كون المعدى حكمًا شرعيًا والأعدام الأصلية ليست أحكامًا شرعية فقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ليس له دلالة على الكافرة أصلًا والأصل عدم إجزاء تحرير الرقبة فى كفارة القتل فورد النص بإجزاء المؤمنة وبقى عدم إجزاء الكافرة على الأصل لأنه تعالى أوجب تحرير المؤمنة ابتداء وهو ساكت عن الكافرة لأنه إذا وجد مغير فى آخر الكلام لأوله كان صدر الكلام موقوفًا على آخره فليس هنا إيجاب للرقبة مطلقًا ثم تقيد بالمؤمنة وقال الشافعية: إنه لما قال فتحرير رقبة مؤمنة لزم منه نفى تحرير الكافرة فعدم إجزائها بالنص ولا يرد على الحنفية أنا نعدى القيد وهو حكم شرعى ثابت بالنص فيتضمن عدم إجزاء الكافرة لا أنا نعدى العدم قصدًا ومثل هذا جائز فى القياس لأن لهم أن يقولوا: إن مقتضى القيد وهو إجزاء المؤمنة حاصل بالنص المطلق فى القيس فالتعدية فى الحقيقة للعدم وهو ليس بحكم شرعى فلا يصح القياس، فكفارة اليمين إذا قيست على كفارة القتل فى تعدى قيد الإيمان لها يكون قياسًا مع وجود النص لأن إطلاق النص يدل على إجزاء عتق الرقبة المؤمنة فلم تكن التعدية إلا فى عدم إجزاء الكافرة وهو عدم أصلى.
стр. 1472
(المجمل)
قال: (المجمل والمبين؛ المجمل المجموع وفى الاصطلاح ما لم تتضح دلالته، وقيل اللفظ الذى لا يفهم منه عند الإطلاق شئ ولا يطرد فى المهمل والمستحيل ولا ينعكس لجواز فهم أحد المحامل والفعل المجمل كالقيام من الركعة لاحتمال الجواز والسهو، أبو الحسين ما لا يمكن معرفة المراد منه ويرد المشترك المبين والمجاز المراد بين أو لم يبين).
الأول: ومن أقسام المتن المجمل والمبين فأخذ فيهما، فالمجمل لغة هو المجموع وجملة الشئ مجموعة، ومنه أجمل الحساب إذا جمعه ومنه المجمل فى مقابلة المفصل، وأما فى الاصطلاح فهو ما لم تتضح دلالته والمراد ما له دلالة وهى غير واضحة وإلا ورد عليه المهمل، وهو يتناول القول والفعل والمشترك والمتواطئ وقيل هو اللفظ الذى لا يفهم منه عند الإطلاق شئ وهو غير مطرد ولا منعكس، أما الطرد فلأن المهمل كذلك وليس بمجمل وأيضًا فلفظ المستحيل كذلك لأن المفهوم منه ليس بشئ اتفاقًا وأنه ليس بمجمل لوضوح مفهومه وأما العكس فلأنه يجوز أن يفهم من المجمل أحد محامله لا بعينه كما فى المشترك وهو شئ فلا يصدق الحد عليه وأيضًا فالمجمل قد يكون فعلًا كالقيام من الركعة الثانية من غير تشهد فإنه محتمل للجواز والسهو فكان مجملًا بينهما وهو غير داخل فى الحد إذ ليس لفظًا، وقال أبو الحسين بها لا يمكن معرفة المراد منه وهو أيضًا غير سديد إذ يرد على طرده اللفظ المشترك المقترن بالبيان فإنه ليس بمجمل، ولا يمكن معرفة المراد منه، فإنه إنما يعرف من البيان لا منه، وأيضًا فاللفظ الذى يراد به مجازه سواء بين أو لم يبين ليس بمجمل ويصدق عليه أنه لا يمكن معرفة المراد منه لأنه إن لم يبين لم يعرف المراد وإن بين عرف المراد لا منه بل من البيان ففى الحالين يصدق أنه لا يمكن معرفة المراد منه فى حال من الأحوال.
قوله: (وهو غير مطرد ولا منعكس) يمكن دفع أمثال هذه الاعتراضات بالعناية مثل أن يقال المراد باللفظ الموضوع وبالشئ ما يصح إطلاق لفظ الشئ عليه لغة،
стр. 1473
وإن لم يكن ثابتًا فى الخارج وبفهم الشئ فهمه على أنه مراد لا لمجرد الخطور بالبال كما سبق فى بحث المشترك والمقصود تعريف المجمل الذى هو من أقسام المتن وهو لا محالة لفظ.
قوله: (ما لا يمكن معرفة المراد منه) مبنى الاعتراضين على أن منه متعلقًا بالمعرفة دون المراد إذ لو تعلق به لم يصدق الحد على شئ من أفراد المجمل لأنه يمكن معرفة ما أريد منه بالبيان وقد يجاب عن الاعتراضين بأن المشترك المقترن بالبيان مجمل بالنظر إلى نفسه مع قطع النظر عن البيان وإن كان مبينًا بالنظر إليه ولا منافاة وكذا المجاز مجمل من حيث إن المراد لا يعرف من نفسه وإن كان مجازًا من حيث استعماله فيما لم يوضع له وليس بشئ إذ لم يعرف اصطلاح على ذلك بل كلام القوم صريح فى خلافه على أن الحق أنه يصدق على المشترك المبين من حيث إنه مبين أنه لا يمكن أن يعرف منه مراده بل إنما عرفت من البيان فإن قيل سيجئ أن اللفظ إذا تعدد مجازاته فهو مجمل فما معنى نفى الإجمال عن المجاز، قلنا معناه على ما يشعر به كلام الإمام الغزالى أن اللفظ الدائر بين معناه الحقيقى والمجازى ليس بمجمل فيهما لأنه إن اشتمل على القرينة فللمجازى وإلا فللحقيقى، وأما إذا اشتمل على القرينة الصارفة عن الحقيقة وتعددت معانيه المجازية من غير بيان فلا كلام فى إجماله فيها وإلى هذا ينبغى أن يصرف كلام الشارح.
قوله: (وبفهم الشئ فهمه على أنه مراد لا مجرد الخطور بالبال) فيه أن المعترض إنما اعترض بعد حمله فهم المعنى على فهمه على أنه مراد بدليل قوله فلأنه يجوز أن يفهم من المجمل أحد محامله لا بعينه ولم يقل بجواز أن يفهم كل واحد من محامله لأن العمل على مجرد الخطور بالبال يقتضى فهم كل واحد من معانى المشترك، فالأولى فى الجواب أن يقال إن المراد بفهم المعنى فهم المعنى المراد بعينه وهنا ليس كذلك لأنه يفهم أن المراد إما هذا وإما ذاك.
قوله: (وكذا المجاز مجمل من حيث إن المراد لا يعرف من نفسه) أى من نفس اللفظ إذ يحتمل الحقيقة والمجاز وقوله وإن كان مجازًا. . . إلخ. أى وحينئذ ليس مجملًا لتعين المعنى المجازى.
стр. 1474
قال: (وقد يكون فى مفرد بالأصالة وبالإعلال كالمختار وفى مركب مثل: ﴿أَوْ يَعْفُوَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفى مرجع الضمير وفى مرجع الصفة كطبيب ماهر وفى تعدد المجاز بعد منع الحقيقة).
أقول: المجمل قد يكون إجماله فى مفرد وفى التركيب أما فى المفرد فكالمشترك لتردده بين معانيه إما بالأصالة كالعين وإما بالإعلال كالمختار المتردد بين الفاعل والمفعول ولولا الإعلال لكان مختير بكسر الياء للفاعل وبفتحه للمفعول فانتفى الإجمال وأما فى التركيب فأنواع: منها: فى المركب بجملته نحو: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لتردده بين الزوج والولى.
ومنها: فى مرجع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما نحو: ضرب زيد عمرًا فضربته لتردده بين زيد وعمرو.
ومنها: مرجع الصفة نحو: زيد طبيب ماهر، لتردده بين المهارة مطلقًا والمهارة فى الطب.
ومنها: فى تعدد المجازات مع مانع يمنع من حمله على الحقيقة فهذا ما ذكره.
ومنها: ما لم يذكره لظهوره مثل تخصيص مجهول أو استثناء مجهول، أو صفة مجهولة.
قوله: (وفى التركيب) الإضافى إجمال المشترك وإن لم يعتبر تركيبه بخلاف مرجع الضمير والصفة فلذا جعل الإجمال فى نفس المركب ومرجع الضمير والصفة من الإجمال والتركيب وكذا اللفظ ما لم يعتبر فى التركيب لم يحكم بتعذر الحقيقة وتعدد المجازات.
قوله: (مثل تخصيص مجهول) أراد بالتخصيص ما يكون بالمنفصل على ما هو اصطلاح الحنفية فصح عطف الاستثناء والصفة عليه بأو وإنما وقع فى ذلك لاختصاره لفظ الآمدى حيث قال: ويكون بسبب تخصيص العموم بصورة مجهولة مثل اقتلوا المشركين بعضهم، أو بصفة مجهولة، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، فإن تقييد الحل بالإحصان مع الجهل أوجب الإجمال فيما أحل، أو باستثناء مجهول، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١].
стр. 1475
الشارح: (﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]) المركب هو الموصول وصلته.
قوله: (فلذا جعل الإجمال فى نفس المركب ومرجع الضمير والصفة. . . إلخ) لعل فى العبارة تحريفًا والأصل فلذا جعل المشترك من الإجمال فى المفرد ومرجع الضمير والصفة. . . إلخ.
قوله: (فإن تقييد الحل بالإحصان مع الجهل) أى جهل الصفة التى هى الإحصان وقوله وعلى الثانى المطلق أى على تقدير الصحة يكون الرأس للمطلق لأن صحة الإطلاق على البعض تقتضى صحة الإطلاق على الكل فيكون للمطلق وهذا أحد نقلين عن الإمام الشافعى فالواجب عنده ما يقال له مسح الرأس كلًا أو بعضًا والنقل الآخر الواجب خصوص البعض أى بعض كان وقوله لكن لا يخفى أن موجب الاستدلالين. . . إلخ. يجاب بأن الشارح أشار بالعبارتين إلى النقلين عن الإمام.
стр. 1476
قال: (مسألة: لا إجمال فى نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، و ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، خلافًا للبصرى والكرخى، لنا القطع بالاستقراء أن العرف الفعل المقصود منه، قالوا: ما وجب للضرورة يقدر بقدرها فلا يضمر الجميع والبعض غير متضح بما تقدم، وأجيب متضح بما تقدَّم).
أقول: الجمهور على أنه لا إجمال فى التحريم المضاف إلى الأعيان نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وخالف فيه الكرخى والبصرى لنا أن من استقرأ كلام العرب علم أن مرادهم فى مثله إذا أطلقوه إنما هو تحريم الفعل المقصود من ذلك كالأكل فى المأكول والشرب فى المشروب، واللبس فى الملبوس، والوطء فى الموطوء، فإذا قيل حرم عليكم لحم الخنزير أو الخمر أو الحرير أو الأمهات، فهم ذلك سابقًا إلى الفهم، عرفًا فهو متضح الدلالة فيه فلا إجمال.
قالوا: تحريم العين غير متصوّر فلا بد من إضمار فعل يصح متعلقًا له، والأفعال كثيرة ولا يمكن إضمار الجميع لأن ما يقدر للضرورة يقدر بقدرها، فتعين إضمار البعض ولا دليل على خصوصية شئ منها فدلالته على البعض المراد غير واضحة وهو معنى الإجمال.
الجواب: لا نسلم أن ذلك البعض غير متضح بل هو متضح بما سبق من العرف فى إرادة المقصود من مثله.
стр. 1477
قال: (مسألة: لا إجمال فى نحو قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، لنا إن لم يثبت فى مثله عرف فى بعض كمالك والقاضى وابن جنى، فلا إجمال وإن ثبت كالشافعي وعبد الجبار وأبى الحسين فلا إجمال، قالوا: العرف فى نحو مسحت بالمنديل البعض، قلنا لأنه آلة بخلاف مسحت بوجهى وأما الباء للتبعيض فأضعف).
أقول: نحو قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، لا إجمال فيه خلافًا لبعض الحنفية، لنا أنه لغة لمسح الرأس وهو الكل فإن لم يثبت فى مثله عرف فى إطلاقه على البعض، اتضح دلالته فى الكل للمقتضى السالم عن المعارض، كما هو مذهب مالك والقاضى أبى بكر وابن جنى فلا إجمال، وإن ثبت عرف فى صحة إطلاقه للبعض اتضح دلالته على البعض للعرف الطارئ كما هو مذهب الشافعى والقاضى عبد الجبار، وأبى الحسين البصرى، فلا إجمال أيضًا، وقد قالوا فى بيان العرف للبعض أوّلًا العرف فى مسحت يدى بالمنديل، إنما هو البعض لتبادر ذلك إلى الفهم عند إطلاقه.
الجواب: أن الباء للاستعانة والمنديل آلة والعرف فى الآلة ما ذكروه بخلاف غيره مثل مسحت وجهى وبوجهى حيث الباء صلة.
وقالوا: ثانيًا: الباء إذا دخل على اللازم كان للتعدية وإذا دخل على المتعدى كان للتبعيض للفهم فى المثال المذكور، والأصل الحقيقة.
الجواب: أن هذا أضعف من الأول لأنه لم يثبت من اللغة مجئ الباء للتبعيض.
قوله: (فإن لم يثبت فى مثله عرف فى إطلاقه على البعض) أى فى صحة إطلاقه بقرينة قوله: وإن ثبت عرف فى صحة إطلاقه للبعض وظهر أنه على الأول للكل لا يحتمل البعض وعلى الثانى للمطلق يحتمل الكل، والبعض أى بعض كان ولهذا يحصل بأدنى ما ينطلق عليه الاسم وهذا هو المصرح به فى كلام الآمدى، وقد أشار الشارح فى قوله وقد قالوا بزيادة الواو ولفظة قد إلى أن هذا ليس دليلًا للمخالف فى أصل المسألة على ما هو دأب الكتاب بل للقائل بثبوت عرف فى البعض لكن لا يخفى أن موجب الاستدلالين ليس ما سبق من كونه
стр. 1478
للمطلق بحيث يصح إطلاقه للبعض بل كونه للبعض خاصة أى بعض كان على ما نقل عن بعض أصحاب الشافعى ﵀، ودل عليه قوله اتضح دلالته على البعض فكان الأولى أن يقول أن يثبت عرف فى إطلاقه على البعض خاصة بحذف قيد الصحة، وأما دليل الحنفية على أنه مجمل فى حق المقدار بين بفعل النبى ﵇ حيث مسح على ناصيته فهو أن الباء متى دخلت فى آلة المسح تعدى الفعل إلى محله فيستوعبه دون الآلة نحو مسحت رأس اليتيم بيدى ومتى دخلت فى محله تعدى الفعل إلى الآلة فيستوعبها دون المحل كما فى الآية فيقتضى ممسوحية بعض الرأس وليس المراد أقل ما ينطلق عليه اسم البعض بحصوله فى ضمن غسل الوجه فيكون مجملًا لاحتمال السدس والثلث والربع وغيرهما.
قوله: (لحصوله فى ضمن غسل الوجه) قيل عليه إن المخالف يقول بوجوب الترتيب فدخول بعض الرأس فى غسل الوجه غير معتبر فلا يدل على تقييد البعض الممسوح بكونه غير ذلك الجزء الداخل فى غسل الوجه، ولو سلم فتقييد البعض بكونه غير ما دخل فى غسل الوجه لا ينافى إطلاقه من جهة أخرى وصدقه على أى جزء من الرأس غير ذلك الجزء فلا يكون مجملًا لأن التقييد من وجه لا ينافى إطلاقه من وجه آخر.
стр. 1479
قال: (مسألة: لا إجمال فى نحو: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان" خلافًا لأبى الحسين والبصرى لنا العرف فى مثله قبل الشرع، المؤاخذة والعقاب ولم يسقط الضمان إما لأنه ليس بعقاب أو تخصيصًا لعموم الخبر فلا إجمال، قالوا: وأجيب بما تقدَّم فى الميتة)
أقول: نحو قوله ﷺ : "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان" مما ينفى صفة والمراد لازم من لوازمه لا إجمال فيه خلافًا لأبى الحسين البصرى وللبصرى أعنى أبا عبد اللَّه، لنا أن العرف فى مثله قبل ورود الشرع رفع المؤاخذة والعقاب قطعًا، فإن السيد إذا قال لعبده: رفعت عنك الخطأ كان المفهوم منه أنى لا أؤاخذك به ولا أعاقبك عليه فهو واضح فيه فلا إجمال، لا يقال فيجب أن يسقط عنه الضمان إذا أتلف مال الغير لأنه داخل فى عموم العقاب وقد رفع ولا يسقط بالاتفاق لأنا نقول إنما لم يسقط الضمان إما لأنه ليس بعقاب إذ يفهم من العقاب ما يقصد به الإيذاء والزجر وهذا يقصد به جبر حال المتلف عليه، ولذلك وجب الضمان على الصبى وأنه لا يعاقب، وإما لتخصيص الخبر بدليل يدل عليه والتخصيص لا يوجب إجمالًا.
قالوا: لا بد من إضمار لمتعلق الرفع وهو متعدد.
والجواب: أنه متضح عرفًا وتقرير الجواب والسؤال تقدَّم فى مسألة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
قوله: (لا إجمال فى نحو رفع) فإن قيل قد ذكر فى بحث عموم المقتضى أنه مجمل وأنه أقرب من تعميم المقدر قلنا ذلك على طريق البحث والمجادلة وتقدير تسليم ليس المقدر أمرًا معينًا، وهذا على طريق التحقيق.
стр. 1480
قال: (مسألة: لا إجمال فى نحو: "لا صلاة إلا بطهور" وخلافًا للقاضى لنا إن ثبت عرف شرعى فى الصحيح فلا إجمال وإلا فالعرف فى مثله نفى الفائدة مثل: لا علم إلا ما نفع، فلا إجمال، ولو قدر انتفاؤهما فالأولى نفى الصحة لأنه يصير كالعدم فكان أقرب إلى الحقيقة المتعذرة، فإن قيل إثبات اللغة بالترجيح، قلنا إثبات المجاز بالعرف فى مثله وهو جائز قالوا: العرف شرعًا مختلف فى الكمال والصحة قلنا مختلف للاختلاف ولو سلم فلا استواء لترجحه بما ذكرناه).
أقول: نحو قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور"، "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، "لا نكاح إلا بولى"، مما ينفى فيه الفعل والمراد نفى صفته لا إجمال فيه عند الجمهور خلافًا للقاضى، لنا أنه إن ثبت عرف شرعى فى إطلاقه للصحيح كان معناه لا صلاة صحيحة ولا صيام صحيحًا ونفى مسماه ممكن فتعين فلا إجمال، وإن لم يثبت عرف شرعى فإن ثبت فيه عرف لغوى وهو أن مثله يقصد منه نفى الفائدة والجدوى، نحو: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا طاعة إلا للَّه، فيتعين فلا إجمال، ولو قدر انتفاؤهما أى إن لا عرف شرعيًا ولا لغويًا فيه فالأولى حمله على نفى الصحة دون الكمال لأن ما لا يصح كالعدم فى عدم الجدوى بخلاف ما لا يكمل فكان أقرب المجازين إلى الحقيقة المتعذرة فكان ظاهرًا فيه فلا إجمال، فإن قيل هو إثبات اللغة بالترجيح، وقد منعتموه، قلنا ليس من ذلك بل ترجيح أحد المجازات بالعرف فى مثله ولذلك يقال هو كالعدم إذا كان بلا جدوى، قالوا: العرف شرعًا فيه مختلف فيفهم منه نفى الصحة تارة ونفى الكمال تارة أخرى، فكان مترددًا بينهما ولزم الإجمال.
الجواب: إن اختلاف العرف والفهم إنما كان للاختلاف فى أنه ظاهر فى الصحة أو فى الكمال فكل صاحب مذهب يحمله على ما هو الظاهر فيه عنده لا أنه متردد بينهما فهو ظاهر عندهما لا مجمل إلا أنه ظاهر عند كل فى شئ ولو سلم أنه متردد بينهما فلا نسلم أنه على السواء بل نفى الصحة راجح بما ذكرنا من أنه أقرب إلى نفى الذات.
قوله: (فالعرف فى مثله) فإن قيل التقدير انتفاء العرف الشرعى واللغوى فما معنى هذا العرف؟ قلنا ذكر الشارح العلامة أنه العرف الأصولى وردّ ذلك فى
стр. 1481
بعض الشروح بأنه لا معنى لحمل كلام الشارح على اصطلاح يحدث بعده بل المراد عرف الاستعمال المجازى وهو لا ينافى انتفاء الحقيقة الشرعية والعرفية ولا خفاء فى أن حمل هذا العرف على ما هو المتعارف فى الاستعمال المجازى لمثل هذا الكلام جيد إلا أن حمل اللغوى على الحقيقة العرفية مع حمل العرف الشرعى على الحقيقة الشرعية بعيد.
قوله: (إلا أن حمل اللغوى على الحقيقة العرفية. . . إلخ) أى أن مقتضى حمل العرف الشرعى على الحقيقة الشرعية حمل العرف اللغوى على الحقيقة اللغوية لا على الحقيقة العرفية مع أنه حمله على الحقيقة العرفية حيث قال وهو أن مثله يقصد منه نفى الفائدة والجدوى.
стр. 1482
قال: (مسألة: لا إجمال فى نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، لنا أن اليد إلى المنكب، حقيقة لصحة بعض اليد لما دونه والقطع إبانة المتصل فلا إجمال، واستدل لو كان مشتركًا فى الكوع والمرفق والمنكب لزم الإجمال، وأجيب بأنه لو لم يكن لزم المجاز واستدل يحتمل الاشتراك والتواطؤ وحقيقة أحدهما ووقوع واحد من اثنين أقرب من واحد معين وأجيب إثبات اللغة بالترجيح وبأنه لا يكون مجمل أبدًا، قالوا: تطلق اليد على الثلث والقطع على الإبانة وعلى الجرح فثبت الإجمال قلنا لا إجمال مع الظهور).
أقول: نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، لا إجمال فيه عند الجمهور خلافًا لشرذمة لنا أنه لو كان إجمال فإما فى اليد أو فى القطع أما اليد فهو لجملة العضو إلى المنكب حقيقة، لقطعنا بصحة بعض اليد على ما دونه وكان ظاهرًا فيه فلا إجمال، وأما القطع فهو لإبانة الشئ عما كان متصلًا به حقيقة وهو ظاهر فلا إجمال، وقد استدل بأنه لو كان لفظ اليد مشتركًا فى العضو إلى الكوع، وإلى المرفق وإلى المنكب لزم الإجمال، وأنه خلاف الأصل فيكون حقيقة لأحدهما دون الآخر فلا إجمال.
الجواب: إنه لو لم يكن مشتركًا فى الثلث لزم المجاز وأنه خلاف الأصل وقد مر غير مرة، واستدل أيضًا بأن لفظ اليد يحتمل أن يكون مشتركًا فى الثلث لفظًا، وأن يكون متواطئًا بوضعه للقدر المشترك وأن يكون حقيقة لأحدهما مجازًا للآخرين وإنما يكون مجملًا على تقدير واحد وهو الاشتراك وعلى التقديرين الآخرين لا إجمال إذ لو كان متواطئًا حمل على القدر المشترك وإن كان حقيقة لأحدهما حمل عليه ووقوع واحد لا بعينه من اثنين أقرب من وقوع واحد بعينه فيغلب على الظن فيظن عدم الإجمال وهو المطلوب.
الجواب: أولًا: إنه إثبات اللغة وهو تعيين ما وضع له اليد بالترجيح وهو عدم لزوم الإجمال وأنه باطل على ما عرف مرارًا وثانيًا يلزم أن لا يكون مجمل أبدًا إذ ما من مجمل إلا يجرى فيه ذلك بعينه وقد يقال إن ذلك عند عدم دليل على الإجمال.
قالوا: اليد تطلق على اليد من الكوع والمرفق والمنكب والقطع على الإبانة وعلى الجرح يقال لمن جرح يده بالسكين قطع يده فجاء الإجمال.
стр. 1483
الجواب: لا يلزم من مجرد الإطلاق الإجمال إنما يلزم ذلك إذا لم يكن ظاهرًا فى أحدهما وأما مع الظهور فلا وقد بينا أن اليد ظاهرة فى العضو من المنكب والقطع فى الإبانة.
قوله: (وأنه) ظاهر الكلام أن المراد أن الإجمال خلاف الأصل فيكون نفيًا للازم ليلزم نفى الملزوم أعنى الاشتراك وهو ههنا مستلزم لنفى اللازم لتحقق المساواة إذ لا إجمال فى الآية إلا على تقدير الاشتراك ولما كان فى هذا نوع بعد بناء على أن نفى الإجمال هو نفس المدعى ذهب الناظرون فى هذا الشرح إلى أن المراد أن الاشتراك خلاف الأصل وظاهره غير موجه لكونه استثناء لنقيض المقدم لكنه يفيد المطلوب بناء على المساواة وبعضهم لم يراع محاذاة المتن فقال المراد أن الآية إنما تكون مجملًا لو كان اليد مشتركًا والاشتراك خلاف الأصل واعلم أن فى الاستدلالين اختصارًا حيث حذف بيان عدم اشتراك القطع بمثل ما ذكر فى اليد وحينئذ يكون توجيه الاستدلالين أنه لو كان إجمالًا فإما باشتراك اليد أو باشتراك القطع وكلاهما منتف بما بين فسقط اعتراض العلالمة بأن ما ذكر لا يصلح استدلالًا على نافى الإجمال.
قوله: (وقد مر غير مرة) يعنى أن المجاز خير من الاشتراك.
قوله: (وقد يقال) جواب عما ذكر من النقيض الإجمالى للدليل المذكور يعنى أن جريانه فى المجمل إنما يكون إذا لم يثبت بالدليل كونه مجملًا كما فى اللفظ المعلوم اشتراكه وكما فى لفظ الصلاة قبل لحوق البيان.
قوله: (فى أحدهما) أى أحد المذكورين اللذين هما المعنى الواحد والمعنيان الاثنان.
قوله: (بناء على المساواة) قال بعضهم: إن فى عبارة المتن قلبًا فقد جعل المقدم تاليًا والتالى مقدمًا.
стр. 1484
قال: (مسألة: المختار أن اللفظ لمعنًى تارة ولمعنيين أخرى، من غير ظهور مجمل، لنا أن معناه قالوا: يظهر فى المعنيين لتكثير الفائدة، قلنا إثبات اللغة بالترجيح ولو سلم عورض بأن الحقائق لمعنًى واحد أكثر فكان أظهر، قالوا: يحتمل الثلاثة كالسارق).
أقول: إذا أطلق اللفظ لمعنًى واحد تارة ولمعنيين أخرى مثل الدابة يراد بها الفرس تارة والفرس والحمار أخرى، فإن ثبت ظهوره فى أحدهما فذاك وإلا فالمختار أن يكون مجملًا لنا أن كونه لهما مع عدم ظهوره فى أحدهما هو معنى المجمل، وقد فرضناه كذلك فيكون مجملًا.
قالوا: أولًا: ما يفيد معنيين أكثر فائدة فالظاهر إرادته لتكثر الفائدة.
الجواب: أوّلًا أنه إثبات اللغة وهو كونه حقيقة لمعنيين بالترجيح بكثرة الفائدة حينئذٍ وأنه باطل، ولو سلم الجواز فهو معارض بأن أكثر الألفاظ حقيقة لمعنًى واحد فكان جعله من الأكثر هو الأظهر.
قالوا: ثانيًا: يحتمل الثلاثة التواطؤ والاشتراك وحقيقة أحدهما ووقوع واحد من اثنين أقرب من وقوع واحد بعينه وتقريره، وجوابه ما مر فى مسألة السارق والسارقة.
قوله: (فكان جعله من الأكثر هو الأظهر) فإن قيل فيكون ظاهرًا فى أحد الأمرين أعنى المعنى الواحد وهذا يستلزم خلاف المقدر ونفى الإجمال، قلنا المراد أن ما ذكرتم اقتضى الظهور فى المعنيين وما ذكرنا فى المعنى الواحد فيتساقطان ويبقى الإجمال وعدم الظهور.
المصنف: (ولمعنيين آخرين) أى للقدر المشترك بينهما وقد شرط ابن السبكى أن يكون المعنى الواحد ليس أحد المعنيين وإلا تعين الحمل على ذلك المعنى ووقف العمل فى الآخر والشارح قد جرى على ظاهر إطلاق المصنف حيث مثل بالدابة للفرس والحمار.
стр. 1485
قال: (مسألة: ما له محمل لغوى ومحمل فى حكم شرعى مثل: "الطواف بالبيت صلاة" ليس بمجمل لنا عرف الشرع تعريف الأحكام ولم يبعث لتعريف اللغة قالوا: يصلح لهما ولم يتضح قلنا متضح بما ذكرناه).
أقول: اللفظ قد يرد من الشرع وله محلان أحدهما أمر لغوى والآخر أمر شرعى مثاله الطواف بالبيت صلاة فإنه يحتمل أنه يسمى صلاة فى اللغة وأنه كالصلاة فى اشتراط الطهارة، مثال آخر: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فإنه يحتمل أنه يسمى جماعة حقيقة وأنه يحصل بهما فضيلة الجماعة فمثل هذا اللفظ إذا صدر من الشارع لا يكون مجملًا بل يحمل على المحمل الشرعى، لنا أن عرف الشارع أن يعرف الأحكام الشرعية ولذلك بعث ولم يبعث لتعريف الموضوعات اللغوية فكان ذلك قرينة موضحة للدلالة فلا إجمال.
قالوا: اللفظ يصلح للمحمل اللغوى والشرعى لأنه هو المفروض ولم تتضح دلالته على أحدهما لعدم الدليل فرضًا وهو معنى الإجمال.
الجواب: لا نسلم أنه لم تتضح دلالته بل متضح بما ذكرناه من أن عرف الشرع تعريف الأحكام دون اللغة غايته أنها لم تتضح بدليل خاص فيه ولا يوجب عدم الاتضاح مطلقًا.
قوله: (أحدهما أمر لغوى) أى حكم يتعلق باللغة ويستفاد من اللغوى مثل تسمية الطواف بالصلاة وتسمية الاثنين بالجماعة لغة والآخر أمر شرعى أى حكم يتعلق بالشرع ويستفاد من الشارع مثل اشتراط الطهارة فى الطواف وحصول فضيلة الجماعة بالاثنين فلهذا قال مجملان ولم يقل معنيان بخلاف المسألة الآتية فإنها فى اللفظ الذى يكون له معنى وضع اللفظ له لغة ومعنى آخر وضع له شرعًا فبين الفرق بين المسألتين.
قوله: (لنا عرف الشرع) فى المنتهى أن كلًا من كون عرف الشرع تعريف الأحكام وكون الشارع لم يبعث لتعريف اللغات دليل على حدة لكونه صالحًا للقرينة.
قوله: (فى المنتهى أن كلًا من كون عرف الشرع. . . إلخ) أى خلافًا للشارح حيث جعل الدليل واحدًا وهو كون عرف الشرع تعريف الأحكام وجعل كونه لم يبعث إلا لذلك دليلًا عليه.
стр. 1486
قال: (مسألة: لا إجمال فيما له مسمًى لغوى، ومسمًى شرعى، وثالثها الغزالى ﵀ فى الإثبات شرعى وفى النهى مجمل، ورابعها فى النهى لغوى والإثبات شرعى مثل: "إنى إذًا لصائم"، لنا: أن عرفه يقتضى الظهور فيه الإجمال يصلح لهما، الغزالى: فى النهى تعذر الشرعى للزوم صحته، وأجيب ليس معنى الشرعى الصحيح وإلا لزم فى "دعى الصلاة" الإجمال، الرابع: فى النهى تعذر الشرعى للزوم صحته كبيع الحر والخمر، وأجيب بما تقدَّم وبأن "دعى الصلاة" للغوى وهو باطل).
أقول: قد يكون للفظ مسمًى شرعى ومسمًى لغوى بناء على القول بالحقائق الشرعية، مثاله النكاح معناه لغة الوطء وشرعًا العقد، وقد يقع فى الإثبات نحو قوله ﵊ وقد دخل على عائشة: "أعندك شئ؟ " فقالت: لا. فقال: "إنى إذًا لصائم" وفى النهى كنهيه عن صوم يوم النحر، فمثل هذا اللفظ إذا صدر عن الشرع هل يكون ظاهرًا فى معناه الشرعى أو مجملًا بينهما فيه مذاهب:
أحدها: المختار أنه ليس بمجمل بل هو للشرعى فى الإثبات والنهى.
ثانيها: أنه مجمل.
ثالثها: للغزالى: إن كان فى الإثبات فهو للشرعى وإن كان فى النهى فمجمل.
رابعها: لقوم: لا إجمال فيهما، إذ يتعين فى الإثبات الشرعى وفى النهى اللغوى.
لنا: أن عرف الشارع استعماله فيه وذلك يقضى بظهوره فيه عند صدوره عنه فلا إجمال.
احتج القائل بالإجمال، بأنه يصلح لهما ولم يتضح وهو معنى الإجمال.
الجواب: ما مر أنه متضح بما ذكرنا من العرف.
احتج الغزالى بأن الإثبات واضح بما ذكرتم، وأما النهى فلا يمكن حمله على الشرعى وإلا لكان صحيحًا، واللازم منتف، أما الملازمة فلأن الصحيح ما وافق أمر الشارع وهو المراد بالشرعى، وأما انتفاء اللازم فلأن النهى يدل على الفساد أو لا يدل على الصحة، لما مر.
الجواب: أن الشرعى ليس هو الصحيح شرعًا بل ما يسميه الشارع بذلك الاسم من الهيئات المخصوصة حيث يقول هذه صلاة صحيحة، وهذه صلاة فاسدة، وإلا
стр. 1487
لزم فى قوله: "دعى الصلاة أيام أقرائك"، أن يكون مجملًا بين الصلاة والدعاء، واللازم منتف، لأنه ظاهر فى معناه الشرعى قطعًا.
احتج الرابع القائل بظهوره فى الإثبات فى الشرعى عليه بما ذكرتم أنتم وفى النهى فى اللغوى بأنه تعذر العمل على الشرعى للزوم صحته، وأنه باطل كبيع الحر والخمر والملاقيح والمضامين كل ذلك مما نهى عنه الشرع وشئ منها مما لا يصح.
الجواب: ما تقدَّم أن الشرعى ليس هو الصحيح وبأنه يلزم فى قوله: "دعى الصلاة أيام أقرائك" أن يكون النهى عنه اللغوى وهو الدعاء وبطلانه ظاهر.
قوله: (وهو المراد بالشرعى) يعنى لا نعنى بالشرع إلا ما يوافق أمر الشارع وهو بعينه معنًى صحيح فلو حمل على الشرع لكان صحيحًا وصورة القياس هكذا الشرع ما وافق أمر الشارع، وكل ما وافق أمره فهو صحيح.
قوله: (أو لا يدل على الصحة) يعنى إن تم ما ذكرنا أن النهى يدل على الفساد فذاك وإلا فقد سبق أنه لا يدل على الصحة وهذا كاف فى الإجمال لأنه إذا لم يكن فيه دلالة على الصحة لم يكن دلالة على كونه شرعيًا وفيه نظر لأن عدم دلالة النهى على ذلك لا توجب انتفاء الدلالة مطلقًا ليثبت الإجمال وههنا بحث آخر وهو أن مذهب الغزالى والمذهب الرابع المنسوب إلى الآمدى يشاركان المختار فى جانب الإثبات وإنما يفارقانه فى النهى فلذا اقتصر المصنِّفُ فى استدلالهما على جانب النهى ثم إنهما يفترقان فى النهى بأنه عند الغزالى مجمل وعند الآمدى ظاهر فى اللغوى ولا تعرّض فى الدليل إلا لمجرد تعذر الشرع من غير دلالة على ثبوت الإجمال أو العمل على اللغوى فلا بد فى كلٍّ من ضم مقدمة.
قوله: (عليه وبما ذكرتم) متعلق باحتج وفى النهى فى اللغوى عطف على فى الإثبات فى الشرع وبأنه يقدر متعلق باحتج ولا يخفى ما فى هذه العبارة من التعقيد.
قوله: (وأنه باطل) إشارة إلى انتفاء اللازم والضمير للمنهى والمعنى لو حمل على الشرع لكان صحيحًا، واللازم منتف لأنه باطل ليس بصحيح كما فى الصور المذكورة وجعل الضمير للزوم مما لا معنى له.
стр. 1488
قوله: (لا يوجب انتفاء الدلالة مطلقًا. . . إلخ) أى لجواز أن تثبت الدلالة على الصحة من كون ذلك النهى صادرًا من الشارع.
قوله: (فلا بد فى كلٍّ من ضم مقدمة) فيقال بالنسبة للغزالى وحيث تعذر الشرعى واللغوى لم يبعث الشارع لتعريفه حمل على معنًى مجازى وهو إما المعنى اللغوى أو ما كان من الشرعى غير مستوف لأركانه وشروطه وبالنسبة للرابع حيث تعذر الشرعى وليس للفظ معنًى آخر سوى اللغوى حمل عليه.
стр. 1489
(البيان والمبين)
(قال: البيان والمبين: يطلق البيان على فعل المبين وعلى الدليل وعلى المدلول فلذلك قال الصيرفى: إخراج الشئ من حيز الإشكال إلى حيز التجلى والوضوح وأورد البيان ابتداء والتجوّز بالحيز وتكرير الوضوح، وقال القاضى: والأكثر الدليل وقال البصرى العلم عن الدليل والمبين نقيض الجمل، وقد يكون فى مفرد وفى مركب وفى فعل وإن لم يسبق إجمال).
أقول: البيان يطلق على فعل المبين وهو التبيين كالسلام والكلام للتسليم والتكليم، واشتقاقه من بان إذا ظهر أو انفصل وعلى ما حصل به التبيين وهو الدليل وعلى متعلق التبيين ومحله وهو المدلول، وبالنظر إلى المعانى الثلاثة اختلف تفسير العلماء له فقال الصيرفى بالنظر إلى الأول وهو الإخراج من حيز الإشكال إلى حيز التجلى والوضوح وأورد عليه ثلاثة إشكالات: أحدها: البيان ابتداء من غير تقرر إشكال بيان وليس ثمة إخراج من حيز الإشكال، ثانيها: أن لفظ الحيز فى الموضعين مجاز والتجوز فى الحد لا يجوز، ثالثها: أن الوضوح هو التجلى بعينه فيكون مكررًا, ولا يخفى أنها مناقشات واهية، وقال القاضى والأكثرون نظرًا إلى الثانى أنه هو الدليل، وقال أبو عبد اللَّه البصرى نظرًا إلى الثالث وهو العلم عن الدليل والمبين نقيض المجمل فهو المتضح الدلالة وكما انقسم المجمل إلى المفرد والمركب فكذلك مقابله المبين قد يكون فى مفرد وفى مركب وقد يكون فى فعل وقد يكون فيما يسبق له إجمال، وهو ظاهر، وقد يكون ولم يسبق إجمال، كمن يقول ابتداءً: "اللَّه بكل شئ عليم".
قوله: (وقد يكون فيما يسبق له إجمال) إشارة إلى أن قوله وإن لم يسبق إجمال ليس مختصًا بالفعل على ما وقع فى بعض الشروح.
стр. 1490
قال: (مسألة: الجمهور: الفعل يكون بيانًا لنا أنه ﵊ بيَّنَ الصلاة والحج بالفعل، وقوله: "خذوا عنى .. "، و"وصلوا كما .. " يدل عليه وأيضًا فإن المشاهدة أدل إذ "ليس الخبر كالمعاينة"، قالوا: يطول فيتأخر البيان، قلنا: وقد يطول بالقول، ولو سلم فما تأخر للشروع فيه ولو سلم فلسلوك أقوى البيانين ولو سلم فما تأخر عن وقت الحاجة).
أقول: الفعل هل يكون بيانًا؟ الجمهور على أنه يكون بيانًا خلافًا لشرذمة.
لنا: أنه ﷺ بيَّن الصلاة والحج بالفعل.
فإن قيل: إنما البيان بقوله: "صلوا كما رأيتمونى أصلى"، و"خذوا عنى مناسككم" لا بالفعل.
قلنا: البيان بالفعل وذلك دليل كون الفعل بيانًا لا أنه هو البيان.
ولنا أيضًا: أن مشاهدة الفعل أدل فى بيانه من الإخبار عنه، ولذلك قيل فى المثل السائر "ليس الخبر كالمعاينة"، فلا بعد فى العدول إليه رومًا لزيادة الدلالة.
قالوا: الفعل يطول فلو بين به لزم تأخير البيان مع إمكان تعجيله، وأنه غير جائز.
الجواب: أوّلًا: لا نسلم أن الفعل أطول من القول، إذ قد يطول البيان بالقول أكثر مما يطول بالفعل، فإن ما فى ركعتين من الهيئات لو بين بالقول ربما استدعى زمانًا أكثر مما يصلى فيه الركعتان بكثير.
وثانيًا: لا نسلم لزوم تأخير البيان، إذ تأخير البيان أن لا يشرع فيه عقيب الإمكان، ولا يشتغل به وهذا قد شرع فيه واشتغل به وإنما الفعل هو الذى يستدعى زمانًا ومثله لا يعدُّ تأخيرًا كمن قال لغلامه ادخل البصرة فسار فى الحال فبقى فى مسيره عشرة أيام حتى دخلها فإنه لا يعدُّ بذلك مؤخرًا بل مبادرًا ممتثلًا بالفور.
وثالثًا: بأنك ما تعنى بقولك لا يجوز التأخير مع إمكان التعجيل، إذا لم يكن فيه غرض أو إذا كان ممنوعًا، بيانه أنه وإن كان تأخر البيان فقد فعله لسلوك أقوى البيانين وهو الفعل لكونه أدل كما مر.
ورابعًا: أن تأخير البيان لا يمتنع مطلقًا إنما يمتنع عن وقت الحاجة وهذا لم يتأخر عنه فيجوز.
стр. 1491
قوله: (ليس الخبر كالمعاينة) مروي فى الحديث ولا ينافى كونه مثلًا سائرًا.
قوله: (لا نسلم أن الفعل أطول) إشارة إلى أن قولهم الفعل يطول معناه أنه أطول من القول ليصح أنه مستلزم للتأخر دون القول.
الشارح: (كمن قال لغلامه ادخل البصرة. . . إلخ) اعترض هذا التمثيل بأنه يعد مؤخرًا حيث توانى فى سفره فالأولى أن يمثل بقوله لغلامه سر حتى تدخل البصرة فشرع فى السير وبقى فى سيره مدة طويلة حتى دخل فإنه يعد ممتثلًا.
الشارح: (ما تعنى بقولك. . . إلخ) مبتدأ خبره قوله ممنوع أى بل إذا كان لفرض جاز.
стр. 1492
قال: (مسألة: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل فإن اتفقا وعرف المتقدم فهو البيان والثانى تأكيد وإن جهل فأحدهما وقيل يتعين غير الأرجح للتقديم لأن المرجوح لا يكون تأكيدًا، وأجيب بأن المستقل لا يلزم فيه ذلك وإن لم يتفقا كما لو طاف بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد فالمختار القول وفعله ندب أو واجب متقدمًا أو متأخرًا لأن الجمع أولى، أبو الحسين: المتقدم بيان ويلزمه نسخ الفعل متقدمًا مع إمكان الجمع).
أقول: إذا ورد مجمل وورد عقيبه قول وفعل كل واحد منهما صالح أن يكون بيانًا له فإما أن يتفقا أو يختلفا فإن اتفقا كما لو طاف بعد نزول آية الحج طوافًا واحدًا، وأمر بطواف واحد فإما أن يعرف المتقدم منهما أو لا فإن عرف المتقدم فهو البيان لحصوله به والثانى تأكيد وإن جهل، فالبيان أحدهما من غير تعيين، وقيل إن كان أحدهما أرجح تعين هو للتأخر والآخر للتقدم لأن المتأخر تأكيد والمرجوح لا يكون تأكيدًا.
الجواب: أن ذلك إنما يلزم فى المفردات نحو جاءنى القوم كلهم، وأما المؤكد المستقل فلا يلزم فيه ذلك كالجمل التى يذكر بعضها بعد بعض للتأكيد فإن الثانية وإن كانت أضعف من الأولى لو استقلت فإنها بانضمامها إليها تفيدها تأكيدًا، وتقرر مضمونها فى النفس زيادة تقرير هذا إذا اتفقا وأما إن اختلفا كما لو طاف طوافين وأمر بطواف واحد فالمختار أن القول هو البيان والفعل ندب له أو واجب عليه مما اختص به ولا فرق فيه بين أن يكون القول متقدمًا أو متأخرًا، وذلك لأن فيه جمعًا بين الدليلين وهو أولى من إبطال أحدهما كما سنذكره، وقال أبو الحسين المتقدم منهما هو البيان أيًا كان وهو باطل إذ يلزمه نسخ الفعل إذا كان هو المتقدم مع إمكان الجمع وإنه باطل، بيانه إذا تقدَّم الفعل وهو طوافان وجب علينا طوافان فإذا أمر بطواف واحد فقد نسخ أحد الطوافين عنا.
قوله: (والمرجوح لا يكون تأكيدًا) مقتضى ظاهر الكلام أنهما إذا تساويا كان البيان أحدهما من غير تعيين.
стр. 1493
قال: (مسألة: المختار أن البيان أقوى والكرخى يلزم المساواة، أبو الحسين بجواز الأدنى، لنا لو كان مرجوحًا ألغى الأقوى فى العام إذا خصص، وفى المطلق إذا قُيِّدَ، وفى التساوى التحكم).
أقول: قد اختلف فى وجوب زيادة قوة البيان على قوة المبين والأكثر على وجوب كونه أقوى، وقال الكرخى يلزم المساواة أقل ما يكون وقال أبو الحسين بجواز الأدنى، لنا إما أنه لا يجوز بالرجوح فلأنه يلزم إلغاء الراجح بالمرجوح، وإنه باطل، بيانه العام إذا بين والمطلق إذا قيِّد بما ليس دلالته على المخرج منهما كدلالة العام والمطلق فى القوة فقد ألغى دلالة العام عليها، وهو أقوى بدلالة المخرج عنه، وهو أضعف وذلك ما ادعيناه، وإما أنه لا يجوز بالمساوى فلأنه يلزم التحكم إذ ليس أحدهما مع تساويهما أولى بالإبطال من الآخر هذا كله فى الظاهر، وأما المجمل فيكفى فى بيانه أدنى دلالة، ولو مرجوحًا إذ لا تعارض.
قوله: (أقل ما يكون) إشارة إلى أنه لا يريد بلزوم المساواة امتناع كون البيان أقوى على ما فهمه الشارحون بل امتناع كونه أدنى.
قوله: (على المخرج) على لفظ اسم المفعول بمعنى البعض الذى أخرج من العام ومن المطلق كالكافر من قولنا الرقبات المؤمنات أو رقبة مؤمنة وفى دلالة المطلق عليه نوع تمحل وقوله قيد النفى دلالة العام يعنى العام والمطلق عليه أى على المخرج وهو أى العام وقوله بدلالة المخرج متعلق بالنفى وهو على لفظ اسم الفاعل، يعنى اللفظ الذى يفيد التخصيص أو التقييد وضمير عنه للعام وهو للمخرج.
قوله: (هذا كله) يعنى ما ذكرناه من أن البيان يجب أن يكون أقوى إنما هو فى غير بيان المجمل ولذا خصص الدليل بتخصيص العام وتقييد المطلق وأما بيان المجمل فيجوز أن يكون بالمرجوح لأنه لا تعارض بين المجمل والبيان ليلزم إلغاء الأقوى بالأضعف، وهذا معنى ما قال فى المنتهى، وأما المجمل فواضح فإن قيل: بل معناه ما ذكر فى العلامة وهو أن كون بيان المجمل أقوى دلالة منه واضح لأن المجمل لما كان غير متضح الدلالة كان بيانه وهو ما يعين أحدهما لأنه أقوى منه بالضرورة ولا يتصور كونه مرجوحًا على ما ذهب إليه المحقق قلنا عدم اتضاح
стр. 1494
دلالة المجمل على المعنى المعين المراد منه لا ينافى قوة دلالته على معناه الإجمالى أعنى أحد الاحتمالين كما فى قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإنه قوى الدلالة على ثلاثة أقراد من الطهر أو الحيض، فيجوز تعيين أحدهما بلفظ تكون دلالته أضعف من ذلك بأن لا يكون قطعيًا فى مدلوله وهذا ما قال الآمدى أن المبين إن كان مجملًا كفى فى تعيين أحد احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح وإن كان عامًا أو مطلقًا لا بد أن يكون المخصص أو المقيد أقوى.
الشارح: (أقل ما يكون حال من المساواة) أى حال كونها أقل أكوان البيان.
стр. 1495
قال: (مسألة: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق وإلى وقت الحاجة يجوز والصيرفى والحنابلة ممتنع والكرخى ممتنع فى غير المجمل وأبو الحسين مثله فى الإجمالى لا التفصيلى، مثل هذا العموم مخصوص والمطلق مقيد، والحكم سينسخ والجبائى ممتنع فى غير النسخ لنا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. . .﴾ [الأنفال: ٤١]، إلى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم بين ﵊ أن السلب للقاتل، إما عمومًا، وإما برأى الإمام، وأن ذوى القربى بنو هاشم دون بنى أمية، وبنى نوفل ولم ينقل اقتران إجمالى مع أن الأصل عدمه، وأيضًا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ثم بين جبريل والرسول ﵉ وكذلك الزكاة، وكذلك السرقة، ثم بين على تدريج وأيضًا فإن جبريل ﵇ قال: ﴿اقْرأْ﴾ قال ﵊: "وما أقرأ" وكرر ثلاثًا، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] واعترض بأنه متروك الظاهر, لأن الفور يمتنع تأخيره والتراخى يفيد جوازه فى الزمن الثانى، فيمتنع تأخيره، وأجيب بأن الأمر قبل البيان فلا يجب به شئ وذلك كثير).
أقول: قد اختلف فى جواز تأخير البيان فأما عن وقت الحاجة فلا يجوز اتفاقًا، إلا على قول من يقول بجواز تكليف ما لا يطاق، وأما عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فالمختار أنه يجوز، وقال الصيرفى والحنابلة: ممتنع، وقال الكرخى: ممتنع فى غير المجمل، وهو الظاهر إذا أريد به غير ظاهره، وقال أبو الحسين بمثل ما قال به الكرخى، لكنه فى البيان الإجمالى، وأما التفصيلى فيجوز تأخيره فيجب أن يقول هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد وهذا الحكم سينسخ ولا يجب تفصيل ما خص عنه وذكر الصفة التى قَيَّد بها وتعيين وقت النسخ والجبائى يوافق أَبا الحسين فى غير النسخ فلا يوجب بياد ذلك إجمالًا لنا قوله فى المغنم: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، إلى قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم بين أن السلب للقاتل، إما عمومًا على رأى، وإما إذا رآه الإمامُ على رأى، وبين أن ذوى القربى: بنو هاشم دون بنى أمية وبنى نوفل، فهذا عام تأخر عنه بيانه إذ ورد من غير بيان تفصيلى، وهو ظاهر ولا إجمالى إذ لو اقترن به لنقل ولأن الأصل عدمه، ولنا أيضًا أنه قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ثم بين جبريل ثم بين الرسول بتدريج وكذلك قال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فأوجب الزكاة، ثم بين
стр. 1496
تفاصيل الجنس والنصاب بتدريج وكذلك قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فأوجب حد السرقة ثم بين اشتراط الحرز والنصاب بتدريج، ولنا أيضًا أنه روى أن جبريل ﵇ قال له ﷺ : اقرأ، فقال: "ما أقرأ" ثم قال: اقرأ، فقال: ما أقرأ ثم قال: اقرأ، فقال: "ما أقرأ؟ " كررها ثلاث مرات ثم قال بعد الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، فبين المراد واعترض عليه بأن هذا استدلال بظاهر الخبر وإنما يصح فيما لم يعلم أنه متروك الظاهر، وهذا معلوم أنه متروك الظاهر لأن الأمر إن كان على الفور فلا يجوز تأخيره لأنه تأخير عن وقت الحاجة، وإن كان على التراخى فإن الوجوب يتراخى دون الجواز بل جواز الفعل يثبت بالفور، فإن أحدًا لم يقل بوجوب التأخير والجواز أيضًا حكم يحتاج إلى البيان كما يحتاج الوجوب إليه لا فرق بينهما فى ذلك فيمتنع تأخيره أيضًا لأنه تأخير عن وقت الحاجة.
الجواب: منع كونه قبل البيان على الفور أو على التراخى فإنه قبل البيان لا يجب به شئ أصلًا لا بالفور ولا بالتراخى إنما يجئ ذلك الترديد بعد الفهم ثم قال المصنِّفُ وذلك كثير أى الصور التى أخر فيها البيان كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا. . .﴾ [النور: ٢]، ثم بين أن المحصن يرجم وكما نهى عن بيع المزابنة ثم شكا الأنصار بعد ذلك فرخص فى العرايا ومن استقرأ علم ذلك قطعًا.
قوله: (وعن وقت الحاجة) أى وقت تنجيز التكليف.
قوله: (وهو الظاهر) أى من غير المجمل فما يحتاج إلى البيان هو الذى يكون ظاهرًا فى معنى وقد أريد به غير الظاهر كالعام أريد به الخاص والمطلق أريد به المقيد وكالمنسوخ، فذهب الكرخى أن ما افتقر إلى البيان إن كان مجملًا جاز تأخير بيانه عن وقت الحاجة وإن كان غير المجمل امتنع ومذهب أبى الحسين إن كان مجملًا جاز تأخير بيانه مطلقًا وإن كان غير المجمل جاز تأخير بيانه التفصيلى، وامتنع تأخير بيانه الإجمالى، مثل أن يقول هذا العموم مخصوص وقد أشار المحقق إلى أن هذا مثال للبيان الإجمالى دون التفصيلى على ما فهمه الشارح العلامة من ظاهر عبارة المتن فاعترض وإلى أن ما وقع فى نسخ المتن وفى الإجمالى بالواو وليس بمستقيم والصواب فى الإجمالى بدون الواو أى أبو الحسين يوافق
стр. 1497
الكرخى فى امتناع تأخير بيان غير المجمل فى البيان الإجمالى ولا يوافقه فى البيان التفصيلى وغاية توجيه المتن أن أبا الحسين يوافق الكرخى فى بيان المجمل مطلقًا وفى البيان الإجمالى لغير المجمل ويخالفه فى التفصيلى ومذهب الجبائى وابنه والقاضى عبد الجبار أنه يجوز تأخير النسخ دون غيره صرح بذلك الآمدى وغيره ومقتضى كلام الشارح المحقق أن عبد الجبار يجوّز تأخير النسخ وبيان المجمل مطلقًا وفى غيرهما يجوز تأخير البيان التفصيلى دون الإجمالى.
قوله: (واعترض عليه) جمهور الشارحين أن هذا الاعتراض على الوجوه الثلاثة، وأن قوله وذلك كثير من تتمة الجواب على معنى أن عدم وجوب شئ بالأمر قبل البيان كثير كقول السيد لعبده افعل والشارح المحقق جرى على ما هو مقتضى الفكر الصائب من تخصيص الاعتراض بالتأمل وجعل ذلك إشارة إلى تأخير البيان عن وقت الخطاب وهو الموافق لكلام الآمدى.
الشارح: (ومن استقرى) قال الأبهرى: تكتب بالياء وتقرأ بالألف من القرو أو القرى، فيقال: قروت البلاد قروا إذا تتبعتها، وأما استقرأ بالهمز فمعناه: طلب القراءة. اهـ. والذى فى القاموس: القرو: القصد والتتبع، كالاقتراء والاستقراء.
قوله: (أى وقت تنجيز التكليف) أى مطلقًا موسعًا أو مضيقًا خلافًا لما فى التحرير لأنه لو تأخر عن وقت تعلق التكليف كان طلبًا للمجهول ولو موسعًا وطلب إتيان المجهول محال.
قوله: (على الوجوه الثلاثة) فيه أن الأول لا أمر فيه إلا أن يقال: إنه أمر معنى أى فأدوا الخمس مما غنمتم.
стр. 1498
قال: (واستدل بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وكانت معينة بدليل تعينها بسؤالهم مؤخرًا وبدليل أنه لا يؤمر بمتجدد وبدليل المطابقة لما ذبح، وأجيب بمنع التعيين فلم يتأخر بيان بدليل بقرة وهو ظاهر وبدليل قول ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم" وبدليل: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فقال ابن الزبعرى فقد عبدت الملائكة والمسيح، فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وأجيب بأن "ما" لما لا يعقل ونزول ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، زيادة بيان لجهل المعترض مع كونه خبرًا واستدل بأنه لو كان ممتنعًا لكان لذاته أو لغيره بضرورة أو نظر وهما منتفيان وعورض لو كان جائزًا إلخ).
أقول: هذه دلائل للمذهب المختار ضعيفة وهى ثلاثة قد استدل بقوله تعالى: ﴿أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وجه الاستدلال أن البقرة المأمور بذبحها كانت بقرة معينة لا أى بقرة كانت كما هو الظاهر فقد أريد به خلاف الظاهر ثم تأخر البيان فانتهض دليلًا وإنما قلنا: إنها كانت معينة بدليل أنهم لما قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة: ٦٨] أوّلًا، و ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، ثانيًا عينها بسؤالهم فقال: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]، ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩]، والضمير فى السؤال ضمير المأمور بها فكذا فى الجواب وبدليل أنهم لم يؤمروا بمتجدد ولو كانت بقرة ما لكان الأمر بالمعين أمر بالمتجدد لا بالأوّل وينفيه سياق الآية والاتفاق، وبدليل أنه لما ذبح ذلك المعين طابق الأمر لذبح المعين ويعلم قطعًا أنه لو ذبح غيره لما كان مطابقًا للأمر فعلم أن المأمور بها معينة.
الجواب: منع كونها بقرة معينة بل هى بقرة ما فلا تحتاج إلى بيان فيتأخر بدليل: ﴿يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وهو ظاهر فى بقرة غير معينة فتحمل عليها وبدليل قول ابن عباس رضى اللَّه عنهما وهو رئيس المفسرين: "لو ذبحوا أى بقرة لأجزأتهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد اللَّه عليهم"، وبدليل قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، دل على أنهم كانوا قادرين على الفعل وأن السؤال عن التعيين كان تعنتًا وتعللًا، واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبباء: ٩٨]، لما نزلت قال ابن الزبعرى أليس قد عبدت الملائكة والمسيح؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]،
стр. 1499
فتأخر البيان.
الجواب: أن "ما" لما لا يعقل، نقل أن الرسول ﵇ قال له: "ما أجهلك بلغة قومك، ألم تعلم أن "ما" لما لا يعقل"، وأما نزول قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١]، فلم يكن بيانًا لظهور خروج الملائكة والمسيح بل لزيادة توضيح وبيان احتيج إليه لجهل المعترض هذا مع أنه خبر وإنما النزاع به فى التكاليف التى يحتاج إلى معرفتها للعمل بها, ولذلك عقدنا المسألة فى التأخير إلى وقت الحاجة، واستدل أيضًا بأنه لو كان تأخير البيان ممتنعًا لكان ممتنعًا لذاته، أو لغيره، ولو كان أحدهما لعرف بالضرورة أو بالنظر وكلاهما منتفيان أما الضرورة فبالضرورة ولأنها لا تسمع دعواها فى محل الخلاف، وأما النظر فلأنه لو امتنع لامتنع لجهل مراد المتكلم من كلامه، لعلمنا أنه لا يحصل بالبيان إلا ارتفاع ذلك وأنه لا يصلح مانعًا كما فى النسخ.
الجواب: المعارضة بالمثل إذ يقال: لو كان جائزًا لعرف ضرورةً أو نظرًا، وكلاهما منتف فالضرورة للخلاف، والنظر لأنه لو جاز فلعدم المانع ولا جزم به غايته عدم الوجدان.
قوله: (طابق الآمر لذبح المعين) يعنى أنا قاطعون بأن حصول الامتثال إنما كان بذبحهم تلك البقرة المعينة لا من حيث أنها بقرة ما، وبهذا التقرير يندفع ما يقال أن المطلق ليس هو المأخوذ بشرط عدم التعيين حتى لا يطابق المعين بل لا بشرط التعيين.
قوله: (الجواب منع كونها بقرة معينة) فإن قيل لا توجيه لمنع الدعوى من غير قدح فى الدليل ولا للاستدلال على نفى ما منع قلنا المراد المنع بالمعنى اللغوى والاستدلالات معارضات وهو ظاهر فى بقرة غير معينة هذا هو الموافق لما قال فى المنتهى وهو ظاهر فى أى بقرة كانت لا مقيل من أن كون بقرة نكرة غير معينة ظاهر.
قوله: (وهو رئيس المفسرين) إشارة إلى أن الاستدلال بقول ابن عباس ليس من حيث أنه خبر واحد فى مقابلة الكتاب حتى يدفع بل من حيث أنه تفسير للكتاب فلا يدفع.
стр. 1500
قوله: (دل على أنهم كانوا قادرين) علم أن الاشتغال بالسؤال كان تفننًا وتعللًا ومنع ذلك تعنت.
قوله: (احتيج إليه لجهل المعترض) نفى لما توهمه الشارحون من أنه زيادة بيان لجهل المعترض هذا مع أنه خبر وإنما النزاع فى التكاليف ليسقط به ما ذهب إليه الشارحون من أن المراد أنه خبر واحد والمسألة علمية لا يجوز إثباتها به واتفاق المفسرين على كونه سبب نزول الآية لا يخرجه عن كونه من باب الآحاد لما مر فى الإجماع من أن تلقى الأمة: "لا تجتمع أمتى على ضلالة"، لا يخرجه عن الآحاد.
قوله: (كما فى النسخ) فإن المخاطب جاهل بانتهاء الحكم وعدم تكريره مع أنه تبين آخرًا.
قوله: (ولا جزم به) أى بعدم المانع عن تأخير البيان لأن غايته عدم الوجدان وهو لا يدل على عدم الوجود وإن استدل بأن الأصل عدم المانع كان ظنًا لا جزمًا نعم يتجه أن يمنع استنادًا لجواز عدم المانع بل إلى وجود الدليل كما مر ومع ذلك فتقرير هذا الاستدلال والمعارضة مما لم يحم حوله الشارحون.
الشارح: (لا تصلح مانعًا كما فى النسخ) فيه أن المكلف به هنا غير ظاهر بخلاف النسخ فإن الظاهر فيه انتهاء زمن التكليف لا المكلف به.
قوله: (نفى لما توهمه الشارحون) أى تقدير احتيج إليه نفى. . . إلخ. قوله: فى بيان المجمل مطلقًا؛ أى سواء كان البيان الإجمالى أو التفصيلى فيقول بجواز تأخيره، وقوله: وفى البيان الإجمالى لغير المجمل؛ أى فيقول يمنع تأخيره، وقوله: ويخالفه فى التفصيلى؛ أى فيقول بجواز تأخيره خلافًا له فى منعه.
стр. 1501
(قال: المانع بيان الظاهر لو جاز لكان إلى مدة معينة وهو تحكم، ولم يقل به أو إلى الأبد، فيلزم المحذور وأجيب إلى معينة عند اللَّه وهو وقت التكليف، قالوا: لو جاز لكان مفهمًا لأنه مخاطب فيستلزمه وظاهره جهالة والباطن متعذر، وأجيب بجريه فى النسخ لظهوره فى الدوام وبأنه يفهم الظاهر مع تجويزه التخصيص عند الحاجة فلا جهالة ولا إحالة).
أقول: هذه شبهة المخالفين فالمانعون من جواز تأخير البيان فى الظاهر قالوا: أولًا: لو جاز ذلك فإما إلى مدة معينة أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أما إلى مدة معينة فلأنه تحكم ولأنه لم يقل به قائل، وأما إلى الأبد فلأنه يلزم المحذور وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم.
الجواب: نختار جوازه إلى مدة معينة عند اللَّه، وهو الوقت الذى يعلم أنه مكلف به فيه ولا تحكم، ونحن نقول به.
قالوا: ثانيًا: لو جاز تأخير البيان لكان المتكلم بالعام غير مبين قاصدًا به التفهيم، واللازم باطل، أما اللازمة فلأنه مخاطب والخطاب يستلزم التفهيم لأن حقيقته توجيه الكلام إلى المخاطب لأجل التفهيم ولذلك لا يصح خطاب الجماد وخطاب الزنجى بالعربى، وأما بطلان اللازم فلأنه لو قصد التفهيم فإما لظاهره وهو غير مراد فيكون فهمه جهالة لا تصح مقصودًا للشارع، وإما لباطنه وأنه متعذر ويلزم القصد إلى ما يمتنع حصوله وأنه سفه.
الجواب: أوّلًا: النقض بالنسخ لأنه ظاهر فى الدوام مع أنه غير مراد فيجئ فيه ما ذكرتم بعينه، وثانيًا: لحل وهو أنه يقصد تفهيم الظاهر مع تجويز التخصيص عند الحاجة، فلا يلزم جهالة إذ لم يعتقد عدم التخصيص لتجويزه ولا إحالة إذ لم يرد منه فهم التخصيص تفصيلًا.
قوله: (ويلزم المحذور) قالوا فى المنتهى هو المخالفة للمراد وما ذكره الشارح ناظرًا إلى ما ذكره الآمدى وهو أنه يلزم بقاء المكلف أبدًا عاملًا بعموم أريد به الخصوص ونحوه وهو فى غاية التجهيل.
قوله: (فلأنه) أى المتكلم بالعام مخاطب على لفظ اسم الفاعل وحقيقة الخطاب توجيه الكلام إلى المخاطب أى إلى ذات من قصد خطابه لا من حيث هذا المفهوم
стр. 1502
ليلزم الدور.
قوله: (وإنه) أى التفهيم لناطق الخطاب متعذر لأنه لم يبين بعد.
قوله: (النقض بالنسخ) مشعر بأن الشبهة إنما هى من قبل من يجوّز تأخير بيان النسخ عن وقت الخطاب إجمالًا وتفصيلًا.
قوله: (هو المخالفة للمراد) وهو انتهاء المدة بتغير الحكم الأول.
стр. 1503
قال: (عبد الجبار: تأخير بيان المجمل يخل بفعل العبادة فى وقتها للجهل بصفتها بخلاف النسخ، وأجيب بأن وقتها وقت بيانها قالوا: لو جاز تأخير بيان الجمل لجاز الخطاب بالمهمل ثم بين مراده، وأجيب بأنه يفيد أنه مخاطب بأحد مدلولاته فيطيع ويعصى بالعزم بخلاف الآخر، وقال الجبائى: تأخير بيان التخصيص يوجب الشك فى كل شخص بخلاف النسخ، وأجيب بأن ذلك على البدل، وفى النسخ يوجب الشك فى الجميع فكان أجدر).
أقول: كان عبد الجبار ومتابعوه ممن يقول بامتناع تأخير بيان المجمل، والظاهر سوى النسخ وإن لم يذكره فى أول المسألة ولهم مقامان الأول منع تأخير بيان المجمل، ولهم فيه وجهان.
قالوا: أولًا: تأخير بيان المجمل يوجب الجهل بصفة العبادة والجهل بصفة الشئ يخل بفعله فى وقتها فامتنع بخلاف النسخ فإنه لا يخل بذلك فجاز.
الجواب: أن وقت العبادة وقت بيان صفتها لا قبله فلا يخل بفعلها فى وقتها.
قالوا: ثانيًا: لو جاز تأخير بيان المجمل لجاز الخطاب بالمهمل واللازم باطل بالاتفاق، بيان الملازمة أنه لو امتنع لامتنع لأنه غير مفهم والمفروض أن عدم الإفهام لا يصلح مانعًا وإلا لم يجز الخطاب بالمجمل لا يقال المجمل له معنى فيبينه آخرًا والمهمل لا معنى له فافترقا لأنا نقول الكلام فيما وضعه من المهملات مع نفسه من غير اصطلاح مع المخاطب مخاطبه به مريدًا به ما وضعه له ثم بين مراده آخرًا.
الجواب: منع الملازمة والفرق بأن فى المجمل يعلم أن المراد أحد مدلولاته فيطيع ويعصى بالعزم على فعله وتركه إذا بين بخلاف المهمل فإنه لا يفهم منه شئ، الثانى منع تأخير بيان الظاهر سوى النسخ وفرض الكلام فى التخصيص فقال: تأخير بيان التخصيص يوجب الشك فى كل واحد واحد من أفراد العام، هل هو مراد للمتكلم أو لا فلا يعلم منه تكليف أحد بعينه فينتفى التكليف الذى هو غرض الخطاب بخلاف النسخ فإن الكل داخلون إلى أن ينسخ.
الجواب: أن ذلك التخصيص يوجب الشك فى كل واحد على البدل وفى النسخ يوجب الشك فى الجميع إذ يجوز فى كل زمان النسخ عن الجميع وعدم بقاء التكليف فكان النسخ أجدر بأن يمنع من التخصيص فيكون تجويزه فى التخصيص دون النسخ قولًا باطلًا.
стр. 1504
قوله: (كان عبد الجبار) لم يلاحظ الشارح المحقق فى هذا المقام كلام الآمدى ففسر مذهب الجبائى على خلاف ما هو المشهور عنه وظن أن للقاضى عبد الجبار مذهبًا آخر والحق أن مذهبه مذهب الجبائى إلا أن ما ذكر فى هذا المقام كلامه خاصة يتضح جميع ذلك بإيراد ملخص كلام الآمدى فى هذا المقام قال ذهب الجبائى وابنه القاضى عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره ويرد عليهم أنه لو امتنع تأخير البيان فإما لذاته وهو باطل وإما لغيره وليس سوى جهل المكلف بالمراد إذ لا يحصل من البيان إلا العلم به فيلزم أن يمتنع تأخير بيان النسخ لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال على التكرار ثم قال واعترض القاضى عبد الجبار قائلًا الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان المجمل هو أن الأول مما لا يخل بالتمكن من الفعل فى وقته بخلاف تأخير بيان صفة العبادة، فإنه لا يتأتى منه فعل العبادة فى وقتها للجهل بصفتها والفرق بين تأخير بيان تخصيص العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين الأول: إن الطلب المطلق الذى أريد نسخه معلوم أن حكمه مرتفع لعلمنا بانقطاع التكليف ولا كذلك المخصوص الثانى أن تأخير بيان تخصيص العموم مع تجويز إخراج بعض الأشخاص منه من غير تعيين يوجب الشك فى كل من المكلفين هل هو لمراد أم لا بخلاف تأخير بيان النسخ ثم أجاب الآمدى عن الأول والثالث بما فى المتن وعن الثانى بأن العلم بالارتفاع والانقطاع مما يعم التخصيص والنسخ، ثم قال ومن السنة الخاصة بالمجمل أنه لا فرق بين الخطاب بالمجمل والخطاب بلغة يضعها المخاطب مع نفسه من غير بيان وهذا ما بينه المحقق بطريق السؤال والجواب ونبه عليه المصنِّفُ بقوله ثم يبين مراده ثم أجاب عنه بما فى الكتاب، ومعنى يطيع ويعصى بالعزم أى على الفعل والترك وقد سقط لفظة وتركه من بعض نسخ الشرح فيحتمل أن يكون المراد بفعله أعم من الإتيان بالمأمور به والكف عنه أو المراد أنه بالعزم على فعله يطيع فى الواجب ويعصى فى المحرم وقد ظهر بما ذكرنا وجه ما وقع فى المتن أوّلًا لفظ قالوا، وثانيًا لفظ قال، وأن ما ذكره المحقق من قالوا أوّلًا، وقالوا ثانيًا، ليس على ما ينبغى وأن ما ذكره العلامة من أن المصنِّف لو لم يوسط شبهة ما نفى تأخير بيان المجمل بين قولى عبد الجبار لكان أحسن حسن.
стр. 1505
قوله: (فكان النسخ أجدر) أى أحق من التخصيص بأن يمنع تأخيره فيكون منع التأخير فى التخصيص وتجويزه فى النسخ قولًا باطلًا وما وقع فى الشارح من قوله فيكون تجويزه فى التخصيص دون النسخ قولًا باطلًا قول باطل وجعل ضمير تجويزه للمنع تمادٍ فى الباطل.
قوله: (ففسر مذهب الجبائى على خلاف ما هو المشهور عنه) تقدم عن الشارح ما يفيد أن مذهب الجبائى جواز تأخير النسخ وبيان المجمل مطلقًا وغيرهما يجوز تأخير البيان التفصيلى دون الإجمالى وهو خلاف ما صرح به الآمدى من أن الجبائى كالقاضى عبد الجبار وأنه يجوز تأخير النسخ دون غيره مطلقًا.
قوله: (معلوم أن حكمه مرتفع. . . إلخ) لا معنى لذلك قبل النسخ إذ لا علم وبعده العلم حاصل وكذا التخصيص ويظهر أن مراده الارتفاع والعلم بالانقطاع بعد ورود الناسخ وأما التخصيص بعد التعميم فإنما علم به الدفع لا الرفع، ويدفع بما أجاب به الآمدى بعد بأنه لا فرق بينهما فى المعنى وقوله ثم قال: ومن الشبه الخاصة بالمجمل القائل هو الآمدى والشبهة من الجبائى وابنه وعبد الجبار وقوله: وقد ظهر بما ذكرنا وجه ما وقع فى المتن أولًا لفظ قالوا أى لأنه من الشبه الواردة من الجميع وقوله وثانيًا لفظ قال أى لأن ذلك اعتراض القاضى عبد الجبار وقوله: وإن ما ذكره المحقق. . . إلخ. أجيب عنه بأنه نسبه إلى الجميع لأن قول رئيس قوم يصح أن ينسب له ولهم ولذا قال: كان عبد الجبار ومتابعوه وقوله لو لم يوسط شبهة مانعى تأخير بيان الحل أى التى ذكرها المصنف بقوله قالوا لو جاز. . . إلخ.
وقوله حسن رد بأن الشبه الثلاث يصح نسبتها لعبد الجبار فلا توسط بشئ ليس له وفيه أنه حينئذ كان حق المصنف أن يقول عبد الجبار ومتابعوه ولا يفرده بالقول فى الأول والأخير.
стр. 1506
قال: (مسألة: المختار على المنع جوازًا تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة للقطع بأنه لا يلزم منه محال ولعل فيه مصلحة. قالوا: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وأجيب بعد كونه للوجوب والفور أنه للقرآن).
أقول: إذا قلنا بجواز تأخير البيان بعد تبليغ الحكم إلى المكلف مجملًا فتأخير تبليغ الرسول ﵊ الحكم إلى وقت الحاجة أجدر بالجواز إذ لا يلزم منه شئ مما كان يلزم فى تأخير البيان من المفاسد، وأما على تقدير منعنا لتأخير البيان فقد اختلف فيه، والمختار جوازه، لنا القطع بأنه لا يلزم منه محال لذاته ولو صرح به لم يمتنع ولعله أوجب عليه المصلحة فى التأخير.
قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، والأمر للوجوب، وهو للفور وإلا لم يفد فائدة جديدة لأن وجوب التبليغ فى الجملة ضرورى يقضى به العقل.
الجواب: بعد تسليم أن الأمر للوجوب، بانتفاء التجوّز وأنه على الفور، لأنه خلاف المختار وما ذكرتموه ضعيف لجواز تقوية ما علم بالعقل بالنقل أن هذا الأمر ظاهر فى تبليغ لفظ القرآن لا فى كل الأحكام.
قوله: (وهو للفور) أى هذا الأمر الذى هو بلغ للفور لتظهر له فائدة وإن لم يكن مطلق الأمر للفور وأشار فى الجواب بقوله بانتفاء التجوز إلا أنا لا نمنع كون الأمر للوجوب على ما فى شرح العلامة بل نمنع كون هذا الأمر على حقيقته التى هى الوجوب ونمنع كونه للفور بما ذكرتم من الدليل لجواز أن لا يكون للفور ويفيد تأيد الفعل بالنقل وبهذا يظهر أن قوله لأنه خلاف المختار ليس على ما ينبغى لأن ذلك فى مطلق الأمر.
стр. 1507
قال: (مسألة: المختار على المنع جواز تأخير إسماع المخصص الموجود لنا أنه أقرب من تأخيره مع العدم وأيضًا فإن فاطمة رضى اللَّه عنها سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، [النساء: ١١]، ولم تسمع: "نحن معاشر الأنبياء. . "، وسمعوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولم يسمع الأكثر: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" إلا بعد حين).
أقول: إذا جوّزنا تأخير البيان وعدمه إلى وقت الحاجة فجواز إسماع العام للداخل تحت العموم مع عدم إسماع المخصص له، إلى وقت الحاجة أجدر بالجواز لأن عدم الإسماع أسهل من العدم وأما بناء على المنع من تأخير البيان فقد اختلف فيه والمختار جوازه.
لنا: أن تأخير إسماعه مع وجوده أقرب من تأخيره مع عدمه وقد بينا جواز ذلك وأنت تعلم أن ذلك لا يستقيم على المنع فليحمل كلامه على النزاع إنما هو المانع وقد أثبتنا معه الأبعد فالأقرب أجدر.
ولنا أيضًا: أن ذلك لو لم يجز لم يقع وقد وقع، فمنه: أن فاطمة رضى اللَّه عنها سمعت قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وهو عام ولم تسمع مخصصه، وهو قوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (*) إلا بعد حين.
ومنه: أن الصحابة سمعوا قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وهو عام ولم يسمعوا مخصصه وهو قوله ﷺ فى المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (**) إلا بعد حين.
قوله: (وعدمه) أى عدم البيان وقوله للداخل مفعول ثان للإسماع والمراد به المكلف الذى شمله العام وضمير له للداخل وضمير فيه لجواز الإسماع وضمير إسماعه ووجوده للمخصص وضمير تأخيره لإسماعه.
стр. 1508
قوله: (وأنت تعلم) يعنى إذا بنى الكلام على منع تأخير البيان وجعل النزاع فيما بين المانعين منه لم يستقم هذا الاستدلال أصلًا لأنهم لا يقولون بجواز تأخير البيان مع عدمه فيجب أن يحمل كلام المصنِّف على أنه نزاع مع من يمنع تأخير البيان بمعنى نحن نقول بجواز إسماع العام دون المخصص ونثبت ذلك بأنا أثبتنا على المانعين جواز تأخير إسماع المخصص مع عدمه فمع وجوده أولى لأنه مما يمكن أن يسمع فى الجملة.
стр. 1509
قال: (مسألة: المختار على التجويز جواز بعض دون بعض، لنا أن المشركين بين فيه الذمى ثم العبد ثم المرأة بتدريج وآية الميراث بين ﵊ الكافر والقاتل بتدريج. قالوا: يوهم الوجوب فى الباقى وهو تخييل قلنا إذا جاز إيهام الجميع فبعضه أولى).
أقول: إذا منعنا تأخير المخصصى مثلًا فلا يجوز ذكر بعض المخصصات دون بعض ضرورة، وأما إذا جوّزناه فهل يجوز ذلك أو يجب إذا ذكر بعض أن يذكر الجميع فيه خلاف والمختار الجواز لنا أن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، بين فيه إخراج أهل الذمة ثم العبد ثم المرأة بالتدريج وكذا فى آية السرقة والميراث وغيرهما، قالوا: تخصيص البعض يوهم وجوب الاستعمال فى الباقى وأنه تخييل فيمتنع من الشارع.
الجواب: لا نسلم امتناعه منه وأن العموم مع تأخير البيان يوهم وجوب الاستعمال فى جميع ما أخرج وهذا يوهم وجوب استعماله فى بعضه وإذا جاز إيهام الجميع فإيهام البعض أولى بالجواز.
قال: (مسألة: يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعًا، والأكثر يكفى بحيث يغلب انتفاؤه، القاضى: لا بد من القطع بانتفائه وكذلك كل دليل مع معارضه، لنا لو اشترط القطع لبطل العلم بالأكثر، قالوا: ما كثر البحث فيه تفيد العادة القطع وإلا فبحث المجتهد يفيده لأنه لو أريد لاطلع عليه ومنعًا وأسند بأنه قد يجد ما يرجع إليه).
أقول: نقل المصنِّفُ أن العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص ممتنع إجماعًا ثم اختلفوا فى مبلغ البحث فقال الأكثر يكفى بحث يغلب على النفس ظن انتفاء المخصص، وقال القاضى: لا يكفى ذلك بل لا بد من القطع بانتفائه، وهذا الخلاف لا يختص بهذه المسألة بل كل دليل مع معارضه كذلك لنا لو اشترط القطع لبطل العمل بأكثر العمومات المعمول بها، اتفاقًا إذ القطع لا سبيل إليه والغاية عدم الوجدان.
قالوا: إن كانت المسألة مما كثر فيها البحث قطعًا ولم يطلع على تخصيص فالعادة قاضية بالقطع بانتفائه إذ لو كان لوجد مع كثرة البحث قطعًا وإن لم يكن مما كثر فيه البحث فبحث المجتهد يوجب القطع بانتفائه لأنه لو أريد بالعام الخاص
стр. 1510
لاطلع عليه إذ الحكم مع عدم اطلاعه على المخصص هو العموم قطعًا.
الجواب: منع المقدمتين وهو العلم عادة عند كثرة البحث والعلم بالدليل عند بحث المجتهد وأسند بأنه كثيرًا ما يبحث أو يبحث فيحكم ثم يجد ما يرجع به عن حكمه وهو ظاهر.
قوله: (نقل المصنِّف) يشير إلى أن الصيرفى مخالف فلا إجماع لكن ذكر الشارح العلامة أن مراده أنه قبل وقت العمل وقبل ظهور المخصص يجب اعتقاد عمومه جزمًا ثم إن لم يبين الخصوص فذاك وإلا تغير الاعتقاد صرح بذلك إمام الحرمين، ثم قال: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار فى عناد، وقال الإمام الغزالى لا خلاف فى أنه لا تجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن المخصص لأن شرط دلالة العام انتفاء المخصص وكذا كل دليل يمكن أن يكون له معارض فهو إنما يكون دليلًا بشرط السلامة عن المعارضة فلا بد من معرفة الشرط وبهذا يظهر أن معنى فوله وكذلك كل دليل مع معارضه أنه يمتنع العمل به قبل البحث عن المعارض وأنه يكفى غلبة الظن عندنا ويشترط القطع عند القاضى.
قوله: (لاطلع عليه) أى لكان من المتكلم إطلاع للمخاطب على أنه أريد بالعام الخاص لأن حكم العام مع عدم إطلاعه المخاطب على المخصص عموم قطعًا بحيث لا يحتمل الخصوص إذ لا معنى للتخصيص سوى نصب دليل يفيد الإطلاع على قصر العام على البعض.
قوله: (كثيرًا ما يبحث) على لفظ المبنى للمفعول أى تكون المسألة مما كثر فيها البحث أو يبحث على لفظ المبنى للفاعل أى المجتهد.
قوله: (إن مراده) أى الصيرفى وقوله قبل وقت العمل. . . إلخ. أى وهذا لا ينافى أنه فى وقت العمل يجب البحث قبل المخصص.
قوله: (وهذا غير معدود. . . إلخ) أى لأن الاعتقاد المذكور لا نزاع فيه.