← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قوله: (والقول بأن رجوعهما. . . إلخ) أى كما يؤخذ من السعد، وقوله: لأنا نقول. . . إلخ. يرد بأن اتصاف المفهوم بالوجوب والإمكان باعتبار أفراده المختلفة الحقائق المندرجة تحته. قوله: (فى ماهية ما صدق عليه) أى فى الأنواع الداخلة تحته فكل نوع ماهية أخذ فيها ذلك التفاوت والجميع أفراد للمشكك الذى هو الجنس الذى وضع اللفظ بإزائه. قوله: (بل باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها) ولذا فرق القرافى بين المتواطئ والمشكك بأن التفاوت إن كان بأمور من جنس المسمى فمشكك وإلا فتواطئ الأول كالبياض فإن أفراده تفاوتت باعتبار حصوله فيها وصدقه عليها والثانى كالإنسان فإن أفراده تفاوتت بالذكورة والأنوثة وهى ليست من جنس المسمى. قوله: (وكثر ذلك فأشبه. . . إلخ) تقدم أن ذلك نادر بعيد لا يلتفت إليه. قوله: (وأما متواطئ لكونه موضوعًا للقدر المشترك. . . إلخ) تقدم أنه لا يظهر فى مثل القرء للطهر والحيض.

стр. 492

قال: (مسألة: ووقع فى القرآن على الأصح كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وعسعس لأقبل وأدبر قالوا: إن وقع مبينًا طال بغير فائدة وغير مبين غير مفيد وأجيب فائدته مثلها فى الأجناس وفى الأحكام الاستعداد للامتثال إذا بين). أقول: هل وقع المشترك فى القرآن قد اختلف فيه والأصح أنه قد وقع لنا قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو مشترك بين الحيض والطهر وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، وهو مشترك بين أقبل وأدبر. قالوا: إن وقع فى القرآن فإما أن بقع مبينًا أو غير مبين وكلاهما باطل أما وقوعه مبينًا فإنه يلزم التطويل بلا فائدة لإمكان بيانه بمنفرد لا يحتاج إلى البيان فلا يطول وأما وقوعه غير مبين فإنه لا يفيد وحاصله لزوم ما لا حاجة إليه أو ما لا يفيد وكلاهما نقص يجب تنزيه القرآن عنه. والجواب: لا نسلم أن وقوعه غير مبين غير مفيد لأنه يفيد فائدة إجمالية كما فى أسماء الأجناس ثم له فى الأحكام خاصة فائدة وهى الاستعداد للامتثال إذا بين وأنه مطيع بالعزم على الامتثال والاستعداد له كما يعصى بخلافه. قوله: (طال بغير فائدة) ممنوع إذ ربما يقع البيان بالمجموع أو يشتمل الإبهام ثم التفسير على زيادة بلاغة كما يقرره علم المعانى. قوله: (فأما أن يقع مبينا) كأن بقال مثلًا: عسعس بمعنى أقبل أو لا بمعنى أدبر. قوله: (لإمكان بيانه بمنفرد) أى ما ليس بمشترك فلا يحتاج إلى بيان كأن يقال: أقبل أو أدبر وقد يقال: ربما لم يكن للمعنى المقصود لفظ منفرد فلا يمكن بيانه به. قوله: (وحاصله لزوم ما لا حاجة إليه) أى فى إفهام المقصود وذلك على تقدير البيان أو ما لا يفيد المقصود وذلك على تقدير عدمه. قوله: (والجواب) يعنى يختار وقوعه فى القرآن غير مبين وحينئذ إما أن يتعلق بالأحكام أو بغيرها فعلى الثانى تحصل فائدة إجمالية كما فى أسماء الأجناس وقد عرفت أنها قد تكون مقصودة وعلى الأول تحصل فائدة أخرى أيضًا وقد يختار وقوعه فيه مبينًا ولا نقص لأن ذكر الشئ مجملًا أولًا ومفصلا ثانيًا أبلغ وأوقع.

стр. 493

التفتازانى: (ممنوع إذ ربما يقع البيان بالمجموع) هذا مبنى على أن معنى قوله: طال بغير فائدة أن البيان بعد ذكر المشترك فيه تطويل من غير فائدة إذ يكفى ذكر البيان من غير ذكر المشترك وأما على أن معناه كما قال الشارح: إن المنفرد الذى يؤدى المراد مغن عن ذكر المشترك ثم بيانه لطوله بغير فائدة فلا يأتى هذا المنع. قوله: (لأن ذكر الشئ مجملًا أولًا. . . إلخ) وأيضًا ربما لم يكن هناك منفرد يفيد معنى هذا المشترك المقرون بالبيان فلا يكون تطويلًا بل هو المتعين طريقًا للإفهام وأيضًا قد تكون القرينة لتعين المراد حالية فلا طول فى اللفظ.

стр. 494

قال: (مسألة: المترادف واقع على الأصح كأسد وسبع وجلوس وقعود قالوا: لو وقع لعرى عن الفائدة قلنا فائدته التوسعة وتيسير النظم والنثر للروى أو الوزن أو تيسير التجنيس والمطابقة قالوا: تعريف المعرّف قلنا علامته ثابتة). أقول: قد اختلف فى أن المترادف هل هو واقع فى اللغة أم لا والأصح أنه واقع وقيل: ليس بواقع وما يظن منه من باب اختلاف الذات والصفة أو الصفات أو الصفة وصفة الصفة ونحوها لنا الاستقراء نحو جلوس وقعود للهيئة المخصوصة وسبع وأسد للحيوان الخاص وبهتر وبحتر للقصير وصلهب وشوذب للطويل. قالوا: لو وقع المترادف لعرى الوضع عن الفائدة واللازم باطل أما الملازمة فلأن الواحد كاف فى الإفهام فلا فائدة لوضع الآخر وأما انتفاء اللازم فلأنه عبث وهو على الحكيم غير جائز. والجواب: لا نسلم العراء عن الفائدة بل له فوائد منها: التوسع فى التعبير لكثرة الذرائع إلى المقصود فيكون أفضى إليه، ومنها تيسير النظم والنثر إذ قد يصلح أحدهما للروى أى القافية أو لوزن الشعر دون الآخر ومنها تيسير أنواع البديع كالتجنيس بأن يوافق أحدهما غيره فى الحروف دون صاحبه نحو رحبة رحبة ولو قال: واسعة لعدم التجانس وكالتقابل وهو ذكر معنيين متقابلين إذ قد يحصل بأحدهما دون الآخر، وإنما يتصور ذلك إذا كان أحدهما موضوعًا بالاشتراك لمعنى آخر يحصل باعتباره التقابل دون صاحبه كما قال خسنا خير من خسكم فقال خسنا خير من خياركم فوقع التقابل بين الخس والخيار بوجه ووقع بينهما المشاكلة بوجه آخر ولو قال خير من قثائكم لم يحصل التقابل. قالوا: لو وقع الترادف لزم تعريف المعرف لأن اللفظ الثانى تعريف لما عرف بالأول وأنه محال. الجواب: إنه نصب علامة ثانية لتحصيل المعرفة بهما بدلًا لا معًا وأنه غير محال. قوله: (وما يظن منه) أى من المترادف فهو من اختلاف الذات والصفة بأن يكون أحد اللفظين موضوعًا لنفس الذات والآخر لصفة الذات كالإنسان والناطق، أو اختلاف الصافات كالمنشئ والكاتب أو الصفة وصفة الصفة كالمتكلم والفصيح أو

стр. 495

الجزء والصفة أو الجزء وصفة الصفة وأمثال ذلك. قوله: (للروى) وهو الحرف الأخير من القافية، والقافية آخر كلمة فى البيت وقيل من آخر حرف فى البيت إلى أول ساكن قبله مع الحركة التى قبل الساكن، وقيل مع الحرف الذى قبل الساكن، وبالجملة قد يكون الروى هو الدال فيصح أسد دون سبع لكن لا ضرورة فى تفسير الروى بالقافية على ما فى أكثر النسخ ولا حاجة إلى عطفها عليه بأو على ما فى بعضها؛ إلا أن الشارح لما جعل اللام فى للروى متعلقًا بيصلح المقدر ومعلوم أن صلوح اللفظ المترادف إنما هو للقافية دون الروى فسره بها ولم يشعر كلامه بكيفية تفسير النثر بالمترادف والأولى أن يفسر الروى بالحرف الأخير من القافية أو الفاصلة على ما وقع فى عبارة علماء البديع ولا خفاء فى أن السجع والفاصلة قد تتيسر بأحد المترادفين دون الآخر. قوله: (وكالتقابل) الأولى أن يقول وكالمطابقة على ما هو المذكور فى المتن والمتعارف عند علماء البديع وكأنه لاحظ معنى اللغوى؛ وإلا فالمقابلة عندهم هى الجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] الآية، وكذا إطلاقه المشاكلة على الجمع بين المعنيين المتوافقين كالخس بمعنى البقل والخيار بمعنى القثاء، إنما هو باعتبار اللغة وإلا فالمشاكلة عندهم ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَة﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلا أَعْلَم مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وحين اعترض الشارح العلامة بأنه لا مدخل للترادف فى تفسير المطابقة، اللهم إلا على رأى من يشترط فيه الاتفاق بين اللفظين فى الوزن أو الحرف الأخير؛ تكلف الشارح المحقق ما تكلفه وأنت خبير بأن التجنيس فى رحبة رحبة والمطابقة فى خسنا خير من خياركم تحصل من اشتراك لفظ الرحبة بين الواسعة والفناء ولفظ الخس بين البقل والخسيس ولفظ الخيار بين الجياد والقثاء، وإن لم يوجد لفظ الواسعة والقثاء فلا مدخل للترادف فى ذلك وغاية ما يمكن أنه لما كان مثل لفظ الواسعة ولفظ القثاء موضوعًا فبوضع لفظ الرحبة ولفظ الخيار يتيسر التجنيس والمطابقة المذكوران. قوله: (قد اختلف فى أن المترادف) الترادف توارد لفظين أو ألفاظ فى الدلالة على الانفراد بحسب أصل الوضع على معنى واحد من جهة واحدة فخرج بقيد

стр. 496

الانفراد التابع والمتبوع وباعتبار أصل الوضع الألفاظ الدالة على معنى واحد مجازًا والتى يدل بعضها مجازًا وبعضها حقيقة وبوحدة المعنى ما يدل على معان متعددة كالتأكيد والمؤكد وبوحدة الجهة الحد والمحدود، وقيل: فلا حاجة إلى تقييد الألفاظ بالمفردة احترازًا عن الحد والمحدود وقد يقال: إن مثل قولك الإنسان قاعد والبشر جالس قد تواردا فى الدلالة على معنى واحد من جهة واحدة بحسب أصل الوضع استقلالًا فإن سميا مترادفين وإلا احتيج إلى قيد الإفراد وهو الظاهر. قوله: (وما يظن منه) يعنى وما يظن به أنه من قبيل الترادف ليس منه بل هو من باب اختلاف الذات والصفة أى بعضها موضوع للذات وبعضها للصفة كالإنسان والناطق أو اختلاف الصفة وصفة الصفة كالناطق والفصيح أو اختلاف الصفات المتعددة لذات واحدة لكن وقع الالتباس لشدة الاتصال بين هذه المعانى فظن أنها موضوعة لمعنى واحد. قوله: (وهو على الحكيم غير جائز) ولا شك أن الواضع حكيم إن كان هو اللَّه سبحانه وإن كان غيره فكذلك لأن وضع هذا اللغات المشتملة على اللطائف الكثيرة والدقائق الغزيرة لا يتأتى إلا من حكيم له نوع اطلاع عليها. قوله: (فيكون) أى التوسع فى التعبير أفضى إلى المقصود لإمكان التوصل إليه بأحدهما عند نسيان الآخر. قوله: (إذ قد يصلح أحدهما للروى أى القافية) الروى هو الحرف الأخير من القافية الذى تبنى عليه القصيدة وتنسب إليه كاللام فى قوله قفا نبك والقافية عند الأخفش هى الكلمة الأخيرة من البيت كلفظة حومل فيه وعند غيره من آخر البيت إلى أقرب ساكن إليه مع الحركة السابقة عليه وقيل بل مع التحرك الذى قبله فعلى الأول القافية من حركة الحاء إلى آخر البيت وعلى الثانى من الحاء وإنما فسر الروى بالقافية لأن أحد المترادفين لا يصلح أن يكون رويًا بل قافية. قوله: (أو لوزن الشعر) أى يصح الوزن بأحدهما دون الآخر وهو ظاهر هذا فى النظم وأما تيسر النثر فلأن الأسجاع فيه بمنزلة القوافى فربما صلح أحدهما لذلك دون الآخر وأيضًا فإن أحسن السجع ما تساوت قرائنه وقد يحصل ذلك بأحدهما فقط. قوله: (وكالتقابل) الموجود فى الأحكام وفى أكثر نسخ المتن هو المطابقة وما

стр. 497

ذكره فى تعريف التقابل من أنه ذكر معنيين متقابلين تفسير للمطابقة على ما هو المشهور وأما التقابل فهو قسم منها وقد عرفوه بأن يؤتى بمعنيين متوافقين أو أكثر بما يقابلهما كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]، إلا أنه لا مناقشة فى الاصطلاحات فجاز أن يطلق التقابل على ما يسمى مطابقة وبالعكس. قوله: (وإنما يتصور ذلك) أى حصول التقابل بأحد المترادفين دون الآخر والمقصود دفع ما قيل من أن الترادف لا دخل له فى تفسير المطابقة أصلًا إذ المعتبر فيها الجمع بين معنيين متضادين فقط إلا إن تعسر مع ذلك كون أحدهما موازنًا للآخر أو موافقًا له فى الحرف الأخير أو نحوهما وتقريره أن المعنى تيسير الترادف للمطابقة حصولها بأحد المترادفين دون الآخر وذلك ممكن إذا كان أحدهما موضوعًا بالاشتراك لمعنى آخر غير ما ترادفا عليه يحصل باعتبار ذلك المعنى الآخر التقابل دون صاحبه أى لا يكون هو موضوعًا للمعنى الذى يحصل التقابل باعتباره كما قال بصرى لبغدادى: خسنا خير من خسكم فقال البغدادى فى جوابه خسنا خير من خياركم فوقع التقابل بين الخس والخيار بوجه وهو أن يراد بالخس الخسيس وبالخيار خلاف الأشرار ووقع بينهما المشاكلة أيضًا بوجه آخر وهو أن يراد بالخس النبت المعروف وبالخيار القثاء والمراد من المشاكلة هو التناسب المسمى بمراعاة النظير أعنى جمع أمر مع ما يناسبه لا بالتضاد ولا لمشاكلة المصلحة التى هى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته ولو قال: خسنا خير من قثائكم لم يحصل التقابل أصلًا بل كان هناك مشاكلة ثم إنك تعلم أن التقابل مع التشاكل فى هذا الكلام إنما نشأ من اشتراك كل من الخس والخيار بين معنييه فلاشتراك الخيار بين المعنيين مدخل فى حصول التقابل بخلاف كونه مرادفًا للقثاء إذ لا أثر له فى ذلك قطعا فإنا لو فرضنا أن القثاء لم يوضع لعناه لم يضر ذلك فى التقابل أصلًا نعم إذا فرض وضع القثاء لمعناه مقدمًا على وضع الخيار له كان لوضعه له مع ملاحظة وضعه للمعنى الآخر دخل فى حصول التقابل وبهذا يتم المطلوب إذ يكفى سندًا للمنع ولا يقدح فيه أنه لو عكس الغرض لم يكن لوضع القثاء أثر فى حصوله قيل هذا التوجيه إنما يصح لو كان عربيًا وقد صرح الجوهرى بخلافه والكلام فى المترادف من لغة واحدة إذ لا منكر له من اللغات المتعددة والصحيح أن تيسير الترادف للمطابقة فيما إذا أريد تكرارها بغير ما وقعت به أولًا فيقال مثلًا فيه قبض

стр. 498

وبسط وإمساك وإطلاق ويتكرر بدون استقباح والجواب بعد كونه مناقشة فى مثال جزئى لا ينحصر المطلوب فيه أن الخيار بعد استعمال العرب إياه صار فى حكم موضوعات لغتهم فإنهم قد اعتبروا وضعه لذلك المعنى وإن كان من غيرهم ثم استعملوه فيه فيرد أن اعتبار هذا الوضع مع وضع القثاء عندهم لذلك المعنى يستلزم عراء أحدهما عن الفائدة بالقياس إليهم وأما ما ذكره من التوجيه ففيه أن الأصل فى قرائن الأسجاع وتنافى حكمها اختلاف المعانى وأيضًا الحاصل من الترادف هناك فى الحقيقة دفع التكرار اللفظى لا حصول المطابقة ولا اختصاص له بها إذ قد يقصد دفع التكرار لفظًا فى تكرير غيرها معنى. قوله: (وباعتبار أصل الوضع) فإن قلت: الدلالة بحسب الوضع تنقسم إلى المطابقة والتضمن والالتزام ولا اختصاص لها بأحدها فيه وعلى هذا التعريف توارد اللفظين الموضوعين لمعنيين لهما لازم ذهنى فإن كل واحد من هذين اللفظين يدل على الانفراد بحسب الوضع على المعنى الواحد الذى هو من جهة واحدة أى ليس لذلك المعنى جهتان يكون باعتبار كل واحد منهما مدلولًا للفظ كالإجمال والتفصيل فى الحد والمحدود فإن المعنى الواحد هنا من حيث الإجمال معنى المحدود حاصله أن المعنى يكون فى ضمن كل واحد من اللفظين على نهج واحد قلت: يمكن إخراج ما ذكر بقوله: بحسب أصل الوضع أى الأصل الذى هو الوضع فإن الدلالة المطابقية مبنيًا على الوضع والتضمن مبنية على كون المعنى جزءًا لا وضع اللفظ بإزائه والالتزام مبنية على كون المعنى لازمًا لما وضع اللفظ له فالمعنى توارد اللفظين فى الدلالة التى أصلها الوضع ومبنية عليه ولذا قال وباعتبار أصل الوضع الألفاظ الدالة على معنى واحد مجازًا وأنت تعلم أنه لا مجال لقولنا فى التعريف بحسب الوضع له قيل معنى وحدة الجهة اتحاد سبب الدلالة فى الحد والمحدود لتعدد السبب لأن فى الحد أوضاعًا مختلفة وفى المحدود وضعًا واحدًا وفى الصورة المفروضة تعدد السبب ظاهر وسيأتى كلام يحصل منه احتمال لهذين المعنيين لقوله من جهة واحدة فى الحاشية المكتوبة على قولهم إن الحد والمحدود مترادفان. قوله: (حصولها بأحد المترادفين) حصر الآخر بتيسير الترادف للمطابقة يقتضى أن يكون لخصوصية اللفظ يدخلها فإذا تعدد اللفظ لمعنى واحد حصل التيسير إذ لو لم يحصل بأحدهما يحصل بالآخر.

стр. 499

الشارح: (نحو رحبة رحبة) ونحو اشتريت البر وأنفقته فى البر ومنه قول ابن الفارض: فطوفان نوح عند نوحى كأدمعى ... وإيقاد نيران الخليل كلوعتى قوله: (توارد لفظين. . . إلخ) والمترادف لفظ دال بالوضع على مدلول لفظ آخر دال بالوضع باعتبار واحد. قوله: (التابع والمتبوع) نحو حسن بسن. قوله: (كالتأكيد والمؤكد) المراد التأكيد المعنوى. قوله: (وقيل فلا حاجة. . . إلخ) أى إذا اعتبر فى الترادف اتحاد الجهة فلا حاجة إلى تقييد الألفاظ بالمفردة للاحتراز عن الحد والمحدود لخروج ذلك باعتبار اتحاد الجهة. قوله: (وقد يقال. . . إلخ) إيراد على قوله: وقيل فلا حاجة. . . إلخ. قوله: (عند نسيان الآخر) أى وعند تعسره كالألثغ الذى لا يقدر على النطق بالراء فيقول بدل البر القمح. قوله: (فربما صلح أحدهما دون الآخر) كقولك ما أبعد ما فات وأقرب ما هو آت ولو كان لفظ انقضى فقط موضوعًا لهذا المعنى لفات السجع.

стр. 500

قال: (مسألة: الحد والمحدود ونحو عطشان نطشان غير مترادفين على الأصح لأن الحدّ يدل على المفردات ونطشان لا يفرد). أقول: زعم قوم أن الحد والمحدود مترادفان وكذلك قالوا ما الحد إلا تبديل لفظ بلفظ أحلى وليس بمستقيم إذ الحدّ يدل على المفردات بأوضاع متعددة بخلاف المحدود وقال قوم إن التوابع نحو عطشان نطشان وشيطان ليطان من قبيل المترادف وليس بمستقيم لأن نطشان لا يفرد ولو أفرد لم يدل على شئ بخلاف عطشان. قوله: (زعم قوم أن الحد) يريد الحد الحقيقى كما دل عليه الجواب ولأن اللفظى مرادف ودعوى الترادف فى الرسمى بعيدة جدًا. قوله: (إذ الحد يدل على المفردات) أى أجزاء المحدود (بأوضاع متعددة) فدلالته عليها تفصيلية (بخلاف المحدود) فإنه يدل عليها بوضع واحد فدلالة إجمالية فهما وإن دلا على معنى واحد لا يدلان عليه من جهة واحدة وإنما اختار اتحاد المعنى فى الحد والمحدود دون ما ذهب إليه غيره من اختلافه فيهما لدلالة المحدود على الماهية والحد على جميع الأجزاء نظرًا إلى اتحاد الماهية وجميع أجزائها بحسب الحقيقة وأما الاختلاف بالاجمال والتفصيل فهو عند التحقيق راجع إلى الدلالة لا إلى نفس المدلول فى ذاته. قوله: (لأن نطشان لا يفرد) أى لا يذكر منفردًا عن متبوعه (ولو أفرد لم يدل على شئ) أصلًا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال ما أدرى ما هو (بخلاف عطشان) فإنه دال على معناه مجموعًا ومنفردًا فقد خرجا عن التعريف بقيد الانفراد وأن لم يعتبر أمكن إخراجهما بقيد وحدة الجهة. قوله: (يريد الحد الحقيقى كما دل عليه الجواب) وذلك لأن لفظ الحد محمول على الاستغراق ولا يجوز أن يحمل على المفهوم الشامل لجميع أقسامه إذ البعض لا يدل على المفردات بأوضاع متعددة ولو أطلق الحد ولم يرد به المفهوم العام يراد الفرد الكامل الذى هو الحد الحقيقى. قوله: (وإنما اختار اتحاد المعنى فى الحد والمحدود) فإن قلت: لا يلزم من كلامه اتحاد المعنى فى الحد والمحدود فإنه قال: الحد يدل على المفردات بأوضاع متعددة

стр. 501

بخلاف المحدود فإن أريد الدلالة المطابقة فقوله: بخلاف المحدود معناه أن المحدود لا يدل بالمطابقة على المفردات بأوضاع متعددة وهذا أعم من أن يدل عليها بالمطابقة بوضع واحد أو بغير المطابقة وإن أريد ما هو أعم فلا يلزم من ثبوت الدلالة على المطابقة مطلقًا اتحاد المعنى فهو ظاهر قلت: المتبادر من تلك العبارة هو الاختلاف بين الحد والمحدود بتوارد الوضع وعدم توارده هو الاشتراك فى القيود الباقية فإذا حمل الدلالة على المطابقة يلزم اتحاد المعنى بينهما. الشارح: (لم يدل على شئ) وعند ذكره لا يفيد شيئًا أيضًا كما ذكره الآمدى ولكن الإسنوى ذكر أنه يفيد التقوية وفي التحرير أنه لتقوية متبوع خاص بزنته وأما التأكيد كأجمعين فلتقوية مدلول عام سابق فوضعه أعم من وضع التابع وعلى أن التابع لتقوية المتبوع فليس حرفًا لأنه يدل على معنى مستقل بالمفهومية كيف لا وليس معناه إلا معنى المتبوع وإنما لا يدل منفردًا لأنه وضع لتقوية متبوع قبله على زنته فهو بدونه مهمل لا يدل على شئ أصلًا. قوله: (فى الرسمى بعيد) أى لأن الرسمى يفيد الخاصة بخلاف الحد.

стр. 502

قال: (مسألة: يقع من المترادفين مكان الآخر لأنه بمعناه ولا حجر فى التركيب قالوا: لو صح لصح خداى أكبر وأجيب بالتزامه وبالفرق باختلاط اللغتين). أقول: قد اختلف فى وجوب صحة وقوع كل واحد من المترادفين مكان الآخر والأصح وجوبها إذ لو امتنعت لكان لمانع ضرورة واللازم منتف لأنه إما من جهة المعنى أو التركيب وكلاهما منتف أما من جهة المعنى فلأنه واحد فيهما وأما من جهة التركيب فلأنه لا حجر فى التركيب إذا صح وأفاد المقصود وذلك معلوم من اللغة قطعًا. قالوا: لو صح وقوع كل مترادف مكان صاحبه لصح خداى أكبر كما يصح اللَّه أكبر لأنه مرادفه واللازم منتف. الجواب: أوّلًا: بالتزام صحة خداى أكبر ممن يفهمه للخلاف فيه ولا إلزام إلا بمجمع عليه إذا لم يثبت بدليل. وثانيًا: بالفرق بأن المنع ثمة لأجل اختلاط اللغتين فلا يلزم المنع فى المترادفين من اللغة الواحدة. قوله: (قد اختلف فى وجوب صحة) لا خفاء فى أن المدعى لو كان نفس الصحة فى الجملة لم يتصور فيه خلاف، ولم يستقم قولهم لو صح لصح خداى أكبر فلذا جعل محل الخلاف وجوب الصحة ولزومها وتحقيق ذلك أن الصحة التى هى الإمكان إذا جعل جزءًا من المحمول تصير القضية ضرورية، كما يقال يجب إمكان بياض الزنجى ولما كان وجوب الصحة إذا أخذت جزءًا من القضية فى قوة الصحة إذا حديث جهة القضية صح جعل الامتناع نقيضا لوجوب الصحة فالذى قال إذ لو امتنعت حاصل أنه أخذ الصحة فى المدعى جزء المحمول وفى الاستدلال جهة الحمل لعدم تفاوت المعنى. قوله: (ولا حجر فى التركيب) حمله الشارح المحقق على ما هو الظاهر من العبارة، وجمهور الشارحين على أن المراد تركيب ذلك المعنى الذى عبر عنه بأحد المترادفين إلى معنى آخر من محكوم عليه، أو به أو نحو ذلك لما صرح به فى المنتهى من أنه لا خلاف فى صحة إطلاق كل من المترادفين مكان الآخر إفرادًا،

стр. 503

وإنما الخلاف فى التركيب فمنهم من جوزه مستدلًا بأن معنى اللفظ لما صح أن يقرن بمعنى آخر مدلول عليه بلفظ وجب صحة ذلك الاقتران عند كونه مدلولًا للفظ الثانى لأن صحة التركيب من عوارض المعانى. قوله: (قد اختلف فى وجوب صحة وقوع كل من المترادفين) عبارة المتن على النسخ المشهورة هكذا يقع كل من المترادفين مكان الآخر وأما النسخة الواقعة إلى الشارح ﵀ ففيها يجب قيام كل من المترادفين مكان الآخر فاحتاج فى تصحيح الكلام إلى تقدير الصحة. قوله: (لكان ذلك الامتناع لمانع ضرورة) لأن المصحح وهو اتحاد المعنى مع جهة الدلالة موجود وإذا وجد المقتضى لشئ كان امتناعه لمانع قطعًا ولا يتصور هناك مانع إلا من جهة المعنى أو التركيب وكلاهما منتف. قوله: (لصح خداى أكبر) أى فى تحريمه الافتتاح. قوله: (للخلاف فيه) يعنى فى هذا التركيب وصحته (ولا إلزام إلا بما هو مجمع عليه إذا لم يثبت بدليل) سواه وعلى هذا الجواب يبقى المدعى على عمومه وأما الجواب الثانى بالفرق فيقتضى تخصيصه بالمترادفين من لغة واحدة قيل والحق أن المجوز إن أراد أنه يصح فى القرآن فهو باطل قطعًا وإن أراد فى الحديث فهو على الخلاف الذى سيأتى وإن أراد فى الأذكار والأدعية فهو إما على الخلاف أو المنع رعاية لخصوصية الألفاظ فيها وإن أراد فى غيرها فهو صواب سواء كانت من لغة واحدة أو أكثر. المصنف: (وبالفرق باختلاط اللغتين) لا دليل على منعه بعد الفهم إلا عدم فعلهم وليس بدليل نعم مع قصد الإفادة وعدم علم الخاطب فالمنع ظاهر. الشارح: (فلأنه لا حجر فى التركيب) رد بأنه يقال صلى عليه دون دعا عليه. التفتازانى: (ولم يستقم قولهم لو صح لصح خداى أكبر) أى لأن عدم صحة خداى أكبر لا ينافى الصحة فى الجملة والحاصل أنه لو حمل يقع كل من المترادفين مكان الآخر على معنى أنه حاصل وواقع بالفعل من كل مترادفين لكان باطلًا ولو حمل على معنى يصح أن يقع ولو فى بعض الصور لم يستقم قوله: لو

стр. 504

صح لصح خداى أكبر فتعين الحمل على أنه يجب صحة وقوع كل واحد من كل مترادفين مكان الآخر وقوله وتحقيق ذلك. . . إلخ. حاصله أن قوله: يقع. . . إلخ. معناه يصح أن يقع فالصحة أخذت جزءًا من المحمول وحينئذ تكون جهة القضية الضرورة فصار الحاصل: يجب صحة وقوع. . . إلخ ثم إن وجوب الصحة عند أخذها جزءًا من المحمول فى قوة الصحة إذا جعلت جهة القضية ولم تجعل جزء المحمول فلذلك جعل الامتناع نقيض وجوب الصحة فقال إذ لو امتنعت فالصحة أخذت فى المدعى جزء المحمول وفى الاستدلال جهة القضية لأنه لا تفاوت فى المعنى وهذا إذا اعتبر الكلام فى المصنف، وإن معنى قوله: لأنه بمعناه أنه لو امتنعت لكان لمانع واللازم منتف لأنه بمعناه وأما إذا اعتبر الكلام فى قول الشارح وهو الظاهر كان الدعوى وهى قوله وإلا صح وجوب صحة الوقوع والاستدلال هو قوله: إذ لو امتنعت. . . إلخ. وأن قوله: وإلا صح وجوبها بيان للقضية بجهتها وأصل الترضية يصح وقوع كل من المترادفين مكان الآخر أى يمكن ذلك وجهتها الوجوب ووجوب الصحة فى قوة الصحة إذا أخذت جهة القضية بأن تقول يقع كل من المترادفين مكان الآخر بالإمكان فلذا جعل الامتناع نقيضًا لوجوب الصحة فقال: إذ لو امتنعت. . . إلخ. يوضح ذلك أن قولك: زيد موجود بالإمكان فى قوة زيد وجوده ممكن بالضرورة. قوله: (وأما النسخة الواقعة للشارح. . . إلخ) أى أنه لا حاجة إلى التأويل بالوجوب على النسخة التى نصها: يقع كل من المترادفين مكان الآخر لأن أل فى المترادفين للاستغراق والمعنى: يصح أن يقع كل من كل مترادفين مكان الآخر كما فهم السعد فليس قول الشارح: وإلا صح وجوبها تفسيرًا لنسخة يقع كل من المترادفين مكان الآخر بل تفسير لنسخة أخرى نصها: يجب قيام كل من المترادفين مكان الآخر. قوله: (على الخلاف الذى سيأتى) أى فى رواية الحديث بالمعنى. قوله: (أو المنع) أى فالقول بالجواز باطل.

стр. 505

قال: (مسألة: الحقيقة: اللفظ المستعمل فى وضع أوّل، وهى لغوية وعرفية وشرعية، كالأسد والدابة والصلاة، والمجاز المستعمل فى غير وضع أوّل على وجه يصح). أقول: الغرض تعريف الحقيقة والمجاز وفيه بحثان: الأول: فى الحقيقة: والحقيقة فى اللغة ذات الشئ اللازمة له من حق إذا لزم وثبت وفى الاصطلاح: اللفظ المستعمل فى وضع أول أى بحسب وضع أول كما يقال هذا المستعمل فى وضع الشرع أو فى وضع اللغة لكذا وليس فى صلة للاستعمال كما فى قولك استعمل فى هذا المعنى الفلاني وإلا لكان المراد بالوضع ما وضع له وهو خلاف الظاهر ولاحتاج إلى زيادة قيد وهو قوله فى اصطلاح التخاطب كما ذكره الجمهور وكان الحد بدونه مختلًا لأنه إذا كان التخاطب باصطلاح واستعمل فيما وضع له أولًا فى اصطلاح آخر لمناسبة بينه وبين ما وضع له فى اصطلاح التخاطب كان مجازًا مع أنه لفظ مستعمل فى شئ وضع له أولًا لكن ليس وضعه له أولًا فى اصطلاح التخاطب وإذا حملناه على ظاهره لم يحتج إلى ذلك القيد وصح الحدّ بدونه لأنه لم يستعمل فيه بوضع أول بل إما بلا وضع بل بالمناسبة أو بوضع غير أول بل ملحوظ فيه وضع سابق. واعلم أن تعريفه هذا يعم الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية لأن الوضع المعتبر فيه إما وضع اللغة وهى اللغوية كالأسد للحيوان المفترس أو لا وهو إما وضع الشارع وهى الشرعية كالصلاة للأركان وقد كانت فى اللغة الدعاء أو لا وهى العرفية وهذه إما من قوم مخصوص وهى العرفية الخاصة بذلك القوم كاصطلاحات أهل كل صناعة من العلماء وغيرهم أو لا وهى العرفية العامة وغلبت العرفية عند الإطلاق فيها وتسمى الأخرى اصطلاحية وذلك كالدابة لذوات الأربع بعد أن كانت فى اللغة لكل ما يدب على الأرض. الثانى: فى المجاز: والمجاز فى اللغة الانتقال مصدرًا بمعنى الجواز أو موضع الانتقال اسمًا للمكان منه وفى الاصطلاح اللفظ المستعمل فى غير وضع أول على وجه يصح والقيد الأخير احتراز عن مثل استعمال لفظ الأرض فى السماء وهذا ينطبق على مذهبى وجوب النقل فيه والاكتفاء بالعلاقة فكان أحسن مما يختص بمذهب نحو قولهم لعلاقة بينهما.

стр. 506

قوله: (الغرض تعريف الحقيقة والمجاز) يعنى أن الغرض من صدر المسألة تعريفهما وإلا فقد اشتملت المسألة على مباحث وأحكام، وفيه إشارة إلى أن المسألة وإن كانت عبارة عن إفادة التصديقات إلا أنها قد تشتمل على إفادة التصورات. قوله: (الحقيقة فى اللغة ذات الشئ) لا خفاء فى أن هذا ليس وضعه الأول لأنه صيغة فعيل بمعنى فاعل أو مفعول على ما قرره أئمة العربية، وإنما أطلق على ذات الشئ لكونها ثابتة لازمة لكنه اقتفى أثر الآمدى فى الأحكام وهو أنسب لما أن اللفظ بالنسبة إلى معناه الموضوع له بمنزلة ذات الشئ وحقيقته وبالنسبة إلى الغير بمنزلة العارض. قوله: (أى بحسب وضع أول) يعنى أن الاستعمال يكون باعتباره وبالنظر إليه ولأجله فاستعمال اللغوى الصلاة فى الأركان المخصوصة مجازًا؛ لاشتمالها على الدعاء ليس باعتبار وضع أول؛ بل باعتبار مناسبته للمعنى الموضوع له عند من يكتفى فى المجاز بالعلاقة المعتبر نوعها، وباعتبار وضع له ثان لما يشتمل على الدعاء مع ملاحظة وضعه السابق فى الدعاء، واعتبار مناسبة بينهما عند من يشترط فى أفراد المجازات السماع من أهل الوضع، واحترز بقوله ملحوظ فيه وضع سابق عما إذا نقل فى اللغة إلى معنى آخر مثلًا فإنه حقيقة لعدم ملاحظة الوضع السابق فاستعماله ليس إلا بحسب وضع هو أول فى الجملة وإن لم يكن أول على الإطلاق، وبهذا الاعتبار يدخل فى التعريف أنواع الحقائق حتى المشترك الذى علم تأخر وضعه لأنه أول بالنسبة إلى مجازه؛ إلا أنه يشكل بالحقيقة التى لا يكون لها وضع آخر أصلًا لا بالاشتراك ولا بالمجاز، اللهم إلا أن يقال أنه أول بالنسبة إلى وضعه المجازى على طريق الفرض والتقدير ولا يخفى ما فيه. واعلم أن الآمدى فسر الحقيقة باللفظ المستعمل فيما وضع له أولًا فى اصطلاح التخاطب، وترك المصنف قيد اصطلاح التخاطب بناء على اشتهار أن قيد الحيثية مراد فى تعريف الأمور التى تختلف باختلاف الإضافات والاعتبارات خصوصًا عند تعليق الحكم بالمشتق فصار المعنى أنه اللفظ المستعمل فى الموضوع له من حيث إنه الموضوع له، وظاهر أن المجاز ليس كذلك على المذهب الصحيح وأن مثل إطلاق الوضع على الموضوع له شائع فى كلام المصنف فما ذكره الشارح من أنه لو أريد

стр. 507

بالوضع الموضوع له لزم خلاف الظاهر ولاحتيج إلى زيادة قيد اصطلاح التخاطب كلام قليل الجدوى، نعم لو قيل إنه إذا أريد بالوضع الموضوع له وكان قيد اصطلاح التخاطب مذكورًا أو مقدرًا لم يبق لقوله أولًا فائدة أصلًا لكان سديدًا لأن قولنا الحقيقة هى اللفظ المستعمل فيما وضع له فى اصطلاح التخاطب جامع مانع لا غبار عليه اللهم إلا أن يقصد صحة التعريف على رأى من يشترط النقل فى أفراد المجازات ويجعلها موضوعة فى معانيها، بقي إشكال قوى وهو أنه إن أريد الوضع الشخصى خرج كثير من الحقائق لأن جميع المركبات وكثيرًا من الأفعال ومثل المثنى والمجموع والمصغر والمنسوب وبالجملة كل ما تكون دلالته بحسب الهيئة دون المادة إنما هى موضوعة بالنوع دون الشخص، وإن أريد مطلق الوضع أعم من الشخصى والنوعى لم يخرج المجاز عن التعريف لما أنه موضوع النوع، وجوابه يطلب من شرحنا للتنقيح فى فصل قصر حكم العام. قوله: (واعلم أن تعريفه هذا) صرح بذلك لما أن الآمدى عرف كلًا من الأقسام على حدة فقال: الحقيقة اللغوية هى المستعمل فيما وضع له أولًا فى اللغة، والشرعية هى اللفظ المستعمل فيما وضع له أولًا فى الشرع وهكذا العرفية، ثم قال وإن عممنا قلنا هى اللفظ المستعمل فيما وضع له أولًا فى الاصطلاح الذى به التخاطب ولما ترك المصنف هذا القيد كان مظنة أن يتوهم اختصاص تعريفه باللغوية؛ إلا أن الشارح قد فسر على وجه يزيل هذا الوهم ويعم الكل. قوله: (والثانى المجاز) أى البحث الثانى فى المجاز وكان الأنسب التصريح بلفظ "فى" على ما فى بعض النسخ والمجاز فى الاصطلاح اللفظ المستعمل فى غير وضع أول على وجه يصح أى بحسب غير وضع أول؛ بل بمجرد المناسبة كما هو رأى الأكثر أو بوضع ثان ملحوظ فيه الوضع السابق كما هو رأى البعض فيصح على المذهبين بخلاف ما إذا قيل هو اللفظ المستعمل فى غير وضع أول لعلاقة فإنه لا يصح إلا على مذهب الأكثرين والحاصل أن قولنا على وجه يصح أعم من قولنا العلاقة فإن قيل قد تكون الحقيقة مستعملة بحسب وضع لا يكون أول لا مطلقًا ولا بالإضافة إلى وضع آخر كالأعلام المنقولة التى لا تتصور لها مجازات مثل جعفر قلنا يكفى فى أولية الوضع أن يكون له ثان بحسب الفرض والتقدير على أن مثل هذه الأعلام يجوز أن تستعمل فى جزء الموضوع له أو لازمه هذا وقد صرح

стр. 508

الآمدى فى الأحكام بأن الحقيقة والمجاز مشتركان فى امتناع اتصاف أسماء الأعلام بهما كزيد وعمرو ولعله أراد الحقيقة والمجاز اللغويين على ما يشعر به احتجاجه وإلا فهو مشكل. قوله: (الغرض تعريف الحقيقة والمجاز) يعنى أن الغرض من هذه المسألة بيان الحقيقة والمجاز بحديهما وأحوالهما من الانقسام وغيره فالمراد من التعريف معناه اللغوى أعنى البيان وكذا أريد من البحث معناه لغة أعنى: التفتيش والكشف الكامل للتصوير وبيان التصديق وإن خص اصطلاحًا بالأخير غالبًا ويمكن أن يقال الغرض الأصلى هو الحدان وما ذكر من الأحكام فبالتبع. قوله: (وفيه) أى فى تعريفهما (بحثان) أى كل واحد منهما ونقول بحثان أمر كلى وجد ههنا فى ضمن هذا الجزئى الذى هو تعريفهما. قوله: (والحقيقة فى اللغة) فعيلة من حق يحق بالكسر إذا لزم وثبت فهى بمعنى الثابتة اللازمة ولذلك أطلقت فى اللغة على ذات الشئ اللازمة له ونقلت فى الاصطلاح منها إلى اللفظ المذكور للمناسبة فى اللزوم والثبات هذا هو المفهوم من ظاهر الشرح موافقًا للأحكام وأنت خبير بما ذكر فيها من التوجيهات الأخر فلا حاجة إلى ذكرها. قوله: (أى بحسب وضع أول) الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أن لفظ فى بمعنى السببية وقد وردت بهذا المعنى فى الأخبار كقوله ﵇: "عذبت امرأة فى هرة حبستها حتى ماتت" أى بسبب هرة حبستها "وفى النفس المؤمنة مائة من الإبل" أى بسبب قتلها "وفى خمس من الإبل شاة" فى التنزيل أيضًا كقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] , وقوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، فالحقيقة اللفظ المستعمل بسبب وضع أول وبحسبه فلفظ فى ههنا كهى فيما يقال هذا اللفظ يستعمل فى الشرع وضع أو اللغة لمعنى كذا أى يستعمل له بسبب وضع أحدهما فهى متعلقة بالاستعمال على معنى السببية وليست صلة للاستعمال كما فى قولك استعمل اللفظ فى المعنى الفلانى وليس فى التعريف على هذا التوجيه إلا حمل فى على معنى يقل استعمالها فيه وقرينة أرادته إجراء الوضع على ظاهره الذى لولاه لاحتاج الحد إلى القيد المشهور

стр. 509

أعنى قولنا: فى اصطلاح التخاطب أو إلى اعتبار قيد الحيثية أعنى قولنا: من حيث هو موضوع له أولًا لئلا ينتقض بالصلاة مثلًا إذا استعملها الشارع فى الدعاء لمناسبة معناها الشرعى فإنها مجاز قطعًا ويصدق عليها أنها لفظ مستعمل فى شئ وضع له أولًا وإنما يخرج عن الحد بأحد القيدين إذ وضعها للدعاء ليس فى اصطلاح التخاطب ولا استعمالها فيه من حيث إنها موضوعة له أولًا فحمل فى على معناها المشهور يستلزم محذورين جعل الوضع بمعنى الموضوع له وهو خلاف الظاهر وتقدير قيد فى التعريف وحملها على السببية لا يستلزم إلا محذورًا واحدًا فهو أولى ويؤيد هذا الوجه قوله: أولًا أى بحسب وضع أول وثانيًا لأنه لم يستعمل فيه بوضع أول. وثانيهما: يتوقف على تمهيد مقدمة هى أن المعنى ليس ظرفًا للاستعمال تحقيقًا بل تقديرًا فإنه لا تعلق بالمعنى تعلقًا مخصوصًا صار كأنه ظرف للاستعمال ومحيط به ولا شك أن الاستعمال متعلق بالوضع وناشئ منه بحيث يتصور هنا أيضًا ظرفية تقديرًا وكما يقال استعمل اللفظ فى معنى كذا بناء على الظرفية المقدرة يقال استعمل فى وضع كذا بناء عليها ولما كان مآل الظرفية هناك إلى تعلق خاص استعمل فيه اللام كثيرًا وإن كان استعمال فى أكثر ومآلها هنا إلى السببية استعمل فيه الباء أكثر وإن كان فى مستعملة أيضًا وإذا عرفت هذا فالشارح قدس سره حمل لفظة فى على الظرفية المقدرة للوضع بالقياس إلى الاستعمال وأجرى الوضع على ظاهره وما ذكره فى التفسير هو حاصل المعنى وباقى الكلام على ما تقرر آنفًا وأنت بعد خبرتك بمحصل كلامه عارف بتطبيقه على المراد وباندفاع ما قيل عليه من أن صرف فى عن كونه صلة للاستعمال وكونه بمعنى الباء مع تقدير مضاف أكثر خروجًا عن الظاهر ولا حاجة إلى زيادة القيد لاعتبار ملاحظة الحيثية لأن الشارح ﵀ لم يقل: إن فى صلة للاستعمال أصلًا بل حكم أنه ليس صلة له ههنا كما هو صلة له فى قولك استعمل فى المعنى الفلانى وقد عرفت أن الأمر كذلك على وجهين وأما كونه بمعنى الباء فى الوجه الأول فهو وإن كان خلاف الظاهر لكن المحذور هنا واحد وهناك شيئان إذ لا بد من اعتبار قيد سواء كان قيد التخاطب أو الحيثية وإنما خص الأول بالذكر لشهرته فى هذا المقام وأما تقدير المضاف فالشارح برئ عنه إذ لا حاجة إليه فى شئ من الوجهين قطعًا وما ذكره من قوله

стр. 510

أى بحسب وضع أول فهو حاصل المعنى لا أن لفظ حسب مقدر هناك. قوله: (بل إما بلا وضع بل بالمناسبة أو بوضع غير أول بل ملحوظ فيه وضع سابق) ينبه به على فائدتين: إحداهما: الاختلاف فى أن المعنى المجازى هل وضع اللفظ بإزائه أو لا وهذا الخلاف لفظى منشؤه أن وضع اللفظ للمعنى فسر بوجهين الأول تعيين اللفظ بنفسه للمعنى فعلى هذا لا وضع فى المجاز أصلًا لا شخصيًا ولا نوعيًا لأن الواضع لم يعين اللفظ بنفسه للمعنى المجازى بل بالقرينة الشخصية أو النوعية فاستعماله فيه بالمناسبة لا بوضع والثانى تعيين اللفظ بإزاء المعنى وعلى هذا ففى المجاز وضع نوعى قطعًا إذ لا بد من العلاقة المعتبر نوعها عند الواضع قطعًا وأما الوضع الشخصى فربما يثبت فى بعض وهذا الخلاف جار على مذهبى وجوب النقل وعدمه فعلى الثانى استعمال المجاز لمجرد المناسبة المعتبرة نوعها والخلاف فى أن هذا الاعتبار وضع أو لا وعلى الأول استعماله بالمناسبة المعتبر نوعها مع الاستعمال الشخصى والنزاع فيما ذكر وليس الاستعمال مع القرينة مستلزمًا للوضع بالمعنيين حتى يتوهم تفرع الخلاف على المذهبين فمن قال بوجوب النقل قال بالوضع ومن قال بعدمه قال بعدم الوضع أيضًا ويمكن أن يقال: منشأ الخلاف أن الوضع هل هو تخصيص عين اللفظ بالمعنى فيكون شخصيًا متعلقًا بعين اللفظ بالقياس إلى معناه أو هو تخصيص اللفظ بالمعنى فينقسم إلى شخصى ونوعى فعلى الأول المجاز موضوع عند المشترطين النقل فى الآحاد إذ قد علم بالاستعمال تخصيص عينه بإزاء المعنى وليس بموضوع عند غيرهم فالاختلاف معنوى راجع إلى وجوب النقل وعدمه وعلى الثانى هو موضوع على الذهبين ويرد على هذا أن نقل الاستعمال لا يدل على الوضع الشخصى وأيضًا المشتقات كاسم الفاعل وغيره موضوعة لمعانيها الحقيقية بلا خلاف مع أن الظاهر أن وضعها نوعى كما سيشير إليه الشارح. وثانيتهما: أن الوضع الأول هو ما لم يلاحظ فيه وضع سابق يعلم دلك من تفسيره غير الأول بما لوحظ فيه وضع سابق فلا يتجه حينئذ أن الأولية أمر إضافى لا يتحقق الوضع إلا إذا كان هناك وضع آخر هو ثان بالقياس إليه فيلزم أن يكون لكل حقيقة وضعان أحدهما بالقياس إلى ما هو حقيقة فيه وثانيهما بالإضافة إلى

стр. 511

غيره ويلزم فى كل لفظ كونه مشتركًا أو ثبوت المعنى المجازى مع كونه موضوعًا له جزمًا. قوله: (واعلم أن تعريفه) يريد أن ما ذكره المصنف من تعريف الحقيقة يتناول جميع أنواعها لأن الوضع المعتبر فى التعريف أعنى الوضع الأول بالتفسير المذكور أما وضع اللغة. . . إلخ. وستسمع كلامًا على هذا فى بحث الحقيقة الشرعية وإنما لم للاصطلاحية مثالًا لأن ما نحن بصدده أعنى لفظ الحقيقة منها. قوله: (الثانى فى المجاز) لفظ المجاز إما مصدر ميمى بمعنى الجواز أى الانتقال من حال إلى غيرها وإما اسم مكان منه بمعنى موضع الانتقال وقد نقل فى الاصطلاح إلى المعنى المذكور لمناسبة هى أن اللفظ قد انتقل إلى غير معناه الأصلى فهو متصف بالانتقال وسبب له فى الجملة وأن المستعمل قد انتقل فيه من معنى إلى آخر هذا هو الظاهر من الشرح وإن أمكن أن يقال فى توجيهه: نقل المجاز عن معناه اللغوى إلى معنى الجائز ومنه إلى اللفظ المذكور كما هو المشهور وقوله: فى غير وضع أول يتناول المجاز على تقديرى الوضع وعدمه فيكون أولى مما يختص بأحدهما، كقولهم: هو اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له لمناسبة بينهما والبحث عن لفظة فى كما فى تعريف الحقيقة والقيد الأخير أعنى قوله على وجه يصح احتراز عن اللفظ المستعمل فى غير وضع أول على وجه لا يصح مثل أن يستعمل لفظ الأرض فى السماء وهذا التعريف الذى ذكر فيه هذا القيد ينطبق على مذهبى وجوب النقل فى المجاز وعدمه والاكتفاء بالعلاقة فكان أحسن مما يختص بمذهب، نحو قولهم: هو اللفظ المستعمل فى غير وضع أول لعلاقة بينهما أى بين الموضوع له أولًا وغيره إذ يتبادر منه إلى الفهم أن الاستعمال للمناسبة لا لها وغيرها وأيضًا بما يلتزم على تقدير وجوب النقل أن لاعتبار للعلاقة فى الاستعمال فلا ينطبق التعريف حينئذ على هذا المذهب. واعلم أنه لا بد فى تعريف الحقيقة والمجاز على أى وجه كان من اعتبار حيثية الاستعمال أى الحقيقة اللفظ المستعمل بسبب وضع أول من حيث هو كذلك أى من حيث هو مستعمل بسبب الوضع الأول لئلا ينتقض بالمجاز الذى له حقيقة إذ يصدق عليه أنه لفظ مستعمل بسبب وضع أول فى الجملة وإن لم يكن استعماله المجازى بسببه وعلى هذا القياس.

стр. 512

قوله: (إجراء الوضع على ظاهره) يعنى أن الوضع يترك على ظاهره بناء على تكثر المحذور فى خلاف الظاهر وبعد ذلك يعلم أن المراد بلفظ فى معنى السببية قيل استعمال المصدر فى المشتق شائع وكذا اعتبار الحيثية فى مثل هذا التركيب وإرادة السببية من لفظ فى أبعد منهما أو تساويهما. قوله: (وهذا الخلاف لفظى) يعنى: أنه قد وقع من الواضع تعيين اللفظ مع القرينة بإزاء المجازى بالاتفاق فإن فسر الوضع بتعيين اللفظ بنفسه للمعنى سواء كان ذلك التعيين بنفس اللفظ أو باللفظ مع القرينة فالتعيين المجازى وضع قطعًا وإن فسر بتعيين اللفظ بنفسه للمعنى أى التعيين المتعلق باللفظ فقط من غير أن ينضم إلى شئ آخر فالتعيين المجازى ليس بوضع. قوله: (تخصيص عين اللفظ بالمعنى) أى تعيينه بإزائه ملحوظًا ذلك اللفظ بخصوصه سواء كان ذلك التعيين مع القرينة أو بدونها فيندرج فيه الوضع المتعلق بالإنسان ولفظ زيد ولفظ هذا والأوضاع المجازية ويخرج عنه المتعلق بالمشتقات، والمعنى الأول أعنى تعيين اللفظ بنفسه للمعنى لا يتناول الأوضاع المجازية ويتناول غيرها، والمعنى الثانى يتناول الكل وكذا الرابع. قوله: (أى من حيث هو مستعمل) اللفظ الذى وقع فيه استعمال حقيقى ووقع فيه استعمال مجازى أيضًا يصدق على هذا اللفظ فى كل استعمال أنه يستعمل فى الجملة فى الوضع الأول وغير الوضع الأول فلا يتميز كونه حقيقة عن كونه مجازًا فإذا قلنا الحقيقة لفظ مستعمل بسبب وضع أول من حيث هو مستعمل لهذا السبب حصل التمييز وتلك الحيثية هى حيثية الوضع. التفتازانى: (عند من يشترط فى أفراد المجازات السماع من أهل الوضع) جعل الخلاف فى وضع المجاز وعدم وضعه مبنيًا على وجوب النقل وعدم وجوبه وقد رده السيد بأن الخلاف المذكور جار على كل من وجوب النقل وعدمه. التفتازانى: (هو أول فى الجملة) أى بالنسبة إلى المعنى المجازى، وقوله: لا بالاشتراك ولا بالمجاز ظاهره أنه إذا كان لها وضع آخر بالاشتراك لا إشكال وهو كذلك بالنسبة للمعنى الأول من المعنيين المشترك فيهما إذ يصدق على اللفظ بالنسبة

стр. 513

له أنه استعمل بوضع أول لأن له وضعًا ثانيًا وإن لم يكن اللفظ باعتباره مجازًا لكن يبقى الإشكال بالنسبة لهذا المعنى الثانى. التفتازانى: (اللهم إلا أن يقال. . . إلخ) الأحسن ما قاله السيد من أن الوضع الأول هو ما لم يلاحظ فيه وضع سابق. التفتازانى: (لم يبق لقوله أو لا فائدة أصلًا) قد يقال عند التقدير فائدته الاحتراز بالصراحة. التفتازانى: (بقى إشكال قوى) هذا الإشكال غير وارد على تعريف المتن حيث اعتبر أن الاستعمال بحسب وضع أول ومن أجله لأننا نختار الثانى ولا يرد المجاز لأن الاستعمال فيه ليس بسبب الوضع الأول بل بالوضع الثانى أو اعتبار العلاقة من غير وضع على الرأيين فى المجاز. التفتازانى: (وكثيرًا من الأفعال) الأولى وجميع الأفعال لأن جميعها باعتبار دلالة هيئتها موضوعة بالنوع حتى ليس وعسى وإن تجردا عن الزمان فى الاستعمال. التفتازانى: (وجوابه يطلب من شرحنا للتنقيح) حاصله أن المراد بالوضع تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه سواء كان وضعًا شخصيًا أو نوعيًا قد خلت الحقائق التى وضعها نوعى وخرج المجاز لأن وضعه ليس تعيين اللفظ بنفسه بل مع القرينة وعبارته ولننبهك على فائدة جليلة وهى أن الوضع النوعى قد يكون بثبوت قاعدة دالة على أن كل لفظ يكون بكيفية كذا فهو متعين للدلالة بنفسه على معنى مخصوص يفهم منه بواسطة تعيينه له، مثل: الحكم بأن كل اسم آخره ألف أو ياء مفتوح ما قبلها ونون مكسورة فهو لفردين من مدلول ما ألحق بآخره هذه العلامة وكل اسم غير إلى نحو رجال ومسلمين ومسلمات فهو لجمع من مسميات ذلك الاسم وكل جمع عرف باللام فهو لجميع تلك المسميات إلى غير ذلك، ومثل: هذا من باب الحقيقة لمنزلة الموضوعات الشخصية بأعيانها بل أكثر الحقائق من هذا القبيل كالمستثنى والمصغر والمنسوب وعامة الأفعال والمركبات وبالجملة كل ما يكون دلالته على المعنى بالهيئة من هذا القبيل وقد يكون بثبوت قاعدة دالة على أن كل لفظ عين للدلالة بنفسه على معنى فهو عند القرينة المانعة عن إرادة ذلك المعنى متعين لما يتعلق بذلك المعنى تعلقًا مخصوصًا ودال عليه بمعنى أنه يفهم منه

стр. 514

بواسطة القرينة لا بواسطة هذا التعيين حتى لو لم يثبت من الواضع استعمال اللفظ فى المعنى المجازى لكانت دلالته عليه وفهمه منه عند قيام القرينة بحالها ومثله مجاز لتجاوزه المعنى الأصلى فالوضع عند الإطلاق يراد به تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه سواء كان ذلك التعيين بأن يفرد اللفظ بالتعيين أو يدرج فى القاعدة الدالة على التعيين وهو المراد بالوضع المأخوذ فى تعريف الحقيقة والمجاز. اهـ المقصود منه. التفتازانى: (وقد صرح. . . إلخ) وعليه فخروج الأعلام عن الحقيقة لا يضر وقوله على ما يشعر به احتجاجه أى حيث قال: إن الأعلام لا تخص لغة بعينها، وقوله: وإلا فهو مشكل أى لأنه لا يمنع الحقيقة والمجاز غير اللغويين فيها وفى حواشي التلويح الخسروية الظاهر أنها عرفية عامة لأن أهل العرف العام لما قبلوها ويسلموها وتعارفوها بينهم كان بمنزل نقل جميعهم إياها وإن صدر عن واحد منهم فلا يرد أن الناقل فى العرفية العامة غير متعين. قوله: (يعنى أن الغرض. . . إلخ) رد على السعد. قوله: (أى كل واحد منهما) أى فهو من ظرفية الجزء فى الكل فلا يلزم ظرفية الشئ فى نفسه وقوله: أو تقول. . . إلخ. هو من ظرفية الكلى فى الجزئى بمعنى تحققه فيه. قوله: (هذا هو المفهوم من ظاهر الشارح) أى: لا ما فهمه السعد من أنه وضعه الأول. قوله: (وليس صلة للاستعمال كما فى قولك استعمل اللفظ فى المعنى الفلانى) النفى منصب على التشبيه فى قوله: كما فى قولك. . . إلخ. كما سيذكره. قوله: (وما ذكره فى التفسير) أى من قوله أى بحسب وضع أول هو حاصل المعنى وهو الظرفية المقدرة التى تستعمل فيها الباء أكثر. قوله: (وباقى الكلام على ما تقرر آنفًا) أى من قوله: وقرينة إرادته إجراء الوضع على ظاهره الذى لولاه لاحتاج. . . إلخ. قوله: (بتطبيقه على المراد) أى من أن فى بمعنى باء السببية أو أنها للظرفية المقدرة التى تستعمل بدلها الباء أكثر. قوله: (أن فى صلة للاستعمال) تحريف وصوابه: ليست صلة للاستعمال.

стр. 515

قوله: (على وجهين) هما كون فى بمعنى باء السببية وكونها للظرفية المقدرة والوضع عليهما باق على ظاهره. قوله: (بل بالقرينة الشخصية) أى المعينة للمراد وقوله أو النوعية أى غير المعينة للمراد ويحتمل أن فى العبارة تحريفًا وأصله مع العلاقة الشخصية أو النوعية ويكون إشارة إلى مذهبى النقل وعدمه. قوله: (وهذا الخلاف) أى فى كونه موضوعًا أو غير موضوع جار على مذهبى وجوب النقل أى اشتراط سماع شخص المجاز ونقله إلينا وعدم ذلك. قوله: (فعلى الثانى) أى عدم الوجوب. قوله: (والخلاف فى أن هذا الاعتبار وضع أولا) أى فالقول بالوضع وعدمه جار على اعتبار الاستعمال المذكور الذى هو مبنى على عدم وجوب النقل. قوله: (والنزاع فيما ذكر) أى فى أنه وضع أو لا فهو جار أيضًا على القول بوجوب النقل، وقوله: وليس الاستعمال. . . إلخ. دفع لتوهم أن وجوب النقل والاستعمال الشخصى يستلزم الوضع بالمعنيين كما قال حتى يتوهم أن الخلاف على المذهبين أى مذهب وجوب النقل ومذهب عدمه وأراد بذلك الرد على التفتازانى. قوله: (فمن قال. . . إلخ) بيان لتفرع الخلاف التوهم. قوله: (منشأ الخلاف) أى فى أن المجاز موضوع أو غير موضوع. قوله: (فلا يتجه. . . إلخ) رد على السعد. قوله: (كونه مشتركًا) أى حتى يتحقق وضع أول وذلك إذا علم تأخر أحد الوضعين ومع ذلك يبقى الإشكال بالنسبة لاستعمال المشترك فى المعنى الثانى فإنه حقيقة وليس بوضع أول. قوله: (أعنى لفظ الحقيقة منها) لما تقدم من أن الحقيقة لغة: من حق إذا ثبت وفى الاصطلاح: اللفظ المستعمل. . . إلخ. فهى فى اللفظ المستعمل حقيقة اصطلاحية. قوله: (أى من حيث هو مستعمل) قال الهروى: اللفظ الذى وقع فيه استعمال مجازى أيضًا يصدق عليه فى كل استعمال أنه يستعمل فى الجملة فى الوضع الأول وغير الوضع الأول فلا يتميز كونه حقيقة عن كونه مجازًا فإذا قلنا الحقيقة لفظ مستعمل بسبب وضع أول من حيث هو مستعمل لهذا السبب حصل التمييز وتلك

стр. 516

الحيثية هى حيثية الوضع. اهـ. واعلم أن هذه الحيثية تغنى عن قيد فى اصطلاح التخاطب ولا يغنى ذلك القيد عنها. قوله: (وعلى هذا القياس) أى يقاس على ذلك مثل قولهم اللفظ المستعمل فيما وضع له فى اصطلاح التخاطب ثم اعلم أن المراد بالمجاز الذى له حقيقة وينتقض به التعريف لولا الحيثية المجاز الذى له معنى حقيقى باعتبار وضع آخر كالصلاة المستعملة من اللغوى فى المعنى الشرعى إذ يصدق عليها أنها لفظ مستعمل بسبب وضع أول فى الجملة أى بالنظر لوضع الشرع وقد يقال إنه عند اعتبار السببية للوضع الأول فى الاستعمال لا يحتاج إلى قيد الحيثية إذ لا يصدق على لفظ الصلاة المذكورة أنها مستعملة بسبب وضع أول.

стр. 517

قال: (ولا بد من العلاقة وقد تكون بالشكل كالإنسان للصورة أو فى صفة ظاهرة كالأسد على الشجاع لا على الأبخر لخفائها أو لأنه كان عليها كالعبد أو آيل كالخمر أو للمجاورة مثل جرى الميزاب). أقول: المجاز لا بد فيه من العلاقة بينه وبين الحقيقة وإلا فهو وضع جديد أو غير مفيد وهى اتصال ما للمعنى المستعمل فيه بالمعنى الموضوع له ويتصور من وجوه خمسة: إحدها: الاشتراك فى شكل كالإنسان للصورة المنقوشة على الجدار. ثانيها: الاشتراك فى صفة ويجب أن تكون ظاهرة لينتقل الذهن إليها فيفهم الآخر باعتبار ثبوتها له كإطلاق الأسد على الشجاع بخلاف إطلاق الأسد على الأبخر. ثالثها: أنه كان عليها أى المستعمل فيه على الصفة مثل العبد للمعتق لأنه كان عبدًا. رابعها: أنه آيل إليها كالخمر للعصير لأنه فى المآل يصير خمرًا. خامسها: المجاورة مثل جرى الميزاب. وهذا يعم ما يكون أحدهما فى الآخر كون الجزء فى كله أو الحال فى محله أو المظروف فى ظرفه وما لا يكون كذلك بل هما فى محل واحد أو فى محلين أو حيزين متقاربين بل وما هما متلازمان فى الوجود كالسبب والمسبب وفى الخيال كالضدين ووجه الضبط أن يقال: إما بين ذاتيهما اتصال أو لا، والأول المجاورة، والثانى إما أن يحصلا لذات أو لا والأول وصفان بينهما تقدم وتأخر إذ لو اجتمعا لزم خلاف الفرض فإن استعمل المتقدم للمتأخر فالكون عليها أو بالعكس فالأول إليها والثانى أمران لا اتصال بينهما بالذات ولا هما فى محل واحد فإن لم تكن لهما حال يشتركان فيها فلا علاقة قطعًا وتلك الحال إما صورة محسوسة وهو الشكل أو غيرها وهو الصفة. قوله: (وإلا فهو وضع جديد أو غير مفيد) لأنه إن عين بإزاء المعنى المجازى فوضع جديد وإلا فلا فهم منه لعدم التعلق فلا دلالة. قوله: (وهى اتصال ما) أى العلاقة تعلق ما للمعنى المجازى بالمعنى الحقيقى أعم

стр. 518

من أن يكون اتصالًا وانضمامًا بين الذاتين كما فى المجاورة أو غيره كما فى البواقى. قوله: (ويجب أن تكون) أى الصفة المشتركة (ظاهرة) فى المعنى الموضوع له (لينتقل الذهن) منه (إليها فيفهم) المعنى (الآخر) أعنى غير الموضوع له باعتبار ثبوت تلك الصفة له ولا يخفى أن مجرد ثبوتها له يوجب الفهم لكونها مشتركة؛ بل لا بد من قرينة خصوص مثلًا إذا أطلقنا الأسد ينتقل منه إلى الشجاع لكن لا يفهم منه الإنسان الشجاع إلا بقرينة مثل فى الحمام مثلًا. قوله: (وهذا يعم) لما كان أنواع العلاقات كثيرة يرتقى ما ذكروه إلى خمسة وعشرين وقد حصرها المصنف فى خمسة حاول الشارح المحقق تعميم الخامس بحيث يتناول جميع ما ذكروه لأن مجاورة المعنى المستعمل فيه للمعنى الموضوع له يجوز أن تكون يكون أحدهما فى الآخر جزءًا منه أو عرضًا حالًا فيه أو مظروفًا متمكنًا فيه فيشمل ستة أقسام: إطلاق الجزء على الكل وبالعكس والحال على المحل وبالعكس والمظروف على الظرف وبالعكس ويجوز أن تكون بكونهما فى محل واحد أو فى محلين متقاربين أو فى حيزين متقاربين، ولا يتصور كونهما فى حيز واحد لاستحالته فيشمل ثلاثة أقسام كالحياة للعلم وكلام السلطان لكلام الوزير والراوية للمزادة، ثم أدرج ما هو أبعد فقال بل يشمل إطلاق السبب على المسبب وعكسه كالغيث على النبت والنبت على الغيث ويتكثر بتكثر السبب إلى الفاعلى والمادى والصورى والغائى ويشمل أيضًا إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]، وكقولنا للجبان أسد، ولو جعلنا الوجود أعم من اللفظى أيضًا لتندرج فيه المشاكلة أعنى التعبير عن شئ بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته مثل: * اطبخوا لى جبة وقميصًا * لم يبعد بل لا يبعد أن يجعل المجاورة والاتصال شاملًا للكل كما ذهب إليه بعض الأصوليين من أن جميع العلاقات منحصرة فى الاتصال صورة أو معنى، واعلم أن الصفة الظاهرة المشترك فيها أعم من المحسوس والمعقول كما فى استعارة الورد للخد واستعارة الأسد للشجاع وحينئذ يندرج فيها الشكل فلا يصح جعل الاشترك فى الشكل قسمًا على حدة، ولهذا مال بعض الشارحين إلى أن المصنف

стр. 519

حصر أنواع العلاقات فى أربعة. قوله: (لزم خلاف الفرض) وهو عدم الاتصال بين ذاتيهما. قوله: (والثانى) أى إن لم يحصلا لذات فالمعنى المستعمل فيه والمعنى الموضوع له أمران ليس بين ذاتيهما اتصال، ولا هما حاصلان فى ذات فلا بد من اشتراكهما فى شكل أو صفة ظاهرة، وهذا وجه الضبط على وفق ما اعتبره المصنف من أقسام العلاقات، وإلا فالمشتركان فى الشكل أو الصنف قد يكون بينهما مجاورة أو اجتماع فى ذات. قوله: (المجاز لا بد فيه) لا بد فى المجاز من العلاقة بين معناه المجازى ومعناه الحقيقى (وإلا) أى وإن لم يكن بينهما علاقة (فهو) أى المجاز بل استعماله فى المعنى المجازى (إنما وضع جديد أو غير مفيد) لأنه إذا لم يلاحظ مناسبة بين هذا المعنى والمعنى الحقيقى سواء كان هناك مناسبة أو لا فإما أن يقصد بالإطلاق تخصيص اللفظ به وتعيينه بإزائه فهو وضع جديد أو لا فلا يكون مفيدًا إذ المعنى المقصود لا يفهم منه بحسب الوضع إذ لا يتعلق به أصلًا بل نسبته إليه كنسبته إلى سائر المعانى والعلاقة اتصال ما بين المعنيين معتبر بحسب نوعه ويتصور ذلك الاتصال من وجوه خمسة: الأول الاشتراك فى شكل وهو الهيئة الحاصلة للمقدار من حيث إنه محاط بحد أو أكثر ولا خفاء فى ظهوره للشكل، الثانى الاشتراك فى صفة والمراد بها ههنا الأمر القائم بالغير ما عدا الشكل ويجب أن تكون ظاهرة الثبوت للمعنى الحقيقى ولها به مزيد اختصاص وشهرة لينتقل الذهن من المعنى الحقيقى أعنى الموصوف إلى الصفة فيفهم المعنى الآخر أعنى المجازى باعتبار ثبوت الصفة له كإطلاق الاسد على الشجاع للاشتراك فى صفة الشجاعة إذ لها فيه ظهور ومزيد اختصاص فينتقل الذهن منه إلى هذه الصفة وإذا منع مانع من اعتبارها قائمة بالأسد لاحظ ثبوتها لذات أخرف فيفهم المقصود (بخلاف إطلاق الأسد على الأبخر) فإنه لا يجوز لعدم ظهور هذه الصفة فى الأسد وهذان القسمان من المجاز يسميان مستعارًا وما عداهما مجازًا مرسلًا، الثالث أنه كان عليها أى كان المستعمل فيه أعنى المجازى على الصفة التى يكون اللفظ حقيقة فيها، الرابع أنه أى المستعمل فيه آيل غالبًا إلى الصفة التى هى المعنى الحقيقى، الخامس المجاورة وهذا

стр. 520

الوجه يعم الأمور المذكورة وكون الجزء فى كله شاملًا للأجسام والأعراض وكون الحال فى محله وكونهما فى محل واحد أو فى محلين متقاربين مختص بالأعراض اصطلاحًا كما أن كون المظروف فى ظرفه وكونهما فى حيزين متقاربين يختص بالأجسام وإنما لم يقل أو فى حيز واحد لاستحالة تداخل الأجسام وشغلها حيزًا واحدًا بخلاف حلول الأعراض الكثيرة فى محل واحد كالحركة والسواد فى الأسود المتحرك. قوله: (بل وما هما متلازمان فى الوجود) عطف على قوله وما لا يكون كذلك باعتبار تخصيصه لما ذكر بعده أى بل ويعم ما هما متلازمان فى الوجود ولو عرفًا لتجاور بينهما فيه كالسبب والمسبب المجازيين فى الأجسام والأعراض وما همًا متلازمان فى الخيال والعلم كالضدين فإن الذهن ينتقل من ملاحظة السواد مثلًا إلى البياض وبالعكس فبينهما تلازم عرفي وتجاور هناك ثم إن المجاورة وإن كانت شاملة للأقسام لا يلزم أن يكون كل واحد منها معتبرًا بل المرجع فى ذلك الاستقراء. قوله: (إنما بين ذاتيهما اتصال) يريد به اجتماعًا فى الأعيان أو فى الأذهان يدل عليه قوله فيما بعد: إذ لو اجتمعا لزم خلاف الفرض لا مطلق اتصال لئلا يلزم تقسيم الشئ إلى نفسه وإلى غيره وصاحب الأحكام بعد ما عد الوجوه الخمسة قال: وجميع جهات التجوز وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه. ثم أعلم أن العلماء قد حصروا العلاقة المصححة للتجوز فى خمسة وعشرين بالاستقراء وإن كان بعض الأقسام منها متداخلة: الأول: استعمال اسم السبب للمسبب نحو "بلوا أرحامكم" أى صلوا. الثانى: عكسه كالإثم للخمر. الثالث: الكل للجزء كالأصابع للأنامل. الرابع: عكسه كالوجه للذات. الخامس: الملزوم للازم كالنطق للدلالة. السادس: عكسه كشد الإزار للاعتزال عن النساء فى قوله: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو بانت بأطهار السابع: أحد المتشابهين فى صفة شكلًا أو غيره للآخر كالأسد للشجاع. الثامن: المطلق للمقيد كاليوم ليوم القيامة. التاسع: عكسه كالمشفر للشفة. العاشر: الخاص للعام نحو ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] أى رفقاء. الحادى عشر: عكسه كالعام المخصوص. الثانى عشر: حذف المضاف نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾

стр. 521

[يوسف: ٨٢] , ويسمى مجازًا بالنقصان. الثالث عشر: عكسه نحو أنا ابن جلا. الرابع عشر: المجاورة كالميزاب للماء. الخامس عشر: الأول إليه. السادس عشر: الكون عليه. السابع عشر: المحل للحال. الثامن عشر: عكسه نحو ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧] أى الجنة. التاسع عشر: آلة الشئ له كاللسان للذكر. العشرون: أحد البدلين للآخر نحو الدم للدية. الحادى والعشرون: النكرة فى الإثبات للعموم نحو ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤]. الثانى والعشرون: الضد للضد. الثالث والعشرون: المعرف باللام لواحد منكر نحو ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [البقرة: ٥٨]؛ أى بابًا نقلًا عن الأئمة. الرابع والعشرون: الحذف نحو: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أى لئلا تضلوا. الخامس والعشرون: الزيادة نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. هذا مجمل ما فصلوه وعليك التأمل فى ردها إلى ما ذكر فى الكتاب واللَّه أعلم بالصواب. قوله: (لأنه إذا لم يلاحظ مناسبة) فعلى هذا يجب تقدير الكلام السابق هكذا لا بد فى المجاز من ملاحظة العلاقة وإلا أى وإن لم تلاحظ العلاقة بينهما أو يجب القول بأن العلاقة مناسبة معتبرة تلاحظ بين المعنيين لا مطلق المناسبة أو القول بأن انتفاء ملاحظة العلاقة لأنهم يحكمون بملاحظة العلاقة متى وجدت لكن قوله: سواء كان هناك مناسبة أو لا ينافى ذلك. قوله: (إذ لا يتعلق به أصلًا) هنا بحث وهو أنه لا يلزم من عدم ملاحظة المناسبة عدمها كما يدل على ذلك قوله: سواء كان هناك مناسبة أو لا وحينئذ جار أن يكون بين المعنى المستعمل فيه وبين الموضوع له مناسبة كاملة وتنصب هنا قرينة واضحة على وجه يفهم من اللفظ عند الإطلاق هو المعنى المقصود وتعلق الوضع واللفظ بالمعنى أعم من أن يكون بالوضع له أو بالوضع لملزومه كالجزء واللازم وعدم فهم المتكلم المناسبة لا يستلزم عدم فهم المخاطب المعنى المجازى المقصود من اللفظ بحسب الوضع. التفتازانى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) أى: فقد أطلق على الحسن وهو العقاب على السيئة لفظ السيئة والظاهر أن هذا من قبيل المشاكلة لا التضاد.

стр. 522

التفتازانى: (لوقوعه فى صحبته) أى لقصد وقوعه فى صحبته لأن الوقوع متأخر عن الذكر فلا يكون علة له. التفتازانى: (ولهذا قال بعض الشارحين. . . إلخ) أى فجعل قوله أو فى صفة عطف عام على خاص لكن المقرر أنه لا يكون بأو. قوله: (نحو بلوا أرحامكم أى صلوا) فى القاموس بل رحمه: وصلها وهو لا يفرق بين الحقيقة والمجاز. قوله: (كالإصبع للأنامل) أى فى قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٩] , وهو من مقابلة الجمع بالجمع المقتضية للقسمة آحادًا. قوله: (كالعام المخصوص) الأولى كالعام الذى أريد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ﴾ [النساء: ٥٤]، فإن المراد بالناس هو محمد ﷺ وقيل نعيم بن مسعود، وأما العام المخصوص فقيل حقيقة. قوله: (ويسمى مجاز) بالنقصان فيه إن هذا ليس من المجاز بمعنى اللفظ المستعمل فى غير وضع أول بل من المجاز بمعنى خلاف الأصل وليس الكلام فيه وكذا عكسه. قوله: (ففى رحمة اللَّه أى الجنة) جعل الرحمة حالة فى الجنة ليس بمعنى إرادة الإحسان ولا الإحسان لأن ذلك ليس حالًا فى الجنة بل بمعنى أثر الإحسان لأنه الحال فيها. قوله: (نحو الدم للدية) يقال: فلان أكل الدم أى الدية التى هى بدله. قوله: (النكرة فى الإثبات للعموم) فيه نظر لأن العلاقة إطلاق الخاص وإرادة العام. قوله: (المعرف باللام لواحد منكر) فيه نظر لأن ذلك ليس علاقة بل العلاقة المشابهة بين المبهم والمعين بناء على أن المعرف باللام للواحد المعين وضعًا. قوله: (الحذف) أى حذف غير المضاف والمضاف إليه لأن حذفهما قد تقدم ثم إن هذا ليس من المجاز الذى نحن بصدده بل من المجاز بمعنى خلاف الأصل.

стр. 523

قال: (ولا يشترط النقل فى الآحاد على الأصح لنا أنه لو كان نقليًا لتوقف أهل العربية عليه ولا يتوقفون واستدل لو كان نقليًا لما افتقر إلى النظر فى العلاقة. وأجيب بأن النظر للواضع وإن سلم فللاطلاع على الحكمة قالوا: لو لم يكن لجاز نخلة لطويل غير إنسان وشبكة للصيد وابن للأب وبالعكس وأجيب بالمانع قالوا: لو جاز لكان قياسًا أو اختراعًا وأجيب باستقراء أن العلاقة مصححة كرفع الفاعل). أقول: بعد الاتفاق على وجوب العلاقة فى المجاز هل يشترط فى آحاد المجازات أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة أم لا بل يكتفى بالعلاقة قد اختلف فيه والمختار أنه لا يشترط لنا أنه لو كان نقليًا لتوقف أهل العربية فى التجوز على النقل ضرورة ومن استقرأ علم أنهم لا يتوقفون وتستعمل مجازات متجددة لم تسمع من أهل اللغة ولا يخطئون صاحبه ولذلك لم يدوّنوا المجازات تدوينهم الحقائق واستدل عليه بأنه لو كان المجاز نقليًا لما افتقر إلى النظر فى العلاقة واللازم باطل، أما اللازمة فلان النقل دون العلاقة مستقل بتصحيحه والعلاقة دونه لا تصحح فاستوى فى الحالين وجودها وعدمها فلا معنى للنظر فيها وأما انتفاء اللازم فلإطباق أهل العربية على افتقاره إليه. الجواب: أن اللازم هو الاستغناء فى المتجوز عن النظر فى العلاقة والذي اتفق عليه افتقار الواضع فى الوضع إليه لا افتقار التجوز فى تجوزه سلمناه لكن الاستغناء فى التجوز لا يوجب عدم افتقار المتجوز إليه مطلقًا إذ قد يفتقر إليه فى الاطلاع على الحكمة الباعثة على ترك الحقيقة إلى المجاز وتعرف جهة حسنه. قالوا: أولًا: لو لم يشترط النقل فى الآحاد حتى جاز التجوز بمجرد العلاقة لجاز نخلة لطويل غير إنسان للمشابهة وشبكة للصيد للمجاوزة وابن للأب وأب للابن للسببية والمسببية وهما نوعان من المجاورة. الجواب: أن العلاقة مقتضية للصحة وتخلف الصحة عنها لا يقدح فيه فإنه ربما كان لمانع مخصوص فإن عدم المانع ليس جزءًا من المقتضى والتخلف لمانع عن المقتضى جائز. وقالوا: ثانيًا: لو جاز التجوز بلا نقل لكان قياسًا أو اختراعًا وهما باطلان أما لزوم أحدهما فلأنه إثبات ما لم يصرح به فإن كان لجامع مشترك بينه وبين ما صرح به مستلزم للحكم فهو القياس وإلا فهو إثبات ما لم يثبت من العرب لا هو ولا ما

стр. 524

يستلزمه وهو الاختراع وأما بطلانهما فالقياس سنبينه والاختراع ظاهر. الجواب: لا نسلم أنه إذا لم يكن لجامع يستلزمه يكون اختراعًا وإنما يكون اختراعًا لو لم يعلم الوضع باستقراء أن العلاقة مصححة كما فى رفع الفاعل ونصب المفعول فإنه بالوضع قطعًا ولا يجب النقل فى واحد واحد بل قد علم علمًا كليًا بالاستقراء. قوله: (وأجيب بأن النظر للواضع ولو سلم فللاطلاع على الحكمة) تقرير بعض الشارحين أن الأول لمنع الملازمة والثانى لبطلان التالى، وبعضهم بالعكس، وبعضهم أن كليهما لمنع الملازمة ولا يخلو عن تكلفات وتعسفات؛ فذهب المحقق إلى أن كليهما لمنع انتفاء اللازم وتقريره أن اللازم من اشتراط النقل فى آحاد المجازات هو استغناء المتجوز فى تجوزه أى تكلمه بالمجاز واستعماله اللفظ فى غير ما وضع له عن النظر فى العلاقة؛ لا استغناء الواضع فى وضعه ولا المتجوز فى أغراض أخر له، وقد ادعى المستدل إجماع أهل العربية على انتفاء هذا اللازم فمنع المجيب أولًا إجماعهم على افتقار المتجوز فضلًا عن أن يكون فى تجوزه وإنما الإجماع على افتقار الواضع فى وضعه، وبعد تسليم الإجماع على افتقار المتجوز منع إجماعهم على افتقاره فى تجوزه؛ بل فى أغراض أخر له وثبوت افتقار المتجوز فى الجملة إنما ينافى عدم الافتقار أصلًا لا عدم الافتقار فى التجوز على ما هو اللازم؛ فقوله سلمنا ليس تسليمًا لانتفاء التالى وافتقار المتجوز فى تجويزه بل لتحقق الافتقار فى حق المتجوز أيضًا عدم افتقاره على الواضع. قوله: (ومن استقرأ) أى تتبع أحوالهم وتفاصيل نظمهم ونثرهم (علم أنهم لا يتوقفون) بل يعدون اختراع آحاد المجازات من كمال البلاغة قوله (للسببية والمسببية) يعنى يلزم أن يجوز ابن للأب إطلاقًا للمسبب على السبب وأب للابن إطلاقًا للسبب على المسبب وكل منهما نوع آخر؛ لكنهما تحت المجاورة من قبيل التلازم فى الوجود والشبكة للصيد نوع آخر منها من قبيل كونهما فى حيزين متقاربين، وإنما عدل عما ذهب إليه بعضهم من أن الحلاقة فى الابن هو الكون عليه، وفى الأب للابن هو الأول إليه؛ لأن الكلام فيما إذا اتحد المضاف إليه بأن يقال ابن زيد ويراد أبوه وأبو زيد يراد ابنه، ومعلوم أنه لا كون هناك ولا أول وأما

стр. 525

عند اختلاف المضاف إليه بأن يقال زيد ابن أى لمن كان أباه وزيد أب أى صائر إلى الأبوة لولده الذى سيولد فلا خفاء فى صحته، وإنما الكلام فى أن لفظ الابن هل يصير مجازًا بموت الأب وأيضًا على هذا المعنى لا معنى لاعتبار الأبوة والبنوة فى جانب المعنى بل كان ينبغى أن يقول لجاز ابن لمن كان ابنًا سواء صار أبًا أو لم يصر وأب لمن يصير أبًا سواء كان ابنًا أو لم يكن فليتأمل. قوله: (وإنما يكون اختراعًا) إشارة إلى أن الواضع عين اللفظ بإزاء المعنى المجازى تعيينًا كليًا بمعنى أنه جوز إطلاقه على كل ما يكون بينه وبين المعنى الحقيقى نوع من العلاقات المعدودة علم ذلك باستقراء اللغة واستعمالات العرب، وإن لم يوجد التصريح به فى كل من الآحاد كما فى رفع الفاعل ونصب المفعول بل سائر ما يدل بحسب الهيئة كالمبنى للمفعول والأمر والمثنى والمجموع والمصغر والمنسوب وغير ذلك مما لم يصرح الواضع بآحادها بل علم بالاستقراء تعيين هيئاتها للدلالة على معانيها؛ إلا أن تعيين الهيئات للدلالة بنفسها أى من غير اشتراط قرينة خارجة عن اللفظ فصار كالأوضاع الشخصية ودخلت فى مطلق الوضع فكانت من قسم الحقيقة وتعيين المجازات للدلالة بمعونة القرائن المانعة عن إرادة المعانى الأصلية فخرجت عن قسم الحقيقة وعن أن يتناولها الوضع المطلق لكونه اسمًا للقسم الأول من التعيين. قوله: (هل يشترط فى آحاد المجازات) إنما ذكر الآحاد لأن الخلاف فيها وأما النقل بحسب الأنواع فمما لا بد منه ضرورة أن العلاقة التى اتفق عليها ما كانت معتبرة بحسب نوعها. قوله: (ولذلك) أى ولعدم اشتراط النقل فى الآحاد (لم يدونوا) فى كتب اللغة (المجازات تدوينهم الحقائق) إذ المذكور فيها هو المعانى الحقيقة وبعض المجازات المشهورة. قوله: (مستقل بتصحيحه) أى بتصحيح التجوز لأنا متبعون لهم فى إطلاق الألفاظ على المعانى والعلاقة دون النقل لا تصحح التجوز، فاستوى فى حال النقل وعدمه وجود العلاقة وعدمها إذ مع النقل جاز الاستعمال وجدت العلاقة أو لا وبدونه لم يجز أصلًا فلا فائدة لها فلا معنى للنظر فيها.

стр. 526

قوله: (على افتقاره إليه) أبي افتقار المجاز أو التجوز أو المتجوز إلى النظر فى العلاقة، والجواب: أن اللازم على تقدير اشتراط النقل فى الآحاد هو استغناء المتجوز فى تجوزه عن النظر فى العلاقة فإن ادعيت على ذلك التقدير الاستغناء مطلقًا أو بالنسبة إلى الواضع منعنا الملازمة وإن ادعيت استغناء المتجوز فى تجوزه أو استغناءه مطلقًا منعنا بطلان التالى فيهما فإن أهل العربية لم يتفقوا على افتقار المتجوز فى تجوزه إليه ولا على افتقاره إليه فى الجملة بل اتفقوا على افتقار الواضع فى الوضع إليه ولنا فى الثانى بعد تسليم الاتفاق على افتقار المتجوز فى الجملة منع الملازمة لأن استغناءه فى التجوز لا يوجب عدم افتقاره إليه مطلقًا فتقدير كلامه (لافتقار المتجوز فى تجوزه) ولا افتقار مطلقًا (سلمناه) أى افتقاره مطلقًا لا افتقاره فى تجوزه إذ لا يصح الجواب حينئذ قطعًا، وقوله: افتقار الواضع فى الوضع إليه يدل على أن المجاز موضوع فى الجملة وإن كان وضعًا كليًا ولو قيل: افتقار الواضع فى تجويز الاستعمال إليه شمل الوضع وعدمه لكن المتبادر من افتقار الواضع ما ذكره. قوله: (وهما) أبي السببية والمسببية (نوعان من) مطلق (المجاورة) كما عرفت معتبران بحسب النوع اتفاقًا ومنهم من قال: العلاقة فى الأول الاشتراك فى معنى، وفى الثانى: المجاورة، وفى الثالث: الكون عليه، وفى الرابع: الأول إليه غالبًا قال: ولما كانت العلاقة التى ذكرها المصنف أربعة أنواع ذكر لكل نوع صورة مشتملة عليه، والجواب: أن العلاقة المعتبرة نوعًا مقتضية لصحة الاستعمال وتخلف الصحة عنها فى بعض الصور لا يقدح فى الاقتضاء فإن التخلف ربما كان لمانع مخصوص بتلك الصور فلا يلزم منه قدح فى الاقتضاء؛ لأن عدم المانع ليس جزءًا من المقتضى بل التخلف لمانع عن المقتضى جائز وبهذا القدير يتم مقصودنا ولا يلزم تعيين المانع فما علم امتناع استعماله مع العلاقة حكم بوجود مانع هناك إجمالًا، وما لم يعلم فيه ذلك فإن علم أو ظن وجود مانع فيه لم يستعمل وإلا جاز استعماله؛ لأن الأصل عدم المانع ومنهم من قال ورد المنع من أهل اللغة عن هذه الإطلاقات ثم قال: وفى ورود المنع منهم نظر ومنع كون الصحيح لإطلاق النخلة على الإنسان هو الاشتراك فى الطول فقط بل هناك أوصاف أخر مشهورة. قوله: (فلأنه) أى التجوز بلا نقل (إثبات ما لم يصرح به) من إطلاق اللفظ

стр. 527

على المعنى المجازى، فإن كان هذا الإثبات بجامع مشترك بين المعنى المجازى الذى لم يصرح باستعمال اللفظ فيه وبين معنى صرح بإطلاق اللفظ عليه مستلزم ذلك الجامع للحكم الذى هو استعمال اللفظ كان قياسًا وإن لم يكن الإثبات بجامع كان اختراعًا للغة لا تكلمًا بلغة العرب، وقوله: لو يعلم الوضع باستقراء أن العلاقة مصححة يدل على أن المجاز موضوع وضعًا كليًا, ولو قيل: لو لم يعلم جواز الاستعمال كان أشمل وفإنه أخد هذا المعنى من التشبيه فإن رفع الفاعل بالوضع قطعًا. قوله: (إذ لا يصح الجواب حينئذ قطعًا) وذلك لأن ضمير سلمناه ولو كان راجعًا إلى افتقار المتجوز فى تجوزه يوجب أن يكون المنع قبل ذلك التسليم متوجهًا إلى بطلان عدم افتقار المتجوز فى تجوزه فيجب أن يكون التالى هكذا لا افتقر المتجوز فى تجوزه ولزوم هذا التالى القدم مسلم أيضًا ولا يحصل منعه من قوله: لكن الاستغناء فى التجوز لا يوجب عدم افتقار المتجوز إليه مطلقًا فلزم تمام الدليل وثبوت المدعى فلزم أن يقدر الكلام هكذا لا افتقار المتجوز فى تجوزه ولا افتقاره فى الجملة ويرجع ضمير سلمناه إلى افتقاره فى الجملة فيصير التالى هكذا: لما افتقر المتجوز فى الجملة أى لما افتقر مطلقًا ويكون قوله لكن الاستغناء. . . إلخ. منعًا للازمه فيصح الجواب ويتم الكلام. التفتازانى: (أن الأول لمنع الملازمة. . . إلخ) فيكون معنى قوله: وأجيب بأن النظر للواضع أنا لا نسلم أنه لو كان نقليًا لما افتقر إلى النظر فى العلاقة لجواز أن يكون نقليًا ويفتقر إلى النظر فى العلاقة لأن النظر المأخوذ فى اللازمة هو النظر من الواضع وهو لا ينافى كون المجاز نقليًا ومعنى قوله وإن سلم فللاطلاع. . . إلخ. أنا نسلم الملازمة بناء على أن النظر المأخوذ فيها هو النظر من المتجوز فى تجوزه ولكن نمنع بطلان التالى والافتقار المتفق عليه إنما هو للمتجوز لا فى تجوزه؛ بل له فى أغراض أخر كالاطلاع على حكمة ترك الحقيقة إلى المجاز وتعرف جهة حسنه وقوله وبعضهم بالعكس أى جعل قوله بأن النظر للواضع جوابًا بمنع بطلان التالى وقوله: وإن سلم فللاطلاع على الحكمة جوابًا بمنع الملازمة فيكون معنى قوله

стр. 528

وأجيب بأن النظر للواضع أنا سلمنا الملازمة لأن النظر فيها من المتجوز فى تجوزه ولا شك فى عدم افتقار المتجوز فى تجوزه إلى النظر فى العلاقة بناء على اعتبار النقل فى المجاز لكن لا نسلم بطلان التالى لأن الإجماع على أن الافتقار إلى النظر إنما هو باعتبار نظر الواضع ومعنى قوله وإن سلم فللاطلاع على الحكمة أنا لو سلمنا أن الإجماع على الافتقار إلى النظر من المتجوز فلا نسلم صحة الملازمة لأن النظر المأخوذ فيها هو النظر من المتجوز لا فى تجوزه بل فى الاطلاع على الحكمة ولا شك أن اعتبار النقل لا يقتضى عدم الافتقار إلى النظر فى العلاقة من المتجوز لا فى تجوزه واستعماله اللفظ فى غير الموضوع له بل هو مفتقر إلى النظر فى العلاقة للاطلاع على الحكمة وقوله: وبعضهم أن كليهما لمنع الملازمة وعليه فمعنى قوله وأجيب بأن النظر من الواضع أنا لا نسلم عدم الافتقار إلى النظر فى العلاقة بناء على النقل لأن النظر المأخوذ فى الملازمة هو النظر من الواضع ولا يلزم من النقل عدم الافتقار إليه ومعنى قوله: وإن سلم فللاطلاع على الحكمة أنه لو سلم أن النظر المأخوذ فى الملازمة من المتجوز فلا نسلم الملازمة أيضًا لأن النقل إنما يوجب عدم افتقار المتجوز فى تجوزه لا عدم افتقاره فى يخرج آخر كالاطلاع على الحكمة والنظر المأخوذ فى اللازمة هو النظر من المتجوز لا فى تجوزه وعدم الافتقار إليه ليس بلازم للنقل وتكلفات هذه التوجيهات ظاهرة. قوله: (الاستغناء مطلقًا) أى استغناء المتجوز فى تجوزه واستغناء الواضع فى وضعه. قوله: (أو استغناؤه مطلقًا) أى ولو فى غير تجوزه. قوله: (ولنا فى الثانى) هو استغناؤه مطلقًا وقوله: لأن استغناءه فى التجوز أى الذى هو لازم ضرورى للنقل لا يوجب عدم افتقاره إليه فى الجملة الذى جعل لازمًا فى الشرطية التى فى الدليل فصار التالى هكذا لما افتقر المتجوز فى الجملة. قوله: (إذ لا يصح الجواب حينئذ قطعًا) أى لأن ضمير سلمناه لو كان راجعًا إلى افتقار المتجوز فى تجوزه لما صح قوله لكن الاستغناء فى التجوز لا يوجب عدم افتقار التجوز. . . إلخ. واقتضى أن المنع قبل ذلك التسليم متوجه إلى بطلان عدم افتقار المتجوز فى تجوزه فيجب أن يكون التالى هكذا لما افتقر المتجوز فى تجوزه ولزوم هذا التالى للمقدم مسلم أيضًا ولا يحصل منعه من قوله لكن الاستغناء. . .

стр. 529

إلخ. فلا بد أن يقدر الكلام هكذا لا افتقار المتجوز فى تجوزه ولا افتقاره فى الجملة ويرجع ضمير سلمناه إلى افتقاره فى الجملة ويصير التالى هكذا لما افتقر التجوز فى الجملة أى لما افتقر مطلقًا ويكون قوله لكن الاستغناء. . . إلخ. منعًا للملازمة، ثم أعلم أن ما درج عليه ابن الحاجب من أن الخلاف فى اشتراط سماع الآحاد حمله بعضهم على غير أشخاص المجاز قال ابن السبكى فى شرحه على ابن الحاجب: محل الخلاف آحاد الأنواع لا الأشخاص؛ إذ الشخص الحقيقى لا يصح كونه محلًا للخلاف لأن أحدًا لا يقول لا أطلق الأسد على هذا الشجاع إلا إذا أطلقه عليه العرب بعينه وأطال فى بيان ذلك ثم قال: فقد تحرر أن الخلاف فى الأنواع لا فى الجنس ولا فى جزئيات النوع الواحد وسبقه إلى ذلك القرافى وعبارة جمع الجوامع والمختار اشتراط السمع فى نوع المجاز قال المحلى: فليس لنا أن نتجوز فى نوع منه كالسبب للمسبب إلا إذا سمع من العرب صورة منه وقيل لا يشترط ذلك بل يكتفى بالعلاقة التى نظروا إليها فيكفى السماع فى نوع لصحة التجوز فى عكسه مثلًا ثم قال ولا يشترط السماع فى شخص المجاز إجماعًا. قوله: (ومنع كون المصحح. . . إلخ) أى فما أوردوه من صور المنع ليس بحق لأنه لم يتحقق فيه المقتضى حتى يقال: إنه من صور المنع المورد من العرب.

стр. 530

قال: (قالوا: يعرف المجاز بوجوه بصحة النفى كقولك للبليد ليس بحمار عكس الحقيقة لامتناع ليس بإنسان وهو دور وبأن يتبادر غيره لولا القرينة عكس الحقيقة وأورد المشترك فإن أجيب بأنه يتبادر غير معين لزم أن يكون المعين مجازًا وبعدم اطراده ولا عكس وأورد السخى والفاضل لغير اللَّه والقارورة للزجاجة فإن أجيب بالمانع فدور وبجمعه على خلاف جمع الحقيقة كأمور جمع أمر للفعل وامتناع أوامر ولا عكس وبالتزام تقييده نحو جناح الذل ونارًا للحرب وبتوقفه على المسمى الآخر مثل ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]). أقول: قال الأصوليون: يعرف المجاز بالضرورة بأن يصرح أهل اللغة باسمه أو بحدّه أو بخاصته وبالنظر بوجوه منها صحة النفى فى نفس الأمر كقولك للبليد ليس بحمار وإنما قلت: فى نفس الأمر ليندفع ما أنت بإنسان لصحته لغة وهذا بعكس الحقيقة فإن عدم صحة النفى علامة لها ولذلك لا يصح أن تقول للبليد: إنه ليس بإنسان الاعتراض عليه المراد بصحة سلبه سلب كل ما هو معناه حقيقة لأن معناه مجازًا لا يمكن سلبه وسلب بعض المعانى الحقيقية لا يفيد لجواز سلب بعض المعانى الحقيقية دون بعض فإذًا لا يعرف صحة سلبه إلا إذا علم كونه ليس شيئًا من المعانى الحقيقية وهو إنما يتحقق إذا علم أنه فيما استعمل فيه مجاز فإثبات كونه مجازًا به دور ووروده فى الحقيقة أظهر. وقد يجاب بأن سلب بعض المعانى الحقيقية كاف فيعلم أنه مجاز فيه وإلا لزم الاشتراك وأيضًا فما ذكرت حق إذا أطلق اللفظ لمعنى لم يدر أحقيقة فيه أم مجاز أما إذا علم معناه الحقيقى والمجازى ولم يعلم أيهما المراد أمكن أن يعلم بصحة نفى المعنى الحقيقى عن المورد أن المراد هو المعنى المجازى فيعلم أنه مجاز. ومنها: أن يتبادر غيره إلى الفهم لولا القرينة عكس الحقيقة فإنها تعرف بأن لا يتبادر غيره لولا القرينة الاعتراض يرد عليه المشترك إذا استعمل فى معناه المجازى إذ لا يتبادر غيره للتردد بين معانيه وعدم تبادر شئ منها وأنه علامة الحقيقة وليس بحقيقة فإن أجيب بأنا لا نسلم أنه لا يتبادر غيره بل يتبادر أحد معنييه لا على التعيين وهو غيره قلنا: لو صح ذلك لصدق على العين أنه يتبادر غيره إذ غير المعين غير المعنى وذلك علامة المجاز فليكن مجازًا فى المعين فلا يكون مشتركًا بل متواطئًا وقد يجاب بأنه إنما صح ذلك لو تبادر أحدهما لا بعينه على أنه المراد
следующие страницы →