← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

مرتبة واحدة، فإن الحاجة تشد وتضعف وبعضها آكد من بعض، وقد يكون بعضها ضروريًا فى بعض الصور، كالإجارة فى تربية الطفل الذى لا أم له ترضعه، وكشراء المطعوم والملبوس، فإنه ضرورى من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه شريعة، وإنما أطلقنا الحاجى عليها باعتبار الأغلب، مثال المكمل للحاجى: كوجوب رعاية الكفاءة ومهر المثل فى الولى إذا زوج الصغيرة فإن أصل المقصود من شرع النكاح وإن كان حاصلًا بدونها لكنه أشد إفضاء إلى دوام النكاح وهو من مكملات مقصود النكاح. القسم الثانى: غير الحاجى: وهو ما لا حاجة إليه لكن فيه تحسين وتزيين وسلوك منهج أحسن من منهج كسلب العبد أهلية الشهادة وإن كان ذا دين وعدالة يغلبان ظن صدقه ولو جعل له أهلية الشهادة لحصل مصلحة مثل ما يحصل فى الحر ولم تكن له مفسدة أصلًا لكنه سلب ذلك لنقصه عن المناصب الشريفة ليكون الجرى على ما ألف من محاسن العادات أن يعتبر فى المناصب المناسبة فإن السيد إذا كان له عبد ذو فضائل وآخر دونه فيها استحسن عرفًا أن يفوض العمل إليهما بحسب فضيلتهما فيجعل الأفضل للأفضل وإن كان كل منهما يمكنه القيام بما يقوم به الآخر. قوله: (وإن ظنت أنها ضرورية) دفع لما قيل إن جنس الإجارة والبيع من الضرورية إذ تشتد حاجة الناس إليهما فى الغاية ولهذا لم تخل عنه الملل وبالجملة التعاون فى المطالب ضرورى أو مكمل له لا أقل.

стр. 1787

قال: (مسألة: المختار انخرام المناسبة بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية، لنا أن العقل قاض بأن لا مصلحة مع مفسدة مثلها، قالوا: الصلاة فى الدار المغصوبة يلزم مصلحة ومفسدة تساويها، أو تزيد وقد صحت، قلنا: مفسدة الغصب ليست عن الصلاة وبالعكس، ولو نشأ معًا عن الصلاة لم تصح والترجيح يختلف باختلاف المسائل، ويرجح بطريق إجمالى وهو أنه لو لم يقدر رجحان المصلحة لزم التعبد بالحكم). أقول: قد اختلف فى الحكم إذا ثبت لوصف مصلحى على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية لمصلحة أو راجحة عليها هل تنخرم المناسبة أم لا؟ والمختار انخرامها، لنا أن العقل قاضى بأنه لا مصلحة مع مفسدة تساويها أو تزيد عليها، ومن قال لعاقل: بع هذا بربح مثل ما تخسر أو أقل منه لم يقبل وعلل بأنه لا ربح حينئذٍ ولو فعل لعد خارجًا عن تصرفات العقلاء. قالوا: الصلاة فى الدار المغصوبة تقتضى صحتها مصلحة فيها وتحريمها مفسدة فيها والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت فيجب كون المفسدة تساويها أو تزيد عليها فلو انخرمت المناسبة بذلك لا صحت الصلاة، وقد صحت. الجواب: الكلام فى مصلحة ومفسدة لشئ واحد ومفسدة الغصب لم تنشأ من الصلاة فإنه لو شغل المكان من غير أن يصلى لأثم وكذلك مصلحة الصلاة لم تنشأ من الغصب فإنه لو أدى فى غير المغصوب لصحت، والدليل على أنهما لم ينشآ معًا من شئ واحد أنا لو فرضناهما ناشئين من نفس الصلاة لوجب أن لا تصح قطعًا كما فى صوم يوم العيد وذلك لتعارض الداعى إلى الأمر بها والصارف عنه مع المساواة أو رجحان الصارف والأمر عند ذلك محال انخرمت المناسبة أم لا إذ لا نزاع فى بطلان حكمها وإذ قد عرفت أن لا بد من رجحان المصلحة على المفسدة عند تعارضهما فللترجيح طرق فمنها تفصيلية تختلف باختلاف المسائل وتنشأ من خصوصياتها، ومنها طريق إجمالى شامل لجميع المسائل، وهو أنه لو لم يقدر رجحان المصلحة على المفسدة فى محل النزاع لزم أن يكون الحكم قد ثبت فيه لا لمصلحة وهو التعبد وقد أبطلناه. قوله: (قد اختلف) فإن قيل كيف وقع الاتفاق على الاعتبارين عند رجحان

стр. 1788

المصلحة ولم يقع على الإلغاء عند رجحان المفسدة قلنا: لشدة اهتمام الشارع برعاية المصالح وابتناء الأحكام على ذلك وذهب البعض إلى أنه لا يهمل المصلحة ولو مرجوحة. قوله: (وإلا لما حرمت) للقطع أو الإجماع على أن ما يشتمل على مصلحة راجحة لا يحرم بل ربما يجب كما فى كثير من الصور ولا تعارض بأن المفسدة لا تزيد على المصلحة وإلا لما صحت لأن الخصم ربما يمنع منافاة المفسدة الراجحة للصحة. قوله: (والدليل) لا خفاء فى تمام الجواب بمجرد منع كون المصلحة والمفسدة ناشئتين من نفس الصلاة إلا أن المصنِّف تبرع بإقامة الدليل على ذلك وتقريره أنهما لو نشأتا من الصلاة لما صحت واللازم منتف بالاتفاق بيننا بيان اللزوم أن الصحة موافقة أمر الشرع أو دفع وجوب القضاء فمبناها على ورود الأمر أو صحته لا أقل وعند تعارض المصلحة الباعثة على الأمر بالصلاة، والمفسدة الصارفة عنه مساوية كانت أو راجحة فالأمر محال سواء انخرمت المناسبة أم لا وذلك لأنهم وإن اختلفوا فى انخرام المناسبة وبطلانها عند المعارض المساوى أو الراجح بأن لا تبقى المصلحة مصلحة لكن اتفقوا على بطلان مقتضاها وعدم ترتب الحكم عليها. قوله: (ذهب البعض إلى أنه لا يهمل المصلحة ولو مرجوحة) ومعنى عدم إهمالها أن تكون معتبرة ومقتضية للحكم وإن منع منه مانع فتخلف الحكم يكون للمانع لا لعدم المقتضى. قوله: (لكن اتفقوا على بطلان مقتضاها) أى غاية الأمر أنه على انخرام المناسبة يكون نفى الحكم لعدم المقتضى وعلى عدم انخرامها يكون لوجود المانع.

стр. 1789

قال: (والمناسب مؤثر وملائم وغريب ومرسل لأنه إما معتبرًا أو لا، والمعتبر بنص أو إجماع هو المؤثر، والمعتبر بترتيب الحكم على وفقه فقط إن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه فى جنس الحكم أو بالعكس أو جنسه فى جنس الحكم فهو الملائم وإلا فهو الغريب وغير المعتبر هو المرسل فإن كان غريبًا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقًا، وإن كان ملائمًا فقد صرح الإمام والغزالى بقبوله وذكر عن مالك والشافعى والمختار رده وشرط الغزالى فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية). أقول: هذا هو التقسيم الثالث وهو بحسب اعتبار الشارع، والمناسب بهذا الاعتبار أربعة أقسام: مؤثر وملائم وغريب ومرسل. وذلك لأنه إما معتبر شرعًا أو لا أما المعتبر فإما أن يثبت اعتباره بنص أو بإجماع أو لا بل بترتيب الحكم على وفقه وهو ثبوت الحكم معه فى المحل، فإن ثبت بنص أو إجماع فهو المؤثر وإن ثبت لا بهما بل بترتيب الحكم على وفقه فقط فذلك لا يخلو، إما أن يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه فى جنس الحكم أو جنسه فى عين الحكم أو جنسه فى جنس الحكم أو لا فإن ثبت فهو الملائم وإن لم يثبت فهو الغريب، وأما غير المعتبر لا بنص وإجماع، ولا بترتيب الحكم على وفقه فهو المرسل. وينقسم إلى ما علم إلغاؤه، وإلى ما لم يعلم إلغاؤه، والثانى ينقسم إلى ملائم وقد علم اعتبار عينه فى جنس الحكم أو جنسه فى عين الحكم أو جنسه فى جنس الحكم وإلى ما لا يعلم منه ذلك وهو الغريب، فإن كان غريبًا أو علم إلغاؤه فمردود اتفاقًا، وإن كان ملائمًا فقد صرح الإمام والغزالى بقبوله وقد ذكر أنه مروى عن الشافعى ومالك، والمختار أنه مردود. وقد شرط الغزالى فى قبوله شروطًا ثلاثة: أن تكون ضرورية لا حاجية، وقطعية لا ظنية، وكلية لا جزئية، أى مختصة بشخص، مثاله: أن يتترس الكفار الصائلون بأسارى المسلمين، إذا علم أنهم إن لم يرموهم استأصلوا المسلمين المتترس بهم وغيرهم وإن رموا اندفعوا قطعًا بخلاف أهل قلعة تترسوا بمسلمين فإن فتحها ليس محل الضرورة، وكذا رمى بعض المسلمين من السفينة فى البحر لنجاة بعض وكذا إذا خيف الاستئصال توهمًا لا يقينًا.

стр. 1790

قوله: (والمناسب بهذا الاعتبار أربعة أقسام) اعلم أن تفاصيل الأقسام فى كل من كلام الإمام الغزالى والإمام الرازى والآمدى على طريق آخر فى أصول الحنفية على خلاف الجميع ثم اعتبار العين فى العين أو فى الجنس أو اعتبار الجنس فى العين أو فى الجنس بحسب أفراده أو تركيبه الثنائى أو الثلاثى أو الرباعى والنظر فى أن الجنس قريب أو بعيد أو متوسط وأن ثبوت ذلك بالنص أو بالإجماع أو بمجرد ترتيب الحكم على وفقه يفضى إلى أقسام متكثرة ويقتضى إيراد أمثلة متعددة وتفاصيل ذلك تحتاج إلى بسط لا يليق بهذا الكتاب، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك فى شرح التنقيح فلنقتصر ههنا على ما هو مقتضى المقام فقوله: إما معتبر شرعًا يعنى اعتبار عين الوصف فى عين الحكم كتعليل الحدث بالمس الثابت بالنص وتعليل ولاية المال بالصغر الثابت بالإجماع وقوله: وهو أى ترتيب الحكم على وفق المناسب هو ثبوت الحكم معه فى محل الوصف وقوله: فقط أى من غير ثبوت ذلك بنص أو إجماع وقوله: فذلك لا يخلو على سبيل منع الخلو دون الجمع فكون أقسام الملائم ثلاثة إنما هو عند قطع النظر عن التركيب وجمع البعض مع البعض وقوله: وينقسم أى المرسل وقوله: والثانى أى ما لا يعلم إلغاؤه إلى ملائم وغريب وكل منهما له معنيان هو بأحدهما من الأقسام الأولية للمناسب وبالآخر من أقسام المرسل فصار أقسام المناسب أربعة: مؤثرًا وملائمًا وغريبًا ومرسلًا وأقسام المرسل ثلاثة معلومًا: الإلغاء وملائمًا وغريبًا فالمؤثر: ما ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه فى عين الحكم والملائم: ما ثبت ذلك بمجرد ترتيب الحكم على وفقه لكن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه فى جنس الحكم أو جنسه فى عين الحكم أو جنسه فى جنس الحكم والغريب: ما ثبت اعتبار عينه فى عين الحكم بمجرد ترتيب الحكم على وفقه لكن لم يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه فى جنس الحكم أو جنسه فى عين الحكم أو جنسه فى جنس الحكم والمرسل ما لم يثبت اعتبار عينه فى عين الحكم أصلًا والملائم من المرسل: ما لم يثبت اعتبار عينه فى عين الحكم أصلًا لكن علم اعتبار عينه فى جنس الحكم أو جنسه فى عين الحكم أو جنسه فى جنس الحكم والغريب من المرسل ما لم يثبت ذلك ولم يعلم هذا وحكم الأقسام الثلاثة للمرسل أى: الغريب ومعلوم الإلغاء مردودان بالاتفاق، وفى الملائم خلاف.

стр. 1791

قوله: (وفى أصول الحنفية على خلاف الجميع) أى أن تقسيمهم للوصف الذى هو علة باعتبار الاعتبار وعدمه مخالف لتقسيم جميع من ذكر. قوله: (كتعليل الحدث بالمس الثابت بالنص) أى فى قوله ﷺ : "من مس ذكره فليتوضأ" فقد اعتبر عين المس فى عين الحكم وهو نقض الوضوء فيقاس عليه مس ذكر غيره وقوله: هو ثبوت الحكم معه أى فى صورة الأصل بأن توجد تلك الصورة المشتملة على وصف وحكم من غير نص على العلية أو إجماع وقوله: ما لم يثبت ذلك ولم يعلم هذا أى لم يثبت اعتبار عينه فى عين الحكم ولم يعلم اعتبار العين فى الجنس ولا الجنس فى العين ولا الجنس فى الجنس وقوله: قد أشرنا إلى نبذ من ذلك حاصل ما أشار إليه أن الأقسام الإفرادية أربعة وهى: اعتبار العين فى العين، اعتبار العين فى الجنس، اعتبار الجنس فى العين، اعتبار الجنس فى الجنس وأقسام الثنائى من غير تكرار ستة لأن اعتبار العين فى العين إما أن يكون معه اعتبار العين فى الجنس أو الجنس فى العين أو الجنس فى الجنس فهذه ثلاثة واعتبار العين فى الجنس إما أن يكون معه اعتبار الجنس فى العين والجنس فى الجنس وهذان اثنان واعتبار الجنس فى العين يكون مع اعتبار الجنس فى الجنس وذلك واحد فالأقسام ستة والثلاثى أربعة لأن الاعتبارات الأربعة إذا اعتبرت اجتماع ثلاثة منها وأسقطت واحدًا تكون الأقسام أربعة للثلاثى وأما الرباعى فهو واحد لا غير إذ هو مجموع الاعتبارات الأربعة ولنقتصر على مثال المركب من أربعة فنقول: مثاله السكر فإنه مؤثر فى الحرمة من تأثير العين فى العين ووصفه الذى هو إيقاع العداوة والبغضاء مؤثر فى عين الحكم الذى هو الحرمة ثم السكر يؤثر فى ثبوت الزاجر سواء كان أخرويًا كالحرمة أو دنيويًا كالحد فقد اعتبر عين الوصف فى جنس الحكم الشامل للحرمة ووجوب الحد ثم السكر من حيث كونه مظنة للقذف صار المشترك بينهما وهو إيقاع العداوة مؤثرًا فى وجوب الزاجر فقد أثر الجنس فى الجنس.

стр. 1792

قال: (فالأول كالتعليل بالصغر فى حمل النكاح على المال فى الولاية فإن عين الصغر معتبر فى جنس حكم الولاية بالإجماع، والثانى كالتعليل بعذر الحرج فى حمل الحضر بالمطر على السفر فى الجمع فإن جنس الحرج معتبر فى عين رخصة الجمع، والثالث كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان فى حمل المثقل على المحدد فى القصاص فإن جنس الجناية معتبر فى جنس القصاص كالأطراف وغيرها، والغريب كالتعليل بالفعل المحرم لغرض فاسد فى حمل البات فى المرض على القاتل فى الحكم بالمعارضة بنقيض المقصود حتى صار توريث المبتوتة كحرمان القاتل وكالتعليل بالإسكار فى حمل النبيذ على الخمر على تقدير عدم النص بالتعليل به والمرسل، الذى ثبت إلغاؤه كإيجاب شهرين ابتداء فى الظهار). أقول: هذه أمثلة أقسام المناسب، أما أقسام الملائم الثلاثة: فمثال الأول: وهو تأثير عين الوصف الملائم فى جنس الحكم ما يقال: يثبت للأب ولاية النكاح على الصغيرة كما يثبت له عليها ولاية المال بجامع الصغر فالوصف الصغر وهو أمر واحد والحكم الولاية وهو جنس يجمع ولاية النكاح وولاية المال، وهما نوعان من التصرف وعين الصغر معتبر فى جنس الولاية بالإجماع. مثال الثانى: وهو اعتبار جنس الوصف فى عين الحكم أن يقال: الجمع جائز فى الحضر مع المطر قياسًا على السفر بجامع الحرج فالحكم رخصة الجمع وهو واحد والوصف الحرج وهو جنس يجمع الحاصل بالسفر وهو خلاف الضلال والانقطاع وبالمطر وهو التأذي به وهما نوعان مختلفان، وقد اعتبر جنس الحرج فى عين رخصة الجمع. مثال الثالث: وهو اعتبار جنس الوصف فى جنس الحكم أن يقال: يجب القصاص فى القتل بالمثقل قياسًا على القتل بالمحدد بجامع كونهما جناية عمد عدوان، فالحكم مطلق القصاص وهو جنس يجمع القصاص فى النفس وفى الأطراف وغيرهما من القوى والوصف جناية العمد العدوان وأنه جنس يجمع الجناية فى النفس وفى الأطراف وفى المال وقد اعتبر جنس الجناية فى جنس القصاص فهذه أمثلة المناسب الملائم، وأما المناسب الغريب فمثاله أن يقال: فى البات فى المرض وهو من يطلق امرأته طلاقًا بائنًا فى مرض موته لئلا ترثه يعارض

стр. 1793

بنقيض مقصوده فيحكم بإرثها قياسًا على القاتل حيث عورض بنقيض مقصوده، وهو أن يرث، فحكم بعدم إرثه والجامع بينهما كونهما فعلًا محرمًا لغرض فاسد فهذا له وجه مناسبة وفى ترتب الحكم عليه تحصيل مصلحة وهو نهيهما عن الفعل الحرام لكن لم يشهد له أصل بالاعتبار بنص أو إجماع، مثال آخر تقديرى وذلك لأن المثال لا يراد بنفسه ولكن للتفهيم أن يقال: يحرم النبيذ قياسًا على الخمر بجامع الإسكار على تقدير عدم النص بالتعليل فيه لأن الإسكار مناسب للتحريم حفظًا للعقل، وعلم أن الشارع لم يعتبر عينه فى جنس التحريم ولا جنسه فى عين التحريم ولا جنسه فى جنس التحريم، فلو لم يدل النص، وهو قوله: "كل مسكر حرام" بالإيماء على اعتبار عينه فى عينه لكان غريبًا، وأما الذى ثبت إلغاؤه فكإيجاب صيام شهرين متتابعين ابتداء قبل العجز عن الإعتاق فى كفارة الظهار بالنسبة إلى من يسهل عليه الإعتاق دون الصيام فإنه مناسب تحصيلًا لمقصود الزجر لكن علم عدم اعتبار الشارع له فلا يجوز وقد روى أن بعض العلماء قال لبعض الملوك وقد جامع فى نهار رمضان: صم شهرين متتابعين فأُنكر عليه فقال: لو أمرته بإعتاق رقبة لسهل عليه بذل ماله فى شهوة فرجه فلم يرتدع واعلم أن المؤثر إذا لم يعتبر جنسه فى جنس الحكم كالإسكار فى الحرمة فقد شذ أبو زيد منفردًا بعدم اعتباره ويفنده أنَّا إذا علمنا من أحد أنه إذا شُتِم شَتَم ثم شتمه زيد غلب على ظننا أنه يشتمه ولو لم نعلم أنه يقابل الإساءة بالإساءة فى موضع آخر، حتى لو ضرب لضرب ولا شك أنَّا إذا علمنا ذلك فى صور أخر من جنسه كان الظن أقوى لكنه ليس شرطًا فى حصول أصل الظن. قوله: (هذه أمثلة أقسام المناسب) ترك مثال المؤثر لوضوحه وكثرته وذكر ثلاثة أمثلة للمناسب الملائم بأقسامه الثلاثة ومثالين للمناسب الغريب أحدهما تحقيقى والآخر تقديرى ومثالًا لما علم إلغاؤه ولم يصرح عند ذكره بالموصوف أعنى المناسب أو المرسل ليعين أنه مرسل وإن كان مناسبًا بخلاف الملائم والغريب فإن كلًا منهما بحسب الذات قد يكون صفة للمناسب وقد يكون صفة للمرسل وعدم التعرض لمثال المرسل الملائم والمرسل الغريب ربما يوهم نفى ما أشرنا إليه من تغاير الملائمين وتغاير الغريبين نظرًا إلى ظاهر التقسيم فإن قيل قد ترك مثالهما لكونهما مردودين

стр. 1794

مع سبق مثال الملائم وهو تترس الكفار بالمسلمين قلنا فكيف مثل لمعلوم الإلغاء مع أنه أدخل فى الرد والشارحون جعلوا مثال الهاب فى المرض للغريب المرسل ومثال إسكار النبيذ على تقدير عدم النص للغريب غير المرسل فمع مثال التترس تصير أمثلة غير المؤثر كلها مستوفاة. قوله: (وعين الصغر معتبر فى جنس الولاية بالإجماع) لأن الإجماع على اعتباره فى ولاية المال إجماع على اعتباره فى جنس الولاية بخلاف اعتباره فى عين ولاية النكاح فإنه إنما ثبت بمجرد ترتيب الحكم على وفقه حيث تثبت الولاية معه فى الجملة وإن وقع الاختلاف فى أنه للصغر أو للبكارة أو بهما جميعًا وفى قوله: وهو أى الصغر أمر واحد أى ليس جنسًا تحته نوعان إشارة إلى أنه ليس من اعتبار الجنس. قوله: (وقد اعتبر جنس الحرج فى عين رخصة الجمع) للنص والإجماع على اعتبار حرج السفر ولو فى الحج فيها وأما اعتبار عين الحرج فليس إلا بمجرد ترتيب الحكم على وفقه إذ لا نص ولا إجماع عليه يعين حرج السفر. قوله: (وقد اعتبر جنس الجناية فى جنس بالقصاص) بالنص والإجماع وهو ظاهر وإنما الخفاء فى أن اعتبار عين القتل العمد العدوان فى عين القصاص فى النفس ليس بالنص والإجماع بل بترتب الحكم على وفقه ليكون من الملائم دون المؤثر ووجهه أن لا نص ولا إجماع على أن العلة ذلك وحده أو مع قيد كونه بالمحدود فى ترتيب الحكم عليه أى على هذا الجامع تحصيل مصلحة إشارة إلى أن هذا ليس مثالًا للغريب المرسل على ما توهمه الشارحون يعنى ثبت اعتباره بترتيب الحكم على وفقه فى الجملة لكن لم يعلم بنص أو إجماع اعتبار عين الوصف أو جنسه فى عين الحكم أو جنسه. قوله: (فلو لم يدل النص) يعنى على تقدير ثبوت النص كان هذا من قبيل المؤثر وأما على تقدير عدمه فقد ثبت اعتبار الإسكار فى التحريم بمجرد ترتيب الحكم على وفقه فلا يكون مرسلًا لكنه غريب من جهة عدم نص أو إجماع على اعتبار عينه أو جنسه فى عين التحريم أو جنسه. قوله: (فى كفارة الظهار) خصه بالذكر وكان كفارة الصوم أيضًا كذلك على ما أشار إليه فى الشرح لأن ثبوت الإلغاء فى الظهار أظهر لأن الصوم قبل العجز عن

стр. 1795

الإعتاق ليس بمشروع فى حقه أصلًا لكونها مترتبة بالنص القاطع والإجماع بخلاف كفارة الصوم فإنها على التخيير عند مالك وبالجملة فإيجاب الصوم ابتداء على التعيين مناسب لكن لم يثبت اعتباره لا بنص ولا بإجماع ولا ترتيب الحكم على وفقه فهو مرسل ومع ذلك فقد علم أن الشارع لم يعتبره أصلًا ولم يوجب الصوم على التعيين ابتداء فى حق أحد هذا ونحن على أن نورد ملخص كلام الآمدى فى هذا المقام، قال: المناسب إن كان معتبرًا بنص أو إجماع فهو المؤثر وإلا فإن كان معتبرًا بترتيب الحكم على وفقه فتسعة أقسام لأنه إما أن يعتبر خصوص الوصف أو عمومه أو خصوصه وعمومه معًا فى عين الحكم أو فى جنسه أو فى عينه وجنسه جميعًا وإن لم يكن معتبرًا فإن ما يظهر إلغاؤه أولًا فهذه جملة الأقسام إلا أن الواقع منها فى الشرع لا يزيد على خمسة الأول: ما اعتبر خصوص الوصف فى خصوص الحكم وعمومه فى عمومه فى محل آخر ويسمى هذا بالملائم ثم مثاله قياس القتل بالثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان وقد ظهر تأثير عينه فى عين الحكم وهو وجوب القتل فى المحدد وتأثير جنسه وهو الجناية على المحل المعصوم بالقود فى جنس القتل، من حيث القصاص فى الأيدى الثانى: ما اعتبر الخصوص فى الخصوص فقط لكن لا بنص ولا بإجماع ويسمى بالمناسب الغريب كاعتبار الإسكار فى تحريم الخمر على تقدير عدم النص ولم يظهر اعتبار عينه فى جنس الحكم ولا جنسه فى عينه ولا جنسه فى جنسه، الثالث: ما اعتبر جنسه فى جنسه فقط ولا نص ولا إجماع وهذا أيضًا من جنس المناسب الغريب إلا أنه دون ما سبق وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر فى جنس التخفيف المتناول لإسقاط الصلاة وإسقاط الركعتين فقط، الرابع: ما لم يثبت اعتباره ولا إلغاؤه ويسمى المناسب المرسل كما فى تترس الكفار بالمسلمين، الخامس: المناسب الذى لم يثبت اعتباره وثبت إلغاؤه كما فى إيجاب صوم شهرين متتابعين على الملك فى كفارة الصوم. المصنف: (فالأول كالتعليل بالصغر فى حمل النكاح على المال) رده فى التحرير بما حاصله أن الأول هو الوصف الثابت عينه فى عين الحكم فى الأصل بمجرد ترتيب الحكم على وفقه مع ثبوت اعتبار عينه فى جنس الحكم وهذا المثال لم

стр. 1796

يعتبر فيه أولًا عين الوصف فى عين الحكم بل ابتدأ جعل عين الوصف مؤثرًا فى جنس الحكم وقد أسقط منه الأصل فلا يتم كونه مثالًا له وصواب المثال على رأى الحنفية: الثيب الصغيرة تقاس على البكر الصغيرة فى ثبوت ولاية النكاح بالصغر وعين الصغر قد اعتبر فى جنس الولاية فإن عين الصغر. . . إلخ. وقوله: والثانى كالتعليل بعذر الحرج اعترضه أيضًا صاحب التحرير بأن دلالة ثبوت الجنس فى العين على صحة اعتبار العين الموجودة إنما يكون بعد ثبوت العين فى العين بثبوت الحكم معه فى أصل وليس المطر فى الأصل الذى هو السفر وإنما هو فى الفرع فقط فلا يفيد علية المطر لجواز الجمع وقوله: والثالث كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان فى حمل المثقل. . . إلخ. رده أيضًا فى التحرير بأن هذا من باب المؤثر لا الملائم لأن الوصف الذى هو القتل العمد العدوان فى حكم الأصل الذى هو القصاص به ثابت بالنص والإجماع ورد توجيه التفتازانى لذلك بأنه لا نص ولا إجماع على أن العلة القتل وحده أو مع قيد كونه بالمحدد بأنه لو صح هذا الكلام لزم انتفاء المؤثر لتأتيه فى كل وصف منصوص بالنسبة إلى قيد يفرض فإن قيل: إنما قلنا ذلك إذا قال بالقيد مجتهد وليس ذلك متأتيًا فى كل أسئلة المؤثر قلنا: إن سلم فمنتف فى المثال فإن أبا حنيفة لم يعتبر فى كون القتل علة للقصاص سوى كونه عمدًا عدوانًا غير أنه يقول: انتفت العلة فى القتل بالمثقل لانتفاء دليل العمدية وهو القتل بما لا يلبث أن يفرق الأجزاء لأن العمدية أمر باطن واستعمال الآلة المفرقة للأجزاء دليل ظاهر على ذلك القصد فأقيم مقام الوقوف على حقيقة القصد بخلاف غيرها. اهـ. قوله: (ولو فى الحج) أتى بذلك ليصح دعوى ثبوت علة السفر لرخصة الجمع بالإجماع. قوله: (المعصوم بالقود) أى الذى له العصمة بالقود من القاتل له وقوله: فى جنس القتل من حيث القصاص فى الأيدى أى أن التأثير فى القتل الذى هو الحكم من حيث إن القصاص فى الأيدى قصاص والقتل قصاص فالقصاص جنس يجمعهما.

стр. 1797

قال: (وتثبت علية الشبه بجميع المسالك وفى إثباته بتخريج المناط نظر ومن ثم قيل هو الذى لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل ومنهم من قال ما يوهم المناسبة ويتميز عن الطردى بأن وجوده كالعدم وعن المناسب الذاتى لأن مناسبته عقلية وإن لم يرد شرع كالإسكار فى التحريم، مثاله طهارة تراد للصلاة فيتعين الماء كطهارة الحدث فالمناسبة غير ظاهرة واعتبارها فى مس المصحف والصلاة يوهم، قول المراد له إما أن يكون مناسبًا أو لا والأول مجمع عليه فليس به والثانى طرد فيلغى، أجيب مناسب والمجمع عليه المناسب لذاته أو لا واحد منهما). أقول: قد عد من مسالك العلية الشبه وحقيقة الشبه أن الوصف إما أن يعلم مناسبته بالنظر إليه أو لا والأول المناسب، والثانى إما أن يكون مما اعتبره الشارع فى بعض الأحكام والتفت إليه أو لا والأول الشبه والثانى الطرد، وعلية الشبه تثبت بجميع المسالك من الإجماع والنص والسبر وهل تثبت بمجرد المناسبة وهو تخريج المناط فيه نظر إذ يخرجه إلى المناسبة، ومن أجل أنه لا تثبت بمجرد المناسبة قيل فى تعريف الشبه تارة هو الذى لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل وقيل تارة هو ما يوهم المناسبة وليس بمناسب وهو يشبه الطردى من حيث إنه غير مناسب ويشبه المناسب من حيث التفات الشرع إليه ويتميز عن الطردى بأن الطردى وجوده كالعدم كما يقال الخل لا يبنى عليه القنطرة أو لا يصاد منه السمك فلا يزيل الخبث كالمرق فإن ذلك مما ألغاه الشارع قطعًا بخلاف المذكورة والأنوثة، فإنه اعتبر فى بعض الأحكام ويتميز عن المناسب الذاتى بأن المناسب مناسبة عقلية وإن لم يرد الشرع كالإسكار للتحريم فإن كونه مزيلًا للعقل الضرورى للإنسان وكونه مناسبًا لمنع منه مما لا يحتاج فى العلم به إلى ورود الشرع، مثال الشبه: أن يقال فى إزالة الخبث هى طهارة تراد للصلاة فيتعين الماء كطهارة الحدث فإن المناسبة بين كونها طهارة تراد للصلاة وبين تعين الماء غير ظاهرة، لكن إذا اجتمعت أوصاف منها ما اعتبره الشارع ومنها ما لم يعتبره كان إلغاء ما لم يعتبره وخلوه عن المصلحة بخلاف ما اعتبره أقرب فيتوهم أنه مناسب وأن ثم مصلحة وقد اعتبرها حيث اعتبرها لذلك فاعتبار الشارع للطهارة بالماء وهو الوضوء فى مس المصحف وفى الصلاة وفى الطواف يوهم مناسبته فيصدق عليه حد الشبه هذا، وقد احتج المراد للشبه بأنه إما أن يكون مناسبًا أو لا يكون والأول مجمع على قوله، والثانى هو الوصف

стр. 1798

الطردى، وهو مجمع على رده فشئ منهما لا يكون شبهًا لأن الشبه مختلف فيه إجماعًا. الجواب: نختار أنه مناسب، قولك: فيكون مجمعًا على قبوله قلنا متى إذا كان مناسبًا لذاته أو أعم، والأول مسلم والثانى ممنوع فإن الإجماع ما انعقد إلا فى المناسب بالذات فإنه الذى يعنى بالمناسب عند إطلاقه سلمنا أنه ليس بمناسب قولك فيكون طردًا، قلنا لا نسلم بل لا يكون مناسبًا ولا طردًا بل واسطة بينهما يتميز عن كلٍّ بما ذكرنا، واعلم أن الشبه يقال لمعنًى آخر وهو الوصف المجامع لآخر إذا تردد به الفرع بين أصلين، فالأشبه منهما هو الشبه كالنفسية والمالية فى العبد المقتول، فإنه تردد بهما بين الحر والفرس وهو بالحر أشبه إذ مشاركته له فى الأوصاف والأحكام أكثر، وحاصله تعارض مناسبين رجح أحدهما وليس من الشبه المقصود فى شئ أوردناه لتأمن من الغلط الناشئ من الاشتراك. قوله: (قد عد من مسالك العلية الشبه) صرح به الآمدى وغيره وتعرض المصنِّف أيضًا له فى هذا المقام مبنى على ذلك إلا أنه لم يقل الخامس الشبه إشارة إلى أن المسالك المعتبرة التى لا كلام فيها هى الأربعة السابقة وحقيقة الشبه ما يحصل من التقسيم الذى أورده الشارح وتحقيق كونه من المسالك أن الوصف كما أنه قد يكون مناسبًا فيظن بذلك كونه علة كذلك قد يكون شبهيًا فيفيد ظنًا ما بالعلية وقد تنازع فى إفادته الظن فيحتاج إلى إثباته بشئ من مسالك العلية إلا أنه لا يثبت بمجرد المناسبة وإلا لخرج عن كونه شبهيًا إلى كونه مناسبًا مع ما بينهما من التقابل وإنما لم يجزم بامتناع ذلك لاحتمال أن يكون الوصف شبهيًا فى بادئ الرأى ثم تثبت عليته لتخريج المناط بأن يتأمل فتبين له مناسبة. قوله: (ومن أجل) يريد أن تعريف الشبه بما لا يثبت مناسبته إلا بدليل ربما يوهم المناسبة مبنى على أنه لا يثبت بمجرد المناسبة بل لا بد فى مناسبته للحكم من دليل زائد عليه إذ لو ثبت بالنظر إلى ذاته لما كان شبهيًا بل مناسبًا وفى هذا نفى لما ذكره العلامة أن أقرب ما قيل فى تعريف الشبه هو أنه الذى لا تثبت مناسبته إلا بدليل منفصل وإذا كان كذلك فلا يمكن إثباته بتخريج المناط فعلم أن النظر مبنى على التفسير لا التفسير على النظر على ما هو ظاهر العبارة ثم قال ومنهم من فسره بما

стр. 1799

يوهم المناسبة يعنى من غير تحقيقق وحذف لأن لفظ يوهم مشعر به فجعل التفسير الثانى ابتداء كلام لا تفريعًا على النظر على ما ذكره المحقق وفى بعض الشروح أن إثباته تخريج المناط مبنى على تفسيره فمن فسره بما يوهم المناسبة منعه لأن تخريج المناط يوجب المناسبة ومن فسره بالمناسب الذى ليست مناسبته لذاته جوزه لجواز أن يكون الوصف الشبهى مناسبًا يتبع المناسب بالذات وهذا أيضًا فاسد لأن تخريج المناط يقتضى كون الوصف مناسبًا بالنظر إلى ذاته. قوله: (مثال) يعنى إذا حاولنا إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث بجامع كونها طهارة تراد للصلاة كان الجامع وصفًا شبهيًا إذ لا تظهر مناسبته للحكم المذكور لكنه يوهم المناسبة من جهة أنه قد اجتمع فيها أعنى فى إزالة الخبث كونها طهارة للصلاة وكونها عن الخبث والشارع قد اعتبر الأول حيث رتب عليه حكم تعيين الماء فى الصلاة والطواف ومس المصحف ولم يعتبر الثانى فى شئ من الصور فظهر لنا أن إلغاء ما لم يعتبره أصلًا والحكم بخلوه عن المصلحة دون إلغاء ما اعتبره والحكم بخلوه أقرب يعنى أن الحكم بإلغاء غير المعتبر أقرب وأنسب من الحكم بإلغاء المعتبر فتوهمنا من ذلك أن الوصف الذى اعتبره كالطهارة للصلاة مناسب للحكم الذى هو تعيين الماء وأن فيه مصلحة وأن الشارع حيث اعتبر تلك الصفة إنما اعتبرها للاشتمال على تلك المصلحة وهذا معنى شبهية الوصف وضمير اعتبرها للوصف الذى اعتبره الشارع بتأويل الصفة لا للطهارة ولا للأوصاف المجتمعة ولا للمصلحة على ما يتوهم وضمير هو ومناسبته وعليته للطهارة بالماء لكونها عبارة عن الوضوء وقد يقال المراد أنه فى الطهارة بالماء فى الصلاة والطواف ومس المصحف قد اجتمع وصف كونها طهارة وكونها من الخارج من السبيلين والثانى مما لم يعتبره الشارع فإلغاؤه أقرب فيتوهم أن فى نفس الطهارة مناسبة ومصلحة والشارع إنما اعتبرها فى صورة الاجتماع لتلك المناسبة والمصلحة. قوله: (واعلم) قد اختلف عباراتهم فى تفسير الشبه حتى قال إمام الحرمين لا يتحرر فى الشبه عبارة مستمرة فى صناعة الحدود فمنهم من فسره بما تردد فيه الفرع بين أصلين يشاركهما فى الجامع إلا أنه يشارك أحدهما فى أوصاف أكثر فسمى إلحاقه به شبهًا كإلحاق العبد المقتول بالحر ومنهم من فسره بما يعرف به المناط قطعًا إلا أنه يفتقر فى آحاد الصور إلى تحقيقه كما فى طلب المثل فى جزاء الصيد بعد

стр. 1800

العلم بوجوب المثل ومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان لحكمين لا على سبيل الكمال لكن أحدهما أغلب فالحكم به حكم بالأشبه كالحكم فى اللعان بأنه يمين لا شهادة وإن وجدا فيه، وقال القاضى هو الجمع بين الأصل والفرع بما لا يناسب الحكم لكن يستلزم المناسب وهو قياس الدلالة فنبه الشارح المحقق على بعض هذه المعانى وعلى اشتراك اللفظ وعلى أن ما بعد من مسالك العلة غير ذلك. الشارح: (قد عد من مسالك العلية الشبه) عبارة مسلم الثبوت وشرحه (الشبه وهو ما ليس بمناسب لذاته) بل يوهم المناسبة وذلك التوهم بالتفات الشارع إليه فى بعض الأحكام فيتوهم منه المناسبة كقولك إزالة الخبث طهارة تراد للصلاة فيتعين فيها الماء ولا يجوز مائع آخر كإزالة الحدث يتعين فيها الماء فكونها طهارة مرادة للصلاة ليس مناسبًا لوجوب الماء بل إنما يناسبه إزالة ما هو نجس وليس بعلة ولا مسلك لعلة عندنا وعليه الباقلانى والصيرفى وأبو الحسين إسحاق الشيرازى وأما سائر الشافعية فبعضهم أنه علة وليس بمسلك وعليه ابن الحاجب. الشارح: (إذ مشاركته له فى الأوصاف والأحكام أكثر) أما الأوصاف فمثل كونه إنسانًا وعاقلًا وذكرًا والأحكام كوجوب الصلاة والصيام. قوله: (جوزه لجواز أن يكون الوصف الشبهى مناسبًا يتبع المناسبات بالذات) أى جوز إثبات الشبه بتخريج المناط لجواز أن يكون الوصف الشبهى مناسبًا يتبع المناسب بالذات فإذا ثبت الوصف بتخريج المناط ثبت الشبه حيث كان مناسبًا بالتبع وقوله وهذا أيضًا فاسد لأن تخريج المناط. . . إلخ. أى فكيف يكون شبهيًا ومناسبًا بالذات. قوله: (قد اجتمع فيها. . . إلخ) يعنى أن كونها طهارة مرادة للصلاة قد اعتبرها الشارع فى تعين الماء للصلاة ومس المصحف والطواف وتحقق فى تلك الصور الطهارة ولم يتحقق كونها عن خبث وتعين الماء فى تلك الصور فكونها عن خبث ملغًى غير معتبر بخلاف كونها طهارة فيتوهم أن كونها طهارة مناسب لتعين الماء. قوله: (والثانى مما لم يعتبره الشارع) أى لتحقق تعين الماء فى صور تحقق فيها الكون طهارة للصلاة ونحوها دون الخروج من السبيلين كأن الكون عن غيرهما مما يقتضى الطهارة كالنوم فيتوهم أن الكون طهارة وصف مناسب والحاصل أن إلغاء

стр. 1801

البعض واعتبار البعض فى الصور يتوهم منه أن الذى لم يلغ وصف مناسب. قوله: (كما فى طلب المثل. . . إلخ) أى لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فعلم أن المطلوب هو المثل وليس فى النعم ما يماثل الصيد من كل وجه فعلم أن المراد به الأشبه الأمثل فوجب طلبه كما أوجب الشرع مهر المثل وكفاية المثل فذلك مما عرف فيه مناط الحكم قطعًا وافتقر إلى تخريج المناط فى الجزئيات وقوله لحكمين لا على سبيل الكمال. . . إلخ. أى لم يوجد فى كل مناط على الكمال لكن تركيب الواقعة من مناطين وليس يتمحض أحدهما فيحكم فيه بالأغلب مثاله اللعان مركب من الشهادة واليمين وليس بيمين محضر لأن يمين المدعى لا تقبل والملاعن مدع وليس بشهادة محضة لأن الشاهد يشهد لغيره وهو إنما يشهد لنفسه وفى اللعان لفظ اليمين ولفظ الشهادة فإذا كان العبد من أهل اليمين لا من أهل الشهادة وتردد فى أنه هل هو من أهل اللعان وبان لنا علية إحدى الشائبتين ألحق به وقوله لا يناسب الحكم أى كالرائحة المشتدة فى قياس النبيذ على الخمر.

стр. 1802

قال: (الطرد والعكس ثالثها لا يفيد بمجرده قطعًا ولا ظنًا، لنا أن الوصف المتصف بذلك إذا خلا عن السبر أو عن أن الأصل عدم غيره أو غير ذلك جاز أن يكون ملازمًا للعلة كرائحة المسكر فلا قطع ولا ظن واستدل الغزالى بأن اطراد سلامته من النقص وسلامته من مفسد واحد لا توجب انتفاء كل مفسد ولو سلم فلا صحة إلا بمصحح والعكس ليس شرطًا فيها فلا يؤثر وأجيب قد يكون للاجتماع تأثير كأجزاء العلة واستدل بأن الدوران فى المتضايقين ولا علة وأجيب انتفت بدليل خاص مانع، قالوا: إذا حصل الدوران ولا مانع من العلة حصل العلم أو الظن عادة كما لو ادعى إنسان باسم فغضب ثم ترك فلم يغضب وتكرر ذلك علم أنه سبب الغضب حتى إن الأطفال يعلمون ذلك، قلنا لولا ظهور انتفاء غير ذلك ببحث أو بأنه الأصل لم يظن وهو طريق مستقل ويقوى بذلك). أقول: الطرد والعكس هو أن يكون الوصف بحيث يوجد الحكم بوجوده ويعدم بعدمه وهو المسمى بالدوران وقد اختلف فى إفادته العلية أى دلالته عليها على مذاهب: أولها وعليه الأكثر يفيد بمجرده ظنًا، ثانيها: يفيد قطعًا، ثالثها وهو المختار: لا يفيد قطعًا ولا ظنًا، لنا الوصف المتصف بالطرد والعكس إنما يكون مجردًا إذا خلا عن السبر وهو أخذ غيره معه وإبطاله وعن أن الأصل عدم غيره من غير الالتفات إلى غير منفى معه أو غير ذلك من مناسبة أو شبه ولا شك أنه إذا خلا عن هذه الأشياء فكما يجوز كونه علة يجوز كونه ملازمًا للعلة كالرائحة المخصوصة الملازمة للسكر فإنها تنعدم فى العصير قبل الإسكار وتوجد معه وتزول بزواله ومع ذلك فليست بعلة قطعًا ومع قيام هذا الاحتمال فلا يحصل القطع بالعلية ولا ظنها ويكون الحكم بعليته تحكمًا محضًا اللهم إلا بالالتفات إلى نفى وصف غيره بالأصل أو بالسبر فيخرج عن المبحث وقد يقال إن أردت بالجواز تساوى الطرفين منع وإن أردت به عدم الامتناع لم يناف الظن وقد استدل الغزالى ﵀ على أنه لا يفيد العلية بأن المقتضى لعلية الوصف حينئذٍ إما الاطراد وحده أو هو بقيد الانعكاس وكلاهما باطل، أنها الأول فلأن الاطراد حاصله أنه لا يوجد فى صورة بدون الحكم ووجوده بدون الحكم هو النقض فيكون الاطراد هو السلامة عن النقض والنقض أحد مفسدات العلة والسلامة عن مفسد واحد لا توجب انتفاء كل مفسد ولا ينتفى الفساد إلا به سلمنا لكن انتفاء كل مفسد لا

стр. 1803

يكفى فى الصحة فلا بد من مقتض للصحة من علة وذلك لأن عدم المانع وحده لا يصلح علة مقتضية فلا يكون كافيًا فى تصحيح العلية وجعله صالحًا للتعليل به وهو المطلوب، وأما الثانى فلأن الانعكاس لو كان شرطًا فى صحة العلية لكان شرطًا فى العلية وقد علمت فيما مر أنه ليس بشرط. الجواب: لا نسلم أن المقتضى إما الاطراد وحده أو هو بقيد الانعكاس ولم لا يجوز أن يكون للهيئة الاجتماعية منهما أثر كما فى أجزاء العلة المركبة فإن كل واحد لا يصلح علة ويحصل من اجتماعها مجموع هو العلة، وقد استدل عليه بأن الدوران ثابت فى المتضايقين ولا علية ولو اقتضى العلية لثبتت مع ثبوته. الجواب: منع الملازمة لأن دلالته ظنية فيجوز التخلف بدليل خاص لمانع يمنع عنه وذلك لا يقدح فى الدلالة الظنية غايته أن قاطعًا عارض ظنيًا فبطل أثره فيعمل به فى غير ذلك الموضع. قالوا: إذا وجد الدوران ولا مانع من العلية من معية كما فى المتضايقين، أو تأخر كما فى المعلول أو غيرهما كما فى الشرط المساوى حصل العلم بالعلية أو الظن بها وذلك مما تقضى به العادة ويحققه أنه إذا دعى الإنسان باسم مغضب فغضب ثم ترك فلم يغضب وتكرر ذلك مرة بعد أخرى علم بالضرورة أنه سبب الغضب حتى إن من لا يتأتى منه النظر كالأطفال يعلمون ذلك ويتبعونه فى الدروب يقصدون إغضابه فيدعونه به ولولا أنه ضرورى لما علموه. الجواب: محل النزاع ليس هو حصول العلم به بل حصول العلم بمجرده وذلك فيما ذكرتم من المثال ممنوع إذ لولا انتفاء ظهور غير ذلك إما بأنه بحث عنه فلم يوجد وإما بأن الأصل عدمه لما ظن، وتحقيقه أن كل واحد مما ذكرنا طريق مستقل لكنه بفيد ظنًا ضعيفًا فإذا انضم إليه الدوران قوى الظن، وأما العلم فكلا والظن بمجرده ممنوع لا قويًا ولا ضعيفًا ولا يلزم من إفادة الشئ تقوية الظن الحاصل بغيره إفادته للظن بمجرده، وقد يقال بأن هذا إنكار للضرورى وقدح فى جميع التجريبيات فإن الأطفال يقطعون به من غير استدلال بما ذكرتم. قوله: (وهو المسمى بالدوران) قد اعتبروا فى الدوران صلوح العلية ومعناه ظهور مناسبة ما وقد جعل مجرد الطرد ههنا خاليًا عن المناسبة فصار هذا منشأ

стр. 1804

الاختلاف فى إفادته العلية إذ لا خفاء فى أن الوصف إذا كان صالحًا للعلية وقد يترتب الحكم عليه وجودًا وعدمًا حصل ظن العلية بخلاف ما إذا لم يظهر له مناسبة كالرائحة للتحريم. قوله: (إذا خلا) يعنى أن كون الوصف متصفًا بمجرد الطرد والعكس إنما يكون عند خلوه عن السبر وعن كون الأصل عدم الغير وعن غير ذلك من مسالك العلة مثل المناسب والشبه والنص والإجماع فقوله وهو أخذ غيره معه إعادة لتفسير السبر لترتب عليه تحقيق المغايرة بينه وبين كون الأصل عدم الغير يعنى أن فى السبر يوجد مع الوصف غيره ثم ينفي ويبطل ذلك الغير وفى كون الأصل عدم الغير لا يلتفت مع الوصف إلى غير أى إلى وصف آخر ينفى ويبطل عليته بل يكتفى بأنه قد وجد هذا الوصف وعدم غيره بحكم الأصل. قوله: (أو غير ذلك) عطف على السبر أو على أن الأصل عدم غيره والأظهر عطفهما جميعًا إما بالواو لأن الشرط هو الخلو عن الجميع وإما بأو كما فى المتن لأن الخلو فى معنى النفى فيفيد العموم ومن الغريب ما يقال إن قوله من غير الالتفات بيان لما تقدَّم قصدًا إلى التعميم يعنى أن كونه مجردًا غير مختص بالمذكورين بل معناه أنه إذا خلا عن الالتفات إلى غير ذلك الوصف سواء كان ذلك الغير منفيًا كما فى الاستعانة بالسبر أو غير منفى كما فى الاستعانة بالمناسبة. قوله: (اللهم إلا بالالتفات) فإن قيل قد سبق أن الالتفات إلى الغير إنما هو فى السبر دون الأصل أعنى كون الأصل عدم الغير قلنا المنفى فى الأصل هو الأصل هو الالتفات مع الوصف إلى غير هو منفى أعنى إلى وصف آخر ينفى ويبطل لا الالتفات إلى نفى الغير على الإطلاق وتحقيقه أن الأصل والسبر يشتركان فى نفى الغير إلا أنه فى السبر يلتفت إلى الغير بخصوصه فينفى ولا كذلك الأصل. قوله: (فيخرج عن المبحث) مشكل بالشبه حيث أثبت بمسالك العلة ولم يخرج عن المبحث وعن إفادته العلية. قوله: (سلمنا) يعنى قررنا وإلا فالمنع والتسليم وظيفة المعترض دون المستدل والذى تقتضيه عبارة الغزالى أن تكون عبارة المتن ولو سلم بالتخفيف من السلامة لأنه قال وإن سلم عن كل مفسد أيضًا لم يدل على الصحة إذ لا يكفى للصحة انتفاء المفسد بل لا بد من قيام دليل على الصحة فإن قيل دليل صحته انتفاء المفسد

стр. 1805

قلنا لا بل دليل الفساد انتفاء المصحح. قوله: (وأما الثانى) عبارة الغزالى أن الوجود عند الوجود طرد محض وقد بين أنه لا يدل على العلية فزيادة العكس مع الوصف لا تؤثر لأن العكس ليس بشرط فى العلل الشرعية فلا أثر لوجوده وعدمه وهكذا قرره الآمدى وسائر الشارحين وأجابوا بأنه لا يلزم من عدم إفادة كلٍّ من الطرد والعكس العلية عدم إفادتهما إذ قد يكون للهيئة الاجتماعية من الأثر ما لا يكون لكل جزء كما فى أجزاء العلة وهذا كلام لا غبار عليه إلا أنه لم يكن لتفريع قوله فلا أثر لوجوده وعدمه على عدم كونه شرطًا وجه ظاهر وإن كان مشعرًا بأنه لو توقف عليه صحة العلية لكان شرطًا فى العلية ضرورة أنه لا علية بدون الصحة حاول المحقق بيانه بهذا الوجه لكن على هذا لا يستقيم الجواب لأن الانعكاس سواء جعل قيد الدليل صحة العلية أو جزءًا له لم تتحقق العلية بدونه فكان شرطًا وما يتوهم من أن الانعكاس حينئذٍ جزء للعلة لا شرط ليس بشئ إذ العلة هى الوصف المتصف بالاطراد والانعكاس على أن كون الانعكاس جزء العلة أبعد من كونه شرطًا بل الجواب حينئذٍ أنه لا يلزم من كون بعض العلل مطردة منعكسة اشتراط الانعكاس فى العلة على الإطلاق وهو ظاهر غايته أن العلة مسلكها الطرد والعكس يكون مشروطه بذلك ولا فساد فيه. قوله: (وقد استدل) تقريره أنه لو أفاد العلية لما تخلف الحكم عنه واللازم منتف كما فى المتضايقين والجواب أن التخلف لمانع لا يقدح فإن قيل فلا يفيد بمجرده بل مع عدم المانع قلنا هذا جار فى كل دليل فإن أريد التجرد عن كل شئ حتى عن وجود الشرط وعدم المانع فلا نزاع. قوله: (فيعمل به) أى بالظن فى غير صورة معارضة القاطع إياه. قوله: (ولا مانع) فلا تظن علية أحد المتضايقين للآخر لمانع المعية ولا علية المعلول لعلته لمانع التأخر ولا علية الشرط المساوى لشروطه لمانع القطع بعدم تأثيره وقيد بالمساوى ليتحقق الطرد، أعنى الدوران وجودًا إذ مع الأعم لا يلزم وجود المشروط. الشارح: (وقد يقال بأن هذا إنكار للضرورى) رده صاحب مسلم الثبوت وقال

стр. 1806

شارحه وهذا شئ عجاب فإن شهادة التجربة على حصول العلم به بمجرده مطلقًا ممنوعة وكيف تشهد به مع أن الدوران فى التضايف أتم وأشد ولا علية وإن شهدت بحصول العلم عند عدم المانع فشهادتها مسلمة لكنك قد علمت أن من الموانع فقدان التأثير فالعلم إنما يحصل إذا فقد هذا الفقدان فوجد المناسبة. اهـ. قوله: (ومن الغريب ما يقال. . . إلخ) وعليه فقوله أو غير ذلك عطف على قوله منفى معه لا على السبر. قوله: (لما لم يكن لتفريع قوله فلا أثر لوجوده وعدمه وجه ظاهر. . . إلخ) أى لأن عدم كونه شرطًا للعلية لا ينافى أن وجوده يكون مؤثرًا فى صحة العلية وقوله حاول المحقق. . . إلخ. أى حيث قال لو كان شرطًا فى صحة العلية لكان شرطًا فى العلية فحينئذ يترتب على كونه ليس شرطًا فى العلل الشرعية أنه لا يؤثر وجوده فى الصحة إذ لو أثر فيها لكان شرطًا فى العلل وقوله سواء جعل قيدًا أى كما فرضه الغزالى أو جزءًا أى كما هو رأى المجيب وقوله فكان شرطًا أى وذلك ينافى أنه ليس بشرط وقوله حينئذٍ أى حين الجواب بأن الهيئة الاجتماعية منهما لها أثر وقوله على أن كون الانعكاس جزء العلة أبعد أى فى المنافاة لكونه ليس بشرط. قوله: (فلا نزاع) أى فى أنه لا يفيد قطعًا ولا ظنًا.

стр. 1807

قال: (و القياس جلى وخفى ، فالجلى ما قطع بنفى الفارق فيه كالأمة والعبد فى العتق وينقسم إلى قياس علة وقياس دلالة، وقياس فى معنى الأصل، فالأول ما صرح فيه بالعلة، والثانى ما يجمع فيه بما يلازمها كما لو جمع بأحد موجبى العلة فى الأصل لملازمة الآخر له كقياس قطع الجماعة بالواحد على قتلها بالواحد بواسطة الاشتراك فى وجوب الدية عليهم، والثالث الجمع بنفى الفارق). أقول: القياس تلحقه القسمة باعتبارين: باعتبار القوة وباعتبار العلة. الأول: باعتبار القوة وهو إما جلى أو خفى، فالجلى ما علم فيه نفى الفارق بين الأصل والفرع قطعًا، مثله: قياس الأمة على العبد فى أحكام العتق كالتقويم على معتق الشقص فإنا نعلم قطعًا أن المذكورة والأنوثة فيها مما لم يعتبره الشارع وأن لا فارق إلا ذلك، والخفى بخلافه وهو ما يكون نفى الفارق فيه مظنونًا كقياس النبيذ على الخمر فى الحرمة إذ لا يمتنع أن تكون خصوصية الخمر معتبرة ولذلك اختلف فيه. الثانى: باعتبار العلة وهو قياس علة، وقياس دلالة، وقياس فى معنى الأصل، فالأول وهو قياس العلة ما صرح فيه بالعلة كما يقال فى النبيذ: مسكر فيحرم كالخمر، الثانى وهو قياس الدلالة أن لا يذكر فيه العلة بل وصف ملازم لها كما لو علل فى قياس النبيذ على الخمر برائحته المشتدة، وحاصله إثبات حكم فى الفرع هو وحكم آخر وهو الرائحة توجبها علة واحدة فى الأصل فيقال: يثبت هذا الحكم فى الفرع لثبوت الآخر فيه، وهو ملازم له، فيكون قد جمع بأحد موجبى العلة فى الأصل لوجوده فى الفرع بين الأصل والفرع فى الموجب الآخر لملازمة الآخر له ويرجع إلى الاستدلال بأحد الموجبين على العلة وبالعلة على الموجب الآخر لكن يكتفى بذكر موجب العلة عن التصريح بها، مثاله أن يقال يقطع الجماعة بالواحد إذا اشتركوا فى قطع يده كما يقتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا فى قتله، والجامع وجوب الدية عليهما فى الصورتين وذلك أن الدية والقصاص موجبان للجناية لحكمة الزجر فى الأصل وقد وجد فى القطع أحدهما وهو الدية فيوجب الآخر وهو القصاص عليهم لأنهما متلازمان نظرًا إلى اتحاد علتهما وحكمتهما. الثالث: وهو القياس فى معنى الأصل أن يجمع بنفى الفارق ويسمى تنقيح

стр. 1808

المناط، مثاله قصة الأعرابى بنفى كونه أعرابيًا فيلحق به الزنجى والهندى، وبنفى كون المحل أهلًا فيوجب الكفارة فى الزنى وبنفى كونه رمضان تلك السنة فيلحق به الرمضانات الآخر، وكذلك إذا نفى الحنفى كون الإفساد بالوقاع فيلحق به المفسد بالأكل عمدًا. قوله: (حاصله إثبات حكم) هو التحريم فى النبيذ هو أى ذلك الحكم وحكم آخر هو الرائحة بعضهما علة واحدة هى الإسكار فى الخمر فيقال ثبت التحريم فى النبيذ لثبوت الرائحة فيه وهو أى الحكم الآخر الذى هو الرائحة ملازم للأول الذى هو التحريم فيكون القائس قد جمع أو فيكون الشأن قد جمع على لفظ المبنى للمفعول بالرائحة التى يوجبها الإسكار فى الخمر لوجود فى النبيذ بين الخمر والنبيذ فى التحريم الذى هو حكم آخر يوجبه الإسكار لملازمة التحريم للرائحة أو بالعكس ومرجع هذا القياس إلى الاستدلال بالرائحة التى يوجبها الإسكار على الإسكار وبالإسكار على التحريم الذى هو أيضًا مما يوجب الإسكار لكن قد اكتفى بذكر الرائحة عن التصريح بالإسكار. قوله: (لأنهما) أى الدية والقصاص متلازمان نظرًا إلى اتحاد علتهما بحسب الجنس بمعنى أن الجناية توجب الدية فى الخطأ والقصاص فى العمد وليس تتحقق الدية فى الخطأ ولا يتحقق القصاص فى العمد وبالعكس. قوله: (أن يجمع) أى بين الأصل والفرع بمجرد عدم الفارق من غير تعرض لوصف هو العلة وإذا تعرض للعلة وكان عدم الفارق قطعيًا كان قياسًا جليًا كما إذا كان ظنيًا كان خفيًا. المصنف: (فالجلى ما قطع فيه بنفى الفارق. . . إلخ) يطلق الجلى والخفى على غير ذلك فالمجى قياس الأولى والخفى الأدون كما أن الواضح هو المساوى. قوله: (من غير تعرض لوصف هو العلة. . . إلخ) أراد أن يفرق بين القياس الذى فى معنى الأصل والقياس الجلى مع أن كلًا منهما جمع فيه بنفى الفارق وحاصل الفرق أن القياس الجلى صرح فيه بالعلة مع ذلك بخلاف القياس الذى فى معنى الأصل فلم يتعرض فيه لوصف هو العلة.

стр. 1809

قال: (مسألة يجوز التعبد بالقياس خلافًا للشيعة والنظام وبعض المعتزلة، وقال القفال وأبو الحسين: يجب عقلًا. لنا القطع بالجواز وأنه لو لم يجز لما وقع وسيأتى، قالوا: العقل يمنع مما لا يؤمن فيه الخطأ، ورد بأن منعه هنا ليس إحالة ولو سلم فإذا ظن الصواب لا يمنع، قالوا: قد علم الأمر بمخالفة الظن كالشاهد الواحد والعبيد ورضيعة فى عشر أجنبيات، قلنا بل قد علم خلافه كخبر الواحد وظاهر الكتاب والشهادات وغيرها وإنما منع لمانع خاص). أقول: التعبد بالقياس هو أن يوجب الشارع العمل بموجبه وهو أن يكون ممتنعًا عقلًا أو جائزًا أو واجبًا، وقد قال بكل واحد منها قائل فعندنا يجوز وعند الشيعة والنظام وبعض المعتزلة يمتنع، وعند القفال وأبى الحسين يجب، لنا القطع بالجواز لأنه لو فرض أن يقول الشارع إذا وجدت مشاركة فرع الأصل فى علة حكمه فأثبت فيه حكمه واعمل به أيها المجتهد لم يلزم منه محال لا لنفسه، ولا لغيره، وأيضًا لو لم يجز لم يقع وقد وقع كما سيأتى. قالوا: أولًا: القياس طريق لا يؤمن فيه الخطأ وهو بين ولا شك أن العقل مانع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ ولا نعنى بعدم جوازه عقلًا إلا ذلك. الجواب: لا نسلم أن منع العقل مما لا يؤمن فيه الغلط إحالة له وإيجاب لنفيه بل معناه أنه مرجح للترك عليه والمدعى هو الإحالة فهو نصب دليل لا فى محل النزاع ثم إن مثله لا يمتنع التعبد به شرعًا ولو سلم أن منعه عنه إحالة لذلك فى الجملة فلا نسلم أن منعه ثابت فى جميع الصور فإنه مختص بما لا يغلب فيه جانب الصواب، وأما إذا ظن الصواب، وكان الخطأ مرجوحًا فلا يمنع فإن المظان الأكثرية لا تترك بالاحتمالات الأقلية وإلا لتعطلت الأسباب الدنيوية والأخروية إذ ما من سبب من الأسباب إلا ويجرى فيه ذلك ويجوز تخلف الأثر عنه والتضرر به فإن الثانى لا يزرع بيقين أن يأخذ الربع والتاجر لا يسافر وهو جازم بأن يربح والمتعلم لا يتعب فى تعلمه وهو يقطع بأنه يعلم ويثمر علمه ما يتعلم له إلى غير ذلك، بل العقل يوجب العمل عند ظن الصواب، وإن أمكن الخطأ تحصيلًا لمصالح لا تحصل إلا به على ما لا يخفى فى تتبع موارد الشرع، ومن طلب الجزم فى التكاليف عطل أكثرها. قالوا: ثانيًا: لا يجوز العقل ورود الشرع بالعمل بالظن لما قد علم منه أنه ورد

стр. 1810

بمخالفة الظن وكيف الجمع بين إيجاب الموافقة والمخالفة، ويبين ذلك ثلاثة أمثلة: الأول: الحكم بالشاهد الواحد وإن أفاد الظن القوى لكونه صديقًا أو للقرائن. الثانى: شهادة العبيد وإن كثروا وعلم أنهم دينون عدول فى الغاية من التقوى حتى يقوى الظن بشهادتهم. الثالث: رضيعة فى عشر أجنبيات فإن كل واحدة على التعيين يظن كونها غير الرضيعة لتحققه على تسعة تقادير ولا يتحقق خلافه إلا على تقدير واحد ومع ذلك فأمرنا بمخالفة الظن فحرم التزوج بها. الجواب: لا نسلم أنه علم وروده بمخالفة الظن بل المعلوم خلافه، وهو وروده بمتابعة الظن كما فى خبر الواحد وفى ظاهر الكتاب وفى الشهادات المختلفة المراتب من شهادة أربعة ورجلين ورجل وامرأتين ورجل وغيرها كظاهر السنة واعتبار القيم وإخبار النساء فى الحيض والطهر فى غشيانهن، وما ذكرتموه إنما منع فيه عن اتباع الظن لمانع خاص وتحقيقه أن مراتب الظنون وحصولها بأسبابها بحسب الوقائع وما يمكن تحصيله من مراتبه فى القضايا وما لا يمكن واعتباره بحسبا إمكان الأقوى وعدمه أو غير ذلك مما يختلف اختلافًا عظيمًا وكان خفية غير منضبطة بنفسها فنيطت بمظان ظاهرة منضبطة فكان ما ذكره نقضًا لمجرد الحكمة الذى سميناه كسرًا وقد علمت أنه لا يضر. قوله: (التعبد بالقياس هو أن يوجب الشارع العمل بموجبه) هذا مخالف لصريح كلام الآمدى والشارحين ومضمون أدلة الفرق فإنهم يطبقون على أن معناه إيجاب الشارع القياس وإلحاق الفرع بالأصل وذلك على المجتهد خاصة وبالمعنى الذى ذكره الشارح عليه وعلى سائر المكلفين، وكان هذا أقرب إلى مقاصد الفن مثل ما سبق من كون الإجماع حجة يجب العمل بمقتضاه وكذا خبر الواحد ونحو ذلك. قوله: (ولا يؤمن فيه الخطأ) لأن النزاع فى القياس الظنى. قوله: (إحالة له) أى لما لا يؤمن فيه من الغلط وكذا ضمير نفيه وعليه وضمير معناه لمنع العقل وضمير أنه للعقل والحاصل أن المدعى إيجاب النفى وما ذكر إنما يدل على ترجيحه فإن قيل إنه يستلزم المدعى لأن ما يترجح تركه عقلًا يمنع التعبد به شرعًا قلنا ممنوع وهو مسألة الحسن والقبح.

стр. 1811

قوله: (ولو سلم) لا خفاء فى أن الأنسب تقديم المنع الثانى. قوله: (فإن الثانى) أى المزارع من ثنأ بالبلد أقام به ومنه ثناء البلد. قوله: (رضيعة فى عشر أجنبيات) سوق كلامه أن واحدة من العشرة رضيعة لزيد مثلًا والعشر أجنبيات له بمعنى أن ليست منهن محرمًا له بنسب فكون كل واحدة منهن غير الرضيعة مظنون وقد منع الشارع اتباع هذا الظن والعمل به وتقرير الآمدى والشارحين أنه اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات ولم يجز نكاح واحدة منهن وإن غلب على الظن بعلامات أنها أجنبية. قوله: (من شهادة أربعة) فى الزنا ورجلين خاصة فى العقوبات ورجل وامرأتين أيضًا فى الماليات ورجل فى هلال رمضان. الشارح: (وتحقيقه أن مراتب الظنون. . . إلخ) أى ففى هذه الأمثلة التى لم يعمل بالظن فيها لمانع هو تخلف المظنة وإن وجدت الحكمة التى هى الظن كالمشقة التى هى الحكمة فى الترخص للمسافر لم تعتبر عند تخلف المظنة التى هى السفر وإن وجدت المشقة لصاحب الصنعة الشاقة فى الحضر. قوله: (وبالمعنى الذى ذكره الشارح عليه وعلى سائر المكلفين) أى ويكون ساكنًا عن التحصيل والأولى ما قاله صاحب مسلم الثبوت التعبد بتحصيل القياس والعمل به جائز. قوله: (لا خفاء فى أن الأنسب. . . إلخ) أى لأن المنع الثانى منع لمقدمة القياس أى المقدمة القائلة وما لا يؤمن فيه الخطأ العقل مانع منه وحاصل المنع أن العقل لا يمنع منه مطلقًا بل إذا لم يظن الصواب والمنع الثانى إبطال للدليل بأنه لا ينتج الإحالة التى هى المدعى بل ينتج المنع الاحتياطى وهو غير الإحالة. قوله: (من تناء بالبلد أقام به) بالتاء المثناة من فوق وبالهمز آخره وقوله ومنه تناء البلد جمع التانى بوزن سكان ثم تفسير التانى بالمزارع لعله مأخوذ من قول صاحب القاموس إنه الدهقان وقد فسره بعظيم الفلاحين. قوله: (بمعنى أن ليست واحدة منهن محرمًا بنسب) فالرضيعة من العشر الأجنبيات لأنها أجنبية بهذا المعنى وقوله وتقرير الآمدى. . . إلخ. وعليه فالرضيعة غير العشر لأنها ليست أجنبية على الإطلاق.

стр. 1812

قال: (النظام إذا ثبت ورود الشرع بالفرق بين المتماثلات كإيجاب الغسل وغيره بالمنى دون البول وغسل بول الصبية ونضح بول الصبى وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير والجلد بنسبة الزنا دون نسبة الكفر والقتل بشاهدين دون الزنا وكعدتى الموت والطلاق والجمع بين المختلفات كقتل الصيد عمدًا أو خطأ والردة والزنا والقاتل والواطئ فى الصوم والمظاهر فى الكفارة استحال تعبده بالقياس، ورد بأن ذلك لا يمنع الجواز لجواز انتفاء صلاحية ما توهم جامعًا أو وجود المعارض فى الأصل أو فى الفرع ولاشتراك المختلفات فى معنًى جامع أو لاختصاص كلٍّ بعلة لحكم خلافه. قالوا: يفضى إلى الاختلاف فيرد لقوله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٣]، ورد بالعمل بالظواهر بأن المراد التناقض أو ما يخل بالبلاغة فأما الأحكام فمقطوع بالاختلاف فيها، قالوا: إن كان قال مجتهد مصيبًا فيكون الشئ ونقيضه حقًا وهو محال وإن كان المصيب واحدًا فتصويب أحد الظنين مع الاستواء محال ورد بالظواهر وبأن النقيضين شرطهما الاتحاد وبأن تصويب أحد الظنين لا بعينه جائز، قالوا: إن كان القياس كالنفى الأصلى فمستغنًى عنه وإن كان مخالفًا فالظن لا يعارض باليقين، ورد بالظواهر وبجواز مخالفة النفى الأصلى بالظن، قالوا: حكم اللَّه يستلزم خبره عنه ويستحيل بغير التوقيف، قلنا القياس نوع من التوقيف قالوا: يتناقض عند تعارض علتين. ورد بالظواهر وبأنه إن كان واحدًا رجح فإن تعذر وقف على قول وتخير عند الشافعى وأحمد وإن تعذر فواضح الموجب النص لا يفي بالأحكام فقضى العقل بالوجوب، ورد بأن العمومات يجوز أن تنفى مثل: كل مسكر حرام). أقول: قالوا: ثالثًا: وهو مما اختص النظام من الأدلة باختراعه قال قد ثبت من الشارع الفرق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات، وإذا ثبت ذلك استحال تعبده بالقياس. أما الفرق بين المتماثلات، فمنه: إيجاب الغسل وغيره من منع قراءة القرآن ومسه ومكث المسجد بخروج المنى دون البول مع تماثلهما فى الاستقذار والفضلة. ومنه: إيجاب الغسل من بول الصبية دون الصبى إذ اكتفى فيه بالنضح. ومنه: قطع سارق القليل دون غاصب الكثير، ومنه إيجاب الجلد بنسبة الزنى إلى الشخص دون نسبة القتل والكفر إليه. ومنه: ثبوت القتل بشاهدين دون الزنى، ومنه الفرق بين عدتى الطلاق والوفاة، فالأولى ثلاثة أشهر والثانية أربعة أشهر

стр. 1813

وعشر. وأما الجمع بين المختلفات، فمنه: التسوية بين قتل الصيد عمدًا أو خطأ فى الفداء فى الإحرام. ومنه: التسوية بين الزنا والردة فى القتل. ومنه تسوية القاتل خطأ والواطئ فى الصوم والمظاهر عن امرأته فى إيجاب الكفارة عليهم. وأما أنه إذا ثبت ذلك استحال تعبده بالقياس فلأن معنى القياس وحقيقته ضد ذلك وهو الجمع بين المتماثلات والفرق بين المختلفات. الجواب: بمنع الثانية فإن ذلك لا يمنع جواز التعبد بالقياس أما الفرق بين المتماثلات فإن المتماثلات إنما يجب اشتراكها فى الحكم إذا كان ما به الاشتراك يصلح علة للحكم يصلح جامعًا ولا يكون له معارض فى الأصل هو المقتضى للحكم دون هذا ولا معارض فى الفرع أقوى يقتضى خلاف ذلك الحكم وشئ من ذلك غير معلوم، فيما ذكرتم من الصور لجواز عدم صلاحية ما توهمتموه جامعًا لكونه جامعًا أو وجود المعارض له، إما فى الأصل أو فى الفرع، وأما الجمع بين المختلفات فلجواز اشتراك المختلفات فى معنًى جامع هو العلة للحكم فى الكل فإن المختلفات لا يمتنع اشتراكها فى صفات ثبوتية وأحكام، وأيضًا فيجوز اختصاص كلٍّ بعلة تقتضى حكم المخالف الآخر فإن العلل المختلفة لا يمتنع أن توجب فى المحال المختلفة حكمًا واحدًا. قالوا: رابعًا: القياس يفضى إلى الاختلاف وكل ما يفضى إلى الاختلاف مردود أما الأولى فلاختلاف الأصول، والقرائح والأنظار وكما هو الواقع فى الواقع، وأما الثانية فلقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فى معرض المدح بعدم الاختلاف الموجب للرد ودل على أن ما من عند اللَّه لا يوجد فيه اختلاف فما يوجد فيه اختلاف لا يكون من عند اللَّه، فحكم القياس للاختلاف الكثير فيه لا يكون من عند اللَّه وكل حكم لا يكون من عند اللَّه فهو مردود إجماعًا، وفى الآية أيضًا إشارة إلى المقدمة الأولى. الجواب: أن الاختلاف المنفى فى الآية عما من عند اللَّه إنما هو التناقض والاضطراب فى النظم المخل بالبلاغة التى لأجلها وقع التحدى والإلزام بكونه من عند اللَّه لا الاختلاف فى الأحكام الشرعية فإنه واقع قطعًا ولا يمكن إنكاره. قالوا: خامسًا: لو جاز الاجتهاد بالقياس فإما أن يكون كل مجتهد مصيبًا أو يكون المصيب واحدًا لا جائز أن يكون كل مجتهد مصيبًا لأن حكم أحدهما نقيض

стр. 1814

حكم الآخر فيلزم أن يكون الشئ ونقيضه حقًا معًا وأنه محال، ولا جائز أن يكون المصيب واحدًا لأن تصويب أحد الظنين مع استوائهما تحكم محض وأنه غير جائز شرعًا. الجواب: أولًا: النقض بسائر الظواهر إذ الاجتهاد لا يختص بالقياس، وثانيًا: بأنا نختار أن كل مجتهد مصيب قولك فيكون الشئ ونقيضه حقًا معًا قلنا ممنوع فإن النقيضين شرطهما الاتحاد فى الأمور التى عدت فى موضعها ولم يوجد ههنا لأن كل مجتهد حكمه ثابت بالنسبة إليه وإلى مقلديه دون غيرهم، وثالثًا بأنا نختار أن المصيب واحد قولك إنه تحكم قلنا ممنوع وإنما يلزم لو صوبنا ظنًا معينًا وخطأنا ظنًا معينًا، وأما إذا قلنا أحد الظنين لا بعينه ولا ندرى أيهما هو كان جائزًا ولا تحكم فيه. قالوا: سادسًا: حكم اللَّه فى الواقعة المعينة بالوجوب أو بالحرمة من الممكنات فلا يعلم بدليل العقل بل بدليل السمع ولا طريق إليه إلا بإخباره للمبلغ وذلك بغير التوقيف على خبره منه محال لأنه تكليف الغافل وإذا حصل التوقيف فلا معنى للقياس. الجواب: إنما يكون ذلك إذا لم يكن القياس نوعًا من التوقيف بأن شرعه اللَّه ونصبه للحكم وتعبد المكلفين باتباعه وهو أول المسألة. قالوا: سابعًا: القياس يفضى إلى التناقض الباطل فيكون باطلًا، بيانه: أنه لا بعد فى أن تتعارض علتان تقتضى كل نقيض حكم الآخر، وحينئذٍ يجب اعتبارهما وإثبات حكمهما لأنه المفروض فيلزم التناقض. الجواب: هذا الفرض إما فى قائس واحد أو فى المتعدد، فإن كان القائس واحدًا رجح بطريق من طرق الترجيح، وسيأتى فإن لم يقدر فإما أن يتوقف فلا يعمل بهما كأن لا دليل لأن شرط ثبوت حكمه عدم المعارض المقاوم وبه قال كثير من الفقهاء، وإما أن يخير فيعمل بأيهما شاء، وهو قول الشافعى وأحمد، وإن تعدد فعدم التناقض واضح مما مراد يعمل كل بقياسه فلا يتحد متعلقاهما. هذه دلائل المانع للقياس. وأما الموجب عقلًا: فقال: الأحكام لا نهاية لها والنص لا يفي بها فيقضى العقل بوجوب التعبد بالقياس لئلا تخلو الوقائع عن الأحكام.

стр. 1815

الجواب: بعد تسليم وجوب أن يكون لكل واقعة حكم هو أن الذى لا يتناهى الجزئيات لا الأجناس ويجوز التنصيص على الأجناس كلها بعمومات تتناول جزئياتها، حتى تفى بالأحكام كلها مثل: "كل مسكر حرام"، و"كل مطعوم ربوى"، و"كل ذى ناب حرام"، إلى غير ذلك. قوله: (النظام) ظاهر الكلام أنه قياس استثنائى تقريره أنه إذا ثبت الفرق والجمع استحال التعبد والمقدم حق فكذا التالى، والجواب منع الأول أعنى الملازمة لكن تصريح الشارح بأن الجواب منع الثانية يقتضى أن يكون القياس اقترانيًا منع فيه الكبرى وتقريره أن التنازع قد ثبت منه الفرق والجمع وكل من يثبت منه ذلك استحال منه التعبد بالقياس. قوله: (هو المقتضى للحكم) وصف المعارض فى الأصل بهذا ليتحقق امتناع القياس إذ لو أريد به مجرد وجود وصف آخر للعلية لا يوجد فى الفرع احتمل أن يكون كل منهما علة ولا يمنع القياس إذ لا يتعين كون العلة هو المجموع على ما ذكر فى بعض الشروح وأما المعارض فى النرع فلا معنى له سوى المقتضى بخلاف حكم الأصل فصرح به وقيده بالأقوى ليصح إثبات حكم مخالف لحكم المماثل الآخر فيتحقق الفرق إذ لو كان مساويًا أو مرجوحًا لم يكن ذلك. قوله: (بعدم الاختلاف الموجب للرد) يعنى أن قوله إشعار بأن الاختلاف موجب للرد لأن قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢]، وكلمة لو بحسب اللغة لانتفاء الثانى لانتفاء الأول فيفيدان عدم الاختلاف فيه بسبب أنه من عند اللَّه فتحصل أن ما يكون من عند اللَّه لا يوجد فيه الاختلاف وينعكس بعكس النقيض إلى أن ما يوجد فيه الاختلاف لا يكون من عند اللَّه بجعله كبرى لقولنا حكم القياس يوجد فيه الاختلاف فينتج أن حكم القياس لا يكون من عند اللَّه لضمه إلى قولنا كل حكم لا يكون من اللَّه فهو مردود وينتج أن حكم القياس مردود وهو المطلوب. قوله: (وفى الآية) يعنى أن الآية مستقلة بإفادة المطلوب لدالالتها على المقدمة الأولى أيضًا حيث دلت على أن ما ليس من عند اللَّه مفض الاختلاف بل مستلزم له ومعلوم أن القياس من عند اللَّه وأنت خبير بأنه لو كان هذا معلومًا لما

стр. 1816

احتيج فى إثبات المطلوب إلى التمسك بالآية أصلًا لأنا نضمه إلى قولنا وكل ما ليس من عند اللَّه فهو مردود فيتم وحاصل الجواب منع الكبرى أى لا نسلم أن ما فيه اختلاف بمعنى الاختلاف فى الأحكام فهو مردود ولا دلالة فى الآية على ذلك لأن الاختلاف المنفى فى الآية عما من عند اللَّه هو التناقض واختلاف النظم بأن يكون بعضه بالغًا حد الإعجاز وبعضه قاصرًا عنه. قوله: (لأن حكم أحدهما نقيض حكم الآخر) لأن الاختلاف إن كان فى طرفى الإثبات والنفى فظاهر وإن كان فى مثل الوجوب والندب مثلًا فكل يستلزم نقيض الآخر. قوله: (قلنا ممنوع) يعنى أن اللزوم ممنوع إذ الحكمان ليسا نقيضين إذ المعنى أن هذا واجب على زيد مثلًا ليس بواجب على عمرو وقد يتوهم أن المراد منع انتفاء اللازم أى لا نسلم أن حقية النقيضين عند اختلاف الأشخاص والجهات محال وليس كذلك بل مآله إلى منع اللزوم وكان الشبه المذكورة فى المتن أن حكم القياس إما موافق للنفى الأصل أو مخالف ولا تعرض لها فى الشرح. قوله: (وأما الموجب) أى القائل بأنه يجب على الشارع إيجاب العمل بالقياس فينبنى على وجوب شئ على اللَّه تعالى وعلى امتناع خلو لواقعة عن الحكم ونحن لا نقول بذلك ولو سلم فيكفى التنصيص بالعمومات المندرجة تحت كل منها مما لا يتناهى من الجزئيات فإن قيل نحن ندعى أن النصوص الواردة لما لم تف بجميع أحكام الوقائع وجب التعبد بالقياس لئلا يلزم الخلو وجواز التنصيص بالعمومات لا يدفع ذلك لأنا نقول جواز العمومات يستلزم جواز ترك القياس وهو معنى عدم الوجوب. الشارح: (وأما الثانية) هى وما يفضى إلى الاختلاف مردود وإنما احتاجت إلى الإثبات بالآية لأن رد ما يفضى إلى الاختلاف ليس بظاهر إلا ببيان أن ما يفضى إلى الاختلاف ليس من عند اللَّه حتى يكون مردودًا. الشارح: (وفى الآية أيضًا إشارة إلى المقدمة الأولى) وهى حكم القياس المعلوم كونه ليس من عند اللَّه مفض إلى الاختلاف وهى الصغرى. قوله: (وأنت خبير بأنه لو كان هذا معلومًا لما احتيج فى إثبات المطلوب إلى

стр. 1817

الآية) أى لأنه إنما احتجنا لها لإثبات أن ما يوجد فيه الاختلاف ليس من عند اللَّه حتى يرد ومتى كان معلومًا أن القياس ليس من عند اللَّه فلا حاجة إلى الاحتجاج بالآية على ذلك لأنه متى كان ليس من عند اللَّه كان مردودًا وفى مسلم الثبوت أن المراد بالمقدمة الأولى هى ما يوجد فيه الاختلاف لا يكون من عند اللَّه ومراده أنها مأخوذة صراحة لا من حيث كونها عكس نقيض ورد ما ذكره المحشى من قوله وأنت خبير. . . إلخ. بأنه لا بد من الرجوع للآية على ما ذكره المحشى والظاهر ما قرره المحشى على ما وضحناه. قوله: (إما موافق للنفى الأصلى) أى المبرأة الأصلية وقوله وإما مخالف ولا تعرض لها فى الشرح وحاصله أنه إن كان الأول يكون القياس مستغنًى عنه لأن مقتضاه ثابت بالبراءة الأصلية وإن كان الثانى يكون القياس باطلًا لأن النفى الأصلى متيقن والقياس مظنون والظن لا يعارض القطع وحاصل الجواب النقض بالعمل بالظاهر وبجواز ترك النفى الأصلى لأجل العمل بالظن.

стр. 1818

قال: (مسألة: القائلون بالجواز قائلون بالوقوع إلا داود وابنه والقاشانى والنهروانى، والأكثر بدليل السمع والأكثر قطعى خلافًا لأبى الحسين، لنا ثبت بالتواتر عن جمع كثير من الصحابة العمل به عند عدم النص وإن كانت التفاصيل آحادًا أو العادة تقضى تارة بأن مثل ذلك لا يكون إلا بقاطع وأيضًا تكرر وشاع ولم ينكر والعادة تقضى بأن المسكوت فى مثله، وفإن فمن ذلك رجوعهم إلى أبى بكر فى قتال بنى حنيفة على الزكاة ومن ذلك قول بعض الأنصار فى أم الأب تركت التى لو كانت هى الميتة ورث الجميع فشرك بينهما وتوريث عمر المبتوتة بالرأى، وقول على لعمر لما شك فى قتل الجماعة بالواحد أرأيت لو اشترك نفر فى سرقة، ومن ذلك إلحاق بعضهم الجد بالأخ وبعضهم بالأب وذلك كثير فإن قيل أخبار آحاد فى قطعى سلمنا لكن يجوز أن يكون عملهم بغير ما سلمنا لكنهم بعض الصحابة سلمنا أن ذلك من غير نكير دليل ولا نسلم نفى الإنكار سلمنا لكنه لا يدل على الموافقة سلمنا لكنها أقيسة مخصوصة، والجواب عن الأول أنها متواترة فى المعنى كشجاعة على رضى اللَّه عنه، وعن الثانى القطع من سياقها بأن العمل بها وعن الثالث شياعه وتكريره قاطع عادة بالموافقة وعن الرابع أن العادة تقضى بنقل مثله، وعن الخامس ما سبق فى الثالث، وعن السادس القطع بأن العمل لظهورها لا لخصوصها كالظواهر). أقول: القائلون بجواز التعبد بالقياس كلهم قائلون بوقوع التعبد به إلا داود الظاهرى، والقاشانى والنهروانى والقائلون بالوقوع اختلفوا فى ثبوته بدليل السمع أو بدليل العقل، فالأكثر على أنه بدليل السمع، ثم اختلف هؤلاء فى أن دليله من السمع قطعى أو ظنى فالأكثر على أنه قطعى خلافًا لأبى الحسين فإنه عنده ظنى، لنا أنه ثبت بالتواتر عن جمع كثير من الصحابة أنهم عملوا بالقياس عند عدم النص والعادة تقضى أن إجماع مثلهم فى مثله لا يكون إلا عن قاطع فيوجد قاطع على حجيته قطعًا، وما كان كذلك فهو حجة قطعًا فالقياس حجة قطعًا، فإن قيل لا نسلم التواتر فى عملهم لأن جميع ما يدكرونه أخبار آحاد قلنا القدر المشترك وهو أن الصحابة كانوا يعملون بالقياس قد تواتر وإن كانت التفاصيل آحاد وبذلك يتم مقصودنا، ولنا أيضًا أن عملهم بالقياس تكرر وشاع ولم ينكره عليهم أحد والعادة تقضى بأن المسكوت فى مثله من الأصول العامة الدائمة الأثر وفاق ووفاقهم حجة

стр. 1819

قاطعة ولنعد تفصيلًا لما أجملناه فى الدليلين عدة صور مما عمل الصحابة فيه بالقياس فمن ذلك رجوع الصحابة إلى أبى بكر رضى اللَّه عنه فى قتال بنى حنيفة على أخذ الزكاة ماذا يرى فيه بالاجتهاد وكانوا مختلفين فيه فمنهم من يرى المسالمة لقرب موت رسول اللَّه ﷺ وانكسار فى المسلمين حصل بسببه ومنهم من يرى القتال كعلى ترك الصلاة لئلا يحس منهم بالضعف والانكسار فيطمع فيهم وكان ممن يرى القتال أبو بكر فتبعوا اجتهاده قال الآمدى فقاسوا خليفة رسول اللَّه على رسول اللَّه ﷺ فى وجوب أخذ الزكاة لأرباب المصارف، ومن ذلك أن أبا بكر ورث أم الأم دون أم الأب فقال له بعض الأنصار تركت التى لو كانت هى الميتة ورث جميع ما تركت لأن ابن الابن عصبة، وابن البنت لا يرث، وحاصله أن هذه أقرب، فهى أحق بالإرث فرجع إلى التشريك بينهما فى السدس، ومن ذلك أن عمر ورث المبتوتة بالرأى، وهى المطلقة ثلاثًا فى مرض الموت، ومن ذلك أن عمر شك فى قتل الجماعة بالواحد فقال له على رضى اللَّه عنه أرأيت لو اشترك نفر فى سرقة أكنت تقطعهم؟ فقال: نعم. فقال: فكذا ههنا. فرجع إلى قول علىٍّ وحكم بالقتل. ومن ذلك: ميراث الجدة فبعضهم يلحقه بالأخ، فيشركهما فى الإرث، وبعضهم يلحقه بالأب فيحجب الأخ به، وذلك كثير لا يحصى كثرة ولسنا ههنا لإحصائها بل للتفهيم والتعليم ويكفينا هذا القدر والأمر إلى المطولات وكتب السير، فإن قيل الدليل فاسد الوضع فإن هذه المسألة قطعية فلا بد فيها من دليل قطعى، وما ذكرتموه أخبار آحاد لو صحت فغايتها الظن، سلمنا صحة وضعها لكن لا نسلم دلالتها، فإنها لا تدل على العمل بالقياسات المذكورة، ولعل العمل فيما ذكرتم من الصور بغيرها وكان الاجتهاد فى دلالات النصوص لخفائها كحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص وإثبات المفهوم ودلالة الإيماء وتنقيح المناط، ونحوها مما يتعلق بالأدلة النصية، سلمنا دلالتها على عملهم لكن لا نسلم دلالة عملهم على وجوب العمل، لأن العاملين به بعض الصحابة فلا يكون فعلهم دليلًا سلمنا أن فعلهم دليل ولكن ذلك إذا لم يكن نكير ولا نسلم نفى الإنكار غايته عدم الوجدان ولا يدل على عدم الوجود سلمنا عدم الإنكار ظاهرًا لكنه لا يدل على الموافقة إذ لعلهم أنكروا باطنًا ولم يظهروا لما مر فى الإجماع السكوتى من

стр. 1820

الأسباب الداعية إلى المسكوت، سلمنا دلالة عملهم بها على كونها حجة لكنها أقيسة مخصوصة فمن أين يلزم مدعاكم وهو وجوب العمل بكل قياس ولا سبيل إلى التعميم إلا القياس وفيه المصادرة على المطلوب. الجواب عن الأول: وهو قولهم آحاد فى قطعى، أنها وإن كانت آحادًا فبينها قدر مشترك وهو العمل بالقياس وذلك متواتر وأنه يكفينا ولا يضر عدم تواتر كل واحد كما فى شجاعة على وكأنما خصه بالذكر إلزامًا للشيعة ولو ذكر سخاوة حاتم وشجاعة عنترة فربما منعوه عنادًا ولجاجًا. وعن الثانى: وهو قولهم لعل عملهم بغيرها أنا نعلم من سياقها قطعًا أن العمل بها كما فى سائر التجربيات. وعن الثالث: وهو قولهم هم بعض الصحابة أن ذلك لا يقدح فى الاتفاق فإنه إذا تكرر وشاع ولم ينكر عليهم أحد فالعادة تقضى بالموافقة فليس استدلالًا بعملهم ولكن بعملهم وسكوت الآخرين مع التكرر والشيوع فى قضية معينة يدل بطريق عادى على الاتفاق. وعن الرابع: وهو منع عدم الإنكار أنه لو أنكر لنقل عادة لأنه مما تتوفر الدواعى على نقله لكونه أصلًا مما تعم به البلوى فإن قيل فقد نقل ذم الرأى عن عثمان وعلى رضى اللَّه عنهما، وابن عمر وابن مسعود، قلنا ذلك للرأى فى مقابلة النص، أو الذى يعدم فيه شرط فإن عدم الذم فى الصور غير المحصورة مقطوع به. وعن الخامس: وهو قولهم عدم الإنكار لا يدل على الوفاق ما سبق فى الجواب عن الثالث: وهو أن استدلالنا بعدم الإنكار مع الشيوع والتكرار وأنه يدل. وعن السادس: وهو قولهم إنه أقيسة مخصوصة: أن العلم القطعى حاصل بأن العمل بها كان لظهورها لا لخصوصها كسائر الظواهر التى عملوا بها من الكتاب والسنة، فإنه وإن كان الاحتمال منقدحًا فى عملهم بخصوصياتها فإنا نعلم قطعًا أن العمل بها لظهورها ولأنهم كانوا يوجبون العمل بكل ظاهر وما كانوا يجتهدون إلا لتحصيل الظن. قوله: (فإنه) أى الدليل السمعى الدال على وقوع القياس عند أبى الحسين ظنى

стр. 1821

وهذا لا ينافى وجوب التعبد به عنده عقلًا إذ الشئ يجب أولًا ثم يقع. قوله: (لنا أنه ثبت) تمسك أولًا بدليل قاطع يدل على ثبوته الإجماع القاطع وثانيًا بنفس الإجماع ولما كان إجماعًا سكوتيًا وهو ظنى لا قطعى دفعه بأن مثل هذا السكوتى قطعى لا ظنى لقضاء العادة قطعًا بأن المسكوت على مثل هذا الأصل الكلى الدائمى لا يكون إلا عن وفاق فإن قيل الوجهان إنما يفيدان القطع بوقوع العمل بالقياس والمطلوب القطع بوجوب العمل به لما سبق من أن معنى التعبد بالقياس إيجاب الشارع العمل بموجبه قلنا لما ثبت القطع بأن القياس حجة ثبت المطلوب لأن العمل بما حصل القطع بحجيته واجب قطعًا. قوله: (قال الآمدى) كان الشارح يستضعف هذا الكلام ويرى أنهم قاسوا الزكاة على الصلاة لما ثبت عندهم من أن الاجتماع والاجتراء على تركها موجب حل القتال. قوله: (الدليل فاسد الوضع) لأنه على تقدير صحته يفيد نقيض المطلوب أعنى الظن دون القطع لأن ما ذكر أخبار آحاد وهى ظنية ولو سلم صحة وضعها بأن تكون الأخبار متواترة فلا نسلم الدلالة وتأنيث الضمير فى وضعها بالنظر إلى أن الدليل وهو الإخبار. قوله: (لعلهم أنكروا باطنًا) فإن قيل فتكون العبارة بالقلب دون اللسان فلا يبقى الإجماع القطعى أيضًا قاطعًا قلنا لا خفاء فى أن المعتبر عمل القلب لكن عمل اللسان دليل عليه بلا نزاع فيكون مناطًا للحكم بخلاف المسكوت عن الإنكار فإن كونه دليل الموافقة محل النزاع. قوله: (قد نقل ذم الرأى عن عثمان وعلى رضى اللَّه عنهما) قالا: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه قال: السنة ما سنه الرسول ﵇، لا تجعلوا الرأى سنة للمسلمين وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه أنه قال: إذا قلتم فى دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حرمه اللَّه وحرمتم كثيرًا مما أحل اللَّه وأيضًا عن أبى بكر رضى اللَّه عنه لما سئل عن الكلالة قال: أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت فى كتاب اللَّه برأيى. وعن عمر أنه قال: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا.

стр. 1822

الشارح: (ومن ذلك ميراث الجد) أى فقد ورد أن عمر شاور عليًا وزيد بن ثابت فى الجد مع الإخوة فقال على أرأيت يا أمير المؤمنين لو أن شجرة انشعب منها غصن ثم انشعب من الغصن غصن أيهما أقرب إلى أحد الغصنين أصاحبه الذى خرج منه أم الشجرة وقال زيد لو أن جدولًا انبعث من ساقية ثم انبعث من الساقية ساقيتان أيهما أقرب إحدى الساقيتين إلى صاحبتها أم الجدول. قوله: (إذ الشئ يجب أولًا ثم يقع) رد بأن معنى وجوب التعبد عنده أنه يجب على الشارع أو منه نظرًا إلى الحكمة الأزلية الثابتة له وما يجب على الشارع يقطع قطعًا فقطعية الوجوب ملزوم لقطعية الوقوع ومنافى اللازم مناف للملزوم فلزم التنافى فالأوجه أن القطع عنده أى عند أبى الحسين بالعقل فلم يقل بظنية الوقوع بل بظنية الدليل السمعى الدال عليه فقط ويجوز أن يكون مقطوعًا بالدليل العقلى.

стр. 1823

قال: (واستدل بما تواتر معناه من ذكر العلل ليبتنى عليها مثل: "أرأيت لو كان على أبيك دين. . "، "أينقص الرطب إذا جف. . " وليس بالبين واستدل بإلحاق كل زان بماعز، ورد بأن ذلك لقوله حكمى على الواحد أو للإجماع. واستدل بمثل: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، وهو ظاهر فى الاتعاظ وفى الأمور العقلية مع أن صيغة افعل محتملة واستدل بحديث معاذ وغايته الظن). أقول: ما ذكرناه هو الدليل الصحيح على التعبد بالقياس، وللقوم فيه دلائل أخر استدل عليه بما تواتر معناه وإن كان التفاصيل آحادًا من ذكر النبى ﷺ العلل فى الأحكام ليبتنى عليها فى غير تلك الحال وذلك معنى القياس ولولا التعبد به لما فعل ذلك فمنه: "أرأيت لو كان على أبيك دين"، "أينقص الرطب. . "، "فإنهم يحشرون. . "، "إنها من الطوافين. . "، ". . فإنه لا يدرى أين باتت يده"، وفى الصيد وقع فى الماء: "لا تأكل سنه فلعل الماء أعان على قتله" وهذا الاستدلال ليس ببين فى الدلالة على المقصود فإنه يمنع أن المقصود من ذكرها أن يقاس عليها لأنه أمر خفى ولعله ليعلم حكمتها، ولذلك جاز النص بالعلل القاصرة وكأنه بالنسبة إلى من يمنع القياس المنصوص العلة مصادرة على المطلوب وبالقياس إلى غيرهم نصب للدليل فى غير محل النزاع، واستدل بمثل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار هو قياس الأمر بالأمر، وإثبات مثل حكم محل فى محل آخر، ومنه الاعتبار بمعنى الاتعاظ فإنه فرض لما ينزل بالغير فى حق نفسه، والحق أنه ظاهر فى الاتعاظ لوضعه له، أو لغلبته فيه، فإذا قال: اعتبر بهذا الرجل فهم منه اتعظ به، ومنه العبرة لما يتعظ به المتعظ. قال: ما مر يوم على حى ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا سلمناه لكنه ظاهر فى القياس فى الأمور العقلية كما يقال فى إثبات الصانع تعالى، اعتبر بالدار هل يمكن حدوثها من غير صانع فما ظنك بالعالم، وأما القياس الشرعى فلا يسمى اعتبارًا فإنه إذا قيل اعتبر لم يفهم قياس الذرة على البر لا بخصوصه ولا بعموم هذا مع أن اعتبروا أمر والأمر أعنى صيغة: افعل لا لفظه، أمر محتملة للوجوب، ولغيره من المعانى وللمرة والتكرار ولعموم المفعولات وللإطلاق وللخطاب مع الحاضرين فقط أو معهم ومع غيرهم وكثر الخلاف فى كل واحد منها مع جواز التجوز اتفاقًا وإن خالف الأصل فظن وجوب العمل للكل

стр. 1824

بكل قياس فى كل زمان لو حصل به ففى غاية الضعف فلا يصح إثبات مثل هذا الأصل به، واستدل بحديث معاذ، وهو أنه ﵇ قال له: "فإن لم تجد؟ " أى سنة رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أقيس الأمر بالأمر. فقال: "الحمد للَّه الذى وفق رسولَ رسولِه لما يرضاه رسوله". ودلالته واضحة إلا أن المتن ظنى لأنه خبر واحد، والمسألة أصولية فتبنى على الاكتفاء بالظن فيها، فإن قيل وفيه شئ آخر وهو أنه لا يلزم من صحة القياس لمعاذ صحة القياس لغيره إلا أن يقاس عليه فيدور وقلنا يستدل عليه بقوله: "حكمى على الواحد كحكمى على الجماعة". قوله: (وكأنه بالنسبة) يعنى أن المانعين وقوع التعبد بالقياس منهم من عمم الحكم فمنع القياس المنصوص العلة أيضًا ومنهم من اقتصر على منع القياس غير المنصوص العلة وجوز المنصوص العلة فالاستدلال بما تواتر من تنصيصه على علل الأحكام لأجل القياس بالنسبة إلى الأولين مصادرة على المطلوب لأن كون هذا العلل لأجل القياس موقوف على جواز القياس وإلا لجاز أن يكون لمجرد العلم بالحكمة وبالنسبة إلى الآخرين نصيب الدليل فى غير محل النزاع لأنهم إنما ينازعون فى غير منصوص العلة وهذه الأقيسة منصوصة العلة ولا نزاع لهم فى صحتها. قوله: (إلا أن المتن ظنى) قد ذكرنا أن المتن إذا ذكر فى مقابلة الدلالة يراد بكونه ظنيًا أن ثبوته ظنى. قوله: (فتنبنى) أى صحة الاستدلال بهذا الحديث على جواز الاكتفاء بالظنى فى المسألة الأصولية والحق أنه لا يجوز.

стр. 1825

قال: (مسألة: النص على العلة لا يكفى فى التعدى دون التعبد بالقياس، وقال أحمد والقاشانى وأبو بكر الرازى والكرخى يكفى، وقال البصرى: يكفى فى علة التحريم لا غيرها، لنا القطع بأن من قال: أعتقت غانمًا لحسن خلقه لا يقتضى عتق غيره من حسنى الخلق، قالوا: "حرمت الخمر" لإسكاره، مثل: "حرمت كل مسكر"، ورد بأنه لو كان مثله عتق من تقدَّم. قالوا: لم يعتق لأنه غير صريح والحق لآدمى، قلنا يعتق بالصريح وبالظاهر، قالوا: لو قال الأب لا تأكل هذا لأنه مسموم فهم عرفًا المنع من كل مسموم، قلنا لقرينة شفقة الأب بخلاف الأحكام فإنه قد يخص لأمر لا يدرك. قالوا: لو لم يكن للتعميم لعرى عن الفائدة، وأجيب بتعقل المعنى فيه ولا يكون التعميم إلا بدليل. قالوا: لو كان الإسكار علة التحريم لعم فكذلك هذا. قلنا: حكم بالعلة على كل إسكار فالخمر والنبيذ سواء. البصرى: من ترك أكل شئ لأذاه، دل على تركه كل مؤذ بخلاف من تصدق على فقير. قلنا: إن سلم فلقرينة التأذي بخلاف الأحكام). أقول: إذا نص الشارع على علة الحكم فهل يكفى ذلك فى تعدية الحكم بها دون ورود الشرع بالتعبد بالقياس أم لا تعدى حتى يرد به وقد اختلف فيه، والمختار أنه لا يكفى وعليه الجمهور، وقال أحمد، والنظام، والقاشانى وأبو بكر الرازى، والكرخى: إنه يكفى، وقال أبو عبد اللَّه البصرى: يكفى فى التحريم دون غيره كالوجوب والندب لنا لو قال أعتقت غانمًا لحسن خلقه، فلو كان تناوله لكل من هو حسن الخلق باللفظ لا بالقياس لكان بمثابة قوله أعتقت كل حسن الخلق فكان يقتضى عتق غيره من حسنى الخلق، وانتفاء ذلك مقطوع به، وقد يجاب عنه بمنع الملازمة فإن الخصم لا يقول بأن ذلك يثبت بالصيغة بل بأن ذلك من الشارع، تعبد بالقياس فى تلك الصورة وإن لم يعلم تعبده بالقياس كليًا فأين أحدهما من الآخر. قالوا: أولًا: لا فرق فى قضية العقل بين أن يقول الشارع: "حرمت الخمر لإسكاره"، وقوله: "حرمت كل مسكر"، والثانى: يفيد عموم الحرمة لكل مسكر، فكذا الأول وهو المطلوب. الجواب: منع عدم الفرق وإلا لزم عتق من تقدَّم وهو كل حسنى الخلق، إذا قال: أعتقت غانمًا لحسن خلقه كما مر وفيه ما مر أنه يقتضى إيجاب إعتاق غيره
следующие страницы →