Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
ثبت فهو الاشتراك وهذا ترديد بين النفى والإثبات، فلا واسطة بينهما، وأما انتفاء اللازم فلأنه ليس للاشتراك اتفاقًا غايته أنه محتمل.
الجواب: إن عنى بالحصر أن السائمة انتفى عن المعلوفة فمسلم لكنه غير محل النزاع، وإن عنى به أن إيجاب الزكاة فى السائمة انتفى عن المعلوفة، فلا نسلم أن اللفظ لو لم يدل عليه لتعين ثبوت الاشتراك لأنه لم يتعرض لأحدهما لا بنفى ولا بإثبات، فلا دلالة له على أحدهما، والحاصل أنه يلزم من عدم الاختصاص الاشتراك ولا يلزم من عدم إفادة الاختصاص الاشتراك وإفادته له، والإمام قد ذكر ما هو قريب مما تقدَّم وهو أنه لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به دون غيره واللازم منتف، أما الملازمة فإذ لا معنى للحصر فيه إلا اختصاصه به دون غيره فإذا لم يحصل لم يحصل، وأما انتفاء اللازم فللعلم الضرورى أنه يفيد اختصاص الحكم بالمذكور، وهذا مثل ما تقدم، والجواب: فإنه إن عنى مثل لفظ السائمة وأنه منتف فى المعلوفة فهو غير محل النزاع، وإن عنى ما يتعلق بالسائمة من الحكم وأنه منتف فى المعلوفة فهو ممنوع بل لا دلالة للفظ عليه إثباتًا أو نفيًا، ولا يلزم من لزوم أحد الأمرين دلالة اللفظ على أحدهما، والأولى أن يقال إن أراد به اختصاص الحكم النفسى فلا نزاع فيه وإن أراد اختصاص متعلقه فممنوع إذ لا يلزم من عدم الحكم فيه الحكم بالعدم فيه، ثم إن الدليلين كليهما منقوضان بمفهوم اللقب فإنهما يجريان فيه مع بطلانه اتفاقًا بيانه أن يقال اللقب لو لم يكن للحصر لكان للاشتراك واللازم باطل ولو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص وأنه يفيده قطعًا، واستدل أيضًا بأنا نعلم أنه إذا قيل الفقهاء الحنفية فضلاء ولا مقتضى للتخصيص مما تقدَّم نفرت الشافعية ولولا فهمهم نفى الفضل عن غيرهم لما نفروا.
والجواب: لا نسلم الملازمة بل النفرة إما للتصريح بغيرهم وتركهم على الاحتمال كما ينفر من التقديم فى الذكر لاحتمال أن يكون للتفضيل وإن جاز أن يكون لغيره، وإما لتوهم المعتقدين لإفادة النفى عن الغير قصد ذلك فى الصورة المذكورة فنفروا عن أن تذكر عبارة يتوهم منها بعض الناس نفى الفضل عنهم أو أن النفرة إنما هو للمعتقدين ذلك بحسب اعتقادهم وأنه توهم واستدل أيضًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال ﷺ : "لأزيدن على السبعين"، دل أنه ﷺ فهم منه أن ما زاد على السبعين حكمه بخلاف
стр. 1542
السبعين وذلك مفهوم العدد وكل من قال به قال بمفهوم الصفة فيثبت مفهوم الصفة والحديث صحيح لا قدح فى رواته.
الجواب: منع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة، وما زاد على السبعين، مثله فى الحكم وهو مبادرة عدم المغفرة فكيف يفهم منه المخالفة ولعله ﵊ علم أنه غير مراد ههنا بخصوصه سلمناه لكن لا نسلم فهيه منه ولعله باق على أصله فى الجواز إذ لم يتعرض له بنفى ولا إثبات والأصل جواز الاستغفار للرسول وكونه مظنة الإجابة ففهم من حيث إنه الأصل لا من التخصيص بالذكر واستدل أيضًا بقول يعلى بن أمية لعمر: ما بالنا نقصر من الصلاة وقد أمنا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، فقال عمر رضى اللَّه عنه: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ النبى ﷺ فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم فاقبلوا صدقته"، وجه الاستدلال أنهما فهما من تقييد قصر الصلاة بحال الخوف عدم قصرها عند عدم الخوف، وأقر الرسول ﵊ عمر عليه، ولولا إفادته له لغة لما فهماه، ولما أقره الرسول ﵊.
الجواب: لا نسلم أنهما فهما منه لجواز أنهما حكما بذلك باستصحاب الحال فى وجوب إتمام الصلاة وذلك لأن الأصل الإتمام، وخولف فى الخوف بالآية فبقى فى غيره فلا يعدل عنه إلا لدليل، وإذا جاز ذلك لم يتعين أن يكون الفهم منه فلا تقوم به حجة فيه، واعلم أن هذا مفهوم الشرط لا الصفة ولعل الغرض منه إلزام من لا يفصل بينهما واستدل أيضًا بأن إفادته للتخصيص تفضى إلى تكثير الفائدة فإن إثبات المذكور ونفى غيره أكثر فائدة من إثبات المذكور وحده وكثرة فائدته ترجح المصير إليه لأنه ملائم لغرض العقلاء وهذا إنما يلزم من جعل تكثير الفائدة دالًا على الوضع وقد علمت أنا لا نقول به فلا يلزمنا وقد اعترض عليه بأن دلالته على النفى عن الغير حينئذٍ تتوقف على تكثير الفائدة إذ به تثبت وإنما يحصل تكثير الفائدة بدلالته على النفى عن الغير وذلك دور ظاهر.
الجواب: إن هذا لازم فى كل موضع يثبت الشئ لفائدة سواء كان وصفًا أو حكمًا شرعيًا أو غيرهما فيجب أن لا يثبت الشئ كالفائدة أصلًا فتنتفى المقاصد والحكم وأنه ظاهر البطلان، وجوابه الذى تنحل به الشبهة أن حصول الفائدة الموقوف والموقوف عليه ليس بواحد وإن اتحدا لفظًا فلا دور، وذلك أن المتوقف
стр. 1543
عليه الدلالة على تكثير الفائدة عقلًا، وهو أن يعقل أنه لو دل لكثرت الفائدة لا على تكثير الفائدة عينًا وهو حصول الفائدة فى الواقع والمتوقف على الدلالة هو تكثير الفائدة عينًا لا عقلًا أى حقولها فى الواقع لا تعقل حقولها عنده واستدل أيضًا لو لم يكن المسكوت عنه مخالفًا للمذكور فى الحكم، ففى نحو قوله: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا إحداهن بالتراب" يلزم أن لا تكون السبع مطهرة، لأن الطهارة إذا حصلت بدون السبع فلا تحصل بالسبع لأنه تحصيل الحاصل وأنه محال وكذلك فى قوله ﵇: "خمس رضعات يحرمن" يلزم أن لا يكون الخمس محرمة لأن الحرمة تحصل بدون الخمس فلا تحصل بالخمس لأنه تحصيل الحاصل.
قوله: (فلا واسطة بينهما) بالغ فى توضيح ذلك ردًا لما قيل لا نسلم عدم الواسطة بين الحصر والاشتراك.
قوله: (والحاصل) يعنى كأن المدعى أن اللفظ ظاهر فى عدم الاختصاص وإلا لزم الاشتراك لعدم الواسطة واللازم باطل للاتفاق على أنه ليس للاشتراك فالمذكور فى بيان الملازمة نفس الاشتراك وفى بيان انتفاء اللازم كون اللفظ له، ومفيدًا إياه، فتعرض فى الحاصل لنفيهما جميعًا، أى عدم إفادة الاختصاص لا يستلزم الاشتراك ولا إفادة اللفظ.
قوله: (لو لم يفد الحصر لم يفد الاختصاص به) لا تفاوت بين المقدم والتالى إلا فى اللفظ ولذا قال لأنه بمعناه كان لفظ الاختصاص أوضح دلالة فجعله التالى.
قوله: (والأولى أن يقال) ظاهره جواب عن تقرير الإمام لكن يمكن تطبيقه على التقرير السابق أيضًا وحاصله أنه إن أراد باختصاص الحكم بالمذكور دون المسكوت أن الحكم النفسى المعبر عنه بالذكر اللفظى مختص به بمعنى أنا حكمنا على السائمة مثلًا ولم نحكم على المعلوفة، فلا نزاع فيه وإن أراد أن متعلق الحكم النفسى وهو النسبة الواقعة فى نفس الأمر المعبر عنها بالحكم الخارجى مختص بالمذكور بمعنى أن الزكاة واجبة فى السائمة، ليست بواجبة فى المعلوفة فممنوع إذ غاية الأمر عدم الحكم بالوجوب فيها وهو لا يستلزم الحكم بالعدم لجواز أن تثبت نسبة ولا يحكم بثبوتها وحاصله تسليم اختصاص النسبة الذهنية دون الخارجية فقد سبق مثل ذلك
стр. 1544
مرارًا خصوصًا فى تحقيق أن الاستثناء من النفى إثبات وبالعكس لكن لا يخفى أن هذا إنما يصح فى الإخبار دون الإنشاء، إذ ليس لنفسيه متعلق هو الخارجى إلا أن يؤوّل بالخبر ومن ههنا يذهب الوهم إلى أن المراد بالمتعلق ههنا هو طرف الحكم كالسائمة مثلًا على ما سبق من أن متعلق الذكر النفسى هو الطرفان ليصع فيهما جميعًا ولفظه فى قوله عدم الحكم فيه أى فى المتعلق ربما يشعر بهذا المعنى ثم وجه الأولوية أن كلام المستدل ظاهر فى أن المراد اختصاص الحكم ولا يذهب وهم إلى أن لفظ السائمة يتناول المعلوفة فلا معنى للاستفسار.
قوله: (منقوضان بمفهوم اللقب) لا يخفى أن تقرير النقض على ما ذكره المحقق لا يندفع بأن فائدة اللقب أنه لولاه لم يصح الكلام على ما أشار إليه العلامة وزعم أن المصنِّف غفل عنه أو تغافل وفى بعض الشروح أن كلًا من الدليلين صحيح والمراد إيجاب الحكم فى المسكوت بمعنى أنه لو لم يفد الحصر لكان ذكر الوصف بمنزلة تركه لأن التقدير أنه لا فائدة له سوى المخالفة ولا خفاء فى عموم الحكم عند ترك الوصف فكذا عند ذكره مع أنه باطل بالاتفاق وبهذا يعرف اندفاع النقض وأنتما خبير بأن هذا ليس تقريرًا للدليلين بل لما سبق من أنه لو لم يكن للتخصيص لخلا عن الفائدة لأن التقدير أنه لا فائدة له سواه ومنهم من لم يفهم كلامه فأجاب بأنه لا خلاف ولا خفاء فى عدم الاشتراك وعدم إيجاب الحكم فى المسكوت كالمعلوفة مثلًا.
قوله: (أو أن النفرة) عطف على قوله وإما لتوهم المعتقدين وليس المراد أن هذا وجه آخر مقابل له بل إن معنى قول المصنِّف أو لتوهم المعتقدين ذلك معناه ذاك أو هذا فإذا عدل عن إما إلى أو يعنى لا نسلم حصول النفرة للشافعية عامة بل لمن اعتقد النفى عن الغير لتوهمهم ذلك.
قوله: (والحديث صحيح) دفع لما قال إمام الحرمين من أن هذا الحديث لا يصححه أهل الحديث.
قوله: (وهو مبادرة) أى الحكم المشترك بين السبعين وما فوقها ما يتبادر إلى الفهم من عدم المغفرة فلا يتبادر من ذكر السبعين أن ما فوقها بخلافها وأما ذكر النبى ﵇: "لأزيدن على السبعين" فلعله علم أن هذا المعنى المشترك بين السبعين وما فوقها غير مراد فى هذا المقام بخصوصه لا من جهة فهمه هذا الكلام
стр. 1545
ولو سلم أنه فهمه من هذا الكلام فيجوز أن لا يكون من التقييد بالعدد بل من جهة أن الأصل قبول استغفار النبى ﵊ وقد تحقق النفى فى السبعين فبقى ما فوقها على الأصل.
قوله: (وخولف فى حال الخوف بالآية) ولهذا ذكروا الآية عند التعجب يعنى أن القصر حال الخوف إنما يثبت بالآية فما بال حال الأمن لم يبق على ما هو الأصل من الإتمام.
قوله: (وقد علمت) أى فى الدليل الثانى للقائلين بمفهوم الصفة أنا لا نجعل تكثير الفائدة دالًا على الوضع بل نقصره على الناقل تواترًا أو آحادًا على ما مر فى مبادئ اللغة.
قوله: (فيجب) يعنى لو صح ما ذكرتم لزم أن لا يثبت شئ لفائدة لأن ثبوته يتوقف على الفائدة والفائدة على ثبوته ولا يختص على ما ذهب إليه العلامة بالوضع لفائدة مثبتًا بأن دلالة اللفظ الموضوع لفائدة تتوقف على الفائدة لتوقفها على الوضع المتوقف على الفائدة والفائدة تتوقف على الدلالة أو بمطلق الوضع مثبتًا بأن دلالة اللفظ تتوقف على الوضع المتوقف على الفائدة لاستحالة العبث فى فعل الحكيم والفائدة تتوقف على الدلالة فيدور.
قوله: (وجوابه) حاصله أن ما تتوقف عليه الدلالة تعقل كثرة الفائدة لا حصولها والموقوف على الدلالة حصول كثرة الفائدة لا تعقلها وفى قوله لا على تكثير الفائدة ميل إلى جانب المعنى وإلا فالصواب حذف كلمة على.
قوله: (واستدل) لم يصرح بتزييفه على ما هو دأبه وزيفه الآمدى بأنه لا يلزم من عدم دلالة السبع على نفى الطهارة فيما دونها حصول الطهارة قبل السابعة لجواز أن تثبت النجاسة بدليل آخر فإن قيل هذا إنما يتم فى الرضاع بناء على أن الأصل عدم التحريم وأما فى الإناء فالأصل هو الطهارة ما لم يظهر دليل النجاسة والأصل عدمه، قلنا الدليل القاطع قائم وهو الإجماع على التنجس بوجود النجس، فإذا لم يدل العدد على النفى فيما دونه بقى ما كان ثابتًا من النجاسة وعدم التحريم حتى يظهر الدليل.
الشارح: (وإن عنى به أن إيجاب الزكاة. . . إلخ) المراد من الإيجاب هنا الوجوب
стр. 1546
بناءً على التغاير بين الإيجاب والوجوب لأنه لو أريد الإيجاب الذى هو إثبات الوجوب فالاختصاص مسلم على ما يأتى له فى قوله والأولى. . . إلخ. لأنه حينئذ هو الحكم المعبر عنه بالإيقاع.
الشارح: (فلا دلالة على أحدهما) أى لأنه يدل على مجرد ثبوت الحكم للمذكور من غير تعرض للاختصاص أو الاشتراك.
الشارح: (لا يلزم من لزوم الأمرين) أى ثبوت الوجوب أو انتفائه فى المعلوفة.
الشارح: (إذ لا يلزم من عدم الحكم فيه الحكم بالعدم) فيه أن الأولى أن يقول إذ لا يلزم من عدم الحكم فيه عدم حصول النسبة فى الخارج لأن المتعلق هو النسبة الخارجية التى تتصف الذات بها فى الخارج وهى الثبوت والانتفاء لا الحكم بالانتفاء وقد مشى على هذا الأولى فيما سيأتى حيث قال: إن الخبر وإن دل. . . إلخ. إلا أن يقال: إنه عدل عنه تنبيهًا على أن الانتفاء وإن لزم كما فى الاستثناء يثبت به المفهوم وإنما يثبت لو لزم الحكم بالانتفاء وهو لا يلزم.
الشارح: (واستدل أيضًا بأنا نعلم إذا قيل الفقهاء الحنفية فضلاء. . . إلخ) جارى المصنف فى ذلك والأولى أن يقال إذا قيل الفقهاء الشافعية فضلاء حتى يكون إلزامًا للحنفية النافين للمفهوم.
الشارح: (ولعله غير مراد ههنا بخصوصه) هذا غير ظاهر بعد منع فهم المخالفة وإن الآية للمبالغة وقطع الطمع فالأحسن كما قال غيره أن يقول: وإنما قال لأزيدن على السبعين استئلافًا للأحياء من أولادهم ولذا لم يقل لأزيدن على السبعين ليغفر لهم إلا أن يقال إن حاصل الجواب الأول منع فهم المخالفة عن الآية على معنى أنها لا دخل لها أصلًا لأنها للمبالغة وقطع الطمع وإنما فهم المخالفة من المقام وعلم أن قطع الطمع ليس مرادًا وحاصل الجواب الثانى تسليم أن الآية ليست للمبالغة وقطع الطمع بل التحديد بالسبعين مراد من الآية ويمتنع فهم المخالفة من تخصيص هذا العدد بالذكر بل من أن الأصل الجواز وقد نفى فى السبعين فبقى ما زاد على الأصل فى الجواز فالآية على الأول لا دخل لها فى الفهم أصلًا وعلى الثانى لها دخل فى الجملة وعلى كلٍّ لم يفهم المخالفة منها وفى شرح مسلم الثبوت أنه لو كانت الصلاة يعنى على أبى بن سلول ووعد الزيادة على السبعين للتأليف فقط وقد قال عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه كيف تصلى عليه وقد نهاك ربك يلزم
стр. 1547
العصيان وإخفاء المراد من الآية والرسول ﷺ برئ منهما ولو لم يكن للتأليف فمع كونه خلاف السياق من الآية لم ينجز وعد وسأزيد على السبعين وأجاب بأن منع أمير المؤمنين كان مبنيًا على فهمه أن قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، للتسوية فأجاب النبى ﷺ بأنه للتخيير كما قال: خيرنى اللَّه وسأزيد على السبعين واختار الاستغفار تأليفًا ثم نسخ التخيير بالآية التى منع فيها الاستغفار للمشركين. اهـ ملخصًا.
قوله: (إنما يصح فى الإخبار دون الإنشاء) قد يقال يصح أيضًا فى الإنشاء فيقال فى الاستدلال على المفهوم إن أراد به اختصاص الحكم النفسى وهو الإيجاب فلا نزاع فيه وإن أراد اختصاص المتعلق وهو الوجوب فلا نسلم. . . إلخ.
قوله: (ولفظ فيه فى قوله عدم الحكم فيه أى فى المتعلق ربما يشعر بهذا المعنى) لم يظهر وجه ذلك ثم قد يقال لا يصح إرادة الطرف من المتعلق لأن المذكور هو السائمة فلو كان المراد باختصاص الحكم اختصاص طرفه الذى هو السائمة لكان فيه تخصيص الشئ بنفسه وهو واضح الفساد.
قوله: (يعرف اندفاع النقض) أى النقض الذى ذكره المصنف باللقب وقوله ومنهم من لم يفهم كلامه أى كلام المصنف فى قوله ويجريان معًا فى اللقب وانظر ما فهمه حتى أجاب بالجواب المذكور.
قوله: (ولا يختص على ما ذهب إليه العلامة بالوضع) يعنى أن النقض عام فى كل شئ ثبت لفائدة والعلامة خص بالنقض بالوضع لأجل الفائدة وبمطلق الوضع لأن لا بد أن يكون لفائدة فيأتى الدور فيه فيمتنع مع أنه ليس بممتنع.
قوله: (وهو الإجماع على التنجس بوجود النجس) وجود النجس فى صورة الولوغ لا يتمشى على مذهب الإمام مالك رضى اللَّه عنه.
стр. 1548
قال: (النافى لو ثبت لثبت بدليل وهو عقلى ونقلى إلخ، وأجيب بمنع اشتراط التواتر والقطع بقبول الآحاد كالأصمعى والخليل وأبى عبيد وسيبويه، قالوا: لو ثبت لثبت فى الخبر وهو باطل لأن من قال فى الشام الغنم السائمة لم يدل على خلافه قطعًا وأجيب بالتزامه وبأنه قياس ولا يستقيمان والحق الفرق بأن الخبر وإن دل على أن المسكوت عنه غير مخبر به فلا يلزم أن لا يكون حاصلًا بخلاف الحكم إذ لا خارجى له فيجرى فيه ذلك، قالوا: لو صح لما صح: (أدّ زكاة السائمة والمعلوفة) كما لا يصح لا تقل له أف واضربه لعدم الفائدة والتناقض، وأجيب بأن الفائدة عدم تخصيصه ولا تناقض فى الظواهر، قالوا: لو كان لما ثبت خلافه للتعارض والأصل عدمه وقد ثبت فى نحو لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة أجيب بأن القاطع عارض الظاهر فلم يقو ويجب مخالفة الأصل بالدليل).
أقول: هذه أدلة النافين للمفهوم، قالوا: أولًا: لو ثبت المفهوم لثبت بدليل ولا دليل لأنه إما عقلى، ولا مدخل له فى مثله، وإما نقلى: إما متواتر فكان يجب أن لا يختلف فيه وإما آحاد وأنه لا يفيد فى مثله لأن المسألة أصولية.
الجواب: منع اشتراط التواتر وعدم إفادة الآحاد فى مثله وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام لعدم التواتر فى مفرداتها، وأيضًا فإنا نقطع أن العلماء فى الأعصار والأمصار كانوا يكتفون فى فهم معانى الألفاظ بالآحاد، كنقلهم عن الأصمعى والخليل وأبى عبيد وسيبويه.
قالوا: ثانيًا: لو ثبت المفهوم لثبت فى الخبر واللازم باطل، أما الملازمة فلأن الذى به ثبت فى الأمر وهو الحذر من عدم الفائدة قائم فى الخبر وأما انتفاء اللازم فلأنه لو قال فى الشام الغنم السائمة لم يدل على عدم المعلوفة بها، وهو معلوم من اللغة والعرف قطعًا، وقد أجيب عنه بجوابين:
أحدهما: منع انتفاء اللازم فإنا نلتزم أن الخبر فيه مثل الأمر وما ذكرتم من المثال ظاهر فى نفى المعلوفة بها إلا لدليل.
ثانيهما: أنه قياس للخبر على الأمر والقياس فى اللغة لا يصح، وهذان الجوابان لا يستقيمان، فالأول لأنه مكابرة، والثانى لما مر أن مثله استقرائى لا قياسى.
والجواب الحق: أن الخبر وإن دل أن المسكوت عنه غير مخبر به فلا يلزم أن لا يكون حاصلًا فى الخارج بخلاف الحكم فإنه لا خارجى له حتى يجرى فيه ذلك فإن وجوب الزكاة هو نفس قوله أوجبت فإذا انتفى هذا القول فيه فقد انتفى
стр. 1549
وجوب الزكاة فيه، قال: وهذا دقيق لكنه رجوع إلى نفى المفهوم، وكونه سكوتًا وعدم حكم وتعرض وهو بعينه مذهب الخصم.
قالوا: ثالثًا: لو صح القول بالمفهوم لما صح أن يقال أدّ زكاة الغنم السائمة والغنم المعلوفة، لا مجتمعًا ولا متفرقًا، واللازم ظاهر البطلان، بيان الملازمة أن وزانه فى منافاة مفهوم كلٍّ لمنطوق الآخر وزان قولك فى مفهوم الموافقة لا تقل له أف واضربه، ولا شك أن ذلك غير جائز فكذا هذا وإنما لم يجز ذلك لوجهين: أحدهما: أن المنطوقين مع المفهومين متعارضان، والمنطوق أقوى من المفهوم فيندفع المفهومان، فلا يبقى لذكر القيدين فائدة، إذ فائدة التقييد المفهوم ويكون بمثابة قولك أدّ زكاة الغنم فيضيع ذكر السائمة، والمعلوفة بخصوصها، ثانيهما: أنه تناقض فإن مفهوم كلٍّ مناقض لمنطوق الآخر.
الجواب: لا نسلم أنه كمفهوم الموافقة لقطعية ذلك وظنية هذا، وأما ما ذكرت فى بيانه فالجواب عن الأول: أن الفائدة فى ذكر القيدين عدم تخصيص أحدهما عن العام فإن العام ظاهر فى تناول الخاصين ويمكن إخراج أحدهما عنه تخصيصًا له، وإذا ذكرهما بالنصوصية لم يمكن ذلك، وعن الثانى أنه لا تناقض فى الظواهر، مع إمكان الصرف عن معانيها لدليل ودفع التناقض أقوى دليل عليه.
قالوا: رابعًا: لو كان المفهوم حقًا لما ثبت خلاف المفهوم واللازم باطل، أما الملازمة فلأنه يلزم التعارض بين المفهوم ودليل خلافه والأصل عدم التعارض وأما انتفاء اللازم فلأنه قد ثبت فى نحو: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، إذ مفهومه عدم النهى عن القليل منه والنهى ثابت فى القليل والكثير.
الجواب: لا نسلم الملازمة، قولك يلزم التعارض ممنوع بل القاطع يقع فى مقابلة الظاهر فلا يقوى الظاهر للمعارضة فلا يقع تعارض من الطرفين، سلمنا لكن التعارض وإن كان خلاف الأصل وجب المصير إليه عند قيام الدليل، كما أن الأصل البراءة ويخالفها بالدليل وهو أكثر من أن يحصى، واعلم أنه قد يورد هذا على وجه يندفع، الجوابان وهو أنه لو كان المفهوم ثابتًا لزم التعارض عند المخالفة وهو خلاف الأصل، وأما إذا لم يثبت لم يلزم وما يفضى إلى خلاف الأصل مرجوح إلا لدليل يدل عليه فإن أقام عليه دليلًا صح دليلنا، فكان ذلك معارضة.
قوله: (والثانى لا مر) أى فى جواب الاعتراض على الدليل الثانى للمثلثين من
стр. 1550
أنه ثبت بالاستقراء أن كل ما ظن أن لا فائدة للفظ سواه تعين أن يكون مرادًا.
قوله: (والجواب الحق أن) هذا منع للملازمة بالفرق بين الخبر وغيره فإن قيل الفرق إنما يقدح لو كان الاستدلال قياسًا للخبر على غيره وأما لو كان احتجاجًا بأن ثبت بالاستقراء أن ما لا فائدة للفظ سواه تعين أن يكون مرادًا به فلا قلنا حاصله أن فى الخبر فائدة التخصيص بالوصف من مخالفة المسكوت عنه للمذكور فى الحكم النفسى فإبقاؤه عن المسكوت عنه يتعين مرادًا قضاء بالاستقراء لكنه لا يستلزم انتفاء الحكم الخارجى بخلاف الحكم الذى هو الخطاب فإنه نسبة نفسية ليس لها متعلق هى النسبة الخارجية فإذا انتفى فى المسكوت عنه ولم يتعلق به ثبت فيه عدم الحكم الذى هو الإيجاب والتحريم ونحوهما فالخبر كقولنا فى الشام الغنم السائمة وإن دل على أن المعلوفة لم يخبر عنها بالسكون فى الشام لكن لا يلزم منه أن لا يكون الخبر أى مضمونه الذى هو وجود المعلوفة فى الشام حاصلًا فى الخارج لجواز أن يحصل فى الخارج ما لا يخبر به قط بخلاف حكم الشارع بأن فى السائمة الزكاة فإن معناه أن خطاب الطلب لم يتعلق بالزكاة فى المعلوفة فلم تجب قال المصنِّفُ فى المنتهى وهذا دقيق نفيس لكن اعتراض المحقق عليه قوى وهو أنه اعتراف بما ذهب إليه الخصم من أن الحكم على غير المذكور كالمعلوفة مثلًا معدوم مسكوت عنه غير متعرض له لا بالنفى ولا بالإثبات لأنه يسلم أن غير المذكور كالمعلوفة فى الخبر لم يحكم عليه ولم يخبر عنه وفى الإنشاء ينفى عنه القول الذى هو أوجبت فعدم وجوبه بناء على عدم دليل وجوبه لا على دليل عدم وجوبه وهذا نفس ما ادعاه الخصم واعلم أن الحق عدم التفرقة بين الخبر والإنشاء كما فى قولنا الفقهاء الحنفية أئمة فضلاء، ومطل الغنى ظلم، عند قصد الإخبار إلى غير ذلك من المواضع، ونفى المفهوم فى بعض الواضع بمعونة القرائن كما فى قولنا فى الشام الغنم السائمة لا ينافى ذلك.
قوله: (لا مجتمعًا) مثل أدّ زكاة الغنم السائمة والمعلوفة ولا متفرقًا، مثل: أدّ زكاة الغنم السائمة، أدّ زكاة الغنم المعلوفة والغرض من هذا التفصيل التنبيه على أن فى صورة الاجتماع أيضًا قد تحقق التخصيص بالصفة حيث علق الحكم بالسائمة تارة وبالمعلوفة أخرى فيندفع ما يقال إن هذا ليس من التخصيص.
قوله: (وإنما لم يجز ذلك) لا خفاء فى أنه إذا كان وزانه وزان مفهوم الموافقة فى منافاة المفهوم للمنطوق كان عدم صحته غنيًا عن البيان وإنما المفتقر إلى البيان
стр. 1551
تحقق المنافاة فى مفهوم الموافقة على ما يشعر به لفظ ذلك لظهور كونه إشارة إلى قولك لا تقل له أف واضربه لكن تقرير الوجه الأول صريح فى أنه بيان لامتناع أن يقال أدّ زكاة الغنم السائمة والمعلوفة مجتمعًا أو متفرقًا بناء على أنه لا يبقى لذكر قيد السائمة والمعلوفة فائدة لا بيان للمنافاة فى مثل لا تقل له أف واضربه نعم يمكن تقرير الوجه الثانى وهو لزوم التناقض على وجه يجرى فى مفهوم الموافقة بأن يقال مفهوم لا تقل له أف وهو حرمة الضرب يناقض منطوق اضربه وهو جواز الضرب ومفهوم اضرب وهو جواز أن يقال له أف يناقض منطوق لا تقل له أف وإنما جرى الشارح على ذلك اتباعًا للمتن لأن قوله للتناقض وإن أمكن إجراؤه فى مثل لا تقل له أف واضربه لكن قوله ولعدم الفائدة إنما يجرى فى أدّ زكاة السائمة والمعلوفة فتأمل وفى بعض الشروح ما يشعر بأن قوله للتناقض مقرون بالواو حتى كأنه بين الملازمة بثلاثة أوجه القياس والتناقض وعدم الفائدة وسكت فى الجواب عن القياس لظهوره.
قوله: (والأصل عدم التعارض) إشارة إلى بيان انتفاء اللازم من القياس الاستثنائى المؤلف لبيان الملازمة فى أصل الدليل وتقريره أنه لو ثبت المفهوم لما ثبت خلافه وأما الملازمة فلأنه لو ثبت لثبت التعارض بين دليل المفهوم ودليل خلافه وهو منتف بحكم الأصل وأما انتفاء اللازم فلثبوت خلافه فى مثل: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] الآية، فإن قوله أضعافًا مضاعفة، فى معنى الوصف على ما سبق وقد تحقق التحريم عند انتفائه وأجاب أوّلًا بمنع الملازمة فى أصل الدليل لجواز أن يكون المفهوم حقًا وثبت خلافه أحيانًا بناءً على دليل قطعى لا يعارضه دليل المفهوم لكونه ظنيًا وثانيًا بمنع انتفاء اللازم لجواز أن يثبت التعارض لقيام دليل عليه وإن كان الأصل عدمه.
قوله: (وأما إذا لم يثبت) أى المفهوم لم يلزم أى التعارض الذى هو خلاف الأصل فإن قيل انتفاء الملزوم لا يستلزم انتفاء اللازم قلنا هذا تلازم تساو لأن التعارض بين دليل المفهوم ودليل خلافه إنما يتصوّر على تقدير ثبوت المفهوم.
قوله: (فإن أقام) يعنى أن دليلنا على نفى المفهوم بأن ثبوته قد يفضى إلى خلاف الأصل وهو التعارض بمعنى تقابل الدليلين فى الجملة لا بمعنى تقابل الدليلين المتساويين فى القوة حتى يرد منع لزومه وكل ما قد يفضى إلى خلاف الأصل مرجوح بالنسبة إلى ما لا يفضى إليه كعدم ثبوت المفهوم وكل مرجوح فهو منتف ما
стр. 1552
لم يقم عليه دليل صحيح فإن عجز الخصم عن إقامة الدليل عن ثبوت المفهوم فقد سلم دليلنا عن المعارض وإن أقام كان دليله معارضة والمعارضة لا تقدح فى صحة الدليل نعم يمكن إبطال هذا الدليل بعد تسليم أن التعارض بالمعنى المذكور خلاف الأصل بأن الإفضاء إلى خلاف الأصل فى الجملة لا يقتضى إلا المرجوحية فى الجملة وهى لا تقتضى إلا الانتفاء فى الجملة وهو لا ينافى ما يدعيه من الثبوت فى الجملة.
الشارح: (لأنه مكابرة) الحق أنه لا مكابرة فيه كما قال المحشى فإن مدلول فى الشأن الغنم السائمة بطريق المفهوم عدم وجود المعلوفة بها إلا لمانع كالعلم بأن فيها المعلوفة وقوله فلا يلزم أن لا يكون حاصلًا فى الخارج أى لأنه ثابت بدون الإخبار غير متوقف عليه فإذا لم يخبر به لا ينتفى بخلاف الإنشاء فلا خارج له فمتعلقه ينتفى إذا لم يتعلق به الإنشاء بمقتضى التقييد وقوله فإذا انتفى هذا القول فيه فقد انتفى وجوب الزكاة أى لأنه هو المثبت وقد انتفى فى المسكوت القول فانتفى الحكم وقوله قال وهذا دقيق أى قال المصنف ابن الحاجب وقوله لكنه رجوع إلى نفى المفهوم وكونه سكوتًا أى لا كونه محكومًا بنقيض الحكم.
قوله: (واعلم أن الحق عدم التفرقة. . . إلخ) أى لأن الخبر وإن كان له خارج إلا أن مدلوله هو الإيقاع من حيث تعلقه بالوقوع للمتعلق ففائدة القيد نفى الإيقاع من حيث ذلك التعلق لما لا يكون فيه القيد وهو نفى للمتعلق الذى انتفى فيه القيد.
قوله: (كان عدم صحته غنيًا عن البيان) أى لأن حكم المقيس يعلم من حكم المقيس عليه فالبيان المحتاج إليه هو بيان المقيس عليه وقوله للتناقض. . . إلخ. ظاهر هذا أن النسخة التى وقعت له هى للتناقض وعدم الفائدة والنسخة التى بأيدينا لعدم الفائدة وللتناقض وقوله وفى بعض الشروح. . . إلخ. هو أيضًا على نسخة تأخير عدم الفائدة على التناقض وقوله القياس أى المشار إليه بقوله كما لا يصح لا تقل له أف واضربه وقوله لظهور بينه الشارح بقوله لقطعية ذلك وظنية هذا يعنى ويضمحل الضعيف مع القوى فيتعطل المفهوم لمنع القوى له ووجه بعضهم إجراء الوجه الأول فى المقيس عليه بأن يقال المراد بالقيدين أف واضربه لأن فى كل من المفعول والمعطوف نوع تقييد للفعل المعطوف عليه وهو قوله: فلا تقل ويندفع بمنطوق كل منهما مفهوم موافقة الآخر فلا يبقى لذكرهما فائدة.
стр. 1553
قال: (وأما مفهوم الشرط فقال به بعض من لا يقول بالصفة، والقاضى وعبد الجبار والبصرى على المنع، للقائل به ما تقدم، وأيضًا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، وأجيب قد يكون سببًا قلنا أجدر إن قيل بالاتحاد والأصل عدمه إن قيل بالتعدد وأورد: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وأجيب بالأغلب وبمعارضة الإجماع).
أقول: مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الصفة فكل من قال بمفهوم الصفة قال به، وقد قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة، والقاضى وعبد الجبار والبصرى من المانعين لمفهوم الصفة على المنع من مفهومه أيضًا للقائل به ما تقدَّم فى مفهوم الصفة من مقبول ومزيف فتنقل إلى ههنا بعينها وله أيضًا دليل يختص به وهو أنه إذا ثبت كونه شرطًا لزم من انتفائه انتفاء المشروط فإن ذلك هو معنى الشرط وربما يقال: هو شرط لإيقاع الحكم لا لثبوته، وقد اعترض عليه بأنه لا يتعين أن يكون شرطًا لجواز استعمال إن فى السببية بل غلبته فيها اتفاقًا.
الجواب: لا يضرنا ذلك سواء قلنا بوجوب اتحاد السبب أو بجواز تعدده أما إن قلنا بالاتحاد فلأنه إذا انتفى انتفى المسبب، لامتناع المسبب بدون سببه بل مع عدم السبب أجدر بالانتفاء من المشروط، لانتفاء شرطه، مع وجود السبب، وأما إن قلنا بجواز التعدد فلأن الأصل عدم غيره وإن جاز فإذا انتفى فقد انتفى السبب مطلقًا، فينتفى المسبب.
وقد اعترض عليه بإيراد نقض وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، فلو ثبت مفهوم الشرط لثبت جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن ولا إكراه عليه غير جائز بحال من الأحوال إجماعًا.
الجواب: أولًا: أنه مما خرج مخرج الأغلب، إذ الغالب أن الإكراه يكون عند إرادة التحصن ولا مفهوم فى مثله كما عرفت.
وثانيًا: أن المفهوم اقتضى ذلك وقد انتفى لمعارض أقوى منه وهو الإجماع، وقد يجاب عنه بأنه يدل على عدم الحرمة عند عدم الإرادة وأنه ثابت إذ لا يمكن الإكراه حينئذٍ لأنهن إذا لم يردن التحصن لم يكرهن البغاء والإكراه إنما هو إلزام فعل مكروه وإذا لم يمكن لم يتعلق به التحريم لأن شرط التكليف الإمكان ولا يلزم من عدم التحريم الإباحة.
стр. 1554
قوله: (من مقبول) كالنقل عن أئمة اللغة وعدم فائدة التقييد لولا المفهوم ومزيف كحديث يعلى بن أمية وتكثير الفائدة وغير ذلك.
قوله: (وربما يقال هو) أى المذكور بعد كلمة إن ونحوها شرط لإيقاع الحكم لا لثبوت الحكم فلا يلزم من انتفائه سوى انتفاء الإيقاع وهو لا يستلزم انتفاء الوقوع وتحقيق ذلك أنه إن أريد أنه شرط بالنسبة للنفسية فمسلم ولا يلزم من انتفائه إلا عدم حكم النفس وإن أريد أنه شرط لمتعلقها الخارجى فممنوع ومرجعه إلى الاختلاف فى أن أثر الشرط فى منع السبب أو فى منع الحكم فقط لكن الحق هو الثانى للقطع بأنا إذا قلنا إن دخلت الدار فأنت حر فإن الدخول شرط لوقوع العتق لا إيقاعه الذى هو تصرف منا بالتنجيز أو التعليق، وبحث آخر وهو أنه إذا كان شرطًا للنسبة النفسية ففى الإنشاء يلزم من انتفائه انتفاء الحكم ضرورة أنه لا معنى لانتفاء الوجوب مثلًا سوى عدم تعلق الطلب على ما سبق تحقيقه وقد سبق الجواب أيضًا وهو أن هذا اعتراف بمذهب الخصم حيث جعل غير المذكور بمنزلة المسكوت عنه لم يتعلق به الطلب، فإن كان الأصل انتفاءه بقى عليه مثل: أدّ زكاة الغنم إن كانت معلوفة، وإن كان الأصل ثبوته لقيام دليل عليه لم ينتف كما فى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا. . .﴾ [النساء: ٢٥] الآية، فإنه لا يدل على جواز نكاح الأمة عند طول الحرة ولا على حرمته بل يكون فى حكم المسكوت عنه ويبقى الجواز بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ. . .﴾ [النساء: ٢٤]، وأما من يجعل الشرط شرطًا للوقوع دالًا على انتفاء الحكم عند انتفائه فهذا الحكم عنده مخصص بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ. . .﴾ [النساء: ٢٥] الآية.
قوله: (وقد اعترض) حاصله أن ما علق به الحكم ككلمة إن ونحوها مما يسمى شرطًا بمعنى ما يلزم من انتفائه انتفاء الشئ لا على وجه السببية فإنه فى الغالب يكون سببًا وانتفاء السبب لا يوجب انتفاء المسبب والجواب أنه إن لزم اتحاد السبب فذاك وإن لم يلزم بل جاز تعدده فعند انتفاء السبب الخاص يحكم بانتفاء مطلق السبب لأن الآخر وإن كان جائزًا لكن الأصل عدمه ما لم يثبت وجوده وحينئذٍ يثبت انتفاء الحكم ظاهرًا وإن لم يثبت قطعًا.
قوله: (لثبت جواز الإكراه) لأنه أدنى مراتب انتفاء التحريم.
стр. 1555
قوله: (إذ الغالب أن الإكراه يكون عند إرادة التحصن) مبناه على تصور الإكراه على البغاء بدون إرادة التحصن وإلا لكان دائمًا لا غالبًا.
قوله: (وقد يجاب) حاصله سلمنا دلالة الشرط على عدم حرمة الإكراه لكن بناء على أنه غير متصور وهذا لا يستلزم الإذن فيه وقوله لم يكرهن البغاء أى لم يكن البغاء مكروهًا عندهن وهذا كاف فى امتناع الإكراه عليه ولا حاجة إلى ما يقال أنهن إذا لم يردن التحصن فقد أردن البغاء مع أنه ممنوع لجواز أن لا يردن شيئًا منهما.
المصنف: (وأيضًا يلزم من انتفائه انتفاء المشروط) رده الحنفية بأن ذلك فى الشرط الشرعى والعقلى لا النحوى المراد هنا إذ لا يلزم من انتفاء الملزوم انتفاء اللازم وقوله ويكون بمثابة قولك أد زكاة الغنم. . . إلخ. إشارة إلى وجود علة حكم الأصل فى الفرع وعدم فائدة ذكر القيدين فيه من السائمة والمعلوفة لاندفاع منطوق كل بمفهوم الآخر والضمير فى يكون للفرع المقيس وعلى هذا فالبيان للمقيس عليه لا للمقيس وهو تكلف.
قوله: (ومرجعه إلى الاختلاف فى أن أثر الشرط. . . إلخ) يعنى أنه وقع خلاف فيما إذا قال مثلًا إن دخلت الدار فأنت طالق هل دخول الدار شرط لجعل أنت طالق سببًا موجبًا لوقوع الطلاق أو شرطًا لوقوع الطلاق، وعبر مسلم الثبوت عن ذلك بمسألة التعليق هل يمنع السبب أو الحكم عن الثبوت فقط لا السبب عن الانعقاد اختار الحنفية الأول والشافعية الثانى وتفرع على ذلك الخلاف فى مفهوم الشرط فلما مال الشافعية إلى أن الجزاء سبب للحكم وموجب له والشرط يمنع ثبوت الحكم عند عدمه قالوا: إن عدم الحكم لعدم الشرط ولما مال الحنفية إلى أن الشرط يمنع السبب وإيجابه الحكم عند عدمه قالوا: إن عدم الحكم لانتفاء السبب والموجب كما كان من قبل فليس لعدم الشرط دخل فيه بل هو عدم أصلى وفى التحرير أن تفرع خلافية المفهوم على خلافية منع الشرط السبب أو الحكم غلط لأن السبب الذى يدعى الشافعية انتفاء الحكم بانتفائه فى خلافية مفهوم الشرط هو مدلول لفظ الشرط وفى خلافية السبب السبب هو الجزاء فأين أحدهما من الآخر، وإنما هى مبنية على الخلاف فى اعتبار الجزاء من التركيب الشرطى مفيدًا حكمه على عموم التقادير خصصه الشرط بإخراج ما سوى ما تضمنه عن ثبوت الحكم
стр. 1556
فيكون النفى مضافًا إليه لأنه دليل التخصيص وأهل النظر يمنعون إفادته شيئًا حال وقوعه جزاء الشرط بل هو كزاى زيد فضلًا عن إيجابه حكمًا على جميع التقادير والمجموع يفيد حكمًا مقيدًا بالشرط فإنما دلالته على الوجود عند وجوده فإذا لم يوجد بقى ما قيد وجوده بوجوده على عدمه الأصلى وقال قبل ذلك فى وجه رد التفرع إن المفرع أوسع دائرة من المفرع عليه لأن المعلق قد يكون نفس الحكم لا سببه كما فى إذا جاء فأكرمه وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]، ورده شارح مسلم الثبوت بأن المقصود أنه لما منع الشرط ترتب الحكم على السبب الذى هو الجزاء يكون انتفاء الحكم مضافًا إلى الشرط فصار مدلولًا له ولا غلط فى ذلك نعم يوجه الغلط بأن مسألة المفهوم لغوية ومسألة السبب شرعية فلا يصح التفرع ووجه كون مسألة السبب شرعية أن حاصلها أن الذى جعل سببًا شرعًا هل تبطل سببيته شرعًا بالشرط والتعليق ثم قال: ولك أن تقول إن الجزاء عند الشافعية مفيد للحكم على جميع التقادير لغة وموجب له والشرط يخصصه بتقدير وجوده وإخراج تقدير عدمه ولهذا عدوا الشرط من المخصصات فانتفاء الحكم عند عدم الشرط إنما جاء من تخصيص الشرط فأفاد حكمًا مخالفًا لغة كالاستثناء إلا أنه مفيد للحكم المخالف فى المنطوق والشرط فى المسكوت وأما عندنا يعنى الحنفية فالجزاء مع الشرط يفيد حكمًا مقيدًا وما وراءه يبقى على الأصل سواء كان الحكم فى الجزاء والشرط قيد بمنزلة الظرف والحال أو كان الحكم بين الشرط والجزاء فعلى أن الشرط بمنزلة استثناء تقديرات ما وراءه عن الحكم الجزائى وكان الجزاء عامًا لها لغة يكون الشرط دالًا على نفى الحكم عما عداه وعلى أن الشرط مع الجزاء مفيد لحكم مقيد فقط يكون حكم ما عداه مسكوتًا عنه. اهـ باختصار. وعلى هذا فقول المحشى ومرجعه أى مرجع الخلاف فى أن المذكور بعد أداة الشرط شرط للإيقاع أو للوقوع إلى أن الشرط هل يؤثر فى السبب فيمنع سببيته عند عدمه وهو مبنى رجوع الشرط للإيقاع أو يؤثر فى الحكم فينتفى الحكم بانتفاء الشرط وهو مبنى رجوع الشرط للوقوع.
قوله: (مبناه على تصور. . . إلخ) أى وهو لا يتصور فلا يصح اعتبار الأغلبية جوابًا واعلم أنه قد أجيب عن إشكال التقييد بهذا الشرط بأنه نظر فيه للحادثة وبأنه لتهييج الحمية فى قلوب أولياء الفتيات لأنهن إذا كن يردن الإحصان فأولياؤهن أولى بأن يريدوا منهن الإحصان ولا بجبروهن على البغاء.
стр. 1557
قال: (مفهوم الغاية قال به بعض من لا يقول بشرط القاضى وعبد الجبار، للقائل به ما تقدَّم وبأن معنى صوموا إلى أن تغيب الشمس آخره غيبوبة الشمس فلو قدر وجوب بعده لم يكن آخر).
أقول: مفهوم الغاية أقوى من الشرط فقال به كل من قال بمفهوم الشرط وبعض من لم يقل به كالقاضى وعبد الجبار ومنعه البعض من الفقهاء، واحتج القائل به بما تقدَّم فى الصفة وبوجه يخصه، وهو أن قول القائل: صوموا إلى أن تغيب الشمس معناه آخر وجوب الصوم غيبوبة الشمس، فلو قدرنا ثبوت الوجوب بعد أن غابت الشمس لم تكن الغيبوبة آخرًا وهو خلاف المنطوق، وقد يقال الكلام فى الآخر نفسه لا فيما بعد الآخر، ففى قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] المرافق آخر، وليس النزاع فى دخول ما بعد المرفق.
قوله: (وقد يقال) اعتراض ومؤاخذة على قوله فلو قدر وجوب بعده يعنى سلمنا أن ما بعد الغاية لو دخل لم تكن الغاية آخرًا لكن النزاع لم يقع فيه إذ لم يقل أحد بدخول ما بعد المرافق فى الغسل وإنما النزاع فى نفس الغاية فإن غيبوبة الشمس ونفس المرافق هل يلزم انتفاء الحكم فيه ولا نعنى بمفهوم الغاية سوى أنها لا تدخل فى الحكم بل ينتفى الحكم عند تحققها هذا ولكن عبارة الآمدى وغيره أن مفهوم الغاية نفى الحكم فيما بعد الغاية.
стр. 1558
قال: (وأما مفهوم اللقب فقال به الدقاق وبعض الحنابلة وقد تقدَّم وأيضًا فإنه كان يلزم من محمد رسول اللَّه، وزيد موجود وأشباهه ظهور الكفر، واستدل بأنه يلزم منه إبطال القياس لظهور الأصل فى المخالفة وأجيب بأن القياس يستلزم التساوى فى المتفق عليه، فلا مفهوم فكيف ههنا، قالوا: لو قال لمن يخاصمه ليست أمى بزانية، ولا أختى تبادر نسبة الزنا إلى أم خصمه، وأخته، ووجب الحد عند مالك وأحمد قلنا من القرائن لا مما نحن فيه).
أقول: مفهوم اللقب وهو نفى الحكم عما لم يتناوله الاسم مثل فى الغنم زكاة فينتفى من غير الغنم قد منعه الجمهور، وقال به أبو بكر الدقاق وبعض الحنابلة، وقد تقدَّم أن المفهوم إنما يعتبر لتعينه فائدة، لأجل أن لا فائدة غيره واللقب قد انتفى فيه المقتضى لاعتبار المفهوم إذ لو طرح لاختل الكلام، ولنا أيضًا: أنه كان يلزم من قولنا محمد رسول اللَّه ﷺ ظهور الكفر لأن مفهومه نفى رسالة غيره من الأنبياء، وكذا من قولنا العالم موجود وزيد موجود أو بكر عالم أو قادر إذ يفهم منه نفى هذه الصفات عن الغير فيلزم نفيها عن اللَّه تعالى بل كان زيد موجود ظاهرًا كذبه واللوازم باطلة إجماعًا واستدل بأن القول بمفهوم اللقب يلزم منه إبطال القياس والقياس حق، والمفضى إلى إبطال الحق باطل فيكون القول بمفهوم اللقب باطلًا، بيان اللزوم أن النص الدال على حكم الأصل إن تناول الفرع ثبت الحكم فيه بالنص وإلا دل على انتفاء الحكم فيه فكان إثباته بالقياس قياسًا فى مقابلة النص فلا يعتبر.
الجواب: أن القياس يستدعى مساواة فرع الأصل فى المعنى الذى أثبت له الحكم وإذا حصل ذلك دل على الحكم فى الفرع بمفهوم الموافقة وبطل مفهوم المخالفة كما علمت هذا فى الصفة والشرط مما هو أقوى، وقد اتفق على حقيقة مفهومه فكيف فى اللقب وهو الأضعف المختلف فيه، وقد أنكره كثير ممن أثبت ذلك والحاصل أن موضع القياس لا يثبت فيه مفهوم اللقب اتفاقًا، فإذا لم يجتمعا فى محل فكيف يدفع القياس، قالوا: لو قال لمن يخاصمه ليست أمى بزانية ولا أختى تبادرت منه إلى الفهم نسبة الزنا إلى أم الخصم وأخته ولذلك وجب عليه الحد عند مالك وأحمد ولولا مفهوم اللقب لما تبادر ذلك.
الجواب: أن ذلك مفهوم من القرائن الحالية وهى الخصام وإرادة الإيذاء
стр. 1559
والتقبيح فيما يورد فيه غالبًا وليس مما نحن فيه من المفهوم الذى يكون اللفظ ظاهرًا فيه لغة.
قوله: (ظهور الكفر) لأن دلالة المفهوم بحسب الظهور دون القطع.
قوله: (بل كان زيد موجود ظاهرًا كذبه) وجه الإضراب إليه أن بطلان اللازم فيه أظهر.
قوله: (كما علمت) أن شرط مفهوم المخالفة أن لا تظهر أولوية، ولا مساواة، وأنه إذا حصل ذلك ثبت مفهوم الموافقة لكن قد علم أيضًا أن شرط مفهوم الموافقة الأولوية ولا تكفى المساواة ولو صح ما ذكر ههنا من أن القياس يستدعى المساواة وإذا حصل المساواة دل على ثبوت الحكم فى الفرع بمفهوم الموافقة لكان كل قياس مفهومًا والثابت ثابتًا بالنص ولزم رفض كثير من القواعد.
قوله: (ولا تكفى المساواة) قال الغزالى فى المستصفى إذا فهم المسكوت من الملفوظ بشرط أن يكون أسبق إلى الفهم من المنطوق أو معه وليس متأخرًا عنه يسمى مفهوم الموافقة. اهـ. فلعله نبه هنا على أن المساوى من مفهوم الموافقة عند بعضهم.
قوله: (لكان كل قياس مفهومًا والثابت به ثابتًا بالنص) رد بعضهم هذه الملازمة بأنه يجوز أن يكون حكم الأصل ثابتًا بالإجماع لا بالنص وعلى تقدير ثبوته بالنص يجوز أن يكون أدنى من الأصل فيما ثبت لأجله الحكم فليس حينئذ هذا الحل محل المفهوم باتفاق ولكنه محل القياس على ما ذهب إليه صاحب المنهاج من جواز القياس فى الأدنى وإن لم يجوزه المصنف.
قوله: (ولزم رفض كثير من القواعد) أى التى اعتبرت فى أركان القياس.
стр. 1560
قال: (وأما الحصر بإنما فقيل لا يفيد وقيل منطوق وقيل مفهوم، الأول: إنما زيد قائم، بمعنى إن زيدًا قائم، والزائد كالعدم، الثانى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨]، بمعنى ما إلهكم إلا اللَّه، وهو المدعى وأما مثل: "إنما الأعمال" و"إنما الولاء" فضعيف لأن العموم فيه لغيره فلا يستقيم لغير المعتق ولاء ظاهرًا).
أقول: مفهوم إنما هو نفى غير المذكور فى الكلام آخرًا مثل إنما زيد قائم وإنما العالم زيد وإنما ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة أمام الأمير قائمًا، وقد اختلف فيه فقيل: لا يفيد الحصر فهو "إن" و"ما" مؤكدة فقولك: إنما أنت نذير فى قوة إنك نذير، وقيل يفيده بالمنطوق فلا فرق بين إنما أنت نذير وبين ما أنت إلا نذير، وقيل يفيده بالمفهوم، قال: الأول وهو القائل بأنه لا يفيده لا فرق بين إن زيدًا قائم، وإنما زيد قائم، و"ما" ههنا زائدة فهى كالعدم.
وقال الثانى -وهو القائل بأنه يفيده بالمنطوق-: لا فرق بين: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨]، وبين لا إله لكم إلا اللَّه، وكلاهما تقرير المدعى وإعادته بعبارة أوضح استدلال والمنع عليهما ظاهر، وقد يحتج فى إفادته للحصر بمثل: "إنما الأعمال بالنيات"، "إنما الولاء لمن أعتق" إذ يتبادر منه عدم صحة العمل بلا نية، وعدم الولاء لغير المعتق.
الجواب: أن الحصر نشأ من عموم الأعمال والولاء إذ معناه كل عمل بنية وكل ولاء للمعتق، وهو كلى موجب فينتفى مقابلة الجزئى السالب، وهو بعض العمل بغير نية وبعض الولاء ليس لمن أعتق بل لغيره، فإن قلت يحتمل الولاء للمعتق ولغيره إذ لا منافاة، قلت: هو ظاهر فى نفى الولاء عن غيره وإلا كان ما للغير ولاء وليس للمعتق ولا يمكن أن يقال هذا تغاير بالإضافة، لا تغاير وجودى، وذلك كما يقال ملكية الدار لزيد فإنه ظاهر فى الاستقلال وإن لم تمتنع الشركة بما ذكرنا إذ ملكية غيره ملكية وليست له.
قوله: (وقد اتفق على حقيقة مفهومه) أى مفهوم ما هو قوى كالشرط والصفة ونحوهما والمراد اتفاقنا واتفاق القائلين باللقب لا اتفاق الكل.
قوله: (مفهوم إنما) يعنى أن مفهوم المخالفة الذى يدل عليه إنما هو نفى غير ما ذكر آخرًا فى الكلام المصدر بإنما لأنه يدل على الحصر فى الجزء الأخير من كلامه
стр. 1561
بمعنى الإثبات فيه والنفى فيما يقابله وقد استدل على ذلك باستعمال الفصحاء والنقل عن أئمة النحو والتفسير وأما أن ذلك مفهوم لا منطوق فتدل عليه أمارات مثل جواز إنما زيد قائم لا قاعد بخلاف ما زيد إلا قائم لا قاعد، ومثل أن صريح النفى والاستثناء يستعمل عند إصرار المخاطب على الإنكار بخلاف إنما، وقد فصلنا ذلك فى علم المعانى.
قوله: (وكلاهما تقرير المدعى) شرح لقوله وهو المدعى وإشارة إلى أنه من كلام المعترض لا المستدل، على ما ذهب إليه بعض الشارحين لقلة جدواه حينئذٍ.
قوله: (والمنع عليهما ظاهر) أى لا نسلم عدم الفرق بين: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ [طه: ٩٨]، وبين ما إلهكم إلا اللَّه، بل نفى الغير فى الأول مفهوم، وفى الثانى منطوق، وحاصله أن قولنا إنما أنا تميمى بمعنى ما أنا إلا تميمى وإنما قام زيد بمعنى زيد القائم لا بمعنى ما قام إلا زيد.
قوله: (وقد يحتج) ذهب جمهور الشارحين إلى أن قوله وأما مثل: "إنما الأعمال. . "، و"إنما الولاء. . " فضعيف إشارة إلى استدلال عدم إفادة الحصر مع جواب عنه تقرير الاستدلال أنه لو أفاد الحصر لما صح عمل بغير نية ولما ثبت ولاء لغير المعتق واللازم باطل لعموم صحة العمل بالنية وغيرها وعموم الولاء للمعتق وغيره كمن باع العبد من نفسه وتقرير الجواب أن عموم صحة العمل وكذا عموم الولاء إنما ثبت بغير هذا الحديث كالإجماع والحديث يدل بحسب الظاهر على أنه لا يستقيم الولاء لغير المعتق إلا أن الظاهر قد يعدل عنه بدليل قطعى، ولما كان هذا فى غاية التكلف سيما تقرير الجواب ذهب المحقق إلى أنه استدلال على إفادته الحصر وهو المذكور فى المنتهى حيث قال: "وإنما الأعمال. . "، "وإنما الولاء لمن أعتق" فالحصر بغير إنما لما فيه من العموم لأنه لو كان بعض الولاء لمن لم يعتق لزم خلاف ظاهر: "الولاء لمن أعتق" وقد تنبه الشارح العلامة أيضًا لهذا الوجه إلا أنه قال الوجه الأول أقوى.
قوله: (فإن قلت) يعنى أن قوله فلا يستقيم لغيره ولاء ظاهر إشارة إلى جواب سؤال تقريره أنا لا نسلم أن مجرد عموم الموضوع كالولاء مثلًا بدون كلمة إنما يفيد الحصر فإن غايته أن كل الولاء للمعتق، وهذا لا ينافى ثبوت كله أو بعضه لغير المعتق لجواز اشتراكهما فى إضافة الكل إليهما، والجواب أنه يفيد نفى الولاء عن
стр. 1562
غيره ظاهرًا إذ لو ثبت لغيره ولاء لما كان ثابتًا للمعتق ضرورة امتناع قيام الصفة الواحدة بمحلين فيصدق ليس بعض الولاء للمعتق وقد كان كل ولاء له منتف، فإن قيل هذا إنما يتم لو كان ولاء المعتق مغايرًا لولاء غيره بحسب الوجود وهو ممنوع لجواز أن يكون تغايرهما بمجرد الإضافة فلا يصدق أن الولاء الذى لغير المعتق ليس للمعتق قلنا لا يمكن ذلك لأن هذا مثل قولنا ملكية الدار لزيد وهو وإن أمكن شركة زيد وغيره فى ملكية الدار لكنه ظاهر فى استقلال زيد بالملكية بمثل ما ذكرنا فى الولاء فإنه لو كان لغيره ملكية وليست لزيد لم يصدق أن كل ملكيتها لزيد والحاصل أن الحكم ضرورى وهذا المقال منبه عليه بحيث لا مجال للنزاع فيه.
المصنف: (وأما الحصر بإنما) المراد بالحصر هنا النفى عن غير المذكور وقوله فقيل لا يفيد أى قيل إنما لا يفيد.
الشارح: (بعبارة أوضح استدلال) هكذا فى نسخ الشارح وهو تحريف وحقه لا استدلال بزيادة لا النافية.
الشارح: (وذلك كما يقال. . . إلخ) عطف على قوله ولا يمكن أن يقال. . . إلخ. وهو يستنبط من التعليل له.
قوله: (مثل جواز إنما زيد قائم. . . إلخ) الذى فى شرح التحرير أن الذى صرح به عبد القاهر وقال المتأخرون: إنه الأقرب نفى حسن مجامعة لا العاطفة للنفى والاستثناء لا نفى الصحة وتصريح المفتاح بعدم الصحة متعقب وقوله ومثل إنما صريح النفى والاستثناء. . . إلخ. رده فى شرح التحرير أيضًا بأن ذلك بالنظر لما يقتضيه علم البلاغة لا العربية إذ لا يقوم دليل على امتناع ذلك من حيث العربية لا صورة ولا معنى.
قوله: (لقلة جدواه) أى لأن المعنى حينئذ ما إلهكم إلا اللَّه وإذا كان المعنى ما إلهكم إلا اللَّه ثبت المدعى ولا يخفى عدم فائدته.
قوله: (أى لا نسلم عدم الفرق بين إنما إلهكم اللَّه وبين ما إلهكم إلا اللَّه) هذا راجع لمنع الدعوى الثانية، وقوله: وحاصله أن قولنا: إنما أنا تميمى بمعنى ما أنا إلا تميمى؛ فى العبارة تحريف والصواب إسقاط قوله: حاصله، وعطف "أن قولنا" على قوله "عدم الفرق" بيان لمنع الدعوى الأولى وأن يقول بمعنى أنا التميمى لا
стр. 1563
بمعنى ما أنا إلا تميمى.
قوله: (إنما ثبت بغير هذا الحديث) وعلى هذا فالضمير فى قول المصنف لأن العموم فيه لغيره راجع لحديث: إنما الأعمال وإنما الولاء بخلافه على الثانى فراجع لإنما والعموم على هذا عموم الأعمال والولاء القاضى بحصرهما فى الخبر على الوجه الثانى وعلى الأول هو عموم الأعمال لما هو بالنية ولما ليس بالنية وعموم الولاء للمعتق وغيره كمن باع عبده من نفسه فليس له الولاء عليه فقد صدق أن الولاء ليس لمن أعتق.
قوله: (وقد كان كل ولاء له منتف) الأولى حذف منتف وإبدالها بهف أى فاسد.
стр. 1564
قال: (وأما مفهوم الحصر فمثل صديقى زيد، والعالم زيد، ولا قرينة عهد فقيل لا يفيد وقيل منطوق وقيل مفهوم، الأول لو أفاده لأفاده العكس لأنه فيهما لا يصلح للجنس ولا لمعهود معين لعدم القرينة وهو دليلهم، وأيضًا لو كان لكان التقديم بغير مدلول الكلمة القائل به لو لم يفده لأخبر عن الأعم بالأخص لتعذر الجنس والعهد فوجب جعله لمعهود ذهنى بمعنى الكامل والمنتهى، قلنا صحيح واللام للمبالغة فأين الحصر وأجيب بل جعله لمعهود ذهنى مثل أكلت الخبز، ومثل: زيد العالم، هو المعروف، وأيضًا يلزمه زيد العالم بعين ما ذكر وهو الذى نص عليه سيبويه فى زيد الرجل فإن زعم أنه يخبر بالأعم فغلط لأن شرطه التنكير فإن زعم أن اللام لزيد فغلط لوجوب استقلاله بالتعريف منقطعًا، عن زيد كالموصول).
أقول: مفهوم الحصر أن يقدم الوصف على الموصوف الخاص خبرًا له والترتيب الطبيعى خلافه فيفهم من العدول إليه قصد النفى عن غيره، مثاله: إذا لم يقل زيد صديقى أو زيد العالم بل قال: صديقى زيد أو العالم زيد، والمراد بصديقى وبالعالم هو الجنس باقيًا على عمومه لعدم قرينة العهد إذ لو وجدت خرج عن محل النزاع ولم يدل على نفى الصداقة والعلم عن غير زيد اتفاقًا وهذا مثل إنما فقيل لا يفيد أصلًا، وقيل يفيد بالمنطوق وقيل بالمفهوم الأول وهو المانع لإفادة الحصر قال: لو كان قولنا: العالم زيد يفيد الحصر لكان العكس وهو قولنا: زيد العالم يفيد الحصر وأنهم لا يقولون به، بيانه أن دليلهم فى العالم زيد أن العالم لا يصلح للجنس وهو الحقيقة الكلية لأن الإخبار عنها بإنها زيد الجزئى كاذب ولا معين لعدم القرينة الصارفة إلى العهد فرضًا فكان لما يصدق عليه الجنس مطلقًا فيفيدان كل ما صدق عليه العالم زيد وهو معنى الحصر وهذا الدليل آت بعينه فى قولنا: زيد العالم والاشتراك فى الدليل يوجب الاشتراك فى الحكم، وأيضًا لو كان العالم زيد للحصر وزيد العالم ليس للحصر لكان التقديم مغيرًا لمفهوم الكلمة واللازم باطل، أما الملازمة فلأنه لو اتحد مفهوم العالم مقدمًا ومؤخرًا وكلا التركيبين يفيد بين زيد والعالم الاتحاد بهو هو وكون ذات أحدهما هو ذات الآخر للزم، أما شمول الحصر إن أفاد العموم أو شمول عدمه إن لم يفده وهو خلاف المفروض، وأما بطلان اللازم فظاهر لأنه إنما يتغير بالتقديم والتأخير الهيئة التركيبية دون المفردات وقد يقال عليهما: إن الوصف إذا وقع مسندًا إليه قصد به الذات
стр. 1565
الموصوفة وإذا وقع مسندًا قصد به كونه ذاتًا موصوفة به وهو عارض للأول فاندفع الأول، وأما الثانى فإن أردت بتغير المفهوم هذا القدر منعنا بطلانه وإن عنيت غيره منعنا الملازمة الثانى، وهو القائل بالحصر قال: لو لم يفد الحصر لأدى إلى الإخبار بالخاص عن العام وأنه باطل، أما اللازمة فلأنه لا قرينة للعهد وليس للجنس بل لما صدق عليه العالم فلو فرض غير زيد وهو عمرو مثلًا يصدق عليه العالم لكان العالم أعم من زيد وعمرو وقد أخبرت عنه بزيد، وأما بطلان التالى فلأن الخبر الثابت للعام ثابت لجزئياته، فيلزم ثبوت زيد لعمرو، وإذا ثبت هذا بطل جعله للجنس، ولما صدق عليه مع بقائه على العموم فوجب جعله لما صدق عليه بعد تخصيصه بما يصلح أن يحمل عليه زيد من معين، وما ذلك إلا لجعله لمعهود ذهنى وهو شخص كامل أو منته فى العلم قد تصوّره الخاطب وتوهمه وأنت تعلم ذلك فتخبر عن ذلك الشخص المتصوّر الموهوم بأنه زيد.
الجواب: أولًا: إن ما ذكرتم صحيح ونحن نقول به لكن لا يثبت مطلوبكم بل ينافيه لأنه لم يحصل حصر العالم فى زيد بما قررتم بل كون زيد كاملًا أو منتهيًا فى العلم ويكون حاصله أن اللام للمبالغة فى علمه لا لحصر العلم فيه وهو مناف لما زعمتم. وثانيًا: أنه يلزم فى زيد العالم مثل ذلك فيقال يلزم الإخبار بالعام عن الخاص وتبين الملازمة وانتفاء اللازم بما بينا بتمامه هنالك وربما توهم الفرق بين الصورتين بأحد الوجهين:
الأول: أن الإخبار بالأعم عن الأخص جائز قطعًا فلا يسمع الدليل على بطلانه بخلاف العكس، وهذا غلط لأنه إنما يصح الإخبار بالعام عن الخاص إذا كان العام نكرة يدل على كون الخاص شائعًا فيه وأما إذا كان معرفة فلا، لا نقول الإنسان هو الحيوان بعين ما ذكرتم.
الثانى: أن اللام فى العالم إذا تأخر عن زيد كان لمعلوم هو زيد بخلاف ما لم يتقدم ما يصلح أن يكون له فيصدق ثمة أن لا عهد وهو إحدى مقدمات الدليل ولا يصدق هنا، وهذا أيضًا غلط لأن العالم ينبغى أن يكون وهو منقطع عن زيد مستقلًا بإفادة معناه الإفرادى ثم ينسب كالموصولات فإنك إذا قلت: زيد هو الذى علم كان الذى علم مستقلًا عند إفراده، ولم يكن إشارة إلى زيد، وإنما يتعلق به ويصير هو إياه بعد الإسناد الحاصل بالتركيب فكذا اللام التى هى بمعناه.
стр. 1566
قوله: (وأما مفهوم الحصر) يريد بالحصر ههنا بعض أنواعه وهو أن يعرّف المبتدأ بحيث يكون ظاهرًا فى العموم سواء كان صفة أو اسم جنس ويجعل الخبر ما هو أخص منه بحسب المفهوم سواء كان علمًا أو غير علم مثل: العالم زيد والرجل عمرو والكرم فى العرب والأئمة من قريش، وصديقى خالد، ولا خلاف فى ذلك بين علماء المعانى تمسكًا باستعمال الفصحاء ولا فى عكسه أيضًا زيد العالم حتى قال صاحب المفتاح: المنطلق زيد وزيد المنطلق كلاهما يفيد حصر الانطلاق على زيد ووجه المناسبة أنه لما كان ظاهرًا فى الجنسية والعموم على ما هو قانون الخطابيات أفاد اتحاد الجنس مع زيد بحسب الوجود ولا معنى للحصر سوى هذا، وأما المنطقيون فيأخذون بالأقل المتيقن فيجعلونه فى قوّة الجزئية أى بعض المنطلق زيد على ما هو قانون الاستدلال، وأما كون هذا الحصر مفهومًا لا منطوقًا فمما لا ينبغى أن يقع فيه خلاف للقطع بأنه لا ينطق بالنفى أصلًا.
قوله: (خبرًا له) حال من الموصوف الخاص لا من الوصف لأن مبنى كلامه على أن الوصف المتقدم مبتدأ على ما هو الحق، وقد صرح بذلك فى أثناء هذا البحث غير مرة لا خبر على ما ذهب إليه الإمام الرازى.
قوله: (لو اتحد مفهوم العالم مقدمًا ومؤخرًا) يندفع بهذا التقرير ما ذكره الشارح العلامة من أن الحصر ليس مدلول الكلمة بل الهيئة وقد تغيرت، ولو سلم فتغيير المدلول بالتقديم والتأخير جائز معهود، مثل ما ضرب زيد إلا عمرًا، وما ضرب عمرًا إلا زيد، وما هرب إلا زيد عمرًا.
قوله: (وهو خلاف المفروض) لأن التقدير أن صورة تقديم العالم تفيد الخصر دون تأخيره فلا شمول وجود الحصر ولا شمول عدمه.
قوله: (وقد يقال عليهما) أى على الدليلين أن فى صورة التقديم الوصف مبتدأ محكوم عليه فيراد به الذات الموصوفة بالوصف العنوانى وفى صورة التأخير هو خبر محكوم به فيراد به مفهوم ذات مّا موصوفة بذلك الوصف وهذا عارض للذات المخصوصة وبهذا القدر يندفع الدليل الأول لأن اتحاد زيد بحسب الوجود مع الذات الموصوفة يفيد الحصر بخلاف اتحاده مع عارض له فإنه لا يمنع اشتراك المعروضات فيه واتحاد كل منهما بحصة منه والحق أن ما ذكره إنما هو فى الوصف
стр. 1567
النكرة مثل: زيد عالم دون زيد العالم فإن معناه الذات الموصوفة فردًا، أو جنسًا كما فى العالم زيد فيكون عدم الفرق ضروريًا فيندفع المنع والسند جميعًا، وأما وجه اندفاع الدليل الثانى بهذا الكلام فهو أنه إن أريد بتغير المفهوم مجرد القصد إلى الذات الموصوفة عند التقديم وإلى التعارض الذى هو ذات موصوفة عند التأخير فلا نسلم بطلانه كيف وهو لازم عند انعكاس القضية ضرورة أن المراد بالموضوع الذات وبالمحمول المفهوم وإن أريد تغير غير هذا فلا نسلم لزومه ولا يخفى أن هذا استفسار ومنع بعد البيان إذ قد بين أن المراد بالتغير هو العموم وعدمه وأنه لازم للقول بالحصر عند التقديم دون التأخير.
قوله: (وليس للجنس) أى الحقيقة الكلية لامتناع الإخبار عنها بزيد الجزئى.
قوله: (وأما بطلان التالى) مغالطة لأن اللازم من صدق العالم على زيد وعمرو هو أن يكون أعم منهما بحسب الصدق والعام الذى يلزم من ثبوت الخبر له ثبوته لجزئياته هو العام بمعنى الاستغراق على ما هو موضوع الإيجاب الكلى ألا ترى أن الضاحك ثابت للحيوان ولا يثبت للفرس، ولهذا قال بطل جعله للجنس ولما صدق عليه مع بقائه على العموم أى الشمول والاستغراق ولم يرد العموم بحسب الصدق.
قوله: (وتبين الملازمة) يعنى أن اللام فى زيد العالم ليس للعهد لعدم القرينة ولا للجنس أى الحقيقة الكلية لامتناع حملها على زيد بل لما صدق عليه فلو صدق على غير زيد أيضًا لكان أعم منه، ويمتنع حمل العالم مع بقاء العموم على شئ من الجزئيات فيكون للكامل والمنتهى فى العلم ويتحد مع زيد فى الوجود وهو معنى الحصر ولا يخفى أن أكثر المقدمات مزخرف وأن بيان بطلان التالى بمثل ما مر موجبتان فى الشكل الثانى لأن العالم ههنا محمول.
قوله: (وربما توهم) توجيه الاعتراض الأول وأن بيان انتفاء اللازم بما ذكرتم تشكيك فى الضروريات وحاصل الجواب منع الضرورة والتوضيح بمثل الإنسان هو الحيوان ليس على ما ينبغى لأن كذبه من جهة ضمير الفصل المفيد أن غير الإنسان ليس بحيوان وإنما الكلام فى مثل قولنا: الإنسان الحيوان وتوجيه الثانى منع المقدمة القائلة إن العالم ليس للعهد لعدم القرينة وحاصل الجواب أن العالم المحمول على زيد ينبغى أن يكون مستقلًا بمعناه الإفرادى والمعهود ليس بمستقل لكونه إشارة إلى
стр. 1568
زيد فيفتقر إلى اعتبار تعلقه به لا يقال إن أريد بالاستقلال أن يتعقل المراد به مع قطع النظر عن زيد فاشتراطه ممنوع وإن أريد أنه لا يفتقر فى إفادة معناه الإفرادى إلى ما ينضم إليه فانتفاؤه ممنوع وما ذكره يقتضى أن لا يصح زيد العالم على قصد العهد بل الجواب أن كلامنا فيما إذا لم يكن العالم للعهد وإلا فلا نزاع فى عدم إفادته حصر العلم على زيد سواء قدم أو أخر، لأنا نقول المراد الأول والمنع ضعيف لأنه لا بد فى القضية من تحصيل معنى الطرفين وتعقله ثم إيقاع النسبة بينهما فلا يجوز أن يكون تحصيل معنى المحكوم به وتعقله بمعونة إسناده إلى المحكوم عليه وذكره بعد ذكره على ما توهمه المعترض وهذا بخلاف ما إذا حصل العهد من قرينة أخرى كما تقول أكرمت عالمًا والعالم زيد وزيد العالم من غير فرق بين التقديم والتأخير واعلم أن ما ذكره فى بحث مفهوم الحصر يشهد للمصنف بقلة التدرب فى علم المعانى والشارح المحقق إنما حاول تقرير كلامه بقدر الإمكان.
قوله: (على كون الخاص شائعًا فيه) أى مشتركًا فى العام مندرجًا تحته.
المصنف: (فأين الحصر وأجيب بل جعله لمعهود ذهنى مثل أكلت الخبز ومثل زيد العالم هو المعروف) هكذا فى نسخ وحاصله جعل اللام للمعهود لذهنى بمعنى البعض كما فى هذين المثالين فإن "ال" فى الخبر لذلك لأنه لم يأكل الخبر كله وكذا "ال" فى العالم لأن كون زيد هو العالم ليس بمعنى جميع العالم الموصوف ولكن الذى وجد فى نسخ أخرى بعد قوله فأين الحصر وأيضًا يلزمه. . . إلخ.
الشارح: (وهو الحقيقة الكلية) إن أراد أنه الحقيقة بشرط الكلية صح أن يكون الإخبار عنها بأنها زيد كاذب لكن لا نسلم أن المراد الحقيقة بشرط الكلية وإن أراد الحقيقة المعروضة للكلية وإن كانت لا بشرط الكلية فلا نسلم أن الإخبار عنها كاذب لجواز إرادة الحقيقة المتحققة فى بعض إلا أن يقال أن ذلك عبارة عن العهد الذهنى ولم يلتفت إليه للزوم ترجيح البعض من غير مرجح، وقوله لما يصدق عليه الجنس مطلقًا أى الجنس فى جميع الأفراد.
الشارح: (بل لما صدق عليه العالم) أى لجميع ما صدق عليه العالم وقوله لكان العالم أعم من زيد وعمر أى عموما شموليًا لفرض صدقه على عمر وكما يصدق على زيد صدقًا شموليًا وقوله فلان الخبر الثابت للعام ثابت لجزئياته أى الخبر
стр. 1569
الثابت للخبر عنه المستغرق ثابت لكل واحد من جزئياته وإلا كذب الإيجاب الكلى فإنك إذا قلت كل ج ب ولم تكن الباء ثابتة لبعض أفراد ج كان الإيجاب الكلى كاذبًا فيلزم ثبوت زيد لعمرو.
قوله: (وأما المنطقيون. . . إلخ) رده فى التحرير بأن "ال" فى المنطق زيد سور الكلية عند المناطقة فهى كلية عندهم.
قوله: (للقطع بأنه لا ينطق بالنفى أصلًا) رده فى التحرير بأن عدم النطق بحرف النفى المعهود لا يستلزم عدم النفى وعدم الدلالة على نفى الحكم من غير ما ثبت له الحكم غاية الأمر أنه ليس متبادرًا من اللفظ لأن اللام للعموم فقط أو للحقيقة وأيا ما كان فليس النفى جزءًا حتى يكون بالمنطوق فإنما ثبت النفى عن الغير فيما فيه أل بطريق اللزوم لإثبات العموم لواحد لا غير أو الحقيقة له.
قوله: (يندفع بهذا التقرير ما ذكره العلامة. . . إلخ) أى لاقتضاء هذا التقرير أن الحصر إنما جاء من العموم المأخوذ من اللام وأن التركيبين لا فرق بينهما فى إفادة الحصر إذا اعتبر العموم وعدمه إذا لم يعتبر فجعل الحصر عند تقديم العالم على زيد دون تأخيره لا يكون إلا باعتبار العموم عند التقديم وعدمه عند عدمه فتختلف الكلمة بالتقديم والتأخير.
قوله: (والحق أن ما ذكره. . . إلخ) رد بأن الذى قرر فى المنطق أن المحمول يراد منه المفهوم مطلقًا معرفة أو نكرة والموضوع يراد منه الذات.
قوله: (فردًا أو جنسًا) لعله أراد بالفرد المعهود وبالجنس العام المستغرق وقوله كما فى العالم زيد أى فإنه للفرد أو للجنس.
قوله: (لأن اللازم من صدق العالم. . . إلخ) مردود بأن اللام فى العالم للاستغراق حيث لا عهد ولا يصلح الجنس وقوله ولا يخفى أن أكثر المقدمات مزخرف قد علمت رده وقوله وإن بيان بطلان التالى بمثل ما مر موجبتان. . . إلخ. أى لأنك تقول فى بيانه لو صدق العالم على غير زيد لصدق زيد العالم عمرو العالم فينتج زيد عمرو وهو باطل.
قوله: (ليس على ما ينبغى. . . إلخ) رد بأن الضمير فيه لم يقصد منه الحصر.
стр. 1570
(مباحث النسخ)
قال: (النسخ الإزلة نسخت الشمس الظل، والنقل نسخت الكتاب، ونسخت النحل، ومنه المناسخات فقيل مشترك، وقيل للأول وقيل للثانى، وفى الاصطلاح: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر فيخرج المباح بحكم الأصل والرفع بالنوم والغفلة ونحو صل إلى آخر الشهر ونعنى بالحكم ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن فإن الوجوب المشروط بالعقل لم يكن عند انتفائه قطعًا فلا يرد والحكم قديم، فلا يرتفع لأنا لم نعنه والقطع بأنه إذا ثبت تحريم شئ بعد وجوبه انتفى الوجوب وهو المعنى بالرفع).
أقول: ما مر كان يشترك فيه الكتاب والسنة والإجماع، وهذا هو النسخ يشترك فيه الكتاب والسنة دون الإجماع، لما سنبين أنه لا ينسخ ولا ينسخ به، والنسخ فى اللغة يقال لمعنيين: للإزالة، نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح آثار القدم أى أزالته، وللنقل: نسخت الكتاب، أى: نقلت ما فيه إلى آخره ونسخت النحل أى نقلتها من موضع إلى موضع، ومنه المناسخات فى المواريث لانتقال المال من وارث إلى وارث، والتناسخ فى الأرواح لأنه نقل من بدن إلى بدن، واختلف فى حقيقته، فقيل حقيقة لهما فهو مشترك بينهما، وقيل للأول، وهو الإزالة، وللنقل مجاز باسم اللازم، إذ فى النقل: إزالة عن موضعه الأول، وقيل للثانى، وهو النقل والإزالة مجاز باسم اللزوم ولا يتعلق به غرض علمى، وأما فى الاصطلاح، فهو: رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر، فقوله: رفع الحكم الشرعى ليخرج المباح بحكم الأصل فإن رفعه بدليل شرعى ليس بنسخ وقوله: بدليل شرعى ليخرج رفعه بالموت والنوم والغفلة والجنون، وقوله: متأخر ليخرج نحو: صل عند كل زوال إلى آخر الشهر، وإن كان يمكن أن يقال: إنه ليس برفع فإن الحكم لم يثبت بأول الكلام لأن الكلام بالتمام فكيف يرفع؟ لكن التصريح ودفع التوهم مما يقصد فى الحدود، وربما يقال عليه: إن الحكم كلام اللَّه، وهو قديم وما ثبت قدمه امتنع عدمه، فلا يتصور رفعه ولا تأخره عن غيره.
فأجاب عنه: بأنا نريد بالحكم ما ثبت على المكلف بعد أن لم يكن ثابتًا، فإنا
стр. 1571
نقطع بأن الوجوب المشروط بالعقل لم يكن قبل العقل ثم ثبت بعده وذلك ليس بقديم فيمتنع انتفاؤه وتأخره، ثم إنا نعلم قطعًا أنه إذا ثبت تحريم شئ بعد وجوبه فقد انتفى الوجوب وهذا هو الذى نعنيه بالرفع وإذا تصورنا الحكم والرفع كذلك كان إمكان رفعه ضروريًا وكذا تأخره.
قوله: (دون الإجماع) لم يتعرض للقياس لأنه لم يكن له دخل فيما سبق أيضًا من أقسام المتن وما سيجئ من أن القياس القطعى فى حياة النبى ﵇ قد نسخ لا عبرة به لقلته وكونه بمنزلة النص.
قوله: (ونسخت النحل) المنقول بالحاء المهملة وقال السجستانى: النسخ أن يحول ما فى الخلية من النحل والعسل إلى أخرى.
قوله: (إذ فى النقل إزالة عن موضعه) مشعر بأن الإزالة لازم والنقل ملزوم فلا يستقيم ما وقع فى بعض النسخ من كونه للنقل مجازًا باسم الملزوم وللإزالة باسم اللازم، بل بالعكس، نعم لو ذكر أن فى الإزالة نقلًا من حالة إلى حالة يصح ذلك وأما ما ذكره السكاكى من أن ذكر اللازم وإرادة الملزوم كناية لا مجاز فتكلف لا ثبت له بل التحقيق أن الانتقال لا يكون إلا من الملزوم لكنه قد يكون لازمًا فيجعل ملزومًا بنوع تكلف كإطلاق النبات على المطر.
قوله: (ليخرج رفعه بالموت والنوم) اعترض العلامة أن الرفع بالنوم والغفلة أيضًا بدليل شرعى وهو قوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث. . "، وأجيب بأن العقل حاكم بأن شرط التكليف التعقل ويستوى فى امتناع التكليف الميت والنائم والغافل والنصوص الواردة فى ذلك ليست رافعة بل مثبتة أن مثل النوم والنسيان هو الرافع.
قوله: (وإن كان يمكن) إشارة إلى اعتراض أورده العلامة وذكر أنه مصرح فى كلام الإمام حيث قال فى البرهان: قال القاضى: النسخ رفع الحكم بعد ثبوته ولا يحتاج إلى التقييد بالتأخر فإن اللفظ الذى ينتظم لقصد التأسيس ليس فيه رفع حكم بعد ثبوته فى قصد الشارع ثم قال: والعجب من المصنِّف أنه سلم ورود هذا على الغزالى وغفل أو تغافل عن وروده عليه وما ذكره المحقق من أنه للتصريح أو لرفع الوهم جيد إلا أنه ينبغى أن لا يعترض بمثله على غيره وكم مثله.
стр. 1572
قوله: (فلا يتصور رفعه ولا تأخره) فإن قيل ليس فى التعريف ما يدل على تأخر الدليل يقتضى تأخر الحكم لأنه إنما يثبت به فإذا ثبت تحريم شئ بعد وجوبه ففيه رفع للوجوب وتأخر للتحريم.
قوله: (ما ثبت على المكلف) يعنى الخطاب المتعلق تعلق التنجيز وهو بهذا المعنى إنما يحدث بحدوث شرائط التكليف والقديم إنما يتعلق تعلقًا معنويًا ضرورى للطلب على ما مر فى مسألة تكليف المعدوم.
المصنف: (والقطع بأنه إذا ثبت. . . إلخ) أى القطع حاصل بأنه إذا ثبت. . . إلخ. وهو استدلال على تحقيق معنى الرفع.
الشارح: (إذ فى النقل إزالة) لا يظهر ذلك فى نسخ الكتاب.
قوله: (ما يدل على تأخر الدليل) فيه سقط وصوابه ما يدل على تأخر الحكم بل على تأخر الدليل قلنا تأخير الدليل يقتضى. . . إلخ. لكن اقتضاء تأخير الدليل تأخيرًا: الحكم ليس فى كل أفراد النسخ بل فى النسخ إلى بدل فقط.
قوله: (تعلقًا معنويًا ضرورى للطلب) فيه سقط هو قبل ضرورى والأصل: هو ضرورى للطلب.
стр. 1573
قال: (الإمام اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول فيرد أن اللفظ دليل النسخ لا نفسه ولا يطرد فإن لفظ العدل نسخ حكم كذا ليس بنسخ، ولا ينعكس لأنه قد يكون بفعله ﵇، ثم حاصله اللفظ الدال على النسخ لأنه فسر الشرط بانتفاء النسخ وانتفاء انتفائه حصوله، وقال الغزالى: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه وأورد الثلاثة الأول، وإن قوله على وجه إلى آخره زيادة، وقال الفقهاء النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعى مع التأخير عن مورده وأورد الثلاثة الأول، فإن فروا من الرفع لكون الحكم قديمًا والتعلق قديمًا فانتهاء أمد الوجوب ينافى بقاءه عليه وهو معنى الرفع وإن فروا لأنه لا يرتفع تعلق بمستقبل لزمهم منع النسخ قبل الفعل كالمعتزلة وإن كان لأنه بيان أمد التعلق بالمستقبل المظنون واستمراره فلا بد من زواله، المعتزلة اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا فيرد ما على الغزالى والمقيد بالمرة بفعل).
أقول: هذه تعريفات للنسخ لم يرتضها وهى أربعة:
الأول: قال الإمام هو اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول ومعناه أن الحكم كان دائمًا فى علم اللَّه دوامًا مشروطًا بشرط لا يعلمه إلا هو وأجل الدوام أن يظهر انتفاء ذلك الشرط للمكلف فينقطع الحكم ويبطل دوامه، وما ذلك إلا بتوفيقه تعالى إياه، فإذا قال قولًا دالًا عليه فذلك هو النسخ واعترض بوجوه:
منها: أنه فسر النسخ باللفظ، وهو دليل النسخ لا هو يقال نسخ الحكم بالآية والخبر.
ومنها: أنه غير مطرد لدخول ما ليس بنسخ فيه، وهو قول العدل نسخ حكم كذا فإنه لفظ دال على ظهور انتفاء شرط الدوام وليس بنسخ ضرورة.
ومنها: أنه غير منعكس لخروج ما هو نسخ عنه إذ قد يكون النسخ بفعله ﵇.
ومنها: أنه تعريف الشئ بنفسه لأنه فسر شرط دوام الحكم بانتفاء النسخ فيكون الشرط انتفاء انتفاء النسخ، وهو حصول النسخ فيكون حاصل كلامه أنه اللفظ الدال على حصول النسخ.
стр. 1574
وقد يجاب عنه بأنه قد علم أن الحكم يدوم ما وجد شرط دوامه وليس شرطه إلا عدم قول اللَّه الدال على انتفائه فقاطع الدوام هو ذلك القول، وهو النسخ فكما أن الحكم ليس إلا قوله افعل، فالنسخ ليس إلا ذلك القول، وقول العدل وفعل الرسول يدلان على ذلك القول، فهما دليلا النسخ الدال بالذات، والمراد إنما هو الدال بالذات، وما ذكرناه ظاهرًا أنه لا يتوقف فهمه على فهم النسخ وإن كان فى الخارج هو النسخ، وكذلك كل حد ومحدوده يتحدان ذاتًا ويتغايران مفهومًا.
الثانى: قال الغزالى هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه، واعترض عليه بالثلاثة الأول، وهى أن اللفظ دليل النسخ وقول العدل يدخل فيه ويخرج فعل الرسول، ويرد ههنا سؤال يخصه، وهو أن قوله: على وجه لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه زيادة لا يحتاج إليه، أما لولاه لكان ثابتًا فلأن الرفع لا يكون إلا إذا كان كذلك، وأما مع تراخيه عنه فلأنه لولاه لم يتقرر الحكم الأول، فكان دفعًا لا رفعًا كالتخصيص، وقد يجاب عن الرابع بأن قوله: لولاه لكان ثابتًا احتراز عن قول العدل لأنه قد ارتفع بقول الشارع رواه العدل أم لا، ومع تراخيه عنه كقوله متأخرًا، احتراز عن الغابة.
الثالث: قال الفقهاء: النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعى مع تراخيه عن مورده، واعترض عليه بالثلاثة الأول الموردة على الغزالى والإمام، والجواب ما عرفت مع أن قول الراوى ليس بنص وقد يلتزم كون الفعل إذا أفاد حكمًا نصًا فيه فإنه يوصف بما يوصف به الألفاظ من الظاهر والمجمل هذا ولا معنى لفرارهم من الرفع إلى الانتهاء لأن ذلك يحتمل أمورًا ثلاثة: اثنان فاسدان وواحد نزاع لفظى:
أحدها: أنهم فروا من الرفع لكون الحكم قديمًا والتعلق قديمًا فلا يتصور رفع شئ منهما وهذا فاسد فإن انتهاء أمد الوجوب لا يتصور مع دوام الوجوب، وعدم دوامه هو رفعه فقد قال بالرفع معنًى وأنكره لفظًا فناقض.
ثانيها: أنهم فروا منه لأن التعلق بفعل مستقبل لا يمكن رفعه فإذا نسخ علم أنه لم يكن متعلقًا به، وهذا أيضًا فاسد، لأنه يلزم منه القول بامتناع النسخ قبل الفعل لأنه إذا صدق أن ما نسخ فالخطاب لم يتناوله صدق بحكم عكس النقيض أن ما
стр. 1575
يتناوله الخطاب لا ينسخ ولا شك أن الخطاب فى قوله صلِ يوم الخميس قد يتناول الفعل فى الجملة فيجب أن لا يمكن نسخه كما ذهب إليه المعتزلة وهو خلاف مذهب الفقهاء.
ثالثها: أنهم فروا لأنهم يرون النسخ بيان أمد التعلق بالمستقبل المظنون استمراره قبل سماع الناسخ مع أنه لم يكن مستمرًا فى نفس الأمر فبسماع الناسخ زال ذلك الظن، وزال التعلق المظنون، وهذا صحيح، لكنه ليس خلافًا فى المعنى لأنه يستلزم زوال التعلق المظنون قطعًا، وهو مرادنا بالرفع ومرادهم بالانتهاء فصار لفظيًا.
الرابع: قالت المعتزلة: اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل عنه على وجه لولاه لكان ثابتًا واعترض عليه بالأربعة التى وردت على الغزالى بعينها وبخامس يخصه، وهو المقيد بالمرة يفعل وصورته أن يقول يجب عليك الحج فى جميع السنين مرة واحدة وهو قد حج مرة فإن هذا لفظ دال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم وهو الحج زائل عنه على وجه لولاه لكان ثابتًا بحكم عمومه الذى لم يدفعه التقييد بالمرة.
قوله: (لأنه فسر) ظاهر العبارة أن الإمام صرح بهذا التفسير لكنه بعيد جدًا وكان المراد أن ذلك لزم من كلامه حيث أضاف الشرط إلى دوام الحكم ودوام الحكم انتفاء النسخ ولهذا دفعه المحقق بأن ما ذكره الإمام لا يتوقف فهمه على فهم النسخ وإن كان فى الخارج هو النسخ على ما هو حكم كل حد مع محدود من الاتحاد ذاتًا والتغاير مفهومًا فانتفاء شرط دوام الحكم نفس حصول النسخ بالذات ومغايرته بالمفهوم لا يخفى أن هذا إنما يصح فى غير الحد التام إذ لا تغاير فيه إلا بمجرد إجمال وتفصيل وكأنه جعل ذلك تغايرًا فى المفهوم.
قوله: (فيكون الشرط) هكذا وقع فى بعض النسخ والظاهر أنه أن قد سقط عن القلم لفظ انتفاء أى فيكون انتفاء الشرط انتفاء انتفاء النسخ على ما صرح به فى الشروح ويحتمل أن يراد فيكون الشرط أى الأمر الذى شرط دلالة اللفظ على ظهوره حتى يكون نسخًا.
قوله: (فقاطع الدوام هو ذلك القول) لا يخلو عن اعتراف بورود الاعتراض فإن
стр. 1576
القاطع هو الناسخ لا النسخ بالمعنى المصدرى اللهم إلا أن يحمل القول أيضًا على معناه المصدرى فيؤول إلى ما فى بعض الشروح من أن المراد باللفظ التلفظ أى تلفظ الشارع على أن إطلاق التلفظ أيضًا محظور وليس هو بدال بل نفس اللفظ وأيضًا إذا كان شرط دوام الحكم هو عدم القول المخصوص كان انتفاء الشرط نفس ذلك القول الذى هو النسخ فلا يصح تفسيره باللفظ الدال على ظهوره وأيضًا لو كان الناسخ هو قول اللَّه تعالى فقط لم يكن قول الرسول ناسخًا اللهم إلا أن يفرق بينه وبين الفعل بأنه وحى فكأنه قول اللَّه بخلاف الفعل فإنه إنما يدل عليه.
قوله: (فلأنه لولاه) أى لولا تراخى الخطاب الدال على الارتفاع عن الخطاب المتقدم بل كان متصلًا كما فى الغاية والشرط ونحو ذلك لم يتقرر الحكم لأن الحكم إنما يثبت بعد تمام الكلام فكان الخطاب الثانى دافعًا لثبوت الحكم فيما وراء المذكور مثلًا لا رافعًا لما هو ثابت.
قوله: (وقد يجاب عن الرابع بأن قوله لولاه لكان ثابتًا احتراز عن قول العدل أن حكم كذا قد نسخ) فإنه وإن كان خطابًا دالًا على ارتفاع الحكم لكنه ليس هو بحيث لولاه لكان الحكم ثابتًا فى نفس الأمر وإن اعتقد المكلف ثبوته مع أن دلالة الرفع على ما ذكر التزام ولا يقدح فى التعريف التصريح بما علم التزامًا وحينئذٍ يندفع الاعتراض الثانى أيضًا مع أن المفهوم من الخطاب ههنا خطاب الشارع فلا يدخل فيه قول العدل على أنه لو أريد الدال بالذات كما سبق اندفعت الثلاثة وكان قوله لولاه للتصريح بهذا المعنى ودفع ما يتبادر إلى الفهم من إطلاق الدلالة فإن قيل: إن الشارح جعل الاعتراض الرابع استدراك قيدين نظر إلى ظاهر قوله إلخ أى آخر التعريف والأنسب أن يكون المراد آخر ذلك القيد فإنه يتم بقوله لكان ثابتًا، وقوله مع تراخيه ابتداء قيد آخر متعلق بالخطاب الدال وذلك لأن المصنِّف قد صرح بقيد التأخر وهو بعينه معنى التراخى فكيف يصح منه الاعتراض باستدراكه قلنا مبناه على أن الغزالى وصفا الخطاب الأول بالمتقدم وهو كالتصريح بتأخر الثانى بخلاف تعريف المصنِّف، فإنه خال عن ذلك بل غايته أن الرفع ينبئ عن إخراج الغاية كالارتفاع فى تعريف الغزالى فليتأمل بل التحقيق أن قيد التراخى مما لا بد منه فى حقيقة النسخ والتأخر لا يستلزمه إذ المتأخر قد يكون متصلًا كالاستثناء والغاية ألا ترى أن فاء العطف تفيد التأخر ولا تفيد التراخى نعم أراد
стр. 1577
المصنِّفُ بالتأخر التراخى الذى هو أخص من مدلوله ولذا قال الشارح: إن قول الغزالى مع تراخيه عنه مثل قول المصنِّف متأخرًا احترازًا عن الغاية ونحوها لدخولها حقيقة أو توهمًا.
قوله: (مع تراخيه) أى ذلك النص عن مورده أى زمان ورود ذلك الحكم ولا يخفى أن هذا الإخراج مثل الغاية.
قوله: (واعترض عليه بالثلاثة) وهى أن النص دليل النسخ لا نفسه وأنه غير مطرد لدخول قول العدل أن حكم كذا قد نسخ ولا منعكس لخروج فعله ﵇ إذا نسخ حكمًا ولا بد واستدراك قيد التراخى لأنه لا إشعار فى تعريفهم بذلك والجواب ما سبق أن النسخ بالحقيقة هو قول اللَّه تعالى الدال بالذات على انتهاء الحكم وقول العدل وفعل الرسول إنما يدلان بالذات على ذلك القول لا على الانتهاء وقد يجاب عن الأخيرين بأن قول الرافعى ليس بنص لما فيه من الاحتمال وفعل الرسول قد يكون نصًا كما يكون ظاهرًا أو مجملًا هذا إن أريد بالنص ما يقابل الظاهر وإن أريد ما يقابل الاحتمال والقياس وهو الكتاب والسنة فخروج قول العدل دخول فعل الرسول ظاهر.
قوله: (فقد قال) أى فر من الرفع إلى الانتهاء.
قوله: (فناقض) حيث أنكره ولم يذكره.
قوله: (بانتهاء ما زاد الشارحون) فى هذا المقام على إعادة المتن والشارح المحقق وإن بالغ فى التقرير لم يكشف عن حقيقة الحال وكان المقصود أن النسخ إنما يكون لتعلق الخطاب بالفعل فى المستقبل لأن ما وجد لا يتصور نسخه، وبالنظر إلى المستقبل يصح البيان أى الإعلام بأن الخطاب لم يتعلق ولا يصح الرفع لاقتضائه سابقة الثبوت وحاهل الاعتراض أن النسخ إذا كان هو البيان والإعلام بأن الخطاب لم يتعلق فإذا لم يوجد هذا المعنى لم يتحقق النسخ كما فى الخطاب المتعلق بفعل فى المستقبل مثل صلِ يوم الخميس فإنه يتناول فعلًا فى الجملة ويتعلق به ضرورة وكل ما هذا شأنه يمتنع نسخه فإن قيل بل يمتنع نسخه مطلقًا لتحقق التناول والتعلق قلنا إذا كان ظاهر الخطاب متناولًا للمستقبل وغيره أمكن نسخه بمعنى بيان عدم التعلق بالاستقلال.
قوله: (واعترض عليه بالأربعة) أما الثلاثة الأول فبعينها إذ اللفظ دليل النسخ
стр. 1578
لا نفسه ويدخل قول العدل ويخرج فعل النبى ﵇، وأما الرابع فيجزئه لإشعار الزائل بأنه لولاه لكان ثابتًا لا بجميعه لعدم قيد التراخى وتقرير الاعتراض، الخامس على ما فى الشروح أن الأمر القيد بمرة إذا ورد بعده نص يدل على زوال حكمه فإنه نسخ مع أن الزائل نفس ذلك الحكم لا مثله واعترضوا بأنه لا يجوز مثل ذلك لأنهم يمنعون النسخ قبل الفعل ورد بأنه يجور أن ينسخ فى وقته وهم يمنعون النسخ قبل الوقت لا قبل الفعل ولما كان هذا التقرير لفظًا ينقل حشوًا قدره الشارح المحقق بما لا مزيد عليه وهو أن المقيد بالمرة إذا فعل مرة يصدق هذا التعريف على اللفظ الذى يفيد تقييده بالمرة مع أنه ليس بنسخ كما إذا قال الشارع: يجب عليك الحج فى جميع السنين مرة واحدة، وهو قد حج مرة فإن قوله مرة واحدة لفظ دال على أن مثل الحكم الثابت بالنص السابق زائل عن المخاطب على وجه لولا ذلك اللفظ لكان مثل ذلك الحكم ثابتًا بحكم عموم النص الذى لم يرفعه أى ذلك العموم التقييد بالمرة أى على تقدير عدمه فقوله وقد حج مرة ليتحقق الحكم والمثل وقوله وهو الحج يجوز أن يكون الضمير للمثل والحج إشارة إلى المرات الأخر، وأن يكون للحكم والحج إشارة إلى ما فعل من الحج ويمكن المناقشة فى ثبوت الحكم وزواله فإن الكلام بالتمام واعلم أن شيئًا من التعريفات لا يتناول نسخ التلاوة اللهم إلا أن يقال: إنه عبارة عن نسخ الأحكام المتعلقة بنفس النظم كالجواز فى الصلاة وحرمة القراءة على الجنب والحائض ونحو ذلك.
قوله: (غير العيسوية) قوم من اليهود ذهبوا إلى جواز النسخ عقلًا ووقوعه
قوله: (فلا يصح تفسيره باللفظ الدال على ظهوره) أى ظهور القول الذى هو النسخ كما هو مآل ظهور انتفاء عدم القول.
قوله: (مع أن دلالة الرفع على مما ذكر التزام) هذا مسلم لكن التعريف ليس بالرفع بل باللفظ الدال على الرفع وقول العدل وإن لم يصدق عليه أنه رافع لكن يصدق عليه أنه دال على الرفع.
قوله: (ولا بد واستدراك) تحريف والأصل: ولا يرد استدراك.
قوله: (فقد قال أى فر) تحريف والأصل: فقد قال من فر وقوله: بل الإجمال صوابه: بل الإجماع.
стр. 1579
قوله: (لأن ما وجد لا يتصور نسخه. . . إلخ) وجهه الأبهرى بأن الحكم قديم لا ينسخ وإنما ينسخ التعلق والتعلق بفعل ماض أو حاضر لا يتصور نسخه وإذا كان كذلك ففرارهم من الرفع إلى الانتهاء لاجل أن تعلق الحكم بفعل مستقبل لا يمكن رفعه لأنه لو رفع يلزم أن يكون التعلق حاصلًا فى المستقبل غير حاصل فيه وهو تناقض فمتى نسخ حكم لم يكن متعلقًا بفعل مستقبل وإلا لزم ثبوت التعلق وعدمه فى الاستقبال وينعكس هذا إلى قولنا: متى كان متعلقًا بفعل مستقبل لم ينسخ فيلزمهم القول بامتناع النسخ قبل الفعل وهو خلاف مذهب الفقهاء هذا هو التحقيق فى هذا المقام وما قيل: إن تعلق الحكم بالنظر إلى الاستقبال لا يمكن رفعه لاقتضاء الرفع سابقة الثبوت إنما يتم لو كان المراد بالتعلق تعلق التنجيز وليس كذلك. اهـ.
قوله: (فإن قيل بل يمتنع نسخه مطلقًا. . . إلخ) لعل أصل العبارة فإن قيل مقتضى هذا امتناع النسخ مطلقًا لا بالنسبة للتعلق بالمستقبل فقط ويحتمل أن يكون المراد أن مقتضى هذا امتناع النسخ مطلقًا لا قبل الفعل فقط.
قوله: (لفظًا ينقل) صوابه: بجعل لفظ يفعل.
قوله: (وهو الحج يجوز أن يكون الضمير. . . إلخ) وعلى كل فيه تقدير مضاف أى وجوب الحج لأنه الحكم.
стр. 1580
قال: (والإجماع على الجواز والوقوع وخالفت اليهود فى الجواز وأبو مسلم الأصفهانى فى الوقوع. لنا القطع بالجواز وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، وفى التوراة أنه أمر آدم ﵇ بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك باتفاق واستدل بإباحة السبت ثم تحريمه وبجواز الختان ثم إيجابه يوم الولادة عندهم وبجواز الأختين ثم التحريم، وأجيب بأن رفع مباح الأصل ليس بنسخ).
أقول: أجمع أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه وخالفت اليهود غير العيسوية فى جوازه فقالوا: يمتنع عقلًا، وأبو مسلم الأصفهانى فى وقوعه، فقال: إنه وإن جاز عقلًا لكنه لم يقع، لنا أن القطع بجوازه عقلًا وأنه لو فرض وقوعه لم يلزم منه محال لذاته سواء اعتبرت المصالع أم لا، أما إذا لم تعتبر فظاهر لأن اللَّه يفعل ما يشاء وأما إذا اعتبرت فلأنا نقطع أن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات كشرب دواء فى وقت دون وقت فلا بعد أن تكون المصلحة فى وقت تقتضى شرع ذلك الحكم وفى وقت رفعه، وأما الوقوع فإنه جاء فى التوراة أن آدم ﵇ أسر بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك باتفاف وهو النسخ، وقد استدل عليه بأن السبت كان قبل موسى ﵇ مباحًا ثم حرم، وكان الختان جائزًا ثم أوجب يوم الولادة عندهم، والجمع بين الأختين كان جائزًا ثم حرم عندهم وكل ذلك نسخ. الجواب: منع كونه نسخًا لأنه رفع لأمور كانت مباحة بالأصل ورفع مباح الأصل ليس بنسخ كما علمت.
سمعًا واعترفوا بنبوة محمد ﵇ لكن إلى العرب خاصة لا إلى الأمم كافة.
قوله: (بتزويج بناته من بنيه) يعنى ورد فى التوراة بلفظ الإطلاق بل العموم لكن على سبيل التوزيع من غير تخصيص بالبنات والبنين فى زمانه ولا تقييد بوقت دون وقت والاحتمالات التى لم تنشأ عن دليل بل ينفيها ظاهر الدليل تكون منفية.
قوله: (ثم حرم عندهم) لفظ عندهم زيادة ليس فى المتن كأنه قصد بها التصريح بالالتزام.
قوله: (فلا يمكن بطلانه متنًا) الأولى أن يقول سندًا لأن التواتر إنما يصحح
قوله: (بالالتزام) الأولى بالإلزام.
следующие страницы →