← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وهذا لا ينافى وجوب التعبد به عنده عقلًا إذ الشئ يجب أولًا ثم يقع. قوله: (لنا أنه ثبت) تمسك أولًا بدليل قاطع يدل على ثبوته الإجماع القاطع وثانيًا بنفس الإجماع ولما كان إجماعًا سكوتيًا وهو ظنى لا قطعى دفعه بأن مثل هذا السكوتى قطعى لا ظنى لقضاء العادة قطعًا بأن المسكوت على مثل هذا الأصل الكلى الدائمى لا يكون إلا عن وفاق فإن قيل الوجهان إنما يفيدان القطع بوقوع العمل بالقياس والمطلوب القطع بوجوب العمل به لما سبق من أن معنى التعبد بالقياس إيجاب الشارع العمل بموجبه قلنا لما ثبت القطع بأن القياس حجة ثبت المطلوب لأن العمل بما حصل القطع بحجيته واجب قطعًا. قوله: (قال الآمدى) كان الشارح يستضعف هذا الكلام ويرى أنهم قاسوا الزكاة على الصلاة لما ثبت عندهم من أن الاجتماع والاجتراء على تركها موجب حل القتال. قوله: (الدليل فاسد الوضع) لأنه على تقدير صحته يفيد نقيض المطلوب أعنى الظن دون القطع لأن ما ذكر أخبار آحاد وهى ظنية ولو سلم صحة وضعها بأن تكون الأخبار متواترة فلا نسلم الدلالة وتأنيث الضمير فى وضعها بالنظر إلى أن الدليل وهو الإخبار. قوله: (لعلهم أنكروا باطنًا) فإن قيل فتكون العبارة بالقلب دون اللسان فلا يبقى الإجماع القطعى أيضًا قاطعًا قلنا لا خفاء فى أن المعتبر عمل القلب لكن عمل اللسان دليل عليه بلا نزاع فيكون مناطًا للحكم بخلاف المسكوت عن الإنكار فإن كونه دليل الموافقة محل النزاع. قوله: (قد نقل ذم الرأى عن عثمان وعلى رضى اللَّه عنهما) قالا: لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه قال: السنة ما سنه الرسول ﵇، لا تجعلوا الرأى سنة للمسلمين وعن ابن مسعود رضى اللَّه عنه أنه قال: إذا قلتم فى دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حرمه اللَّه وحرمتم كثيرًا مما أحل اللَّه وأيضًا عن أبى بكر رضى اللَّه عنه لما سئل عن الكلالة قال: أى سماء تظلنى وأى أرض تقلنى إذا قلت فى كتاب اللَّه برأيى. وعن عمر أنه قال: إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا.

стр. 1822

الشارح: (ومن ذلك ميراث الجد) أى فقد ورد أن عمر شاور عليًا وزيد بن ثابت فى الجد مع الإخوة فقال على أرأيت يا أمير المؤمنين لو أن شجرة انشعب منها غصن ثم انشعب من الغصن غصن أيهما أقرب إلى أحد الغصنين أصاحبه الذى خرج منه أم الشجرة وقال زيد لو أن جدولًا انبعث من ساقية ثم انبعث من الساقية ساقيتان أيهما أقرب إحدى الساقيتين إلى صاحبتها أم الجدول. قوله: (إذ الشئ يجب أولًا ثم يقع) رد بأن معنى وجوب التعبد عنده أنه يجب على الشارع أو منه نظرًا إلى الحكمة الأزلية الثابتة له وما يجب على الشارع يقطع قطعًا فقطعية الوجوب ملزوم لقطعية الوقوع ومنافى اللازم مناف للملزوم فلزم التنافى فالأوجه أن القطع عنده أى عند أبى الحسين بالعقل فلم يقل بظنية الوقوع بل بظنية الدليل السمعى الدال عليه فقط ويجوز أن يكون مقطوعًا بالدليل العقلى.

стр. 1823

قال: (واستدل بما تواتر معناه من ذكر العلل ليبتنى عليها مثل: "أرأيت لو كان على أبيك دين. . "، "أينقص الرطب إذا جف. . " وليس بالبين واستدل بإلحاق كل زان بماعز، ورد بأن ذلك لقوله حكمى على الواحد أو للإجماع. واستدل بمثل: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، وهو ظاهر فى الاتعاظ وفى الأمور العقلية مع أن صيغة افعل محتملة واستدل بحديث معاذ وغايته الظن). أقول: ما ذكرناه هو الدليل الصحيح على التعبد بالقياس، وللقوم فيه دلائل أخر استدل عليه بما تواتر معناه وإن كان التفاصيل آحادًا من ذكر النبى ﷺ العلل فى الأحكام ليبتنى عليها فى غير تلك الحال وذلك معنى القياس ولولا التعبد به لما فعل ذلك فمنه: "أرأيت لو كان على أبيك دين"، "أينقص الرطب. . "، "فإنهم يحشرون. . "، "إنها من الطوافين. . "، ". . فإنه لا يدرى أين باتت يده"، وفى الصيد وقع فى الماء: "لا تأكل سنه فلعل الماء أعان على قتله" وهذا الاستدلال ليس ببين فى الدلالة على المقصود فإنه يمنع أن المقصود من ذكرها أن يقاس عليها لأنه أمر خفى ولعله ليعلم حكمتها، ولذلك جاز النص بالعلل القاصرة وكأنه بالنسبة إلى من يمنع القياس المنصوص العلة مصادرة على المطلوب وبالقياس إلى غيرهم نصب للدليل فى غير محل النزاع، واستدل بمثل قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار هو قياس الأمر بالأمر، وإثبات مثل حكم محل فى محل آخر، ومنه الاعتبار بمعنى الاتعاظ فإنه فرض لما ينزل بالغير فى حق نفسه، والحق أنه ظاهر فى الاتعاظ لوضعه له، أو لغلبته فيه، فإذا قال: اعتبر بهذا الرجل فهم منه اتعظ به، ومنه العبرة لما يتعظ به المتعظ. قال: ما مر يوم على حى ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا سلمناه لكنه ظاهر فى القياس فى الأمور العقلية كما يقال فى إثبات الصانع تعالى، اعتبر بالدار هل يمكن حدوثها من غير صانع فما ظنك بالعالم، وأما القياس الشرعى فلا يسمى اعتبارًا فإنه إذا قيل اعتبر لم يفهم قياس الذرة على البر لا بخصوصه ولا بعموم هذا مع أن اعتبروا أمر والأمر أعنى صيغة: افعل لا لفظه، أمر محتملة للوجوب، ولغيره من المعانى وللمرة والتكرار ولعموم المفعولات وللإطلاق وللخطاب مع الحاضرين فقط أو معهم ومع غيرهم وكثر الخلاف فى كل واحد منها مع جواز التجوز اتفاقًا وإن خالف الأصل فظن وجوب العمل للكل

стр. 1824

بكل قياس فى كل زمان لو حصل به ففى غاية الضعف فلا يصح إثبات مثل هذا الأصل به، واستدل بحديث معاذ، وهو أنه ﵇ قال له: "فإن لم تجد؟ " أى سنة رسول اللَّه ﷺ ، فقال: أقيس الأمر بالأمر. فقال: "الحمد للَّه الذى وفق رسولَ رسولِه لما يرضاه رسوله". ودلالته واضحة إلا أن المتن ظنى لأنه خبر واحد، والمسألة أصولية فتبنى على الاكتفاء بالظن فيها، فإن قيل وفيه شئ آخر وهو أنه لا يلزم من صحة القياس لمعاذ صحة القياس لغيره إلا أن يقاس عليه فيدور وقلنا يستدل عليه بقوله: "حكمى على الواحد كحكمى على الجماعة". قوله: (وكأنه بالنسبة) يعنى أن المانعين وقوع التعبد بالقياس منهم من عمم الحكم فمنع القياس المنصوص العلة أيضًا ومنهم من اقتصر على منع القياس غير المنصوص العلة وجوز المنصوص العلة فالاستدلال بما تواتر من تنصيصه على علل الأحكام لأجل القياس بالنسبة إلى الأولين مصادرة على المطلوب لأن كون هذا العلل لأجل القياس موقوف على جواز القياس وإلا لجاز أن يكون لمجرد العلم بالحكمة وبالنسبة إلى الآخرين نصيب الدليل فى غير محل النزاع لأنهم إنما ينازعون فى غير منصوص العلة وهذه الأقيسة منصوصة العلة ولا نزاع لهم فى صحتها. قوله: (إلا أن المتن ظنى) قد ذكرنا أن المتن إذا ذكر فى مقابلة الدلالة يراد بكونه ظنيًا أن ثبوته ظنى. قوله: (فتنبنى) أى صحة الاستدلال بهذا الحديث على جواز الاكتفاء بالظنى فى المسألة الأصولية والحق أنه لا يجوز.

стр. 1825

قال: (مسألة: النص على العلة لا يكفى فى التعدى دون التعبد بالقياس، وقال أحمد والقاشانى وأبو بكر الرازى والكرخى يكفى، وقال البصرى: يكفى فى علة التحريم لا غيرها، لنا القطع بأن من قال: أعتقت غانمًا لحسن خلقه لا يقتضى عتق غيره من حسنى الخلق، قالوا: "حرمت الخمر" لإسكاره، مثل: "حرمت كل مسكر"، ورد بأنه لو كان مثله عتق من تقدَّم. قالوا: لم يعتق لأنه غير صريح والحق لآدمى، قلنا يعتق بالصريح وبالظاهر، قالوا: لو قال الأب لا تأكل هذا لأنه مسموم فهم عرفًا المنع من كل مسموم، قلنا لقرينة شفقة الأب بخلاف الأحكام فإنه قد يخص لأمر لا يدرك. قالوا: لو لم يكن للتعميم لعرى عن الفائدة، وأجيب بتعقل المعنى فيه ولا يكون التعميم إلا بدليل. قالوا: لو كان الإسكار علة التحريم لعم فكذلك هذا. قلنا: حكم بالعلة على كل إسكار فالخمر والنبيذ سواء. البصرى: من ترك أكل شئ لأذاه، دل على تركه كل مؤذ بخلاف من تصدق على فقير. قلنا: إن سلم فلقرينة التأذي بخلاف الأحكام). أقول: إذا نص الشارع على علة الحكم فهل يكفى ذلك فى تعدية الحكم بها دون ورود الشرع بالتعبد بالقياس أم لا تعدى حتى يرد به وقد اختلف فيه، والمختار أنه لا يكفى وعليه الجمهور، وقال أحمد، والنظام، والقاشانى وأبو بكر الرازى، والكرخى: إنه يكفى، وقال أبو عبد اللَّه البصرى: يكفى فى التحريم دون غيره كالوجوب والندب لنا لو قال أعتقت غانمًا لحسن خلقه، فلو كان تناوله لكل من هو حسن الخلق باللفظ لا بالقياس لكان بمثابة قوله أعتقت كل حسن الخلق فكان يقتضى عتق غيره من حسنى الخلق، وانتفاء ذلك مقطوع به، وقد يجاب عنه بمنع الملازمة فإن الخصم لا يقول بأن ذلك يثبت بالصيغة بل بأن ذلك من الشارع، تعبد بالقياس فى تلك الصورة وإن لم يعلم تعبده بالقياس كليًا فأين أحدهما من الآخر. قالوا: أولًا: لا فرق فى قضية العقل بين أن يقول الشارع: "حرمت الخمر لإسكاره"، وقوله: "حرمت كل مسكر"، والثانى: يفيد عموم الحرمة لكل مسكر، فكذا الأول وهو المطلوب. الجواب: منع عدم الفرق وإلا لزم عتق من تقدَّم وهو كل حسنى الخلق، إذا قال: أعتقت غانمًا لحسن خلقه كما مر وفيه ما مر أنه يقتضى إيجاب إعتاق غيره

стр. 1826

على نفسه ولو صرح به فقال: وذلك يقتضى إن أعتق كل حسن الخلق لما أعتقوا وقد قالوا عليه لا نسلم لزوم العتق لأن الحق حق آدمى ولا يثبت إلا بصريح، وهذا غير صريح بخلاف حق اللَّه، فإنه يثبت بالتصريح والإيماء لاطلاعه على السرائر، قلنا ذلك فى غير العتق والعتق يحصل بالصريح، والظاهر إما لتشوق الشارع إليه وإما لأن فيه حقًا للَّه لأنه عبادة. قالوا: ثانيًا: ذكر العلة يفيد التعميم عرفًا، وذلك أنه لو قال الأب لابنه لا تأكل هذا الطعام لأنه مسموم يفهم منه المنع من أكل كل مسموم. الجواب: إن فهم التعميم لقرينة شفقة الأب وما علم منها أنها تقتضى عادة النهى عن كل مضر بخلاف أحكام اللَّه تعالى، فإنها قد تختص ببعض الحال دون بعض لأمر لا يدرك، وقد يقال نفرض الكلام فى طبيب يقول لا تأكل هذا لبرودته أو لحموضته، أو لأنه كثير الغذاء ثم الاحتمال لا يدفع العموم كما لو عم النص والتخصيص محتمل. قالوا: ثالثًا: لو لم يكن ذكر العلة لتعميم الحكم فى محال ثبوتها لعرى عن الفائدة إذ لا فائدة فى ذكر العلة وتعريفها إلا اتباعها بإثبات الحكم أينما تثبت واللازم منتف لأن فعل الآحاد لا يخلو عن فائدة فكيف الشارع. الجواب: منع الملازمة وإنما يلزم لو انحصرت الفائدة فى التعميم ولم لا يجوز أن يكون فائدته أن يتعقل المعنى المقصود من شرع الحكم فى ذلك المحل ولا يكون التعميم إلا بدليل يدل عليه. قالوا: رابعًا: اتفقنا على أنه لو قال علة الحرمة الإسكار لكان عامًا فى كل مسكر، وقوله: "حرمت الخمر لإسكاره"، بمعناه لأن اللام للتعليل ولا فرق بين أن يذكر التعليل باسمه أو بحرف يدل عليه فيجب أن يكون عامًا. الجواب: لا نسلم أن العبارتين معناهما واحد، فإن قولك: الإسكار علة الحرمة قد ذكرت فيه الإسكار معرفًا باللام، وهو للعموم، كما مر فمعناه كل إسكار علة، فيكون الخمر والنبيذ فيه سواء وقولك حرمت الخمر لإسكاره، قد عللت فيه حرمة الخمر بالإسكار المنسوب إليه فإن حرمة الخمر لا تعلل بكل إسكار، قال البصرى: الدليل على تعميم علة النهى دون غيره أن من ترك أكل شئ لأذاه دل على تركه

стр. 1827

كل مؤذ بخلاف من تصدق على فقير لفقره أو للمثوبة فإنه لا يدل على تصدقه على كل فقير أو تحصيل كل مثوبة. الجواب: مثل ما سبق فى نهى الأب عن المسموم، وهو أن ذلك لقرينة التأذى به وكون ترك المؤذى مطلقًا مركوزًا فى الطباع وخصوصية ذلك المؤذى ملغاة عقلًا بخلاف الأحكام فإنها قد تختص بمحالها لأمور لا تدرك. قوله: (فهل يكفى ذلك) حاصله أنه هل يكون ذلك إذنًا من الشارع فى هذا القياس المخصوص وإعلانًا بحجيته وإيجابًا للعمل بموجبه وإن فرضنا عدم شرعية القياس فى نفسه. قوله: (وقد يجاب) يعنى أن الخصم لا يقول بثبوت الحكم بنفس اللفظ حتى يلزم بها ذكرتم بل يقول بأن اللفظ دال على جواز القياس فى هذه الصورة وعلى كونه حجة شرعية يجب العمل بموجبها فحقيقة الجواب أن ما ذكرتم نصب الدليل فى غير محل النزاع لا منع الملازمة يظهر بالتأمل. قوله: (وفيه ما مر) أى يرد على هذا الجواب ما ذكرنا على أصل احتجاجنا وهو أن هذا القول يقتضى ويدل ضمنًا على أن القائل قد أثبت على نفسه إعتاق غير غانم ومعلوم أنه لو صرح بهذا الاقتضاء وقال كل هذا يقتضى أن عتق إلا كل عبدى حسن الخلق لم يعتق عبده ممن عدا غانمًا فكيف على تقدير عدم التصريح والحاصل أن مجرد إيجاب الإعتاق لا يفيد العتق وأنت خبير بأن هذا الاعتراف الذى أشير إليه فى المتن بقوله قالوا لم يعتق لأنه غير صريح كلاهما كلام على السند ومناقشة فى المثال. قوله: (وقد يقال) يعنى يفرض الكلام فيما يخلو عن مثل هذه القرينة ومع ذلك يفهم العموم وما ذكر من احتمال اختصاص الأحكام ببعض المحال لا يدفع ظهور العموم كاحتمال التخصيص فى كل عام. قوله: (فإن حرمة الخمر لا تعلل لكل إسكار) فإن قيل فلا يصح حمل الإسكار على العموم فى قولنا الإسكار علة الحرمة لأن المراد حرمة الخمر قلنا مبنى الكلام على أن المراد علة الحرمة مطلقًا وأما إذا أريد علة حرمة الخمر فلا نسلم الاتفاق على عمومه بل هو بمنزلة حرمت الخمر لإسكارها من غير فرق.

стр. 1828

الشارح: (وقد يجاب عنه بمنع الملازمة) هذا المنع مبنى على تحقيق مذهبهم من أن التنصيص مع العلة أمر بالقياس وتعبد به وعليه تكون صورة الدليل هكذا لو كان التنصيص على العلة تعبدًا بالقياس لكان قول القائل أعتقت غانمًا لحسن خلقه بمنزلة أعتقت كل عبد لى حسن الخلق فحينئذٍ تمنع الملازمة لأنها إنما تصح لو كان مذهبهم أن النص على العلة يكفى فى تعدى الحكم من غير قياس وليس ذلك مذهبهم وحقيقة الجواب أن ما ذكرتم نصب للدليل فى غير موضع النزاع. الشارح: (وفيه ما مر أنه يقتضى. . . إلخ) أى أن هذا الدليل وهو أنه لا فرق بين حرمت الخمر لإسكارها وبين كل مسكر حرام فيه ما مر أنه نصب للدليل فى غير محل النزاع لأن النزاع فى أن التنصيص على العلة تعبد بالقياس يعنى أنه موجب لإلحاق الفرع بالأصل لا أنه تصريح بثبوت الحكم فى الفرع فعلى أن التنصيص على العلة موجب للتعبد بالقياس يكون قول القائل أعتقت غانمًا لحسن خلقه مقتضيًا لإيجابه العتق عليه لمن يكون من عبيده حسن الخلق بطريق الإلحاق والقياس لا تصريح بثبوت العتق كيف ولو صرح بهذا الاقتضاء وقال هذا يقتضى أن أعتق كل عبد لى حسن الخلق لم يعتق من عبيده من كان كذلك بمجرده والحاصل أن الدليل بعدم الفرق بين حرمت الخمر لإسكارها وحرمت كل مسكر مردود بوجهين: الأول: منع عدم الفرق، الثانى: أنه نصب للدليل فى غير محل النزاع هذا ومقتضى كلام المحشى أن قول الشارح وفيه ما مر معناه وفى قوله لزم عتق من تقدم ما مر أنه يقتضى إيجاب العتق. . . إلخ. والمراد بما مر فى احتجاجه هو قوله لنا القطع بأن من قال أعتقت غانمًا لحسن خلقه لا يقتضى عتق غيره فهو كلام على سند المنع كما أن قول المصنف قالوا لم يعتق لأنه غير صريح جواب عن الاعتراض على السند الذى هو قوله وإلا لزم عتق من تقدم بأنه لا عتق فيه فكيف هذا اللزوم.

стр. 1829

قال: (القياس يجرى فى الحدود والكفارات خلافًا للحنفية لنا أن الدليل غير مختص وقد حد فى الخمر بالقياس، وأيضًا الحكم للظن وهو حاصل كغيره، قالوا: فيه تقدير لا يعقل، كأعداد الركعات، قلنا: إذا فهمت العلة وجب كالقتل بالمثقل وقطع النباش، قالوا: قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، ورد بخبر الواحد والشهادة). أقول: القياس هل يجرى فى الحدود والكفارات، قد اختلف فيه فمنعه الحنفية والمختار خلافه، لنا أن الدليل الدال على حجية القياس ليس مختصًا بغير الحدود، والكفارات بل هو متناول لهما جميعًا لعمومه فوجب العمل به فيهما ومن صور اتفاق الصحابة رضوان اللَّه عليهم على العمل بالقياس أنهم حدوا فى الخمر بالقياس، حين تشاوروا فيه، فقال على رضى اللَّه عنه: إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد الافتراء، فأقام مظنة الشئ مقامه، كتحريم مقدمات الزنا، حيث كانت مظانة له فقام دليلًا فى المتنازع فيه بخصوصه كما دل عليه بعمومه، ولنا أيضًا أن الحكم إنما يثبت فى غيره أى فى سائر الأقيسة أو فى سائر الاجتهادات لإفضائه إلى الظن وهو حاصل ههنا فوجب العمل به، لا يقال هذا قياس فى الحدود والكفارات فيلزم الدور، لأنا نقول المتنازع فيه إثبات الحدود والكفارات قياسًا لبعضها على بعض، وهذا إثبات وجوب العمل بالقياس فيها كالقياس فى غيرها، وإن سلمنا فنحن لا نثبته بالقياس بل باستقراء أو إجماع، مفيد للقطع، بأن الظن يجب العمل به وقد حصل ههنا. قالوا: أولًا: فى شرع الحدود والكفارات تقدير لا يعقل معناه كأعداد الركعات وأعداد الجلد، وتعيين ستين مسكينًا مما لا سبيل إلى إدراك معناه. الجواب: هذا إنما ينفعكم لو عم جميع أحكام الحدود والكفارات وليس كذلك فإن منها ما يعقل معناه، ثم نحن لا نوجب القياس فى كل حكم حد أو كفارة بل لا نوجب القياس فيها وفى غيرها إلا فيما علم معناه، ونقول إنه إذا علم المعنى فيه وجب القياس كما قيس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد، وقطع النباش على قطع السارق، فإن العلة والحكمة فيهما معلولتان، وأما ما لا يعلم فيه المعنى فلا خلاف فيه كما فى غير الحدود والكفارات ولا مدخل لخصوصيتهما فى امتناع القياس.

стр. 1830

قالوا: ثانيًا: قال ﷺ : "ادرءوا الحدود بالشبهات" واحتمال الخطأ فى القياس شبهة فيجب أن يدرأ به الحد وهو بأن لا يثبت به. الجواب: النقض بخبر الواحد والشهادة، فإن احتمال الخلاف فيهما قائم لأنهما لا يفيدان القطع فكان يجب أن يدرأ بهما ولم يدرأ. قوله: (فأقام مظنة الشئ مقامه) ظاهر هذا الكلام أنه قاس السكر على القذف فى ترتيب وجوب ثمانين جلدًا عليه بجامع كونه مظنة للافتراء وقاس نسبة السكر إلى القذف على نسبة اللمس والتقبيل إلى الزنا فى ترتيب حكم المنسوب إليه على المنسوب بجامع كون النسوب مظنة المنسوب إليه وكلام الشارحين أنه قاس شارب الخمر على القاذف بجامع الافتراء ولا خفاء فى أن الافتراء ليس بمتحقق فى الشارب وإنما هو مظنة له. قوله: (فقام دليلًا) يعنى أن اتفاقهم على هذا الخمر بالقياس قام دليلًا فى المتنازع وهو جريان القياس فى الحدود بخصوصه كما أن قولنا الدليل غير مختص قام دليلًا عليه بعمومه أى من حيث إنه من أحكام الشرع، فقوله كما دل ينبغى أن يكون على لفظ المبنى للمفعول وإن على لفظ المبنى للفاعل فمعناه كما دل اتفاقهم على المتنازع فيه بعمومه حيث دل على حجية القياس من غير تفرقة ويحتمل أن يريد أن ما ذكرنا من مجموع الدليل قام فى المتنازع بخصوصه حيث تعرضنا للصورة الجزئية كما قام فيه بعمومه حيث ذكرنا أن الدليل غير مختص والغرض من هذا الكلام بيان الفائدة فى ذكر قوله وقد حد فى الخمر بالقياس والإشارة إلى أنه لو اكتفى بالعموم لربما توهم تخصيصه بغير المتنازع. قوله: (فيلزم الدور) لتوقفه على صحة القياس فى الحدود والكفارات وحاصل الجواب أن المتنازع صحة قياس بعض منها على البعض وهذا قياس للقياس فيها على القياس فى غيرها. قوله: (والجواب النقض) أى لو صح ما ذكرتم أن كل ما يحتمل الخلاف شبهة وأن الشبهات فى الحديث على عمومها توجب درء الحدود أى عدم إثباتها بأخبار الآحاد وشهادة الشهود ولا فرق بين الحدود وبين الكفارات بل المراد بالحدود ما يتناولهما جميعًا.

стр. 1831

قوله: (بجامع كونه مظنة للافتراء) غير ظاهر فإن القذف ليس مظنة للافتراء بل هو الافتراء المقصود ههنا. قوله: (أى من حيث إنه من أحكام الشرع) أى مما تعبدنا بسببه الشارع والأوضح أن يقول من حيث العمل بالقياس. قوله: (من مجموع الدليل) أى الذى هو مجموع قوله لنا أن الدليل غير مختص وقد حد فى الخمر وقوله والعجب أنه قد صرح بأن الاختلاف فى جواز إجزاء القياس فى جميع الأحكام أى وحينئذ فلا يصح دليله المذكور لأنه مبنى على وجوب الإجزاء وقوله أيضًا أى كما هو نام على تقدير الوجوب وإن كان على كل هو فى غاية السقوط لأنه خروج عن محل النزاع.

стр. 1832

قال: (مسألة: لا يصح القياس فى الأسباب لنا أنه مرسل لأن الفرض تغاير الوصفين فلا أصل لوصف الفرع وأيضًا علة الأصل منتفية عن الفرع فلا جمع، وأيضًا إن كان الجامع بين وصفين حكمة على القول بصحتها أو ضابطًا لها اتحد السبب والحكم وإن لم يكن جامع ففاسد. قالوا: ثبت المثقل على المحدد واللواط على الزنا، قلنا: ليس محل النزاع لأنه سبب واحد ثبت لهما بعلة واحدة وهو القتل العمد العدوان وإيلاج فرج فى فرج). أقول: هل يجرى القياس فى الأسباب بأن يجعل الشارع وصفًا سببًا لحكم فيقاس عليه وصف آخر فيحكم بكونه سببًا قد اختلف فيه فأكثر أصحاب الشافعى على جوازه ومنعه القاضى أبو زيد الدبوسى وأصحاب أبى حنيفة. وهو المختار لنا أنه مناسب مرسل فلا يعتبر. أما الأول: فلأن حاصله أنه يجعل سببًا للحكم لتحصيل الحكمة المقصودة فى الفرع كما ثبت فى الأصل ولا يشهد له أصل بالاعتبار أى لم يثبت محل فيه يتحقق سببية هذا الوصف معللًا باشتماله على الحكمة لأنا إنما نثبته باعتبار الشارع وصفًا آخر مغايرًا له لتحصيل الحكمة إذ المفروض تغاير الوصفين ولا معنى للمناسب المرسل إلا ذلك. وأما الثانى: فلما علمت من أنه لا يعتبر اتفاقًا أو مع خلاف فيه لما مر من الدليل ولنا أيضًا أن علة سببية المقيس عليه وهى قدر من الحكمة يتضمنها الوصف الأول منتفية فى المقيس وهو الوصف الآخر أى لم يعلم ثبوتها فيه لعدم انضباط الحكمة وتغاير الوصفين فيجوز اختلاف قدر الحكمة الحاصلة بهما، وإذا كان كذلك امتنع الجمع بينهما فى الحكم وهو السببية لأن معنى القياس الاشتراك فى العلة وبه يمكن التشريك فى الحكم ولنا أيضًا أن الحكمة المشتركة إما أن تكون ظاهرة منضبطة، وقلنا بأنه يمكن جعلها مناطًا للحكم إذ فيه خلاف أو لا تكون فإن كان فقد استغنى عن الالتفات إلى الوصفين وصار القياس فى الحكم المرتب على الحكمة وهى الجامع بينهما فاتحد الحكم والسبب، وهو خلاف المفروض، وإن لم يكن بأن لا تكون ظاهرة منضبطة أو يقال لا يمكن جعلها مناطًا للحكم فإما أن تكون لها مظنة أى وصف ظاهر منضبط تضبط هى بها أو لا فإن كان صار القياس فى الحكم المرتب على ذلك الوصف واتحد الحكم والسبب أيضًا وإن لم

стр. 1833

يكن فلا جامع بينهما من حكمة أو مظنة فيكون قياسًا خاليًا عن الجامع وأنه لا يجوز، قالوا: ثبت القياس فى الأسباب فكيف تنكرونه وذلك أنهم قاسوا المثقل على المحدد فى كونه سببًا للقصاص، واللواط على الزنا فى كونه سببًا للجلد، وللحنفية فى المثالين مناقشة وإنما يرد على المصنِّف. الجواب: أنه ليس من محل النزاع لأن النزاع فيما تغاير السبب فى الأصل والفرع أى الوصف المتضمن للحكمة وكذا العلة وهى الحكمة وههنا السبب سبب واحد ثبت لهما أى لمحلى الحكم وهما الأصل والفرع بعلة واحد ففى مثال المحدد والمثقل السبب القتل العمد العدوان والعلة الزجر لحفظ النفس والحكم القصاص، وفى مثال الزنا واللواط السبب إيلاج فرج فى فرج محرم شرعًا، مشتهًى طبعًا، والعلة الزجر لحفظ النسب والحكم وجوب الحد. قوله: (حاصله) أى حاصل القياس فى الأسباب أنه فعل وصف ما كما فى اللواطة مثلًا سببًا للحكم الذى هو وجوب الجلد لتحصل الحكمة التى هى الزجر عن تضييع الماء فى اللواطة كما يحصل فى الزنا. قوله: (وأما الثانى) وهو أن المناسب المرسل لا يعتبر فلأنه إما غريب أو معلوم الإلغاء ولا نزاع فى عدم اعتبارهما وإما ملائم وقد سبق أن المختار رده حيث قال المرسل إن كان غريبًا أو علم إلغاؤه فمردود اتفاقًا وإن كان ملائمًا فقد صرح الإمام الغزالى بقوله والمختار أنه مردود ولم يذكر وكأنه الذى سيذكر فى المصالح المرسلة فقوله لما مر من الدليل محل نظر. قوله: (أى لم يعلم) يعنى أن المراد بعدم ثبوت العلة فى المقيس عليه عدم العلم بثبوتها فيه لا العلم بعدم ثبوتها إذ لا طريق إلى إثبات ذلك ولا حاجة بنا إليه فى امتناع القياس لأنه لا بد من العلم بثبوت العلة فى الفرع ونعنى بالعلم ههنا ما يعم بالظن أيضًا وإذا كانت العلة منتفية امتنع الجمع بين الوصفين فى السببية. قوله: (فإن كان) أى فإن ثبت ما ذكر من كون الحكمة المشتركة ظاهرة منضبطة والقول بإمكان جعلها مناطًا فقد استغنى عن النظر فى الوصفين وإثبات سببية أحدهما قياسًا على الآخر للقطع بأن المقصود من إثبات الأسباب إثبات ما يترتب عليها من الأحكام مثلًا إذا ثبت أن إيلاج فرج فى فرج مشتهًى طبعًا محرمًا شرعًا

стр. 1834

يصلح للملك أو يوجد له مظنة صالحة لذلك صار القياس فى وجود الجلد فى إيلاج اللواطة كما فى إيلاج الزنا بجامع ذلك الوصف أو المظنة، وكان هناك حكم واحد وهو وجوب الجلد وسبب واحد وهو ذلك الوصف أو المظنة لا تعدد فى الحكم ولا فى السبب وقد كان المفروض أن هناك حكمين الجلد والسببية وسببين الزنا واللواطة هذا خلف فظهر أن ما فى الشروح من أنه اتحد الحكم والسبب فى كونهما معلولى الحكمة أو المظنة ليس له كثير معنًى. قوله: (وإنما يرد على المصنف) يعنى أن أبا حنيفة لا يقول بالقصاص فى القتل بالمثقل ولا بالحد فى اللواطة فلا يرد اعتراضًا على الحنفية وإنما يرد على المصنِّف حيث يقول بذلك على ما هو مذهب الشافعى ومالك رحمهما اللَّه فيحتاج إلى الجواب بأنه ليس محل النزاع والحق أن دفع النزاع بمثل ذلك ممكن فى كل صورة فإن القائلين بصحة القياس فى الأسباب لا يعتدون إلا بثبوت الحكم بالوصفين لما بينهما من الجامع ويعود إلى ما ذكرتم من اتحاد الحكم والسبب.

стр. 1835

قال: (مسألة: لا يجرى القياس فى جميع الأحكام، لنا ثبت ما لا يعقل معناه كالدية والقياس فرع المعنى، وأيضًا قد تبين امتناعه فى الأسباب والشروط، قالوا: متماثلة فيجب تساويها فى الجائز، قلنا قد يمتنع أو يجوز فى بعض النوع لأمر بخلاف المشترك بينهما). أقول: قد اختلف فى جريان القياس فى جميع الأحكام الشرعية، فإثباته شذوذ والمختار نفيه، لنا أنه ثبت فى الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية على العاقلة وإجراء القياس فى مثله متعذر لما علم أن القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم فى الأصل، قال فى المحصول: النزاع فى أنه هل فى الشرع جمل من الأحكام لا يجرى فيها القياس أو ينظر فى كل مسألة مسألة، هل يجرى فيها القياس، أم لا؟ ولو كان المراد ذلك لم ينفه هذا الدليل والظاهر أنه المراد فإن ما نفاه مما ينبغى أن لا يختلف فيه اثنان، ولنا أيضًا أنه قد تبين امتناع القياس فى الأسباب والشروط، وقد علمت أن كون الشئ سببًا وشرطًا من الأحكام الشرعية، فهذه جملة من أحكام الشرع لا يجرى فيها القياس. قالوا: الأحكام الشرعية متماثلة إذ يشملها حد واحد وهو حد الحكم الشرعى والمتماثلات يجب اشتراكها فيما يجوز عليها لأن حكم الشئ حكم مثله وقد جاز جريان القياس على بعضها فليجر على الكل. الجواب: أن هذا القدر لا يوجب التماثل وهو الاشتراك فى الجنس فإن الأجناس المتخالفة قد تندرج تحت نوع واحد فيعمها حد واحد وهو حد ذلك النوع ولا يلزم من ذلك تماثلها بل تشترك فى النوع ويمتاز كل جنس بأمر يميزه وحينئذ فما كان يلحاقها باعتبار القدر المشترك بين الجواز والامتناع يكون عامًا وأما ما يلحقه باعتبار ذلك الأمر المخصص فلا واعلم أن اصطلاح الأصوليين فى الجنس والنوع يخالف اصطلاح المنطقيين فالمندرج جنس والآخر نوع وعند المنطقى بالعكس وهذا التقرير على الاصطلاح الأصولى وهو طبق فى المعنى لما قاله فى المنتهى يجوز لبعض الأنواع، ما يمتنع لبعضها وإن جرى على الاصطلاح المنطقى فيه ولو جريت ههنا على الاصطلاح المنطقى كان معناه أنه قد تختلف الأمثال بخصوصيات صنفية أو شخصية يجوز على بعضها ما يمتنع على الأخرى، وذلك أيضًا صحيح، واللَّه أعلم.

стр. 1836

قوله: (قد اختلف) ظاهر العبارة أن الخلاف فى جريان القياس فى كل واحد واحد من الأحكام فأشبه الشذوذ ونفاه الجمهور ولما كان هذا مستبعدًا جدًا إذ من الأحكام ما لا يعقل معناه أصلًا فكيف يصح الخلاف فى عدم جريان القياس فيه فنقل الخلاف على الوجه الذى فى المحصول وحاصله أنه ذهب الجمهور إلى أن فى الشرع جملًا من الأحكام يمتنع فيها القياس بالدلائل العامة كما فى الأسباب والشروط مثلًا من غير احتياج إلى تفصيل آحادها وبيان امتناع القياس فيها وما سواها يحتاج إلى النظر فى تفاصيله وذهب الشذوذ إلى أن ليس فى الشرع جمل كذلك بل كل مسألة مسألة فهى بحيث تحتاج إلى النظر فى أنها هل يجرى فيها القياس أم لا ثمة قال والظاهر أن ما ذكر فى المحصول هو مراد القوم فى هذا المقام لكن لو حمل كلام المصنِّف عليه لم يكن الدليل الأول من الدليلين المذكورين نفيًا لما ذهب إليه المخالف من أن كل مسألة تحتاج إلى النظر فى أنها هل يجرى فيها القياس أم لا ولا يجوز القطع بنفى القياس من غير نظر فيها بخصوصها وذلك لأنه إنما يدل على أن بعض المسائل مما اقتضى النظر فيها بخصوصها امتناع القياس فيها ولم يدل على ثبوت جيل كذلك لا تفتقر إلى النظر فى تفاصيلها بخلاف الدليل الثانى فإنه يدل على أن فى الشرع جملًا من الأحكام لا يجرى القياس فيها وامتناع القياس فى الشروط وإن لم يصرح به فيما سبق لكنه يعلم دليل الأسباب ومما هو فى غاية السقوط ما ذكره الآمدى أنه لو كان كل حكم يثبت بقياس على أصل فإن انتهى إلى أصل لا يتوقف على قياس فهو خلاف المفروض وإن لم ينته لزم التسلسل فإن هذا مشعر بأن مذهب المخالف توقف كل حكم على القياس والعجب أنه قد صرح بأن الاختلاف فى جواز إجراء القياس فى جميع الأحكام فإن قيل الدليل تام على تقدير الجواز أيضًا على ما قال فى المنتهى لو جرى فى كل حكم يجرى فى الأصل ويتسلسل وتحقيقه أن جوازه يستلزم جواز التسلسل وجواز المحال محال قلنا اللزوم ممنوع لجواز أن يقاس كل أصل على أصل آخر ولكون الأصول متناهية ولا يلزم الدور لعدم التوقف فإن من الأصول التى يجرى فيها القياس ما قد ثبت بأدلة أخرى. قوله: (فالمندرج) كالإنسان جنس والآخر أى المندرج فيه كالحيوان نوع على

стр. 1837

عكس ما فى المنطق ومن ههنا يقال للاتفاق فى الحقيقة تجانس وللاختلاف فيها تنوع فقوله فى بعض النوع معناه فى بعض ما يندرج تحت النوع من الاجناس وقوله لأمر أى يمتنع أو يجوز بسبب أمر يختص به ذلك الجنس بخلاف ما يكون بسبب الأمر المشترك بين الأجناس فإنه يعم الكل وهذا التقرير موافق فى المعنى لما قال فى المنتهى قد يجوز لبعض الأنواع ما يمتنع على بعضها بخصائصها بخلاف ما كان للمشترك بينها إلا أنه أراد فى المنتهى بالنوع المخصوص المتميز كما فى المنطق، وههنا العام المشترك يحتمل أن يريد بالنوع ههنا الأنواع أو يكون على حذف المضاف أى بعض أفراد النوع وأصنافه وهو ظاهر. قوله: (وتكون الأصول منتهية) أى فلا يلزم التعليل التسلسل وقوله ولا يلزم الدور لعدم التوقف دفع لما يقال إذا كانت الأصول متناهية يلزم الدور وحاصل الدفع أن كل حكم وإن جاز قياسه على أصل آخر لكن لما لم يجب لم يتوقف فلا دور.

стр. 1838

(الاعتراضات) قال: (الاعتراضات راجعة إلى منع أو معارضة وإلا لم تسمع وهى خمسة وعشرون). أقول: شرع الآن فى الاعتراضات الواردة على القياس ويأتى فى طيِّها على ما يرد على غيره لأنه قليل بالنسبة إليها والاعتراضات كلها راجعة إلى منع أو معارضة وإلا لم تسمع، وذلك لأن غرض المستدل الإلزام بإثبات مدعاه بدليله وغرض المعترض عدم الالتزام بمنعه على إثباته به، والإثبات به يكون بصحة مقدماته ليصلح للشهادة وبسلامته عن العارض لتنفذ شهادته فيرتب عليه الحكم فالدفع يكون بهدم أحدهما فهدم شهادة الدليل بالقدح فى صحته بمنع مقدمة من مقدماته وطلب الدليل عليها وهدم نفاذ شهادته بالعارضة بما يقاومها ويمنع ثبوت حكمها فما لا يكون من القبيلين فلا تعلق له بمقصود الاعتراض فلا يسمع ولا يلتفت إليه ولا يشتغل بالجواب عنه لأن جواب الفاسد بالفاسد ولا نعنى به أن الفاسد ينبغى أن يجاب بالفاسد بل إن ما يجاب به الفاسد فهو فاسد لأنه وإن كان صحيحًا فى نفسه فإنه من حيث هو جواب لمن ينبغى أن لا يجاب ومن حيث إنه ليس متوجهًا نحو إثبات مطلوبه واشتغال بما لا حاجة به إليه يكون فاسدًا، واعلم أن المقدمة قد تمنع تفصيلًا وذلك واضح وقد تمنع إجمالًا وطريقه أن يقال لو صحت مقدمات دليلك وهى جارية فى الصورة الفلانية لوجب أن يثبت الحكم فيها وأنه غير ثابت وهذا هو النقض، وأيضًا فإن المقدمة إذا منعت وانتهض المستدل لإقامة الدليل فللمعترض منع مقدمات دليله ومعارضة دليله عليها فمراد المصنِّف بالمنع والمعارضة ما يعم ذلك كله وقد علمت أن الحصر العقلى فى مثل عدد الاعتراضات مشكل سيما وهو أمر للاصطلاح والمواضعة فيه مدخل لكن لا بأس بالضبط للتقريب فتعين أولًا: أنواعها، ويعين فى مفتتح كل عدة أجناسه فتبين لك أنها خمسة وعشرون وأنواعها سبعة، وذلك أن المستدل يلزمه فى القياس وفى غيره تفهيم ما يقوله سيما فى تعيين مدعاه وإذا اندفع إلى القياس فلا بد أن يكون متمكنًا من القياس لعدم ما يمنعه ذلك ثم يثبت مقدماته وهى حكم الأصل وعلته وثبوت

стр. 1839

العلة فى الفرع ولا بل أن يكون ذلك على وجه يستلزم ثبوت حكم الفرع وأن يكون ذلك الحكم هو مطلوبه الذى ادعاه أولًا، وساق الدليل إليه فهذه سبعة مقامات يتوجه على كل مقام نوع من الاعتراض: النوع الأول: وهو ما يتعلق بالإفهام لمدعاه أو غيره وقد قدمه لأن فهم الكلام أول كل شئ وهو واحد ليس إلا إذ لا يتصور ثم إلا طلب الإفهام ويسمى الاستفسار، وأنت تعلم أنه يرد على تقرير المدعى وعلى جميع المقدمات وعلى جميع الأدلة فلا سؤال أعم منه. قوله: (ويأتى) يعنى المصنِّف فى أثناء اعتراضات القياس على الاعتراضات التى ترد على غير القياس وإنما أدرج هذه فى تلك لكونها قليلة بالنسبة إليها واعلم أن الشارح المحقق قد بلغ فى تحقيق مباحث القياس سيما الاعتراضات كل مبلغ نسخًا منه لشريعة الشارحين فى تطويل الواضحات والإغضاء عن المعضلات والاقتصار على إعادة المتن حيث لا سبيل إلى نقل ما فى المطولات فلم يبق لنا سوى اقتفاء آثاره والكشف عن خبيات أسراره بل الاجتناء من ثماره والاستضاءة بأنواره. قوله: (مدعاه) الضمير فيه وفى دليله ومنعه ومطلوبه ولا حاجة به للمستدل وفى إثباته لمدعاه وفى به ومقدماته وسلاسته وشهادته وعلته لدليله وفى أحدهما لشهادة الدليل ونفاذها. قوله: (وهذا) أى المنع إجمالًا هو النقض وقد يفيد بالإجمالى، ومنه النقض المذكور فى علة القياس. قوله: (ما يعم ذلك كله) أى المنع تفصيلًا وإجمالًا على مقدمات دليل المدعى أو دليل المقدمة والمعارضة لدليل المدعى أو لدليل المقدمة. قوله: (وقد علمت) فى صدر الكتاب أن من رام فى مثل هذه المواضع حصرًا عقليًا ركب شططًا. قوله: (ويعين فى مفتتح كل عدة) أى مما يندرج تحت نوع. قوله: (أجناسه) أى أجناس ذلك النوع وقد جرى على الاصطلاح الأصولى من تسمية المندرج جنسًا والمندرج هو فيه نوعًا وبعد تعيين الأنواع وتعيين أجناس كل نوع يظهر لك أن الأجناس أو الاعتراضات كلها خمسة وعشرون بتوجه منها على

стр. 1840

مقام التفهيم للنوع الأول وهو جنس واحد وعلى مقام التمكن النوع الثانى وهو جنسان وعلى مقام إثبات حكم الأصل النوع الثالث وهو جنسان وعلى مقام إثبات علته النوع الرابع وأجناسه اثنا عشر وعلى مقام ثبوتها فى الفرع النوع الخامس وأجناسه خمسة وعلى مقام استلزامه ثبوت حكم الفرع النوع السادس وهو جنسان وعلى مقام كون ما ثبت هو المدعى أولًا، النوع السابع: وهو جنس واحد بمعنى أن النوع منحصر بحسب الوجود فى جنس واحد. المصنف: (الاعتراضات كلها راجعة إلى منع أو معارضة) أدخل فى المنع النقض الإجمالى لأنه منع لمقدمات الدليل بتخلفها عن الحكم وغير المصنف جعلها راجعة إلى المنع والنقض والمعارضة ولم يرتض إدخال النقض فى المنع. قوله: (وإنما أدرج هذه فى تلك لأنها قليلة) أى أنه أدرجها فى اعتراضات القياس مشيرًا إليها أى حيث قال فى الاعتراض السابع فيرد على كل منها ما هو شرط فعلى ظاهر الكتاب الإجمال والتأويل والمعارضة والقول بالموجب وعلى السنة ذلك والطعن بأنه مرسل أو موقوف أو فى راويه ضعف. . . إلخ. فجعل الكل اعتراضات على القياس. قوله: (النوع الأول وهو جنس واحد) أى فانحصر النوع فى الجنس فلم يكن منه إلا جنس واحد وهو الاستفسار وقوله النوع الثانى وهو جنسان هما فساد الاعتبار وفساد الوضع وقوله النوع الثالث وهو جنسان هما منع حكم الأصل ابتداء أو بعد تقسيم وقد عبر عنهما المصنف بمنع حكم الأصل والتقسيم وقوله وأجناسه اثنا عشر هى منع وجود المدعى علة فى الأصل ومنع كونه علة عدم التأثير والقدح فى المناسبة والقدح فى الإفضاء إلى المقصود وكون الوصف خفيًا وكونه غير منضبط والنقض والكسر والمعارضة فى الأصل والتركيب والتعدية وهذان الأخيران راجعان إلى بعض ما سواهما من الاعتراضات كما يأتى وقوله وأجناسه خمسة هى: منع وجوده فى الفرع، المعارضة فى الفرع، الفرق اختلاف الضابط فى الأصل والفرع، اختلاف جنس المصلحة وقوله النوع السادس وهو جنسان هما: مخالفة حكم الفرع لحكم الأصل والقلب وقوله النوع السابع وهو جنس واحد وهو القول بالموجب.

стр. 1841

قال: (الاستفسار وهو طلب معنى اللفظ لإجمال أو غرابة، وبيانه على المعترض بصحته على متعدد ولا يكلف بيان التساوى لعسره ولو قال التفاوت يستدعى ترجيحًا بأمر والأصل عدمه لكان جيدًا، وجوابه بظهوره فى مقصوده بالنقل أو بالعرف أو بقرائن معه أو بتفسيره وإذا قال يلزم ظهوره فى أحدهما دفعًا للإجمال، أو قال يلزم ظهوره فيما قصدت لأنه غير ظاهر فى الآخر اتفاقًا فقد صوبه بعضهم وأما تفسيره بما لا يحتمل لغة فمن جنس اللعب). أقول: الاستفسار طلب الفسر وهو طلب بيان معنى اللفظ وإنما يسمع إذا كان فى ذلك اللفظ إجمال أو غرابة وإلا فهو تعنت مفوت لفائدة المناظرة إذ يأتى فى كل لفظ يفسر به لفظ ويتسلسل ولذلك قال القاضى ما يمكن فيه الاستبهام حسن فيه الاستفهام وبيان كونه مجملًا على المعترض إذ الأصل عدمه فإن وضع الألفاظ للبيان والإجمال فيه قليل جدًا وإنما البينة على مدعى خلاف الأصل ويكفى المستدل أنه خلاف الأصل بيانه بأن يبين صحة إطلاق اللفظ على معنيين أو أكثر ولا يكلف بيان التساوى وإن كان الإجمال لا يحصل إلا به وهو قد ادعى الإجمال، فكان يجب أن يلزمه الوفاء به لكنه اغتفر ذلك لعسره ولو كلف ذلك لسقط الاستفسار وبقى الكلام غير مفهوم ولم يحصل مقصود المناظرة وأيضًا فإنه يخبر عن نفسه فيكفيه ما يدفع به ظن التعنت فى حقه ويصدق بعدالته السالمة عن المعارض، مثاله إذا قال بان به البطلان فيكون باطلًا فيقال ما معنى بان فإنه يقال بمعنى ظهر وانفصل، وإذا قال فى المكره مختار للقتل، فيقتص منه كالمكره، فيقال ما تعنى بالمختار فإنه يقال للفاعل القادر وللفاعل الراغب، فهذا فى دعوى الإجمال، وأما الغرابة فلا تخفى ولذلك لم يتعرض له ومثاله فى الكلب المعلم يأكل من صيده أيل لم يرض فلا تحل فريسته كالسيد فيقال ما الأيل وما معنى لم يرض وما الفريسة وما السيد، واعلم أن المعترض مع أنه لا يكلف بيان التساوى فلو التزمه تبرعًا وقال وهما متساويان لأن التفاوت يستدعى ترجيحًا بأمر والأصل عدم المرجح لكان جيدًا وفاء بما التزمه أولًا. والجواب عن الاستفسار ببيان ظهوره فى مقصوده فلا إجمال ولا غرابة وذلك إما بالنقل عن أهل اللغة وإما بالعرف العام أو الخاص أو بالقرائن المضمومة معه، وإن عجز عن ذلك كله فالتفسير مثال ذلك فى الإجمال أن يستدل بقوله: ﴿حَتَّى

стр. 1842

تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فقيل له ما النكاح فإنه يقال للوطء لغة والعقد شرعًا فيقول هو ظاهر فى الوطء لانتفاء الحقيقة الشرعية أو فى العقد لهجر الحقيقة اللغوية، أو قرينة الإسناد إلى المرأة تعين أحدهما فإنه لذلك لا يسند إليها، وعلى هذه التقادير فقد منع الإجمال فلو لم يقدر عليه كما فى مثال بان والمختار يقول: المراد ظهر أو الفاعل القادر مثلًا مثال ذلك فى الغرابة إذا قال فى قبلة الصائم مبدأ مجرد عن الغاية فلا يفسد كالمضمضة فيقال: ما المبدأ وما الغاية، فإنه ليس من موضوعات اللغة ولا اصطلاح الفقهاء، وإنما هو من اصطلاح الفلاسفة فإنه يسمى السبب مبدأ والمقصود غاية، والفقيه إذا ادعى أنه لا يعرفه صدق فيه، والجواب دعوى ظهوره بما ذكر من الطرق بأن يدعى أنه يستعمل كذلك فى اللغة أو فى العرف أو غيره فإن لم يقدر كما فى مسألة الكلب المعلم، قال: أُريد بالأيل الكلب، وبقولى لم يرض لم يعلم وبالفريسة الصيد وبالسيد الذئب، بقى ههنا بحث وهو أن فى دفع الإجمال طريقًا إجماليًا ربما يستعمله بعض الجدليين، وهو أن يقول يلزم ظهوره فى أحدهما، وإلا لكان مجملًا والإجمال خلاف الأصل أو يقول يلزم ظهوره فيما قصدت لأنه غير ظاهر فى الآخر اتفاقًا فلو لم يكن ظاهرًا فيما قصدت لزم الإجمال وهو خلاف الأصل فإذا قال كذلك فقد صوبه بعضهم لظاهر وروده ورده بعضهم لأنه رجوع إلى أن الأصل عدم الإجمال بعدما دل المعترض على أنه مجمل بما أمكنه وإذ لا يبقى لسؤال الاستفسار فائدة ولأنه يدعى التساوى عنده وعدم فهمه ولم يدفعه تحصيلًا لغرض المناظرة واعلم أنه إذا فسره فيجب أن يفسره بما يصلح له لغة وإلا لكان من جنس اللعب فخرج عما وضعت له المناظرة من إظهار الحق. النوع الثانى من الاعتراضات: وهو باعتبار تمكنه من الاستدلال بالقياس فى تلك المسألة فإن منع تمكنه من القياس مطلقًا فهو فساد الاعتبار كأنه يدعى أن القياس لا يعتبر فى تلك المسألة، وإن منعه من القياس المخصوص فهو فساد الوضع كأنه يدعى أنه وضع فى المسألة قياسًا لا يصح وضعه فيها. قوله: (والجواب عن الاستفسار) يشير إلى أن ضمير جوابه للاستفسار لا للإجمال أو المستدل على ما فى الشروح وإلى أن بيان ظهور اللفظ فى مقصود

стр. 1843

المستدل بنفى الإجمال والغرابة جميعًا لا كما قال الشارح العلامة أنه لم يذكر جواب الغرابة لظهوره وهو بيان شهرته وإلى أن العرف يعم العرف العام والخاص شرعًا كان أو غيره ولا يختص بعرف الشرع على ما توهمه. قوله: (فإنه) أى لفظ النكاح لذلك أى لمعنى الوطء لا يسند إلى المرأة فقرينة الإسناد يعين كونه للعقد. قوله: (فى دفع الإجمال) يشير إلى أن لزوم ظهوره فى أحدهما على التعيين وإن لم يكن كافيًا فى مقصود المستدل لكنه كافٍ فى دفع الإجمال، وقيل تنضم إليه مقدمة أخرى وهو أنه لما لزم ظهوره فى أحدهما وليس بظاهر فيما عدا مقصود المستدل اتفاقًا تعين ظهوره فيه. قوله: (وإذ لا يبقى) عطف على قوله لأنه رجوع يعنى لو صح دفع الإجمال بهذا الطريق الإجمالى الجارى عند كل استفسار لما بقى له فائدة وقوله تحصيلًا علة وهذا الطريق بناء على الوجوه الثلاثة يعنى رده بعضهم لتحصيل ما هو المقصود فى المناظرة من إظهار الصواب إذ لا سبيل إلى ذلك بدون فهم المعنى. قوله: (بما يصلح له لغة) أى يجوز استعماله فيه حقيقة أو مجازًا أو نفلًا وبالجملة يكون بحيث يرخص أهل اللغة فى استعماله فيه وليس المراد أنه يجب أن يكون معناه اللغوى ولو قال لغة أو عرفًا لكان أظهر. قوله: (فإن منع) ضمير يمكنه ومنعه وأنه للمستدل، وضمير منع وكأنه للمعترض. المصنف: (ولا يكلف بيان التساوى لعسره) إذ ما من وجه يبين به التساوى إلا وللمدعى أن يقول: لم لا يكون بينهما تفاوت بوجه آخر. الشارح: (أيل لم يرض) يقرأ أيل بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة ويقرأ أيضًا بضم الهمزة وكسرها وسيأتى أنه الكلب لكن فى القاموس أنه الوعل وقوله: لم يرض أى لم يعلم ويهذب. الشارح: (أن يستدل بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]) أى يستدل على حرمة المطلقة ثلاثًا على مطلقها حتى يطأها زوج آخر يعقد عليها بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله لانتفاء الحقيقة الشرعية أى لكون المرأة لا

стр. 1844

تعقد لنفسها كما هو رأى المالكية والشافعية. قوله: (وإن لم يكن كافيًا فى مقصود المستدل) أى لاحتمال أن الظاهر غير مقصود، وقوله: وقيل تنضم إليه مقدمة أخرى. . . إلخ. هو الوجه الثانى المشار إليه بقوله: أو قال يلزم ظهوره فيما قصدت، وعلى كل لم يعلم السائل مقصود المستدل.

стр. 1845

(فساد الاعتبار) قال: (فساد الاعتبار وهو مخالفة القياس للنص، وجوابه الطعن أو منع الظهور أو التأويل أو القول بالموجب أو المعارضة بمثله فيسلم القياس أو يبين ترجيحه على النص بما تقدَّم مثل ذبح من أهله فى محله كذبح ناسى التسمية فيورد: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ فيقول مؤول بذبح عبدة الأوثان، بدليل: "ذكر اللَّه على قلب المؤمن سمى أو لم يسم" أو بترجيحه لكونه مقيسًا على الناسى المخصص باتفاق فإن أبدى فارق فهو من المعارضة). أقول: فساد الاعتبار أن لا يصح الاحتجاج بالقياس فيما يدعيه لأن النص دل على خلافه واعتبار القياس فى مقابلة النص باطل. وجواب هذا الاعتراض بأحد وجوه: الأول: الطعن فى سند النص إن لم يكن كتابًا أو سنة متواترة بأنه مرسل أو موقوف أو مقطوع أو راويه ليس بعدل أو كذب فيه الأصل والفرع. ثانيها: منع ظهوره فيما يدعيه لمنع عموم أو مفهوم أو لدعوى إجمال. ثالثها: أن يسلم ظهوره ويدعى أنه مؤول، والمراد غير ظاهرى لتخصيص أو مجاز أو إضمار بدليل يرجحه على الظاهر. رابعها: القول بالموجب بأن بقاءه على ظاهره ويدعى أن مدلوله لا ينافى حكم القياس. خامسها: المعارضة بنص آخر مثله حتى يتساقط النصان فيسلم قياسه، فإن قلت فإن عارضه المعترض بنص آخر حتى يسلم أحد نصيه فيعارض القياس هل يسمع؟ قلت لا لأن النصين يعارضهما النص الواحد وذلك كما تعارض شهادة الاثنين شهادة الأربعة، فإن قلت فليعارض النص النص والقياس، قلت لا يصح ذلك لأن المناظر تلو الناظر ونحن نعلم أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم كانوا إذا تعارضت عندهم النصوص يتركونها ويرجعون إلى القياس فما أوجبه القياس أخذوا به، فإن قلت فهل للمستدل أن يقول: قد عارض نصك قياسى وقد سلم نصى، قلت لا لأنه انتقال وأى شئ أقبح فى المناظرة من الانتقال، فإن قلت فهل يجب على

стр. 1846

المستدل أن يبين أن نصه مساوٍ فى القوة لنص المعترض، قلت: لا لأن ذلك متعذر لأنه لا يمكن إلا بنفى جميع وجوه الترجيح وأنى له ذلك. سادسها: أن يبين أن قياسه مما يجب ترجيحه على النص إما لأنه أخص من النص فيقدم لما مر فى تخصيص النص بالقياس وإما لأنه مما ثبت حكم أصله بنص أقوى مع القطع بوجود العلة فى الفرع، ومثله يقدم على النص لما مر، واعلم أنا لا نريد أن كل نص يمكن فيه هذه الأسئلة بل قد يمكن بعضها فيجيب بما يتأتى منها وقد لا يمكن شئ منها فيكون الدبرة على المستدل، مثال ذلك: أن يقول فى ذبح تارك التسمية ذبح من أهله فى محله فيوجب الحل كذبح ناسى التسمية فيقول المعترض هذا فاسد الاعتبار لأنه بخلاف قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فيقول المستدل: هذا مؤول بذبح عبدة الأوثان بدليل قوله ﷺ : "اسم اللَّه على قلب المؤمن سمى أو لم يسم"، أو يقول هذا القياس راجح على ما ذكرت من النص لأنه قياس على الناسى المخصص عن هذا النص بالإجماع لما ذكرنا من العلة وهى موجودة فى الفرع قطعًا، فإن قلت: إذا قال المستدل ذلك فهل للمعترض أن يبدى بين التارك والناسى فرقًا دفعًا لكون القياس مما يقدم فيقول التارك بصدد ذكر اللَّه قصد الترك مقصرًا بخلاف الناسى، فإنه معذور؟ قلت: ليس له ذلك؛ لأنه من المعارضة لا من فساد الاعتبار وهو سؤال آخر فيلزمه فسادان الانتقال والاعتراف بصحة اعتباره لأن المعارضة بعد ذلك. قوله: (فساد الاعتبار) سمى بذلك لأن اعتبار القياس فى مقابلة النص فاسد وإن كان وضعه وتركيبه صحيحًا لكونه على الهيئة الصالحة لاعتباره فى ترتيب الحكم عليه. قوله: (أو موقوف) وهو ما وقف على بعض الرواة ولم يرفع إلى النبى ﵇ والمقطوع ما ترك فى عنعنة رواته أحد الوسائط. قوله: (يعارضهما النص الواحد) قد سبق أن الأدلة المتعارضة إذا كانت من جنس واحد فقيام دليل آخر من جنسها على وفق البعض لا يرجحه كما إذا كان من جانب شاهدان ومن جانب أربعة شهود، هذا ما يقال لا ترجيح بالكثرة، وأما عند اختلاف الجنس فيترجح لاتفاق من الصحابة على ذلك حيث كانوا يرجعون

стр. 1847

عند تعارض النصين إلى القياس وحين اعتبر ذلك فى النظر والاجتهاد لزم اعتباره فى البحث والمناظرة لاشتراكهما فى القصد إلى إظهار الصواب وهذا معنى ولهم المناظر تلو الناظر. قوله: (وأنى له) أى للمستدل ذلك أى نفى جميع وجوه الترجيح اللهم إلا أن يكتفى بأن الأصل عدم المرجح يمكن كما يمكن إثبات إلى هذا النص أقوى من ذلك لما فيه من رجحان مخصوص لا يوجد فى ذلك معارض بحكم الأصل. قوله: (هذه الأسئلة) إشارة إلى الوجوه الستة التى بها يجاب عن اعتراض فساد الاعتبار وأطلق عليها الأسئلة لكون أكثرها وهى ما عدا السادس مما يعترض به على نفس الاستدلال بالنص وإن لم يكن لقصد فساد اعتبار القياس أو يقول هذا القياس راجح إشارة إلى أن قوله أو ترجيحه عطف على مؤول والمعنى فيقول المستدل هذا النص مؤول أو يقول بترجيح هذا القياس على النص لكون التارك مقيسًا على ما هو مخصص من غير هذا النص بالإجماع مع القطع بوجود العلة فى الفرع وقد سبق أن مثل هذا القياس راجح على النص وليس هذا من ترجيح القياس على النص بمجرد كون المقيس عليه مجمعًا عليه على ما توهمه الشارح العلامة ولا حاجة إلى ما ذهبوا إليه من أن قوله أو بترجيحه عطف على قوله بدليل والضمير للمستدل أو للمقيس والمعنى أنه مؤول بذبح عبدة الأوثان والدليل على كونه مؤولًا هو هذان الوجهان أحدهما كون المؤمن ذاكرًا دائمًا، ثانيهما أن المقيس أى ذبح التارك قصدًا راجح على ذبح الناسى لأنه على صدد التسمية بخلاف الناسى وذبح الناسى مخصوص عن النص فهذا بطريق الأولى لأنه من المعارضة لما سيجئ من الفرق إبداء خصوصية فى الأصل هو شرط فيكون معارضة فى الأصل أو إبداء خصوصية فى الفرع هو مانع فيكون معارضة فى الفرع. قوله: (وهو ما وقف على بعض الرواة) المشهور ما وقف على الصحابى وقوله والمقطوع ما ترك فى عنعنة رواته أحد الوسائط اشتهر أنه الموقوف على التابعى. قوله: (لا يوجد فيه فى ذلك معارض بحكم الأصل) أى لا يوجد فى النص فى ذلك الرجحان المخصوص معارض لرجحان بحكم أن الأصل العدم.

стр. 1848

قال: (الثالث: فساد الوضع وهو كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع فى نقيض الحكم مثل مسح فيسن فيه التكرار كالاستطابة فيرد أن المسح معتبر فى كراهة التكرار على الخف، وجوابه ببيان المانع لتعرضه للتلف وهو نقض إلا أنه يثبت النقيض فإن ذكره بأصله فهو القلب فإن بين مناسبته للنقيض من غير أصل من الوجه المدعى فهو القدح فى المناسبة ومن غيره لا يقدح إذ قد يكون للوصف جهتان ككون المحل مشتهى يناسب الإباحة لإراحة الخاطر والتحريم لقطع أطماع النفس). أقول: فساد الوضع حاصله إبطال وضع القياس المخصوص فى إثبات الحكم المخصوص وذلك لأن الجامع الذى يثبت به الحكم قد ثبت اعتباره بنص أو إجماع فى نقيض الحكم والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان وإلا لم يكن مؤثرًا فى أحدهما لثبوت كل معه بدلًا مثاله: أن يقول فى التيمم مسح فيسن فيه التكرار، كالاستنجاء فيقول المعترض المسح لا يناسب التكرار، لأنه ثبت اعتباره فى كراهة التكرار فى المسح على الخف. وجواب هذا الاعتراض ببيان وجود المانع فى أصل المعترض فيقال فى المثال إنما كره التكرار فى الخف لأنه يعرض الخف للتلف، واقتضاء المسح للتكرار باق. واعلم أن فساد الوضع يشتبه بأمور ويخالفها بوجوه فنبه على ذلك لئلا يلتبس فمنه أنه يشبه النقض من حيث إنه بين فيه ثبوت نقيض الحكم مع الوصف إلا أن فيه زيادة وهو أن الوصف هو الذى يثبت النقيض وفى النقض لا يتعرض لذلك بل يقنع فيه بثبوت نقيض الحكم مع الوصف فلو قصد به ذلك لكان هو النقض ومنه أنه يشبه القلب من حيث إنه إثبات نقيض الحكم بعلة المستدل إلا أنه يفارقه بشئ وهو أن فى القلب يثبت نقيض الحكم بأصل المستدل وهذا يثبت بأصل آخر فلو ذكره بأصله لكان هو القلب ومنه أنه يشبه القدح فى المناسبة من حيث ينفى مناسبة الوصف للحكم لمناسبته لنقيضه إلا أنه لا يقصد ههنا بيان عدم مناسبة الوصف للحكم بل بناء نقيض الحكم عليه فى أصل آخر فلو بين مناسبته لنقيض الحكم بلا أصل كان قدحًا فى المناسبة. واعلم أنه إنما يعتبر القدح فى المناسبة إذا كان مناسبته للنقيض وللحكم من وجه واحد وأما إن اختلف الوجهان فلا لأن الوصف قد يكون له جهتان يناسب

стр. 1849

بإحداهما الحكم وبالأخرى نقيضه. مثاله: كون المحل مشتهى يناسب إباحة النكاح لإراحة الخاطر ويناسب التحريم لإزالة الطمع. مثال آخر: أخ لأبوين مع أخ لأب يناسب تأريث الأخ من الأبوين فقط لتقدمه فى النسب، وتسويتهما لاستوائهما فى جهة الأب ولا عبرة بجهة الأم فى العصوبة، وتشريكهما مع تفضيله لامتيازه بزيادة، وأيًا فعل عد ملائمًا لغرض العقلاء. مثال آخر من العرفيات: الملك إذا ظفر بعدوه فإنه مناسب لقتله، نفيًا لعاديته وللإبقاء عليه والرد إلى ولايته إظهارًا للقدرة وعدم المبالاة بمثله وكلاهما مما يقصده العقلاء. مثال آخر: قتل العمد يناسب الكفارة من حيث إنه تثقيل عليه فى الدنيا وعدمه من حيث هو تخفيف عنه فى الآخرة، وذلك كثير. . وقد تلخص مما ذكرنا أن ثبوت النقيض مع الوصف نقض فإن زيد ثبوته به ففساد الوضع وإن زيد كونه به وبأصل المستدل فقلب، وبدون ثبوته معه فالمناسبة من جهة واحدة قدح فيها ومن جهتين لا يعتبر. النوع الثالث من الاعتراضات: ما يورد على المقدمة الأولى من القياس وهو دعوى حكم الأصل ولا مجال للمعارضة فيه لأنه غصب لمنصب الاستدلال فينقلب المستدل معترضًا والمعترض مستدلًا فى نفس صورة المناظرة وذلك مما لم يجوزوه ضمنًا لنشر الجدال ولئلا يفوت المقصود من المناظرة فتعين المنع وذلك إما ابتداء أو بعد تقسيم ويسمى حينئذٍ تقسيمًا. قوله: (فساد الوضع) الظاهر أنه أخص من فساد الاعتبار من وجه لا مطلقًا على ما هو ظاهر كلام الآمدى. قوله: (لثبوت كل) من النقيضين معه أبى مع الوصف بدلًا من الآخر فلو فرض ثبوتهما للزم انتفاؤهما لأن ثبوت كل يستلزم انتفاء الآخر. قوله: (واعلم) نفى لما توهمه الشارحون من أن المراد أن فساد الوضع نقض خاص.

стр. 1850

المصنف: (وهو كون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع فى نقيض الحكم) ظاهره أن فساد الوضع قاصر على ذلك وليس كذلك بل هو أن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره فى ترتب الحكم عليه مطلقًا سواء عارضه نص أو إجماع أو لم يعارض. الشارح: (يشبه القلب) هو دعوى المعترض أن ما استدل به المستدل عليه لا له. الشارح: (ولا مجال للمعارضة فيه) فليس للمعترض أن يستدل على نفى حكم الأصل ابتداء. قوله: (الظاهر أنه أخص من فساد الاعتبار من وجه) لصدق فساد الوضع فقط بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره فى ترتيب الحكم عليه ولا يعارضه نص ولا إجماع وصدق فساد الاعتبار فقط بأن يكون على الهيئة الصالحة لكنه يعارضه نص أو إجماع وصدقهما جميعًا بأن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة ولكن يعارضه نص أو إجماع.

стр. 1851

قال: (الرابع: منع حكم الأصل والصحيح ليس قطعًا للمستدل بمجرده لأنه كمنع مقدمة كمنع العلية فى العلة ووجودها فيثبتها باتفاق وقيل ينقطع لانتقاله واختار الغزالى اتباع عرف المكان وقال الشيرازى لا يسمع فلا يلزمه دلالة عليه، وهو بعيد إذ لا تقوم الحجة على خصمه مع منع أصله، والمختار لا ينقطع المعترض بمجرد الدلالة بل له أن يعترض إذ لا يلزم من صورة دليل صحته، قالوا: خارج عن المقصود الأصلى، قلنا ليس بخارج). أقول: ومن الأسئلة منع ثبوت الحكم فى الأصل مطلقًا مثاله أن يقول المستدل جلد الخنزير لا يقبل الدباغ للنجاسة الغليظة كالكلب فيقول لا نسلم أن جلد الكلب لا يقبل الدباغ أو لم قلت: إنه لا يقبل الدباغ إذ حاصل المنع والمطالبة بالدليل واحد فإذا منع المعترض حكم الأصل فقد اختلف فى أنه هل يكون بمجرده قطعًا للمستدل فمنهم من قال: إنه قطع ولا يمكن من إثباته بالدليل لأنه انتقال إلى حكم آخر شرعى الكلام فيه بقدر الكلام فى الأول سواء فقد حيل بينه وبين مرامه وشغل عنه بغيره فقد ظفر المعترض بما رام فإن ذلك غاية مراسه والصحيح أنه لا ينقطع بمجرده وإنما ينقطع إذا ظهر عجزه عن إثباته بالدليل وإنما لم يكن قطعًا لأنه لا ينقم منه إلا أنه انتقال وإنما يقبح إلى غير ما به يتم مطلوبه وههنا ليس كذلك بل هو إثبات مقدمة من مقدمات مطلوبه قد منعت وذلك ليس بانتقال مذموم كما لو منع علية العلة أو وجودها فى الأصل أو فى الفرع فإنه يصح منه أن يثبتها ولا يعد المنع قطعًا له وليت شعرى أى فرق بين مقدمة ومقدمة وركن وركن وأما كونه حكمًا شرعيًا كالأول ومن تكلم فى مسألة الخنزير ثم أخذ يتكلم فى مسألة الكلب عد منتقلًا بخلاف من تكلم فى مسألة الخنزير ثم تكلم فى أحواله وصفاته فلا يظهر له أثر عند التأمل، ولا يخفى ما فيه من الضعف، نعم لو اصطلح عليه نظرًا إلى ذلك لم يبعد ولذلك قال الغزالى يتبع فى ذلك عرف المكان واصطلاح أهل بلدة المناظرة فإن عدوه قطعًا فقطع، وإلا فلا لأنه أمر وضعى لا مدخل فيه للشرع والعقل، وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازى: لا يسمع هذا المنع من المعترض فلا يلزم المستدل الدلالة على ثبوت حكم الأصل وقد استبعده المصنِّفُ لأن غرض المستدل إقامة الحجة على خصمه ولا تقوم الحجة على خصمه مع كون أصله ممنوعًا، ولم يقم عليه دليلا لأنه جزء الدليل ولا يثبت

стр. 1852

الدليل إلا بثبوت جميع أجزائه، واعلم أن ما ذكره الشيخ لا يبعد على أحد وجهين إما بأنه يكونه ممن يرى وجوب الإجماع على حكم الأصل فلا يسمع المنع فى محل الإجماع وإما بأن يجعل المدعى أنه لو ثبت حكم الأصل لثبت حكم الفرع إذ به يحصل المساواة المطلوبة فى القياس وغرضه بالأمرين ضم نشر الجدال وإذ قد تقرر أن المنع يسمع وعلى المستدل إقامة الدليل عليه فإذا أقام الدلالة فهل ينقطع المعترض بمجرد إقامته للدليل حتى لا يمكن من الاعتراض على مقدمات هذا الدليل أو لا ينقطع بل له أن يعترض فيه خلاف والمختار أنه لا ينقطع وله أن يعترض وذلك لأنه لا يلزم من صورة دليل صحته ولا بد فى ثبوت المقدمة الممنوعة من صحته فيطالب ببيان صحته وذلك بصحة مقدمة مقدمة، وهو معنى المنع. قالوا: اشتغال بما هو خارج عن المقصود فإن من كان غرضه صحة بيع فاشتغل ببيان صحة نكاح وعبر وقته فيه وربما تم المجلس وهو لم يتم ذلك فاته مقصوده قطعًا. الجواب: منع كونه خارجًا عن المقصود إذ المقصود لا يحصل إلا به ولا ينقطع أحدهما إلا بالعجز عما تصدى له ولا عبرة بطول الزمان وقصره ووحدة المجلس وتعدده. قوله: (فقد حيل بينه) أى بين المستدل وبين مطلوبه واشتغل من مرامه لغيره وذلك أعنى الاشتغال والحيلولة غاية مطلوب المعترض. قوله: (وما ينقم منه) أى لا يعاب من المستدل أو لا ينكر عليه إلا أن إثباته لحكم الأصل انتقال من إثبات حكم شرعى إلى آخر هذا الانتقال إنما يصح إذا كان إلى غير ما يتوقف عليه إثبات المطلوب. قوله: (وأما كونه) مبتدأ خبره قوله فلا يظهر له أثر. قوله: (ومن تكلم) عطف على ضمير كونه والغرض من هذا الكلام بيان ضعف الفرق الذى أشار إليه فى أواخر شروط حكم الأصل بقوله وربما فرق بأن هذا حكم شرعى كالأول. الشارح: (لأنه أمر وضعى. . . إلخ) رده مسلم الثبوت بأن قوانين المناظرة عقلية.

стр. 1853

قال: (الخامس: التقسيم: وهو كون اللفظ مترددًا بين أمرين أحدهما ممنوع والمختار وروده مثاله فى الصحيح الحاضر وجد السبب بتعذر الماء فساغ التيمم فيقول السبب تعذر الماء أو تعذر الماء فى السفر أو المرض الأول ممنوع وحاصله منع يأتى ولكنه بعد تقسيم وأما نحو قولهم فى الملتجئ إلى الحرم وجد سبب استيفاء القصاص فيجب متى منع مانع الالتجاء إلى الحرم أو عدمه فحاصله طلب نفى المانع ولا يلزم). أقول: هذا السؤال يسمى تقسيمًا وحقيقته أن يكون اللفظ مترددًا بين أمرين أحدهما ممنوع فيمنعه إما مع المسكوت عن الآخر لأنه لا يضره أو مع التعرض لتسليمه أو لأنه لا يضره وهذا السؤال لا يختص بحكم الأصل بل كما يجرى فيه يجرى فى جميع المقدمات التى تقبل المنع وقد منع قوم من قبول هذا السؤال لأن إبطال أحد محتملى كلام المستدل لا يكون إبطالًا له إذ لعله غير مراده والمختار قبوله إذ به يتعين مراده وربما لا يمكنه تتميم الدليل به وله مدخل فى هدم الدليل والتضييق على المستدل وللقبول شرط وهو أن يكون منعًا لما يلزم المستدل بيانه مثاله فى الصحيح الحاضر إذا فقد الماء وجد سبب وجود التيمم وهو تعذر الماء فيجوز التيمم فيقول المعترض ما المراد بتعذر الماء شئت أن تعذر الماء مطلقًا سبب أو أن تعذر الماء فى السفر أو المرض سبب الأول ممنوع وحاصله أنه منع بعد تقسيم فيأتى فيه ما تقدَّم فى صريح المنع من الأبحاث من كونه مقبولًا وقطعًا وكيفية الجواب عنه. مثال آخر: أن يقول: فى مسألة الملتجئ إلى الحرم القتل العمد العدوان سبب للقصاص فيقول المعترض متى هو سبب أمع مانع الالتجاء إلى الحرم أو دونه الأول ممنوع، وإنما لم يقبل لأن حاصله أن الالتجاء إلى الحرم مانع من القصاص فكان مطالبة ببيان عدم كونه مانعًا والمستدل لا يلزمه بيان عدم المانع فإن الدليل ما لو جرد النظر إليه أفاد الظن، إنما بيان كونه مانعًا على المعترض ويكفى المستدل أن الأصل عدم المانع. النوع الرابع من الاعتراضات: ما يرد على الثانية من مقدمات القياس وهو قوله: والحكم فى الأصل معلل بوصف كذا والقدح إما فى وجوده وإما فى عليته، والثانى: إما نفى العلية صريحًا أو نفى لازمها، والأول: إما منع مجرد أو

стр. 1854

معارضة وبيان عدم التأثير، والثانى: إما أن يختص بالمناسبة أو لا فالمختص بحسب شروط المناسب وهى الإفضاء إلى المصلحة وعدم المعارض لها والظهور والانضباط أربعة وهى نفى كل واحد منها وغير المختص حيث شرط العلة والاطراد والانعكاس، أما نفى الطرد وهو بعد إلغاء قيد كسر وبدونه نقض وأما نفى الانعكاس صارت عشرة: نفى الكل، منع وجود العلة، منع عليتها، عدم تأثيرها، ثم فى المناسب خاصة، عدم الإفضاء، وجود المعارض، عدم الظهور، عدم الانضباط، ثم فى الكل النفض، الكسر، عدم العكس. قوله: (أما مع المسكوت) فإن قيل قد ذكر فى المنتهى أنه عبارة عن كون اللفظ مترددًا بين احتمالين أحدهما ممنوع والآخر مسلم قلنا: كونه مسلمًا لا ينافى السكوت عنه، بل قد يكون مع التصريح بتسليمه أو بعدم ضرره وقد يكون مع السكوت قال الآمدى: لا خلاف فى أنهما لو اشتركا فى المنع لم يكن للتقسيم معنى لكن لقائل أن يقول: لم لا يجوز اشتراكهما فى التسليم بشرط أن يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه. قوله: (وقد يمنع قوم) نفى لما ذكره العلامة أنه لم يختلف أحد فى ورود سؤاله التقسيم وإنما الخلاف فيما إذا اشترك الاحتمالان فى التسليم على ما قال فى المنتهى والصحيح أن التقسيم وارد وإن اشتركا فى التسليم إذا اختلفا فيما يرد عليهما من القوادح. قوله: (إبطالًا له) أى لكلام المستدل إذ لعل ذلك المحتمل غير مراد المستدل. قوله: (إذ به) أى بإبطال أصل أحد محتملى كلامه يتعين مراد المستدل وإنما لا يتيسر للمستدل تسليم دليله بسبب إبطال أحد محتملى كلامه. قوله: (مثال آخر) يشير إلى أنه أورد مثالين: أحدهما يشتمل على شرط القبول والآخر لا يشتمل وكلاهما سؤال تقسيم لا كما زعم الشارحون أن الثانى ليس سؤال التقسيم لأن اللفظ لم يتردد بين احتمالين يكون أحدهما سببًا والآخر ليس بسبب لأن القتل العمد العدوان سبب لاستيفاء القصاص سواء كان الالتجاء مانعًا من الاستيفاء أو لم يكن. قوله: (فيأتى فيه ما تقدَّم) تكلف من الشارح لبيان الفائدة فى قوله: يأتى وإلا

стр. 1855

فالظاهر أن المراد أن حاصله: منع يتوجه لكن بعد تقسيم النوع الرابع اعتراضاته بحسب تقريره عشرة: أحدها: منع وجود العلة، ثانيها: منع عليتها، ثالثها: عدم تأثيرها، رابعها: عدم إفضاء المناسب، خامسها: وجود المعارض، سادسها: عدم ظهوره، سابعها: عدم انضباطه، ثامنها: النقض، تاسعها: الكسر، عاشرها: عدم العكس، فالثلاثة الأول تعم الكل وكذا الثلاثة الأخيرة والأربعة المتوسطة تخص المناسب وإنما جعلها متوسطة بين الثلاثتين ولم يقل فى الكل الستة فى المناسب خاصة الأربعة تنبيهًا على أن الثلاثة الأخيرة وإن عمت الكل لكنها عائدة إلى نفى لازم العلية كالأربعة المتوسطة بخلاف الثلاثة الأول فقوله: وهى أى الاعتراضات الأربعة المخصوصة بالمناسب نفى كل واحد من الشروط الأربعة فنفى عدم المعارض للمصلحة وجود المعارض لها وهذا هو المعنى بالقدح فى المناسبة لأن معناه معارضة المصلحة فيها لمفسدة راجحة أو مساوية وهى غير المعارضة التى نقلت من أقسام نفى العلية صريحًا لأن معناها مقابلة إثبات التأثير بإثبات عدمه فلذا عطف عليها بيان عدم التأثير تفسيرًا لها وبهذا فارقت ما سيجئ من المعارضة فى الأصل إذ لا تعرض فيها لنفى تأثير وصف المستدل ثم ههنا بحث: وهو أنه لم يتعرض عند الضبط للمعارضة فى الأصل مع أنها مذكورة فى التفصيل وتعرض لنفى الانعكاس مع أنه لا ذكر له أصلًا وقد يتوهم أن وجود المعارض لها عبارة عن المعارضة فى الأصل، وأنها من الاعتراضات المخصوصة بالمناسب، وأن الشارح ذهل فى الضبط الإجمالى عن القدح فى المناسبة، وفى التفصيلى عن جعل المعارضة من المخصوصة، وذلك غلط ظاهر وقد يتوهم أن المعارضة فى الأصل هو معنى نفى الانعكاس لأنه إذا أبدى وصف آخر صالح لأن يكون هى العلة للحكم فقد وجد الحكم ولم يوجد الوصف المدعى عليته وهذا أيضًا غلط إذ لا دلالة فى المعارضة على انتفاء وصف المستدل أصلًا بل قولنا: إبداء وصف آخر ربما يشعر بوجوده؛ ألا ترى أن المختار فى المعارضة هو القبول، وفى نفس الانعكاس عدمه بناء على جواز تعدد العلل، وبالجملة الفرق بينهما من الظهور بحيث لا يفتقر إلى البيان، قوله: مثاله يجمع الثلاثة: أى الحسى، والعقلى، والشرعى؛ لكن لا بالنظر إلى أجزاء العلة، وأما فى نفس العلة فمما لا يتصور؛ لأن المراد بالعقلى ما لا يدرك بالحس، وبالشرعى ما لا يدرك بالحس أو العقل؛ ثم قولنا: لا نسلم أنه قيل: المراد المنع فى المقيس عليه وهو القتل بالسيف.

стр. 1856

المصنف: (مثاله فى الصحيح الحاضر) اعترض هذا المثال مسلم الثبوت بأن الاعتراض فى هذا المثال وارد على العلة أعنى السبب لا على حكم الأصل ومثاله الصحيح أن يقول الشافعى أو المالكى: صوم شهر رمضان صوم فرض فيجب تعينه عند النية كالقضاء فيقول الحنفى: إن كان المراد بوجوب التعين الوجوب بعد تعيين الشرع فهو منتف فى الأصل فإن القضاء ليس متعينًا من قبل الشرع وإن كان قبله فمنتف فى الفرع أنه علة ولا يمكن إثباته فيه فيفوت القياس. الشارح: (والقدح إما فى وجوده) أى وجود الوصف المدعى أنه علة فيمنع وجوده فضلًا عن كونه علة أى فى عليته أى أن الوصف الموجود المدعى أنه علة وقوله: يقدح فى كونه علة وقوله: أو نفى لازمها أى لازم العلة لا نفى نفس العلة واللازم هو بالنسبة إلى الوصف المناسب أربعة ولكل علة اثنان على ما يأتى وقوله: والأول إما منع مجرد المراد بالأول نفى العلية صريحًا وقوله: والثانى إما أن يختص. . . إلخ. هو نفى اللازم وقوله: ففى الكل منع وجود العلة. . . إلخ. أى فيرد على كل علة لقياس منع. . . إلخ. سواء كانت العلة ثبتت عليتها بالمناسبة أو بغيرها وقوله: وجود المعارض أى المعارضة للمصلحة وهو المفسدة المساوية أو الراجحة وهو المعنى بالقدح فى المناسبة والحاصل أن المعارضة فى مقام العلة تطلق بمعنى مقابلة إثبات التأثير الذى ادعاه المستدل بإثبات عدمه وهى المذكورة فى قول الشارح: أو معارضة وبيان عدم التأثير وتطلق بمعنى المقابلة بمفسدة راجحة أو مساوية وهى المذكورة فى نفى لوازم العلة إذا كانت وصفًا مناسبًا بقوله: وعدم المعارض لها وتطلق بمعنى المقابلة بإبداء وصف آخر فى الأصل وقد ذكرها المصنف فى التفصيل ولم يذكرها الشارح ههنا وقوله: حيث شرط فى العلة الاطراد والانعكاس أى فهما لازمان لكل علة سواء كانت ثابتة بتخريج المناط وهو المناسب أولًا وقوله: وهو بعد إلغاء قيد كسر أى كما يقال فى قياس صلاة الخوف على صلاة الأمن فى وجوب القضاء بعلة كونها صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها: إن كونها صلاة لا دخل له فلم يبق إلا كونها عبادة يجب قضاؤها وهو لا يقتضى وجوب الأداء لنقضه بصوم الحائض. قوله: (اعتراضاته بحسب تقريره عشرة) أى وقد تقدم أن الاعتراضات الواردة

стр. 1857

على العلية اثنا عشر والمصنف ذكرها كذلك اثنا عشر غير أنه عد منها التركيب والتعدية. قوله: (وفى التفصيلى عن جعل المعارضة من المخصوصة) أى فجعلها فى التفصيلى الذى ذكره المصنف من غير المخصوصة مع أنها منها. قوله: (ثم المراد المنع فى المقيس عليه) أى لأن الكلام فى منع وجود العلة فى الأصل المقيس عليه فيمنع فى القتل بالسيف المقيس عليه القتل بالمثقل فى وجود القصاص به وجود القتل العمد العدوان.

стр. 1858

قال: (السادس: منع وجود المدعى علة فى الأصل مثل حيوان يغسل من ولوغه سبعًا فلا يطهر بالدباغ كالخنزير فيمنع، وجوابه بإثباته بدليل من عقل أو حس أو شرع). أقول: ومن الاعتراضات منع كون ما يدعى علة لحكم الأصل موجودًا فى الأصل فضلًا عن أن تكون هى العلة، مثاله: أن يقول فى الكلب: حيوان يغسل من ولوغه سبعًا فلا يقبل جلده الدباغ كالخنزير، فيقول المعترض: لا نسلم أن الخنزير يغسل من ولوغه سبعًا. والجواب عن هذا الاعتراض بإثبات وجود الوصف فى الأصل بما هو طريق ثبوت مثله لأن الوصف قد يكون حسيًا فبالحس أو عقليًا فبالعقل أو شرعيًا فبالشرع، مثال يجمع الثلاثة إذا قال فى القتل بالمثقل: قتل عمد عدوان فلو قيل لا نسلم أنه قتل قال: بالحس، ولو قيل: لا نسلم أنه عمد قال: معلوم عقلًا بأمارته ولو قيل: لا نسلم أنه عدوان قال: لأن الشرع حرمه. قال: (السابع: منع كونه علة وهو من أعظم الأسئلة لعمومه وتشعب مسالكه والمختار قبوله وإلا لأدى إلى اللعب فى التمسك بكل طرد، قالوا: القياس رد فرع إلى أصل بجامع وقد حصل قلنا بجامع يظن صحته، قالوا: عجز المعارض دليل صحته، فلا يسمع المنع، قلنا: يلزم أن يصحح كل صورة فدليل بعجز المعترض وجوابه بإثباته بأحد مسالكه فيرد على كل منها ما هو شرط فعلى ظاهر الكتاب الإجمال والتأويل والمعارضة والقول بالموجب وعلى السنة ذلك والطعن بأنه مرسل أو موقوف وفى رواية بضعفه أو قول شيخه: لم يروه عنى، وعلى تخريج المناط ما يأتى وما تقدَّم). أقول: ومن الاعتراضات منع كون الوصف المدعى عليته علة وذكر المصنِّفُ أنه من أعظم الأسئلة الواردة على القياس لعمومه فى الأقيسة إذ العلة قلما تكون قطعية ولتشعب مسالك العلية فتتعدد طرق الانفصال عنها، وعلى كل واحد منها أبحاث ستقف عليها فيطول القال والقيل فيه ما لا يطول فى غيره ومن استقرأ ذلك عليه، مثاله: أن يقول فى المثال المتقدم لا نسلم أن كون جلد الخنزير لا يقبل الدباغ معلل بكونه يغسل من ولوغه سبعًا، وقد اختلف فى كون منع العلية مقبولًا والمختار أنه مقبول وإلا لأدى إلى التمسك بكل طرود يؤدى إلى اللعب فيضيع

стр. 1859

القياس إذ لا يفيد ظنًا وتكون المناظرة عبثًا. قالوا: أولًا: القياس حده وحقيقته أنه إلحاق فرع بأصل بجامع وقد حصل وإذا ثبت مدعاه فلا يكلف إثبات ما لم يدع. الجواب: لا نسلم أن حد القياس وحقيقته ذلك بل إلحاق فرع بأصل بجامع يظن صحته وهذا القيد معتبر فى حد القياس اتفاقًا ولم يوجد. قالوا: ثانيًا: عجز المعارض عن إبطاله دليل صحته إذ طرق عدم العلية من كون الوصف طرديًا وإبداء وصف آخر وغير ذلك مما لا يخفى على المجتهد، والمناظر فلو وجد لوجده ولو وجده لأظهره فلما لم يظهر علم أنه لم يوجد فالفرار إلى مجرد المنع يكفينا دليلًا على أنه صحيح فلا يسمع المنع ولا يشتغل بجوابه لأنه شاهد على نفسه بالبطلان. والجواب: أنه يقتضى أن كل صورة عجز المعترض عن إبطاله فهو صحيح حتى دليل الحدوث والإثبات بل حتى دليلى النقيضين إذا تعارضا وعجز كل عن إبطال دليل الآخر. وقد يقال الفرق ظاهر مما مر كيف والسبر دليل ظاهر عام لا يعجز عنه قائس ولا بد معه من العدول إلى الإبطال بمعارضته وإبداء وصف آخر فليفعل أول مرة ويطرح مؤنة ذلك من البين قصرًا للمسافة وتخرجًا من اللجج ومحاولة للمجادلة بالتى هى أحسن ولا ظهر أن هذا المنع مسموع. فالجواب: إثبات العلية بمسلك من مسالكها المذكورة من قبل فكل مسلك تمسك بها فيرد عليه ما هو شرطه أى ما يليق به من الأسئلة المخصوصة به وقد نبه ههنا على اعتراضات الأدلة الأخرى بتبعية اعتراضات القياس على سبيل الإيجاز ولا بأس أن نبسط فيه الكلام بعض البسط لأن البحث كما يقع فى القياس يقع فى سائر الأدلة ومعرفة هذه الأسئلة نافعة فى الموضعين فنقول الأسئلة بحسب ما يرد عليه من الإجماع والكتاب والسنة، وتخريج المناط أربعة أصناف: الصنف الأول: على الإجماع، ولم يذكره لقلته مثاله ما قال الحنفية وفى وطء الثيب الإجماع على أنه لا يجوز الرد مجانًا، فإن عمر وزيدًا أوجبا نصف عشر القيمة وفى البكر عشرها وعلى منع الرد من غير نكير وهو ظنى فى دلالته وفى نقله ولولا أحدهما لما تصور فى محل الخلاف والاعتراض عليه من وجوه:

стр. 1860

الأول: منع وجود الإجماع لصريح المخالفة أو منع دلالة المسكوت على الموافقة. الثانى: الطعن فى السند بأن نقله فلان وهو ضعيف إن أمكنه. الثالث: المعارضة ولا تجوز بالقياس مثل العيب يثبته ويثبته بالمناسبة أو غيرها ولا بخبر واحد إلا إذا كانت دلالته قطعية ولكن بإجماع آخر أو بمتواتر. الصنف الثانى: على ظاهر الكتاب كما إذا استدل فى مسألة بيع الغائب بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو يدل على صحة كل بيع والاعتراض عليه بوجوه: الأول: الاستفسار وقد عرفته. الثانى: منع ظهوره فى الدلالة فإنه خرج صور لا تحصى أو لا نسلم أن اللام للعموم فإنه يجئ للعموم وللخصوص. الثالث: التأويل وهو أنه وإن كان ظاهرًا فيما ذكرت لكن يجب صرفه عنه إلى محمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا نحو قوله نهى عن بيع الغرر وهذا أقوى لأنه عام لم يتطرق إليه تخصيص أو التخصيص فيه أقل. الرابع: الإجمال فإن ما ذكرناه من وجه الترجيح وإن لم يصيره راجحًا فإنه يعارض الظهور فيبقى مجملًا. الخامس: المعارضة بآية أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا ما لم يتحقق فيه الرضا فيكون باطلًا أو بحديث متواتر كما ذكرنا. السادس: القول بموجبه وهو تسليم مقتضى النص مع بقاء الخلاف مثل أن يقول سلمنا حل البيع والخلاف فى صحته باق فإنه ما أثبته. الصنف الثالث: ما يرد على ظاهر السنة كما إذا استدل بقوله: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" على أن النكاح لا ينفسخ والاعتراض عليه بوجوه الستة المذكورة: الأول: الاستفسار. الثانى: منع الظهور، إذ ليس فيما ذكرت من الخبر صيغة عموم، أو لأنه خطاب بخاص أو لأنه ورد على سبب خاص. الثالث: التأويل، فإن المراد تزوج منهنّ أربعًا بعقد جديد، فإن الطارئ كالمبتدأ
следующие страницы →