليه والذى لا يقبله هو نفس الحصول الذى هو معروض الضرورة فإنه يمتنع أن يكون حاصلًا بالضرورة وبالاستدلال لتنافيهما. التفتازانى: (واعلم أن لهذا الدليل تقريرًا آخر) أى فقوله: إن كل أحد يعلم وجوده ضرورة يدل على أنه ليس كسبيًا لأنه لو كان مطلق العلم كسبيًا لكان كل علم كسبيًا واللازم باطل لأن كل أحد يعلم أنه موجود ضرورة ومثله غيره من البدبهيات التصديقية والتصورات البديهية الكثيرة. قوله: (الذاتيين) قيد بذلك احترازًا عن استعمال الجنس فى المشترك مطلقًا والفصل فى المميز مطلقًا. قوله: (إلى تحديده وطريق تعريفه إنما هو القسمة والمثال) إن كان المراد بالتحديد مطلق التعريف الاصطلاحى الصادق بالحد والرسم وكان المراد بالتعريف فى قوله وطريق تعريفه التعريف الاصطلاحى الرسمى كان فى كلامهما تناقض والاعتراض يكون به ولا يحسن الترديد الواقع فى كلام الآمدى وإن كان المراد بالتحديد فى كلامهما التحديد الحقيقى والمراد بالتعريف التعريف الرسمى كان الاعتراض فى

стр. 173

غاية السقوط وإن كان المراد بالتحديد مطلق التعريف الاصطلاحى والمراد بالتعريف فى قولهما: وطريق تعريفه التعريف اللغوى وفهما أن التعريف اللغوى أعم ومعنا طريق معرفته كان هو الذى اختاره الشارح فلا معنى لقول المحشى: والشارح بنى كلامه إلخ لأنه لا فرق بينهما. قوله: (وحاصله أنهما نفيا عنه التحديد وأثبتا له التعريف) أى ففى كلامهما تناقض بناء على أن التحديد هو التعريف الاصطلاحى مطلقًا وأن التعريف فى قوله: وطريق تعريفه المراد منه التعريف الاصطلاحى الرسمى وقوله: فاعترض أى الآمدى. قوله: (وأثبتا له طريق معرفته) أى وهو عام يشمل التعريف الرسمى وغيره مما ليس بتعريف. قوله: (وأجاب عنه. . . إلخ) هذا خلاف ما اختاره فى المواقف فإنه استبعد قولهما كما استبعده الآمدى غير أنه ذكر فى عبارتهما طريق معرفته لا طريق تعريفه. قوله: (وهذا الجواب يخالف ما اشتهر. . . إلخ) أجاب عن ذلك بعضهم بأن الذى اشتهر اشتمال القسمة على تعريفات الأقسام وهو غير كون القسمة نفسها تعريفًا وفيه تأمل. قوله: (وإن المثال مآله إلى التعريف الرسمى) أجاب بعضهم أيضًا بأن التعريف يجب أن يكون مطردًا منعكسًا ولا يحصل ذلك إلا بالخاصة المساوية للمعرف ورجوع المثال إلى التعريف الرسمى إنما هو لكونه منبأ عن الخاصة للمثل لا لخصوصه فلا ينافى ما أجاب به الشارح تأمل. قوله: (وإن المعتبر فى اللازم. . . إلخ) أجاب بعضهم أيضًا بأن العلم بالاختصاص والشمول إجمالًا واجب حتى يكون عالمًا بالطرد والعكس الواجبين فى التعريف والمراد باللازم البين فى كلامه ليس البين باصطلاح المناطقة بل المراد به الظاهر الثبوت لجميع أفراد المحدود الظاهر الانتفاء عن غيرها كاستواء القامة وعرض الأظفار للإنسان. قوله: (لكنه خلاف ظاهر الحال فى القسمة والمثال) أى لأن الظاهر فيهما أن الانتقال يكون على وجه الاكتساب.

стр. 174

قوله: (لا بغيرها من الصفات النفسية) كالعلم والقدرة لظهور تميزه عن ذلك. قوله: (المرادف للتصديق) ولذلك صح شموله للظن والشك الخارجين بالجزم لكن شموله للشك فيه تأمل. قوله: (أى مستجمع لهذه الأوصاف وعلم) لأنه يحصل فى ذهننا من إيراد هذا المثال الموصوف بتلك الصفات صورة علم فقد تميز العلم بالمعنى الأخص فى هذا المثال عن غيره. قوله: (وغير المطابق) يعنى أن قول الشارح وغيره يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون المراد وغيره من الصفات وهو الجزم والموجب، وثانيهما: أن المراد به غير المطابق من الجهل المركب. قوله: (إذ لتمكن فيه) إنما ذكر ذلك لأن معنى كون العلم بالضابط ضروريًا أنه لو حصل لحصل بالضرورة فلا يتمكن الجهل. قوله: (ولا يخفى جريانه فى كثير من الرسومات والأمثلة) أى فإنها تعريفات وليس فيها ضابط بيّن معلوم بالضرورة. قوله: (والأمر فى ذلك سهل) نقل عنه -قدس سره- أن وجه السهولة أنه لم يحصر التعريف بالمثال فيما أورده الغزالى بل هو جار فى غيره وأجاب عما ورد عليه من أن المخالفة لا بد لها من نكتة بأن التعريف بالمثال عندهم أعم من التعريف بالجزئى ومن التعريف بالتشبيه واختار الشارح الأول لأنه إذا لم يكن تمثيل الكلى موجبًا لحصول المعرف فبالأولى أن لا يكون التنظير بالنسبة إليه كذلك. قوله: (فإن أكثر الناس يتصورن. . . إلخ) أى وإنكار ذلك مكابرة. قوله: (وبهذا القدر) وهو أن تصور الغير لا يتوقف على تصور العلم فلو توقف تصور العلم على تصور غيره لم يلزم الدور. قوله: (بيان ما يتوقف عليه تصور الغير) وهو قوله: توقف تصور الغير إنما هو على حصول العلم بغيره. قوله: (فكأنه لم يفرق بين حصوله وتصوره) أى فتخيل أن تصور غير العلم إذا توقف على حصول علم جزئى متعلق بالغير ولا شك أنه يتوقف على حصول ماهيته فى ضمنه فى ذهنه وهو معنى تصورها فقد توقف كل منهما على الآخر مع أن بينهما فرقًا لأن ارتسام ماهية العلم فى النفس على وجهين أحدهما: أن ترسم

стр. 175

فيها بنفسها فى ضمن جزئياتها وذلك حصولها وليس نفس تصورها ولا مستلزمًا له على قياس حصول الشجاعة للنفس الموجب لاتصافها بها من غير أن تتصورها، والثانى أن ترسم فيها بمثالها وصورتها وهذا هو تصورها لا حصولها على قياس تصور الشجاعة الذى لا يوجب اتصاف النفس بها وهو المطلوب بتعريفها. اهـ من شرح السيد على المواقف. قوله: (فإن قلت. . . إلخ) كتب المحشى فى حاشية الحاشية أن الجواب المحرر الذى لا يرد عليه هذا السؤال أن يقال: تصور العلم موقوف على تصور الغير وهو علم جزئى متعلق به فيتوقف حصوله على حصول ماهية العلم فيلزم من ذلك توقف تصور العلم على حصول ماهيته فى ضمن ذلك الجزئى المتعلق بالغير وفى هذا الجزئى المتعلق به أيضًا فمن هنا تركب شبهة على امتناع تعقله فإن قلت إنما يلزم لو كان ذاتيًا وهو ممنوع قلنا وعلى تقدير كونه لازمًا يتقدم حصول ماهيته على تصورها. اهـ. وقوله: شبهة على امتناع تعقله هى تقدم الشئ على نفسه بناء على اتحاد التصور والحصول وقوله: فإن قلت إنما يلزم لو كان ذاتيًا أى إنما يلزم توقف العلم الجزئى المتعلق بالغير على حصول ماهيته فى ضمنه لو كان العلم ذاتيًا لهذا العلم المتعلق بالغير وهو ممنوع فعلى تقدير عدم الفرق بين التصور والحصول لا يلزم من كون تصور العلم مكتسبًا من تصور الغير دور وقوله: قلنا على تقدير كونه لازمًا يتقدم حصول ماهيته على تصورها يعنى لو لم يكن العلم ذاتيًا للعلم الجزئى المتعلق بالغير لكان عرضًا لازمًا ضرورة امتناع انفكاك الأعم المطلق عن الأخص المطلق ولما كان اكتساب تصور ماهية العلم من هذا الجزئى المتعلق بالغير موجبًا لتقدم حصوله على حصول تصورها بالزمان لأن كون تصورها مكتسبًا حاصلًا منه لا يتأتى إلا بالحركة المقتضية للزمان كان موجبًا لتقدم لوازمه على تصورها بالزمان أيضًا، لأن المتقدم بالزمان على المتقدم على الشئ بالزمان يكون متقدمًا على ذلك الشئ بالزمان وتقدم حصول العلم على تصوره تقدم للشئ على نفسه لأن المفروض كونهما متحدين. اهـ. خلخالى. قوله: (من القبيل الثانى) أى بأن يكون ضرورى صفة العلم باعتبار أنه معلوم يتعلق به علم آخر وإنما قلنا يتعلق به علم آخر لأن الضرورى صفة للعلم قطعًا. قوله: (فلا يطابقه الجواب) أى لأنه مبنى على عدم الفرق بين حصول ماهية

стр. 176

العلم وتصورها وتسليم كون حصولها ضروريًا دون تصورها وتقرير السؤال على هذا الوجه يستلزم كون تصورها ضروريًا لأن العلم المتعلق بالعلم إذا كان ضروريًا كان ماهية العلم الحاصلة فى ضمنه ضرورية فيكون تصور ماهية العلم ضروريًا فلا يطابقه الجواب المذكور وقوله: ويخالف تقرير السؤال على ما ذكره فى متن الكتاب أى لأن الضرورة التى فى متن الكتاب وقعت صفة لقوله: إنه موجود أى كونه موجودًا معلوم بالضرورة لا لقوله: يعلم حتى يكون المعنى علم كل أحدى بأنه موجود معلوم بالضرورة. قوله: (وإنما حمله عليه أولًا صريحًا) أى حيث قال: إن علم كل أحد بأنه موجود ضرورى. قوله: (ثم فسره بما هو مقتضى عبارة المصنف) أى من أن الضرورة وقعت فيها صفة للمعلوم الذى هو أنه موجود وقوله تنبيهًا على أن الضرورة هنا كذلك أى أنها فى عبارة المصنف تقع صفة للعلم باعتبار نفسه وكونه علمًا لا باعتبار تعلق علم آخر به وكونه معلومًا هذا ولا يخفى أن الظاهر من التفسير الذى ذكره أن العلم معلوم بالضرورة؛ لأن قوله: أى معلوم تفسير لقوله: ضرورى الواقع صفة للعلم فيكون واقعًا على العلم فيفيد أن العلم معلوم بالضرورة وأن المتبادر من قولهم علم كل أحد بوجوده ضرورى إنما هو أن حصول العلم نفسه ضرورى لا العلم بالعلم فالحق فى التوجيه أن يقال: إنما ذكر هذا التفسير تنبيهًا على محل غلط المستدل وهو أنه لما نظر إلى أن تعلق العلم بالوجود ضرورى ظن ذلك ضرورية تصور العلم ظنًا منه أن تعلقه هو نفس تصوره ونبه أيضًا على أن الضرورى وقع فى كلام المستدل صفة للعلم والموصوف بالضرورية إنما يراد به معلوميتها فيكون العلم معلومًا وحينئذ فحاصل الجواب: أن الضرورى حصول العلم لا تصوره وأيضًا الضرورى حصول العلم بالعلم لا تصور العلم إذ ليس الحصول نفس التصور والكلام فيه وذلك أنه لا يلزم من حصول أمر تصوره حتى يتبع تصوره حصوله ولا تقدم تصوره حتى يكون شرطًا لحصوله وإذا كان كذلك فهما متغايران فلا يلزم من ضرورية أحدهما ضرورية الآخر وهذا هو الموافق لما فى المواقف حيث قال: والعلم بالجزء سابق على الكل ولم يقل: والجزء سابق على الكل ولما كان هذا بناء على عدم الفرق بين التصور والحصول على زعم المستدل كان الجواب

стр. 177

بالفرق بينهما مطابقًا واندفع بأن تفسير الضرورى بما ذكر إنما يكون حيث وقع صفة لمتعلق العلم وأما إذا وقع صفة للعلم فلا واندفع أنه لا يطابق المتن وهو أن كل أحد يعلم وجوده ضرورة إلا إذا حمل على أنه يعلم العلم بوجوده ولا يخفى بعده فاندفع ما قاله التفتازانى من قوله هذا التفسير للضرورى إنما يكون إلى قوله: ولا يخفى بعده. قوله: (أى المستغنى عن تجشم الاكتساب هو حصوله ماهية العلم. . . إلخ) قال فى حاشية الحاشية: الضرورى إذا وقع صفة للعلم كان معناه أن حصوله لا يحتاج إلى كسب فجاز جعله صفة لحصوله بمعنى أنه مستغن عن الاكتساب. اهـ. وهو إشارة إلى رد ما قاله السعد من أن الضرورى والمكتسب من صفات العلم خاصة فما معنى كون الحصول ضروريًا؟ ! . اهـ. ووجه الرد أن كون العلم ضروريًا بالمعنى المذكور مصحح لجعل الضرورة صفة لحصوله بمعنى كونه مستغنيًا عن الاكتساب لا بمعنى أن حصول الحصول مستغن عن الاكتساب. قوله: (وبيان التغاير) أى الكامل وإلا فمجرد الغيرية فى المفهوم كاف فى عدم الاتحاد وإن كانا متلازمين. قوله: (لأن عدم استلزام التصور. . . إلخ) جواب عما يقال: إن كون التصور ليس تابعًا للحصول ولا شرطًا سابقًا إنما يقتضى انفكاك الحصول عن التصور ويجوز أن التصور لا ينفك عن الحصول فلا يأتى الانفكاك من الجانبين. قوله: (أو جاز انفكاك الحصول. . . إلخ) أى فالمراد الانفكاك من جانب الحصول لا من الجانبين. قوله: (والعلم أحد تصورات هذا التصديق) أى لوقوعه محمولًا فيه. قوله: (البديهى مطلقًا) أى بجميع أجزائه أو شروطه لحصوله للبله والصبيان ممن لا يكتسب. قوله: (وليس بمطلوب) أى لأن المطلوب تصوره بالكنه. قوله: (لا مصدرًا معطوفًا. . . إلخ) أى فيكون المجموع بيانًا لانفكاك الحصول عن التصور فقط لا بيان للانفكاك من الجانبين. قوله: (تفصيلًا لعدم استلزام الحصول للتصور) أى عدم امتناع انفكاكه عنه، وحاصل التفصيل أن التصور ليس تابعًا للحصول ولا شرطًا سابقًا.

стр. 178

قوله: (إذ فيه تعسف) أى فى جعله مصدرًا معطوفًا على قوله: تصوره تعسف. قوله: (فلحمل اللزوم على معنى مآله التبعية) فمعنى لا يلزم من حصول أمر تصوره لا ينشأ منه تصوره فيكون التصور تابعًا فالتبعية فى اللازم. قوله: (ليصح جعل المقدم) وهو قوله تصوره وقوله قسيمًا للتقدم أى الذى هو قوله أو تقدمه يعنى ولولا ذلك الاعتبار لم يصح جعل قوله تصوره قسيمًا لقوله أو تقدمه لأنا لو أردنا باللزوم امتناع الانفكاك وكان المعنى لا يمتنع انفكاك التصور عن الحصول كان ذلك شاملًا لأن التصور لا يكون تابعًا ولا شرطًا متقدمًا. قوله أيضًا: (ليصح جعل المقدم. . . إلخ) ولا بد أيضًا على ذلك من تقدير فى قوله: ولا تقدمه بأن يقال ولا يلزم تقدمه لأنه لا يصح عطفه على التصور عطف مفردات لئن يلزم المسلطة على التصور بمعنى ينشأ ويستتبع وهو بهذا المعنى لا يسلط على التقدم بل هو باعتباره بمعنى عدم الانفكاك. قوله: (وهذا التوجيه يقتضى خلافه) لأنه قد نفى التقدم والتبعية اللذين يقتضيان التغاير فيتوهم الاتحاد عند ثبوتهما وهو باطل ويدفع بأن المقصود نفى الاتحاد وكمال التغاير بين الحصول والتصور بمعنى جواز الانفكاك من الجانبين، وهذا يقتضى بيان نفى التبعية والتقدم وكل واحد منهما لا يقتضى التغاير بذلك المعنى ولا يمكن هنا أن يقال: الاتحاد يستلزم امتناع الانفكاك فنفى الاتحاد بنفى لازمه لأن نفى التبعية والتقدم إنما يستلزم امتناع الانفكاك على وجه التبعية والتقدم واللازم للاتحاد امتناع الانفكاك مطلقًا لا على وجه التبعية والتقدم هذا وقيل: إن هذا الثانى لا يرد لأن المراد من قوله لا يلزم من حصول أمر تصوره يعنى فضلًا عن الاتحاد فالكلام خارج مخرج المبالغة فى نفى الاتحاد ونفى شبهة الاتحاد لكنه تكلف. قوله: (فجوابه: أن المراد جواز التقدم. . . إلخ) أى المراد من التقدم فى قولنا: أو تقدم تصوره التقدم جوازًا لا وجوبًا والمتقدم على البديهى إنما يكون بديهيًا إذا كان واجب التقدم لا جائزه كذا فى حاشية الحاشية وفيه أن التصديق البديهى يجب تقدم تصور أطرافه عليه مع أنها قد تكون كسبية ولو قيل: إن واجب التقدم على البديهى إنما يكون بديهيًا إذا كان المتأخر حاصلًا لمن لا يتأتى منه الكسب كالبله والصبيان لكان كلامًا آخر كذا قال بعض الحواشى وقال بعض: إن مراده أن المقدم

стр. 179

على البديهى إنما يكون بديهيًا إذا كان واجب التقدم بخصوصه لا جائزه وتصورات التصديق البديهى وإن كان تقدمها واجبًا لكن لا بخصوصها بل لكونها من جملة أفراد تصورات أطراف التصديق الواجب تقدمها. قوله: (فيه وفى غيره) أى فى التصديق البديهى وفى غيره. قوله: (لا وقوع ذلك التقدم فيه) أى لا وقوعه بالفعل فى التصديق البديهى. قوله: (على أن مثله آت فيما ذكره فى الخبر) أى فلا وجه لقوله ههنا وتخصيصه إتيانه بما ذكر فى العلم.

стр. 180

قال: (ثم نقول لو كان ضروريًا لكان بسيطًا إذ هو معناه ويلزم منه أن يكون كل معنًى علمًا). أقول: استدل على أن العلم ليس ضروريًا بأنه لو كان ضروريًا لكان بسيطًا ويلزم منه أن يكون كل معنًى علمًا واللازم منتفٍ أما الأولى فلأنه لا معنى للضرورى إلا البسيط عقلًا كما سنبينه وأما الثانية فلأن حصول المعنى ذاتى للعلم إذ لو رفع عن الذهن لارتفع ماهية العلم عنه ضرورة والمفروض أنه لا ذاتى له غيره لبساطته فيكون ذلك تمام حقيقته فيلزم من تحققه تحققه وأما بطلان اللازم فلأن حصول المعنى قد يكون ظنًا وجهلًا وتقليدًا وغيرها. قوله: (ثم نقول) معارضة مبنية على ما ذكره المصنف من أن التصور الضرورى ما لا يتقدمه تصور يتوقف عليه لانتفاء التركيب فى متعلقه كالوجود والشئ وهذا معنى قوله لأنه أى البسيط معناه أى معنى الضرورى وليس المراد أن الضرورى والبسيط اسمان لمعنًى واحد بحسب الاصطلاح من المصنف وتقرير المعارضة من قياس اقترانى من متصلتين ثم استثنائى فقوله: أما الأولى إشارة إلى الملازمة الأولى التى هى صغرى الاقترانى وأما الثانية أى التى هى كبراه وبينها الشارحون بأن العلم معنًى فلو لم يكن كل معنًى علمًا لزم تركب العلم من المعنى ومن الخصوصية التى بها يمتاز عن سائر المعانى، واعترض بأنه إنما يلزم لو كان المعنى ذاتيًا له فعدل الشارح إلى ما لا يرد عليه هذا المنع وهو أنه يلزم أن يكون كل حصول معنًى علمًا لأنه ذاتى للعمل لا تعقل ماهيته بدونه وترتفع بارتفاعه، ويلزم أن يكون تمام ماهيته بساطتها وأما بطلان التالى فلأن حصول المعنى فى العقل قد لا يقارن الجزم والمطابقة والثبات فلا يكون علمًا لما سيجئ من تفسيره، وقد يقال لا نسلم أن كل ما لو رفع عن الذهن ارتفع ماهيته عنه يكون ذاتيًا له لجواز أن يكون لازمًا للياهية إلا أن يراد أنها ترتفع بارتفاعه وحينئذٍ لا شك أن حصول المعنى كذلك. قوله: (استدل) لا أبطل أدلة القائلين بكونه ضروريًا ولا يلزم من بطلان الدليل فساد المدلول عقبه بالاستدلال على بطلانه ليثبت كونه كسبيًا فيصح تحديده بما
следующие страницы →