← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الشارح: (ولو تحقق مع بعده ولكن لا فى كل صورة) الكلام فيه حذف والأصل ولو تحقق مع بعده أبطل ولكن لا فى كل صورة. قوله: (فقوله فى الزجر خبران) هو على نسخة ليس فيها لفظ كاف فى الزجر وإلا فالخبر هو كاف.

стр. 1717

قال: (وفى النقض المكسور وهو نقض بعض الأوصاف المختار لا يبطل كقول الشافعى فى بيع الغائب مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلا يصح مثل: بعتك عبدًا فيعترض بما لو تزوج امرأة لم يرها، لنا أن العلة المجموع فلا نقض فإن بين عدم تأثير كونه مبيعًا كان كالعدم فيصح النقض ولا يفيد مجرد ذكره دفع النقض). أقول: إذا نقض العلة بترك بعض الصفات سمى نقضًا مكسورًا، وهو بالحقيقة نقض بعض الصفات وأنه بين النقض والكسر، كأنه قال: الحكمة المعتبرة تحصل باعتبار هذا البعض، وقد وجد فى المحل، ولم يوجد الحكم فيه، فهو نقض لما ادعاه علة باعتبار الحكمة، وقد اختلف فى أنه هل يبطل العلية؟ والمختار أنه لا يبطل. مثاله: أن يقول الشافعى فى منع بيع الغائب: إنه بيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلا يصح بيعه، كما لو قال: بعتك عبدًا من غير تعيين، فيقول المعترض: هذا منقوض بما لو تزوج امرأة لم يرها فإنها مجهولة الصفة عند العاقد حال العقد وهو صحيح، قد حذف قيد كونه مبيعًا ونقض الباقى وهو كونه مجهول الصفة عند العقد حال العاقد، لنا: العلة المجموع فلا نقض عليه إذ لا يلزم من عدم علية البعض عدم علية الجميع هذا إذا اقتصر على نقض البعض. وأما إذا أضاف إليه إلغاء وصف المتروك وكونه وصفًا طرديًا لا مدخل له فى العلية بأن يبين عدم تأثير كونه مبيعًا بأن العلة كونه مجهول الصفة عند العاقد حال العقد لأنه مستقل بالمناسبة فحينئذٍ يكون وصف كونه مبيعًا كالعدم فيصح النقض لوروده على ما يصلح علة ولا يكون مجرد ذكره دافعًا للنقض، خلافًا لشرذمة لأنه بمجرد ذكره لا يصير جزءًا من العلة إذا قام الدليل على أنه ليس جزءًا ويتعين الباقى لصلوح العلية فيبطله بالنقض، ويصير حاصله سؤال ترديد وهو أن العلة إما المجموع أو الباقى وكلاهما باطل، أما المجموع فلإلغاء الملغى، وأما الباقى فللنقض. قوله: (وصف المتروك) المتروك هو المبيع والموصف كونه مبيعًا ومع ذلك فالأحسن الوصف المتروك.

стр. 1718

الشارح: (وأنه بين النقض والكسر) أى لأنه إن نسب لمجموع الوصف فهو كسر لوجود الحكمة بدونه وبدون الحكم وإن نسب إلى بعضه الذى تخلف عنه الحكم فهو نقض وقوله الحكمة المعتبرة لعلها هنا الغرر وقوله وصف المتروك الإضافة بيانية فلا حاجة إلى اعتبار الكون مبيعًا وصفًا والمبيع الموصوف متروكًا.

стр. 1719

قال: (وأما العكس وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة فاشتراطه مبنى على تعليل الحكم بعلتين لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله ونعنى انتفاء العلم، أو الظن لأنه لا يلزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاؤه). أقول: شرط قوم فى علة حكم الأصل الانعكاس وهو أنه كلما عدم الوصف عدم الحكم ولم يشترطه آخرون، والحق أنه مبنى على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين لأنه إذا جاز ذلك صح أن ينتفى الوصف ولا ينتفى الحكم لوجود الوصف الآخر وقيامه مقامه وأما إذا لم يجز فثبوت الحكم بدون الوصف يدل على أنه ليس علة له وأمارة عليه وإلا لانتفى الحكم بانتفائه لوجوب انتفاء الحكم عند انتفاء دليله ونعنى بذلك انتفاء العلم أو الظن لا انتفاء نفس الحكم إذ لا يلزم من انتفاء دليل الشئ انتفاؤه وإلا لزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاء الصانع تعالى، وأنه باطل، نعم يلزم انتفاء العلم أو الظن بالصانع فإنا نعلم قطعًا أن الصانع لو لم يخلق العالم أو لو لم يخلق فيه الدلالة لما لزم انتفاؤه قطعًا هذا بناء على رأينا، وأما عند المصوبة فلا حاجة إلى هذا العذر لأن مناط الحكم عندهم العلم أو الظن فإذا انتفيا انتفى الحكم، على رأينا يمكن أن يقال بسقوط الحكم لئلا يلزم تكليف المحال، وقد يقال العلة الدليل الباعث على الحكم، وقد يخالف مطلق الدليل فيلزم من عدمه عدم الحكم وكيف لا والحكم لا يكون إلا لباعث إما وجوبًا أو تفضلًا. قوله: (والحق أنه مبنى) أى عدم الاشتراط مبنى على جواز التعليل بعلتين والخلاف فى الاشتراط وعدمه مبنى على الخلاف فى الجواز فمن جوزه لم يشترط ومن منعه اشترط. قوله: (على رأينا) وهو أن المصيب واحد يمكن أن يقال بانتفاء الحكم نفسه عند انتفاء الدليل لئلا يلزم التكليف بالمحال لأن الامتثال والإتيان بالفعل بدون العلم أو الظن بالتكليف وتعلق الخطاب محال وأيضًا يمكن أن يقال: إن هذا الدليل بخصوصه أعنى الباعث على الحكم يجوز أن ينتفى الحكم عند انتفائه لكونه لازمًا للحكم إما بطريق الوجوب كما هو رأى المعتزلة أو بطريق التفضيل كما هو رأينا والحاصل أنه يجوز أن ينتفى الحكم الشرعى بانتفاء دليله الذى هو الباعث عليه

стр. 1720

لخصوصية فى المدلول أو فى الدليل ولا يلزم منه انتفاء المدلول بانتفاء الدليل على الإطلاق. المصنف: (مبنى على تعليل الحكم بعلتين) هكذا فى نسخ الشارح والصواب على امتناع تعليل الحكم بعلتين كما فى نسخ المتن المجردة. قوله: (لخصوصية فى المدلول) هو كونه ممنوع التكليف به عند عدم العلم بدليله للزوم التكليف بالمحال وقوله أو فى الدليل هو كونه بمعنى الباعث المشتمل على مصلحة فى ترتب الحكم عليه أو دفع مفسدة.

стр. 1721

قال: (وفى تعليل الحكم بعلتين أو علل كل مستقل، ثالثها للقاضى يجوز فى المنصوصة المستنبطة ورابعها عكسه ومختار الإمام يجوز ولكن لم يقع لنا لو لم يجز لم يقع وقد وقع فإن اللمس والبول والغائط والمذى يثبت بكل واحد منها الحدث والقصاص والردة يثبت بكل واحد منهما القتل، قولهم الأحكام متعددة ولذلك ينتفى قتل القصاص ويبقى الآخر وبالعكس، قلنا إضافة الشئ إلى أحد دليليه الواجب تعددًا وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط وأيضًا لو امتنع لامتنع تعدد الأدلة لأنها أدلة). أقول: لما علمت أن اشتراط الانعكاس فرع تعدد العلة فلنتخذ ذلك مبحثًا ولنتكلم فيه، فنقول: البحث تعليل الحكم الواحد بعلتين أو بعلل كل واحد منهما أو منها مستقل باقتضاء الحكم لا أنه جزء المجموع المركب منهما، أو منها فإن ذلك بحث آخر سنذكره برأسه، وفيه مذاهب أحدها: يجوز، ثانيها: لا يجوز، ثالثها وهو مذهب القاضى: يجوز فى المنصوصة دون المستنبطة، رابعها: عكسه، وهو أنه يجوز فى المستنبطة دون المنصوصة، ثم بعد الجواز قد اختلف فى الوقوع، فالجمهور على الوقوع ومختار الإمام أنه يجوز ولكن لم يقع، لنا لو لم يجز لم يقع ضرورة، وقد وقع فإن اللمس والمس والبول والمذى والغائط أمور مختلفة الحقيقة، وهى علل مستقلة للحدث لثبوت الحدث بها، وهو معنى الاستقلال، وكذلك القصاص والردة مختلفتان وهما علتان مستقلتان لجواز القتل لثبوت جواز القتل بكل واحد منهما، فإن قيل لا نسلم أن الحكم فيما ذكرتم واحد بل الأحكام متعددة، فإن القتل بالقصاص غير القتل بالردة ولذلك ينتفى أحدهما ويبقى الآخر كما ينتفى قتل القصاص بالعفو، ويبقى قتل الردة وينتفى قتل الردة بالإسلام، ويبقى قتل القصاص. الجواب: أنه لو تعددت الأحكام ثم لتعددت بإضافتها إلى الأدلة إذ ليس ثَمَّ ما به الاختلاف إلا ذلك واللازم باطل لأن إضافة الحكم إلى أحد الدليلين تارة وإلى الآخر أخرى، لا توجب تعددًا وإلا لزم مغايرة حدث البول لحدث الغائط فكان يتصور أن ينتفى أحدهما ويبقى الآخر، ولنا أيضًا أنه لو امتنع تعدد العلل لامتنع تعدد الأدلة، لأن العلل الشرعية أدلة لا مؤثرات، وقد يمنع ويسند بأن الأدلة الباعثة أخص ولا يلزم من امتناعه امتناع الأعم.

стр. 1722

قوله: (فرع تعدد العلة) لا يريد أن الاشتراط فرع جواز التعدد لأن الأمر بالعكس بل يريد أن هذا المبحث والخلاف فرع ذلك على الوجه الذى ذكرنا. قوله: (ثم بعد الجواز) يشير إلى أن هذا اختلاف آخر فى المذهب الأول لا ما توهمه الشارحون أن مختار الإمام مذهب خامس مقابل للأربعة السابقة. قوله: (لثبوت الحدث بها) أى بكل من المذكورات فإن قيل المبحث توارد العلل ولا توارد ههنا لأنها لو وقعت بالترتيب فالحدث بالأول أو معًا فالحدث بواحد لا على التعيين قلنا ليس المبحث سوى كون الحكم بحيث يكون له علل مستقلة يقع بأيها كانت ولو سلم فعند الاجتماع يقع بكل منها للقطع بأنه لو حلف لم يقع له حدَث البول مثلًا حنث ولهذا لم ينازع المعترض فى تعدد العلل بل فى إيجاد الحكم وسيجئ تفصيل المذاهب فى ذلك. قوله: (لجواز القتل) يعنى للإذن فيه على ما يشمل الوجوب. قوله: (ليس ثمة) أى فيما ذكرناه من تعدد علة القتل ما به الاختلاف إلا الإضافة إلى العلل ممنوع بل أحدهما حق للَّه تعالى يجب على الإمام ويسقط بالإسلام والآخر حق للعبد يجوز له بإذن الإمام ويسقط بالعفو بقوله وإلا لزم مغايرة فيه أيضًا بحث لأنه إن أريد بالمغايرة جواز الانفكاك فلا نسلم أن عدم الاتحاد يستلزمها وإن أريد عدم الاتحاد فلا نسلم أنها تستلزم جواز انتفاء أحدهما وبقاء الآخر لجواز التلازم فى الوجود وأيضًا النزاع فى الواحد الشخصى على ما صرح به الآمدى والخصم يمنع كون الحكم فيما ذكر من الصور واحدًا بالشخص لا بالنوع. الشارح: (الجواب أنه لو تعددت الأحكام. . . إلخ) مراده بهذا الجواب تحقيق أن الحكم فيما ذكر متحد وإلا ترتب عليه أمر باطل وهو تغاير حدث البول لحدث الغائط ولعله يقول فى قول الخصم إن القتل بالقصاص ينتفى ويثبت القتل بالردة والعكس إن القتل لم ينتف وإنما الذى انتفى علة وثبتت علة أخرى ولا تغاير بين القتل قصاصًا والقتل ردة إلا بالإضافة للدليل وما ذكره المحشى من أن أحدهما حق للَّه والآخر حق للعبد فمن توابع الإضافة للدليل وليس اختلافًا من غيره.

стр. 1723

قوله: (على الوجه الذى ذكرنا) هو قوله فيما تقدم والخلاف فى الاشتراط وعدمه مبنى على الخلاف فى الجواز فمن جوزه لم يشترط ومن منعه اشترط. قوله: (ولو سلم فعند الاجتماع يقع بكل) أى فيكون توارد العلل ظاهرًا وقوله للقطع. . . إلخ. أى ولو كان لا يقع بكل بل بواحد غير معين لم يحنث وفيه أنه قد يقال إنه يحنث لتحقق واحد ما فى هذا الفرد المخصوص. قوله: (ولهذا لم ينازع المعترض فى تعدد العلل بل فى اتحاد الحكم) أى ولكون الكلام ليس فى توارد العلل بل فى كون الحكم بحيث يكون له علل مستقلة يقع بأيها كانت أو فى تواردها وهو حاصل عند الاجتماع لم ينازع المعترض فى تعدد العلل. قوله: (وأيضًا النزاع فى الواحد الشخصى. . . إلخ) غير ظاهر بل الظاهر أن النزاع فى الحكم النوعى الذى يصح أن يثبت مثله للفرع عند المساواة فى العلة.

стр. 1724

قال: (المانع لو جاز لكانت كل واحدة مستقلة غير مستقلة لأن معنى استقلالها ثبوت الحكم بها فإذا انفردت يثبت الحكم بها فإذا تعددت تناقضت، وأجيب بأن معنى استقلالها أنها إذا انفردت استقلت فلا تناقض فى التعدد، قالوا: لو جاز لاجتمع المثلان فيستلزم النقيضين لأن المحل يكون مستغنيًا غير مستغن وفى الترتيب تحصيل الحاصل، قلنا فى العلل العقلية فإما مدلول الدليلين فلا، قالوا: لو جاز لما تعلق الأئمة فى علة الربا بالترجيح، لأن من ضرورته صحة الاستقلال، وأجيب بأنهم تعرضوا للإبطال لا للترجيح، ولو سلم فللإجماع على اتحاد العلة ههنا وإلا لزم جعلها أجزاء). أقول: للمانعين تعدد العلل حجج، قالوا: أولًا: لو جاز تعدد العلل المستقلة لكان كل واحدة منها مستقلة بالغرض غير مستقلة لأن معنى استقلالها ثبوت الحكم بها وقد قلنا يثبت لا بها بل بغيرها، وأيضًا فلنفرض التعدد فى محل واحد فى زمان واحد بأن يلمس ويمس معًا فيلزم التناقض إذ يثبت الحكم بكل بدون الآخر فيثبت بهما ولا يثبت بهما. الجواب: لا نسلم لزوم الأمرين معًا فإن معنى استقلالها ليس ثبوت الحكم بها فى الواقع بل إنها لو وجدت منفردة يثبت الحكم بها وذلك لا ينافى ثبوت الحكم لا بها إذا لم توجد أو بها وبغيرها إذا وجدت غير منفردة، وبذلك يندفع لزوم عدم استقلالها وهو ظاهر وكذا لزوم التناقض عند الاجتماع فإن انتفاء الاستقلال عند الاجتماع لا ينافى الاستقلال على تقدير الانفراد وثبوت الاستقلال على تقدير الانفراد أمر ثابت عند الاجتماع ونسميه بالاستقلال مجازًا. قالوا: ثانيًا: لو جاز تعدد العلل لزم اجتماع المثلين وأنه محال، أما الملازمة فلجواز اجتماعهما فى محل وكل واحد منهما يوجب مثل ما يوجبه الآخر فموجباهما مثلان وقد اجتمعا فى المحل، وأما استحالة اللازم فلأن اجتماع المثلين فى محل يوجب اجتماع النقيضين لأن المحل يستغنى فى ثبوت حكمهما له بكل واحد عن كل واحد فيكون مستغنيًا عنهما غير مستغن عنهما، مثلًا لو فرضنا علمين بمعلوم واحد فى محل لثبت به حكم العلم وهو العالمية وأنه حكم واحد لا تعدد فيه فيكون فى العالمية محتاجًا إلى كل واحد من العلمين مستغنيًا عنه بالآخر، فهذا لازمه مطلقًا وإذا فرضنا الترتيب وهو حصول أحدهما بعد الآخر لزم تحصيل

стр. 1725

الحاصل وهو حصول العالمية بالثانى من العلمين بعد حصوله بالأول منهما، قوله: وفى الترتيب تحصيل الحاصل أى ويستلزم فى الترتيب تحصيل الحاصل أيضًا كما يستلزم اجتماع النقيضين مطلقًا سواء فيه الترتيب والمعية. الجواب: هذا إنما يلزم إذا كانت العلة المستقلة عقلية، وهى ما تفيد وجود أمر وأما إذا كانت شرعية وهى ما تفيد العلم بوجود أمر فلا لأنها بمعنى الدليل ويجوز اجتماع الأدلة على مدلول واحد. قالوا: ثالثًا: تعلق الأئمة فى علل الربا أهى الطعم أو الكيل أو القوت بالترجيح ولو جاز التعدد لما تعلقوا بالترجيح لأن من ضرورة الترجيح صحة استقلال كل واحد بالعلية فكان يجب لو جاز التعدد أن يقولوا بالتعدد ولا يتعلقوا بالترجيح لتعيين واحدة ونفى ما سواها. الجواب: منع كونهم تعلقوا بالترجيح بل تعرضوا لتعيين ما يصلح علة مستقلة ونفى ذلك عما سواه بإبطاله ولو سلم فللإجماع ههنا على أن العلة واحد من هذه الثلاثة ولولا الإجماع لوجب جعل كل واحد منها جزءًا وعدم المسير إلى الترجيح لأن المفروض أنهم يرون صلاحية كل للعلية ولا دليل على إلغاء كل واحد منها فوجب اعتبارها وذلك بالقول بالجزئية لا سيما عند عدم ظهور وجه الترجيح. قوله: (وأيضًا فلنفرض) بين لزوم التناقض بوجهين أحدهما لزوم الاستقلال على ما هو المفروض وعدم الاستقلال على ما هو لازم الثبوت بالغير لأن معنى استقلالها ثبوت الحكم بها دون غيرها صرح به فى المنتهى ولما كان ظاهر معنى الاستقلال ثبوت الحكم بها نفسها من غير احتياج إلى انضمام شئ آخر ولم يكن لعدم الثبوت بالغير مدخل فى ذلك اقتصر الشارح المحقق عليه ولم يذكر دون غيرها لكنه اضطر إليه آخر الأمر حيث قال: وقد قلنا يثبت لا بها بل بغيرها لأن هذا معنى استقلال الأخرى فقد أخذ فيه الثبوت بها لا بغيرها وثانيهما لزوم ثبوت الحكم بكل منهما وعدم الثبوت وذلك عند اجتماع العلل والجواب منع لزوم الأمرين اللذين أحدهما الاستقلال وعدمه وثانيهما الثبوت بهما وعدمه وإنما يلزم لو كان معنى الاستقلال ما ذكرتم وليس كذلك بل معناه كونها بحيث إذا وجدت منفردة يثبت الحكم بها وهذه الحيثية لا تزول عنها فيما إذا ثبت الحكم بغيرها وحده

стр. 1726

أو بهما جميعًا فلا يلزم عدم الاستقلال أصلًا ولا يلزم فى صورة الاجتماع الثبوت بها وعدم الثبوت لأن الثبوت حينئذ بهما جميعًا وهى فى هذه الحالة مستقلة بمعنى أنها بحيث إذ لو وجدت منفردة يثبت الحكم بها وأنت خبير بأنه إذا كان معنى الاستقلال هذا لم يحتج إلى جعله مجازًا وبالجملة يندفع اعتراض الشروح بأن ما ذكر يقتضى عدم الاستقلال عند الاجتماع وهو خلاف ما اختاره هذا فظاهر عبارة الشارح أى استحالة عدم الاستقلال على تقدير وجوده ليس من جهة أنه تناقض بل خلف والمستحيلة من جهة التناقض إنما هو الثانى. قوله: (لزم اجتماع المثلين) فى بعض الشروح أنه لا حاجة إلى توسط اجتماع المثلين بل يكفى أن يقال لو تعدد العلل لزم أن يكون المحل مستغنيًا عنهما غير مستغن عنهما وهو محال ولو قال واستلزم النقيضين ليكونا دليلين لكان حسنًا. قوله: (فهذا لازمه) أى لازم تعدد العلل سواء كانت مترتبة أو معًا وأما إذا كانت مترتبة فتستلزم محالًا آخر وهو تحصيل الحاصل حيث حصل بالعلة الثانية ما كان حاصلًا بالأولى بخلاف ما إذا كانتا معًا وفى هذا إشارة إلى دفع ما ذكر فى بعض الشروح أنه لا جهة لتخصيص اجتماع المثلين بصورة المعية وتحصيل الحاصل بصورة الترتيب. قوله: (الجواب هذا) أى ما ذكر من اجتماع المثلين وتحصيل الحاصل إنما يلزم فى تعدد العلل العقلية المفيدة للوجود دون الشرعية المفيدة للعلم بالشئ وقد سقط هذا الجواب عن كثير من نسخ الشرح ويمكن الجواب أيضًا بمثل ما سبق من أن كلًا من العلل عند الاجتماع يكون جزءًا والعلة هى المجموع وبأنه على تقدير الاستقلال قد يتخلف عنه المعلول لمانع وهو الحصول بعلة أخرى. قوله: (أهى الطعم) الضمير عائد إلى العلة المفهومة من العلل لا إلى العلل لما لا يخفى. قوله: (لأن من ضرورة الترجيح صحة الاستقلال) ظاهره بيان الملازمة وليس كذلك بل تركه لظهوره وهو أنه إذا جاز التعدد كان الترجيح عبثًا بل كان باطلًا لكن لما كان يرد عليه أن هذا إنما يتم لو كان كل صالحًا للعلية بالاستقلال ذكر أن صحة الاستقلال من لوازم الترجيح إذ لا معنى للترجيح بين ما يصلح وما لا يصلح ولهذا فرع المحقق بيان الملازمة على ثبوت هذه المقدمة فقال فكان يجب .. إلخ.

стр. 1727

قوله: (لوجب جعل كل واحد منها جزءًا) إشارة إلى قوله وإلا لوجب جعلها أجزاء كلام مسوق على طريق التوزيع حيث جعل العلل أجزاء بمعنى أن كلًا منها جزء فيندفع ما قال العلامة أن قوله مرجع ضمير جعلها تعسفًا نعم عبارة المنتهى وهو وإلا لزم جعل كل واحد منها جزءًا أوضح. المصنف: (فإذا انفردت يثبت الحكم بها فإذا تعددت تناقضت) الظاهر من كلام المصنف أن المجموع بيان لوجه كون العلة مستقلة وغير مستقلة إذا جاز تعددها بأنها حينما تكون وحدها يثبت الحكم بها وعند تعددها ولو لم تكن مجتمعة لا يثبت الحكم بذلك الغير لاستقلاله فيكون كل واحدة من العلتين مستقلًا وغير مستقل وهو تناقض وقد شرحه الشارح على أن قوله فإذا تعددت تناقضت وجه آخر وهو أنه عند الاجتماع فى زمن واحد ومحل واحد يحصل التناقض بين ثبوت الحكم بكل وعدم ثبوته بكل نظرًا لاستقلال العلة وعلى هذا فقوله فلا تناقض فى التعدد أى سواء كان من غير اجتماع أو مع الاجتماع. الشارح: (ولولا الإجماع لوجب جعل كل واحد منها جزءًا) أى لامتناع التعليل بعلتين عنده. قوله: (وفى هذا إشارة إلى دفع ما فى بعض الشراح. . . إلخ) أى فى جعل اجتماع المثلين لازمًا فى المعية والترتيب وتحصيل الحاصل لازمًا فى الترتيب اندفع ما فى بعض الشراح. . . إلخ. قوله: (لكن لما كان يرد عليه أن هذا) وهو قوله لو جاز لما تعلقا بالترجيح إنما يتم إذا كان كل صالحًا للعلية يعنى لا يكون دليلًا على الامتناع إلا إذا كان كل واحد من المتعدد صالحًا للعلية وإلا فيجوز أن يكون الامتناع لعدم الصلاحية للعلية ذكر أن صحة الاستقلال من لوازم الترجيح.

стр. 1728

قال: (القاضى لا بعد فى المنصوصة وأما المستنبطة فتستلزم الجزئية لدفع التحكم فإن عينت بالنص رجعت منصوصة، وأجيب بأنه يثبت به الحكم فى محال أفرادها فتستنبط). أقول: القاضى وهو المجوز فى المنصوصة دون المستنبطة له مقامان أحدهما الجواز فى المنصوصة فقال لا بعد فى تعددها إذ لا مانع أن يعين اللَّه تعالى لحكم أمارتين ثانيهما عدم الجواز فى المستنبطة فقال إذا اجتمعت أوصاف كل صالح للعلية حكمنا بكون كل واحد جزءًا من العلة إذ الحكم بالعلية دون الجزئية تحكم لقيام الاحتمالين فى نظر العقل ولا نص يعين أحدهما وإلا رجعت منصوصة وهو خلاف المفروض. الجواب: لا نسلم لزوم التحكم فإنه يمكن استنباط الاستقلال بالعقل وهو أن يكون كما اجتمعت فى محل ينفرد كل فى محل فيثبت فيه الحكم فيستنبط أن العلة كل واحد لا الكل كما وجدنا المس وحده واللمس وحده فى محلين وثبت الحدث معهما فعلمنا أن كل واحد منهما علة مستقلة وإلا لما ثبت الحكم فى محل أفرادهما فيحكم بذلك عند الاجتماع. قوله: (إذ الحكم بالعلية دون الجزئية تحكم) هذا تقرير واضح لكن لا يخفى إمكان معارضته بالمثل فإن الحكم بالجزئية دون العلية تحكم وتقرير الشارحين أنه تحكم بالجزئية لأن الحكم بعلية البعض دون البعض تحكم والمنع عليه ظاهر لجواز الحكم بعلية كل واحد من غير تحكم وترجيح فإن دفع بامتناع اجتماع العلل على ما فى بعض الشروح فمصادرة أو بلزوم التناقض أعنى الاستغناء وعدمه على ما ذكره بعض الشارحين فباقى المقدمات مستدرك لما سبق من أنه دليل على حدة. قوله: (فيحكم بذلك) أى بكون كل منها علة مستقلة عند الاجتماع وهذا يخالف ما سبق أن كلًا منها عند الاجتماع جزء وتسميته بالاستقلال مجاز: لمعنى أنها بحيث لو انفردت كانت مستقلة إلا أن مثله لا يبعد فى مقام الجواب والأوفق ما فى الشروح أنه يستنبط أنها عند الانفراد علل مستقلة وعند الاجتماع أجزاء إلا أنه لا يلائم تقرير الدليل إذ ربما يشعر بتسليم مقتضاه فلذا لم يحمل عليه قوله فيحكم بذلك عند الاجتماع.

стр. 1729

قوله: (فإن الحكم بالجزئية دون العلية تحكم) رد بأن العلية تحتاج إلى دليل صلوحيتها للاستقلال بخلاف الجزئية فيكفى فيها عدم الدليل على العلية فلذلك قيل بالتحكم فى العلية لقيام الاحتمالين احتمال الجزئية واحتمال العلية على حد سواء بخلاف الجزئية وسيأتى الجواب بقيام الدليل فى العلية على الصلاحية للاستقلال وقوله فإن دفع أى المنع المذكور. قوله: (فمصادرة) أى لأخذ الدعوى فى الدليل لأن الدعوى امتناع تعدد العلل فى المستنبطة وقوله فباقى المقدمات مستدرك. . . إلخ. أى فلا حاجة لذكر التحكم بل كان يكفى أن يقال للزوم التناقض وحيث لم ينفع دفع المنع المذكور لم يصح توجيه التحكم بما ذكر. قوله: (لا يلائم تقرير الدليل) أى دليل القاضى وقوله إذ ربما يشعر بتسليم مقتضاه أى مقتضى دليل القاضى فإنه يقول بالجزئية فى صورة الاجتماع وحينئذ فلا يصح أن يكون هذا الكلام جوابًا عن ذلك الدليل وقوله ولا الاحتمال أى احتمال أن تكون هى العلة أو غيرها هو العلة.

стр. 1730

قال: (العاكس المنصوصة قطعية والمستنبطة وهمية فقد يتساوى الإمكان وجوابه واضح). أقول: العاكس لمذهب القاضى وهو المانع فى المنصوصة المجوز فى المستنبطة فله أيضًا مقامان: أحدهما: المنع فى المنصوصة وأثبته بأن المنصوصة قطعية بتعيين الشارع باعثة على الحكم فلا يقع فيه التعارض والاحتمال. وثانيهما: الجواز فى المستنبطة وأثبته بأن المستنبطة وهمية فقد يتساوى الإمكان فيهما ويؤيد كلًا مرجح فيغلبان على الظن فيجب اتباعهما، والجواب واضح وهو منع كون المنصوصة قطعية وإن سلم فلا يمتنع القطع بالاستقلال لجواز تعدد البواعث. قوله: (باعثة) مفعول التعيين يعنى أن معنى قطعية المنصوصة أن الشارع عين ما كانت هى الباعثة له على الحكم فلا يقع فيه إلا فيما عينه التعارض لامتناع تعارض القطعيات ولا الاحتمال وإلا لما كانت قطعية وهذا بخلاف المستنبطة فإنها وهمية أى ليست بقطعية فيمكن أن يكون الباعث هذا كما يمكن أن يكون ذاك على سواء وقد يترجح كل بما يثبته من مسالك العلة فيحصل الظن بعلية كل منهما وفى هذا دفع لما قيل أن تساوى إمكانهما لا يفيد صحة التعليل بهما بل ربما ينافى التعليل بواحدة منهما لعدم المرجح والجواب أن المنصوصية ههنا فى مقابلة الاستنباط لا الظهور حتى يستلزم القطعية ولو سلم فتعدد البواعث جائز فلا يكون فى اجتماعهما تعارض حتى يلزم تعارض القطعيات. قوله: (وفى هذا) أى فى قوله وقد يترجح كل بما يثبته. . . إلخ. وقوله لا الظهور أى لا فى مقابلة الظهور.

стр. 1731

قال: (الإمام وقال إنه النهاية القصوى وفلق الصبح لو لم يكن ممتنعًا شرعًا لوقع عادة ولو نادرًا لأن إمكانه واضح ولو وقع لعلم ثم ادعى تعدد الأحكام فيما تقدَّم). أقول: الإمام وهو القائل بعدم الوقوع قد ذكر فى بيانه وجهًا وزعم أنه الغاية القصوى فى القوة وفلق الصبح فى الوضوح وهو أنه لو لم يكن ممتنعًا شرعًا لوقع ولو على سبيل الندرة واللازم منتف، أما الملازمة فلأن إمكانه واضح وما خفى إمكانه وجوازه يمكن أن يتوهم امتناعه فلا يقع لكن ما كان إمكانه وجوازه واضحًا معلومًا لكل أحد مع التكثر والتكرار لموارده مما تقضى العادة بامتناع أن لا يقع أصلًا، وأما انتفاء اللازم فلأنه لو وقع لعلم عادة ولما لم يعلم علم أنه لم يقع ثم ادعى لتصحيح دعواه عدم الوقوع فيما تقدَّم من أسباب الحدث والقتل أن الأحكام متعددة للانفكاك وربما التزمه فى الحدث فإنه قد قبل أنه إذا نوى رفع أحد أحداثه لم يرتفع الآخر. والجواب: منع أنه لم يقع ولم ينقل كما فى الصور المذكورة وأنى له إثبات التعدد فى الحدث والتجويز لا يكفيه لأنه مستدل. قوله: (لو لم يكن ممتنعًا شرعًا) ظاهره مخالف لما سبق من أنه قائل بالجواز دون الوقوع وأيضًا ليس هذا دليلًا على عدم الوقوع بل جعل عدم الوقوع مقدمة لهذا الدليل وأثبتها بأنه لم يسلم الوقوع ويظهر مقصود المقام بإيراد كلام الإمام قال فى البرهان نحن نقول تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس ممتنعًا عقلًا نظرًا إلى المصالح الكلية ولكنه ممتنع شرعًا وإمكانه من طريق العقل فى غاية الظهور فلو كان ثابتًا شرعًا لما كان يمتنع وقوعه على حكم الندور والنادر لا بد أن يقع على مر الدهور فإذا لم يتفق وقوع هذا فى مسألة ولم يتشوق إلى طلبه طالب لاح كفلق الصبح أن ذلك ممتنع شرعًا ليس ممتنعًا عقلًا. قوله: (عدم الوقوع) مفعول دعواه وفيما تقدَّم متعلق بادعى وأن الأحكام متعددة مفعول ادعى وللانفكاك علة تعددها بمعنى أنه قد يوجد القتل للقصاص بدون القتل للارتداد وبالعكس وكذا يوجد حدث اللمس بدون حدث المس وبالعكس ثم إن ألزم بأنه لو جاز الانفكاك فى الوجود لجاز فى العدم فيجب جواز أن يرتفع أحدهما ويبقى الآخر فربما يلتزمه على ما هو رأى البعض وإنما قال فى

стр. 1732

الحدث لأنه محل الإلزام إذ لا نزاع فى ارتفاع أحدهما دون الآخر فى القتل. قوله: (والجواب منع أنه لم يقع) قولكم لو وقع لعلم لكن لم يعلم قلنا ممنوع قولكم لو علم لنقل إذ لا طريق لهذا العلم سواه لكن لم ينقل قلنا ممنوع فإن فى الصورة المذكورة من القتل والحدث العلل متعددة فمنع عدم النقل ناظر إلى كلام الإمام حيث قال ولو وقع لعلم ولكن لم ينقل من زمن النبى ﵇ إلى زماننا من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين أنهم أسندوا حكمًا واحدًا إلى علتين فإن زعم الإمام أن الحكم أيضًا متعدد احتاج إلى إثباته ولا يتيسر فإن اكتفى بأنه يجوز أن يكون الحكم متعددًا كما ذهب إليه البعض لم يكفه لأنه فى معرض الاستدلال على امتناع التعدد وعلى أن الحكم فى صورة تعدد العلل متعدد. قوله: (والمختار أن كل واحدة علة مستقلة) يعنى حقيقة لا مجازًا كما سبق وإلا لكان هذا مذهب القائلين بأن كل واحدة جزء والعلة هى المجموع. قوله: (ويظهر مقصود المقام. . . إلخ) محصله أنه يقول بالجواز عقلًا والامتناع شرعًا لا بالجواز شرعًا وعدم الوقوع كما توهم.

стр. 1733

قال: (القائلون بالوقوع إذا اجتمعت فالمختار كل واحدة علة، وقيل: جزء، وقيل: العلة واحدة لا بعينها، لنا لو لم تكن كل واحدة علة لكانت جزءًا وكانت العلة واحدة، والأول باطل لثبوت الاستقلال، والثانى للتحكم، وأيضًا لامتنع اجتماع الأدلة، القائل بالجزء لو كانت كل مستقلة لاجتمع المثلان، وقد تقدم، وأيضًا لزم التحكم لأنه إن ثبت بالجميع فهو المدعى وإلا لزم التحكم، وأجيب ثبت بالجميع كالأدلة العقلية والسمعية القائل لا بعينها لو لم يكن كذلك لزم التحكم أو الجزئية فيتعين). أقول: القائلون بوقوع تعدد العلل المستقلة اتفقوا على أنها إذا ترتبت حصل الحكم بالأولى، وأما إذا اجتمعت دفعة كمن مس ولمس وبال معًا فقد اختلفوا والمختار أن كل واحدة علة مستقلة وقيل كل واحد جزء والعلة المجموع، وقيل العلة واحدة لا بعينها والاحتمالات لا تخرج عن هذه لنا لو لم تكن كل واحدة علة مستقلة لكانت كل واحدة جزءًا وكانت العلة واحدة وكلاهما باطل، أما الملازمة فلأنه إذا سلب العلية عن كل واحد مع ثبوتها، فإما أن تثبت للمجموع فيكون كل جزأ منها أو لبعضها فيكون هى العلة، وإما بطلان الأمرين فالأول وهو الجزئية لثبوت استقلال كل، والثانى وهو كون العلة واحدة فلأنه مع تساويها تحكم محض، ولنا أيضًا أنه لو امتنع كون كل علة لامتنع اجتماع الأدلة، على مدلول لما علمت أن العلل الشرعية أدلة، واللازم منتف بالاتفاق، القائل بأن كل واحدة جزء العلة، قال لو كانت علة مستقلة لزم اجتماع المثلين وقد مر تقريره وجوابه، وقال أيضًا يلزم التحكم لأنه إما أن يثبت بالجميع فيكون لكل واحد مدخل فى ثبوته أو لا بل ببعضها دون بعض والأول هو المدعى وقد فرض عدمه فتعين الثانى وهو تحكم محض. الجواب: أنه يثبت بالجميع بمعنى ثبوته بكل واحد واحد بالاستقلال كما يثبت المدلول بالأدلة السمعية والعقلية وكل مستقل بإثباته حتى لو انتفى الآخر لم يضر عدمه والفرق بينه وبين ما ادعيتم ظاهر، القائل بأن العلة أحدها لا بعينها، قال لولا ذلك لزم التحكم أو الجزئية وكلاهما باطل، أما الملازمة فلما تقدَّم من امتناع اجتماع المثلين، فالعلة إما الكل أو واحد بعينه أو لا بعينه، وأما بطلان اللازم فالتحكم ظاهر والجزئية لما ثبت من الاستقلال، وقد سبق إليهما الإشارة فلم

стр. 1734

يتكرر، والجواب: منع الملازمة بل يستقل كل واحدة كما ذكرنا من الأدلة. قوله: (والاحتمالات لا تخرج عن هذه) لا خفاء فى احتمال آخر وهو أن يكون العلة واحدة بعينها إما على سبيل التحكم أو الترجيح فإن قيل فحينئذٍ لا تعدد والتقدير بخلافه قلنا التقدير التعدد بحسب الظاهر وبمعنى وجود أمور يصلح كل منها للعلية ولإثبات الحكم فى الجملة وإلا فلا تعدد أيضًا عند كون العلة هى المجموع أو واحدًا لا بعينه. قوله: (أو كانت العلة واحدة) أى مبهمة أو معينة إذ التحكم يرفعهما فيتم الدليل ولهذا صرح بهذا التعميم فى دليل القائل بأن العلة واحدة لا بعينه ويحتمل أن يريد المبهمة لأنه لا قائل بالمعينة وأما لو خص لزوم التحكم بالمعينة على ما هو السابق إلى الفهم الموافق لما سيجئ فلا يفيد المطلوب. قوله: (لثبوت استقلال كل) إن أراد الاستقلال فى الجملة أو بمعنى كونها بحيث يثبت الحكم بها وحدها عند الانفراد فغير مفيد وإن أراد الاستقلال عند الاجتماع بمعنى ثبوت الحكم بها بالفعل فنفس المتنازع. قوله: (لما علمت) قد علمت الاعتراض أيضًا لجواز أن يمتنع بخصوصه كونه دليلًا باعثًا ولا يلزم من امتناع الأخص امتناع الأعم فلذا لم يعده. قوله: (وقال أيضًا) لا خفاء فى احتياج كل من الوجهين إلى الآخر والأولى أن يجعلا وجهًا واحدًا، وهو أنه لو لم يكن كل واحد جزء العلة لكانت العلة كل واحدة منها فيلزم اجتماع المثلين أو واحدة فقط فيلزم التحكم لكن اللفظ لا يساعده. قوله: (والفرق بينه) أى بين الثبوت بالجميع بالمعنى الذى ذكرنا وبين الثبوت بالمجموع بالمعنى الذى ادعيتم ظاهر لأن ما ذكرنا عائد إلى الكل الإفرادى وما ذكرتم إلى الكل المجموعى وأما الفرق بأنه لو انتفى الآخر فعدمه يضركم ولا يضرنا فليس بمستقيم إذ لا نزاع فى الاستقلال عند الانفراد، فإن قيل قد ثبت أن الاستقلال مجاز عند الاجتماع وأن المثبت هو المجموع وكل واحد جزء العلة قلنا لا مذهب للمانع فليس كل ما يدفع به كلام الخصم يكون مذهبًا للمعترض فإن قيل

стр. 1735

العلل الشرعية أدلة سمعية فلا معنى لتمثيلها بها ولو سلم ففيها بل فى الأدلة العقلية أيضًا الخلاف قلنا أما التغاير فضرورى كيف وأن العلل أوصاف ثابتة فى الأصل كالإسكار فى الخمر والأدلة نص أو إجماع، وأما توارد الأدلة واستقلال كل بإفادة المطلوب فكلامهم مشحون به بل الخصم فى نفس مطلوبه هذا قد تمسك بدليلين نعم يرد عليه أنه إذا حصل العلم بالأول فماذا يحصل بالثانى وتحقيقه فى الكلام. قوله: (وقد سبق إليهما) أى إلى الملازمة وبطلان اللازم الإشارة وكذا الجواب فلذا اقتصر فى المتن على قوله لو لم يكن كذلك لزم التحكم أو الجزئية والحاصل أنه لما امتنع استقلال كل بناء على امتناع اجتماع المثلين فالعلة إما المجموع فيبطل الاستقلال أو واحد بعينه فيلزم التحكم أو واحد لا بعينه وهو المطلوب وأنت خبير بما فيه من مخالفة ما سبق حيث أثبت احتمالًا آخر وخص التحكم بعلية واحد معين. قوله: (فغير مفيد) أى لأن استقلال كل عند الانفراد لا ينافيه الجزئية عند الاجتماع إلا أن يقال حيث ثبت الاستقلال عند الانفراد فلابد منه عند الاجتماع وحينئذ ينافى الجزئية عند الاجتماع. قوله: (لكن اللفظ لا يساعده) أى لقوله وأيضًا. قوله: (وأما الفرق بأنه لو انتفى الآخر لم يضر) أى الفرق الذى أشار إليه الشارح بقوله حتى لو انتفى الآخر لم يضر فإن معناه الفرق بين دعوى الجزئية ودعوى كون كل علة بأنه على أن كل واحد علة لا يضر عدم الآخر لأنه إذا فرض أن الحكم ثابت بالواحد من العلل على الاستقلال فبانتفاء أحدها لا يبطل استقلال الباقى بخلاف ما إذا كان كل واحد منها جزءًا، فإن الاستقلال قائم بالمجموع وبانتفاء جزء ينتفى الاستقلال وحاصل رد الفرق أنه لا نزاع فى الاستقلال عند الانفراد. قوله: (فإن قيل قد ثبت أن الاستقلال مجاز. . . إلخ) أى عند منع التناقض الواقع جوابًا عن لزومه إذا قيل بتعدد العلل وقوله قلنا لا مذهب للمانع أى الذى منع دليل القائلين بمنع تعدد العلل الذى ذكره المصنف هنا بقوله لو جاز. . . إلخ.

стр. 1736

والمنع هو المذكور فى قول المصنف هناك وأجيب بأن معنى استقلالها. . . إلخ. المقتضى للجزئية عند الاجتماع. قوله: (وتحقيقه فى الكلام) مما قيل فيه إن الدليل الثانى يعرف به جهة دلالة الأول فلا تحصيل للحاصل، وقوله: هو أن يعلل ولاية الأب على الصغير الذى عرض له الجنون بالجنون؛ أى ليتفرع عليه إثبات ولايته على البالغ المجنون قياسًا عليه، وقوله: فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون؛ أى بالصغر.

стр. 1737

قال: (والمختار جواز تعليل حكمين بعلة بمعنى الباعث وأما الأمارة فاتفاق، لنا لا بعد فى مناسبة وصف واحد لحكمين مختلفين قالوا: يلزم تحصيل الحاصل لأن أحدهما حصلها وأجيب بأنه إما أن يحصل أخرى أو لا تحصل إلا بهما). أقول: ما تقدَّم تعليل الحكم بعلتين وهذا عكسه وهو تعليل الحكمين بعلة واحدة، إما بمعنى الأمارة فلا خلاف فى جوازه، وإما بمعنى الباعث فقد اختلف فيه والمختار جوازه، لنا لا بعد فى مناسبة وصف واحد لحكمين كالسرقة للقطع زجرًا لغيره وله من العود لمثله وللتغريم جبرًا لصاحب المال، وكالزنا المثبت للجلد والتغريب ليحصل بهما الزجر التام. قالوا: محال إذ يلزم منه المحال، وهو تحصيل الحاصل لأن معنى مناسبته للحكم أن مصلحته حاصلة عند الحكم والحكم الواحد يحصل المصلحة المقصودة منه فإذا حصل الحكم الثانى حصله مرة أخرى وأنه تحصيل الحاصل. والجواب: منع لزوم تحصيل الحاصل لجواز أن يحصل الحكم الآخر مصلحة أخرى كما فى مثال السارق وأن المصلحة المقصودة لا تحصل إلا بهما كما فى مثال الزانى. قوله: (فلا خلاف فى جوازه) بل وقوعه كغروب الشمس لجواز الإفطار ووجوب المغرب. قوله: (كالسرقة) فإنها وصف مناسب للقطع تحصيلًا لمصلحة الزجر وللتغريم تحصيلًا لمصلحة جبر نقص المال فالوصف السرقة والحكم القطع والتغريم والمصلحة الزجر والجبر ولا بعد فى اشتمال وصف واحد على مصالح جمة وبهذا يندفع الإشكال المتوهم على تجويز مصلحة أخرى بأنه حينئذٍ لا تكون العلة واحدة، وأما منع عدم البعد فلا يخفى سقوطه بعد البيان بالأمثلة.

стр. 1738

قال: (ومنها أن لا تتأخر عن حكم الأصل لنا لو تأخرت لثبت الحكم بغير باعث وإن قدرت أمارة فتعريف المعرف). أقول: ومن شروط علة حكم الأصل أن لا يكون ثبوتها متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل كما يقال فيما أصابه عرق الكلب أصابه عرق حيوان نجس فيكون نجسًا كلعابه فيمنع كون عرق الكلب نجسًا فيقال لأنه مستقذر فإن استقذاره إنما يحصل بعد الحكم بنجاسته، وكان يعلل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض للولى، لنا لو تأخرت العلة بمعنى الباعث عن الحكم لثبت الحكم بغير باعث وأنه محال، اللهم إلا أن لا يعنى بالعلة الباعث بل الأمارة وهو غير المبحث ومع ذلك يلزم تعريف المعرف فإن المفروض معرفة الحكم قبل ثبوت علته. قوله: (فيما أصابه عرق الكلب) هو الفرع والأصل ما أصابه لعاب الكلب والحكم نجاسة المصاب والجامع إصابة نجس يتولد من حيوان نجس فالمعترض يمنع وجود الوصف فى الفرع ويقول لا نسلم أن العرق نجس فيجيب المستدل بأنه مستقذر كاللعاب فيكون نجسًا وفيه تعليل النجاسة بالاستقذار الذى ثبوته متأخر عنها وإلا وضح فى المقصود أن يقال فى العرق العرق مستقذر كاللعاب فيكون نجسًا مثله فإنا وإن تكلفنا فالإشكال قائم لأن فيما ذكرنا قياسين قياس ما أصابه العرق على ما أصابه اللعاب، وقياس العرق على اللعاب فإذا جعل العلة المتأخرة من الاستقذار المتأخر عن نجاسة اللعاب، فالقياس الأول لغو ومنع ثبوت العلة فى فرعه هدر هذا حال المثال الأول، وأما المثال الثانى فكلام الآمدى وجميع الشارحين هو أن يعلل ولاية الأب على الصغير الذى عرض له الجنون بالجنون فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون، وهذا فى غاية الظهور وأما عبارة الشارح وهو أن يعلل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض للولى فغاية ما أدى إليه نظر الناظرين فى هذا الكتاب أن من وضع الظاهر موضع المضمر والمعنى سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض له والفرع فى الأول إثبات الولاية على البالغ المجنون وفى الثانى سلبها عنه والأقرب أن يجعل سلب الولاية عن الولى الذى عرض له الجنون كالأب مثلًا فرعًا وعن الصغير المجنون أصلًا والجنون علة مع أن الحكم فى الأصل ثابت قبله لعلة الصغر والمعنى كان يعلل سلب الولاية عن الصغير المجنون

стр. 1739

بالجنون الذى هو عارض فى الولى البالغ المقيس على الصغير المجنون. قوله: (يلزم تعريف المعرف) يمكن أن يقال إنها بمنزلة الدليل الثانى بعد الأول وأما ما يقال إنها تكون لتعريف حكم الفرع فليس بشئ لأن التقدير أنها علة لحكم الأصل بمعنى الأمارة عليه. قوله: (فغاية ما أدى إليه نظر الناظرين فى هذا الكتاب. . . إلخ) أى أنه على مقتضى ظاهره عكس المراد بأن ظاهره أن الولاية كانت ثابتة للولى على الصغير وإنما سلبها عنه عروض جنونه وليس فى هذا تأخر العلة عن حكم الأصل بل هى متقدمة عليه فيستقيم أن يتفرع عليه سلب ولايته عن البالغ المجنون بعلة جنونه نفسه قياسًا فلا بد حينئذ من أن يقال إن قوله للولى من وضع الظاهر موضع المضمر والأصل له أى للصغير. قوله: (والفرع فى الأول) أى فى جعل المثال تعليل ولاية الأب على الصغير الذى عرض له الجنون وقوله وفى الثانى هو جعل المثال تعليل سلب الولاية عن الصغير بالجنون العارض له. قوله: (والأقرب أن يجعل. . . إلخ) فالأصل المقيس عليه الصغير المجنون والمقيس الأب المجنون والحكم سلب الولاية فى كل والعلة الجنون الذى هو متأخر عن الحكم فى الفرع ووجه قربه بقاء المظهر على حاله وأنه ليس موضوعًا موضع المضمر على هذا الحل وفيه أنه على هذا يكون قول الشارح بالجنون العارض للولى عكس للمراد مع بعده عن الفهم وذلك أن المطلوب العروض فى الأصل ولم يذكر والذى ذكر هو العروض فى الفرع وهو غير مطلوب. قوله: (وأما ما يقال. . . إلخ) قائله الأصفهانى.

стр. 1740

قال: (ومنها أن لا يعود على الأصل بالإبطال). أقول: ومن شروط علة حكم الأصل أن لا يعود على الأصل بالإبطال، أى لا يلزم منه بطلان حكم المعلل بها فإن كل علة استنبطت من حكم ولزم منه بطلان ذلك الحكم فهو باطل لأن الحكم أصله فإن التعليل فرع الثبوت وبطلان الأصل يستلزم بطلان الفرع فصحته مستلزمة لبطلانه فلو صح لصح وبطل فيجتمع النقيضان، مثاله: قال ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"، ومن حكمه حرمة ذلك فى القليل من الطعام لعمومه، وعلل الحنفية بالكيل فخرج القليل الذى لا يكال فقد أبطل حكمه ولهم عن ذلك اعتذار وليس الغرض المثال بل التفهيم. مثال آخر، قال: "فى أربعين شاة شاة" فعللوا بدفع حاجة الفقراء فجوزوا قيمتها فقد أفضى هذا التعليل إلى عدم وجوب الشاة بل ثبوت التخيير بينها وبين قيمتها. قوله: (ولهم عن ذلك اعتذار) هو أنا لا نسلم أن الطعام يعم القليل والكثير بل يخص الكثير بقرينة قوله "إلا سواء بسواء" فإن التسوية المعتبرة شرعًا فى المطعومات فى التسوية فى الكيل وهى لا تتصور إلا فى الكثير فكأنه قال لا تبيعوا الطعام الذى من شأنه التفاوت والتساوى إلا بصفة التساوى كما يقال لا تقتل حيوانًا إلا بالسكين لا يتناول النهى قتل الحيوان الذى ليس من شأنه القتل بالسكين وتحقيقه أن المستثنى منه فى الاستثناء للفرع يجب أن يقدر من جنس المستثنى فيقدر فى ما ضربت إلا زيدًا أحدًا وفى ما كسوت إلا جبة لباسًا وفى ما سرت إلا ماشيًا فى حال من أحوال السير فالمعنى لا تبيعوا الطعام على حال من أحوال المقابلة والموازنة إلا حال التساوى ونحن نعتده أعم العموم أى على حال ما وكذا لهم اعتذار عما يلزم فى التعليل بدفع حاجة الفقراء وقد لخصناه فى شرح التنقيح.

стр. 1741

قال: (وأن لا تكون المستنبطة بمعارض فى الأصل وقيل ولا فى الفرع وقيل مع ترجيح المعارض). أقول: ومن شروط علة حكم الأصل إذا كانت مستنبطة أن لا تكون بمعارض فى الأصل بأن يبدى علة أخرى من غير ترجيح وإلا جاز التعليل بمجموعهما أو بالأخرى وقد مر الخلاف فيه فى تعليل الحكم الواحد بعلتين وقيل ولا بمعارض فى الفرع بأن يثبت فيه علة أخرى توجب خلاف الحكم بالقياس على أصل آخر فإن المعارض يبطل اعتبارها وهو غير مستقيم فإنه لا يبطل شهادتها وقيل أن لا تكون بمعارض فى الفرع مع ترجيح المعارض ولا بأس بالمساوى لأنه لا يبطل وإنما يحوج إلى الترجيح، وهو دليل الصحة بخلاف الراجح فإنه يبطل. قوله: (فإنه لا يبطل شهادتها) بل يتوقف مقتضاها كالشهادة إذا عورضت بشهادة فإن إحداهما لا تبطل الأخرى حتى إذا ترجحت إحداهما لم يحتج إلى إعادة الدعوى والشهادة ومن ادعى أن المساوى أيضًا يبطل فعليه الدليل فإن قيل لما كان المختار عنده جواز تعدد العلل المستقلة كان ينبغى أن لا يشترط عدم معارض فى الأصل قلنا أراد أنه يشترط ذلك لتكون العلة علة بلا خلاف واحتمال وإنما قيد الحكم بالمستنبطة لأن فى المنصوصة لا تتنقل العلية إلى المجموع أو إلى الأخرى وفاقًا، فإن قيل إطلاق المعارض على ما فى الفرع مناسب من جهة أنه يثبت حكمًا مخالفًا لكن لا جهة لإطلاقه على ما فى الأصل كأسباب الحدث مثلًا قلنا كلام الآمدى والمنتهى صريح فى أن المراد بالمعارض فى الأصل وجود علة أخرى لا تحقق لها فى الفرع فهذا أخص تعدد العلل ولا خفاء فى أنه إذا كانت العلة هى المجموع أو الأخرى لم يثبت فى الفرع الحكم الذى كان يثبته الأولى فسماه معارضًا بخلاف صورة تعدد العلل فإن هذا ليس بلازم. المصنف: (بمعارض فى الأصل) أى معارضة بوصف معارض فى الأصل للوصف الذى ادعاه المستدل علة حكم الأصل وبنى عليه قياس الفرع الموجود فيه ذلك الوصف عليه ويظهر من كلام الشارح أنه لا يشترط فى المعارض أن يكون منافيًا لحكم الأصل بل ربما أشعر كلامه بعدم المنافاة لحكم الأصل.

стр. 1742

الشارح: (وإلا جاز) أى وإن لم تكن غير معارضة فى الأصل بأن كانت معارضة بوصف فى الأصل أبداه المعترض لم يصح كونها علة لجواز أن يكون العلة مجموع الوصفين العارض والمعارض به أو أن العلة هى الوصف الذى عارض به المعترض فلا يثبت استقلال الوصف الذى ذكره المعلل وهذا يقتضى اشتراط عدم العارضة مطلقًا حتى على القول بجواز تعدد العلل لأن محله إذا ثبت استقلال كل بالعلية وبهذا يظهر أن قول الشارح قد مر الخلاف فيه فى تعليل الحكم الواحد بعلتين لا موقع له هنا على هذا وكذا قول المحشى فإن قيل لما كان المختار عنده جواز التعدد. . . إلخ. قوله: (لكن لا جهة لإطلاقه على ما فى الأصل. . . إلخ) أى لأنه من باب تعدد العلل.

стр. 1743

قال: (وأن لا تخالف نصًا أو إجماعًا وأن لا تتضمن المستنبطة زيادة على النص، وقيل: إن نافت مقتضاه وأن يكون دليلها شرعيًا). أقول: ومن شروط علة حكم الأصل أن لا تخالف نصًا أو إجماعًا كما يقال المالك لا يعتق فى الكفارة لسهولته عليه بل يصوم وهو يصلح مثالًا لهما. ويشترط فى المستنبطة خاصة أن لا تتضمن زيادة على النص؛ أى حكمًا فى الأصل غير ما أثبته النص لأنها إنما تعلم مما ثبت فيه، مثاله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" فتعلل الحرمة بأنه ربا فيما يوزن كالنقدين فيلزم التقابض مع أن النص لم يتعرض له وقيل إن كانت الزيادة منافية لحكم الأصل لأنه نسخ له فهو مما يكرر على أصله بالإبطال وإلا جاز. قوله: (أن لا تخالف) يعنى يشترط فى العلة أن لا يكون ما تثبته فى الفرع حكمًا يخالف النص أو الإجماع كان يعلل حكم بالسهولة فيقاس عليه أن الملك لا تجوز له الكفارة بالإعتاق بل يتعين عليه الصوم فإن هذا حكم يخالف الكتاب والسنة والإجماع. قوله: (وأن يكون دليلها) أى دليل العلة شرعيًا وإلا لما كان القياس شرعيًا حيث لم يثبت علته الشرع وهدا الشرط مما أهمله الشارح. قوله: (لأنها) أى المستنبطة إنما تعلم من الحكم الذى أثبت فى الأصل فلو أثبت بها حكم فى الأصل كان دورًا بخلاف المنصوصة فإنها تعلم بالنص. قوله: (فيلزم التقابض) يعنى أن تعليل حرمة بيع الطعام بالطعام متفاضلًا ثبوته ربويًا فيما يوزن كما فى الذهب والفضة توجب اشتراط التقابض فى المجلس فى بيع الطعام بالطعام احترازًا عن شبهة الفضل كما فى النقدين لما فى النقد من المزية على النسيئة واشتراط التقابض زيادة على النص وهو نسخ فلا يجوز بالقياس والاجتهاد بخلاف ما إذا كانت العلة منصوصة فإنها بالنص وبعضهم لم يجعل مجرد الزيادة نسخًا بل إذا كانت منافية لحكم الأصل فمنعها وجوز غير المنافية له. قوله: (لما فى النقد) أى المنقود المعجل فى أحد العوضين من المزية على النقد أى فشبهة الفضل موجودة.

стр. 1744

قال: (وأن لا يكون دليلها متنًا ولا لحكم الفرع بعمومه أو بخصوصه مثل: "لا تبيعوا الطعام بالطعام"، أو "من قاء أو رعف" لنا تطويل بلا فائدة ورجوع، قالوا: مناقشة جدلية). أقول: ومن شروط العلة أن لا يكون الدليل الدال عليها متنًا ولا لحكم الفرع لا بعمومه ولا بخصوصه. أما العموم فمثل أن يقيس الذرة على البر فى الربوية ويعلل بالطعم فيمنع، فيقول فقوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" وترتيب الحكم على الوصف يفيد عليته له وهذا النص يتناول الذرة بعمومه. وأما الخصوص فمثل أن يقيس الخارج بالقئ أو الرعاف فى نقضه الوضوء على الخارج من السبيلين ويعلل بأنه خارج نجس فيمنع، فيقول لقوله ﷺ : "من قاء، أو رعف، أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة"، وهذا النص بخصوصه يتناول القئ والرعاف. لنا: أنه يمكن إثبات الفرع بالنص كما يمكن إثبات الأصل به والعدول عنه إلى إثبات الأصل ثم العلة ثم بيان وجودها فى الفرع ثم بيان ثبوت الحكم بها تطويل بلا فائدة، وأيضًا فإنه رجوع من القياس إلى النص. وقالوا: إنها مناقشة جدلية إذ الغرض الظن بأي طريق حصل فلا معنى لتعيين الطريق. والجواب: أنه رجوع عن القياس، واعلم أنه ربما يكون النص مخصصًا والمستدل أو المعترض لا يراه حجة إلا فى أقل الجمع فلو أراد إدراج الفرع فيه يعتبر فيثبت به العلية فى الجملة، ثم يعمم به الحكم فى جميع موارد وجود العلة، وأيضًا فقد يكون دلالته على العلية أظهر من دلالته على العموم كما يقول: حرمت الربا فى الطعام للطعم، فإن العلية فى غاية الوضوح والعموم فى المفرد المعرف محل خلاف ظاهر. قوله: (لا بعمومه ولا بخصوصه) الغرض من هذا التفصيل أنه ربما يتوهم جوازه فيما إذا كان التناول بعمومه بناء على احتمال تخصيصه منه. قوله: (فيمنع) أى المعترض عليه الطعام فيقول القائس إنه علية رتب الحكم عليه

стр. 1745

وهو دليل العلية فمثل هذا التعليل لا يجوز ولأجل تعدية الحكم إلى الفرع إذ النص يتناوله بعمومه بخلاف الحديث الثانى فإن فيه تصريحًا بالقئ والرعاف ووجه دلالته على علية الخارج النجس أنه رتب الحكم على الأمور المذكورة ولا مشترك بينها سوى الخارج النجس. قوله: (وقالوا) مناقشة اعتراض على الدليل المذكور لا استدلال على نقيض المدعى والمصنف كأنه معترف بوروده وما ذكره الشارح ليس جوابًا عنه لأن حاصل ما ذكر أن الدليل الأخير أعنى الرجوع عن القياس سالم عن الاعتراض وهو كاف فى إثبات المطلوب. قوله: (واعلم) اعتراض على الدليل المذكور بأنه لا يتم فيما إذا كان دليل العلية بعمومه متناولًا لحكم الفرع لظهور الفائدة بوجهين حاصلهما راجع إلى إثبات الحكم على من ينازع فى تناول النص. الشارح: (تطويل بلا فائدة) رد بأن تعدد الطرق من الفوائد. الشارح: (وأيضًا فإنه رجوع من القياس إلى النص) أى وذلك الرجوع إبطال للأول ورد بأنه لا رجوع لأن الإفادة للحكم بالقياس غير ملاحظ غيره وإن توقف إحدى مقدماته على النص وبالنص استقلال فهما طريقان. الشارح: (واعلم أنه ربما. . . إلخ) هو بمعنى قول غيره وهذا كله إذا لم يكن تنازع فى دلالة دليل العلة على حكم الفرع أما لو تنوزع فى دلالته على حكم الفرع مثل أن يكون عامًا مخصوصًا والمعلل لا يرى عمومه فجوازه اتفاق لأنه يثبت به العلية ثم يعم بها. الشارح: (فلو أراد إدراج الفرع فيه يعتبر) تحريف وحقه: يعترض وقوله: للدوران أى دوران الحكم وجودًا وعدمًا.

стр. 1746

قال: (والمختار جواز كونها حكمًا شرعيًا إن كان باعثًا على حكم الأصل لتحصيل مصلحة لا لدفع مفسدة كالنجاسة فى علة بطلان البيع). أقول: هل يجوز تعليل الحكم الشرعى بالحكم الشرعى، أما بمعنى الأمارة المجردة فظاهر وأما بمعنى الباعث فقيل يجوز للدوران وستعلم أنه لا يفيد ظن العلية، وقيل لا يجوز لأنه إن تقدَّم العلة لزم النقض وإن تأخر لم يجز لما مر وإن قارن فلا أولوية لأحدهما بالعلية فيلزم التحكم. الجواب: منع التحكم للمناسبة وغيرها من المسالك، والمختار أنه إن كان باعثًا على حكم الأصل لتحصيل مصلحة يقتضيها حكم الأصل جاز كما يقال فى بطلان بيع الخمر علته النجاسة لمناسبتها المنع من الملابسة تكميلًا لمقصود البطلان وهو عدم الانتفاع والنجاسة حكم شرعى، وأما إن كان لدفع مفسدة يقتضيها حكم الأصل فلا يجوز لأن الحكم الشرعى لا يكون منشأ مفسدة مطلوبة الدفع وإلا لم يشرع ابتداء، وهذا إنما يصح لو لم يشتمل على مصلحة راجحة وعلى مفسدة تدفع بحكم آخر لتبقى المصلحة خالصة، مثاله: شرع حد الزنا لحفظ النسب بين رجم وجلد مع تغريب وكان حدًا ثقيلًا ولو لم يبالغ فى الشهادة عليه لأدى إلى كثرة وقوع الحد وفيه من المفسدة ما لا يخفى فشرع المبالغة فيه دفعًا لتلك المفسدة. قوله: (فظاهر) للقطع بالامتناع فى جعل التنازع أحد الحكمين أمارة للآخر بأن يقول: إذا حرمت كذا فقد حرمت كذا. قوله: (وإن تأخر) أى الحكم الذى هو العلة لم يجز لما مر من امتناع كون ثبوت العلة متأخرًا عن ثبوت حكم الأصل. قوله: (وهذا إنما يصح) اعتراض على ما ذكر لبيان امتناع كون الحكم الشرعى علة لحكم شرعى بمعنى الباعث عليه لدفع مفسدة يشتمل هو عليها يعنى يجوز أن يشتمل الحكم الشرعى على مصلحة راجحة ومفسدة مرجوحة مطلوبة الدفع فيدفع بحكم آخر شرعى وذلك كحد الزنا فإنه حكم شرعى مشتمل على مصلحة راجحة من حفظ النسب وهو حد ثقيل لكونه دائرًا بين الرجم كما فى المحصن وبين جلد وتغريب كما فى غيره وفى كثرة وقوعه مفسدة ما من إتلاف النفوس وإيلامها فشرع المبالغة والاحتياط فى طريق ثبوته أعنى الشهادة دفعًا للمفسدة القليلة وهذا معنى

стр. 1747

كون ذلك علة له باعثًا عليه ووجوب الحد المفضى إلى كثرة الإتلاف والإيلام حكم شرعى معلل، بوجوب الأربع فى الشهود دفعًا لمفسدة كثيرة لتبقى مصلحة حفظ النسب خالصة. قوله: (للقطع بالامتناع فى جعل التنازع) تحريف وصوابه: للقطع بأنه لا امتناع فى جعل الشارع.

стр. 1748

قال: (والمختار جواز تعدد الوصف ووقوعه كالقتل العمد العدوان، لنا أن الوجه الذى ثبت به الواحد ثبت به التعدد من نص أو مناسبة أو شبه أو سبر أو استنباط، قالوا: لو صح تركبها لكانت العلية صفة زائدة لأنا نعقل المجموع ونجهل كونها علة والمجهول غير المعلوم وتقرير الثانية أنها إن قامت بكل جزء فكل جزء علة وإن قامت بجزء فهو العلة وأجيب بجريانه فى المتعدد بأنه خبر أو استخبار، والتحقيق أن معنى العلة ما قضى الشارع بالحكم عنده للحكمة لا أنها صفة زائدة ولو سلم فليست وجودية لاستحالة قيام المعنى بالمعنى، قالوا: يلزم أن يكون عدم كل جزء علة لعدم صفة العلية لانتفائها بعدمه ويلزم نقضها بعدم ثان بعد أول لاستحالة تجدد عدم العدم، وأجيب بأن عدم الجزء عدم شرط العلية ولو سلم فهو كالبول بعد اللمس وعكسه، ووجهه أنها علامات فلا بعد فى اجتماعهما ضربة ومرتبة فيجب ذلك). أقول: قد شرط قوم فى العلة أن تكون ذات وصف واحد كالإسكار فى حرمة الخمر، والمختار جواز تعدد الوصف، ووقوعه كالقتل العمد العدوان فى القصاص، لنا أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من أوصاف متعددة مما يظن عليته بالدليل إما بدلالة صريحة بنص أو مناسبة، وإما باستنباط من شبه أو سبر كما يظن فى الواحد وما يثبت به علية الواحد يثبت به علية المتعدد من غير فرق، والفرق تحكم. قالوا: أولًا: لو صح تركب العلة لكانت العلية صفة زائدة واللازم باطل، أما الملازمة فلأنا نعقل المجموع ونجهل كونها علة للذهول وللحاجة إلى النظر والمجهول غير المعلوم قطعًا، وأما انتفاء اللازم فلأن صفة الكل إن لم تقم بشئ من أجزائه فليست صفة، وإن قامت فإما بكل جزء فكل جزء علة والمفروض خلافه وإما بجزء واحد فهو العلة ولا مدخل لسائر الأجزاء، فإن قيل بل تقوم بالجميع من حيث هو جميع، قلنا: إن لم يكن له جهة وحدة فظاهر وإن كانت فالكلام فيها وتسلسل الجواب أنه منقوض بكون الكلام المخصوص خبرًا أو استخبارًا لجريانه فيه مع تعدد حروفه قطعًا. والجواب على التحقيق: أنه لا معنى لكون الوصف علة إلا أن الشارع قد قضى بثبوت الحكم عندها رعاية لحكمة ما وليس ذلك صفة له بل للشارع متعلقه به فلا يلزم ما ذكرتموه ولو سلم فإنما يلزم ذلك لو لم تكن العلية اعتبارية إضافية

стр. 1749

بل وجودية وليست وجودية وإلا لكانت معنى والوصف المعلل به معنى أيضًا فيلزم قيام المعنى بالمعنى وأنه محال، والحاصل أنه لو لم يصح بالمتعدد للزوم ذلك المحال، لم يصح فى الواحد لمحال آخر ملازم له. قالوا: ثانيًا: لو كانت العلة أوصافًا متعددة لكان عدم كل جزء علة لانتفاء صفة العلية واللازم باطل، أما الملازمة فلأن تحققها موقوف على تحقق جميع الأوصاف فيلزم انتفاؤها لانتفاء كل وصف وهو معنى العلية، وأما بطلان اللازم فلأنه إذا حصل عدمها بعدم وصف ثم عدم وصف ثان، لزم تخلف معلوله وهو انتفاء العلية عنه، وذلك لأن تجدد عدم على ما قد عدم مرة لا يتصور فإن إعدام المعدوم كإيجاد الموجود تحصيل الحاصل. والجواب: لا يلزم من انتفائها بعدم الوصف أن يكون عدم الوصف علة للانتفاء مقتضية له بالاستقلال بل يجوز أن يكون وجوده شرطًا للوجود فإن الشئ كما يعدم لعلة العدم فقد يعدم لعدم شرط الوجود، ولو سلم فهو كالبول بعد اللمس واللمس بعد البول، وكما لا يلزم ثم تخلف فكذا هنا، والوجه فى تقريره أن الانتفاءات ليست عللًا عقلية ليلزم ما ذكرتم إنما هى أمارات وضعية ولا بعد فى اجتماع عدة من الأمارات مرتبة تارة وضربة أخرى ولا بد فى تحقق المقابل من رفع جميع الانتفاءات، وهو يحقق جميع الأوصاف، فيجب تركب الأمارة فى الطرف الآخر من أوصاف متعددة. قوله: (أن تكون ذات وصف) قد اشتهر فى ترجمة المسألة أن العلة تكون ذات وصف أو ذات أوصاف والمقصود أنها وصف أو أوصاف فلفظ ذات كالمقحمة وكان ينبغى أن يدرج هذا فى قوله: ولا يشترط القطع بالأصل إلخ إلا أنه لكثرة مباحثه أفرد بالذكر على حدة. قوله: (إما بدلالة وإما باستنباط) هذا هو الصحيح المطابق لكلام الآمدى وكأنه تنبيه على فساد عبارة المتن حيث جعل الاستنباط أحد المسالك ولا جهة له إلا أن يحمل على تنقيح المناط ولفظ المنتهى يأباه حيث صرح بتنقيح المناط أيضًا ثم إنه جعل المناسبة ههنا مقابلًا للنص وفيما سيأتى داخلًا تحته. قوله: (بل تقوم بالجميع) لما كانت الشبهة المذكورة مغلطة طردها الإمام الرازى فى نفى التركيب فى كثير من الأمور ومنشؤها عدم استيفاء الأقسام حيث ترك

стр. 1750

المجموع من حيث هو مجموع كان المنع ظاهرًا وهو أنا لا نسلم قيام العلية بكل جزء أو بجزء واحد بل بمجموع الأجزاء من حيث هو المجموع وقد أشار الآمدى إلى دفعه بأنه حينئذٍ يقوم بكل جزء شئ من العلية فيتعدد ولا خفاء فى ضعفه وذكر فى بعض الشروح أنه لا بد للمجموع من وحدة بها يكون المجموع مجموعًا وينقل الكلام إلى تلك الوحدة ويلزم التسلسل هو الذى عول عليه المحقق وذكر أنه لم يكن للمجموع جهة وحدة فتمام ما ذكرنا ظاهر لعدم أمر آخر سوى الأوصاف المتعددة فالعلة القائمة بها إما قائمة بكل وصف أو ببعض الأوصاف وإن كانت جهة وحدة فقيامها إما بكل واحد أو بواحد أو بالمجموع فتحقق جهة وحدة أخرى ويتسلسل فإن دفع بأن جهات الوحدة اعتبارات عقلية ليس فيها تسلسل ولا اقتضاء محال موجودة أجيب بأن العلية أيضًا كذلك فصار حاصل التقرير أنها إما أن لا تقوم بشئ من الأجزاء أو تقوم بكل جزء أو بجزء دون جزء أو بالمجموع من حيث هو المجموع أو تقوم بكل جزء جزء منها والكل باطل والجواب النقض بكل صفة لمركب والحمل على الإطلاق بأنها تقوم بالمجموع الذى صار واحدًا باعتبار صورة أو هيئة ربما تكون اعتبارية لائية أو حقيقية تقوم بجزء فقط أو بكل جزء جزء منها وتمام تحقيق ذلك فى علم آخر وفيما نحن فيه بأن كون الوصف علة ليس صفة له بل للتنازع بمعنى أنه حكم بثبوت الحكم عنده فله تعلق ما بذلك الوصف فلا يلزم ما ذكرتم من المجالات الناشئة عن كون العلية صفة للأوصاف المتعددة ولا خفاء فى ضعف هذا فلذا قال: ولو سلم أى كونها صفة للأوصاف فإنما يلزم المحال المذكور ولو كانت من الصفات الحقيقية التى تقتضى محلًا موجودًا تقوم به وليست كذلك وإلا فبما اتفقتم على عليته أعنى الوصف الواحد قيام العرض بالعرض وهو محال فحصل من هذا المنع أو السند معارضة تقريرها لو لم يصلح التعليل بالمتعدد للزم المحال الذى هو كون العلية صفة زائدة وجودية لم يصح التعليل بالوصف الواحد لمحال لازم للمحال الأول وهو قيام العرض بالعرض والتالى باطل اتفاقًا فبطل عدم صحة التعليل بالمتعدد. قوله: (فلأن تحققها) الضمير لصفة العلية وكذا ضمير انتفاؤها وعدمها. قوله: (بل يجوز أن يكون وجوده شرطًا للوجود) فإن قيل الكلام فى تركب العلة من الأوصاف فكيف يكون وجود الجزء شرطًا للوجود قلنا: هو شرط لصفة العلية وجزء للعلة فلا محذور.

стр. 1751

قوله: (إن الانتفاءات) جعل الشارحون ضمير أنها للعلل الشرعية على ما يعم انتفاء أجزاء العلة مثل اللمس والبول يعنى أنها أمارات لا بعد فى اجتماعها دفعة أو مترتبة فضلًا عن الاستحالة فيجب أى حتى يجب ما ذكرتم من التخلف المحال ولما لم يكن مرضيًا فى نظر المحقق جعل الضمير للانتفاءات يعنى أن انتفاءات الأوصاف أمارات وضعية لا يبعد اجتماعها دفعة أو مترتبة وإذا كان أحدهما أمارة فى انتفاء الحكم لزم فى تحقق الحكم ارتفاع جميع الانتفاءات وهو مقيس محقق جميع الأوصاف فيجب تركب الأمارة فى طرف ثبوت الحكم من أوصاف متعددة فيظهر الجواب عما ذكرتم وثبوت ما ادعينا ويظهر لك بالتأمل أن تحقق الانتفاءات وكونها أمارات إنما هو على تقدير تركب العلة من الأوصاف فحمل قوله: فيجب ذلك على ما ذكره المحقق يكون دورًا ثم إن الأليق بتقرير السؤال أن يجعل الانتفاءات أمارات انتفاء العلية والمقابل عبارة عن ثبوت العلية وكذا الطرف الآخر لكن لظهور أن المركب من الأوصاف أمارة للحكم لا للعلية إذ لا معنى لجعل العلة أمارة العلية فسرنا كلام الشارح على ما فسرنا. المصنف: (وأجيب بجريانه فى المتعدد) جواب بالنقض الإجمالى، وقوله: لا أنها صفة زائدة أى ليست صفة للأوصاف التى هى العلة فضلًا عن أن تكون صفة زائدة. المصنف: (وأجيب بأن عدم الجزء عدم شرط) فيه أن عدم الشرط يقتضى عدم المشروط فالإشكال باق. قوله: (ووجهه) أى وجه كونه كالبول بعد اللمس وعكسه. قوله: (مغلطة طردها الإمام الرازى) لفظ طردها صفة لمغلطة أما جواب لما فهو قوله: كان المنع ظاهرًا. قوله: (أجيب بأن العلة أيضًا كذلك) أى فكانت لا تحتاج إلى اعتبار جهة وحدة المجموع والفرض اعتبارها. قوله: (والحل على الإطلاق) أى الجواب بالحل على إطلاق الشبهة فى كل مركب. قوله: (ربما تكون اعتبارية أو حقيقية) تحريف وأصله: ربما تكون اعتبارية إضافية أو حقيقية وقوله: وفيما يجب فيه أى الحل فيما نحن فيه وهو تركيب العلة.

стр. 1752

قال: (ولا يشترط القطع بالأصل ولا انتفاء مخالفة مذهب صحابى ولا القطع بها فى الفرع على المختار فى الثلاثة ولا نفى المعارض فى الأصل والفرع). أقول: هذه عدة أمور قد شرطت فى العلة والحق أنها لا تشترط: فمنها: كون حكم الأصل قطعيًا، والمختار الاكتفاء بالظن لأنه غاية الاجتهاد فيما يقصد به العمل. ومنها: انتفاء مخالفتها لمذهب صحابى والحق جوازها لجواز أن يكون مذهب الصحابى لعلة مستنبطة من أصل آخر. ومنها: القطع بوجود العلة فى الفرع، والمختار أنه يكفى الظن لما مر ولعل من شرط القطع فى حكم الأصل ووجود العلة فى الفرع نظر إلى أن الظن يضعف بكثرة المقدمات فربما يضمحل، ومن شرط عدم مخالفة الصحابى فلأن الظاهر أخذه من النص والاحتمال لا يدفع الظهور وهو محل الاجتهاد. قوله: (فمنها كون الأصل قطعيًا) لا خفاء فى أن هذا بشروط الأصل أليق وأما مثل القطع بوجود العلة فى الفرع فيليق بشروط الفرع. قوله: (والاحتمال) يعنى احتمال كون مذهب الصحابى لعلة مستنبطة من أصل آخر لا يدفع ظهور أخذه من النص فلذا كان هذا البحث وهو اشتراط انتفاء مخالفة الصحابى محل نظر واجتهاد واعلم أن فى نسخ المتن زيادة لم يتعرض لها الشارح وهو قوله: ولا نفى المعارض فى الأصل والفرع وأجيب بأن ما تقدَّم هو أن من شروط العلة المستنبطة نفى المعارض فى الأصل فقط لأنه قال: وقيل ولا فى الفرع وههنا نفى اشتراط نفى المعارض فيهما جميعًا فى العلة مطلقًا، هذا ولكن صريح كلام الآمدى والمنتهى يقتضى أن يكون قوله: ولا نفى المعارض مجرورًا عطفًا على الضمير فى "بها" والمعنى لا يشترط القطع بنفى المعارض فى الأصل والفرع قال فى المنتهى: واشترط أن يكون فى الفرع مقطوعًا بها والصحيح يكفى الظن كما فى الأصل وفى كونها علة وفى نفى المعارض فى الأصل والفرع. قوله: (لا خفاء فى أن هذا بشروط الأصل أليق) قيل: إن عده من شروط العلة لأن قطعية الحكم متفرعة على قطعية العلة وينافيه ما سيأتى من أن الحكم قد

стр. 1753

يكون قطعيًا والعلة مظنونة. قوله: (فلذا كان هذا البحث محل نظر واجتهاد) أى لوجود الاحتمال المذكور كان محل النظر والاجتهاد. قوله: (واعلم أن فى نسخ المتن زيادة لم يتعرض لها الشارح) فى العبارة سقط وأصل العبارة: واعلم أن فى نسخ المتن زيادة مخالفة لما تقدم لم يتعرض لها الشارح وقوله: وأجيب أى عن المخالفة بين كلامى المصنف، وحاصل الجواب أن ما هنا نفى اشتراط نفى المعارض مطلقًا فى الأصل والفرع والعلة المنصوصة والمستنبطة أى إن إطلاق نفى المعارض ليس بشرط وهذا لا ينافى اشتراط نفى المعارض المخصوص وهو المعارض فى الأصل وقوله يقتضى أن يكون قوله: ولا نفى المعارض عطفًا على الضمير فى "بها" يعنى وعلى هذا فلا مخالفة أيضًا لأن هذا نفى اشتراط القطع بنفى المعارض وهو لا ينافى اشتراط الظن وهو ما تقدم وقوله: كما فى الأصل أى كما يكفى الظن بوجودها فى الأصل وقوله: وفى كونها علة أى ويكفى الظن فى كونها علة وكذا قوله: وفى نفى المعارض فى الأصل والفرع يعنى فلا يشترط القطع.

стр. 1754

قال: (وإذا كانت وجود مانع أو انتفاء شرط لم يلزم وجود المقتضى لنا أنه إذا انتفى الحكم مع المقتضى كان مع عدمه أجدر، قالوا: إن لم يكن فانتفاء الحكم لانتفائه قلنا أدلة متعددة). أقول: إذا علل حكم عدمى بوجود مانع أو انتفاء شرط كما يقال: عدم شرط صحة البيع وهو الرؤية أو وجد المانع وهو الجهل بالمبيع فلا يصح فهل يجب وجود المقتضى مثل بيع من أهله فى محله أو لا يجب؟ المختار أنه لا يجب، لنا أنه إذا تحقق مع المقتضى انتفى الحكم فإذا تحقق بدون المقتضى كان أجدر بأن ينتفى معه الحكم، قالوا: إذا لم يكن مقتضى فانتفاء الحكم إنما هو لعدم المقتضى لا لوجود المانع أو عدم الشرط الذى يدعيه المستدل فكان مبطلًا. الجواب: لا يلزم من إسناده إلى عدم المقتضى أن لا يسند إلى وجود المانع أو عدم الشرط إذ غايته أنها أدلة متعددة وذلك جائز. قوله: (إذا علل حكم عدمى) يعنى إذا كانت علة انتفاء الحكم وجود مانع عن الثبوت أو انتفاء شرط له لم يلزم وجود ما يقتضى ثبوت الحكم. قوله: (كان أجدر) لخلوه عن المعارض. قوله: (فكان) أى المستدل مبطلًا فى دعواه إسناد انتفاء الحكم إلى وجود مانع أو انتفاء شرط. المصنف: (قلنا أدلة متعددة) أى كل مستقل فى الدلالة والإعلام بعدم المعلول قال مسلم الثبوت: وحينئذ أى حين إذ كان كل مستقلًا فى الدلالة ولا دخل للاستدلال بدليل لعدم قيام دليل آخر لا حاجة إلى تقدير المقتضى كما ظن فى التحرير. اهـ. وعبارة التحرير لا يشترط فى تعليل انتفاء حكم بوجود مانع أو انتفاء شرط وجود مقتضيه خلافًا للبعض لأن كلًا منها أى وجود المانع وانتفاء الشرط وعدم المقتضى علة عدمه فجاز إسناده إلى كل بمعنى لو كان له مقتض منعه وإلا فحقيقة المانعية إنما هى بالفعل وهو فرع المقتضى فإذا لم يوجد الحكم لعدم وجود المقتضى فيمتنع ماذا. اهـ.

стр. 1755

قال: (مسألة: الشافعية حكم الأصل ثابت بالعلة المعنى أنها الباعثة على حكم الأصل والحنفية بالنص والمعنى أن النص عرف الحكم فلا خلاف فى المعنى). أقول: اختلف الشافعية والحنفية فى حكم أصل القياس المنصوص عليه أنه ثابت بالنص أو بالعلة، فقالت الشافعية بالعلة والحنفية بالنص، وهو لفظى وبالحقيقة لا خلاف بينهما لأن الشافعية تعنى بما قالته أن العلية هى الباعثة والحنفية لا ينكرونه والحنفية تعنى بما قالته أن النص هو المعرف للحكم والشافعية لا ينكرونه. قوله: (والشافعية لا ينكرونه) لظهور أن حكم الأصل قد يكون مقطوعًا به والعلة المستنبطة مظنونة ولأنها متعرفة منه ومتفرعة عليه تابعة له فى الوجود فيدور لأنه قد يكون تعبدًا لا علة له.
следующие страницы →