Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
قوله: (قد يجاب بأنه يجوز أن يكون دلالته أقوى) أى دلالة الدليل على حكم الأصل أقوى من دلالته على الفرع وهذا جواب عن قوله: وإلا لم يكن أحدهما أصلًا والآخر فرعًا وأما الجواب عن قوله ولكان قياسًا ضائعًا وتطويلًا بلا طائل فقد ذكره بعد بقوله: وبأن تعاضد الأدلة. . . إلخ. فكان حق المحشى أن يزيد بعد قوله قوله وإلا لم يكن أحدهما أصلًا لفظ. . . إلخ.
стр. 1682
قال: (ومن شروط علة الأصل أن تكون بمعنى الباعث أى مشتملة على حكمة مقصودة للشارع، من شرع الحكم لأنها إذا كانت مجرد أمارة وهى مستنبطة من حكم الأصل كان دورًا).
أقول: ما تقدَّم شروط حكم الأصل وهذه شروط علة الأصل، ونعنى به ما يعلل به الحكم فى الأصل، فمنها: أن تكون بمعنى الباعث، لا أمارة مجردة ومعناها أن تكون مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم به من تحصيل مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها، لأنها لو كانت مجرد أمارة لم تكن لها فائدة إلا تعريف الحكم، وإنما يعرف بها الحكم إذا لم تكن منصوصة أو مجمعًا عليها وإلا عرف الحكم أيضًا بالنص أو الإجماع لا بها، فإن قوله: الحرمة فى الخمر معللة بالإسكار تصريح بحرمة الخمر فلا يكون قد عرف بالعلة بقى أن يعرف بها وهى مستنبطة وحينئذٍ يلزم الدور لأن المستنبطة لا تعرف إلا بثبوت الحكم فلو عرف ثبوت الحكم بها لزم الدور.
قوله: (ونعنى به) يريد أن العلة وإن أضيفت إلى الأصل فمعناها الحكم فى الأصل.
قوله: (لا أمارة مجردة) أى وصفًا طرديًا لا مناسبًا ولا شبيهًا له وإلا لزم الدور بيناه على ما ذكره الآمدى وجمهور الشارحين أن العلة تتفرع على حكم الأصل لكونها مستنبطة منه وإذا كانت مجردة لا فائدة لها سوى تعريف الحكم كان الحكم متفرعًا عليها فيلزم الدور واعترض عليه فى بعض الشروح بأن العلة إنما تتفرع على حكم الأصل والمتفرع على العلة إنما هو الحكم فى الفرع فلا دور وفساده واضح لأن الوصف إذا كان أمارة لحكم الأصل معرفًا له كان المتفرع عليه هو حكم الأصل وأيضًا لو كان معرفًا فالحكم الفرع دون الأصل والتقدير أنه ليس بباعث لم يكن للأصل مدخل فى الفرع بقى أنه لم لا يجوز أن يتفرع حكم الأصل عليها بناء على أنها معرفة لكنها لا تتفرع على حكم الأصل بل تكون منصوصة أو مجمعًا عليها فإرشاد المحقق فى أثناء التقرير إلى دفع ذلك بأن كونها مما يعرف الحكم لا يتصور إلا إذا كانت مستنبطة لأن التنصيص عليها أو الإجماع تصريح بالحكم فلا يصدق لأن الحكم إنما عرف بها وفيه بحث لأن كون الوصف معرفًا للحكم ليس
стр. 1683
معناه أنه لا يثبت الحكم إلا به كيف وهو حكم شرعى لا بد له من دليل شرعى نص أو إجماع بل معناه أن الحكم ثبت بدليله ويكون الوصف أمارة بها يعرف أن الحكم الثابت حاصل فى هذه المادة مثلًا إذا ثبت بالنص حرمة الخمر وعلل بكونها مانعًا أحمر يقذف بالزبد كان ذلك أمارة على ثبوت الحرمة فى كل ما يوجد ذلك الوصف من أفراد الخمر وبهذا يندفع الدور والحاصل أن العلة تتوقف على العلم بشرعية الحكم بدليله والمتوقف على العلة هو معرفة ثبوت الحكم فى المواد الجزئية.
المصنف: (بمعنى الباعث) أى مشتملة على حكمه مقصودة للشارع من شرع الحكم فسر الباعث بذلك دفعًا لتوهم أنه بمعنى الغرض الذى يبعث الفاعل على الفعل ثم تفسير العلة بذلك مبنى على أن الأحكام مبنية على مصالح العباد دنيوية وأخروية تفضلًا منه تعالى على عباده فلزوم استكماله تعالى بتلك المصالح كما هو منشأ مصلحة أو مفسدة لأنه كما سيأتى هو المتوهم حتى يحتاج إلى نفيه، كما خص كونه مظنة بالصورتين الأخريين لأنه المتوهم فيحتاج إلى نفيه والظاهر كما قاله بعض الشارحين أنه إذا كان وجود ذلك الأمر الذى فرضنا التعليل بعدمه منشأ لمصلحة كان العدم ليس مقتضًا للحكم لا بذاته حتى يكون مناسبًا ولا بغيره حتى يكون مظنة لأنه مفوت للمصلحة وإذا كان منشأ لمفسدة كان العدم ليس مناسبًا وإنما يتوهم أنه مناسب لكونه دافعًا للمفسدة، وأما إذا كان وجوده ليس منشأ لمصلحة ولا مفسدة ولكنه ينافى المناسب كان العدم ليس مناسبًا ولا مظنة للمناسب وإنما يتوهم أنه مظنة لاستلزامه المناسب وإن كان لخفائه لا يصلح أن يكون مظنة وإذا كان وجوده وعدمه سواء لم يكن العدم مناسبًا ولا مظنة وإن كان يتوهم أنه مظنة لإمكان اجتماعه مع المناسب وقول المصنف: لم يصلح العدم مظنة لنقيضه أى نقيض ذلك الأمر المنافى للمناسب وذلك النقيض هو المناسب.
قوله: (فمعناها الحكم فى الأصل) المناسب أن يقول: فمعناها علة حكم الأصل وقوله: أى وصفًا طرديًا لا مناسبًا ولا شبيهًا له سيأتى أن الطردى هو ما وجوده كعدمه كما يقال الخل لا يبنى عليه القنطرة والمناسب هو الذى إذا عرض على العقول تلقته بالقبول والشبه هو الذى لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل وقيل ما
стр. 1684
يوهم المناسب وليس بمناسب واعلم أن كون الوصف شرع عنده الحكم لحصول المصلحة هو معنى مناسبته وذلك الوصف هو المناسب وكون الشارع قضى بالحكم عنده للحكمة هو معنى اعتبار الشارع لذلك الوصف ومعرفة ذلك الاعتبار مسالك العلة وطرقها.
قوله: (كان ذلك أمارة على ثبوت الحرمة فى كل ما يوجد فيه ذلك الوصف من أفراد الخمر) فيه أن الوصف عام معرف لكليهما أى حكم الأصل والفرع فلا وجه لجعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا.
стр. 1685
قال: (ومنها: أن تكون وصفًا ضابطًا لحكمة لا حكمة مجردة لخفائها أو لعدم انضباطها ولو أمكن اعتبارها جاز على الأصح).
أقول: ومن شروط العلة: أن تكون وصفًا ظاهرًا منضبطًا فى نفسه حتى تكون ضابطًا للحكمة لا حكمة مجردة وذلك لخفائها كالرضا فى التجارة فنيط بصيغ العقود لكونها ظاهرة منضبطة أو لعدم انضباطها كالمشقة فإن لها مراتب لا تحصى وتختلف بالأحوال والأشخاص اختلافًا عظيمًا، ثم ليس كل مرتبة مناطًا ولا يمكن تعيين مرتبة منها إذ لا طريق إلى تمييزها بذاتها وضبطها فى نفسها فنيطت بالسفر فلو وجدت حكمة مجردة وكانت ظاهرة بنفسها منضبطة بحيث يمكن اعتبارها ومعرفتها جاز اعتبارها وربط الحكم بها على الأصح لأنا نعلم قطعًا أنها هى المقصودة للشارع واعتبر المظنة لأجلها لمانع خفائها واضطرابها، فإذا زال المانع من اعتبارها جاز اعتبارها قطعًا، وقيل لا يجوز وإلا لوقع من الشارع ولم يقع ولم يعتبر المظان بدونها وقد اعتبر كما فى الملك المرفه فى السفر وصاحب الصنعة الشاقة فى الحضر.
الجواب: المنع لانتفاء حكمة كذلك مما يقصده الشارع فى أحكامه والمظنة لا يجب اطرادها وانعكاسها كما سيجئ.
قوله: (وقيل لا يجوز) لوجهين: أحدهما: أنه لو جاز لوقع من الشارع للقطع بأنها إذا وجدت الحكمة التى هى المقصود الأصلى المطلوب بالذات من غير مانع ربط الشارع الحكم بها لا بمظنتها التى ربما توهم أنها المقصود واللازم منتف بحكم الاستقراء وثانيهما: أنه لو جاز لم يعتبر الشارع المظان عند تحقق خلوها عن الحكمة إذ لا عبرة بالمظنة فى مقابلة المئنة واللازم منتف لأنه قد اعتبرها حيث ناط الترخص بالسفر وإن خلا عن المشقة كسفر الملوك ولم ينطها بالحضر وإن اشتمل على المشقة كما فى الحمالين والملاحين فدل ذلك على أن المعتبر وجودًا وعدمًا هو المظنة دون الحكمة، والجواب عنهما: منع الملازمة مستندًا إلى انتفاء حكمة ظاهرة منضبطة من جملة ما يقصده الشارع فى أحكامه ولا خفاء فى أن وقوع اعتبار الشارع إياها وعدم اعتبار المظان الخالية عنها فرع وجودها وفرض الوجود لا يستلزم الوجود فلذا كان الواقع اعتبار المظنة دون الحكم وحين اعتبرت المظنة لم يرد سفر الملوك ولا حضر
стр. 1686
الحمالين لأن مظنة الشئ لا يجب اضطرادها بمعنى إذا وجدت وجدت الحكمة ولا انعاكسها بمعنى إذا انتفت انتفت الحكمة على ما سيجئ عن قريب.
المصنف: (لا حكمة مجردة) المراد بالحكمة ههنا ما كان منشأ لترتب الحكم على الوصف الذى جعل علة لا المصلحة ودفع المفسدة المقصودان من ترتب الحكم على الوصف كالمشقة فإنها الواسطة فى جعل السفر علة لترتب الترخص عليه ودفع الضرر هو المقصود من ذلك.
قوله: (التى هى المقصود الأصلى) قد يتوهم من ذلك أن المراد بالحكمة ما قصد من تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة وليس كذلك كما علمت.
قوله: (وفرض الوجود لا يستلزم الوجود) أى والمعتبر هنا فرض الوجود.
стр. 1687
قال: (ومنها: أن لا يكون عدمًا فى الحكم الثبوتى لنا لو كان عدمًا لكان مناسبًا أو مظنة وتقرير الثانية أن العدم المطلق باطل والمخصص بأمر إن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل، وإن كان منشأ مفسدة فمانع وعدم المانع ليس علة وإن كان وجوده ينافى وجود المناسب لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه لأنه إن كان ظاهرًا تعين بنفسه وإن كان خفيًا فنقيضه خفى ولا يصلح الخفى مظنة للخفى وإن لم يكن فوجوده كعدمه وأيضًا لم يسمع أحد يقول العلة كذا أو عدم كذا واستدل بأن لا علة عدم فنقيضه وجود وفيه مصادرة وقد تقدَّم مثله).
أقول: يجوز تعليل الحكم الثبوتى بالثبوتى كالتحريم بالإسكار، والعدمى بالعدمى كعدم نفاذ التصرف بعدم العقل، والعدمى بالوجودى كعدم نفاذ التصرف بالإسراف، وأما عكسه وهو تعليل الحكم الوجودى بالوصف العدمى ففيه الخلاف، والأكثر على جوازه، والمختار منعه، لنا لو كان العدم علة للحكم الثبوتى لكان مناسبًا أو مظنة، واللازم باطل بقسميه، أما الأولى وهى الملازمة فلأنه لا بد وأن تكون علة بمعنى الباعث فهى إما نفس الباعث وهو المناسب، أو أمر مشتمل عليه وهو المظنة، وأما الثانية وهو بطلان اللازم فتقريرها أن العدم المعلل به إما عدم مطلق أو عدم مخصص بأمر يضاف هو إليه أما العدم المطلق فواضح أنه لا يعلل به لعدم تخصصه بمحل وحكم واستواء نسبته إلى الكل، وأما العدم المخصص بأمر فلأنه إما أن يكون وجود ذلك الأمر منشأ لمصلحة أو لمفسدة، أو لا يكون فإن كان منشأ لمصلحة فباطل لأن اعتبار عدمه تفويت لتلك المصلحة، ولا يصلح مقصودًا، وإن كان منشأ لمفسدة فهو مانع وعدمه عدم المانع وعدم المانع ليس علة بل لا بد معه من مقتض يقال: أعطاه لعلمه ولفقره وسافر للعلم وللتجارة ولو علل شئ منها بعدم المانع لعد جنونًا وسخفًا هذا إذا كان وجوده منشأ لمصلحة أو لمفسدة حتى يكون عدمه مناسبًا وإن لم يكن كذلك حتى يكون عدمه مظنة فإما أن يكون وجوده منافيًا لمناسب أو لا فإن كان فهو بحيث يستلزم وجوده عدم المناسب ولا بد أن يستلزم عدمه وجود المناسب لتحصل الحكمة به وحينئذٍ يكون هو نقيض المناسب ويكون حاصله أنه كلما عدم نقيض المناسب فالحكم كذا ويجعل عدم نقيض المناسب مظنة لوجود المناسب وهذا لا يصح لأن نقيضه أعنى المناسب إن كان ظاهرًا أغنى عن المظنة بنفسه، وكان هو العلة بالحقيقة
стр. 1688
وإن كان خفيًا فنقيضه وهو ما عدمه مظنة أيضًا خفى لأن النقيضين سيان فى الجلاء والخفاء ولذلك إنا كما نعلم وجود المحسوسات ضرورة نعلم عدمها كذلك فيكون عدم نقيضه أيضًا خفيًا والخفى لا يصلح مظنة للخفى، وإن لم يكن منافيًا لمناسب فالمناسب يحصل عند وجوده كما يحصل عند عدمه فيكون وجوده وعدمه سواء فى تحصيل المصلحة لا خصوصية لأحدهما به فلا يكون عدمه خاصة مظنة للمصلحة فلا يصلح علة وقد فرضناه علة هذا خلف، ولنوضح ذلك بمثال وهو أنه إذا قيل فى المرتد يقتل لعدم إسلامه فذلك إما لأن فى قتله مع الإسلام مصلحة فيلزم من اعتبار عدمه تفويتها، أو فيه مفسدة فغايته أن الإسلام مانع فما المقتضى لقتله وإلا فإما أن ينافى مناسبًا للقتل هو الكفر مثلًا، فإن كان الكفر ظاهرًا فليقل يقتل لأنه كافر وإن كان خفيًا فالإسلام كذلك فعدمه كذلك، ولا فرق ضرورة بين معرفة الكفر ومعرفة عدم الإسلام فى الخفاء، وإن كان لا ينافى مناسبًا إذ ليس الكفر هو المناسب، ولذلك قال مالك: يقتل، وإن رجع إلى الإسلام فالمناسب أمر آخر يجتمع مع الإسلام، فالإسلام وعدمه سواء فى تحصيل المصلحة فلا يكون عدمه مظنة، الحل المختار أنه ينافى مناسبًا قولك فيكون عدمه مظنة لنقيضه ممنوع، وإنما يلزم لو لم يكن ذلك المناسب هو العدم بعينه لجواز أن يكون تعليق الحكم بالعدم كالقتل فى مسألتنا بعدم الإسلام فيه المصلحة المقصودة وهو التزام الإسلام خوفًا من القتل، وإن أردت أمرًا وجوديًا مناسبًا فنختار أنه لا ينافيه قولك فوجوده كعدمه قلنا ممنوع إذ عدمه يستلزم المقصود ووجوده وإن لم يناف فلا يستلزم وإن شئت فاعتبر ذلك فى المثال المذكور، ولنا أيضًا أنه لم يسمع أحد يقول العلة كذا أو عدم كذا مع كثرة السبر والتقسيم، ولو كان صالحًا لسمع ولو قليلًا وقد يقال قد سمع فإنه لا فرق بين أن يقال علة الإجبار عدم الإصابة أو البكارة وعلة تصرف الولى فى مال موليه الجنون أو عدم العقل، والتعبير عن العلل العدمية بعبارات وجودية واقع، وعدمه بالعبارات العدمية مجرد دعوى وقد استدل بأن العلة وجودية فلا يتصف بها العدم، بيان أنها وجودية أن نقيضها وهو لا علة عدم لصدقه على المعدوم فهو وجود وإلا عدم النقيضان، وقد تقدَّم تقرير مثله فى مسألة الحسن والقبح مع جوابه من النقض بالإمكان وكون إثبات الوجود بصورة السلب مصادرة لجواز كونه ثبوتًا أو منقسمًا ويزاد هنا أنه يقتضى أن لا يعلل بالعدم أصلًا وتعليل العدمى بالعدمى جائز اتفاقًا.
стр. 1689
قوله: (وأما العدم المخصص بأمر) تقرير الشارحين أن ذلك الأمر إما أن يكون وجوده منشأ لمصلحة أولًا وحينئذٍ إما أن يكون وجوده منشأ لمفسدة أو لا وحينئذٍ إما أن يكون منافيًا لمناسب أو لا فهذه أقسام أربعة يجب أن يبين امتناع أن يكون عدم ذلك الأمر مناسبًا أو مظنة على تقدير كل واحد منها ولا يكفى بيان امتناع كونه مناسبًا على الأولين ومظنة على الآخرين كما هو ظاهر كلام المصنِّف ثم استقبحوا جعل المنافى للمناسب قسيمًا لما هو منشأ لمفسدة لظهور أن لا تقابل بينهما وأوردوا اعتراضات مثل أنه يجوز أن يكون الوجود منشأ مصلحة والعدم منشأ مصلحة أرجح فيكون مناسبًا أو مظنة وأن يشغل عدم المانع على مصلحة فيكون علة وأن يكون أحد المتقابلين خفيًا دون الآخر وإنما يستحيل ذلك فى التضايف وأن ظهور المناسب لا ينافى أن يكون عدم المنافى مظنة غايته اجتماع العلتين والصنف يقول به ولو سلم أنه لا يكون مظنة فلم لا يجوز أن يكون مناسبًا فيجتمع مناسبان والشارح المحقق بالغ فى توضيح المقام على ما هو دأبه فى مظان الاشتباه مشير إلى دفع ما يحتاج إلى الدفع من الإشكالات وجرى على ما هو ظاهر كلام المتن من تخصيص بيان امتناع كون العدم مناسبًا بما إذا كان الوجود منشأ مصلحة أو مفسدة أو مظنة بما إذا كان الوجود منافيًا لمناسب أو ليس بمناف لأنه لو أريد بيان امتناع كونه مناسبًا أو مظنة على كل من التقديرات الأربع لما كان للشرطية القائلة بأنه لو كان عدمًا لكان مناسبًا أو مظنة كثير معنى إذ يكفى أن يقال لو كان عدمًا فإما أن يكون عدمًا مطلقًا أو مضافًا لكن لا يخفى ما فى الكلام من الإبهام ولا يصلح مقصودًا لأن تفويت المصلحة مفسدة وما قيل لعله يكون مصلحة أرجح مدفوع بأنه حينئذٍ يكون الوجود منشأ مفسدة لأن ترك المصلحة الراجحة مفسدة.
قوله: (ولو علل شئ منها) أى من الأحكام إشارة إلى أن كون عدم المانع غير صالح للعلية ضرورى.
قوله: (حتى يكون عدمه) أى عدم الأمر الذى وجوده منشا لمصلحة أو لمفسدة مناسبًا عليه إشكال ظاهر وهو أن ما يكون وجوده منشأ لمصلحة كيف يتصور أن يكون عدمه مناسبًا وقد سبق أن لا يصلح هذا فيما يكون وجوده منشأ لمفسدة أيضًا لما سبق من أن عدمه عدم مانع وهو لا يصلح أن يكون علة فضلًا عن أن يكون
стр. 1690
مناسبًا والجواب أن المراد أن عدمه يكون مناسبًا بحسب التوهم والاحتمال فيحتاج نفيه إلى البيان وكذا قوله وإن لم يكن أى وجود الأمر كذلك أى منشأ لمصلحة أو لمفسدة حتى يكون عدم ذلك الأمر مظنة أى بحسب التوهم فيحتاج نفيه إلى البيان، وقد يجاب بأن الغرض أن كون العدم مناسبًا بذاته إنما يتصور إذا كان بالنظر إلى نفس العدم إذ لو كان بالنظر إلى ما يشمله العدم يكون مظنة فليس النظر إلى ذلك الوجود من كونه مصلحة أو مفسدة ولا أرى لهذا الكلام معنى.
قوله: (فإن كان) أى وجود ذلك الأمر منافيًا لمناسب لمشروعية ذلك الحكم فذلك الأمر بحيث يستلزم وجوده عدم المناسب تحقيقًا للمنافاة ويجب أيضًا أن يستلزم عدمه وجود المناسب لتحصل بذلك العدم الحكمة فيكون مظنة إذا كان ذلك الأمر بحيث يستلزم وجوده عدم المناسب وعدمه وجود المناسب كان ذلك الأمر يقتضى المناسب نظرًا إلى أن المساوى للنقيض فى حكم النقيض.
قوله: (لأن نقيضه) أى نقيض ذلك الأمر الذى هو نقيض المناسب ولا خفاء فى أن نقيض نقيض المناسب عين المناسب فلذا قال أعنى المناسب إن كان ظاهرًا أى وصفًا منضبطًا ظاهرًا بحيث يصلح لترتب الحكم عليه.
قوله: (فيكون وجوده وعدمه سواء) لأن المفروض أن وجوده ليس منشأ لمصلحة ولا لمفسدة وبهذا تظهر فائدة تقييد هذا التقسيم أعنى كون وجوده منافيًا لمناسب أو ليس منافيًا بما إذا لم يكن وجوده منشأ لمصلحة أو مفسدة وجعله بحيث يقابله.
قوله: (فلا يصلح) أى عدمه علة.
قوله: (فى قتله) مع الإسلام مصلحة ظاهرة غير مطابق للممثل له لأنا فرضنا التعليل بعد الإسلام فينبغى أن يقال فى الإسلام مصلحة لكن قد سبق أن معنى الباعث أن يكون مشتملًا على حكمة مقصودة للشارع فى شرع الحكم من تحصيل مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها وحاصله أن فى شرعية الحكم لأجله وترتبه عليه تحصيل مصلحة مثلًا كالإسكار، فإن تحريم الخمر مع الإسكار مصلحة وليس المقصود أن فى الإسكار مصلحة فلتتنبه لذلك فإن كثيرًا من الأمثلة من هذا القبيل فكذا ههنا معنى كون الإسلام منشأ لمصلحة أن فى إيجاب القتل معه صحة، وأما فى جانب المنافى للمناسب فقد جرى على ما هو الظاهر حيث قال وإلا أى، وإن لم يكن فى قتله مع الإسلام مصلحة ولا مفسدة فإما أن يكون الإسلام منافيًا
стр. 1691
مناسبًا للقتل هو الكفر مثلًا أو لا يكون فإن كان فوجود الإسلام يستلزم عدم الكفر تحقيقًا للمنافاة وعدمه يستلزم وجوده تحصيلًا للحكمة فالإسلام نقيض الكفر المناسب وعدمه الذى هو المظنة لوجود المناسب عدم نقيض المناسب فالكفر إن كان ظاهرًا منضبطًا كان هو العلة لا عدم نقيض الكفر وإلا فالإسلام الذى هو نقيضه أيضًا غير ظاهر منضبط فعدمه الذى هو نقيضه أيضًا كذلك فلا يصلح للعلية فإن قيل فقد جعلتم للإسلام نقيضين الكفر وعدم الإسلام قلنا أحدهما حقيقه النقيض والآخر مساويه بحسب الفرض وإن لم يكن الإسلام منافيًا لمناسب القتل بناء على أن المناسب ليس هو الكفر بل أمر آخر لا ينافيه الإسلام فلا يكون فى عدم الإسلام تحصيل مصلحة له فلا يصلح مظنة.
قوله: (الحل) إشارة إلى أن ما ذكره مغلطة حلها أنا نختار أن ذلك أمر الذى يضاف إليه العدم كالإسلام فى المثال ينافى مناسبًا ولا يلزم ما ذكر من جعل عدم نقيض المناسب مظنة المناسب لجواز أن يكون عدم نقيض المناسب وهو عدم الإسلام نفس المناسب بأن يتعلق به إيجاب القتل ويحصل بذلك المقصود الذى هو إلزام الإسلام وإن أردتم أن هناك أمرًا آخر وجوديًا هو المناسب نختار أن ذلك الأمر الذى يضاف إليه العدم وليس منافيًا له بل يجامعه ولا يلزم ما ذكرتم من أن وجود ذلك الأمر أعنى الإسلام وعدمه سواء فى تحصيل المصلحة بل عدم الإسلام أعنى ترتب القتل على عدم الإسلام يستلزم المصلحة التى هى التزام الإسلام، ووجود الإسلام أعنى القتل مع الإسلام لا يستلزمها كما أنه لا ينافيها.
قوله: (ولو كان صالحًا لسمع) لم يلتفت إلى منع الملازمة لكونه لزومًا عاديًا بل أشار إلى منع انتفاء اللازم بقوله وعدمه أى عدم وقوع التعبير عن العلل بالعبارات العدمية مجرد دعوى.
قوله: (وقد تقدَّم) حيث استدل على وجودية الحسن بأن نقيضه لا حسن وهو عدمى لصدقه على المعدوم وأما النقيض بالإمكان فعلى تقرير الشارحين أن هذا الدليل يقتضى وجودية الإمكان مع أنه عدمى بالاتفاق وعلى تقرير المحقق أنه يقتضى أن لا يتصف العدم بالإمكان وهو باطل وأما كون إثبات الوجود بصورة السلب مصادرة فعلى تقريرهم أن صورة السلب قد تكون وجودًا كاللاعدم وقد تكون منقسمًا كاللاممكن، وإنما يكون سلبًا لو كان ما دخله النفى وجودًا فإثبات
стр. 1692
وجوديته بكون صورة النفى سلبًا دور ومصادرة على المطلوب حيث صار المدعى جزءًا من الدليل وعلى تقريره أن ما دخله النفى قد يكون ثبوت أمر لأمر كاللامتناع وقد يكون منقسمًا كاللامعلوم ولا يلزم كونه وجودًا إلا إذا ثبت أن السلب ليس من أحد القبيلين بل هو سلب لوجود وهو مصادرة.
المصنف: (لكان مناسبًا أو مظنة) الترديد بينما بناء على أن العلة إما هى الوصف المناسب وإما مظنته ثم إن المناسب على تقرير الشارح كما هو ظاهر المصنف فيما إذا كان وجود الأمر الذى جعل عدمه علة منشأ مصلحة أو مفسدة والمظنة فيما إذا لم يكن وجوده كذلك لكنه ينافى وجود المناسب، وإنما خص كونه مناسبًا بما إذا كان وجوده الأصل أى أن التركيب جاء من الاختلاف فى علة حكم الأصل لأن المستدل يعلل بعلة يمنعها المعترض بعلة أخرى.
الشارح: (ولا يصلح مقصودًا) أى لأنا تتبعنا أحكام الشارع فوجدنا أن نظر الشارع فى مشروعية الأحكام إلى تحصيل المصالح ودفع المفاسد لا تفويت المصالح.
الشارح: (أو لمفسدة حتى يكون عدمه مناسبًا) أرجع بعض الحواشى قوله حتى يكون عدمه مناسبًا لقوله أو لمفسدة لا له وللمعطوف عليه لأن العدم فى المعطوف عليه مفوت للمصلحة فلا يتوهم كونه مناسبًا.
الشارح: (فإنه لا فرق. . . إلخ) يعنى قد سمع التعليل بالأمر العدمى معبرًا عنه بعبارة وجودية لا فرق بين أن يعبر عن العلل العدمية بعبارات وجودية أو بعبارات عدمية فحينئذ قد وقع العدم علة وعدم وقوع التعبير بالعبارات العدمية مجرد دعوى.
الشارح: (فلا يتصف بها العدم) أى لأن الوجودى لا يكون وصفًا للعدمى.
الشارح: (وإلا عدم النقيضان) أى وأن لا تكن العلة وجودًا بأن انتفى الوجود عنها والفرض أن العدم انتفى عنها أيضًا لأنه نقيضها فقد ارتفع عنها الوجود والعدم وهما نقيضان لا يصح ارتفاعهما.
قوله: (ثم استقبحوا جعل المنافى للمناسب قسيمًا لما هو منشأ المفسدة) سيأتى رده وسيأتى الكلام عليه.
قوله: (مثل أنه يجوز أن يكون الوجود منشأ مصلحة. . . إلخ) سيأتى رده بأنه
стр. 1693
حينئذ يكون الوجود منشأ مفسدة.
قوله: (لكن لا يخفى ما فيه من الإبهام) أى حيث لم يبين وجه اختصاص الأولين بالمناسب والآخرين بالمظنة.
قوله: (أن كون العدم مناسبًا بذاته) أى لا بواسطة غيره حتى يكون هو مظنة.
قوله: (ولا أرى لهذا الكلام معنى) أى لأن النظر فى نفس العدم غير صحيح ولا يترتب عليه أن يكون مناسبًا بذاته والنظر إلى وجود الشئ الذى فيه مصلحة أو مفسدة لا يوجب كونه مظنة.
قوله: (لأن المفروض أن وجوده ليس منشئًا لمصلحة ولا مفسدة) أى وبهذا الفرض صح أن يكون من أقسام هذا المفروض ما يكون وجوده وعدمه سواء قوله وبهذا تظهر فائدة تقييم القسيم أى القسيم لما وجوده منشأ لمصلحة أو مفسدة يعنى بكون المفروض ذلك تظهر فائدة التقييد المذكور فيندفع الاعتراض باستقباح جعل المنافى قسيمًا لما فيه مفسدة لظهور أن لا تقابل بينهما وفيه أن الاعتراض به غير مدفوع بهذا الفرض لأنه لا وجه له إلا أن يقال: إن وجه ذلك الفرض أن ما وجوده مناف للمناسب إذا كان فيه مفسدة فهو داخل فيما وجوده منشأ لمفسدة فنفرض المقابل فى غيره.
قوله: (فإن تحريم الخمر) تحريف وحقه فإن فى تحريم الخمر.
قوله: (هو إلزام الإسلام) تحريف والأصل هو التزام الإسلام وقوله وليس منافيًا له تحريف والأصل إسقاط الواو.
قوله: (فعلى تقرير الشارحين أن هذا الدليل يقتضى وجودية الإمكان مع أنه عدمى بالاتفاق) قد نقله فيما تقدم واعترض عليه حيث قال: وكلام بعض الشارحين هو أن الاعتراض الأول نقض إجمالى للدليلين المذكورين على كون الحسن وجوديًا فإنما يجربان فى الإمكان بأن يقال نقيضه لا إمكان وهو سلب لما ذكر وأيضًا لو كان الإمكان عدميًا لم يكن وصفًا ذاتيًا للممكن مع أن كون الإمكان ثبوتيًا باطل بالاتفاق وهذا مع فساده وابتنائه على الفاسد لا يوافق كلام الأصل. . . إلخ.
قوله: (وعلى تقرير المحقق يقتضى أن لا يتصف العدم بالإمكان) أى لأن الإمكان وجودى بدليل أن اللامكان سلب وإذا كان وجوديًا فلا يكون وصفًا للعدم.
стр. 1694
قال: (قالوا: صح تعليل الضرب بانتفاء الامتثال قلنا بالكف، وأن لا يكون العدم جزءًا منها، قالوا: انتفاء معارضة المعجز جزء من المعرف لها وكذلك الدوران وجزؤه عدم قلنا شرط لا جزء).
أقول: للخصم حجتان:
قالوا: أولًا: صح تعليل الضرب بانتفاء الامتثال مع أن الضرب ثبوتى وانتفاء الامتثال عدمى. قلنا: لا نسلم صحته، بل التعليل ثم بالكف عن الامتثال وهو أمر ثبوتى محقق.
قالوا: ثانيًا: معرفة كون المعجز معجزًا أمر وجودى وهو معلل بالتحدى بالمعجزة مع انتفاء المعارض، فهذه علة جزؤها عدم وما جزؤه عدم فهو عدم، وقد علل به وجودى فبطل سلبكم الكلى، وكذلك الدوران علة لمعرفة كون المدار علة وهى وجودية، والدوران عدمى لأنه عبارة عن الوجود مع الوجود والعدم مع العدم فأحد جزأيه عدم فهو عدم.
الجواب: العدم فى الصورتين شرط لا جزء ولا يخفى أن نفس التحدى لا يستقل بتعريف المعجز.
قوله: (قالوا ثانيًا) ذكر الآمدى أنه إذا عرف امتناع تعليل الوجود بالعدم المحض فبمثله يعلم امتناع كون العدم جزءًا من علة الوجودى والوجه فى الاعتراض والجواب كما تقدَّم ويخصه اعتراض وهو أن عدم المعارضة جزء من المعرف لكون المعجزة معجزة، والعدم عند العدم جزء من الدوران المعرف لعلية المدار والجواب أنا لا نسلم أن العدم فى الصورتين جزء من المعرف بل شرطًا ولما كان العدمى أعم من أن يكون عدمًا محضًا أو أحد جزأيه وجودًا عد المصنِّفُ ذلك الاعتراض من أدلة القائلين بأن الوجود يعلل بالعدمى وذكر بعض الشارحين أن المراد من شروط العلة أن لا يكون العدم جزءًا من علة الوجود وهو مصرح فى بعض النسخ ولا خفاء فى أن التعريف لا يحصل إلا بمجموع الأمرين ولا نعنى بكون العدم جزءا له سوى هذا وهذا هو المراد بقوله ولا يخفى أن نفس التحدى لا يستقل بتعريف المعجز بمعنى أن لا يكون لشئ آخر مدخل فى التعريف ولم يصرح بأمر الدوران لأن الجزئية فيه أظهر.
стр. 1695
المصنف: (انتفاء المعارضة جزء من العرف لها) أى للمعجزة لأنها الأمر الخارق للعادة مع التحدى وانتفاء المعارضة للمعجز.
قوله: (فبمثله يعلم امتناع كون العدم جزءًا من علة الوجودى) أى لما ذكره الشارح من أن الذى جزؤه عدم فهو عدم وقوله والوجه فى الاعتراض والجواب ما تقدم أما الاعتراض فهو أن الضرب علل بانتفاء الامتثال وأما الجواب فهو أن التعليل ثم بالكف عن الامتثال. . . إلخ.
قوله: (وهو أن عدم المعارضة. . . إلخ) أى فقد وقع التعليل بما جزؤه عدم.
قوله: (ولا خفاء. . . إلخ) رد لقوله بل شرط.
стр. 1696
قال: (وأن لا تكون المتعدية المحل ولا جزءًا منه لامتناع الإلحاق بخلاف القاصرة، والقاصرة بنص أو إجماع صحيحة باتفاق، والأكثر على صحتها بغيرهما كتعليل الربا فى النقدين بجوهريهما خلافًا لأبى حنيفة رضى اللَّه عنه لنا أن الظن حاصل بأن الحكم لأجلها وهو المعنى بالصحة بدليل صحة المنصوص عليها واستدل لو كانت صحتها موقوفة على تعديتها لم تنعكس للدور، والثانية اتفاق وأجيب بأنه وقف معينة. قالوا: لو كانت صحيحة لكانت مفيدة والحكم فى الأصل بغيرها ولا فرع، ورد بجريانه فى القاصرة بنص وبأن النص دليل الدليل وبأن الفائدة معرفة الباعث المناسب فيكون أدعى إلى القبول وإذا قدر وصف آخر متعد لم يتعد إلا بدليل على استقلاله).
أقول: العلة تنقسم إلى متعدية تتعدى الأصل فتوجد فى غيره وإلى قاصرة لا تتعداه، أما المتعدية فيشترط فيها أن لا تكون هى المحل أو جزءًا للمحل حقيقة إذ لا يتصور تعديتهما، وأما الجزء المحمول الأعم فلا يسميه المتكلم جزءًا بل وصفًا نفسيًا، وأما القاصرة إن جوزت فقد تكون المحل أو جزأه إذ لا مانع، بقى النظر فى القاصرة فى جواز التعليل بها وعدمه أما إذا كان ثبوتها بالنص أو الإجماع فيصح اتفاقًا، وإن كان بغيرهما من مسالك العلية كالمناسبة والسبر فالأكثر على صحتها، مثاله تعليل حرمة الربا فى النقدين بجوهريهما، أى بكونهما ذهبًا وفضة، وهو نفس المحل أو بجوهريتهما أى بكونهما جوهرى الثمن وهو وصف قاصر، وخالف فى ذلك أبو حنيفة رضى اللَّه عنه، لنا أن الظن حاصل بأن الحكم لأجلها لأنه المفروض وهو معنى صحة التعليل بها بدليل صحة المنصوص عليها اتفاقًا وإن لم يفد النص إلا الظن فلو كان معنى التعليل القطع بأن الحكم لأجلها لما جاز ذلك أيضًا واستدل بأنه لو كانت صحة العلية موقوفة على تعديتها لم تكن تعديتها موقوفة على صحتها لامتناع الدور واللازم منتف للاتفاق على توقف التعدية على ثبوت العلية الموقوف على صحتها.
والجواب: منع الملازمة قولك يلزم الدور، قلنا نعم لكنه دور المعية لا دور تقدم، وأنه جائز بيانه أن العلة لا تكون إلا متعدية لا أن كونها متعدية ثبتت أولًا ثم تكون علة والمتعدية لا تكون إلا علة لا أنها تكون علة ثم علة متعدية وهو واضح وقد يجاب أيضًا بأن التعدية شرط العلية بمعنى وجود الوصف فى غيره
стр. 1697
ومشروطة بها بمعنى وجود الحكم به فى غيره فذلك غلط نشأ من الاشتراك.
قالوا: لو كانت العلة القاصرة صحيحة لكانت مفيدة لأن إثبات ما لا فائدة فيه لا يصح شرعًا ولا عقلًا لكنها غير مفيدة لأن فائدتها منحصرة فى إثبات الحكم بها وهو منتف وإلا فإما فى الأصل أو فى الفرع؛ أما الأصل فالحكم فيه ثبت بغيرها من نص أو إجماع، وأما الفرع فالمفروض أنه لا فرع.
الجواب: أولًا: النقض بالقاصرة إذا ثبتت بنص أو إجماع فإن هذا الدليل بعينه يجرى فيها مع جوازه اتفاقًا، وثانيًا: بأنا لا نسلم أن الحكم فى الأصل عرف بغير العلة بل عرف بالعلة والنص دل على كونه دليلًا فإذا قال جوهر الثمن ربوى فقد عرف كون النقدين ربويين بكون الربوية معللة بجوهربة الثمن والنص دليل الدليل، وثالثًا: بأنا لا نسلم حصر الفائدة فى معرفة الحكم بل ههنا فائدتان أخريان: إحداهما: معرفة الباعث المناسب فإن الحكم إذا عرف كذلك كان أقرب إلى القبول والإذعان من التعبد المحض، وثانيتهما: أنه إذا قدر وصف آخر متعد وقد علمت قاصرة جاز أن يكرنا جزأى العلة فلا تعدية وأن يكون كل مستقلة فتحصل التعدية، وإذا جاز الأمران فلا تعدى إلا بدليل يدل على كونه مستقلًا لا جزءًا، وقد يدفع هذا بأن الاستقلال يترجح بالتعدية فلا توقف.
قوله: (جزءًا للمحل حقيقة) أى تركب محل الحكم منه ومن غيره بحيث يكون كل منهما متقدمًا عليه فى الوجود لا يحمل عليه أصلًا فلا حاجة إلى تقييد الجزء بالمختص لأن ما يكون جزءًا لشئ حقيقة لا يكون إلا كذلك مثلًا الخل الذى هو من السكنجبين حقيقة لا توجد فى غيره وأما مطلق الخل الذى يوجد فيه وفى غيره فليس جزءًا منه حقيقة وبهذا يخرج الجزء المحمول الأعم أيضًا على أنه لا يسمى باصطلاح المتكلمين جزءًا بل صفة نفسية وكذا المساوى لما سبق من تفسير الصفة النفسية، وإنما خص الأعم بالذكر لتصريح الآمدى بأن الحق التفصيل وهو أنه لا يكون نفس المحل ويجوز أن يكون غيره لاحتمال كونه أعم.
قوله: (بجوهريهما) أى ذاتيهما وحقيقتيهما وفى بعض نسخ المتن بجوهريتهما، أى كونهما جوهرتين مثقبتين لثمنية الأشياء.
قوله: (وإن لم يفد النص إلا الظن) لأن المراد ما يقابل الإجماع ويشمل الكتاب
стр. 1698
والسنة بأقسامهما لا ما يقابل الظاهر حتى يكون قطعيًا البتة وخص البيان بالمنصوص عليها لأن المجمع عليها لا تكون إلا قطعية ومن معكوس الكلام ما ذكره العلامة من أنه مثل المعنى بصحة القاصرة وحصول اليقين بأن الحكم لأجلها قلنا هذا وإن سلم حصوله فى المنصوصة فلا نسلم فى المجمع عليها إذ الإجماع لا يفيد اليقين.
قوله: (فذلك) أى توهم لزوم الدور غلط من اشتراك لفظ التعدية بين ثبوت الوصف فى محل آخر وبين ثبوت الحكم به فى محل آخر والموقوف على العلية هو الثانى والموقوف عليه هو الأول.
قوله: (بل عرف بالعلة) لا خفاء فى ضعف هذا المنع والسند فإن الحكم الشرعى لا يثبت إلا بدليل شرعى والعلة لا تستنبط إلا بعد معرفة الحكم بدليله.
قوله: (وقد يدفع هذا) وإن كان كلامًا على السند لكنه قوى، فإن الأصل فى العلة التعدية لكثرة فائدتها والاتفاق على صحتها وقد يعارض بأن اجتماع العلتين مختلف فيه ولو سلم فالأصل عدمه.
الشارح: (وقد يدفع هذا) أى قوله وثانيتهما. . . إلخ.
قوله: (وبهذا يخرج الجزء المحمول الأعم) أى لأنه لا يتقدم فى الوجود على كله وقوله أيضًا أى كما خرج الجزء الأعم الخارجى نحو مطلق الخلل وقوله وكذا المساوى لما سبق من تفسير النفسية أى بأنها ما لا تعقل الذات إلا بها فهو كالجزء الأعم المحمول.
قوله: (وإنما خص الأعم بالذكر لتصريح الآمدى. . . إلخ) أى أن الجزء المساوى كالجزء الأعم وإنما خص الشارح الأعم بالذكر متابعة للآمدى.
قوله: (ومن معكوس الكلام. . . إلخ) أى لأنه جعل اليقين موضع الظن والظن موضع اليقين.
قوله: (وإن كان كلامًا على السند) لعل الأصل وهو وإن كان كلامًا على السند وقوله وقد يعارض أى ما ذكره من قوله وثانيتهما فقد توجه عليه المنع والمعارضة مع كونه كلامًا على السند واعلم أن الخلاف فى جواز التعليل بالقاصرة المستنبطة قيل: إنه لفظى لأن التعليل باصطلاح الحنفية هو القياس والقاصرة إبداء حكمة
стр. 1699
ولا يسمى ذلك الإبداء تعليلًا لمرادفة التعليل باصطلاحهم للقياس ولا يقاس فى القاصرة، والجمهور أرادوا بالتعليل إبداء المناسب واستخراجه فحكموا بصحة التعليل به ولا يجعلون التعليل مرادفًا للقياس فلا خلاف فى المعنى للاتفاف على عدم القياس فى العلة القاصرة وإنما الخلاف فى تسمية استخراج المناسب تعليلًا لأن التعليل لا يخص القياس أو لا يسمى تعليلًا لأن التعليل هو القياس وقيل: إن الخلاف معنوى مبنى على اشتراط التأثير فى العلة كما ذهب إليه الحنفية فيلزم فى العلة المستنبطة أن تكون متعدية وعدم اشتراط التأثير والاكتفاء بالإخالة كما هو مذهب الجمهور فلا يلزم فى العلة المستنبطة التعدية لا يقال: إن العلة القاصرة عند الحنفية يجوز أن يكون لجنسها تأثير فى جنس الحكم فلا ينفع البناء على التأثير لأنا نقول المقصود أن المراد بالتعدية ما يوجد هو أو جنسه فى غير الأصل وبالقاصرة ما لا يوجد هو ولا جنسه فيه بل يختص بالأصل والتعدية لعينه أو لجنسه لازمة على تقدير التأثير بخلاف الإخالة وحينئذ صح البناء وهذا بالحقيقة تحرير للمسألة لتكون محلًا للنزاع ولا تؤول إلى النزاع اللفظى الذى يبعد كل البعد صدوره عن المحصلين. اهـ ملخصًا من مسلم الثبوت وشرحه.
стр. 1700
قال: (وفى النقض وهو وجود المدعى علة مع تخلف الحكم، ثالثها يجوز فى المنصوصة لا المستنبطة، ورابعها عكسه، وخامسها يجوز فى المستنبطة وإن لم يكن لمانع ولا عدم شرط، والمختار إن كانت مستنبطة لم يجز إلا لمانع أو عدم شرط لأنها لا تثبت عليتها إلا ببيان أحدهما لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن ذلك لعدم المقتضى وإن كانت منصوصة فبظاهر عام فيجب تخصيصه كعام وخاص، ووجب تقدير المانع، لنا لو بطلت لبطل المخصص وأيضًا جمع بين الدليلين ولبطلت القاطعة كعلل القصاص والجلد وغيرهما).
أقول: قد يعد من شروط العلة أن تكون مطردة أى كلما وجدت وجد الحكم وعدمه يسمى نقضًا وهو أن يوجد الوصف الذى يدعى أنه علة فى محل ما مع عدم الحكم فيه وتخلفه عنها، وقد اختلف فى جواز النقض أى كونه غير قادح فى العلية فيبقى معه ظن العلية على مذاهب: أولها: يجوز مطلقًا، ثانيها: لا يجوز مطلقًا، ثالثها: يجوز فى المنصوصة دون المستنبطة، رابعها: يجوز فى المستنبطة بمانع أو عدم شرط دون المنصوصة، خامسها: يجوز فى المستنبطة ولو بلا مانع أو عدم شرط دون المنصوصة والمختار هذا التفصيل وهو أنها إن كانت مستنبطة لم يجز إلا بمانع أو عدم شرط لأن العلية لا تثبت عند التخلف إلا ببيان أحدهما لأن انتفاء الحكم إذا لم يكن لمانع ولا عدم شرط فهو لعدم المقتضى قطعًا فلو كان الوصف مقتضيًا لثبت الحكم فى صورة النقض ولم يثبت فليس مقتضيًا وإن كانت منصوصة فلا تكون بقاطع فى خصوصية محل النقض وإلا ثبت الحكم ولا فى غيره وإلا فلا تعارض وانما يكون بظاهر عام وحينئذٍ يجب تخصيصه بغير صورة النقض لأن ذلك النص عام يدل على العلية فى محل النقض وغيره وعدم الحكم خاص يدل على عدم العلية فى محل النقض وإذا تعارض عام وخاص فقد علمت أن الواجب تخصيص العام مثاله أن مجئ الخارج النجس ناقض للوضوء ثم يثبت أن الفصد لا ينقض فيحمل على غير الفصد وأنه لم يرد بالعموم ووجب تقدير مانع يمنع من العلية ثمة وإن كنا لا نعلمه بعينه لئلا يلزم الحكم بدون العلة فإن فيه إبطال العلية لما ذكرنا أن الحكم بدونهما لعدم المقتضى فيبطل الاقتضاء وحاصل هذا المذهب أنه لا بد من مانع أو عدم شرط لكن فى المستنبطة يجب العلم بعينه وإلا لم يظن العلية وفى المنصوصة لا يجب ويكفى فى ظن العلية تقديره وفى
стр. 1701
الصورتين لا تبطل العلية بالتخلف، لنا لو بطلت العلية بالتخلف لبطل المخصص مطلقًا واللازم منتف بيان اللازمة أنه ليس إلا مخصصًا لعموم دليل كونه علة وخصوصية هذا المدلول ملغى قطعًا فانتفى الفرق بينه وبين سائر المخصصات فلو لم يجز لم يجز شئ منها ولنا أيضًا أنه جمع بين الدليلين؛ دليل الاعتبار إذ يعمل به فى غير صورة النقض ودليل الإهدار إذ يعمل به فى محله وهو صورة النقض فوجب المصير إليه كغيره، ولنا أيضًا لو بطلت لبطلت العلل القاطعة كعلة القصاص وهو القتل العمد العدوان للتخلف فى الوالد، وكعلة الجلد وهى الزنى للتخلف فى المحصن، وعلة القطع وهو السرقة للتخلف فى مال الابن والغريم إلى غير ذلك واللازم باطل، بيان الملازمة أن الفروض منافاة التخلف للعلية إذ لولاه فلا مانع من صحة المظنونة.
قوله: (بمانع أو عدم شرط) لا بد من التقييد بذلك ليتميز عن الخامس ولا خفاء فى أن عكس الثالث بالتحقيق هو الخامس فكان الأولى بالمصنف أن يقول رابعها عكسه خامسها يجوز فى المستنبطة بمانع أو عدم شرط دون المنصوصة.
قوله: (إذا لم يكن مانع) الموافق لهذا التفسير أن يكون لفظ المتن إذا لم يكن بذلك لكنه فى النسخ إذا لم يكن ذلك أى إذا لم يتحقق وجود مانع أو عدم شرط على أن كان تامة.
قوله: (وإلا ثبت الحكم) ضرورة ثبوت الحكم عند ثبوت علته قطعًا.
قوله: (ولا فى غيره) أى غير محل النقض وإلا فلا تعارض لأن النص القاطع إنما دل على عليته فى غير محل النقض ويختلف الحكم إنما دل على عليته فى محل النقض ولا تعارض عند تغاير المحلين وحيث لا تعارض لا نقض لأن معناه أن الدليل دل على علية الوصف فيه ويختلف الحكم دل على عدم عليته فيه ولا خفاء فى أنه لو ثبت العلية فى غير محل النقض خاصة بظنى فلا تعارض أيضًا وإنما يكون النقض والتعارض إذا ثبتت العلية فيهما جميعًا بظاهر عام، فيدل بعمومه على العلية فى محل النقض وغيره ويعارضه عدم الحكم فى محل النقض لدلالته على عدم العلية فيه فيجب تخصيص العام به وبهذا يظهر أن معنى عدم التعارض عند اختصاص النص بغير محل النقض ما ذكرنا لا ما يقال: إن التخلف
стр. 1702
فى صورة النقض إما بظنى فلا تعارض لأن الظنى لا يعارض القطعى وإما بقطعى فلا يعارضه أيضًا لأن القطعيين لا يتعارضان فليتأمل.
قوله: (ووجب تقدير مانع) اكتفى به اقتداء بالمتن والمراد ما يعم انتفاء الشرط فإنه أيضًا مانع.
قوله: (لبطل المخصص) على لفظ اسم المفعول وكذا سائر المخصصات، وقوله: أنه أى التخلف ليس إلا مخصصًا على لفظ اسم الفاعل وخصوصية هذا المدلول هو كون الوصف علة وحاصله أن الدليل العام للحكم يجوز تخصيصه سواء كان المخصص هو العلية أو حكمًا آخر سواها.
قوله: (العلل القاطعة) يعنى التى حصل القطع بعليتها فى غير صورة النقض بطريق الإجماع والاتفاق بعد دلالة النص على عليتها بطريق الظن عمومًا.
المصنف: (والمختار إن كانت مستنبطة. . . إلخ) هو مذهب سادس وقيل هو قول الأكثر القائل بالجواز مطلقًا أى منصوصة أو مستنبطة وقوله: لا تثبت عليتها إلا ببيان أحدهما أى لا تثبت عليتها فى غير صور النقض عند التخلف إلا ببيان أن التخلف لمانع أو فقد شرط وإلا لم تثبت عليتها أصلًا.
الشارح: (أو لها يجوز مطلقًا) دليله يعلم من دليل جواز المستنبطة ولو لغير مانع أو فقد شرط ومن دليل جواز المنصوصة دون المستنبطة.
الشارح: (فهو لعدم المقتضى قطعًا) أى فلا تثبت علية الوصف أصلًا لا فى صورة التخلف ولا فى غيرها بخلاف ما إذا كان التخلف لمانع أو فقد شرط فتثبت العلة وإن تخلف مقتضاها حينئذ.
الشارح: (لئلا يلزم الحكم بدون العلة) تحريف وصوابه لئلا يلزم العلة بدون الحكم والمعنى وإنما قلنا بتقدير مانع يمنع من العلية عند تخلف الحكم لئلا يلزم لو كان التخلف لغير المانع وجود العلة بدون الحكم فتبطل العلية وقوله لما ذكرنا علة لبطلان العلة حينئذ وقوله: إن الحكم بدونهما تحريف وصوابه أن انتفاء الحكم بدونهما.
الشارح: (فلا مانع من صحة المظنونة) أى المستنبطة.
قوله: (وتخلف الحكم إنما دل على عليته فى محل النقض) تحريف وصوابه على
стр. 1703
عدم عليته.
قوله: (لأن معناه أن الدليل دل. . . إلخ) أى معنى تغاير المحلين أن الدليل دل على علية الوصف فى غير محل النقض وتخلف الحكم دل على عدم عليته فيه فقوله دل على علية الوصف فيه تحريف وحقه دل على عدم عموم علية الوصف.
قوله: (ولا خفاء فى أنه لو ثبتت العلة فى غير محل النقض خاصة بظنى فلا تعارض أيضًا) أى فلا خصوصية لثبوت العلة فيه بقطعى.
قوله: (بعد دلالة النص على عليتها بطريق الظن عمومًا) زاد هذا ليظهر التخلف باعتباره وإلا فلو نظر للإجماع والاتفاق فالعلة اعتبرت فى غير صورة النقض وقوله تعسف هكذا فى النسخ وهو تحريف وأصله وهذا فاسد فلعل الأصل هف أى هذا فاسد وقوله وفى بعض الشروح. . . إلخ. قد ذكره الأصفهانى.
стр. 1704
قال: (أبو الحسين: النقض يلزم فيه مانع أو انتفاء شرط فيتبين أن نقيضه من الأولى قلنا: ليس ذلك من الباعث ويرجع النزاع لفظيًا، قالوا: لو صحت للزم الحكم، وأجيب بأن صحتها كونها باعثة لا للزوم الحكم فإنه مشروط، قالوا: تعارض دليل الاعتبار ودليل الإهدار، قلنا: الانتفاء للَّه عارض لا ينافى الشهادة، قالوا: تفسد كالعقلية، وأجيب بأن العقلية بالذات وهذه بالوضع).
أقول: هذه حجج القائلين بعدم جواز النقض، فقال أبو الحسين: النقض إنما يصح مع وجود مانع أو عدم شرط، فيكون نقيضه وهو عدم المانع، ووجود الشرط جزءًا من العلة لأن المستلزم هو العلة مع ذلك فلا تكون الأولى تمام العلة فتنقدح عليتها، مثاله: إذا علم أن الربا لا يثبت فى الحديد لكونه موزونًا فنقض بالرصاص، فقيل المانع البياض أو الشرط السواد، فقد علم أن العلة كونه موزونًا مع أنه ليس أبيض أو مع أنه أسود فلا يكون كونه موزونًا هو العلة بل جزء العلة.
الجواب: لا يلزم من كونه لا بد منه أن يكون جزءًا من العلة إذ المراد بالعلة الباعث وليس ذلك من الباعث فى شئ وعلى هذا فيرجع النزاع لفظيًا مبنيًا على تفسير العلة فإن فسرت بالباعث على الحكم جاز النقض، وإن فسرت بما يستلزم وجوده وجود الحكم لم يجز.
قالوا: ثانيًا: لو صحت العلية مع التخلف للزم الحكم فى صورة التخلف لأن من ضرورة صحة العلية لزوم المعلول لعلته.
الجواب: منع كونه من لوازم العلية لأن مرادنا بها كونها باعثة لا لزوم الحكم لها مطلقًا فإن لزوم الحكم مشروط بعدم المانع ووجود الشرط فكونه علة يلزمه اللزوم إذ لم يوجد مانع ولم يعدم شرط وذلك غير متحقق فينتفى اللزوم.
قالوا: ثالثًا: لنا تعارض دليل العلية وهو وجود الحكم معه، ودليل الإهدار وهو التخلف عنه، فتساقطا فلا يعمل بدليل العلية، وهو المطلوب.
الجواب: لا نسلم أن التخلف دليل الإهدار فإن الحكم فى تلك الصورة المخصوصة قد انتفى لمعارض وهو لا يبطل العلية، وذلك كالشهادة إذا عورضت بشهادة فتعارضت البينتان فإنه لا يبطل حكم الشهادة مطلقًا فالعلة شاهدة بالحكم والتخلف فى صورة معينة لمانع يخصها لا يبطل شهادة العلة بالحكم ولا يوجب
стр. 1705
عدم قبولها مطلقًا.
قالوا: رابعًا: التخلف يفسد العلية كما يفسد العلة العقلية، فإنه إذا وجدت الحركة ولم توجد العالمية علم قطعًا أن الحركة ليست علة للعالمية.
الجواب: أن العلل العقلية علل بالذات وتستلزم معلولها استلزامًا ذاتيًا، وما بالذات لا ينفك لا جرم دل الانفكاك على عدم العلية وهذه علل بالوضع فقد لا تستلزم معلولها ولا يضر الانفكاك.
قوله: (فقال أبو الحسين) يعنى أن هذه الحجة له خاصة بخلاف الثلاث الباقية.
قوله: (إنما يصح) أى النقض ويختلف الحكم عند وجود مانع أو عدم شرط وإلا لكان انتفاء الحكم لعدم المقتضى تعسف.
قوله: (فلا تكون الأولى) أى العلة بدون عدم المانع ووجود الشرط تمام العلة حتى تبطل عليتها بتخلف الحكم إذ التخلف عند عدم تمام العلة جائز اتفاقًا.
قوله: (وهو وجود الحكم معه) وفى بعض الشروح أن دليل الاعتبار هو ما تثبت به العلية من مالك العلة وأن معنى قوله الانتفاء بمعارض لا ينافى الشهادة هو أن انتفاء الحكم لمعارض لا ينافى دلالة الدليل على العلية فى الجملة والأقرب ما ذكره المحقق أما الأول فلأنه الموافق لكلام الجمهور ولما سيجئ من تأتى دليلى المذهب الثالث ولأن المقابل لتخلف الحكم عن الوصف هو ترتبه عليه، وأما الثانى فلأن معنى تعارض الدليلين منافاة كل منهما لمدلول الآخر لا لدلالته عليه والخصم لم يدع أن التخلف أى انتفاء الحكم ينافى دلالة الدليل على علية الوصف بل أنه ينافى كونه علة شاهدة بثبوت الحكم وهو معنى الاقتدار فليتأمل.
стр. 1706
قال: (المجوز فى المنصوصة لو صحت مع النقض لكان لتحقق المانع ولا يتحقق إلا بعد صحتها فكان دورًا، أجيب بأنه دور معية، والجواب: أن استمرار الظن بصحتها عند التخلف يتوقف على المانع وتحقق المانع يتوقف على ظهور الصحة فلا دور كإعطاء الفقير يظن أنه لفقره فإن لم يعط آخر توقف الظن فإن تبين مانع عاد وإلا زال، قالوا: دليلها اقتران وقد تساقطا وقد تقدَّم).
أقول: هاتان حجتان لأصحاب المذهب الثالث وهم المجوزون فى المنصوصة دون المستنبطة.
قالوا: أولًا: لو صحت العلة المستنبطة مع كونها منقوضة لكان لتحقق المانع واللازم منتف، أما الملازمة فلأن التخلف بلا مانع قاطع فى عدم الاقتضاء كما مر، وأما انتفاء اللازم فلأن المانع إنما يتحقق بعد صحة العلية، إذ لو لم تصح العلية فعدم الحكم لعدم العلة ولا أثر لما يتصور مانعًا، فلا يكون مانعًا فتتوقف الصحة على المانع، والمانع على الصحة ويلزم الدور.
وقد أجيب عنه بأن الدور إنما يستحيل إذا كان دور تقدَّم بأن يعتبر التقدم فى الطرفين وأما إذا كان دور معية فلا وهذا دور معية إذ غايته امتناع انفكاك كل عن الآخر وأما عدم الانفكاك بصفة التقدم فلا وهذا ليس بصواب لظهور تقدم كل على الآخر، إذ لا تعلم المانعية إلا بعد العلم بالاقتضاء ولا يعلم الاقتضاء إلا بعد العلم بالمانعية، بل الصواب أنا ببادى الرأى والنظر إلى المناسبة أو غيرها يظهر لنا صحة العلة، ونظنها ظنًا حتى يتحقق التخلف وعند التخلف إن وجدنا أمرًا ينسب إليه لصلوحه، لذلك حكمنا على ذلك الأمر أنه مانع واستمر ظن الصحة وإلا زال فإذًا استمرار الظن بصحتها يتوقف على وجود المانع، وكونه مانعًا يتوقف على ظهور الصحة وظنها لا على استمراره فزال الدور، مثاله: المحقق فى العرفيات أن من أعطى فقيرًا فظن أنه إنما أعطاه لفقره فإن لم يعط فقيرًا آخر توقف الظن لجواز وجود المانع وعدمه فإن تبين مانع كفسقه عاد ظنه أنه كان للفقر وههنا مع ذلك الباعث لم يعطه لفسقه، وإلا زال ظن كونه للفقر واعلم أن هذا مشكل إذا كان العلم بالتخلف مقارنًا لا متأخرًا، فالأصوب أن المانعية كونه بحيث إذا جامع علة باعثة منعها مقتضاها والفسق للإعطاء كذلك وجد الباعث أولًا، ووجود المانع المتوقف عليه العلية هو هذا القدر لا كونه مانعًا بالفعل الذى يتوقف على العلية
стр. 1707
فلا دور.
قالوا: ثانيًا: دليل المستنبطة اقتران الحكم بها وقد شهد لها بالاعتبار فى الأصل وعليها بالإهدار فى محل النقض فتعارضا وتساقطا، وبطلت العلية.
الجواب: أنه قد تقدَّم أن الانتفاء لمعارض لا يبطل الشهادة.
قوله: (إذ لا تعلم المانعية) إشارة إلى أن المعتبر فى تحقق المقتضى والمانع هو العلم بذلك لينافى ترتب الحكم ففى المثال المذكور لا يعلم أن الفسق مانع إلا بعد العلم بأن الفقر مقتض وإلا لجاز أن يكون عدم الإعطاء بناء على عدم المقتضى ولا يعلم أن الفقر مقتضٍ إلا بعد العلم بأن الفسق كان مانعًا فى صورة التخلف وإلا لكان التخلف قاطعًا فى عدم المقتضى.
قوله: (فالأصوب) لما كان ما ذكره أن الصواب لا يتم فيما إذا علم التخلف مقارنًا للعلم بالعلية كما إذا سأله فقيران فأعطى واحدًا ومنع الآخر الفاسق فإن العلم بعلية الفقر يتوقف على العلم بمانعية الفسق وبالعكس أشار إلى الأصوب الذى يندفع عنه هذا الإشكال، وحاصله أن ما يتوقف على العلية هو المانعية بالفعل وما تتوقف عليه العلية هو المانعية بالقوة بمعنى كون الشئ بحيث إذا جامع الباعث منع مقتضاه.
قوله: (فى الأصل) أى فى غير محل النقض ولا خفاء فى أن الأصل فى العلة عدم الانتقاض.
قوله: (لا تبطل الشهادة) أى شهادة العلة بالحكم على ما سبق وإن كان الظاهر أن المراد شهادة الدليل أعنى اقتران الحكم بها لها بالاعتبار على ما ذكره غيره من الشارحين.
الشارح: (وهذا ليس بصواب) أى لأن كون الدور دور معى إنما هو إذا كان الكلام فى اعتبار الشارع للعلة وليس الكلام فى ذلك إنما الكلام فى الدلالة على العلية.
قوله: (أى فى غير محل النقض) دفع لما يتوهم أن المراد بالأصل المقيس عليه.
стр. 1708
قال: (المجوز فى المستنبطة المنصوصة دليلها نص عام فلا يقبل، وأجيب إن كان قطعيًا فمسلم وإن كان ظاهرًا وجب قبوله).
أقول: هذه حجة أصحاب المذهب الرابع، وهم المجوزون فى المستنبطة دون المنصوصة.
قالوا: المنصوصة دليلها نص عام فيتناول محل النقض صريحًا فيثبت فيه العلية صريحًا، فلا يقبل النقض إذ يلزم إبطال النص بخلاف المستنبطة فإن دليلها الاقتران مع عدم المانع ولا تخلف عنه.
الجواب: إن كان النص العام قطعيًا فمسلم أنه لا يقبل التخصيص كغيره من التخصيصات ولا يختص بتخصيص العلة فليس محل النزاع، وإن كان ظاهرًا وجب قبوله وتقدير المانع كما ذكرنا.
قوله: (نص عام) إذ لو اختص بغير صورة النقض لم يتصور النقض.
قوله: (يلزم إبطال النص) لدلالته على العلية حيث لا علية بناء على انتفاء لازمها الذى هو ترتب الحكم.
قوله: (فإن دليلها) أى دليل المستنبطة اقتران الحكم بها مع عدم المانع أى ترتب الحكم عليها عند خلوها عن المانع ولا تخلف للحكم عن هذا الدليل لأن انتفاء العلية فى صورة النقض مبنى على انتفاء الدليل وحاصله أن دليل المنصوصة يبطل بانتقاضها بخلاف دليل المستنبطة فإن قيل فعند تحقق المانع لا دليل فلا علية فلا نقض قلنا المراد نقض ما هو علة فى الجملة لا فى صورة ثبوت عليتها فيها فإنه محال.
قوله: (كما ذكرنا) فى تحقيق القول المختار أنه لا بد من تقدير مانع يمنع من العلية لئلا تلزم العلة بدون الحكم فتبطل العلية.
стр. 1709
قال: (الخامس: المستنبطة علة بدليل ظاهر وتخلف الحكم مشكك فلا يعارض الظاهر، وأجيب تخلف الحكم ظاهر أنه ليس بعلة والمناسبة والاستنباط مشكك والتحقيق أن الشك فى أحد المتقابلين يوجب الشك فى الآخر، قالوا: لو توقف كونها أمارة على ثبوت الحكم فى محل آخر لانعكس فكان دورًا أو تحكمًا، وأجيب بأنه دور معية، والحق أن استمرار الظن بكونها أمارة يتوقف على المانع، أو ثبوت الحكم وهما على ظهور كونها أمارة).
أقول: هاتان حجتان لأصحاب المذهب الخامس، وهم القائلون بالجواز فى المستنبطة وإذ لم يكن مانع ولا فوات شرط.
قالوا: أولًا: المستنبطة علة بدليل ظاهر يوجب ظن العلية والتخلف مشكك، فلا يوجب ظن عدم العلية إنما يوجب الشك فيه إذ بتقدير المانع لا يبطل وبتقدير عدمه يبطل، وكلاهما جائز على السواء، والظن لا يرفع بالشك، فالتخلف لا يبطل العلية، وقد أجيب عنه بالمعارضة وهو أن التخلف دليل ظاهر على عدم العلية، ودليل المستنبطة مشكك إذ مع المانع يدل ومع عدمه لا يدل، وكلاهما جائز على السواء. وهذا الجواب جدلى، والتحقيق أن الشك فى أحد المتقابلين يوجب الشك فى الآخر فإذا كان التخلف مشككًا فى عدم العلية كان مشككًا فى العلية إذ حقيقة الشك احتمال المتقابلين سواء، فإذًا قولك العلية مظنونة بدليلها وعدم العلية مشكوك فيه بدليله كلام متناقض لا يلتفت إليه فإن قلت فقد كثر فى ألسن الفقهاء أن اليقين لا يرفع بالظن والظن لا يرفع بالشك، وإنما ذلك حكمهما عند تعارضهما وذلك غير متصور، إذ لا يجتمعان فى متعلق واحد لتضاد أنواع الاعتقاد على ما قررته، قلت: معناه أن حكم الأول الأقوى لا يزول بحكم الثانى الأضعف الطارئ عليه الرافع له لا أنه لا يزول فإن قيل فيقول الخصم بمثله فيما نحن فيه، قلنا: الكلام ههنا فى نفس ظن العلية واعلم أن ههنا زيادة تحقيق وهو أن عند التعارض يحصل الشك فى الطرفين وعند الانفراد يوجب كل الظن، والشك إنما نشأ من التعارض لا أن مقتضى أحدهما الظن والآخر الشك إذا انفردا حتى يقدم عند الاجتماع ما مقتضاه الظن فيعمل به.
قالوا: ثانيًا: لو توقف كونها أمارة وهو ثبوت الحكم بها فى صورة التخلف على ثبوت الحكم بها فى غيرها لانعكس فيتوقف ثبوته فى غيرها على ثبوته فيها،
стр. 1710
ويلزم الدور أو لم ينعكس، ولزم التحكم والترجيح بلا مرجح فقوله أو تحكمًا ليس عطفًا على قوله فكان دورًا إذ التحكم ليس لازمًا للانعكاس بل تقديره أو كان تحكمًا عطفًا على لانعكس، وقد أجيب عنه بأنه دور معية لا دور تقدم كما مر، وهذا ليس بحق إذ لا تعلم عليتها إلا بثبوت الحكم بها فى جميع صور وجوده فلو علم ثبوت الحكم بها لزم دور التقدم قطعًا إذ ما به يعلم الشئ قبل العلم بالشئ.
والجواب الحق: أن الدليل إذا دل على علية الوصف فببادى الرأى وأول النظر من غير تتبع الصور والوقف على التخلف وعدمه يظن العلية فإذا أمعن فيما هو شرط العلية من أحد الأمرين إما ثبوت الحكم معه فى جميع الصور أو وجود مانع من ثبوته إذ لو انتفيا فلا علية فإن علم تحققه استمر الظن وإلا زال فاستمرار ظن كونها أمارة يتوقف على أحدهما، وهما على ظهور كونها أمارة وهو ابتداء ظنه فلا دور.
قوله: (وهم القائلون بالجواز فى المستنبطة) أى دون المنصوصة كما ذكر فى المذهب الرابع فلذا لم يتعرض له.
قوله: (كلام متناقض) لدلالته مطابقة على أن العلية مظنونة والتزامًا على أنها ليست بمظنونة لأنه إذا كان عدم العلية مشكوكًا فيه كانت العلية مشكوكًا فيها فلا تكون مظنونة ضرورة تنافى الشك والظن.
قوله: (وإنما ذلك) أى كون الظنى لا يرفع بالشك حكم الظن والشك عند تعارضهما وكذا كون اليقين لا يرفع بالظن ولا تعارض إلا عند تعلقهما بشئ واحد وهو محال لما سبق فى تقسيم ما عند الذكر الحكمى أن العلم والظن والشك وغيرها أنواع متضادة يمتنع اجتماعها لاشتمال كل على قيد ينافى الآخر.
قوله: (لا أنه) أى ليس معناه أن الأقوى كاليقين مع الظن والظن مع الشك لا يزول بالأضعف فإن زوال الضد عند طريان الضد ضرورى لكن يجوز أن يجعل الشرع حكم الضد الزائل باقيًا بأن تجوز الصلاة مع زوال ظن الطهارة بالشك فى الحدث، وأما فيما نحن فيه فالمعتبر ظن العلية فإذا زال بالشك حكمنا بعدم الاعتبار نعم لو ثبت عن الشارع جواز القياس مع زوال ظن العلية بالشك لتابعناه.
قوله: (واعلم أن ههنا زيادة تحقيق) ودفع لما ذكره المستدل من أن الدليل الظاهر
стр. 1711
يفيد ظن العلية والتخلف يوجب الشك فلا يدفعه وذلك لأن مقتضى التخلف ليس هو الشك بل ظن عدم العلية كما أن مقتضى الدليل الظاهر ظن العلية فعند اعتبار الاجتماع والتعارض يحصل الشك فى العلية وعدمها فلا تثبت العلية.
قوله: (أو تحكمًا) فى كثير من النسخ وإلا تحكمًا أى وإن لم ينعكس كان تحكمًا وهو ظاهر.
قوله: (لأنا لا نعلم عليتها) لا خفاء فى أن الأنسب أن يقال لأنا لا نعلم ثبوت الحكم إلا بها وبعليتها فلو علم عليتها بثبوت الحكم لها فى جميع الصور لزم الدور.
قوله: (والجواب الحق) لا خفاء فى إشكاله فيما إذا كان العلم بالتخلف مقارنًا لا متأخرًا ولم يعده لظهوره.
قوله: (على أحدهما) أن شرط العلية أحد الأمرين وهما يتوقفان على ظهور كونه أى الوصف أمارة أما ثبوت الحكم فظاهر وأما وجود المانع فلأنه إنما يمنع العلية وكون الوصف أمارة الحكم وليس المراد بالأمارة مجرد الأمارة أعنى ما يعرف الحكم ولا يكون باعثًا بل ما يفيد ظن الحكم.
الشارح: (فإن قلت فقد كثر. . . إلخ) أو فقد لزم من كلامهم اجتماع الظن والشك، وأن الظن لا يزول بالشك وهو غير متصور إذ هو محال.
الشارح: (لو توقف كونها أمارة وهو ثبوت الحكم بها) فسرها بذلك إشارة إلى أنه ليس المراد مجرد أمارة يعرف بها الحكم وقوله فى صورة التخلف الأولى أن يقول فى غير صورة التخلف ويبدل قوله فى غيرها فى الموضعين بعده بأن يقول فيها.
الشارح: (والجواب الحق) حاصله أن دليلكم إنما بفيد لو توقف ظن عليتها على ثبوت الحكم فى جميع الصور حتى يتجه أن يقال لو توقف ظن عليتها فى غير صورة التخلف على ثبوت الحكم بها وعليتها فى صورة التخلف لانعكس فدار أو لم ينعكس فكان تحكمًا وليس كذلك بل ظن عليتها إنما يتوقف على دليل عليتها من مناسبة أو غيرها نعم استمرار ظن العلية متوقف على ثبوت الحكم فى جميع الصور أو فى بعضها مع وجود مانع فى بعض آخر وهما يتوقفان على ظن العلية
стр. 1712
لا على استمرار ظنها فلا دور وبهذا سقط الإشكال بما إذا كان العلم بالتخلف مقارنًا لا متأخرًا كما مر فى المذهب الثالث إذ غاية ما يمكن أن يقال ههنا مع كونه كلامًا على السند أنه يجوز أن يكون ظن العلية والعلم بالتخلف هنا معًا فلا يكون استمرار ظن العلية متوقفًا على وجود المانع وهذا لا يضرنا.
قوله: (لا خفاء فى أن الأنسب. . . إلخ) أى لأنه لا يلزم من توقف العلم بثبوت الحكم على ذات العلة وتوقف علية العلة على ثبوت الحكم الدور لاختلاف الجهة إلا أن يقال توقف العلم بثبوت الحكم على العلة ليس من حيث ذاتها بل من حيث كونها علة.
стр. 1713
قال: (وفى الكسر وهو وجود الحكمة المقصودة مع تخلف الحكم المختار لا يبطل كقول الحنفى فى العاصى بسفره مسافر فبترخص كغير العاصى ثم يبين المناسبة بالمشقة فيعترض بصنعة شاقة فى الحضر لنا أن العلة السفر لعسر انضباط المشقة ولم يرد النقض عليه، قالوا: الحكمة هى المعتبرة قطعًا فالنقض وارد، قلنا: قدر الحكمة المساوية فى محل النقض مظنون ولعله لمعارض والعلة موجودة فى الأصل قطعًا فلا يعارض الظن القطع حتى لو قدرنا وجود قدر الحكمة أو أكثر قطعًا وإن بعد أبطل إلا أن يثبت حكم آخر أليق بها كما لو علل القطع بحكمة الزجر فيعترض بالقتل العمد العدوان فإن الحكمة أزيد لو قطع فنقول ثبت حكم آخر أليق لها تحصل به وزيادة وهو القتل).
أقول: قد شرط قوم فى علة الحكم إذا لم تكن حكمة بل مظنة حكمة أن تكون حكمتها مطردة أى كلما وجدت الحكمة وجد الحكم، فإذا وجدت فى محل بدون العلة ولم يوجد الحكم فيه سمى كسرًا ويعبر عنه بأن الكسر يبطل العلية والمختار فيه أنه لا يبطل العلية، مثاله: أن يقول الحنفى فى المسافر العاصى بسفره مسافر فيترخص بسفره كغير العاصى، فإذا قيل له: ولم قلت إن السفر علة للترخص؟ قال: بالمناسبة لما فيه من المشقة المقتضية للترخص لأنه تخفيف، وهو نفع للمرخص، فيعترض عليه بصنعة شاقة فى الحضر كحمل الأثقال وضرب المعاول وما يوجب قرب النار فى ظهيرة القيظ فى القطر الحار لنا أن العلة هو السفر ولم يرد النقض عليه فوجب العمل به، بيان أن العلة السفر هو أنه وإن كان المقصود المشقة لكنها يعسر ضبطها لاختلاف مراتبها بحسب الأشخاص والأحوال، وليس كل قدر منها يوجب الترخص وإلا سقطت العبادات وتعيين القدر منها الذى يوجبه متعذر فضبطت بوصف ظاهر منضبط هو السفر فجعل أمارة لها ولا معنى للعلة إلا ذلك.
قالوا: الحكمة هى المعتبرة قطعًا والوصف معتبر تبعًا لها فالنقض وارد على العلة لأنها إذا وجدت الحكمة المعينة ولم يوجد الحكم علم أن تلك الحكمة غير معتبرة، فكذا الوصف المعتبر بتبعيتها فإن المقصود إذا لم يعتبر فالوسيلة أجدر.
الجواب: إن قدر الحكمة كالمشقة فى مثالنا يختلف ولا بد فى ورود النقض من وجود حكمة فى محل النقض مساوية لما يراد نقضه فإن عدم اعتبار الأضعف لا
стр. 1714
يوجب عدم اعتبار الأقوى وذلك غير متيقن فلعله أقل حكمة أو لعله لمعارض ومع المعارض ينقص قدر الحكمة أو تبطل فلذلك لم يعتبره الشارع ووجود العلة فى الأصل قطعى، وإذا ثبت ذلك وجب اعتبار العلة القطعية ولا يصلح التخلف الظنى معارضًا له فإن الظن لا يعارض القطع، فإن قلت يفرض الكلام فى صورة يعلم وجود قدر الحكمة أو أكثر فيجب أن تبطل العلية لأن القاطع إذا عارض القاطع تساقطا قلنا هذا بعيد ولو تحقق مع بعده ولكن لا فى كل صورة بل إذا لم يثبت حكم آخر أليق بتحصيل تلك الحكمة منه كما فى المثال المذكور وهو أن يقول المعلل إنما قطع اليد باليد للزجر فيقول المعترض: ولو قطع فى القتل العمد العدوان لحصل الحكمة أكثر لأن مقصود الزجر عن القتل أزيد من مقصود الزجر عن القطع ويليق بالزجر الأكثر وهو الزجر عن القتل ولم يشرع القطع فانتقض عليه الزجر.
الجواب: إنما لم يقطع لا لأن حكمة الزجر غير مقصودة بل لأن ذلك القدر الحاصل منها بالقطع كاف فى الزجر عن القطع ويليق بالزجر الأكثر وهو الزجر عن القطع ما يحصل به الزجر الأكثر وهو ما يحصل به ما يحصل بالقطع وزيادة فشرع القتل، فإن القطع يحصل به إبطال اليد والقتل يحصل به إبطال اليد وإبطال ما عداها فيكون أليق وأشد زجرًا من القطع ولا يلزم عدم اعتبار تلك الحكمة وأنت تعلم مما ذكرنا أنه يلزم من مساواة الفرع الأصل فى الحكمة المساواة فى الحكم ولا يلزم ذلك من الأقل إذ قد لا يعتبر، ومن الأكثر إذ قد لا يحصل بذلك الحكم.
قوله: (ويعبر عنه) أى عن هذا الاشتراط بأن الكسر يبطل العلية والكسر على ما ذكر أن توجد حكمة العلة بدون العلة ولا يوجد الحكم، قال فى المحصول: هو بالحقيقة قدح فى تمام العلة بعدم التأثير وفى جزئها بالنقض، وقال القاضى: هو عدم تأثير أحد الجزأين ونقض الآخر والأكثرون على أنه إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة عن درجة الاعتبار ونقض الباقى فلم يفرقوا بينه وبين النقض المكسور.
قوله: (ولا معنى للعلة إلا ذلك) أى وصف ظاهر منضبط يناط به الحكم.
قوله: (مساوية لما يراد نقضه) يعنى حكمة الأصل إذا كانت أقل لم يلزم من
стр. 1715
عدم اعتبارها عدم اعتبار الأقوى أعنى التى فى غير صورة النقض وكذا إذا كانت أزيد.
قوله: (وذلك) أى وجود الحكمة المساوية غير متيقن فلعله أى ما وجد فى صورة النقض أقل حكمة أو لعل التخلف لمعارض يجعل قدر الحكمة ناقصًا عديم المساواة أو باطلًا بالكلية فلذلك أى لكونها أقل فى نفسها أو ناقصة أو باطلة بواسطة المعارض لم يعتبره الشارع.
قوله: (فإن قلت) يعنى أن قوله حتى لو قدرنا وجود قدر الحكمة إشارة إلى سؤال وجواب تقرير السؤال أنا نفرض النقض فى صورة يكون وجود حكمة مساوية أو زائدة متيقنًا مقطوعًا فيتعارض قطعيان أعنى وجود العلة قطعًا وانتقاضها تبعًا لانتقاض حكمتها المساوية أو الزائدة قطعًا فيتساقطان فتبطل العلية وتقرير الجواب أن هذا المفروض بعيد التحقق ولو تحقق وجب أن تبطل العلية لكن لا فى كل صورة بل فى صورة لم يثبت حكم آخر أليق بتحصيل تلك الحكمة من ذلك الحكم كما ثبت فى المثال المذكور فى المتن والبطلان فى صورة لا ينافى صحة العلية وصلوح الأصل لكونه مقيسًا عليه.
قوله: (الجواب) الأحسن أن يقول فيجيب أى المعلل عطفًا على فيقول المعترض يعنى أن عدم قطع يد القاتل ليس مبنيًا على أن حكمة الزجر غير مقصودة بل على أن ذلك القدر الحاصل من حكمة الزجر بالقطع بطريق القصاص متحقق فى الزجر عن القتل العدوان ثم لا خفاء فى أن القتل أكثر عدوانًا من القطع فيليق بالزجر عنه حكم يحصل به زجر أكثر من زجر القطع وذلك الحكم أمر يحصل به ما يحصل بقطع اليد وزيادة على ذلك فشرع القتل الذى يحصل به إبطال اليد وسائر الأعضاء ليكون زائدًا على القطع الذى لا يحصل به سوى إبطال اليد والحاصل أنه لما كان القتل أقوى افتقر إلى زاجر أقوى ولم يلزم منه عدم اعتبار حكمة الزجر بل قوة اعتباره فقوله فى الزجر خبر أن وما يحصل به الزجر فاعل يليق وضمير وهو الزجر للزجر الأكثر وضمير وهو ما يحصل لما يحصل به الزجر الأكثر.
قوله: (ولا يلزم ذلك) أى المساواة فى الحكم من حكمة أقل من حكمة الأصل لجواز أن لا يعتبر الأقل ولا من حكمة أكثر منها لجواز أن لا تحصل تلك الحكمة الأكثر بمثل ذلك الحكم الثابت فى الأصل بل يفتقر إلى حكم آخر فوقه كالزجر عن القتل العدوان لا يحصل بمجرد قطع اليد بل يفتقر إلى شرعية القتل.
стр. 1716
الشارح: (ولو تحقق مع بعده ولكن لا فى كل صورة) الكلام فيه حذف والأصل ولو تحقق مع بعده أبطل ولكن لا فى كل صورة.
قوله: (فقوله فى الزجر خبران) هو على نسخة ليس فيها لفظ كاف فى الزجر وإلا فالخبر هو كاف.
стр. 1717
قال: (وفى النقض المكسور وهو نقض بعض الأوصاف المختار لا يبطل كقول الشافعى فى بيع الغائب مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلا يصح مثل: بعتك عبدًا فيعترض بما لو تزوج امرأة لم يرها، لنا أن العلة المجموع فلا نقض فإن بين عدم تأثير كونه مبيعًا كان كالعدم فيصح النقض ولا يفيد مجرد ذكره دفع النقض).
أقول: إذا نقض العلة بترك بعض الصفات سمى نقضًا مكسورًا، وهو بالحقيقة نقض بعض الصفات وأنه بين النقض والكسر، كأنه قال: الحكمة المعتبرة تحصل باعتبار هذا البعض، وقد وجد فى المحل، ولم يوجد الحكم فيه، فهو نقض لما ادعاه علة باعتبار الحكمة، وقد اختلف فى أنه هل يبطل العلية؟ والمختار أنه لا يبطل.
مثاله: أن يقول الشافعى فى منع بيع الغائب: إنه بيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد فلا يصح بيعه، كما لو قال: بعتك عبدًا من غير تعيين، فيقول المعترض: هذا منقوض بما لو تزوج امرأة لم يرها فإنها مجهولة الصفة عند العاقد حال العقد وهو صحيح، قد حذف قيد كونه مبيعًا ونقض الباقى وهو كونه مجهول الصفة عند العقد حال العاقد، لنا: العلة المجموع فلا نقض عليه إذ لا يلزم من عدم علية البعض عدم علية الجميع هذا إذا اقتصر على نقض البعض.
وأما إذا أضاف إليه إلغاء وصف المتروك وكونه وصفًا طرديًا لا مدخل له فى العلية بأن يبين عدم تأثير كونه مبيعًا بأن العلة كونه مجهول الصفة عند العاقد حال العقد لأنه مستقل بالمناسبة فحينئذٍ يكون وصف كونه مبيعًا كالعدم فيصح النقض لوروده على ما يصلح علة ولا يكون مجرد ذكره دافعًا للنقض، خلافًا لشرذمة لأنه بمجرد ذكره لا يصير جزءًا من العلة إذا قام الدليل على أنه ليس جزءًا ويتعين الباقى لصلوح العلية فيبطله بالنقض، ويصير حاصله سؤال ترديد وهو أن العلة إما المجموع أو الباقى وكلاهما باطل، أما المجموع فلإلغاء الملغى، وأما الباقى فللنقض.
قوله: (وصف المتروك) المتروك هو المبيع والموصف كونه مبيعًا ومع ذلك فالأحسن الوصف المتروك.
стр. 1718
الشارح: (وأنه بين النقض والكسر) أى لأنه إن نسب لمجموع الوصف فهو كسر لوجود الحكمة بدونه وبدون الحكم وإن نسب إلى بعضه الذى تخلف عنه الحكم فهو نقض وقوله الحكمة المعتبرة لعلها هنا الغرر وقوله وصف المتروك الإضافة بيانية فلا حاجة إلى اعتبار الكون مبيعًا وصفًا والمبيع الموصوف متروكًا.
стр. 1719
قال: (وأما العكس وهو انتفاء الحكم لانتفاء العلة فاشتراطه مبنى على تعليل الحكم بعلتين لانتفاء الحكم عند انتفاء دليله ونعنى انتفاء العلم، أو الظن لأنه لا يلزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاؤه).
أقول: شرط قوم فى علة حكم الأصل الانعكاس وهو أنه كلما عدم الوصف عدم الحكم ولم يشترطه آخرون، والحق أنه مبنى على جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين لأنه إذا جاز ذلك صح أن ينتفى الوصف ولا ينتفى الحكم لوجود الوصف الآخر وقيامه مقامه وأما إذا لم يجز فثبوت الحكم بدون الوصف يدل على أنه ليس علة له وأمارة عليه وإلا لانتفى الحكم بانتفائه لوجوب انتفاء الحكم عند انتفاء دليله ونعنى بذلك انتفاء العلم أو الظن لا انتفاء نفس الحكم إذ لا يلزم من انتفاء دليل الشئ انتفاؤه وإلا لزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاء الصانع تعالى، وأنه باطل، نعم يلزم انتفاء العلم أو الظن بالصانع فإنا نعلم قطعًا أن الصانع لو لم يخلق العالم أو لو لم يخلق فيه الدلالة لما لزم انتفاؤه قطعًا هذا بناء على رأينا، وأما عند المصوبة فلا حاجة إلى هذا العذر لأن مناط الحكم عندهم العلم أو الظن فإذا انتفيا انتفى الحكم، على رأينا يمكن أن يقال بسقوط الحكم لئلا يلزم تكليف المحال، وقد يقال العلة الدليل الباعث على الحكم، وقد يخالف مطلق الدليل فيلزم من عدمه عدم الحكم وكيف لا والحكم لا يكون إلا لباعث إما وجوبًا أو تفضلًا.
قوله: (والحق أنه مبنى) أى عدم الاشتراط مبنى على جواز التعليل بعلتين والخلاف فى الاشتراط وعدمه مبنى على الخلاف فى الجواز فمن جوزه لم يشترط ومن منعه اشترط.
قوله: (على رأينا) وهو أن المصيب واحد يمكن أن يقال بانتفاء الحكم نفسه عند انتفاء الدليل لئلا يلزم التكليف بالمحال لأن الامتثال والإتيان بالفعل بدون العلم أو الظن بالتكليف وتعلق الخطاب محال وأيضًا يمكن أن يقال: إن هذا الدليل بخصوصه أعنى الباعث على الحكم يجوز أن ينتفى الحكم عند انتفائه لكونه لازمًا للحكم إما بطريق الوجوب كما هو رأى المعتزلة أو بطريق التفضيل كما هو رأينا والحاصل أنه يجوز أن ينتفى الحكم الشرعى بانتفاء دليله الذى هو الباعث عليه
стр. 1720
لخصوصية فى المدلول أو فى الدليل ولا يلزم منه انتفاء المدلول بانتفاء الدليل على الإطلاق.
المصنف: (مبنى على تعليل الحكم بعلتين) هكذا فى نسخ الشارح والصواب على امتناع تعليل الحكم بعلتين كما فى نسخ المتن المجردة.
قوله: (لخصوصية فى المدلول) هو كونه ممنوع التكليف به عند عدم العلم بدليله للزوم التكليف بالمحال وقوله أو فى الدليل هو كونه بمعنى الباعث المشتمل على مصلحة فى ترتب الحكم عليه أو دفع مفسدة.
следующие страницы →