← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال: (وأما فائدته فالعلم بأحكام اللَّه تعالى). أقول: فائدة أصول الفقه معرفة أحكام اللَّه تعالى وهى سبب الفوز بالسعادة الدينية والدنيوية. قال: (وأما استمداده فمن الكلام والعربية والأحكام أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية على معرفة البارى تعالى وصدق المبلغ وهو يتوقف على دلالة المعجزة وأما العربية فلأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية وأما الأحكام فالمراد تصورها ليمكن إثباتها ونفيها وإلا جاء الدور). أقول: هذا العلم يستمد من الكلام ومن العربية ومن الأحكام أما الكلام فلتوقف الأدلة الكلية أى الإجمالية ككون الكتاب والسنة والإجماع حجة على معرفة البارى تعالى ليمكن إسناد خطاب التكليف إليه ويعلم لزومه حينئذٍ وتتوقف على أدلة حدوث العالم وأيضًا أنه يتوقف على صدق المبلغ، ويتوقف على دلالة المعجزة عليه ودلالتها تتوقف على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها وهو يتوقف على قاعدة خلق الأعمال وعلى إثبات العلم والإرادة. ولا تقليد فى ذلك لاختلاف العقائد فلا يحصل به علم وأيضًا العربية فلأن الكتاب والسنة عربيان والاستدلال بهما يتوقف على معرفة اللغة من حقيقة ومجاز وعموم وخصوص وإطلاق وتقييد ومنطوق ومفهوم وغير ذلك. وأيضًا الأحكام فالمراد تصوّرها وذلك لأن المقصود إثباتها ونفيها فى الأصول إذا قلنا: الأمر للوجوب وفى الفقه إذا قلنا: الوتر واجب مثلًا ولا يمكن بدون تصورها. ولا يريد بالأحكام العلم بإثباتها أو نفيها لأن ذلك فائدة العلم فيتأخر حصوله عنه فلو توقف عليه العلم كان دورًا. وستقف على ذكره لأحكام الأحكام إثباتًا ونفيًا وهو خارج عن الأمرين. قوله: (ويعلم لزومه) أى لزوم خطاب التكليف يعنى لزوم امتثاله ووجوب العمل بموجبه لاستناده إلى البارى تعالى. قوله: (وتتوقف) أى معرفة البارى (على أدلة حدوث العالم) إذ المحوج إلى السبب عندنا هو الحدوث. قوله: (وأيضًا أنه) أى كون الكتاب والسنة والإجماع حجة (يتوقف على صدق المبلغ) لأن العلم بأن هذا كتاب اللَّه وأن البينة على المدعى، وأن الأمة لا تجتمع

стр. 107

على الضلالة وأن أتباع سبيل المؤمنين واجب إنما يحصل لنا بأخباره وهو أن صدق المبلغ أعنى العلم به يتوقف على دلالة المعجزة على صدقه. قوله: (وتتوقف) أى دلالة المعجزة على قاعدة خلق الأعمال حيث بين أن المؤثر هو اللَّه تعالى وحده (وعلى إثبات العلم والقدرة) للَّه تعالى ليصح منه ايجاد الأمر الخارق للعادة على وفق دعوى النبى ﷺ قصدًا إلى تصديقه فى دعواه. قوله: (وأما الأحكام) يريد أن وجه استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من جهة مبادئه التصورية إذ لا بد فيه من تصور الأحكام الخمسة ليمكن إثباتها ونفيها لا التصديقية بأن يعلم إثباتها أو نفيها فى آحاد المسائل على ما فى الفقه من العلم بوجوب الحج وحرمة الخمر وغير ذلك بطريق النظر والاستدلال؛ لأنه يتوقف على معرفة أحوال الأدلة فلو توقفت هى عليه كان دورًا هذا ظاهر كلام الآمدى وبعض الشارحين، ويرد عليه أنه لو أريد إثبات الأحكام ونفيها لأفعال المكلفين على ما فى الفقه لم يلزم الأصولى تصورها؛ لأن ذلك فائدة الأصول بمعنى غايته وغرضه لا بمعنى مقاصده ومسائله فلا يلزم الأصولى من حيث هو أصولى التصديق بها ولا تصور أطرافها وهذا كما أن المنطق آلة لاكتساب العلوم وليست تصورات محمولات مسائلها من مبادئه وأيضًا لزوم الدور على تقدير أن يراد بالإثبات والنفى على هذا الوجه لا يوجب انحصار المراد فى التصور لجواز أن يراد الإثبات والنفى على وجه آخر كما فى الأصول مثلًا فلذلك جعل الشارح المحقق الإثبات والنفى أعم مما فى الأصول والفقه ليلزم الأصولى تصورها، لكن لما كانت فى الشقه محمولات لمسائله وأعراضًا ذاتية لموضوعه وفى الأصول متعلقات للمحمولات إذ معنى قولنا الأمر للوجوب أنه يفيد الوجوب جعلت فى الفقه مبادئ استقلالًا وفى الأصول استمدادًا ثم نفى كون المراد العلم بإثباتها أو نفيها على ما فى الفقه لأن ذلك فائدة علم الأصول بمعنى غايته وغرضه فيتأخر عنه ضرورة، فلو توقف علم الأصول عليه كان دورًا ولم يتعرض لنفى كون المراد الإثبات أو النفى على ما فى الأصول لظهور أن ذلك من مسائله لا مبادئه وبهذا يندفع الإيراد الثانى على كلام الآمدى، لا يقال المراد بعلم الأصول الملكة والتهيؤ للعلم بجميع القواعد والعلم بإثبات الأحكام على التفصيل فائدة له متأخر حصولها عنه أما على الوجه الذى فى الأصول فالبذات وأما على الوجه الذى فى الفقه

стр. 108

فبالواسطة فلو كان من مبادئه لزم الدور لأنا نقول: إذا قلنا أجزاء العلوم الموضوعات والمبادئ والمسائل لا يراد بالعلوم تلك الملكات والاستعدادات وهو ظاهر ولقائل أن يمنع الدور مستندًا بأنا لا نعنى يكون الشئ كما من مبادئ علم توقف كل مسألة مسألة عليه ولا يكون الشئ من فوائده على توقفه كل مسألة مسألة فكون الإثبات أو النفى من المبادئ لتوقف بعض المسائل عليه ومن الفوائد لتوقفه على بعض المسائل لا يكون دورًا. قوله: (وسنقف) يعنى أن المصنف جعل تصورات الأحكام من المبادئ ونفى أن تكون التصديقات التى محمولاتها الأحكام منها، وقد ذكر فى المبادئ عن الأحكام تصديقات موضوعاتها الأحكام مثل: أن الواجب الموسع وقته جميع الوقت أو أوله أو آخره وأن المندوب قيل هو تكليف وأن الحكم حاكمه الشرع أو العقل إلى غير ذلك، ولا خفاء فى أنها خارجة عن تصور الأحكام الذى هو من المبادئ وعن إثباتها أو نفيها الذى هو من الفوائد، وإن كانت المبادئ لم ينحصر المراد فى تصور الأحكام وإن كانت على سبيل الاستطراد وتكميل الصناعة لم يصح قوله وإلا جاء الدور لجواز أن يراد مثل هذا الإثبات والنفى، ويمكن أن يقال الاستمداد من الشئ يكون إلا بما فيه وليس فى علم الأحكام إلا تصوراتها والتصديق بإثباتها أو نفيها وهو يوجب الدور، فينحصر المراد فى التصور وهذا لا ينافى إثبات أحكام للأحكام استطرادًا لا استمدادًا. قوله: (أى الإجمالية) إنما فسر الكلية بالإجمالية أى: التى ليست منصوبة على مسائل مخصوصة لأن العمومات المعينة توصف بالكلية أيضًا كما مر، والمراد توقفها من حيث إنها أدلة وحجج للأحكام كما ذكره على معرفته تعالى لا توقف وجودها عليها لأن إثباته ليس من الأصول؛ فلا يتبين بذلك استمداده من الكلام ما لم ينضم إليه أن حجيتها تتوقف على وجودها. قوله: (ويعلم لزومه) أى لزوم التكليف وثبوته فى حقنا حين إسناد خطابه إليه تعالى، فإنه الخالق للأشياء المتصرف فيها بما شاء، فلا يلزمنا إلا تكليفه ولا يثبت علينا إلا حكمه تعالى، الذى هو خطابه النفسى ويكشف عنه الأدلة المذكورة كما سيأتى.

стр. 109

قوله: (وتتوقف) أى: معرفة وجود البارى تعالى، لأن المتكلمين إنما يستدلون بحدوث العالم على وجود الصانع، فإنه السبب المحوج إليه أو جزؤه أو شرطه على رأيهم، وهو متوقف على أدلته. قوله: (وأيضًا أنه) أى كون الكتاب وما ذكر معه حجة (يتوقف على صدق المبلغ) وتوقف السنة على ذلك ظاهر وأما الكتاب فلأن كل واحد مما يستدل به منه على الأحكام ليس معجزًا، فلا يعلم أنه من كلامه تعالى إلا بإخباره فلا من صدقه وأما الإجماع والقياس فيرجعان إليهما. قوله: (وهو) أى صدق المبلغ بل الحلم به (يتوقف على دلالة المعجزة عليه) فإنها تصديق له من اللَّه تعالى فيما ادعاه ولا طريق إليه سواها (ودلالتها تتوقف على امتناع تأثير غير قدرة اللَّه تعالى القديمة فيها) وإلا لم يجزم بأنها فعله، فضلًا عن أنها تصديقه والعلم بذلك الامتناع يتوقف على قاعدة خلق الأعمال، وعلى أن لا تأثير لقدرة العباد، بل لا مؤثر فى الوجود إلا اللَّه فالمعجزة من أفعاله قطعًا، وفيه أن من أثبت لغيره تعالى قدرة مؤثرة مع تفاوت مراتبها وتباين آثارها فهو فى دلالة المعجزة على ورطة الحيرة، وإن جنحوا إلى دعوى الضرورة فقطع الاحتمال على وجه لا يشوبه ريبة إنما هو بتلك القاعدة القويمة، وظاهر هذه العبارة يساعد هذا التوجيه كما تشهد به الطبائع المستقيمة، ومنهم من جعل الضمير راجعًا إلى دلالة المعجزة زاعمًا أنها تتوقف عندنا على أمرين: الأول: الامتناع المذكور فإن شرط المعجزة العجز عن المعارضة، الثانى: قاعدة خلق الأعمال إذ من شرائطها أن تكون فعله تعالى أو مسببًا عنه ليكون تصديقًا منه، وأن يكون ظهورها على يد مدعى النبوة فتكون المعجزة الظاهرة على يد من خلق اللَّه تعالى، ولا يريد بهذا توقفها على أنه المؤثر فى جميع الممكنات بل فى المعجزة، وفيه بحث لأن تأثيره فيها يعلم من ذلك الامتناع فبعد تحققه لا توقف لدلالتها على تلك القاعدة أصلًا وأيضًا تخصيص الأمرين يوهم الانحصار مع توقف الدلالة على إثبات العلم والإرادة ليمكنه إيجاد المعجزة على وفق دعوى النبى ﷺ تصديقًا له وفى بعض النسخ: والقدرة مكان الإرادة، والأول أظهر. قوله: (ولا تقليد فى ذلك) العلم بالمسائل الأصولية يتوقف على العلم بما ذكر من القواعد الكلامية والتقليد لا يفيد علمًا بها لاختلاف عقائد الناس فيها وتناقضها

стр. 110

فلو أفاده وقلد واحد فى الحدوث وآخر فى القدم؛ كانا عالمين بها ويجتمعان فى الواقع فلا بد من الاستدلال عليها وذلك من وظيفة علم الكلام. قوله: (وأما الأحكام) استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من تصورها؛ وذلك لأن مقصود الأصولى إثبات الأحكام ونفيها فى الأصول من حيث إنها مدلولة للأدلة السمعية ومستفادة منها، فإذا قلنا: الأمر للوجوب مثلًا؛ كان معناه أنه دال عليه ومفيد له فقد وقع جزءًا من المحمول وكذا مقصوده إثباتها ونفيها فى الفقه من حيث تعلقها بالأفعال، فإذا قلنا: الوتر واجب مثلًا كان معناه أنه متعلق للوجوب وموصوف به فقد وقع أيضًا جزءًا من المحمول فمن قال: الأحكام محمولات مسائل الفقه، وأعراض ذاتية لموضوعه، فقد أطلق المحمول على مبدئه وتصور موضوعات المسائل ومحمولاتها وما يقع جزءًا فيها من المبادئ؛ لأن إثباتها يتوقف عليها، وإنما ذكر الفقه ههنا تنبيهًا على أن الأصول فى نفسه وفى ترتب فائدته عليه يستمد من تصور الأحكام، فهو بالاعتبار الأول مبدأ له وبالاعتبار الثانى مبدأ لغايته؛ لا لأن ما يقع فى محمولات ما هو فائدة العلم من مبادئه أيضًا على ما اختاره المصنف ليعترض بأن المنطق آلة لاكتساب العلوم، فوجب أن يكون تصور محمولات مسائلها من مبادئه، ويجاب بأن غاية المنطق هى العلم بطرق الاكتساب المستعملة فى العلوم من حيث تعلقها بمواد معينة بل على وجه عام، وأما الأصول فغايته العلم بطرق اكتساب الأحكام المتعلقة بالأفعال فلا بد من تصورها، فإن الجواب فاسد أما أوَّلًا؛ فلأن ما ذكره نفس المنطق لا غايته وإن أريد الطرق الجزئية العارضة للمواد المخصوصة ويدعى أن المستفاد منه معرفة الصور المعينة فقط إذ لا يبحث فيه عن المادة أصلًا، وإن كان مخالفًا للحق فلا يجد نفعًا؛ لأن الغرض من تلك المعرفة هى العلوم فيعود المحذور، وأيضًا ثانيًا فلأن الأصول لا تفيد علمًا بطرق اكتساب الأحكام بل هو مقدمات يتصرف فيها بقوانين الاكتساب فيتوصل إلى تلك الأحكام، ولو سلم فالغاية متأخرة عن العلم، فالحكم بأن مبادئها من حيث إنها كذلك مبدأ له يستلزم دعوى توقف المتقدم على ما يتوقف عليه المتأخر من حيث هو كذلك، وما ذكره المصنف من أن معرفة الفائدة من المبادئ لا يقتضي نسبة هذا الاختيار إليه، كما لا يخفى فإن قلت: ما وجه تخصيص ذكر التنبيه بالأصول دون المنطق، قلت: الاشتراك فى الاستمداد من

стр. 111

الحكم، وأن غايته مخصوصة، وأما المنطق فلا تنحصر فائدته فى عدد ليشار إلى مبادئها. قوله: (ولا يريد) استمداد الأصول من الأحكام إنما هو من تصورها لا من التصديق بإثباتها أو نفيها من حيث استفادتها من أدلتها، فإن ذاك مسائله لا مبادئه ولا من حيث تعلقها بالأفعال لأنه فائدة لهذا العلم متأخرة عنه، فلو استمد منه وتوقف عليه كان دورًا وقد منع لزومه، واستند بأن كون الشئ مبدأ لعلم لا يستلزم توقف كل مسألة منه عليه كما أن كونه فائدة لا يوجب توقفه عليها فجاز أن يكون الإثبات والنفى من حيث التعلق بالأفعال مبدأ لمسائل منه وفائدة لأخرى، وأجيب بأن الفقه علم المجتهد وتصديقه بكل مسألة فقهية يتوقف على علمه بجميع القواعد التى يتوصل بها إلى استنباط الأحكام عند مانعى تجزؤ الاجتهاد، فلو توقف على شئ منها دار، نعم يتجه السؤال على من جوزه إن لم يكن مانع آخر والمصنف متوقف فيه، والمختار عند الجمهور المنع وفيه التزام وروده عليه؛ لأن التوقف لا يصير مبدأ للجزم. قوله: (وستقف) أراد أنه لم يقتصر فى مبادئ الأحكام على تصورها، بل أورد هناك أحكامًا على الأحكام هى تصديقات إيجابية كقولنا: الإباحة حكم شرعى، وسلبية كقولنا: الإباحة ليست جنسًا للوجوب (وهى خارجة عن الأمرين) أعنى تصررها والعلم بإثباتها أو نفيها فى الأفعال فإن لم تكن من المبادئ لم يصح ذكرها فيها، وإلا لم ينحصر الاستمداد فى تصورها وبطل التزام الدور على التقديرين؛ وتفصيله أن للأحكام تصورًا وتصديقًا من حيث وجودها فى أنفسها، وتصديقًا من حيث إنها مستفادة من الأدلة سواء جعلت موضوعات فيه أو أجزاء لمحمولاته، وتصديقًا من حيث تعلقها بفعل المكلف كذلك وتصديقًا خارجًا عما ذكر والأول من المبادئ وقد بينه، وكذا الثانى ولم يذكره لشهرته واندراجه فيما أفاده إجمالًا من مبادئ الكلام، والثالث: مسائل هذا الفن، والرابع: هو الفقه الموقوف عليه، وأما الخامس فقد قرنه بتصورها فإن كان مبدأ بطل العصر وإلا لغا الذكر فإن قيل ربما كان استطرادًا أو تكميلًا للصناعة بما ليس منها أجيب بأن بطلان قوله وإلا جاء الدور باقٍ بحاله، ورد بأن الاستمداد من علم الأحكام لا يكون إلا بما هو فيه من تصوراتها والتصديق بنفيها وإثباتها وحيث لزم الدور فى الثانى انحصر المراد فى

стр. 112

الأول، وهذا لا ينافى فى ذكره أحكامًا للأحكام استطرادًا لا استمدادًا وهذا إنما يتم إذا كان الاستمداد من علم الأحكام أعنى الفقه لا منها أنفسها وستنكشف جلية الحال فى ذلك، وفهم بعضهم أن قوله: ستقف. . . إلخ إشارة إلى أن المصنف قد اقتصر على تصور الأحكام واقعة فى المحمولات كما يدل عليه قوله ليمكن إثباتها ونفيها، لكنه قد جعلها أيضًا محكومًا عليها فى مبادئ الأحكام كما مر وفي الأدلة حيث قال: الحكم على الواحد حكم على جماعة، والحكم يجوز تأخير تبليغه إلى وقت الحاجة ونسخه دون التلاوة إلى غير ذلك، ولا يقدح هذا فى كون الأدلة موضوعًا للعلم لأن موضوع المسألة قد يكون عرضًا ذاتبًا له وتصورها هناك أيضًا من المبادئ فالواجب التعميم، والتزم أن التصديقات الموردة فى المبادئ الأحكامية مسائل من هذا الفن ذكرت فيها لإفادتها تصور جزئيات الأحكام إذ يعلم مما ذكر فى الواجب المخير أن من الوجوب ما يتعلق بشئ مبهم من أشياء معينة قال: وهكذا الحكم فيما أورده فى المبادئ غير الأحكامية من السائل ولذلك عنونها بمسألة مسألة وأنت خبير بما فى هذا الفهم من التعسف. قوله: (فلأن كل واحد مما يستدل به منه على الأحكام ليس معجزًا) قال بعض الأفاضل هذا لا يوجب توقف العلم بكونه كلام اللَّه تعالى على صدق المبلغ لأنه يجوز أن يضم إليه من سابقه أو لاحقه ما يصير به مقدار السورة فإن كان المجموع معجزًا علم أن ذلك البعض كلام اللَّه تعالى لأن ضم غير كلام اللَّه تعالى يخرجه عن الإعجاز وإلا لا يمكن أن يعرف بإعجاز القرآن كونه بتمامه كلام اللَّه تعالى هذا كلامه وهو فى غاية الضعف لأن الجزء الذى ليس معجزًا لا يمكن أن يعلم كونه جزءًا من الكلام إلا بإخبار الصادق، ولا يلزم كان كون مقدار السورة معجزًا كون كل واحد من أجزائه كلام اللَّه تعالى لأن ضم غير كلام اللَّه تعالى إليه لا يخرج المجموع عن الإعجاز إذ الجموع خارج عن طرق البشر ولا يعلم بإعجاز القرآن كونه بتمامه كلام اللَّه تعالى بل يعلم ذلك بإخبار الصادق ولا فساد فى ذلك فإنا إذا نظرنا إلى مقدار السورة جزمنا بأن هذا المقدار خارج عن طوق البشر فيجب أن يكون البعض من اللَّه تعالى قطعًا، وإلا لم يكن المجموع خارجًا عن طرق البشر وأما أن كل جزء من هذا المقدار داخل فى كلام اللَّه تعالى فهو غير معلوم إلا

стр. 113

بإخبار الصادق. قوله: (وأن لا تأثير لقدرة العباد) فإن قلت دلالة المعجزة لا تتوقف على أنه لا تأثير لقدرة العباد أصلًا بل تتوقف على إثبات أنه لا تأثير لقدرة العباد فى الأفعال الخارقة للعادة وجواز تأثير قدرة العباد فى الأفعال العادية لا يستلزم جواز تأثيرها فى الأفعال الخارقة للعادة قلت تجويز تأثير قدرة العباد فى الأفعال العادية لا يستلزم جواز تأثيرها فى الأفعال الخارقة للعادة قلت: تجويز تأثير قدرة العباد فى الأفعال العادية مع تفاوت مراتبها وتباين آثارها يورث جواز تأثيرها فى الأفعال مطلقًا إذ ليس لهم دليل على امتناع التأثير فى البعض فلو لم يمتنع الكل لم يكن للمعجزة دلالة فصح قوله والعلم بذلك الامتناع يتوقف على قاعدة خلق الأعمال وأن لا تأثير لقدرة العباد وهذا الذى ذكر من السؤال والجواب توضيح لما يتضمنه كلامه وفى عطف قوله فلا تأثير لقدرة العباد على قوله قاعدة خلق الأعمال تنبيه على معنى قاعدة خلق الأعمال وعلى وجه تغيير الأسلوب فى قول الشارح ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال حيث لم يقل وهو يتوقف كما فى أخواته وهذا الوجه هو التفاوت بين ما ذكر بعد قوله ويتوقف وبين ما ذكر قبله فإن امتناع تأثير غير القدرة القديمة عام شامل لامتناع تأثير قدرة العباد وغيرها ولو قيل تأثير غير القدرة القديمة ليس إلا تأثير قدرة العباد فالتغاير بحسب المفهوم فقط لكان هذا التوقف من قبيل توقف العلم اليقينى على تحقيق معلومه وفى قوله بل لا مؤثر فى الوجود إلا اللَّه تعالى إشعار بأن دلالة المعجزة موقوفة على امتناع تأثير غير القدرة القديمة مطلقًا سواء كان ذلك التأثير من قدرة العبد أو غيرها إلا على امتناع تأثير قدرة العبد فقط. قوله: (وإن ذهبوا إلى دعوى الضرورة) أى وإن ذهبت هذه الفرقة القائلة بتأثير القدرة الحادثة إلى أن امتناع تأثير قدرة العبد فى المعجزة ضرورى دفعًا للحيرة فى دلالة المعجزة ويتوقف ذلك الامتناع على تقدير كون المذكور ضروريًا على تلك القاعدة باعتبار إزالة الخفاء الواقع فى هذا الضرورى وأنت خبير بأن ما يزيل الخفاء هو قاعدة خلق الأعمال باعتبار الأعمال الخارقة للعادة. قوله: (ولا يريد بهذا توقفها على أنه المؤثر فى جميع الممكنات بل فى المعجزة) يعنى أن معنى قاعدة خلق الأعمال أن اللَّه تعالى خالق لأعمال العباد كما لوح قول

стр. 114

الشارح ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال ليس المراد به أن دلالة المعجزة موقوفة على أنه تعالى مؤثر فى جميع الممكنات إذ لا أدخل لغير المعجزة فى المقصود بل المراد به أنه تعالى خالق الأفعال الخارقة للعادة. قوله: (فإن الجواب فاسد) ههنا بحث وهو أن المجيب يقول إن غاية المنطق هى العلم بطرق الاكتساب وأراد الطرق الجزئية المركبة من المادة والصورة، وأراد أيضًا أن غاية المنطق هى تلك الطرق لا من حيث تعلقها بمواد معينة أى لا يكون تعلقها بالأمور المكتسبة المعينة مأخوذة فى المنطق، وأما الأصول فغايته العلم بطرق اكتساب الأحكام أى تعلق تلك الطرق بتلك الأحكام مأخوذة فى الأصول والحاصل أن مباحث الأصول على وجه يفهم فيها تعلق الطرق التى هى الأدلة بالأمور المكتسبة العينة بخلاف المنطق فإن مباحثه على وجه يفهم فيها تعلق طرق الاكتساب بالأمور المكتسبة لا على التعيين، والفرق ظاهر فلا يبعد أن يقال تصور الأمور المكتسبة يجب فى تحصيل علم الأصول إذ هى مأخوذة فيه على التعيين ولا يجب فى تحصيل المنطق إذ ليست مأخوذة فيه على التعيين. قوله: (من حيث هو كذلك) بيان ذلك أنه لما كان مبادئ الغاية لأجل مبادئ لها صارت مبادئ للعلم الذى تلك الغاية غاية له وهذه الحيثية موجودة فى كل ما يتوقف عليه الغاية فلزم توقف العلم الذى هو المتقدم على كل ما هو يتوقف عليه المتأخر ومن جملة ما يتوقف عليه المتأخر نفس ذلك العلم فلزم توقف الشئ على نفسه وأنت خبير بأن من قال مبادئ الفائدة هى مبادئ العلم أراد أن ما يتوقف عليه الفائدة مما هو غير ذلك العلم يتوقف عليه ذلك العلم. قوله: (وأجيب بأن الفقه علم المجتهد) هذا الجواب صحيح إذا كان التصديق بإثبات الأحكام أو نفيها من حيث التعلق علم الفقه وكل تصديق بإثبات حكم أو نفيه من حيث التعلق من أجزاء الفقه وذلك غير مسلم لأن بعضًا من تلك التصديقات لم يكن من أجزاء الفقه وهو التصديقات الحاصلة من الأدلة القطعية فقول الشارح ولا يريد العلم من إثباتها أو نفيها لأن ذلك فائدة العلم ويتأخر حصوله عنه فلو توقف عليه العلم كان دورًا مبنيًا على إرادة التصديق اليقينى وتقييد الكلام بالمذهبين مذهب مانعى تجزى الاجتهاد ومذهب من قال الأدلة اللفظية لا تفيد إلا ظنًا وكذا ما يتفرع عليها من الإجماع والقياس.

стр. 115

قوله: (فإن قيل ربما كان استطرادًا) حاصل هذا القول اختيار أن القسم الخامس ليس من المبادئ وتوجيه إيراده فيها بأن ذكره فيها لا يكون لغوًا بل تكميلًا للصناعة، وحاصل الجواب عن هذا القول أن وجود القسم الخامس يوجب بطلان قوله وإلا جاء الدور سواء كان ذكره لغوًا أو تكميلًا لأن التصديقات المتعلقة بأحكام الأحكام داخلة فى النفى الواقع فى قوله: وإلا جاء الدور، والدور غير لازم فيه، وحاصل الرد أن الاستمداد لا يكون إلا لمن يعلم المتعلق بالأحكام والعلم المتعلق بالأحكام ليس إلا تصورها أو التصديق بها أى بإثباتها أو نفيها وأما التصديق بأحكام الأحكام فهو خارج عن العلم بالأحكام فصح قوله وإلا جاء الدور أى وإن أريد العلم بإثباتها أو نفيها جاء الدور. الشارح: (توقف على صدق المبلغ) أى ليثبت حقيته المستند إليها حجيته. الشارح: (وعلى إثبات العلم والإرادة) عطف على قوله على امتناع تأثير غير القدرة القديمة. الشارح: (ولا يريد بالأحكام العلم بإثباتها أو نفيها) أى على الوجه الذى فى الفقه لأن ذلك فائدة العلم وأما على الوجه الذى فى الأصول فعدم إرادته ظاهر فلذا لم يتعرض له. الشارح: (وسنقف. . . إلخ) مراده الإعتراض على المصنف كما بينه السعد والسيد. التفتازانى: (يعنى لزوم امتثاله. . . إلخ) حمل اللزوم على الوجود وقدر مضافًا وحمل قول الشارح حينئذٍ على ما يفيد التعليل. التفتازانى: (هو الحدوث) أى وحده أو مع الإمكان أو بشرطه. التفتازانى: (ويرد عليه أنه لو أريد إثبات الأحكام. . . إلخ) فيه أن الآمدى لم يتعرض لقوله ليمكن إثباتها ونفيها ولم يجعل ذلك الإثبات باعتبار الفقه بحيث تكون الأحكام ثابتة لأفعال المكلف وإنما تعرض لبيان التصديق بها الذى يوجب الدور لو توقف علم الأصول عليه فيحتمل أنه يقول: ليمكن إثباتها ونفيها أى فى الأصول فحينئذٍ يلزم الأصولى تصورها.

стр. 116

التفتازانى: (محمولات. . . إلخ) سيأتى للسيد قدس سره أن المراد مبادئ المحمولات. التفتازانى: (يندفع الإيراد الثانى) هو قوله وأيضًا لزوم الدور. . . إلخ. التفتازانى: (لا يقال المراد. . . إلخ) أى أن الدور لازم عند جعل التصديق بالأحكام سواء كان على الوجه الذى فى الفقه أو على الوجه الذى فى الأصول من المبادئ لأن علم الأصول هو الملكة لا المسائل والتصديق المذكور متأخر عنه مطلقًا فلا حاجة لأن يقال: إنه لم يتعرض لنفى كون التصديق بالأحكام على الوجه الذى فى الأصول لظهور أن ذلك مسائله وحاصل الجواب أن المبادئ إنما تكون للعلوم: لمعنى المسائل لا الملكات ومعلوم أن الشئ لا يكون مبدأ لنفسه ولظهوره لم يتعرض له كما قال. التفتازانى: (ونفى أن تكون التصديقات التى محمولها الأحكام) أى على الوجه الذى فى الفقه، وقوله: مثل أن الواجب الموسع. . . إلخ. أى من حيث اشتماله على الوجوب الذى هو الحكم. التفتازانى: (وليس فى علم الأحكام) أى الذى هو علم الفقه. التفتازانى: (وإلا) أى وإن لم يحتج إلى غيره ولم يستمد من ذلك الغير فليس استمداد أحدهما من الآخر أولى من عكسه لاستوائهما فى تلك المبادئ واحتمال تقدم تدوين أحدهما أو اشتهار نسبة المبادئ إليه مما لا يجدى لأن المقصود من استمداد علم من آخر استمداده باعتبار نفسه منه باعتبار نفسه لا باعتبار شهرة أو تقدم تدوين والمبادئ التصويرية لكل علم لا من تصورها على وجه يتوقف عليه مطالبه وليس له حال أخرى بحال بمعرفتها على علم آخر حتى يستمد منه واستفادة تصور تلك المبادئ من الكتب المدونة فى ذلك العلم السابق لا يصير العلم اللاحق مستمدًا منه. قوله: (لأن العمومات الكلية. . . إلخ) أى من الكتاب والسنة والعلة التى هى مبنى القياس العامة توصف بالكلية أيضًا فللاحتراز عنها فسرها بالإجمالية. قوله: (كما ذكره) أى حيث قال: يكون الكتاب والسنة والإجماع حجة. قوله: (على معرفته تعالى) لأن معنى كونها حججًا أن الأحكام الثابتة بها هى أحكام اللَّه التى يلزمنا العمل بها فلا بد من معرفته تعالى لتسند الأحكام إليه.

стр. 117

قوله: (إن حجيتها تتوقف على وجودها) أى وإن وجود مبرهن عليه فى الكلام، وأما على أن وجودها بديهى فبالانضمام المذكور لا يتبين به استمداد الأصول من الكلام. قوله: (وثبوته فى حقنا. . . إلخ) حمل اللزوم على الثبوت فى حقنا وحمل حينئذٍ على مجرد الظرفية ردًا على التفتازانى، وأما جعل الضمير عائدًا على التكليف فليس الغرض منه الرد عليه فى جعل الضمير للخطاب لأن الخطاب والتكليف المراد بهما واحد كما يدل عليه قوله: ولا يثبت علينا إلا حكمه الذى هو خطابه. قوله: (لأن المتكلمين) أى جمهورهم وإلا فبعضهم يستدل بالإمكان على وجود الصانع. قوله: (ليس معجزًا) لأن المعجز هو ما كان مقدار أقصر سورة وقد نزل أقل من ذلك وحده كقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، وهذا لا ينافى ما قيل من أنه لا يصح أن يكون القرآن ثابتًا بالشرع لأنه أقوى أدلة إثباته، فلا يتوقف عليه لأن المراد بذلك مجموع القرآن لا هو وأبعاضه. قوله: (بل العلم به) أى لأن صدقه فى ذاته يتوقف على دلالة المعجزة وقوله: والعلم بذلك الامتناع أشار بذلك إلى أن الضمير فى قوله: ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال عائد على الامتناع بتقدير مضاف وليس عائدًا على دلالة المعجزة كما قال بعضهم وقد درج السعد على عود الضمير على دلالة المعجزة. قوله: (وعلى أن لا تأثير لقدرة العبد) أشار به إلى تفسير المراد من قاعدة الأعمال وأنها شاملة لجميع الأعمال لا فرق بين الخارق للعادة وغيره. قوله: (بل لا مؤثر فى الوجود. . . إلخ) لما كان نفى قدرة العبد لا ينافى أن يكون لغيره من سائر المخلوقين قدرة وتأثير مع أن العلم بامتناع تأثير غير القدرة القديمة يتوقف على أن لا تأثير لغير اللَّه أصلًا أتى بالإضراب المذكور مشيرًا به إلى أن الذى يتوقف عليه العلم بالامتناع المذكور بالذات هو أنه لا مؤثر فى الوجود سواه تعالى وقاعدة خلق الأعمال متفرعة عليه ففي عبارة الشارح مسامحة. قوله: (وفيه. . . إلخ) ليس اعتراضًا بل المراد أن ما ذكره يتضمن أن من أثبت. . . إلخ. وقوله: فى ورطة الحيرة أى لجواز أن يكون ذلك الأمر الخارق للعادة مما تتعلق به بعض القدر لأنها متفاوتة المراتب والآثار بخلاف ما إذا قلنا: لا

стр. 118

تأثير لقدرة العباد لكن ربما يقال: إنها وإن لم يكن لها تأثير فلا كسب وربما يختلف الكسب لتفاوت مراتب القدرة الكاسبة فيجوز أن يكون الأمر الخارق من مكسوب بعض القدر فلا بد فى دلالة المعجزة من دعوى الضرورة أيضًا. قوله: (وإن جنحوا إلى دعوى الضرورة) أى أن الجماعة الذين أثبتوا للعبد قدرة مؤثرة يلجئون فى دلالة المعجزة على الصدق إلى الضرورة دفعًا للحيرة وعلى هذا فالعلم بالامتناع لا يتوقف على قاعدة خلق الأعمال سواء كانت خارقة للعادة أو لا؛ لأنه يعلم بالضرورة وإنما يتوقف عليها لإزالة الخفاء فقط؛ والمراد بالأعمال على ذلك الأعمال الخارقة للعادة فقط إذ لا دخل غيرها فى المقصود لأن الكلام فى امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها أى المعجزة. قوله: (فمقطع الاحتمال) أى احتمال أن تكون المعجزة من بعض قدر العباد فلا تفيد الصدق إنما هو بتلك القاعدة القويمة النافية لتأثير قدرة العبد مطلقًا. قوله: (وظاهر هذه العبارة) أى عبارة الشارح التى هى قوله: ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال حيث لم يقل أيضًا كما قال فى العبارة الأولى، وأيضًا أنه يتوقف ولم يقل وعلى قاعدة خلق الأعمال عطفًا على قوله، على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فلو كان الضمير فى يتوقف على قاعدة خلق الأعمال عائدًا على دلالة المعجزة كما قال بعضهم؛ لكانت دلالة المعجزة متوقفة على أمرين فكان الظاهر أن يقول: وتتوقف أيضًا أو أن يقول وعلى قاعدة ويحذف قوله ويتوقف فلما قال: ويتوقف على قاعدة خلق الأعمال بدون أيضًا كان ذلك ظاهرًا فى أن الضمير فى يتوقف ليس عائدًا على الدلالة بل على الامتناع المذكور قبله. قوله: (ولا يريد بهذا) أى بتوقفها على قاعدة خلق الأعمال توقفها على أنه المؤثر فى جميع الممكنات بل فى المعجزة أى بل يريد أن اللَّه تعالى هو الخالق للأفعال الخارقة للعادة لكن يرد أن القاعدة المذكورة هى عامة فلا وجه للتخصيص. قوله: (والأول أظهر) أى لأن القدرة قد ذكرت فى قوله على امتناع غير تأثير القدرة القديمة. قوله: (فمن قال. . . إلخ) القائل السعد. قولد: (وتصور موضوعات المسائل. . . إلخ) مرتبط بما قبل قوله: فمن قال. . . إلخ

стр. 119

والكلام السابق وإن كان فى المحمولات وما يقع فيها إلا أنه أشار بذكر تصور الموضوعات وما يقع فيها إلى أن الأحكام فى مسائل الأصول كما تقع محمولًا وداخلًا فى المحمول تقع موضوعًا وداخلًا فيه فلا بد من تصورها. قوله: (لا لأن ما يقع. . . إلخ) رد على الأبهري حيث قال فى وجه ذكر الفقه هنا ما حاصله أن الفقه فائدة لأصول الفقه والأحكام واقعة محمولات مسائله فيكون تصورها من مبادئ علم الأصول لأن ما يقع فى محمولات ما هو فائدة العلم يكون من مبادئ ذلك العلم. قوله: (ويجاب. . . إلخ) داخل تحت النفى وحاصله أن المنطق هو العلم بالطرق الكلية للاكتساب وغايته هى العلم بالطرق الجزئية المستعملة فى العلوم لا من حيث تعلقها بمواد معينة هى نتائج تلك الطرق بل على وجه عام كأن يعلم أن هذا الشكل الثانى مثلًا ينتج لما هو نتيجته وأما الأصول فغايته العلم بطرق اكتساب الأحكام فالمكتسب بالطرق فى المنطق غير معين فلم تكن تصورات أجزائه من مبادئ المنطق بخلاف الأصول فالمكتسب معين هو الأحكام فكان تصورها من مبادئه أى ما تتعلق به فقوله: وإن أريد الطرق الجزئية العارضة للمواد المخصوصة هو المراد والمراد بالمواد المخصوصة ما حصل بالاكتساب من تلك الطرق الجزئية. قوله: (ويدعى أن المستفاد منه) أى من المنطق معرفة الصور المعينة فقط فيعرف بالمنطق صور الأشكال المعينة ولا يعرف المادة التى تتعلق بها تلك الأشكال ولا يبحث فيه عن المادة أصلًا فلو كان يبحث منه عن المادة على الوجه العام كما يبحث فيه عن الصور على وجه عام كان معرفة المواد الجزئية التى هى مسائل العلوم غاية له فيرد الاعتراض المذكور. قوله: (وإن كان مخالفًا للحق) أى لأن الحق أن المنطق يبحث فيه عن المادة أيضًا على وجه عام فتكون مسائل العلوم غاية له فيرد الاعتراض المذكور وقوله: لأن الغرض من تلك المعرفة هى العلوم أى فتكون هى الغاية أيضًا. وقوله: (مسعود المحذور) أى الذى هو وجوب كون تصورات محمولات مسائل العلوم من مبادئ المنطق. قوله: (ولو سلم. . . إلخ) أى لو سلم أن الأصول يفيد العلم بطرق اكتساب الأحكام وأن ذلك العلم غاية له فالغاية متأخرة عن العلم.

стр. 120

قوله: (من حيث إنها كذلك) أى مبادئ لها. قوله: (يستلزم دعوى توقف المتقدم على ما يتوقف عليه المتأخر من حيث هو كذلك) وهذه الدعوى خلاف الظاهر المألوف من أن المتأخر هو الذى يقال فيه إنه إذا توقف على شئ متوقف على آخر كان ذلك المتأخر متوقفًا على ذلك الآخر فلو حكم بعكس هذا وقيل إن مبادئ ذى الغاية من حيث إنها مبادئ له مبادئ للغاية فيستلزم دعوى أن المتأخر متوقف على ما يتوقف عليه المتقدم لكان له وجه هذا ما يفهم من حاشية الخلخالى وقال الهروى على قوله من حيث هو كذلك بيان ذلك أنه لما كان مبادئ الغاية لأجل أنها مبادئ لها صارت مبادئ للعلم الذى تلك الغاية غاية له وهذه الحيثية موجودة فى كل ما يتوقف عليه الغاية فلزم توقف العلم الذى هو المتقدم على كل ما يتوقف عليه المتأخر ومن جملة ما يتوقف عليه المتأخر نفس ذلك العلم فلزم توقف الشئ على نفسه وأنت خبير بأن من قال: مبادئ الفائدة هى مبادئ العلم أراد أن ما يتوقف عليه الفائدة مما هو غير ذلك العلم يتوقف عليه ذلك العلم. اهـ. قوله: (وما ذكره المصنف. . . إلخ) أراد الرد على ما تمسك به الفاضل الأبهرى فى قوله: إنه مختار المصنف ووجه الرد أن المصنف إنما جعل معرفة الفائدة من المبادئ بالمعنى الأعم أعنى ما يتوقف عليه ذاتًا أو تصورًا أو شروعًا لا منها بالمعنى الأخص الذى هو ما يتوقف عليه ذاتًا وهو الذى الكلام فيه فلا يقتضى كلام المصنف اختيار أن محمولات الفائدة من مبادئ ذى الفائدة. قوله: (فإن قلت ما وجه. . . إلخ) يعنى إذا اقتضى كون العلم مستمدًا فى ترتب فائدته عليه من مبادئ تلك الفائدة أن تذكر الفائدة ومبادئها تنبيهًا على ذلك الاستمداد اقتضى أيضًا المنطق فى ترتب فائدته عليه من مبادئها ذكر تلك الفائدة ومبادئها كذلك سمع أنه لا تعرض فى كتب المنطق لشئ من ذلك فما وجه التخصيص. قوله: (قلت الاشتراك. . . إلخ) حاصله أن للتخصيص وجهين، أحدهما: الاشتراك فى الاستمداد من الأحكام أى أن الأصول والفقه مشتركان فى الاستمداد لشئ واحد هو الأحكام بخلاف المنطق وفائدته، ثانيهما: أن غاية الأصول شئ واحد مخصوص هو الفقه فتتيسر الإشارة إلى مبادئه بخلاف المنطق

стр. 121

فإن فوائده كثيرة غير محصورة فى عدد فلا يتيسر ذكرها والإشارة إلى مبادئها. اهـ. خلخالى. قوله: (إنما هو من تصورها) الحصر إضافى كما يشير به قوله: (لا من التصديق. . . إلخ) فلا ينافى أن الاستمداد من التصديق بوجود الأحكام أيضًا الذى هو فى علم الكلام. قوله: (وتصديقه بكل مسألة فقهية. . . إلخ) أى لأنه لا بد فيه من التهيؤ التام لهذا التصديق ولا يتأتى ذلك إلا بعلمه بجميع القواعد بالفعل. قوله: (يتجه الرد) أى بمنع الدور وقوله على من جوزه أى التجزى ووجه الاتجاه أنه بناء على الشك الذى ذكره يجوز أن يكون البعض الذى منه الاستمداد وهو من المسائل الفقهية غير المجتهد فيه والمجتهد فيه متوقف على البعض الآخر الذى هو وسيلة إلى المجتهد فيه فلا دور. قوله: (إن لم يكن مانع آخر) أى غير منع التجزى يعنى أن السؤال يتجه على القول بتجزى الاجتهاد إن لم يكن له مانع آخر غير منع التجزى لكن يجوز أن يكون هناك مانع آخر يمنع توجه السؤال على من جوز التجزى أيضًا. قوله: (متوقف فيه) أى فى جواز التجزى. قوله: (وفيه التزام. . . إلخ) أى فى التوقف من المصنف التزام ورود السؤال بعدم الدور عليه. قوله: (لأن التوقف لا يصير مبدأ للجزم) أى بعدم استمداد الأصول من التصديق بإثبات الأحكام ونفيها على الوجه الذى فى الفقه ولزوم الدور. قوله: (على التقديرين) أى تقدير التصديق بالإثبات والتصديق بالنفى وليس المراد بهما تقدير كونها من المبادئ وتقدير كونها ليست منه لأنه لا مجال لتوهم الدور على أنها ليست من المبادئ حتى يتعرض لإبطاله بناءً عليه كذا قيل وهو غير ظاهر بل المراد بهما تقدير كونها من المبادئ وتقدير كونها ليست منها كما يدل عليه قوله: وأجيب بأن بطلان. . . إلخ. وأما قوله: إذ لا مجال. . . إلخ. فمدفوع بأن الكلام على الفرض والتقدير فقوله وإلا جاء الدور أى لو أريد من كون الأحكام مبادئ التصديق بأحوالها لجاء الدور مع أنه لو أريد التصديق بأحكام الأحكام وجعل ذلك فى المبادئ لم يلزم الدور وإن كان ذلك التصديق فى الواقع

стр. 122

ليس من المبادئ بل ذكرها فيها استطرادى فلا يقتضى لزوم الدور فى ذاته الحصر فى التصور. قوله: (من حيث استفاداتها من الأدلة) أى باعتبار تعلقها بالأفعال على الإجمال وأما تعلقها بها على التفصيل فهو المطلوب فى الفقه. قوله: (سواء جعلت موضوعات) كقولنا الوجوب مدلول الأمر، وقوله: أو أجزاء لمحمولات كقولنا الأمر للوجوب. قوله: (من حيث تعلقها بفعل المكلف) أى على التفصيل كقولنا الوتر سنة أو واجب بخلاف قولنا: الأمر للوجوب فإن الوجوب فيه متعلق بالفعل المحمل. قوله: (باقٍ بحاله) أى أنه وإن اندفع بطلان الحصر واللغو لكنه لم يندفع لزوم الدور. قوله: (ورد بأن الاستمداد. . . إلخ) أى رد الإشكال ببقاء الدور بحاله بأن الاستمداد من علم الأحكام لا يكون إلا بما فيه وهو منحصر فى التصور والتصديق وحيث. . . إلخ. قوله: (وهذا لا ينافى. . . إلخ) أى فلا إشكال أصلًا من أى جهة. قوله: (وستنكشف لك جلية الحال) أى من أن الاستمداد من الأحكام أنفسها لا من علم الأحكام. قوله: (ولا يقدح هذا) أى وقوع الحكم موضوعًا فى المسألة وهو دفع لما يقال: إنه إذا جعل الحكم موضوعًا فى المسألة خرجت المسألة عن أن تكون من الأصول لأن موضوعه الأدلة وحاصل الدفع أنه لا يجب فى مسألة العلم أن يكون موضوعها موضوع العلم بل يجوز أن يكون موضوعها عرضًا ذاتيًا له الحكم من الأعراض الذاتية لموضوع الأصول. قوله: (فالواجب التعميم) أى تعميم التصور لتصور الأحكام موضوعة ومحمولة. قوله: (والتزام) عطف على قوله اقتصر. قوله: (ولذلك عنونها مسألة بمسألة) أى لأجل أن التصديقات الموردة فى المبادئ الأحكامية من مسائل هذا الفن عنونها مسألة بمسألة. قوله: (بما فى هذا الفهم والالتزام من التعسف) أما التعسف فى الفهم فلأن

стр. 123

المتبادر من الأمرين فى قوله: وهو خارج عن الأمرين تصور الأحكام والتصديق بإثباتها ونفيها الذى هو فائدة الفقه لأن ذلك هو المذكور أولًا والمراد بتصور الأحكام تصورها مطلقًا سواء جعلت من أجزاء المحمول أو من أجزاء الموضوع ولا يقدح فى ذلك قوله: ليمكن إثباتها ونفيها كما هو منشأ فهم بعضهم لأن المراد أنه لا بد من تصورها وهو قد حمل الأمرين على تصور الأحكام مثبتة وتصورهما منفية أخذًا بظاهر قوله ليمكن إثباتها ونفيها هذا ما يفهم مما كتبه المحشى فى حاشية الحاشية وفيه أنه لا مانع من أن يكون هذا الفاهم حمل الأمرين على التصور الذى للأحكام محمولة أخذًا من قوله: ليمكن إثباتها ونفيها والتصديق بإثباتها ونفيها وهما مذكوران صراحة لأعلى التصورين كما ادعى المحشى، وأما التعسف فى الالتزام فلأن العنونة بمسألة مسألة لا تقتضى أن تلك المسألة من الفن وإلا لكان كل ما عنون عنه بذلك فى مبادئ الأحكام كان الفن مع أنه ليس كذلك وفى التخصيص تعسف هذا ما يؤخذ من حاشية الحاشية.

стр. 124

قال: (الدليل لغة المرشد والمرشد الناصب والذاكر وما به الإرشاد وفى الاصطلاح ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وقيل إلى العلم به فتخرج الإمارة وقيل قولان فصاعدًا يكون عنه قول آخر وقيل يستلزم لنفسه فتخرج الأمارة). أقول: لما كان استمداده من المواضع الثلاثة كان مبادئه منهما فشرع فى ذكرها، وهذه هى مبادئ الكلام. والدليل لغة يقال للمرشد وهو الناصب والذاكر ولما به الإرشاد وهذا ما صرح به فى الأحكام ولا يبعد أن يجعل للمرشد وهو للمعانى الثلاثة فإن ما به الإرشاد يقال له المرشد مجازًا. فيقال الدليل على الصانع هو الصانع أو العالِم أو العالَم واصطلاحًا أيضًا عند الأصوليين فما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وذكر الإمكان لأن الدليل لا يخرج عن كونه دليلًا بعدم النظر فيه وقيد النظر بالصحيح لأن الفاسد لا يتوصل به إليه وإن كان قد يفضى إليه اتفاقًا وهذا يتناول الأمارة أى الظنى منه وربما قيل إلى العلم بمطلوب خبرى فلا يتناولها. وأما عند المنطقيين فقولان فصاعدًا يكون عنه قول آخر وهذا يتناول الأمارة لأنه يجمع القياس البرهانى والظنى والشعرى والسفسطى وربما قيل بدل يكون يستلزم لذاته قولًا آخر فتخرج الأمارة إذ يختص بالبرهانى منه فإن غيره لا يستلزم لذاته شيئًا فإنه لا علاقة بين الظن وبين شئ لانتفائه مع بقاء سببه وفيه بحث مذكور فى الكلام. وأعلم أن الحاصل أن الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم وعندهم أن العالم حادث وكل حادث فله صانع. قوله: (لما كان استمداده من المواضع الثلاثة) أى الكلام والعربية والأحكام والآمدى يسميها المبادئ الكلامية والمبادئ اللغوية والمبادئ الفقهية، والشارح المحقق كان يتحاشى عن التصريح بأن الأصول تستمد من الفقه استبعادًا منه لكون مبادئ العلم مبينة فى علم أدنى مع أنه لم يعهد تصورات الأحكام فى علم الفقه ولذا يقول ههنا المواضع الثلاثة دون العلوم الثلاثة ويقول فى بحث الأحكام قد استوفى مبادئ هذا العلم من اللغات وما هى مبادئه من الأحكام، على أنه قد ذكر فيما سبق أن الاستمداد إجمالًا ببيان أنه من أى علم يستمد وبالجملة من دأب

стр. 125

الشارح فى هذا الكتاب سوق الكلام فى مظان اللبس على وجه الإبهام والاحتراز عن التصريح بالمرام، والحق أن مبادئ العلم قد تبين فى علم أدنى على ما صرح به ابن سينا وأن بيان مفهوم الأحكام وظيفة الفقه لكونها محمولات مسائله، هذا وكلام المصنف بعد مضطرب لأنه زاد فى المبادئ المتعلقة بالأحكام كثيرًا من المسائل التى ليست من الفقه وأورد المباحث المتعلقة بالعربية بعضها فى المبادئ كالحقيقة والمجاز والاشتراك وبعضها فى المقاصد كالعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم ولم يورد فى المبادئ الكلامية شيئًا مما يتعلق بمعرفة البارى وصدق المبلغ ودلالة المعجزة؛ لأن ذلك فى نظر الأصولى منزلة البديهى بل اقتصر على ما لا يبعد أن يكون بالنسبة إلى الكلام أيضًا من المبادئ بل المقدمات بل ليس له اختصاص بالكلام كمباحث النظر الذى سائر العلوم فيه متساوية الأقدام نعم لما لم يكن فى العلوم الإسلامية ما يناسب مباحث النظر والاستدلال سوى علم الكلام أضافوها إليه وفى قوله مبادئ الكلام دون المبادئ الكلامية رمز إلى ما ذكرنا. قوله: (ولا يبعد) بعيد لما فيه من إطلاق المرشد على معناه الحقيقى والمجازى جميعًا إلا أن يؤول بأن الدليل لغة ما يطلق عليه لفظ المرشد ثم ههنا بحث أما أولًا: فلأن الدليل فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهى أعم من الإرشاد والهداية وأما ثانيًا: فلأن قولنا الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يصح فى المعنى المجازى وليس هذا بمصرح فى كلام الآمدى لأنه قال: أما الدليل فقد يطلق فى اللغة بمعنى الدال وهو الناصب للدليل وقيل الذاكر له وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد وهو المسمى دليلًا فى عرف الفقهاء سواء أوصل إلى علم أو ظن، والأصوليون يفرقون فيخصون الدليل بما يوصل إلى علم والإمارة بما يوصل إلى ظن فحده عند الفقهاء مما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى وعند الأصوليين ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبرى والأقرب أن اصطلاح الأصول ما ذكره الشارح. قوله: (الدليل على الصانع هو الصانع) لأنه الذى نصب العالم دليلًا عليه (أو العالم) بكسر اللام لأنه الذى يذكر للمستدلين كون العالم دليلًا على الصانع (أو العالم) بفتح اللام لأنه الذى به الإرشاد. قوله: (لأن الدليل لا يخرج) يعنى أن الدليل معروض الدلالة وهى كون الشئ

стр. 126

بحيث يفيد العلم عند النظر فيه، وهذا حاصل نظر فيه أو لم ينظر. قوله: (وقيد النظر بالصحيح) صحة النظر أن يكون فى وجه الدلالة أعنى ما به ينتقل الذهن كالحدوث للعالم وفساده وبخلافه فلو أطلق النظر لفهم من أن الدليل يجب أن يمكن التوصل به إلى المطلوب الخبرى بأى نظر كان ولا خفاء فى أن العالم دليل الصانع ولا يمكن التوصل إلى المطلوب بالنظر الفاسد إما صورة فظاهر وإما مادة كما فى قولنا العالم بسيط وكل بسيط له صانع فلانتفاء وجه الدلالة إذ ليست البساطة مما ينتقل منه إلى ثبوت الصانع وإن أفضى إليه فى الجملة فإن قيل: الإفضاء إلى المطلوب يستلزم إمكان التوصل إليه لا محالة قلنا ممنوع فإن معنى التوصل يقتضى وجه دلالة بخلاف الإفضاء ثم مبنى كلام الشارح على أن المراد بما أمكن هو الموجود العينى الذى به التوصل كالعالم لا القضايا والتصديقات على أنها لو كانت مرادة يجب أن تعتبر مجردة عن الترتيب، إذ لا معنى للحظر وحركة النفس فى الأمور الحاضرة المرتبة. قوله: (أى الظنى منه) يعنى من الدليل يعنى أن الأمارة هو الشئ الذى يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى الظن بمطلوب خبرى كوجود النار لوجود الدخان. قوله: (فقولان) يعنون بالقوله المركب التام الذى يصح السكوت عليه والأولى أن يزاد قيد احتمال الصدق والكذب. قوله: (البرهانى) هو القياس المؤلف من المقدمات اليقينية الواجبة القبول والظنى يتناول الخطابى المؤلف من المظنونات أو منها ومن المقبولات، والجدلى المؤلف من المشهورات أو منها ومن المسلمات وأما الشعرى فهو المؤلف من المخيلات والسفسطى هو المؤلف من المشبهات بالقضايا الواجبة القبول فجميع تلك الأقيسة يحصل منها نتيجة وإن لم يكن فى غير البرهانى على سبيل اللزوم. قوله: (إذ يختص بالبرهانى منه) أى من القياس فإن قيل: قد أطبق جمهور المنطقيين على قيد الاستلزام فى تعريف القياس وجعلوه شاملًا للبرهانى والظنى والشعرى والسفسطى قلنا نعم لكن مع زيادة قيد آخر هو تقدير التسليم وذلك أنهم قالوا: هو مؤلف قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر فاللزوم فى الكل إنما هو على تقدير التسليم، وأيضًا بدونه فلا يكون فى غير البرهانى وبينه فيما هو أقرب إلى اللزوم كالظنى فإنه لا علاقة بين الظن وبين شئ آخر ما بحيث يمنع

стр. 127

تخلفه عنه لانتفاء الظن مع بقاء سببه، كالغيم الرطب يكون أمارة للمطر ثم يزول ظن المطر بسبب من الأسباب مع بقاء الغيم بحاله. قوله: (وفيه بحث) وهو أن الممكنات مستندة إلى اللَّه ابتداء والعلم والظن عقيب الدليل والأمارة بخلق اللَّه تعالى من غير تأثير لهما وإيجاب ومعنى استلزام الدليل العلم استعقابه إياه عادة فلا يبعد أن تستلزم الأمارة الظن بهذا المعنى ويتخلف عنها، بناء على أن اللَّه لا يخلقه عقيبها والجواب أن الاستعقاب العادى يمنع التخلف عادة وإن جاز عقلًا حتى لو وقع كان من خوارق العادة، وتخلف الظن عن الإمارة ليس كذلك بخلاف العلم من الدليل. قوله: (لما كان استمداده من المواضع الثلاثة) يعنى الكلام والعربية والأحكام قيل: عدل عن العلوم الثلاثة إلى هذه العبارة؛ تحاشيًا عن التصريح باستمداد الأصول من الفقه مع كونه أدنى، ولم يعهد فيه تصور الأحكام وقد سبق أنه أن الاستمداد إجمالًا ببيان أنه من أى علم يستمد، والحق أن مبنى العلم قد تبين فى علم أدنى على ما صرح به ابن سينا وأن بيان مفهومات الأحكام وظيفة الفقه لوقوعها محمولات فى مسائله ولذلك سماها الآمدى بالمبادئ الفقهية وليس بحق فإن المبادئ التصورية لعلم حقها أن تبين فيه لا أن تؤخذ من علم آخر وما صرح به من أن المبادئ تبين دى العلم الأعلى كثيرًا وفى الأدنى قليلًا إنما هو فى المبادئ التصديقية المسماة بالأصول الموضوعة كما لا يخفى على من له دربة بصناعة البرهان كيف لا وتلك التصورات إذا ذكرت فى علم آخر لا تكون مسائل منه بل مبادئ تصورية له أيضًا؟ فلو احتيج فى بيانها إلى غيره لزم الدور أو التسلسل وإلا فليس استمداد أحدهما من الآخر أولى من عكسه، فعلم أن الأصول إنما يستمد من الأحكام أنفسها لكونها أجزاء المحمولات مسائله لا من علم الفقه فلهذا السبب عدل عن العلوم إلى المواضع وقال فيما بعد: قد استوفى فى مبادئ هذا العلم من اللغات وما هى مبادئه من الأحكام، وأما قوله: من أى علم يستمد فمحمول على التغليب وإنما سماها الآمدى فى موضع بالمبادئ الفقهية لاشتهارها بالانتساب إليه لا لكونها مأخوذة منه كما يشعر بذلك عبارته فى صدر الأحكام فإن قلت: كما أنه يستمد من تصورات الأحكام كذلك يستمد من تصورات أخر لموضوعات مسائله

стр. 128

ومحمولاتها وأجزائهما فما وجه الاقتصار عليها قلت: هى تصورات كثيرة متجانسة لها شيوع فى المسائل فأشار إليها وأفردها بالذكر قبلها، وأما التصورات المتفرقة المخصوصة ببعض المسائل فأخر بيانها إلى أن يشرع فى تلك المسائل كما فعل مثل ذلك فى المباحث المتعلقة بالعربية حيث أورد بعضها فى المبادئ كالحقيقة والمجاز والاشتراك والترادف وبعضها فى المقاصد كالعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم لشدة ارتباط لهذا البعض بالمسائل التى أخر ذكره إليها. قوله: (وهذه هى مبادئ الكلام) جعل قول الدليل لغة إلى قوله: مبادئ اللغة مبادئ كلامية لأصول الفقه لأنه مقتضى عبارته حيث حكم بأن هذا العلم يستمد من أمور ثلاثة وبينه إجمالًا ثم أورد هذه المباحث وعقبها بالمبادئ اللغوية والأحكام، فتوجه أن القواعد المنطقية نسبتها إلى علم الكلام كنسبتها إلى سائر العلوم الكسبية إذ هى آلة لها فكما يتوقف عليها أصول الفقه يتوقف عليها الكلام أيضًا فجعلها مبادئ كلامية للأصول ليس أولى من العكس، وقد صرح بذلك الإمام الغزالى فى المستصفى حيث قال: إن المقدمة المشتملة على هذه المباحث ليست من جملة أصول الفقه ولا من مقدماته الخاصة بل هى مقدمة العلوم كلها، وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجة أصول الفقه، وقد أجيب بأن المنطق جزء لما عداه من العلوم المدونة لتركيبها فى المشهور من المسائل والمبادئ، ولها مادة تتألف منها، وصورة هى القواعد المنطقية وحيث كان الكلام أعلى العلوم الشرعية وأساسها كان مقدمًا فى الرتبة والاعتبار فنسب تلك القواعد إليه فهى مبادئ كلامية للأصول وغيره وليس بشئ لأن صور الأدلة والمعرفات المخصوصة المذكورة فى العلوم ليست هى من المسائل المنطقية بل هى جزئيات موضوعاتها، والحق أن إثبات مسائل العلوم النظرية محتاج إلى دلائل وتعريفات معينة والعلم بكونها موصلة إلى المقصود لا يحصل إلا من المباحث المنطقية أو يتقوى بها فهى محتاج إليها لتلك العلوم وليست جزءًا منها بل هى علم على حيالها وعلم الكلام لما كان رئيس العلوم الشرعية ومقدمًا عليها انتسب إليه هذه القواعد المحتاج إليها، فعدت مبادئ كلامية للعلوم الشرعية، وقيل: الأولى أنه لما ذكر الدليل فى حدى الأصول والفقه أشار إلى معناه وحيث أخذ فى تعريف النظر المشتمل بيانه على العلم والظن احتاج إلى بيانهما والبحث عما يتعلق بهما فجره ذلك إلى تقسيم

стр. 129

العلم إلى التصور والتصديق المنقسمين إلى الضرورى والنظرى وبيان الطرق الموصلة إلى النظريات وما يتعلق بها فهذه المباحث كلها من تتمة الحد، ولذلك لم يصدرها بعنوان يدل على أنها مبادئ كلامية كما فعله فى القسمين الآخرين وفيه أن يراد علم فى آخر استطرادًا مما يأباه الطبائع المستقيمة، وأما صاحب الأحكام فاقتصر على تعريف الدليل والنظر والعلم والظن وجعلها مبادئ كلامية. قوله: (والدليل لغة) الدليل لغة يطلق على المرشد، والمرشد له معنيان: الناصب لما يرشد به، والذاكر له وكذا يطلق الدليل على ما به الإرشاد فله ثلاثة معان وللمرشد معنيان وإنما كرر اللام فى قوله: ولما به الإرشاد تنبيهًا على كونه معطوفًا على المرشد وهذا التوجيه موافق لما صرح به الآمدى فى الأحكام حيث قال: وأما الدليل فقد يطلق فى اللغة بمعنى الدال وهو الناصب للدليل وقيل هو الذاكر له وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد. قال الشارح: ولا يبعد أن يجعل ما به الإرشاد فى عبارة الكتاب عطفًا على الناصب فيكون الدليل للمرشد وهو للمعانى الثلاثة وحيث كان إطلاقه على المعنى الثالث مستبعدًا فى بادئ الرأى أزاله بقوله فإن ما به الإرشاد يقال له: المرشد مجازًا؛ لأن الفعل قد يسند إلى الآلة فيقال للسكين: إنه قاطع واعترض بأنه بعيد لما فيه من إطلاق المرشد على معناه حقيقة ومجازًا معًا إلا أن يؤول بأن الدليل لغة ما يطلق عليه لفظ المرشد، وأجيب بأن هذا التأويل لازم على التوجيه الأول أيضًا لئلا يلزم إطلاقه على معنييه الحقيقيين معًا أعنى الناصب والذاكر فكأنه قيل: مدلوله لغة هو مدلول المرشد فيعم الحقيقى والمجازى على أن المصنف جوز استعمال اللفظ فى كل واحد من مدلوليه الحقيقى والمجازى معًا مجازًا كما جوزه فى المعنيين الحقيقيين أيضًا فلا استبعاد على مذهبه، وما قيل من أن الإرشاد هو الهداية فيكون أخص من الدلالة فلا يصح تفسير الدليل بالمرشد وأيضًا قولنا: الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يشمل المعنى المجازى، فجوابه أن المصنف فسر المرشد بما فسر به الآمدى الدال أعنى الناصب والذاكر ولم يعتير فى شئ منهما معنى الإيصال، فالإرشاد والهداية عنده يرادفان الدلالة قال الجوهرى: الهدى الإرشاد والدلالة وهديته الطريق، والبيت هداية أى: عرفته وإن الشارح أشار إلى اعتبار القول والإطلاق دون الوضع.

стр. 130

قوله: (فيقال) تمثيل لمعانى الدليل الثلاثة أى: (الدليل على الصانع) بالمعنى اللغوى (هو الصانع) لأنه الناصب لما فيه دلالة وإرشاد إليه (أو العالم) بكسر اللام لأنه الذاكر لذلك (أو العالم) بفتحها لأنه الذى به الإرشاد. قوله: (واصطلاحًا) يعنى أن هناك اصطالاحين، وللدليل بحسب كل منهما معنيان أحدهما أعم من الثانى مطلقًا، وقدم اصطلاح الأصولى لأنه المناسب وأبدأ فيهما بالمعنى الأعم؛ لأنه المعنى المعتبر عند الأكثر كما يفصح عنه عبارته وإنما قيل ما يمكن التوصل دون ما يتوصل تنبيهًا على أن الدليل من حيث هو دليل لا يعتبر فيه التوصل بالفعل بل يكفى إمكانه فلا يخرج عن كونه دليلًا بأن لا ينظر فيه أصلًا ولو اعتبر وجوده لخرج عن التعريف ما لم ينظر منه أحد أبدًا وأريد من النظر فيه ما يتناول النظر فيه نفسه وفى صفاته وأحواله فيشمل المقدمات التى هى بحيث إذا رتبت أن إلى المطلوب الخبرى والمفرد الذى من شأنه إذا نظر فى أحواله أوصل إليه كالعالم، وحيث أريد بالإمكان المعنى العام الجامع للفعل والوجوب اندرج فى الحد المقدمات المرتبة وحدها، وأما إذا أخذت مع الترتيب فيستحيل النظر فيها وقيد النظر بالصحيح وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة؛ لأن الفاسد لا يمكن أن يتوصل به إلى مطلوب خبرى، إذ ليس هو فى نفسه سببًا للتوصل ولا آلة له وإن كان قد يفضى إليه فذلك إفضاء اتفاقى ليس من حيث إنه وسيلة له فلو لم يقيد وأريد العموم خرجت الدلائل بأسرها إذ لا يمكن التوصل بكل نظر فيها، وإن اقتصر على الإطلاق لم يكن هناك تنبيه على افتراق الصحيح والفاسد فى ذلك، والحكم يكون الإفضاء فى الفاسد اتفاقيًا إنما يصح إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط عقلى يصير به بعضها وسيلة إلى بعض أو يخص بفاسد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه وتقييد المطلوب بالخبرى لإخراج قول الشارح ولو قيد بالتصورى كان حدًا له، وإن جرد عنهما فللمشترك بينهما أعنى الموصل إلى المجهول وحيث كان التوصل أعم من أن يكون إلى علم أو ظن توليدًا أو إعدادًا لزومًا أو عادة يتناول التعريف القطعى والظنى وصح على المذاهب كلها. قوله: (فقولان) أى قضيتان معقولتان أو ملفوظتان فإن الدليل كالقول والقضية يطلق على المعقول والمسموع اشتراكًا أو حقيقة ومجازًا وقيل: أى مركبان ويخرج بقوله: يكون عنه قول آخر، قولان فصاعدًا من المركبات التقيدية أو منها ومن

стр. 131

التامة كما يخرج قولان من التام إذا لم يشركا فى حد أوسط وإنما قال: فصاعدًا؛ ليتناول القياس المركب من أقوال وفى توحيد الضمير وتذكيره فى عنه تنبيه على أن الهيئة لها مدخل فى ذلك قيل: إنما وصف القول بالآخر ليخرج عنه مجموع أى قضيتين اتفقتا فإنه يستلزم إحداهما وهذا لا يصح ههنا إذ لا يكون إحداهما ولا اعتبر حصول القول الآخر سواء كان لازمًا بينًا أو غير بين أو لا يكون لازمًا تناول حد الأمارة وغيرها لأنه يجمع التمثيل والاستقراء، والقياس البرهانى المؤلف من مقدمات قطعية لإفادة اليقين والجدلى المركب من قضايا مشهرة أو مسلمة لإلزام الحكم لحفظ الأوضاع وهدمها، والخطابى المؤلف من قضايا ظنية مقبولة أو غيرها لإقناع من هو قاصر عن درك البرهان وعبر عنهما بالظنى، والشعرى المركب من قضايا مخيلة لإفادة القبض والبسط فى الإحجام والإقدام، والمغالطى الذى يتركب من قضايا مشبهة بالمشهورات وتسمى شغبًا أو بالأوليات وتسمى سفسطة وعبر عنها بالسفسطى إطلاقًا للأخص على الأعم فاستوفى الصناعات بأسرها. قوله: (إذ يختص بالبرهانى منه) أى من الدليل أو من القياس، إذ لا برهان من غيره إلا إذا كان راجعًا إليه (وأما غير البرهانى فلا يستلزم لذاته شيئًا فإنه لا علاقة عقلية بين الظن وبين شئ) يستنكاد هو منه (لانتفائه مع بقاء سببه) الذى يتوصل منه إليه وفى اكتفائه فى بيان المدعى بحال الظن وسببه إيماء إلى أن ما عدا البرهانى إما ظنى أو فى حكمه فإن قلت: قد أطبق جمهور المنطقيين على اعتبار قيد الاستلزام فى تعريف القياس وجعلوه مع ذلك شاملًا للصناعات الخمس أجيب بأنهم زادوا قيدًا آخر وهو تقدير تسليم مقدماته فالاستلزام فى الكل إنما هو على ذلك التقدير وأما بدونه فلا استلزام إلا فى البرهانى، وهو المراد ههنا فلا منافاة بينهما، وفساده ظاهر؛ لأن التسليم لا مدخل له فى الاستلزام فإن تحقق اللزوم لا يتوقف على تحقق الملزوم ولا اللازم كما لا يخفى أو لا يرى إلى قولنا: إن العالم قديم وكل قديم مستغنٍ عن المؤثر يستلزم قولنا: العالم مستغن عن المؤثر إذ لو تحقق الأول فى نفس الأمر تحقق الثانى قطعًا وهو معنى الاستلزام ولا تحقق لشئ منهما، وإنما صرح بتقدير التسليم إشارة إلى أن القياس من حيث هو قياس لا يجب أن تكون مقدماته مسلمة صادقة ولو اكتفى بما عداه لتوهم أن تلك القضايا متحققة فى الواقع وأن اللازم متحقق فيه أيضًا كما ذكر فى موضعه فالحكم بعدم

стр. 132

الاستلزام فى غير البرهانى إنما يتم بأن يبين تحققه أو جواز تحققه بدون النتيجة كما فى انتفاء الظن مع بقاء سببه لا بأن يبين جواز عدم تحققه فى نفسه. قوله: (وفيه بحث) أى فى استلزام البرهان النتيجة لذاته بحث (مذكور فى علم الكلام) وهو أن فيضان النتيجة بطريق العادة عند الأشاعرة ولا استلزام ذاتيًا هناك إذ لا مؤثر فى النتيجة إلا اللَّه ولا وجوب عنه ولا عليه، وإن أريد بالاستلزام الذاتى امتناع الانفكاك عنه لذاته عقلًا كما هو المتبادر من العبارة صح التعريف الثانى على رأى أصحابه دون الواقع بخلاف الأول فإنه صحيح مطلقًا وإن حمل على الدوام، والامتناع العادى فقد عدل به عن ظاهره هذا وقد قيل: مراده أن الاستعقاب عادة لا يبعد أن يوجد فى الأمارة أيضًا، ورد بأن وجود التخلف فيها يمنع ذلك ولا تخلف فى البرهان أصلًا، وإن أمكن عقلًا ومن قال: هو أن الأمارة المؤلفة من مقدمتين ظنيتين مثلًا تحصل النتيجة منها على تقدير واحد هو صدقهما معًا دون التقادير الثلاثة الأخر ومع جوازها فعدمها إما راجح أو مساوٍ فلا استلزام لها لذاتها، ولما كان البحث عن الدليل وأقسامه من مسائل الكلام قال: مذكور فيه أى فى موضعه اللائق يذكره هو ذاك فقد أبعد عن المرام بما لا فائدة فيه. قوله: (وأعلم) أقول الدليل عند الأصوليين على إثبات الصانع سواء أخذ بالمعنى الأول أو الثانى هو العالم إذ يمكن التوصل بصحيح النظر فيه بحسب أحواله إلى هذا المطلوب الخبرى بل إلى العلم به وعند المنطقيين هاتان القضيتان مع هيئة الترتيب العارضة لهما، وظاهر كلامه أن الدليل عندنا لا يطلق إلا على المفردات التى من شأنها أن يتوصل بأحوالها إلى المطالب الخبرية فيجب أن يحمل قولنا: بصحيح النظر فيه، على النظر فى أحواله وصفاته ويجوز أن يجرى على عمومه فيتناول الأقسام الثلاثة كما أوضحناه سابقًا وعلى التقديرين فالمعنيان متباينان صدقًا ومن زعم تساويهما فى الوجود بشرط النظر فى المعنى الأصولى لزسه القول بوجوده فى الكواذب. قوله: (قيل عدل عن العلوم الثلاثة) أراد هذا القائل أن الشارح قد اعتقد أن علم الأصول يستمد من الفقه ولذا قال فيما سبق أن الاستمداد إجمالًا ببيان أنه

стр. 133

من أى علم يستمد فقد اعترف ههنا أن علم الأصول لا يستمد من علم الأحكام لكنه ترك التصريح هنا بأنه مستمد من الفقه لأن الفقه أدنى ولم يعهد فيه بيان الأحكام وتصورها والحق أن مبادئ العلم قد تبين فى علم أدنى أى لا يتوهم من كون الفقه أدنى عدم جواز استمداد الأصول منه ومن عدم كون بيان الأحكام معهودًا فيه أن لا يكون ذلك البيان وظيفة له فإن الحق ما ذكر. قوله: (وتلك التصورات إن ذكرت فى علم آخر مسائل منه بل مبادئ تصورية له) لأن المذكور فى علم إما مسائله أو مبادئه إذ ما ليس شيئًا منهما لا يذكر فيه فلو احتيج فى بيان تلك التصورات إلى علم آخر لزم الدور أو التسلسل وإن لم يحتج فالعلم المفروض أولًا أيضًا كذلك إذ المبادئ المفروضة فيهما واحدة وإذا انتفى الاحتياج بينهما انتفى الاستمداد لأن معنى الاستمداد هو الاحتياج ولقائل أن يقول قد ذكر فى أول الكلام أن المبادئ التصورية لعلم حقها أن يتبين فيه لا أن تؤخذ من علم آخر ولا يحصل من المقدمات المذكورة استغناء كل علم فى بيان مبادئه التصورية عن علم آخر ولا يلزم منها وجوب ببان مبادئه التصورية فيه وعدم جواز أخذها من علم آخر فجاز أن يكون علم مقدمًا على علم آخر ويذكر مبادئ العلم المؤخر فى العلم المقدم وتبين فيه ويترك البيان فى العلم المؤخر ويؤمر بالرجوع إلى العلم المقدم إذ لا يلزم من انتفاء الاحتياج عدم الجواز وباعتبار هذا الأمر يقال إن العلم المؤخر مستمد من العلم المقدم لاعتبار الاحتياج ولا يلزم الترجيح من غير مرجح وأيضًا لا يحصل من تلك المقدمات أن المبادئ التصورية لعلم يكون بيانها فى ذلك العلم أولى فإن إبطال الاحتياج لا يقتضى ذلك فإن قيل إذا ذكر المبادئ التصورية فى علم آخر وبين فيه ووقع الأمر بالرجوع فقد ثبت الاستمداد والاحتياج يشعر بذلك قوله وتلك التصورات إن ذكرت فى علم آخر فأصل الذكر فى علم آخر يوجب الاحتياج وليس المراد باحتياج العلم إلى علم آخر فى بيان مبادئه التصورية أن تلك المبادئ لا يجوز أن تبين فيه بل يجب أن تبين فى العلم الآخر كالمبادئ التصديقية قلنا تختار ذكرها فى علم آخر وبيانها فيه وعدم احتياج هذا العلم إلى علم آخر وبيانها فى بيانها ويمنع قوله فليس استمداد أحدهما عن الآخر أولى من عكسه فى الصورة المذكورة. قوله: (وقد أجيب بأن المنطق جزء لما عداه) لا يخفى أن تلك المقدمة لا مدخل

стр. 134

لها فى الجواب لأن القواعد المنطقية نسبتها إلى علم الكلام كنسبتها إلى سائر العلوم الكسبية سواء كانت تلك القواعد آلة لها خارجة عنها أو جزءًا لها ومنشأ الإشكال هو استواء تلك النسبة ولا يحصل التفاوت بالخروج والدخول؛ بل الجواب حقيقة هو قوله وحيث كان الكلام أعلى العلوم الشرعية. . . إلخ. والمحشى قد أورد هذا القول مع بيان خروج المنطق عن العلوم وصوره بقوله والحق فالحق والباطل راجعان إلى مقدمة لا يحتاج إليها السؤال والجواب. قوله: (لا يحصل إلا من المسائل المنطقية) فإن قلت بعض المسائل النظرية التى هى المسائل الكلامية يكون إثباتها محتاجًا إلى دلائل وتعريف يعلم كونها موصلة إلى ما فى تلك المسائل بالقواعد التى هى مذكورة فى أوائل الكلام ويبحث فيها عن المعلومات كان حيث إنها موصلة إلى القواعد الدينية كما أن المنطق يبحث فيه عنها من حيث إنها موصلة إلى المجهولات مطلقًا ويحصل بتلك القواعد استغناء عن المسائل المنطقية قلت القوم قد تكلفوا وجعلوا القواعد المنطقية مقيدة بقيود تخرجها عن كونها من المنطق ثم جعلوها جزءًا من الكلام لئلا يلزم احتياج العلم الشرعى الذى هو رئيس العلوم الشرعية إلى علم غير شرعى والاحتياج فى الكل حقيقة إلى المنطق ومن قال المبادئ الكلامية للأصول هى تلك القواعد التى هى جزءًا من الكلام فقد أخطأ لأن تلك القواعد بسبب تقييد لا تفيد إلا فى الأمور الكلامية والمفيد فى إثبات المسائل الأصولية لا يكون إلا القواعد المنطقية لا لما نقل فى حاشية الحاشية. قوله: (فعدت مبادئ كلامية) قد حصل بذلك جواب عن قول السائل فجعلها مبادئ كلامية للأصول ليس أولى من عكسه ووقع توجيه يجعل الأصول مستمدًا من الكلام حال كونه مستمدًا من تلك القواعد. قوله: (فكأنه قيل مدلوله لغة هو مدلول المرشد. . . إلخ) إشارة إلى أن التأويل كما يجب فى جانب المرشد يجب فى لفظ الدليل أيضًا فإن الإشكال وارد على كل منهما. قوله: (وأيضًا قولنا الدليل لغة) هذا الكلام اعتراض على تفسير الدليل على تقدير أن يكون المعنى الثالث للدليل لا للمرشد، ويقال المعنى الثالث معنى مجازى للدليل وأما إذا كان المعنى الثالث ثابتًا للمرشد ومعنى مجازيًا له فلا يرد الإعتراض

стр. 135

إلا على تفسير المرشد وذكر الدول للتمثيل فإنه يجوز أن يكون المعنى فى التفسير مجازيًا وفى المفسر حقيقيًا والمعنى المجازى للمرشد مفهوم الدليل بحسب الوضع وإذا قيل هذا المعنى معنى مجازى للدليل أيضًا يرد الاعتراض عليه أيضًا. قوله: (إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط) إشارة إلى أنه قد يكون بينهما ارتباط عقلى كمثل قولنا كل إنسان حجر وكل حجر فرس فكل إنسان فرس وقد يكون بين الكاذب والصادق كقولنا كل إنسان حيوان وكل حيوان ناطق فكل إنسان ناطق وحينئذ يجب أن يقال المراد بالفاسد ما يكون فساده باعتبار الصورة أو يقال المراد بالفاسد ما يكون فساده بوضع ما ليس بدليل مكانه كقولنا كل إنسان حيوان وكل حيوان له صانع فكل إنسان له صانع، وإذا خص الفاسد حصل الواسطة بين الصحيح والفاسد وكان إخراجها (١) من التعريف بلا جهة إذ يمكن التوصل بها أيضًا إلى مطلوب خبرى أو وقع التعميم فى الصحيح وفى بعض النسخ وقع بالواو العاطفة فى قوله وبوضع ما ليس بدليل مكانه. قوله: (وفى توحيد الضمير وتذكيره) يعنى أن الظاهر أن يقال يكون عنهما باعتبار القولين أو يقال يكون عنها باعتبار الأقوال وإذا قال يكون عنه واعتبر الوحدة حصل الإشارة إلى أن الأقوال ما لم تصر واحدة سبب عروض الهيئة الوحدانية لم يكن ولم يحصل عنه شئ. قوله: (مع بقاء سببه) قيل إذا تركب مقدمتان ظنيتان أو إحداهما ظنية وحصب منهما مقدمة ظنية يجوز أن ينعدم الظن بالنتيجة ويحصل اليقين بها من شئ آخر مثلًا إذا قلنا زيد حيوان وكل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ فزيد يحرك فكه الأسفل عند المضغ والواقع هو الظن بالكبرى حصل لنا ظن بالنتيجة وبعد ذلك يجوز أن يحصل لنا القطع بأن زيدًا يحرك فكه الأسفل عند المضغ فانتفى الظن بالنتيجة مع بقاء سببه الذى هو التصديق بالمقدمتين المذكورتين على الوجه المذكور. قوله: (إذ لو تحقق الأول فى نفس الأمر تحقق الثانى) لبعض الناس هنا كلام وهو أن ما ذكره فى بيان ظهور الفساد مبنى على أن المراد بقوله متى سلمت متى وقعت

стр. 136

صادقة وهو ليس كذلك بل المراد به متى وقع التصديق بها بمعنى أنه متى تحقق تلك التصديقات تحقق التصديق المتعلق بالقول الآخر وهذا الاستلزام العلمى منشؤه استلزام تحقق تلك الأقوال للقول الآخر فى نفس الأمر فالملزوم حقيقة هو التصديقات وليس هنا توقف اللزوم على تحقق الملزوم فى نفس الأمر وصدقه، وكما أن اللزوم بين الدليل المذكور وبين نتيجته لا يتوقف على تحقق مقدماته فى نفس الأمر كذلك اللزوم بين التصديقات المتعلقة بمقدمات ذلك الدليل وبين التصديق بالقول الآخر فإنه لا يتوقف على تحقق تلك التصديقات ولو أريد اللزوم بحسب التحقق فى نفس الأمر لدخل فى تعريف الدليل على مذهب المنطقيين المقدمات المتفرقة وبطل نكتة توحيد الضمير لأن الهيئة الترتيبية الوحدانية لا مدخل لها فى هذا الاستلزام بل لها مدخل فى الاستلزام العلمى فنقول يجب أن يرجع إلى عبارة الجواب وتوضيح ما هو المراد منها فالمجيب أن حمل التسليم على التصديق وكان معنى كلامه أن الصناعات الخمس لها استلزام على تقدير التصديق بمفهوماتها وأما بدون التسليم والتصديق فلا استلزام إلا فى البرهان، يرد عليه أن الأمارة والبرهان يشتركان فى الاستلزام على تقدير التصديق وعدم الاستلزام على تقدير عدم التصديق بلا تفاوت وإن حمل التسليم على التحقق والصدق وكان معنى كلامه أنها مستلزمة على تقدير الصدق وأما بدون الصدق فلا استلزام إلا فى البرهان، يرد عليه أنه لا معنى لقوله أن البرهان بدون صدق مقدماته يستلزم قولًا آخر فيجب أن يرجع ضمير قوله وأما بدونه إلى القيد ويكون معناه وأما بدون القيد المذكور بمعنى تركه على إطلاقه بأن قيل البرهان يستلزم لذاته قولًا آخر لا بمعنى اعتبار عدم القيد فيه بأن يقال البرهان يستلزم لذاته على تقدير عدم صدق مقدماته قولًا آخر وكذا غير البرهان وإذا كان كذلك فالاستلزام فى البرهان على تقدير الإطلاق وعدم الاستلزام فى غيره على هذا التقدير مبنى على أمرين حمل التسليم على التحقق والصدق وجعل جواز عدم تحقق الملزوم دليلًا على انتفاء اللزوم وبعد اعتبار هذين الأمرين صح أن يقال البرهان يستلزم لذاته قولًا آخر لأن البرهان لا يجوز عدم صدق مقدماته فلا يكون إلا صادقًا فيكون مستلزمًا ولا يصح أن يقال الأمارة تستلزم لذاته قولًا آخر ما لم يقيد بالقيد المذكور؛ لأنه يجوز عدم صدقها فلا تكون مستلزمة وحينئذ ظهر معنى قول المحشى فى آخر الحاشية فالحكم

стр. 137

بعد الاستلزام فى غير البرهان إنما يتم بأن يبين تحققه أو جواز تحققه بدون النتيجة إلخ وأنت تعلم أنه لو كان التسليم بمعنى التصديق لا يكون لقوله وأما بدونه فلا استلزام إلا فى البرهان معنى؛ لأن البرهان والأمارة متساويان فى وجوب التصديق بالمقدمات وعدمه. قوله: (لزمه القول بوجوده فى الكواذب) أى بوجود المعنى الأصلى فى الكواذب لأن المعنى المنطقى قد يوجد هناك وفى الكواذب لا يمكن النظر الصحيح فلا يمكن وجود المعنى الأصلى هناك مع اشتراط النظر فيه، والحاصل أن النسبة المعتبرة بين المعنى الأصولى والمنطقى لو اعتبرت بحسب الصدق والحمل لكان المعنيان متباينين لأن المعنى الأصولى على تقدير التعميم الذى ذكره لا يصدق إلا على الأقسام الثلاثة التى هى المفردات والمقدمات المتفرقة والمقدمات المرتبة وحدها أى مع قطع النظر عن الترتيب والمعنى المنطقى لا يصدق على شئ منها بل يصدق على المقدمتين مع هيئة الترتيب العارضة لهما فقط بينهما مباينة، ولو اعتبرت بحسب التحقق والوجود فإن اشترط فى المعنى الأصولى النظر بالفعل كان المعنى المنطقي أعم لأن المعنى الأولى على هذا التقدير لا يتحقق إلا فى صورة يكون هناك مقدمات مرتبة هى فرد من المعنى المنطقى ويتحقق المعنى المنطقى بدونه فى الكواذب، وإن لم يشرط فالظاهر أن النسبة بينهما عموم وخصوص من وجه لصدقهما فى المعنى الأصولى الواقع مع النظر وصدق الأصولى بدونه فى المفرد الذى لا يقع معه النظر وصدق المنطقى بدونه فى بعض الكواذب. قوله: (قيل عدل. . . إلخ) القائل التفتازانى إلى قوله سماها الآمدى بالمبادئ الفقهية تحاشيًا عن التصريح أى وإن كان الواقع أن الاستمداد من الفقه وسبب التحاشى أمران أحدهما: أن الفقه أدنى من الأصول فكيف يستمد الأصول منه، الثانى: أنه لم يعهد فى الفقه تصور الأحكام وبيان مفهوماتها فلا يحسن أن يكون مستمدًا منه وانظر لِمَ لَمْ يتحاش أيضًا عن التصريح بالاستمداد من العربية مع كونها أدنى أيضًا من الأصول. قوله: (مع كونه أدنى) أى لأن البحث عن موضوع الفقه من حيث اقترن به أعراض ذاتية لموضوع الأصول وذلك لأن البحث فى الفقه عن أفعال المكلفين إنما

стр. 138

هو من حيث تعلق الوجوب مثلًا المستفاد من الأدلة من حيث هو مستفاد من الأدلة لأن حيث تعلق الوجوب من حيث نفسه لأن الفقه التصديق بالمسائل الفقهية عن دليل وهو المسائل المدللة فتكون الاستفادة مأخوذة فيه من جهة البحث والاستفادة عرض ذاتى للأدلة إما حقيقة وإما مسامحة ولأن الإسلاميين قالوا: إن الكلام رئيس العلوم الشرعية لنفاذ حكمه فيها بأسرها فيكون الأصول أعلى من الفقه لتوقفه عليه. اهـ. خلخالى. قوله أيضًا: (مع كونه أدنى) قال الخلخالى إنما كان الفقه أدنى من الأصول لتوقف موضوعه على موضوعه ونفسه على نفسه أما الثانى فظاهر وأما الأول فلأنه يبحث فى الفقه عن الأفعال من حيث اقترن به أعراض ذاتية لموضوع الأصول فإنه يبحث فيه من حيث يتعلق به الوجوب هذا هو الموافق لما نقله الشارح المحقق فى شرح الإشارات على ما نقله قدس سره حيث قال: كون علم تحت علم إنما يكون على أربعة أوجه: الأول: أن يكون موضوع العالى جنسًا لموضوع السافل، الثانى: أن يكون موضوعهما واحدًا لكنه فى أحدهما وضع مطلقًا وفى الآخر مقيدًا، الثالث: أن يكون موضوع العالى عرضًا عامًا لموضوع السافل والمتعين هنا الرابع. اهـ باختصار. قوله: (وقد سبق) أى عدل عن العلوم إلى هذه العبارة والحال أنه قد سبق منه. . . إلخ. أى فالاستمداد فى الحقيقة من العلم كما ذكرنا وأشار بقوله: وقد سبق أن على فى قول السعد: على أنه قد ذكر فيما سبق بمعنى مع. قوله: (إن مبادئ علم قد تبين. . . إلخ) رد للسبب الأول وقوله: وإن بيان مفهومات الأحكام. . . إلخ. رد للسبب الثانى ووجه رد السبب الثانى بذلك أن كون وظيفة الفقه ذلك كاف فى الاستمداد منه فى تصويرها وليس بلازم تصويرها وبيان مفهوماتها فيه بالفعل. قوله: (فإن المبادئ التصورية لعلم حقها أن تبين. . . إلخ) نقل قدس سره فى حاشية الحاشية عن ابن سينا ما يؤيد ذلك. قوله: (المسماة بالأصول الموضوعة) المبادئ التصديقية هى التى يحتاج إليها فى المسائل سواء كانت تتألف أقيستها منها أو لا وهى إما بينة بنفسها وهى المسماة بالعلوم المتعارفة، أو غير بينة وهى إما مسلمة بناء على حسن الظن فتسمى أصولًا

стр. 139

موضوعة أو مأخوذة مع استنكار وتشكك إلى أن تبين فى موضعها فتسمى مصادرات هذا هو المذكور فى كلامهم فقول المحشى المسماة بالأصول الموضوعة فيه قصور. قوله: (بل مبادئ تصويرية له أيضًا) لانحصار العلم فى المبادئ والمسائل فإذا لم تكن من المسائل معين أن تكون من المبادئ. قوله: (فلو احتيج إلى غيره) أى بالاستمداد منه. قوله: (لزم الدور) أى: إن رجع إلى العلم الأول وقوله أو التسلسل أى: إن لم يرجع إلى الأول. قوله: (وما هى مبادئه من الأحكام) أى ولم يقل من علم الأحكام. قوله: (وأما قوله من أى علم يستمد. . . إلخ) جواب عن قول السعد على أنه قد ذكر فيما سبق وقوله: على التغليب أى غلب علم الكلام وعلم اللغة على ما ليس بعلم وهو الأحكام. قوله: (وإنما سماها الآمدى. . . إلخ) جواب عما يقال: إن تسميتها بالمبادئ الفقهية يقتضى أن الاستمداد من الأحكام عبارة عن الاستمداد من علم الفقه كما ذكره السعد. قوله: (كما أنه يستمد من تصورات الأحكام. . . إلخ) فى بعض الحواشى لعل السر فى الاقتصار على المحمولات وأجزائها أن المسائل والقضايا المتكثرة التى تعد علمًا واحدًا لاشتراكها فى الموضوع المعلوم بيان استمدادها التصورى يكون بتصور المحمولات وأجزائها التى تعلم بعد، وأما ما ذكره المحشى ففيه أن تصورات الدلائل التى هى موضوعات الفن كذلك تصورات كثيرة متجانسة لها شيوع فى المسائل فيجب أن يشير إليها ويفردها بالذكر. قوله: (كما فعل مثل ذلك إلى قوله لشدة ارتباط لهذا البعض. . . إلخ) أراد بذلك إزالة بعض الاضطراب الذى اعترض به التفتازانى على المصنف ولم يتعرض لدفع الاضطراب بأنه لم يورد فى المبادئ الكلامية شيئًا مما يتعلق بمعرفة البارئ وصدق المبلغ ودلالة المعجزة؛ لأن ذلك فى نظر الأصولى بمنزلة البديهى بل اقتصر على ما لا يبعد أن يكون بالنسبة إلى الكلام أيضًا من المبادئ بل المقدمات بل ليس له اختصاص بالكلام؛ لأن عدم الإيراد قد اعتذر هو عنه وأيضًا الاقتصار على المسائل

стр. 140

المنطقية على فسيجئ غالبه وأما الاضطراب فإنه زاد فى المبادئ المتعلقة بالأحكام كثيرًا من المسائل التى ليست من الفقه فلم يتعرض لدفعه لأنه مبنى على استمداد الأصول من علم الأحكام وقد تبين أنه ليس كذلك. قوله: (وبينه إجمالًا) أى حيث قال وأما استمداده فمن الكلام والعربية والأحكام إلى قوله: وإلا جاء الدور وقوله: ثم أورد. . . إلخ أى ثم فصل بعض ما أجمل فأورد إلخ فيكون قوله والدليل لغة إلى قوله مبادئ اللغة تفصيلًا للمبادئ الكلامية. قوله: (فبجعلها مبادئ كلامية للأصول ليس أولى من العكس) على أنها ليست مبادئ بمعنى ما يتوقف عليه ذات الشئ توقفًا قريبًا كما هو المصطلح عليه بل بمعنى أنها وسيلة. قوله: (وقد أجيب بأن المنطق جزء. . . إلخ) قال الهروى ما حاصله أن مبنى الإشكال استواء نسبة المنطق لسائر العلوم سواء كان جزءًا أو غير جزء فالجواب حقيقة هو قوله وحيث كان الكلام أعلى العلوم وقد ارتضاه المحشى بقوله: وعلم الكلام لما كان. . . إلخ فالحق والباطل فى كلام المحشى راجعان إلى مقدمة خارجة عن الجواب. اهـ. قوله: (ولها) أى لمبادئ العلم وقوله: مادة هى مواد التعريفات ومواد الأدلة وقوله وصورة هى صور ما ذكر. قوله: (بل هى جرْئيات موضوعها) لأن موضوعها المعلوم التصورى والمعلوم التصديقى من حيث صحة الإيصال إلى المجهول وذلك المعلوم هو المعرفات والأدلة على التعيين. قوله: (لا يحصل إلا من المباحث المنطقية) أى لأنه لا بد من الحلم بصحة موادها وصورها وحصول شرائطها لأنه لو فسدتا أو إحداهما كان الفكر المشتمل عليهما فاسدًا غير موصل للمقصود ولما كان العلم بتفاصيل خصوصيات الأحكام التصورية والتصديقية متعذرًا أو متعسرًا احتيج إلى المباحث المنطقية ليرجع إليها فى معرفة أى فكر أريد. قوله: (ويتقوى بها) أى: إن كان ممن صفا ذهنه وقويت عارضته جدًا. قوله: (فهى محتاج إليها لتلك العلوم وليست جزءًا منها) قال فى حاشية

стр. 141

الحاشية لا يقال فعلى هذا يلزم أن يكون المنطق أعلى من الكلام والإلهى لأنه يبين مبادئ كثيرة لهما لا يبين مثلها فى الأدنى كما لا يخفى لأنا نقول: هو لا يبين مبادئهما أصلًا بل يبين ما يعرض لمبادئهما التصورية والتصديقية المصطلح عليها من الطرق الموصلة إلى مقاصدها ومثله يستحق أن يسمى وسيلة وآلة فظهر أن الاستمداد كله ليس من مبادئ العلم بالمعنى المشهور. اهـ. وقد وضحه الخلخالى فقال قوله: لا يبين مثلها فى الأدنى دفع لما يقال: إن كون المنطق مبينًا لمبادئهما لا يوجب كونه أعلى منهما فإنه قد تبين مبادئ الأعلى فى الأدنى ووجه الدفع أن هذا إنما يكون فى مبادئ قليلة نادرة وما ذكرنا ليس من هذا القبيل وقوله: لا يبين مبادئهما أصلًا وجهه أن مبادئهما إنما هى الأدلة والمعرفات المخصوصة المعينة وظاهر أن هذه ليست مباحث مبينة فى المنطق بل المباحث المبينة فيه هى ما يعرض لهذه التعريفات والأدلة المعينة التى هى المبادئ المصطلح عليها وهى المبادئ بالمعنى الأخص الذى هو جزء من العلم أعنى الطرق الموصلة إلى مقاصدها توصلًا قريبًا، وقوله: فظهر أن الاستمداد كله أى ما يستمد منه ليس كله بالمعنى المشهور وهو ما يتوقف عليه ذاتًا فاستمداد الكلام والإلهى من للمنطق لا يوجب كون مسائله مبادئ لهما بالمعنى المشهور ليستلزم كونه أعلى. اهـ. وهذا الذى ذكره فى حاشية الحاشية باعتبار إطلاق الكلام على ما لا يشمل مباحث النظر كما هو أحد إطلاقيه فلا ينافى أن المنطق جزء من الكلام بإطلاق آخر كما أنه لا منافاة بين ما ذكره المحشى هنا من قوله وليست جزءًا من العلوم وبين ما ذكره فى شرح المواقف من أن المنطق جزء من الكلام لأن المنطق فى نفسه ليس جزءًا من الكلام لكن لما كان علم الكلام رئيس العلوم الدينية ومقدمًا عليها لم يرض علماء الإسلام أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلًا سواء كان شرعيًا أو لا فأخذوا موضوعه على وجه يتناول العقائد والمباحث النظرية التى يتوقف عليها العقائد فجاء علم الكلام كافلًا لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع تعالى وصفاته وغير ذلك من المباحث النظرية التى يتوقف عليها مواد أدلة العقائد وصورها ومواد معرفاتها وصورها وكانت مباحث النظر من الكلام. قوله: (لما كان رئيس العلوم الشرعية) أى لأنه متكفل بإثبات الصانع تعالى وصفاته وإثبات النبوة ولولا ذلك لا يتصور علم التفسير والحديث والفقه وأصوله.

стр. 142

قوله: (فعدت مبادئ كلامية) وبهذا الاعتبار جعل استمداد الأصول من القواعد المنطقية استمدادًا من الكلام ولم يجعل المستمد منه أربعة: الكلام والعربية والأحكام والمنطق. قوله: (وفيه أن إيراد علم. . . إلخ) وأيضًا فيه أنه يلزمه توسط الفائدة والاستمداد بين الحد وما يتعلق به وهو ما تأباه الطباع السليمة وأيضًا يلزم أنه لم يذكر الاستمداد التفصيلى من الكلام كما ذكر الاستمداد التفصيلى من أخويه. قوله: (وقيل هو الذاكر له) حكايته بقبل لا تنافى جعله من المعانى اللغوية عنده. قوله: (ولا يبعد. . . إلخ) ذكر فى حاشية الحاشية أن ذلك رد على من قال ما به الإرشاد عطف على المرشد لا على قوله الناصب والذاكر إذ ليس من معانى المرشد وحاصل الرد أنه إن أراد أنه ليس من معاني المرشد أصلًا فممنوع لأن ما به الإرشاد من المعانى المجازية للمرشد وإن أراد أنه ليس من المعانى الحقيقية فنمنع تمام التقريب إذ لا يلزم من عدم كونه من المعانى الحقيقية للمرشد عدم جواز عطفه على ما هو معنى حقيقى له إذ يكفى فى ذلك كونه كان مطلق معانيه فإن قيل إذا لم يكن ما به الإرشاد من المعانى الحقيقية للمرشد لم يصح كونه من المعانى الحقيقية للدليل فكيف كان معنى حقيقيًا للدليل دون المرشد سمع الحكم بترادف الدليل والمرشد فالجواب أن الترادف باعتبار بعض معاني الدليل وهو اثنان منها لأن الدليل له معان ثلاثة يرادف المرشد باثنين منها وليس له معنى واحد شامل للأمور الثلاثة حتى ينافى الترادف. قوله: (واعترض بأنه بعيد) المعترض هو التفتازانى وقوله لما فيه من إطلاق المرشد على معناه حقيقة ومجازًا أى فى قوله الدليل لغة المرشد لا فى قوله والمرشد الناصب والذاكر وما به الإرشاد لعدم الجمع فى ذلك. قوله: (ما يطلق عليه لفظ المرشد) أى فلم يعتبر شخص كل من المعانى الحقيقية والمجازية بل اعتبر مجرد شئ يطلق عليه لفظ المرشد سواء كان الإطلاق حقيقيًا أو مجازيًا وذلك ليس من الجمع الممنوع. قوله: (هو مدلول المرشد) أى أن المعتبر أمر على يشمل المعنيين وليس المعتبر شخص كل حتى يلزم الجمع.

стр. 143

قوله: (على أن المصنف. . . إلخ) جواب ثان. قوله: (وما قيل) القائل التفتازانى وقوله: من أن الإرشاد. . . إلخ. اعتراض على قول المصنف: الدليل لغة المرشد وحاصل الاعتراض أن الإرشاد هو الهداية وهذا لا نزاع فيه والهداية اعتبر فيها الإيصال بخلاف الدلالة فإنها أعم فقد فسر الأعم بالأخص. قوله: (وأيضًا قولنا الدليل لغة كذا معناه أن ذلك مفهومه بحسب وضع اللغة فلا يشمل المعنى المجازى) أى فمثله قوله المرشد كذا يكون معناه أن كذا مفهوم بحسب وضع اللغة فقوله: وأيضًا قولنا. . . إلخ. اعتراض على التوجيه الذى ذكره الشارح. قوله: (فجوابه أن المصنف. . . إلخ) جواب عن الاعتراض الأول الوارد على المصنف. قوله: (فالإرشاد والهداية عنده يرادفان الدلالة) تعرض للهداية لما علمت من أن كون الإرشاد هو الهداية مما لا نزاع فيه. قوله: (وأن الشارح. . . إلخ) جواب عن قوله: وأيضًا قولنا. . . إلخ. الوارد على الشارح. قوله: (تنبيهًا على أن الدليل. . . إلخ) قال بعضهم أقول يمكن أن يكون فائدة ذكر قيد الإمكان الاحتراز عن مذهبى التوليد والإعداد اللزومى فإنه عند أهل الحق لا وجوب عنه تعالى ولا عليه فبعد النظر فى الدليل لا يجب التوصل بالنظر إلى نفس الدليل بل يمكن. قوله: (المعنى العام) وهو كون عدم الموصل ليس واجبًا فيصدق بوجوب التوصل ووجوده. قوله: (المقدمات المرتبة وحدها) أى المقدمات المعروضة للهيئة والترتيب وحدها من غير أخذ الهيئة الترتيبية معها إذ النظر فى المجموع من حيث هو مجموع مستحيل يعنى إذا أخذت مع الترتيب بجعل إحداهما صغرى ولأخرى كبرى يستحيل الترتيب فيها بهذا الأخذ مرة أخرى وهذا لا ينافى إمكان الترتيب فيها من حيثية أخرى بأن يأخذ المجموع شيئًا واحدًا ويجعل صغرى، كقولنا: كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم مقدمتان مرتبات على هيئة الشكل الأول وكل مقدمتين مرتبتين على هيئة الشكل الأول ينتجان المطلوب فهما ينتجان المطلوب.

стр. 144

قوله: (وهو المشتمل على شرائطه مادة وصورة) تمهيد للاعتراض الآتى فى قوله: والحكم يكون الإفضاء فى الفاسد. . . إلخ. ورد على التفتازانى حيث فسر صحة النظر بأن يكون فى جهة الدلالة فقصره على صحة المادة. قوله: (إذ ليس هو فى نفسه سببًا للتوصل ولا آلة) يشير إلى أن الباء فى قوله بالنظر باء السببية أو الآلة. قوله: (فلو لم يقيد. . . إلخ) تفصيل لكلام التفتازانى حيث قال فلو أطلق النظر لفهم منه أن الدليل يجب أن يمكن التوصل به إلى مطلوب خبرى بأى نظر كان فمعناه لو أطلق النظر عن القيد فلم يقيد بالصحة وقيل ما يمكن التوصل بالنظر فيه إلى مطلوب خبرى لكانت اللام إما للاستغراق وإما للعهد الذهنى وأيما كان يفهم أنه يجب فى الدليل أن يمكن التوصل بأى نظر كان إلى المطلوب أما على الاستغراق فظاهر وأما على العهد الذهنى فللإبهام فيصدق على أى فرد من أفراد النظر فليس مراد المحشى الاعتراض على التفتازانى كما فهم بعضهم حيث قال: إن قوله: بأى نظر كان هو معنى العموم لا الإطلاق الذى هو بصدد بيانه فقول المحشى وإن اقتصر على الإطلاق لم يكن هناك تنبيه. . . إلخ. تعريض للعلامة النحرير. قوله: (والحكم بكون الإفضاء. . . إلخ) رد على الشارح حيث أطلق أن الفاسد قد يفضى إلى المطلوب اتفاقًا وقوله: إنما يصح إذا لم يكن بين الكواذب ارتباط. . . إلخ. أى مع أنه قد يكون بينها الارتباط المذكور كقولنا: كل إنسان حجر وكل حجر فرس فلا يصح ذلك الحكم بالإفضاء الاتفاقى، وقوله: أو يخص بفاسد الصورة أو بوضع ما ليس بدليل مكانه أى ولا دليل على ذلك التخصيص مع أنه يبقى عليه الواسطة بين الصحيح والفاسد المذكور وهى فاسد المادة لكذبها مع صحة الصورة فلا يكون فى التعريف ما يخرجها إلا إذا فسر الصحيح بما يشمل تلك الواسطة وهو خلاف الظاهر ومثال وضع ما ليس بدليل مكانه قولنا فى الاستدلال على أن العالم حادث: الإنسان متعجب وكل متعجب ضاحك أو الإنسان متغير وكل متغير حادث والحاصل أن الفساد فى المادة إما بعدم مطابقتها للواقع وإما بعدم مناسبتها للمطلوب لكن قيل: إن فساد المادة مع صحة الصورة ليس من فساد النظر فى شئ غاية الأمر أنه لا يفيد اليقين الذى يفيده البرهان. قوله: (لإخراج القول الشارح) أى مواده بقطع النظر عن الترتيب إذ لو أخذت

стр. 145

مع الترتيب لم يحتج لإخراجه بقيد الخبرى ولا يصح قوله: ولو قيد المطلوب بالتصورى كان حدًا للقول الشارح. قوله: (أعنى الموصل) أى الذى شأنه الإيصال ليوافق قوله ما يمكن التوصل. . . إلخ. قوله: (توليدًا) هو مذهب المعتزلة لأنهم أثبتوا لبعض الحوادث مؤثرًا غير اللَّه تعالى قالوا: الفعل الصادر عنه إما بالمباشرة وإما بالتوليد ومعنى التوليد عندهم أن يوجب فعل لفاعله فعلًا آخر كحركة اليد والمفتاح فإن حركة اليد أوجبت لفاعلها حركة المفتاح فكلاهما صادرتان عنه الأولى بالمباشرة والثانية بالتوليد والنظر فعل العبد واقع بمباشرته يتولد عنه فعل آخر هو العلم بالمنظور فيه. قوله: (أو أعدادًا لزومًا) هو مذهب الحكماء وهو أن النظر يعد الذهن إعدادًا تامًا فتفاض النتيجة من المبدأ الفياض لزومًا لأنهم زعموا أن المبدأ الذى يستند إليه الحوادث موجب وعام الفيض ويتوقف حصول الفيض منه على الاستعداد الخارجى المستدعى لذلك الفيض. قوله: (أو عادة) هو مذهب الأشاعرة وهو أن حصول العلم عقب النظر بطريق جرى العادة لا بالاستلزام لأن جميع الممكنات مستندة إلى اللَّه تعالى بلا واسطة وهو فاعل مختار لا يجب عنه شئ ولا يجب عليه ولا علاقة بين الحوادث المتعاقبة بوجه بل اللَّه تعالى أجرى عادته بأن يخلق بعض الحوادث عقب بعض كالإحراق عقب مماسة النار والعلم بعد النظر ممكن حادث ولا مؤثر سوى اللَّه تعالى فهو فعله الصادر عنه تعالى بلا وجوب عنه ولا عليه وهو دائمى أو أكثرى فيكون عاديًا وهناك مذهب رابع لم يشر إليه المحشى وهو مذهب الرازى: وهو أن حصول العلم عقب النظر واجب عقلًا لا إنفكاك عنه وهما فعلان للَّه تعالى وهذا لا يصح مع كون اللَّه تعالى فاعلًا مختارًا فى جميع الممكنات وليس قول المحشى لزومًا إشارة إلى مذهبه لأنه بعيد عن السياق إذ كأن يقولا أو لزومًا كما قال فى غيره وقوله أو عادة عطف على قوله أو إعدادًا لا على قوله لزومًا حتى يتوهم أن القائلين بالعادة يقولون بالإعداد مع أنه ليس كذلك. قوله: (على المعقول والمسموع) لكن القول الآخر الذى هو النتيجة المراد منه المعقول فقط إذ المسموع ليس لازمًا أصلًا ولزوم المسموع بالنظر لمدلوله ولا ينافى ذلك أن اللزوم ذاتى.
следующие страницы →