قال: (مسألة: المختار على المنع جوازًا تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة للقطع بأنه لا يلزم منه محال ولعل فيه مصلحة. قالوا: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، وأجيب بعد كونه للوجوب والفور أنه للقرآن).
أقول: إذا قلنا بجواز تأخير البيان بعد تبليغ الحكم إلى المكلف مجملًا فتأخير تبليغ الرسول ﵊ الحكم إلى وقت الحاجة أجدر بالجواز إذ لا يلزم منه شئ مما كان يلزم فى تأخير البيان من المفاسد، وأما على تقدير منعنا لتأخير البيان فقد اختلف فيه، والمختار جوازه، لنا القطع بأنه لا يلزم منه محال لذاته ولو صرح به لم يمتنع ولعله أوجب عليه المصلحة فى التأخير.
قالوا: قال اللَّه تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، والأمر للوجوب، وهو للفور وإلا لم يفد فائدة جديدة لأن وجوب التبليغ فى الجملة ضرورى يقضى به العقل.
الجواب: بعد تسليم أن الأمر للوجوب، بانتفاء التجوّز وأنه على الفور، لأنه خلاف المختار وما ذكرتموه ضعيف لجواز تقوية ما علم بالعقل بالنقل أن هذا الأمر ظاهر فى تبليغ لفظ القرآن لا فى كل الأحكام.
قوله: (وهو للفور) أى هذا الأمر الذى هو بلغ للفور لتظهر له فائدة وإن لم يكن مطلق الأمر للفور وأشار فى الجواب بقوله بانتفاء التجوز إلا أنا لا نمنع كون الأمر للوجوب على ما فى شرح العلامة بل نمنع كون هذا الأمر على حقيقته التى هى الوجوب ونمنع كونه للفور بما ذكرتم من الدليل لجواز أن لا يكون للفور ويفيد تأيد الفعل بالنقل وبهذا يظهر أن قوله لأنه خلاف المختار ليس على ما ينبغى لأن ذلك فى مطلق الأمر.
стр. 1507
قال: (مسألة: المختار على المنع جواز تأخير إسماع المخصص الموجود لنا أنه أقرب من تأخيره مع العدم وأيضًا فإن فاطمة رضى اللَّه عنها سمعت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، [النساء: ١١]، ولم تسمع: "نحن معاشر الأنبياء. . "، وسمعوا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولم يسمع الأكثر: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" إلا بعد حين).
أقول: إذا جوّزنا تأخير البيان وعدمه إلى وقت الحاجة فجواز إسماع العام للداخل تحت العموم مع عدم إسماع المخصص له، إلى وقت الحاجة أجدر بالجواز لأن عدم الإسماع أسهل من العدم وأما بناء على المنع من تأخير البيان فقد اختلف فيه والمختار جوازه.
لنا: أن تأخير إسماعه مع وجوده أقرب من تأخيره مع عدمه وقد بينا جواز ذلك وأنت تعلم أن ذلك لا يستقيم على المنع فليحمل كلامه على النزاع إنما هو المانع وقد أثبتنا معه الأبعد فالأقرب أجدر.
ولنا أيضًا: أن ذلك لو لم يجز لم يقع وقد وقع، فمنه: أن فاطمة رضى اللَّه عنها سمعت قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وهو عام ولم تسمع مخصصه، وهو قوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" (*) إلا بعد حين.
ومنه: أن الصحابة سمعوا قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وهو عام ولم يسمعوا مخصصه وهو قوله ﷺ فى المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (**) إلا بعد حين.
قوله: (وعدمه) أى عدم البيان وقوله للداخل مفعول ثان للإسماع والمراد به المكلف الذى شمله العام وضمير له للداخل وضمير فيه لجواز الإسماع وضمير إسماعه ووجوده للمخصص وضمير تأخيره لإسماعه.
стр. 1508
قوله: (وأنت تعلم) يعنى إذا بنى الكلام على منع تأخير البيان وجعل النزاع فيما بين المانعين منه لم يستقم هذا الاستدلال أصلًا لأنهم لا يقولون بجواز تأخير البيان مع عدمه فيجب أن يحمل كلام المصنِّف على أنه نزاع مع من يمنع تأخير البيان بمعنى نحن نقول بجواز إسماع العام دون المخصص ونثبت ذلك بأنا أثبتنا على المانعين جواز تأخير إسماع المخصص مع عدمه فمع وجوده أولى لأنه مما يمكن أن يسمع فى الجملة.
стр. 1509
قال: (مسألة: المختار على التجويز جواز بعض دون بعض، لنا أن المشركين بين فيه الذمى ثم العبد ثم المرأة بتدريج وآية الميراث بين ﵊ الكافر والقاتل بتدريج. قالوا: يوهم الوجوب فى الباقى وهو تخييل قلنا إذا جاز إيهام الجميع فبعضه أولى).
أقول: إذا منعنا تأخير المخصصى مثلًا فلا يجوز ذكر بعض المخصصات دون بعض ضرورة، وأما إذا جوّزناه فهل يجوز ذلك أو يجب إذا ذكر بعض أن يذكر الجميع فيه خلاف والمختار الجواز لنا أن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، بين فيه إخراج أهل الذمة ثم العبد ثم المرأة بالتدريج وكذا فى آية السرقة والميراث وغيرهما، قالوا: تخصيص البعض يوهم وجوب الاستعمال فى الباقى وأنه تخييل فيمتنع من الشارع.
الجواب: لا نسلم امتناعه منه وأن العموم مع تأخير البيان يوهم وجوب الاستعمال فى جميع ما أخرج وهذا يوهم وجوب استعماله فى بعضه وإذا جاز إيهام الجميع فإيهام البعض أولى بالجواز.
قال: (مسألة: يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعًا، والأكثر يكفى بحيث يغلب انتفاؤه، القاضى: لا بد من القطع بانتفائه وكذلك كل دليل مع معارضه، لنا لو اشترط القطع لبطل العلم بالأكثر، قالوا: ما كثر البحث فيه تفيد العادة القطع وإلا فبحث المجتهد يفيده لأنه لو أريد لاطلع عليه ومنعًا وأسند بأنه قد يجد ما يرجع إليه).
أقول: نقل المصنِّفُ أن العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص ممتنع إجماعًا ثم اختلفوا فى مبلغ البحث فقال الأكثر يكفى بحث يغلب على النفس ظن انتفاء المخصص، وقال القاضى: لا يكفى ذلك بل لا بد من القطع بانتفائه، وهذا الخلاف لا يختص بهذه المسألة بل كل دليل مع معارضه كذلك لنا لو اشترط القطع لبطل العمل بأكثر العمومات المعمول بها، اتفاقًا إذ القطع لا سبيل إليه والغاية عدم الوجدان.
قالوا: إن كانت المسألة مما كثر فيها البحث قطعًا ولم يطلع على تخصيص فالعادة قاضية بالقطع بانتفائه إذ لو كان لوجد مع كثرة البحث قطعًا وإن لم يكن مما كثر فيه البحث فبحث المجتهد يوجب القطع بانتفائه لأنه لو أريد بالعام الخاص
стр. 1510
لاطلع عليه إذ الحكم مع عدم اطلاعه على المخصص هو العموم قطعًا.
الجواب: منع المقدمتين وهو العلم عادة عند كثرة البحث والعلم بالدليل عند بحث المجتهد وأسند بأنه كثيرًا ما يبحث أو يبحث فيحكم ثم يجد ما يرجع به عن حكمه وهو ظاهر.
قوله: (نقل المصنِّف) يشير إلى أن الصيرفى مخالف فلا إجماع لكن ذكر الشارح العلامة أن مراده أنه قبل وقت العمل وقبل ظهور المخصص يجب اعتقاد عمومه جزمًا ثم إن لم يبين الخصوص فذاك وإلا تغير الاعتقاد صرح بذلك إمام الحرمين، ثم قال: وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار فى عناد، وقال الإمام الغزالى لا خلاف فى أنه لا تجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن المخصص لأن شرط دلالة العام انتفاء المخصص وكذا كل دليل يمكن أن يكون له معارض فهو إنما يكون دليلًا بشرط السلامة عن المعارضة فلا بد من معرفة الشرط وبهذا يظهر أن معنى فوله وكذلك كل دليل مع معارضه أنه يمتنع العمل به قبل البحث عن المعارض وأنه يكفى غلبة الظن عندنا ويشترط القطع عند القاضى.
قوله: (لاطلع عليه) أى لكان من المتكلم إطلاع للمخاطب على أنه أريد بالعام الخاص لأن حكم العام مع عدم إطلاعه المخاطب على المخصص عموم قطعًا بحيث لا يحتمل الخصوص إذ لا معنى للتخصيص سوى نصب دليل يفيد الإطلاع على قصر العام على البعض.
قوله: (كثيرًا ما يبحث) على لفظ المبنى للمفعول أى تكون المسألة مما كثر فيها البحث أو يبحث على لفظ المبنى للفاعل أى المجتهد.
قوله: (إن مراده) أى الصيرفى وقوله قبل وقت العمل. . . إلخ. أى وهذا لا ينافى أنه فى وقت العمل يجب البحث قبل المخصص.
قوله: (وهذا غير معدود. . . إلخ) أى لأن الاعتقاد المذكور لا نزاع فيه.
стр. 1511
(الظاهر والمؤول)
قال: (الظاهر والمؤوّل؛ الظاهر: الواضح، وفى الاصطلاح: ما دل دلالة ظنية، إما بالوضع كالأسد أو بالعرف كالغائط والتأويل من آل يؤول أى رجع، وفى الاصطلاح حمل الظاهر على المحتمل المرجوح وإن أردت الصحيح زدت بدليل يصيره راجحًا، الغزالى: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر، ويرد أن الاحتمال ليس بتأويل بل شرط وعلى عكسه التأويل المقطوع به).
أقول: من أقسام المتن: الظاهر والمؤوّل، فالظاهر فى اللغة هو: الواضح ومنه الظهر، وفى الاصطلاح: ما دل على معنى دلالة ظنية وعلى هذا فالنص وهو ما دل دلالة قطعية قسيم له وقد يفسر بأنه ما دل دلالة واضحة فيكون قسمًا منه ثم دلالته الظنية إما بالوضع كالأسد للحيوان المفترس، وإما بعرف الاستعمال كالغائط للخارج المستقذر إذ غلب فيه بعد أن كان فى الأصل للمكان المطمئن من الأرض، والتأويل مشتق من آل يؤول إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا، أى: رجع إليه، ومآل الأمر مرجعه، وفى الاصطلاح: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح وهذا يتناول التأويل الصحيح والفاسد فإن أردت تعريف التأويل الصحيح زدت فى الحد بدليل يصيره راجحًا لأنه بلا دليل، أو مع دليل مرجوح أو مساوٍ فاسد، وقال الغزالى: التأويل احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذى دل عليه الظاهر وهو ضعيف إذ يرد عليه أن الاحتمال ليس بتأويل، إنما التأويل هو الحمل عليه والاحتمال شرط له إذ لا يصح حمل اللفظ على ما لا يحتمله ويرد على عكسه التأويل المقطوع به فإنه تأويل ولا يصدق عليه الحد إذ لا يعضده دليل يصير به أغلب على الظن بل دليل يفيد القطع، وهو ضد الظن.
قوله: (دلالة ظنية) يخرج النص لكون دلالته قطعية والمجمل والمؤوّل لكون دلالتهما متساوية ومرجوحة فظاهر كلام المصنِّف أن قوله: إما بالوضع أو بالعرف من تمام الحد احترازًا عن المجاز وبه صرح الآمدى وكلام الشارح مشعر بأنه تقسيم للدلالة بعد تمام الحد فيدخل المجاز وهذا أقرب.
стр. 1512
قوله: (وقد يفسر) أى الظاهر مما يدل دلالة واضحة فيكون النص قسمًا من الظاهر، لأن الدلالة الواضحة أعم من الظنية والقطعية وكذا المبين يكون أخص منه لأن الدلالة الواضحة لا تقتضى سابقة احتياج إلى البيان.
قوله: (والتأويل) فإن قيل: من أقسام المتن الظاهر والمؤوّل فالمناسب تفسيرهما أو تفسير الظهور والتأويل قلنا: المشهور بحسب الاستعمال هو الظاهر دون الظهور، والتأويل دون المؤوّل ومراد الغزالى بالتأويل المؤوّل إليه أعنى المعنى الذى صرف إليه الظاهر كما فى قوله: التأويل قد يكون قريبًا فيترجح بأدنى مرجح وبالاحتمال المحتمل ومثل هذا شائع فى عبارة القوم وقَيَّد بغلبة الظن لما تقرر عندهم من أن التأويل ظن بالمراد والتفسير قطع به، وفى أصول الحنفية المؤوّل ما ترجح من بعض الوجوه المشترك بغالب الرأى فيندفع الاعتراضان وأضعف منهما اعتراض الآمدى بأنه لا يتناول ما يفيد أصل الظن دون غلبته.
قوله: (لكون دلالتهما متساوية ومرجوحة) لف ونشر مرتب وكون دلالة المؤول مرجوحة إنما هو بالنظر إلى مجرد إرادة خلاف الظاهر منه وإن كان لا بد من دليل يجعل هذا الاحتمال أرجح من الظاهر حتى يكون التأويل صحيحًا، ثم خروج المجمل والمؤول مبنى على أن المراد بالدلالة الظنية فى تعريف الظاهر الدلالة الراجحة.
قوله: (وكلام الشارح مشعر. . . إلخ) أى حيث قال: ثم دلالته الظنية إما بالوضع. . . إلخ.
قوله: (فيدخل المجاز) وعليه فتقسيم الشارح الدلالة الظنية إلى قسمين ليس حاصرًا وبعضهم قال: إن المجاز دلالته على المعنى المجازى مرجوحة فهو خارج.
قوله: (ومراد الغزالى. . . إلخ) شروع فى دفع الاعتراضين اللذين أوردهما المصنف.
قوله: (وأضعف منهما. . . إلخ) أى لأنه لا يكفى فى التأويل مجرد الظن.
стр. 1513
قال: (وقد يكون قريبًا فيترجح بأدنى مرجح وقد يكون بعيدًا فيحتاج إلى الأقوى وقد يكون متعذرًا فيرد، فمن البعيد تأويل الحنفية قوله عليه الصلاة السلام لابن غيلان وقد أسلم على عشر نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" أى ابتدئ النكاح، أو أمسك الأوائل، فإنه يبعد أن يخاطب بمثله متجدد فى الإسلام من غير بيان مع أنه لم ينقل تجديد قط، وأما تأويلهم قوله ﵊ لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين: "أمسك أيتهما شئت" فأبعد لقوله أيتهما، ومنها قولهم فى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، أى إطعام طعام ستين مسكينًا لأن المقصود دفع الحاجة، وحاجة ستين كحاجة واحد فى ستين يومًا فجعل المعدوم مذكورًا والمذكور معدومًا مع إمكان قصده لفضل الجماعة، وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن، ومنها قولهم فى: "فى أربعين شاة، شاة" أى قيمة شاة، بما تقدَّم وهو أبعد إذ يلزم أن لا تجب الشاة وكل معنى إذا استنبط من حكم أبطله باطل، ومنها حمل "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل"، على الصغيرة والأمة والمكاتبة، وباطل أى يؤول إليه غالبًا لاعتراض الولى لأنها مالكة لبضعها فكان كبيع سلعة واعتراض الأولياء لدفع نقيصة إن كانت فأبطل ظهور قصد التعميم بتمهيد أصل مع ظهور أى مؤكدة بما وتكرير لفظ البطلان وحمله على نادر بعيد، كاللغز مع إمكان قصده لمنع استقلالها فيما يليق بمحاسن العادات، ومنها حملهم "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" على القضاء والنذر لما ثبت عنده من صحة الصيام بنية من النهار فجعلوه كاللغز فإن صح المانع من الظهور فليطلب أقرب تأويل ومنها حملهم ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، على الفقراء منهم لأن المقصود سد الخلة ولا خلة مع الغنى، فعطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة سبب الاستحقاق مع الغنى).
أقول: التأويل ثلاثة أقسام لأنه قد يكون قريبًا فيترجح لقربه بأدنى مرجح وقد يكون بعيدًا فيحتاج لبعده إلى المرجح الأقوى ولا يترجح بالمرجح الأدنى وقد يكون متعذرًا لا يحتمله اللفظ فلا يكون مقبولًا بل يجب رده والحكم ببطلانه وقد عدّ من تأويلات الحنفية عدة وحكم ببعدها فمنها تأويل قوله ﷺ لغيلان -وهو الصحيح وفى النسخ لابن غيلان وقد أسلم على عشر نسوة-: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن"، قالوا: مؤوّل إما بأن أمسك أى ابتدئ النكاح وفارق سائرهن أى
стр. 1514
لا تنكحهن وإما بأن أمسك أربعًا أى الأوائل منهن وفارق سائرهن، أى الأواخر، ولذلك يرون وجوب تجديد النكاح إن تزوجهن معًا وإمساك الأربع الأوائل إن تزوجهن مرتبًا، ويرى أنه يمسك فى الصورتين أى أربع شاء بلا تجديد، وجه بعده أن غيلان كان متجدد الإِسلام لا يعرف شيئًا من الأحكام حتى يخاطب بغير ظاهر اعتمادًا على سبق علمه ولا شك أنه يبعد خطاب مثله بمثله، هذا مع أنه لم ينقل تجديد قط لا منه ولا من غيره أصلًا مع كثرة إسلام الكفار المتزوّجين، ولو كان لنقل قطعًا، ومما يشبه ذلك تأويلهم قوله ﷺ لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين: "أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" بمثل ما مر، وهذا أبعد مما تقدَّم إذ فيه ما مر من وجهى البعد وهو تجديد إسلامه وعدم نقل التجديد ويختص بثالث وهو التصريح بقوله: "أيتهما شئت" فدل على أن الترتيب غير معتبر.
ومنها: تأويلهم قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، قالوا: المراد إطعام طعام ستين مسكينًا لأن المقصود دفع الحاجة وحاجة ستين شخصًا كحاجة واحد فى ستين يومًا، ولا فرق بينهما عقلًا، وجه بعده أنه جعل المعدوم وهو طعام ستين مذكورًا بحسب الإرادة والموجود وهو إطعام ستين مسكينًا عدمًا بحسب الإرادة مع إمكان أن يكون المذكور هو المراد لأنه لا يمكن أن يقصد إطعام الستين دون واحد فى ستين يومًا لفضل الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن، فيكون أقرب إلى الإجابة ولعل فيهم مستجابًا بخلاف الواحد.
ومنها: تأويلهم قوله: "فى أربعين شاة، شاة" (*). قالوا: المراد قيمة شاة لما تقدَّم أن المقصود دفع الحاجة، والحاجة إلى قيمة الشاة كالحاجة إلى الشاة، وهذا أبعد مما قبله لأنه إذا وجبما قيمة الشاة فلا يجب الشاة فيجب أن لا تكون مجزئة وأنها تجزئ اتفاقًا، وأيضًا فيرجع المعنى المستنبط من الحكم، وهو دفع الحاجة المستنبط من إيجاب الشاة على الحكم وهو وجوب الشاة بالإبطال وكل معنى إن استنبط من حكم أبطله فهو باطل، لأنه يوجب بطلان أصله المستلزم لبطلانه فيلزم من صحته اجتماع صحته وبطلانه وأنه محال فينتفى صحته فيكون باطلًا.
стр. 1515
ومنها: تأويلهم قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل"، قالوا: المراد بقوله: "أيما امرأة" إنما هى الصغيرة والأمة والمكاتبة، وبقوله: "فنكاحها باطل" أنه يؤول إلى البطلان غالبًا لاعتراض الولى عليه وإنما قلنا: المراد ذلك لأن المرأة غير من ذكرنا مالكة لبضعها ورضاها هو المعتبر فيصح كبيع سلعة تملكها، فإن قيل فكان ينبغى أن لا يجوز للولى الاعتراض كـ "فى بيع السلعة"، قلنا اعتراض الأولياء ههنا لدفع نقيصة إن كانت فإن الشهوة مع قصور النظر مظنة للوقوع فيها فإذا علم عدمها بعدم اعتراض الولى فقد حصل المقصود ولا يأتى مثله فى السلعة ووجه بعده أنه أبطل ظهور قصد النبى ﵊ التعميم فى كل امرأة بتمهيد أصل من الأصول، فإن واضعى القواعد إذا ذكروا حكمًا بلا تفصيل يفهم منه قصدهم العموم وجعل ذلك قاعدة كلية وإن لم يكن اللفظ صريحًا فى العموم فكيف واللفظ صريح فى العموم وهو: أى، وأيما من صيغ العموم سيما وهى مؤكدة بما فحمله على النادر وهى الصغيرة والأمة والمكاتبة، ثم حمل قوله: "باطل باطل باطل" بتكرير لفظ البطلان ثلاث مرات تأكيدًا يؤتى به نفيًا لاحتمال السهو والتجوّز على نادر أيضًا، وهو مصيره إلى البطلان عند اعتراض الولى لنقيصة إن كانت لا شك أنه بعيد ينزل منزلة اللغز، ولذلك لو قال: السيد لعبده أكرم أيما امرأة لقيتها ثم قال أردت المكاتبة عدّ لغزًا، هذا مع إمكان قصد تعميمه ويكون الغرض منع استقلال المرأة عن نهوضها بنفسها بما لا يليق بمحاسن العادات، نهوضها به بنفسها ولا شك أن نكاح نفسها من هذا القبيل يشهد به العرف ولا يمكن إنكاره.
ومنها: تأويلهم قوله ﷺ : "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل"، قالوا: هو محمول على قضاء الصوم ونذره، وإنما حملوه عليه لما ثبت عندهم من صحة الصيام بينة من النهار، ووجه بعده أنهم حملوه على النادر فصار أيضًا كاللغز فإن صح المانع من الحمل على الظاهر وهو ما زعموه دليلًا على صحة الصيام بنية من النهار فينبغى أن يطلب له أقرب تأويل مثل نفى الفضيلة.
ومنها: تأويلهم قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١]، فحملوه على الفقراء منهم لأن المقصود منه سد الخلة ولا خلة مع الغنى، ووجه بعده: أنهم عطلوا لفظ العموم مع ظهور أن القرابة ولو مع الغنى سبب مناسب للاستحقاق.
стр. 1516
قوله: (وهو الصحيح) إذ ليس فى أسامى الصحابة ابن غيلان، وإنما هو غيلان ابن سلمة بن شرحبيل الثقفى أسلم يوم الطائف وعنده عشر نسوة، كذا فى الاستيعاب وغيره من الكتب المعتبرة.
قوله: (لا منه ولا من غيره) نفى لما ذهب إليه الشارحون من أن المراد أنه لم ينقل أن غيلان جدد النكاح.
قوله: (وتضافر قلوبهم) بالضاد المعجمة هو التعاون والظاء من غلط الناسخ.
قوله: (على الحكم وبالإبطال) متعلق بـ "يرجع" والبارز من أبطله يرجع إلى حكم والمستتر وباقى الضمائر إلى معنى وضمير أنه إلى الاجتماع والغرض من هذا التطويل جعل قوله: وكل معنى إلخ وجهًا آخر فى البعد لا كما زعم الشارحون أنه من تتمة الأول بمعنى أن كل فرع إذا استنبط من أصل أبطل ذلك الفرع ذلك الأصل فهو باطل وذلك لأن مجرد مخالفة الإجماع مستقل بإبطال التأويل، لكن لا يخفى أن عدم وجوب الشاة لا يستلزم عدم إجزائها ليلزم مخالفة الإجماع وأن الحكم على تقدير هذا التأويل ليس وجوب الشاة بل قيمتها والعلة المستنبطة إنما تبطل وجوب الشاة، نعم لو قيل إنها تبطل وجوب القيمة الذى هو حكمها بناء على إجزاء الشاة واندفاع الشاة بها أيضًا لكان شيئًا لكن كلام الحنفية أن الواجب هو الشاة صورة أو معنًى، وأن التعليل يدفع الحاجة وإنجاز وعد رزق الفقراء إنما هو لإبطال قيد الشاة وتغيير وصف المنصوص أعنى الشاة صور ومعنى وذلك ثابت بضرورة النص أعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، على ما بين فى موضعه.
قوله: (قالوا: المراد بقوله أيما امرأة) ظاهر سوق كلام الشارح خصوصًا قوله: فحمله على نادر ثم حمل قوله. . . إلخ، مشعر بأنهم محتاجون إلى التأويل فى الموضعين حتى إن نكاح الصغيرة نفسها ليس بباطل بل يؤول إلى البطلان وليس كذلك بل المراد أنهم يؤوّلون: "أيما امرأة. . " بالصغيرة، والأمة، والمكاتبة، والمجنونة، ليكون باطل على حقيقته، أو يؤوّلون الباطل بما يؤول إلى البطلان ليكون أيما امرأة على عمومه ثم إن اعتراض الولى فى نكاح الحرة المكلفة نفسها إنما يكون فى غير الكفء والغبن الفاحش فى المهر وهو المعنى بالنقيصة ولا يخفى
стр. 1517
أنه ليس بغالب فقوله: يؤول إلى البطلان غالبًا ليس على ما ينبغى واعلم أنه إذا حمل الباطل على ما يؤول إليه وجب تخصيص: أيما امرأة بغير الصغيرة والأمة ونحوهما مما يبطل نكاحها حقيقة لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قوله: (قصد النبى ﵇ التعميم إلخ)، يعنى لما وقع فى بعض الشروح أن قوله تمهيد أصل متعلق بظهور على معنى أنه أبطل ظهور قصد العموم بسبب تمهيد أصل هو وضع الألفاظ العامة.
قوله: (وأيما من صيغ العموم) الظاهر وأنها فحمله مبتدأ خبره لا شك أنه بعيد وفيه إشارة إلى أن قول المصنِّف: فحمله على نادر إشارة إلى التأويلين جميعًا وأنه مبتدأ خبره قوله: بعيد وكاللغز حال أو خبر بعد خبر وفى بعض الشروح أنه على لفظ الفعل عطفًا على أبطل وبعيد وكاللغز صفتان لنادر أى حمل التأويل أو القائل به الحديث على نادر بعيد بمنزلة اللغز لخفائه وبعده عن الفهم.
قوله: (عن نهوضها) متعلق باستقلال ولا يخفى ما فيه من النبوة إذ لا يقال منعت استقلال الرجل عن فعل كذا بل منعته عن الاستقلال به أو منعت استقلاله به، وكأنه وقع فى نسخة الشارح: فيما لا يليق، وفى جميع النسخ: فيما يليق؛ أى فى الأمر الذى يليق بمحاسن العادات منع الاستقلال فيه.
المصنف: (وقد يكون متعذرًا) رد بأنه لا تأويل فلا معنى حينئذ لجعله قسمًا من التأويل.
المصنف: (أى ابتدئ النكاح أو أمسك الأوائل) أى مؤول بالحمل على ابتداء النكاح إن تزوجهن معًا وبإمساك الأوائل منهن إن تزوجهن مرتبات، وفى التحرير أن الحق خلاف تأويل الحنفية فى حديث غيلان وفيروز الديلمى وذلك الخلاف هو قول محمد بن الحسن ومالك والشافعى.
المصنف: (لقوله أيتهما) أى فلا يناسب أن الإمساك عند التزوج مرتبًا أن يقال أيتهما نعم إن قيل: إنه محمول على المعية فيؤول امسك بابتد نكاح أيتهما لم يتأت وجه لبعد الأخير.
المصنف: (ومنها قولهم فى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]) أى إطعام طعام ستين مسكينًا أجاب الحنفية عن ذلك بأنهم لم يؤولوا بذلك ولم يريدوا تقدير
стр. 1518
مضاف بل لفظ الستين على معناه وإنما قيس الواحد فى الستين يومًا على الستين مسكينًا لظهور أن المناط دفع هذا المبلغ فى الحاجات.
المصنف: (ومنها قولهم: "فى أربعين شاة شاة" أى قيمة شاة) أجاب الحنفية عنه أيضًا بأن المراد بالقيمة مالية الشاة والمالية موجودة فى الشاة والشاة ذكرت معيار العرفة الواجب وقوله: وكل معنى استنبط. . . إلخ. مردود بأن المعنى المستنبط ههنا يخرجه من الخصوص إلى العموم لا يبطله.
المصنف: (ومنها حمل أيما امرأة نكحت نفسها. . . إلخ) رد الحنفية ذلك بأن التأويل إنما هو على التنزل وإلا فالحديث ضعيف وعلى تسليم صحته فقد عملوا بما هو أصح منه وهو رواية مسلم: الأيم أحق بنفسها من وليها وهى من لا زوج لها بكرًا أو ثيبًا وليس للولى حق فى نفسها سوى التزويج وهى أحق به منه ويؤيد ذلك إسناد النكاح إليها بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فإذا صحت مباشرتها للتزوج لحديث مسلم وإشارة قوله تعالى فلا بد، أما التخصيص بالأمة والصغيرة ونظائرهما وتخصيص العام ليس من المحتملات البعيدة وأما التأويل بالأول إلى البطلان.
المصنف: (على الصغيرة والأمة) أى على أحدهما أو جميعهما وقول المصنف وباطل حقه أو باطل بأو.
المصنف: (ومنها حملهم لا صيام لمن لم يبيت. . . إلخ) رد ذلك الحنفية بأنهم يؤولون بنفى الكمال أولًا ثم يتنزلون فيؤولون بتخصيص العام.
المصنف: (والنذر) أى المطلق.
المصنف: (فإن صح المانع من الظهور. . . إلخ) أما فى النفل فما فى الصحيح عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال لى رسول اللَّه ﷺ ذات يوم: هل عندكم شئ فقلت: يا رسول اللَّه ما عندنا شئ فقال: فإنى إذًا صائم وأما فى الفرض ففى أداء الصيام لرمضان حيث ثبتت الرؤية نهارًا، وقد صح أن النبى ﷺ أمر رجلًا من أسلم أن أذن فى الناس أن من أكل فلا يأكل بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم وكان ذلك فى يوم عاشوراء وكان فرضًا أولًا ومثله فى صوم رمضان.
الشارح: (ويرى أنه يمسك. . . إلخ) أى يرى المصنف ومن على شاكلته.
قوله: (وذلك ثابت بضرورة النص) أعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
стр. 1519
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، على ما بين فى موضعه أبى حيث قيل: إن اللَّه تعالى وعد بإيصال الأرزاق للعبيد كلهم ثم أعطى الأغنياء من المال ولم ينجز فى حق الفقراء ثم أوجب فى أموال الأغنياء حقًا له ثم أحال رزق الفقراء عليه فقد أنجز وعده والرزق أنواع مختلفة من الأكل والشرب واللبس وغيرها ولا يفيها نوع واحد من المال فعلم أن الاستبدال جائز. اهـ. من شرح مسلم الثبوت.
قوله: (حتى إن نكاح الصغيرة نفسها ليس بباطل بل يؤول إلى البطلان وليس كذلك) فيه أن نكاح الصغيرة نفسها عند الحنفية ليس بباطل بل موقوف على إجازة الولى فقوله وليس كذلك ليس كذلك.
قوله: (ليكون باطل على حقيقته) غير صحيح بالنسبة للصغيرة والمكاتبة وصحيح بالنسبة للمجنونة وقوله: على معنى أنه أبطل. . . إلخ. من تتمة كلام بعض الشروح الذى نفى الشارح المحقق أن يكون كلام المصنف محمولًا عليه بل هو محمول على أن التعميم بتمهيد الأصل من حيث إن واضعى الأصول إذا ذكروا حكمًا بلا تفصيل يفهم منه أن قصدهم العموم.
стр. 1520
قال: (وعدّ بعضهم حمل مالك ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ. .﴾ إلى آخرها على بيان المصرف، من ذلك وليس منه لأن سياق الآية قبلها من الرد على لمزهم فى المعطين ورضاهم فى إعطائهم وسخطهم فى منعهم يدل عليه).
أقول: حمل مالك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. . .﴾ [التوبة: ٦٠]، الآية على أنه لبيان المصرف لا للاستحقاق، فعدّه بعض العلماء من ذلك أى من التأويلات البعيدة لكون اللازم ظاهرًا فى الملكية، فقال المصنِّفُ ليس منه لأن سياق الآية قبلها، وهو الرد على لمزهم وطعنهم فى المعطين ورضاهم عنهم إذا أعطوهم وسخطهم عليهم إذا منعوهم اقتضى بيان المصرف لئلا يتوهم فى المعطين أنهم مختارون فى الإعطاء والمنع فيندفع اللمز فدل أن ذلك هو المراد، وقد يقال: إن ذلك يحصل ببيان الاستحقاق أيضًا فلا يصلح صارفًا عن الظاهر.
قوله: (لبيان المصرف) حتى يجوز الصرف إلى صنف واحد لا للاستحقاق حتى يجب الصرف إلى جميع الأصناف فعده بعض العلماء كإمام الحرمين وغيره من التأويلات البعيدة لأن الآية ظاهرة فى استحقاق جميع الأصناف ووجوب الاستيعاب حيث أضاف الصدقات إليهم بلام الملك وعطف البعض بلام التشريك وقال الإمام الغزالى: وليس كذلك لأن قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠] عطف على قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨] إلى قوله: ﴿رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]، أى منضم إليه متعلق به بمعنى أن طمعهم فى الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل، ثم عدّ شرط الاستحقاق ليبين من يجوز صرف الزكاة إليه، فهذا محتمل فإن منعه الشافعى فللقصور فى دليل التأويل لا لانتفاء الاحتمال وقال الآمدى: إن سلمنا أنه لبيان المصرف فلا نسلم أنه لا مقصود سواه فليكن الاستحقاق بصفة التشريك أيضًا مقصودًا عملًا بظاهر اللفظ.
الشارح: (وقد يقال: إن ذلك حاصل ببيان الاستحقاق أيضًا) يعنى أن السياق يجامع الظاهر الذى هو جعل اللام للملك وأن المستحقين هم الأصناف المذكورة وقوله: وقال الإمام الغزالى وليس كذلك عبارته فى المستصفى مسألة يقرب مما ذكرنا تأويل الآية فى مسألة أصناف الزكاة فقال قوم: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ
стр. 1521
لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]، الآية نص فى التشريك فالصرف إلى واحد إبطال له وليس كذلك عندنا بل هو عطف على قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا. . .﴾ [التوبة: ٥٨، ٥٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، يعنى أن طمعهم فى الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل ثم عدد شروط الاستحقاق ليعين مصرف الزكاة ومن يجوز صرف الزكاة إليه فهذا محتمل فإن منعه الشافعى فللقصور فى التأويل لا لانتفاء الاحتمال فهذا وأمثاله ينبغى أن يسمى نصًا بالوضع الأول أو الثالث أما بالوضع الثانى فلا. اهـ. فالغزالى يرد كون الآية نصًا فى الاستحقاق ولا يرد كونها ظاهرة فيه خلافًا لما يوهمه كلام المحشى وقول الغزالى: أن يسمى نصابًا لوضع الأول. . . إلخ. قد ذكر الغزالى فى هذا المقام قبل ذلك أن النص يطلق بإطلاقات ثلاثة الأول: اللفظ الذى يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع فهو بالإضافة إلى ذلك المعنى الغالب نص وظاهر الثانى: ما لا يتطرق إليه احتمال أصلًا الثالث: ما لا يتطرق إليه احتمال مقبول.
قوله: (فلا نسلم أنه لا مقصود سواه) أى حتى يجزى الصرف لواحد من صنف من الأصناف.
стр. 1522
(المنطوق والمفهوم)
قال: (المنطوق والمفهوم الدلالة: منطوق وهو ما دل عليه اللفظ فى محل النطق، والمفهوم بخلافه أى لا فى محل النطق).
أقول: ومن أقسام المتن: المنطوق والمفهوم، وذلك أن اللفظ إذا اعتبر بحسب دلالته فقد تكون دلالته بالمنطوق وبالمفهوم، فالمنطوق ما دل عليه اللفظ، فى محل النطق أى يكون حكمًا للمذكور وحالًا من أحواله سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أو لا والمفهوم بخلافه، وهو ما دل لا فى محل النطق بأن يكون حكمًا لغير المذكور وحالًا من أحواله وما ههنا مصدرية لتصلح قسمًا للدلالة.
قوله: (ومما ههنا مصدرية) هذا وإن كان مصححًا لكون المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة لكنه يحوج إلى تكلف عظيم فى تصحيح عبارات القوم لكونها صريحة فى كونها من أقسام المدلول كما قال الآمدى: المنطوق ما فهم من اللفظ قطعًا فى محل النطق والمفهوم ما فهم من اللفظ فى غير محل النطق فعلى ما ذكره الشارح المنطوق أن يدل اللفظ على معنى فى محل النطق واسم كان فى قوله أى يكون ضمير ذلك المعنى والمفهوم أن يدل اللفظ على معنى لا فى محل النطق بأن يكون ذلك المعنى حكمًا لغير المذكور والمنطوق الصريح ما وضع اللفظ له أى دلالة اللفظ على ما وضع له بالاستقلال أو بمشاركة الغير فيشمل المطابقة والتضمن وغير الصريح دلالة اللفظ على ما لم يوضع له وقوله: سواء ذكر ذلك الحكم أو لا ليعم الصريح وغير الصريح فإن الحكم فيه وإن لم يذكر ولم ينطق به لكنه من أحوال المذكور وأحكامه على ما سيجئ من الأمثلة فدلالة: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، على تحريم التأفيف منطوق صريح وعلى تحريم الضرب مفهوم، ودلالة: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى" على أن أكثر الحيض وأقل الطهر خمسة عشر يومًا, منطوق غير صريح والفرق بين المفهوم وغير الصريح من المنطوق محل نظر.
стр. 1523
المصنف: (وهو ما دل عليه اللفظ فى محل النطق) الضمير فى "عليه" راجع للمدلول المأخوذ من دل بناء على جعل "ما" مصدرية والمراد بالمدلول على ما شرح عليه العضد: الحكم والمراد بمحل النطق متعلق الحكم ومعنى كونه محل النطق أنه نطق باسمه والمعنى أن المنطوق دلالة اللفظ على حكم الشئ ذكر اسمه سواء ذكر ذلك الحكم كما فى قولك: تجب الزكاة فى الغنم السائمة فالحكم هو وجوب الزكاة قد ذكر ومحله وهو الغنم السائمة قد ذكر اسمه مطابقة أو لم يذكر الحكم كما إذا قيل: هل فى الغنم السائمة زكاة؟ فقال: فى الغنم السائمة فوجوب الزكاة ليس مذكورًا استغناء عن ذكره بالسؤال، لكن المحل وهو الغنم السائمة مذكور فمدار دلالة المنطوق على ذكر محل المحكم إلا أنه إن ذكر مطابقة أو تضمنًا فهو دلالة المنطوق الصريح، وإن ذكر التزامًا كما فى الاقتضاء والإشارة والإيماء فهو المنطوق غير الصريح ودرج ابن السبكى على أن المنطوق اسم للمعنى سواء كان حكمًا أو غيره وجعل المنطوق خاصًا بصريح وأما الاقتضاء وما معه فمن توابع المنطوق، ودرج الآمدى على أن الاقتضاء وما معه ليست من المنطوق ولا من المفهوم بل قسم ثالث وعلى ما درج عليه ابن السبكى والآمدى من أن المنطوق اسم للمعنى لا للدلالة كما لابن الحاجب، فمعنى قوله فى محل النطق فى مقام إيراد اللفظ الدال على ذلك المعنى أى فى المقام الأحق بالإيراد بأن يكون المعنى مدلولًا للفظ دلالة وضعية مطابقية أو تضمنية.
قوله: (على معنى فى محل النطق) أى على حكم متعلق بمحل نطق باسمه كما تقدم.
قوله: (وما وضع اللفظ له) أى ما وضع اللفظ لمحله يعنى أن يكون محل الحكم دل عليه اللفظ بالوضع بالاستقلال أو بالمشاركة وقوله: دلالة اللفظ على ما لم يوضع له أى على محل لم يوضع له، وقوله: ليعم الصريح وغيره فيه أن الصراحة وغيرها ليست تابعة لذكر الحكم وعدم ذكره بل تابعة لذكر متعلق الحكم وضعًا وعدم ذكره وضعًا بل التزام.
قوله: (وعلى تحريم الضرب مفهوم) إنما كانت الدلالة بالمفهوم لأن الضرب الذى هو محل الحكم غير مذكور فأثبت حكم المنطوق وهو التأفيف للمسكوت
стр. 1524
وهو الضرب.
قوله: (والفرق بين المفهوم وغير الصريح من المنطوق محل نظر) جنوح إلى ما قاله البيضاوى من جعله من قبيل المفهوم فيكون فى المنطوق غير الصريح أقوال ثلاثة قيل: إنه من توابع المنطوق وقيل: إنه منطوق غير صريح وقيل: إنه مفهوم واعلم أن تقسيم الدلالة إلى المنطوق والمفهوم اصطلاح الشافعية والمالكية، وأما الحنفية فيقسمون الدلالة أربعة أقسام: دلالة عبارة ودلالة إشارة ودلالة اقتضاء ودلالة دلالة فدلالة اللفظ على المعنى مقصودًا أصليًا أو غير أصلى ولو كان ذلك المعنى مدلولًا التزاميًا دلالة عبارة كدلالة قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، على الحل والحرمة والتفرقة بين البيع والربا فإن الدلالتين دلالة عبارة والدلالة الأولى على معنى مقصود غير أصلى، والثانية على معنى مقصود أصلى ودلالة اللفظ على ما لم يقصد به أصلًا وهو معنى لازم إشارة فهى الدلالة الالتزامية لمعنى لفظ لم يقصد بالسوق ويحتاج الوقوف عليها إلى تأمل كالاختصاص بالوالد نسبًا من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، دون الأم فينفرد بالنفقة ويتبع الولد أباه فى أهليته للإمامة وفى الكفاءة الثابتة للأب ونحو ذلك إلا ما أخرجه الدليل كالحرية والرقية فإنه يتبع فيهما أمه لا أباه ودلالة اللفظ على كون الحكم الذى ثبت للمنطوق للمسكوت لفهم مناطه بمجرد فهم اللغة دلالة الدلالة وتسمى دلالة معنى النص ودلالة اللفظ على مسكوت يتوقف صدق الكلام أو صحته العقلية أو الشرعية عليه دلالة اقتضاء، ولم يذكروا دلالة الإيماء والتنبيه فما سماه الحنفية إشارة واقتضاء جعله ابن الحاجب من المنطوق غير الصريح.
стр. 1525
قال: (والأول صريح وهو ما وضع اللفظ له وغير الصريح بخلافه، وهو ما يلزم عنه فإن قصد وتوقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه فدلالة اقتضاء مثل: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان"، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وأعتق عبدك عنى على ألف لاستدعائه تقدير الملك لتوقف العتق عليه، وإن لم يتوقف واقترن بحكم لو لم يكن لتعليله كان بعيدًا فتنبيه وإيماء كما سيأتى وإن لم يقصد فدلالة إشارة مثل: "النساء ناقصات عقل ودين"، قيل وما نقصان دينهن؟ قال ﵊: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى" فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ولكنه لزم من أن المبالغة فى نقصان دينهم تقتضى ذكر ذلك وكذلك: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وكذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، يلزم منه جواز الإصباح جنبًا، ومثله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. . .﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٧]).
أقول: المنطوق ينقسم إلى: صريح وغير صريح فالصريح ما وضع اللفظ له فيدل عليه بالمطابقة أو بالتضمن وغير الصريح بخلافه وهو ما لم يوضع اللفظ له بل يلزم مما وضع له فيدل عليه بالالتزام، وغير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة، لأنه إما أن يكون مقصودًا للمتكلم أو لا، فإن كان مقصودًا للمتكلم فذلك بحكم الاستقراء قسمان:
أحدهما: أن يتوقفما الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه وتسمى دلالة اقتضاء، أما الصدق فنحو: "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان" ولو لم يقدر المؤاخذة ونحوها لكان كاذبًا لأنهما لم يرفعا، وأما الصحة العقلية فنحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، إذ لو لم بقدر أهل القرية لم يصح عقلًا لأن سؤال القرية لا يصح عقلًا، وأما الصحة الشرعية فنحو قول القائل: أعتق عبدك عنى على ألف، لأنه يستدعى تقدير الملك أى مملكًا لى على ألف لأن العتق بدون الملك لا يصح شرعًا.
وثانيهما: أن يقترن بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدًا فيفهم منه التعليل ويدل عليه وإن لم يصرح به ويسمى تنبيهًا وإيماء وسيأتى فى باب القياس بأقسام مفصلة، وإن لم يكن مقصودًا للمتكلم سمى دلالة إشارة وضرب لها أمثلة، فمنها قوله ﵊ فى النساء: "إنهن ناقصات عقل ودين" فقيل: وما
стр. 1526
نقصان دينهن؟ قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلى" أى نصف دهرها، فدل على أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا وكذا أقل الطهر، ولا شك أن بيان ذلك غير مقصود لكن يلزم من حيث إنه قصد به المبالغة فى نقصان دينهن، والمبالغة تقتضى ذكر أكثر ما يتعلق به الغرض فلو كان زمان ترك الصلاة وهو زمان الحيض أكثر من ذلك أو زمان الصلاة وهو زمان الطهر أقل من ذلك لذكره ومنها قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، علم منهما أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ولا شك أنه ليس مقصودًا فى الآيتين بل المقصود فى الأولى بيان حق الوالدة وما تقاسيه من التعب فى الحمل والفصال وفى الثانية بيان أكثر مدة الفصال ولكن يلزم منه ذلك كما ترى، ومنها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، الآية، فإن قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، يعلم منه جواز الإصباح جنبًا، وعدم إفساده للصوم، ولا شك أنه لم يقصد فى الآية ولكن لزم من استغراق الليل بالرفث والمباشرة أنه إلى التطهر يكون جنبًا فى جزء من النهار قطعًا.
قوله: (بحكم الاستقراء) دفع لما ذكره العلامة من أن المصنِّف لما زاد على عدم التوقف قيد الاقتران الذى لم يذكره الآمدى ولا المنتهى بطل الانحصار بخروج ما لا يتوقف عليه ولا يقترن بحكم كذلك من الأقسام.
قوله: (وثمانيهما أن يقترن) أى الملفوظ الذى هو مقصود المتكلم بحكم أى وصف لو لم يكن ذلك الحكم أى الوصف لتعليل ذلك المقصود لكان اقترانه به بعيدًا مثل قصة الأعرابى فإنه اقترن الأمر بالإعتاق بالوقاع الذى لو لم يكن هو علة لوجوب الإعتاق لكان بعيدًا وسيصرح المصنِّفُ بهذا المعنى فى باب القياس والشارح بتفسير الحكم بالوصف وقد يتوهم من ظاهر العبارة أن المراد بالحكم هو الإعتاق وبالمقترن الوقاع والمقصود أن المقترن علة للحكم وفساده ظاهر على المتأمل.
قوله: (يعلم منه جواز الإصباح جنبًا) كلام المتن أن فى قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إشارة إلى جواز الإصباح جنبًا لأن الليلة اسم للمجموع فيجوز الجماع فى آخر جزء منها ويلزم الإصباح جنبًا وكذا فى قوله: ﴿فَالْآنَ
стр. 1527
بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ. .﴾ [البقرة: ١٨٧] لأن حل المباشرة إلى الفجر يقتضى ذلك وكلام الشارح قاصر عن هذا التقرير لكن قوله: من استغراق الليل بالرفث والمباشرة لا يخلو عن إشارة إلى الإشارتين فليتأمل.
الشارح: (فالصريح ما وضع اللفظ له) أى لمحله على ما علمت وقس ما ماثله.
стр. 1528
قال: (ثم المفهوم مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، فالأول أن يكون المسكوت موافقًا فى الحكم، ويسمى فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، كتحريم الضرب من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكالجزاء بما فوق المثقال من قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٧]، وتأدية ما دون القنطار من قوله: ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وعدم الأجر من ﴿لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وهو تنبيه بالأدنى فلذلك كان فى غيره أولى، ويعرف بمعرفة المعنى وهو أشد مناسبة فى المسكوت).
أقول: ما ذكرناه أقسام المنطوق، وأما المفهوم فينقسم إلى مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، لأن حكم غير المذكور إما موافق لحكم المذكور نفيًا وإثباتًا، أو لا: الأول: مفهوم الموافقة وهو أن يكون المسكوت عنه وهو الذى سماه غير محل النطق موافقًا فى الحكم للمذكور وهو ما سماه محل النطق وهذا يسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب وضرب له أمثلة، منها: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا. . .﴾ [الإسراء: ٢٣]، فعلم من حال التأفيف وهو محل النطق حال الضرب وهو غير محل النطق، مع الاتفاق وهو إثبات الحرمة فيهما. ومنها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، المذكور مثقال ذرة والمسكوت عنه ما فوقه والحكم يتحد وهو الجزاء بهما إذ الرؤية كناية عنه.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فعلم منه تأدية ما دون القنطار، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فعلم منه عدم تأدية ما فوق الدينار. وقوله: وهو تنبيه بالأدنى، أى مفهوم الموافقة تنبيه بالأدنى على الأعلى، فلذلك كان الحكم فى غير المذكور أولى منه فى المذكور فالجزاء بأكثر من المثقال أشد مناسبة منه بالثقال، والتأدية بالدينار أنسب منه بالقنطار وعدم التأدية بالقنطار أنسب منه بالدينار، ولا يمكن معرفة ذلك أعنى كون الحكم أشد مناسبة للحكم فى المسكوت عنه منه فى المذكور إلا باعتبار المعنى المناسب المقصود من الحكم كالإكرام فى منع التأفيف وعدم تضييع الإحسان والإساءة فى الجزاء والأمانة فى أداء القنطار وعدمها فى عدم أداء الدينار.
وقوله: تنبيه بالأدنى، أى بالأدنى وهو الأقل مناسبة على الأعلى وهو الأكثر
стр. 1529
مناسبة، وفى المنتهى بالأدنى على الأعلى، أو بالأعلى على الأدنى، ولا يخفى تقريره.
قوله: (لحن الخطاب) أى معناه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، واللحن قد يطلق على اللغة وعلى الفطنة وعلى الخروج عن الصواب.
قوله: (وهو تنبيه بالأدنى) المذكور فى الأصل أنه تنبيه بالأدنى على الأعلى أو بالأعلى على الأدنى فالأول كالتنبيه بالتأفيف والذرة والدينار على ما فوقها والثانى كالتنبيه بالقنطار على ما دونه وذكر العلامة أنه إنما لم يذكر فى المتن التبيه بالأعلى على الأدنى اعتمادًا على فهم المتعلم والشارح المحقق جعل التنبيه بالأدنى شاملًا لجميع الصور على ما هو دأبه فى التدقيق وحاصله أنه جعل الأدنى عبارة عن الأقل مناسبة لترتب الحكم عليه والأعلى عن الأكثر مناسبة له فالتأفيف أقل مناسبة بالتحريم من الضرب والذرة أقل مناسبة بالجزاء مما فوقها والقنطار أقل مناسبة بالتأدية مما دونه والدينار أقل مناسبة بعدم التأدية مما فوقه ولكون الأعلى المسكوت عنه أشد مناسبة كان الحكم فيه أولى من المذكور ولهذا احتيج إلى معرفة الحكم وكونه فى المسكوت عنه أشد مناسبة ومبنى هذا الكلام على أنه لا عبرة فى مفهوم الموافقة بالمساواة.
المصنف: (ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب) ففحوى الخطاب ولحنه مترادفان على معنى واحد وهو مفهوم الموافقة الأولى كما يدل عليه قوله: وهو تنبيه بالأدنى عن الأعلى وقيل: إن المفهوم الأولوى يسمى فحوى الخطاب، والمساوى لحن الخطاب وعلى الأول ينظر المفهوم المساوى من أى الدلالات هو.
стр. 1530
قال: (ومن ثمة قال قوم هو قياس جلى، لنا القطع بذلك لغة قبل شرع القياس، وأيضًا فأصل هذا قد يندرج فى الفرع مثل لا تعطه ذرة فإنها مندرجة فى الذرتين، قالوا: لولا المعنى لما حكم، وأجيب بأنه شرطه لغة ومن ثمة قال به النافى للقياس).
أقول: ومن أجل أن البعدية باعتبار معنى مناسب، قال قوم إنه قياس جلى وأنه غير سديد، لنا أنا قاطعون بإفادة هذه الصيغ لهذه المعانى قبل شرع القياس، وإن من أراد المبالغة قال لا تعطه ذرة وفهم المنع مما فوقها قطعًا مع قطع النظر عن الشرع فلا يكون قياسًا شرعيًا، ولنا أيضًا أن الأصل فى القياس لا يكون مندرجًا فى الفرع إجماعًا وههنا قد يكون مندرجًا مثل لا تعطه ذرة ويدل على عدم إعطاء الأكثر والذرة داخلة فى الأكثر وفى المقدمة الأولى مناقشة، قالوا: لو قطع النظر عن المعنى المشترك المناسب الوجب للحكم وعن كونه آكد فى الفرع لما حكم به ولا معنى للقياس إلا ذاك.
الجواب: أنه شرط لتناوله لغة لا أنه يثبت به الحكم حتى يكون قياسًا ولذلك إن كل من لا يقول بحجية القياس فهو قائل به، ولو كان قياسًا لما قال النافى للقياس به وقد يقال إن الجلى لم ينكر.
قوله: (قبل شرع القياس) إشارة إلى أن المراد أنه ليس من القياس الذى جعله الشارح حجة وإلا فلا نزاع فى أنه إلحاق لفرع بأصل لجامع إلا أن ذلك ما يعرفه كل من يعرف اللغة من غير افتقار إلى نظر واجتهاد بخلاف القياس الشرعى.
قوله: (مناقشة) إذ لا إجماع على امتناع قياس الكل على الجزء.
قوله: (إن الجلى لم ينكر) يعنى لا نافى للقياس الجلى الذى يعرف الحكم فيه بطريق الأولى حتى يصح أن يقال أنه قائل هذا المفهوم دون القياس ويجعل هذا حجة على أنه ليس بقياس والحق أن النزاع لفظى.
قوله: (والحق أن النزاع لفظى) أى راجع إلى التسمية فمن قال: يسمى قياسًا نظر لمجرد الإلحاق وإن كان الوصف المناسب للحكم شرطًا لتناوله لغة، ومن قال: لا يسمى قياسًا نظر لأن شرط القياس أن لا يكون الوصف الثانى الذى به الإلحاق شرطًا لتناول اللفظ له لغة.
стр. 1531
قال: (وقد يكون قطعيًا كالأمثلة وظنيًا كقول الشافعى فى كفارة العمد واليمين الغموس).
أقول: مفهوم الموافقة قد يكون قطعيًا وهو إذا كان التعليل بالمعنى وكونه أشد مناسبة للفرع قطعيين كالأمثلة المذكورة، وقد يكون ظنيًا، كما إذا كان أحدهما ظنيًا، كقول الشافعى: إذا كان القتل الخطأ يوجب الكفارة فالعمد أولى، وإذا كان اليمين غير الغموس يوجب الكفارة فالغموس أولى، وإنما قلنا إنه ظنى لجواز أن لا يكون المعنى ثمة الزجر الذى هو أشد مناسبة للعمد والغموس بل التدارك والتلافى للمضرة وربما لا يقبلها العمد والغموس لعظمهما.
قال: (مفهوم المخالفة أن يكون المسكوت عنه مخالفًا ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، مثل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦]، والغاية مثل: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والعدد الخاص، مثل ثمانين جلدة وشرطه أن لا تظهر أولوية ولا مساواة فى المسكوت عنه فيكون موافقة ولا خرج مخرج الأغلب، مثل: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها" ولا لسؤال ولا حادثة ولا تقدير جهالة أو خوف أو غير ذلك مما يقتضى تخصيصه بالذكر).
أقول: الثانى من قسمى المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفًا للمذكور فى الحكم إثباتًا ونفيًا ويسمى دليل الخطاب، وهو أقسام:
الأول: مفهوم الصفة، مثل: "فى الغنم السائمة زكاة"، يفهم منه أن ليس فى المعلوفة زكاة.
الثانى: مفهوم الشرط، مثل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، يفهم أنهم إن لم يكن أولات حمل فأجلهن بخلافه.
الثالث: مفهوم الغاية، مثل: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، مفهومه أنها إذا نكحت زوجًا غيره تحل.
الرابع: مفهوم العدد الخاص، مثل: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فيفهم أن الزائد على الثمانين غير واجب.
فهذا ما ذكره ومنه: مفهوم الاستثناء، مثل: لا إله إلا اللَّه، ومفهوم إنما، مثل: "إنما الأعمال بالنيات"، ومفهوم الحصر، مثل: العالم زيد، ثم ذكر أن شرط
стр. 1532
مفهوم المخالفة بأقسامه أمور:
الأول: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه، بالحكم، أو مساواته فيه وإلا استلزم ثبوت الحكم فى المسكوت عنه فكان مفهوم موافقة لا مخالفة.
الثانى: أن لا يكون قد خرج مخرج الأغلب المعتاد مثل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فإن الغالب كون الربائب فى الحجور ومن شأنهن ذلك فقيد به لذلك، لا لأن حكم اللاتى لسن فى الحجور بخلافه، ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وذلك أن الخلع غالبًا إنما يكون عند خوف أن لا يقوم كل من الزوجين بما أمر اللَّه فلا يفهم منه أن عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، ومثل قوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل"، فإن الغالب أن المرأة إنما تباشر نكاح نفسها عند منع الولى، فلا يفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن وليها لم يكن باطلًا.
الثالث: أن لا يكون لسؤال سائل عن المذكور ولا لحادثة خاصة بالمذكور مثل أن يسأل هل فى الغنم السائمة زكاة؟ فيقول فى الغنم السائمة زكاة أو يكون الغرض بيان ذلك لمن له السائمة دون المعلوفة.
الرابع: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه، وإلا فربما ترك التعرض له لعدم العلم بحاله، ولا يكون خوف يمنع عن ذكر حال المسكوت عنه أو غير ذلك مما يقتضى تخصيصه بالذكر فإن وجه الدلالة فيه أن للصفة فائدة وغير التخصيص بالحكم منتف فيدل عليه فإذا ظهرت فائدة أخرى بطل وجه دلالته عليه.
قوله: (ومنه) أى من مفهوم المخالفة مفهوم الاستثناء يعنى أنه وإن واقتصر فى هذا المقام على الأربعة لكثرتها وشهرتها لكن له أقسام أخر سنذكرها والمراد بالحصر ما يكون بطريق تقديم الوصف على الموصوف الخاص وجعله مبتدأ والموصوف خبرًا فلا يشمل الاستثناء وإنما ونحو ذلك ولا يخفى أن فى مثل لا إله إلا اللَّه، المفهوم هو أن اللَّه إله، ونفى إلهية الغير منطوق وفى: "إنما الأعمال بالنيات"، والعالم زيد المفهوم نفى أى لا عمل بدون النية ولا عالم غير زيد وأما بعض ما ذكره الآمدى كالتخصيص بالأوصاف التى تطرأ وتزول بالذكر وكمفهوم الاسم
стр. 1533
المشتق الدال على الجنس مثل: "لا تبيعوا الطعام بالطعام"، فراجع إلى مفهوم الصفة إذ المراد بها ما هو أعم من النعت النحوى ومما يجب التنبيه له أن المراد بتخصيص الوصف ما يفيد بعض الشيوع وقصر العام على البعض لا مجرد ذكر صفة لموصوف فلا يرد ما يكون لمدح أو ذم أو تأكيد أو نحو ذلك على ما توهمه صاحب التنقيح.
قوله: (فكان مفهوم موافقة) ظاهر فى أنه لا يشترط فى مفهوم الموافقة الأولوية بل تكفى المساواة وقد سبق خلاف ذلك وما ذكره العلامة من أن المراد أنه يكون مفهوم موافقة على تقدير الأولوية وأما على تقدير المساواة فلا مفهوم موافقة ولا مخالفة فبعيد من اللفظ.
قوله: (بغير إذن وليها) هو فى المعنى صفة للنكاح أى نكاحًا غير مقترن بإذن الولى أو للمرأة أى امرأة غير مأذونة من جهة الولى وبالجملة ذكر الإمام فى البرهان أن جميع جهات التخصيص راجعة إلى الصفة فإن المحدود والعدود موصوفان بعددهما وحدهما والمخصص بالكون فى زمان ومكان موصوف بالاستقرار فيهما.
قوله: (تقدير جهالة) الظاهر ما ذهب إليه المحقق من اعتبار الجهالة أو الخوف فى المتكلم إذ لا اختصاص للمفهوم بكلام الشارح حتى يمنع ذلك فيه إلا أن زيادة لفظة تقدير ربما تشعر بما ذهب إليه جمهور الشارحين من اعتباره فى جانب المخاطب بأن يكون الحكم فى المسكوت معلومًا له وفى المذكور مجهولًا فيحتاج إلى البيان ولم يتعرض العلامة للخوف سوى أن قال فيه نظر وتكلف بعضهم بأن المراد دفع خوف كما إذا قيل للخائف عن ترك الصلاة المفروضة فى أول الوقت يجوز ترك الصلاة المفروضة فى أول الوقت.
الشارح: (يفهم أنه إن لم يكن أولات حمل فأجلهن أن يضعن حملهن) الصواب بدل فأجلهن. . . إلخ. فلا إنفاق عليهن.
الشارح: (ولا يكون خوف. . . إلخ) نحو أن يقول حديث عهد بالإسلام لعبده بحضرة المسلمين تصدق بهذا الدينار على الفقراء المسلمين وهو يريد وغيرهم، وخص المسلمين بالذكر خوفًا من اتهامه بالنفاق.
стр. 1534
قوله: (ما يكون بطريق تقديم الوصف) الأولى ما يكون بطريق التقديم مطلقًا وقوله هو أن اللَّه إله الأولى هو أن اللَّه موجود والمنطوق نفى وجود غير اللَّه.
قوله: (كتخصيص الأوصاف. . . إلخ) نحو فى سائمة الغنم الزكاة فالسائمة فى هذا التركيب وإن لم يكن وصفًا نحويًا فهو وصف معنوى، وقوله التى يطرأ ويزول ربما يتقاضى الذهن طلب سبب التخصيص وإذا لم يجد حمله على انتفاء الحكم.
قوله: (فإن المحدود) أى المغيا بالغاية ثم فى جعل جميع الجهات التخصيص راجعة إلى التخصيص بالصفة نظر لأن بعض من قال بمفهوم الشرط أنكر مفهوم الصفة.
стр. 1535
قال: (وأما مفهوم الصفة فقال به الشافعى وأحمد والأشعرى، والإمام وكثير، ونفاه أبو حنيفة والقاضى والغزالى والمعتزلة، البصرى: إن كان للبيان كالسائمة أو للتعليم كالتخالف أو كان ما عدا الصفة داخلًا تحتها كالحكم بالشاهدين وإلا فلا المثبتون، قال أبو عبيد فى لى الواجد يحل عقوبته وعرضه يدل على أن لى من ليس بواجد لا يحل عقوبنه، وفى "مطل الغنى ظلم" مثله وقيل له فى قوله ﵊: "خير له من أن يمتلئ شعرًا" المراد الهجاء، أو هجاء الرسول ﷺ ، فقال: لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى لأن قليله كذلك فإلزام من تقدير الصفة المفهوم، وقال به الشافعى ﵀ وهما عالمان بلغة العرب، فالظاهر فهمهما ذلك لغة، قالوا: بنيا على اجتهادهما وأجيب بأن اللغة تثبت بقول الأئمة من أهل اللغة، ولا يقدح فيها التجويز، وعروض بمذهب الأخفش، وأجيب بأنه لم يثبت كذلك ولو سلم فما ذكرناه أرجح، ولو سلم فالمثبت أولى، وأيضًا لو لم يدل على المخالفة لم يكن لتخصيص محل النطق بالذكر فائدة، وتخصيص آحاد البلغاء بغير فائدة ممتنع فالشارع أجدر، اعترض لا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة، وأجيب بأنه يعلم بالاستقراء إذا لم تكن للفظ فائدة سوى واحدة تعينت وأيضًا ثبتت دلالة التنبيه بالاستبعاد اتفاقًا فهذا أولى، واعترض بمفهوم اللقب وأجيب بأنه لو أسقط لاختل الكلام فلا مقتضى للمفهوم فيه واعترض بأن فائدته تقوية الدلالة حتى لا يتوهم تخصيص، وأجيب بأن ذلك فرع العموم ولا قائل به، وإن سلم فى بعضها خرج فإن الفرض أنه لا شئ يقتضى تخصيصه سوى المخالفة واعترض بأن فائدته ثواب الاجتهاد بالقياس فيه، وأجيب بأنه بتقدير المساواة يخرج وإلا اندرج).
أقول: قد عرفت أقسام المفهوم جملة وهذا تفصيلها: أما مشهوم الصفة، فقال به الشافعى وأحمد والأشعرى، وكثير من العلماء، ونفاه أبو حنيفة والقاضى والغزالى والمعتزلة، وقال به أبو عبد اللَّه البصرى فى ثلاث صور دون ما عداها، إحداها: أن يكون ذكره للبيان، كما قال: "خذ من غنمهم صدقة" ثم بينه بقوله: "الغنم السائمة فيها زكاة"، وثانيتها: أن يكون للتعليم وتمهيد القاعدة كمخبر التخالف، وهو قوله: "إن تخالف المتبايعان فى القدر أو فى الصفة فليتحالفا وليترادا"، وثالثتها: أن يكون ما عدا الصفة داخلًا فيما له الصفة مثل أن يقول: "احكم بشاهدين" والشاهد الواحد داخل فيه، فيدل على عدم الحكم به، لنا أن
стр. 1536
أبا عبيد لما سمع قوله ﵇: "لى الواجد يحل عقوبته وعرضه" أى مطل الغنى يحل حبسه ومطالبته، قال: هذا يدل على أن لى غير الواجد لا يحل عقوبته وعرضه، ولما سمع قوله: "مطل الغنى ظلم"، قال يدل على أن مطل غير الغنى ليس بظلم، وقيل له فى قوله ﵊: "لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يتملئ شعرًا": المراد بالشعر هاهنا الهجاء مطلقًا، أو هجاء الرسول خاصة؟ فسمعه، فقال: "لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى لأن قليله وكثيره سواء فيه"، فجعل الامتلاء من الشعر فى قوة الشعر الكثير يوجب ذلك ففهم منه أن غير الكثير ليس كذلك فاحتج به فقد ألزم من تقدير الصفة المفهوم فكيف من التصريح بها هذا، وقد قال الشافعى بمفهوم الصفة، وهما عالمان بلغة العرب، فالظاهر فهمهما ذلك لغة، ولو لم يفده لغة لما فهم منه فظهر إفادته لغة، وهو المطلوب، واعترض عليه بأنا لا نسلم فهمهيا ذلك لغة، لجواز أن يبنيا على اجتهادهما.
الجواب: أن أكثر اللغة إنما يثبت بقول الأئمة رضى اللَّه عنهم أجمعين، معناه كذا وهذا التجويز قائم فيه وأنه لا يقدح فى إفادته الظن ولو كان قادحًا لما ثبت مفهوم شئ من اللغات، واعترض عليه أيضًا بالمعارضة بمذهب الأخفش، فإنه نفاه مع كونه عالمًا بالعربية، فدل أنه ليس من مفهوم اللغة.
الجواب: أنه لم يثبت نفى الأخفش له كما ثبت إثبات أبى عبيد والشافعى له، فإن أبا عبيد قد كرر ذلك فى مواضع كما علمت فصار القدر المشترك مستفيضًا والشافعى روى عنه أصحاب مذهبه مع كثرتهم والمخالفون له ولا كذلك الأخفش ولو سلم فمن ذكرناه وهو أبو عبيد والشافعى أرجح من الأخفش لأنهما اثنان أعظم منه فى العلم والشهرة ولو سلم فهما يشهدان بالإثبات وهو يشهد بالنفى، والمثبت أولى بالقبول من النافى، لأنه إنما ينفى لعدم الوجدان، وأنه لا يدل على عدم الوجود إلا ظنًا، والمثبت يثبت للوجدان وأنه يدل على الوجود قطعًا، ولنا أيضًا لو لم بدل على أن المراد مخالفة المسكوت عنه للمذكور فى الحكم لما كان لتخصيص المذكور بالذكر فائدة، إذ الفرض عدم فائدة غيره واللازم باطل لأنه لا يستقيم أن يثبت تخصيص آحاد البلغاء بغير فائدة فكلام اللَّه ورسوله أجدر، واعترض بأنه إثبات لوضع التخصيص لنفى الحكم عن المسكوت عنه بما فيه من
стр. 1537
الفائدة وأنه باطل لأنه لا يثبت لوضع ما فيه من الفائدة، وإنما يثبت بالنقل.
الجواب: لا نسلم أنه إثبات الوضع بالفائدة بل يثبت بطريق الاستقراء عنهم إن كل ما ظن أن لا فائدة للفظ سواه تعينت لا، أن تكون مرادة وهذه كذلك فاندرج فى القاعدة الكلية الاستقرائية، فكان إثباته بالاستقراء لا بالفائدة وأنه يفيد الظهور فيه فيكتفى به، ولنا أيضًا أنه ثبت دليل التنبيه والإيماء، وهو أن يذكر ما لو لم يرد به التعليل لكان بعيدًا والمفهوم لو لم تثبته لزم أن لا يكون الكلام مفيدًا ولا شك أن البعد أخف محذورًا من عدم الإفادة فإذا أثبتنا التنبيه حذرًا من لزوم البعيد فلأن نثبت المفهوم حذرًا من لزوم غير المفيد أجدر.
واعترض عليه بمفهوم اللقب إذ يجئ فيه مثل ذلك وهو أنه لو لم يثبت به نفى الحكم عما عداه لم يكن مفيدًا فيلزم أن يعتبر وليس بمعتبر اتفاقًا.
الجواب: أن اللقب لو أسقط لاختل الكلام فذكر لعدم الاختلال وهو أعظم فائدة فلم يصدق أنه لو لم يثبت المفهوم لم يكن ذكره مفيدًا وهو المقتضى لإثبات المفهوم فتنتفى دلالته على المفهوم.
واعترض أيضًا بأنا لا نسلم أنه لولا التخصيص فلا فائدة، بل فائدته تقوية دلالته على المذكور، لئلا يتوهم خروجه على سبيل التخصيص، فإنه لو قال: "فى الغنم زكاة" جاز أن يكون المراد المعلوفة تخصيصًا، فلما ذكر السائمة زال الوهم.
الجواب: أن ذلك فرع عموم مثل الغنم فى قوله: "فى الغنم السائمة زكاة" حتى يكون معناه فى الغنم سيما السائمة زكاة، وذلك مما لم يقل به أحد فيجب رده ولو سلم العموم فى بعض الصور كان خارجًا عن محل النزاع، لأن النزاع فيما لا شئ يقتضى التخصيص سوى مخالفة المسكوت عنه للمذكور ودفع وهم التخصيص فائدة سواها، واعترض أيضًا أن فائدته ثواب الاجتهاد بالقياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمذكور بمعنى جامع وهذه أيضًا فائدة فلا يتعين التخصيص.
الجواب: أنه بتقدير المساواة فى المعنى المقتضى للحكم يخرج عن محل النزاع إذ قد شرطنا عدم المساواة والرجحان، وأما إذا لم يساو فيندرج فى قولنا لا فائدة سوى التخصيص فينتفى ما ذكرتم ويتعين التخصيص فائدة.
قوله: (إن تخالف المتبايعان) كأنه نقل بالمعنى وإلا فلا يوجد بهذه العبارة فى
стр. 1538
الكتب المعتبرة ومع ذلك فهو من قبيل مفهوم الشرط وكأن البصرى لا يفرق بينهما أو يجعله فى معنى المتبايعان المتخالفان يتحالفان وكذا احكم بشاهدين من مفهوم العدد الخاص دون الصفة إلا أنك قد عرفت أن مرجع الكل إلى الصفة.
قوله: (أن أبا عبيد) هو معمر بن المثنى صرح بذلك الإمام فى البرهان والقول ما قال الإمام إلا أن المشهور فى أئمة اللغة أبو عبيد القاسم بن سلام على ما ذكره الآمدى فى الأحكام وكنية معمر بن المثنى إنما هو عبيدة بالتاء.
قوله: (هذا وقد قال) إشارة إلى قوله فى المتن، وقال به الشافعى جملة حالية من تتمة الدليل يعنى علم مما ذكرنا أن أبا عبيد يقول بالمفهوم والشافعى أيضًا قال به وهما من أئمة اللغة عالمان بها فالظاهر أنهما فهماه بحسب اللغة.
قوله: (فظهر إفادته لغة) وفى هذا إشارة إلى ما عليه الأكثرون من أن دليل إثبات المفهوم هو اللغة لا الشرع أو العرف العام على ما قيل.
قوله: (على اجتهادهما) لا يريد الاجتهاد فى الأحكام الشرعية بل النظر والاستدلال فى المباحث اللغوية وحاصل الجواب أن هذا المنع لا يضرنا لأنا لا ندعى القطع بمفهوم الصفة بل بالظن وهو حاصل بقولهما وهما من أئمة اللغة سواء استند قولهما إلى اجتهاد أو سماع أو غير ذلك كأكثر اللغات فإن طريق معرفتها قول الأئمة أن معنى هذا اللفظ كذا والتواتر قليل وبهذا سقط اعتراض العلامة بأن هذا مع كونه كلامًا على السند ضعيف لأن اللغة إنما تثبت بقولهم لو نقلوا عن العرب على أنهما لو نقلا يفد لكونه من أخبار الآحاد.
قوله: (ولنا أيضًا أنه ثبت دليل التنبيه) الصائر إليه الشارحون من أنه جواب ثان للاعتراض المذكور تقريره لا نسلم بطلان إثبات الوضع بالفائدة وأسند أنه إذا جاز ذلك تفاديًا عن لزوم المستبعد فالأولى أن يجوز تفاديًا عن لزوم الممتنع والشارح المحقق جعله دليلًا ثالثًا على المطلوب لكونه على وزان قوله وأيضًا لو لم يدل لكن لا يخفى أنه زيادة تقرير لا ابتداء استدلال وأنه لا وجه لتخصيص بعض الاعتراضات بأحد الوجهين والبعض الآخر وإن الأنسب حينئذٍ ترك الواو من قوله واعترض بمفهوم اللقب على ما هو دأبه أول فى الاعتراضات ولهذا تركه الشارح.
قوله: (لا نسلم أنه لولا التخصيص فلا فائدة) حاصل الدعوى أنه إذا لم تكن فائدة أخرى تعين المفهوم فائدة لئلا يلزم الخلو عن الفائدة وحاصل هذا الاعتراض
стр. 1539
والذى بعده أنا لا نسلم الخلو عن الفائدة الأخرى فى شئ من الصور بل تقوية الدلالة ونيل ثواب الاجتهاد فائدة فى كل صورة، وحاصل الجواب أن ما ذكرتم من الفائدة ليس بلازم فيجوز عدم الفائدة بحكم الأصل بل عدم ظهورها بحكم الوجدان وهو كاف فى المطلوب فيكون هذا دفعًا للمنع لا مجرد كلام على السند.
قوله: (وذلك) أى كون الغنم الموصوفة بالسائمة عامًا متناولًا للسائمة والمعلوفة مما لم يقل به أحد وإن كان الغنم بدون التقييد بالسائمة عامًا متناولًا لهما بالاتفاق.
الشارح: (أن يكون ما عدا الصفة) أى ما عدا ذا الصفة بدليل قوله داخلًا فيما له الصفة وبهذا يؤول قول الصنف.
الشارح: (لو كان كذلك) أى للهجاء مطلقًا أو هجاء الرسول ﵊ لم يكن لذكر الامتلاء معنى.
الشارح: (فجعل الامتلاء من الشعر فى قوة الشعر الكثير يوجب ذلك) الامتلاء مفعول أول لجعل، ويوجب المفعول الثانى له، وقوله فى قوة الشعر الكثير حال من الامتلاء أو صفة وإنما قيده بذلك لأن الشعر القليل مطلوب ولا لوم عليه.
الشارح: (ولنا أيضًا أنه ثبت دليل التنبيه. . . إلخ) هو راجع إلى الاستقراء فلا يقال: إنه إثبات للغة بالترجيح.
قوله: (فهو من قبيل مفهوم الشرط) قد يقال: إن محل الشاهد فيه هو قوله فى القدر أو الصفة وهو ظرف مجازى والتقييد بالظرف من قبيل التقييد بالوصف.
قوله: (سواء استند قولهما إلى اجتهاد) ظاهره أن الاجتهاد كاف وهو غير ما يفيده كلام الشارح والمصنف؛ فإن المستفاد منهما أننا لا نعول على احتمال اجتهادهما ويكفى ظن ناقلهما.
قوله: (ولهذا تركه الشارح) النسخة التى بأيدينا بالواو لا بدونها واعلم أن دلالة المفهوم دلالة مطابقة باعتبار الوضع النوعى للتركيب وقيل التزام لأن المسكوت عنه غير موضوع له ورد بأنه ليس لازمًا ذهنيًا وأجيب بأن اللزوم ههنا ليس بلازم أن يكون ذهنيًا وليس المراد أن التركيب مستعمل فيه مجازًا وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز فإن التركيب فى المنطوق حقيقة فلو كان فى المفهوم مجازًا لزم الجمع.
стр. 1540
قال: (واستدل لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك إذ لا واسطة وليس للاشتراك باتفاق وأجيب: إن عنى السائمة فليس محل النزاع، وإن عنى إيجاب الزكاة فيها فلا دلالة له على واحد منهما، الإمام: لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره لأنه بمعناه والثانية معلومة وهو مثل ما تقدَّم فإنه عنى لفظة السائمة فليس محل النزاع وإن عنى الحكم المتعلق بها فلا دلالة له على الحصر ويجريان معًا فى اللقب وهو باطل، واستدل بأنه لو قيل الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء لنفرت الشافعية ولولا ذلك ما نفرت، وأجيب بأن النفرة من تركهم على الاحتمال كما تنفر من التقديم أو لتوهم المعتقدين ذلك واستدل: بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال ﵊: "لأزيدن على السبعين" (*) ففهم أن ما زاد بخلافه، والحديث صحيح، وأجيب بمنع فهم ذلك لأنها مبالغة فتساويا أو لعله باق على أصله فى الجواز فلم يفهم منه، واستدل بقول يعلى بن أمية لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٠١] الآية، فقال عمر: (تعجبت مما تعجبت منه فسألته ﵊، فقال: "إنما هى صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته" (**) ففهما نفى القصر حال عدم الخوف وأقر ﵊ عمر وأجيب بجواز أنهما استصحبا وجوب الإتمام فلا يتعين واستدل بأن فائدته أكثر فكان أولى تكثيرًا للفائدة وإنما يلزم من جعل تكثير الفائدة يدل على الوضع، وما قيل من أنه دور لأن دلالته تتوقف على تكثير الفائدة وبالعكس، يلزمهم فى كل موضع وجوابه أن دلالته تتوقف على تعقل تكثير الفائدة عندها لا على حصول الفائدة، واستدل لو لم يكن مخالفًا لم يكن السبع فى قوله ﵊: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا" مطهرة لأن تحصيل الحاصل محال، وكذلك: خمس رضعات يحرمن).
أقول: قد استدل على المذهب المختار بوجوه ضعيفة ها هى نذكرها استدل بأنه لو لم يكن ظاهرًا للحصر لزم الاشتراك أعنى اشتراك المسكوت عنه والمذكور فى الحكم واللازم منتف، أما الملازمة فلعدم الواسطة بين الاختصاص والاشتراك فإنه يثبت الحكم فى المذكور قطعًا، فإن لم يثبت فى المسكوت عنه فهو الاختصاص وإن
стр. 1541
ثبت فهو الاشتراك وهذا ترديد بين النفى والإثبات، فلا واسطة بينهما، وأما انتفاء اللازم فلأنه ليس للاشتراك اتفاقًا غايته أنه محتمل.
الجواب: إن عنى بالحصر أن السائمة انتفى عن المعلوفة فمسلم لكنه غير محل النزاع، وإن عنى به أن إيجاب الزكاة فى السائمة انتفى عن المعلوفة، فلا نسلم أن اللفظ لو لم يدل عليه لتعين ثبوت الاشتراك لأنه لم يتعرض لأحدهما لا بنفى ولا بإثبات، فلا دلالة له على أحدهما، والحاصل أنه يلزم من عدم الاختصاص الاشتراك ولا يلزم من عدم إفادة الاختصاص الاشتراك وإفادته له، والإمام قد ذكر ما هو قريب مما تقدَّم وهو أنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره واللازم منتف، أما الملازمة فإذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره فإذا لم يحصل لم يحصل، وأما انتفاء اللازم فللعلم الضرورى أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور، وهذا مثل ما تقدم، والجواب: فإنه إن عنى مثل لفظ السائمة وأنه منتف فى المعلوفة فهو غير محل النزاع، وإن عنى ما يتعلق بالسائمة من الحكم وأنه منتف فى المعلوفة فهو ممنوع بل لا دلالة للفظ عليه إثباتًا أو نفيًا، ولا يلزم من لزوم أحد الأمرين دلالة اللفظ على أحدهما، والأولى أن يقال إن أراد به اختصاص الحكم النفسى فلا نزاع فيه وإن أراد اختصاص متعلقه فممنوع إذ لا يلزم من عدم الحكم فيه الحكم بالعدم فيه، ثم إن الدليلين كليهما منقوضان بمفهوم اللقب فإنهما يجريان فيه مع بطلانه اتفاقًا بيانه أن يقال اللقب لو لم يكن للحصر لكان للاشتراك واللازم باطل ولو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص وأنه يفيده قطعًا، واستدل أيضًا بأنا نعلم أنه إذا قيل الفقهاء الحنفية فضلاء ولا مقتضى للتخصيص مما تقدَّم نفرت الشافعية ولولا فهمهم نفى الفضل عن غيرهم لما نفروا.
والجواب: لا نسلم الملازمة بل النفرة إما للتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال كما ينفر من التقديم فى الذكر لاحتمال أن يكون للتفضيل وإن جاز أن يكون لغيره، وإما لتوهم المعتقدين لإفادة النفى عن الغير قصد ذلك فى الصورة المذكورة فنفروا عن أن تذكر عبارة يتوهم منها بعض الناس نفى الفضل عنهم أو أن النفرة إنما هو للمعتقدين ذلك بحسب اعتقادهم وأنه توهم واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال ﷺ : "لأزيدن على السبعين"، دل أنه ﷺ فهم منه أن ما زاد على السبعين حكمه بخلاف
стр. 1542
السبعين وذلك مفهوم العدد وكل من قال به قال بمفهوم الصفة فيثبت مفهوم الصفة والحديث صحيح لا قدح فى رواته.
الجواب: منع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة، وما زاد على السبعين، مثله فى الحكم وهو مبادرة عدم المغفرة فكيف يفهم منه المخالفة ولعله ﵊ علم أنه غير مراد ههنا بخصوصه سلمناه لكن لا نسلم فهيه منه ولعله باق على أصله فى الجواز إذ لم يتعرض له بنفى ولا إثبات والأصل جواز الاستغفار للرسول وكونه مظنة الإجابة ففهم من حيث إنه الأصل لا من التخصيص بالذكر واستدل أيضًا بقول يعلى بن أمية لعمر: ما بالنا نقصر من الصلاة وقد أمنا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، فقال عمر رضى اللَّه عنه: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ النبى ﷺ فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته"، وجه الاستدلال أنهما فهما من تقييد قصر الصلاة بحال الخوف عدم قصرها عند عدم الخوف، وأقر الرسول ﵊ عمر عليه، ولولا إفادته له لغة لما فهماه، ولما أقره الرسول ﵊.
الجواب: لا نسلم أنهما فهما منه لجواز أنهما حكما بذلك باستصحاب الحال فى وجوب إتمام الصلاة وذلك لأن الأصل الإتمام، وخولف فى الخوف بالآية فبقى فى غيره فلا يعدل عنه إلا لدليل، وإذا جاز ذلك لم يتعين أن يكون الفهم منه فلا تقوم به حجة فيه، واعلم أن هذا مفهوم الشرط لا الصفة ولعل الغرض منه إلزام من لا يفصل بينهما واستدل أيضًا بأن إفادته للتخصيص تفضى إلى تكثير الفائدة فإن إثبات المذكور ونفى غيره أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده وكثرة فائدته ترجح المصير إليه لأنه ملائم لغرض العقلاء وهذا إنما يلزم من جعل تكثير الفائدة دالًا على الوضع وقد علمت أنا لا نقول به فلا يلزمنا وقد اعترض عليه بأن دلالته على النفى عن الغير حينئذٍ تتوقف على تكثير الفائدة إذ به تثبت وإنما يحصل تكثير الفائدة بدلالته على النفى عن الغير وذلك دور ظاهر.
الجواب: إن هذا لازم فى كل موضع يثبت الشئ لفائدة سواء كان وصفًا أو حكمًا شرعيًا أو غيرهما فيجب أن لا يثبت الشئ كالفائدة أصلًا فتنتفى المقاصد والحكم وأنه ظاهر البطلان، وجوابه الذى تنحل به الشبهة أن حصول الفائدة الموقوف والموقوف عليه ليس بواحد وإن اتحدا لفظًا فلا دور، وذلك أن المتوقف
стр. 1543
عليه الدلالة على تكثير الفائدة عقلًا، وهو أن يعقل أنه لو دل لكثرت الفائدة لا على تكثير الفائدة عينًا وهو حصول الفائدة فى الواقع والمتوقف على الدلالة هو تكثير الفائدة عينًا لا عقلًا أى حقولها فى الواقع لا تعقل حقولها عنده واستدل أيضًا لو لم يكن المسكوت عنه مخالفًا للمذكور فى الحكم، ففى نحو قوله: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا إحداهن بالتراب" يلزم أن لا تكون السبع مطهرة، لأن الطهارة إذا حصلت بدون السبع فلا تحصل بالسبع لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال وكذلك فى قوله ﵇: "خمس رضعات يحرمن" يلزم أن لا يكون الخمس محرمة لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلا تحصل بالخمس لأنه تحصيل الحاصل.
قوله: (فلا واسطة بينهما) بالغ فى توضيح ذلك ردًا لما قيل لا نسلم عدم الواسطة بين الحصر والاشتراك.
قوله: (والحاصل) يعنى كأن المدعى أن اللفظ ظاهر فى عدم الاختصاص وإلا لزم الاشتراك لعدم الواسطة واللازم باطل للاتفاق على أنه ليس للاشتراك فالمذكور فى بيان الملازمة نفس الاشتراك وفى بيان انتفاء اللازم كون اللفظ له، ومفيدًا إياه، فتعرض فى الحاصل لنفيهما جميعًا، أى عدم إفادة الاختصاص لا يستلزم الاشتراك ولا إفادة اللفظ.
قوله: (لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به) لا تفاوت بين المقدم والتالى إلا فى اللفظ ولذا قال لأنه بمعناه كان لفظ الاختصاص أوضح دلالة فجعله التالى.
قوله: (والأولى أن يقال) ظاهره جواب عن تقرير الإمام لكن يمكن تطبيقه على التقرير السابق أيضًا وحاصله أنه إن أراد باختصاص الحكم بالمذكور دون المسكوت أن الحكم النفسى المعبر عنه بالذكر اللفظى مختص به بمعنى أنا حكمنا على السائمة مثلًا ولم نحكم على المعلوفة، فلا نزاع فيه وإن أراد أن متعلق الحكم النفسى وهو النسبة الواقعة فى نفس الأمر المعبر عنها بالحكم الخارجى مختص بالمذكور بمعنى أن الزكاة واجبة فى السائمة، ليست بواجبة فى المعلوفة فممنوع إذ غاية الأمر عدم الحكم بالوجوب فيها وهو لا يستلزم الحكم بالعدم لجواز أن تثبت نسبة ولا يحكم بثبوتها وحاصله تسليم اختصاص النسبة الذهنية دون الخارجية فقد سبق مثل ذلك
стр. 1544
مرارًا خصوصًا فى تحقيق أن الاستثناء من النفى إثبات وبالعكس لكن لا يخفى أن هذا إنما يصح فى الإخبار دون الإنشاء، إذ ليس لنفسيه متعلق هو الخارجى إلا أن يؤوّل بالخبر ومن ههنا يذهب الوهم إلى أن المراد بالمتعلق ههنا هو طرف الحكم كالسائمة مثلًا على ما سبق من أن متعلق الذكر النفسى هو الطرفان ليصع فيهما جميعًا ولفظه فى قوله عدم الحكم فيه أى فى المتعلق ربما يشعر بهذا المعنى ثم وجه الأولوية أن كلام المستدل ظاهر فى أن المراد اختصاص الحكم ولا يذهب وهم إلى أن لفظ السائمة يتناول المعلوفة فلا معنى للاستفسار.
قوله: (منقوضان بمفهوم اللقب) لا يخفى أن تقرير النقض على ما ذكره المحقق لا يندفع بأن فائدة اللقب أنه لولاه لم يصح الكلام على ما أشار إليه العلامة وزعم أن المصنِّف غفل عنه أو تغافل وفى بعض الشروح أن كلًا من الدليلين صحيح والمراد إيجاب الحكم فى المسكوت بمعنى أنه لو لم يفد الحصر لكان ذكر الوصف بمنزلة تركه لأن التقدير أنه لا فائدة له سوى المخالفة ولا خفاء فى عموم الحكم عند ترك الوصف فكذا عند ذكره مع أنه باطل بالاتفاق وبهذا يعرف اندفاع النقض وأنتما خبير بأن هذا ليس تقريرًا للدليلين بل لما سبق من أنه لو لم يكن للتخصيص لخلا عن الفائدة لأن التقدير أنه لا فائدة له سواه ومنهم من لم يفهم كلامه فأجاب بأنه لا خلاف ولا خفاء فى عدم الاشتراك وعدم إيجاب الحكم فى المسكوت كالمعلوفة مثلًا.
قوله: (أو أن النفرة) عطف على قوله وإما لتوهم المعتقدين وليس المراد أن هذا وجه آخر مقابل له بل إن معنى قول المصنِّف أو لتوهم المعتقدين ذلك معناه ذاك أو هذا فإذا عدل عن إما إلى أو يعنى لا نسلم حصول النفرة للشافعية عامة بل لمن اعتقد النفى عن الغير لتوهمهم ذلك.
قوله: (والحديث صحيح) دفع لما قال إمام الحرمين من أن هذا الحديث لا يصححه أهل الحديث.
قوله: (وهو مبادرة) أى الحكم المشترك بين السبعين وما فوقها ما يتبادر إلى الفهم من عدم المغفرة فلا يتبادر من ذكر السبعين أن ما فوقها بخلافها وأما ذكر النبى ﵇: "لأزيدن على السبعين" فلعله علم أن هذا المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد فى هذا المقام بخصوصه لا من جهة فهمه هذا الكلام
стр. 1545
ولو سلم أنه فهمه من هذا الكلام فيجوز أن لا يكون من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبى ﵊ وقد تحقق النفى فى السبعين فبقى ما فوقها على الأصل.
قوله: (وخولف فى حال الخوف بالآية) ولهذا ذكروا الآية عند التعجب يعنى أن القصر حال الخوف إنما يثبت بالآية فما بال حال الأمن لم يبق على ما هو الأصل من الإتمام.
قوله: (وقد علمت) أى فى الدليل الثانى للقائلين بمفهوم الصفة أنا لا نجعل تكثير الفائدة دالًا على الوضع بل نقصره على الناقل تواترًا أو آحادًا على ما مر فى مبادئ اللغة.
قوله: (فيجب) يعنى لو صح ما ذكرتم لزم أن لا يثبت شئ لفائدة لأن ثبوته يتوقف على الفائدة والفائدة على ثبوته ولا يختص على ما ذهب إليه العلامة بالوضع لفائدة مثبتًا بأن دلالة اللفظ الموضوع لفائدة تتوقف على الفائدة لتوقفها على الوضع المتوقف على الفائدة والفائدة تتوقف على الدلالة أو بمطلق الوضع مثبتًا بأن دلالة اللفظ تتوقف على الوضع المتوقف على الفائدة لاستحالة العبث فى فعل الحكيم والفائدة تتوقف على الدلالة فيدور.
قوله: (وجوابه) حاصله أن ما تتوقف عليه الدلالة تعقل كثرة الفائدة لا حصولها والموقوف على الدلالة حصول كثرة الفائدة لا تعقلها وفى قوله لا على تكثير الفائدة ميل إلى جانب المعنى وإلا فالصواب حذف كلمة على.
قوله: (واستدل) لم يصرح بتزييفه على ما هو دأبه وزيفه الآمدى بأنه لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفى الطهارة فيما دونها حصول الطهارة قبل السابعة لجواز أن تثبت النجاسة بدليل آخر فإن قيل هذا إنما يتم فى الرضاع بناء على أن الأصل عدم التحريم وأما فى الإناء فالأصل هو الطهارة ما لم يظهر دليل النجاسة والأصل عدمه، قلنا الدليل القاطع قائم وهو الإجماع على التنجس بوجود النجس، فإذا لم يدل العدد على النفى فيما دونه بقى ما كان ثابتًا من النجاسة وعدم التحريم حتى يظهر الدليل.
الشارح: (وإن عنى به أن إيجاب الزكاة. . . إلخ) المراد من الإيجاب هنا الوجوب