← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فى الإسناد. قوله: (وهذا مختار عبد القاهر) ولعل الشارح ﵀ إنما حكم بذلك بناء على نقل المصنف قوله فى هذا المقام إذ لو لم يحمل عليه لم يكن له تعلق بالمجاز الذى نحن بصدده وإن كان كلامه على ما نقل يدل على خلاف هذا إجمالًا وتفصيلًا أما الأول فحيث قال: واعلم أن حد كل واحد من وصفى الحقيقة والمجاز إذا كان الموصوف به المفرد غير حده إذا كان الموصوف به الجملة وأما الثانى فحيث قال المجاز فى أشاب الصغير هو أن الشيب إنما يحصل بفعل اللَّه تعالى ونحن لم نسنده إليه بل أسندناه إلى مر الغداة وإسناده إلى قدرة اللَّه تعالى حكم ثابت له لذاته لا بسبب وضع واضع فإذا أسندناه إلى غيره فقد نقلناه عما يستحقه لذاته فى الأصل فيكون التصرف فى أمر عقلى لا وضعى فلهذا يكون المجاز عقليًا وفى الإسناد لا وضعيًا وفى المفرد وإذا حمل كلامه على هذا كان راجعًا إلى ما ذكره الإمام ولم يكن له تعلق بهذا المقام ولهذا قيل لم يتنبه المصنف لمعنى المجاز فى الإسناد بل توهمه بمعنى المجاز فى المفرد واللَّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال. قوله: (والحق أنها تصرفات عقلية فالكل ممكن والنظر إلى قصد المتكلم) هذا على مذهبى الإمام وصاحب المفتاح ظاهر إذ للمتكلم أن يقصد هذا تارة ويقصد ذاك أخرى وأما مذهب المصنف ومختار عبد القاهر وإن كان كل واحد منهما أمرًا ممكنًا فى نفسه فإنه يتعلق بالوضع واللغة وليس للمتكلم أن يقصد أحدهما جاريًا على قانون اللغة إلا بعد ثبوته فيها وإذا ثبت أحدهما تعين للقصد اللهم إلا أن يقال كل واحد منهما ثابت فيها فله أن يقصد أيهما شاء لكن الكلام فى الثبوت. قوله: (إذ ليس كل شئ يقصد به فائدته) يعنى: أن الواضع يقصد إلى الفائدة ولا يلزم من تحقق الوضع تحقق الفائدة فجاز تحقق الوضع مع عدم الاستعمال فيما وضع اللفظ بإزائه فلا يكون المجاز مستلزمًا للحقيقة. المصنف: (وقول عبد القاهر أن المجاز فى الإسناد. . . إلخ) ليس مراده أنه على قول عبد القاهر يكون مثل: أحيانى اكتحالى بطلعتك من المجاز اللغوى الذى لا حقيقة له فيكون مجازًا لا حقيقة له فى الاستعمال بل مراده الإيراد على قوله:

стр. 562

والحق أن المجاز فى المفرد لأنه مجاز فى الإسناد وإن كان لا علاقة له بكون المجاز يستلزم الحقيقة أولًا لأن ذلك فى المجاز اللغوى فالمصنف يرى أن ما يقال فيه: إنه مجاز عقلى وهو مجاز فى الطرف وليس مجازًا عقليًا كما أنه ليس مجازًا لغويًا فى الهيئة التركيبية حتى يكون مثل: أحيانى اكتحالى بطلعتك مجازًا لغويًا لا حقيقة له. الشارح: (المراد العدم فى الجملة وقد ثبت) أى فإذا هجر الاستعمال فى معنى شرعًا كان اللفظ غير مستعمل شرعًا فيما هجر فيه فلم يكن للفظ حقيقة شرعًا بل مجاز شرعًا يعنى أن لفظ الرحمن استعمل شرعًا فى اللَّه تعالى مجازًا لغة ولم يستعمل شرعًا بمعناه الأصلى اللغوى فصار مجازًا لا حقيقة له بهذا الاعتبار وكذا يقال فى العرف العام فتأمل. التفتازانى: (على فهمه فى الجملة) أى فهمه لا من اللفظ. التفتازانى: (على أن العراء عن الفائدة لا يستلزم العبث) أى فنمنع بطلان اللازم لكن هذا غير ظاهر على أن الواضع هو اللَّه. التفتازانى: (فيه بحث) هو أن الواجب معلومية المعنى وإن كان موهومًا غير متحقق فى نفس الأمر والمعلومية متحققة أما تحققه فى الواقع فليس بواجب كالكواذب. التفتازانى: (بخلاف قامت الحرب على ساق) قد يقال: إن قامت مستعار لاشتدت والساق مستعار للهول. التفتازانى: (وهذا غير الإسناد الذى يقول به عبد القاهر) كأنه فهم أن المصنف يرى أنه هو عنده فلذا قال: وقول عبد القاهر. . . إلخ وقد علمت مراد المصنف به. التفتازانى: (واتحاد جهة الإسناد) أى الذى تمسك به المصنف فى رد كونه مجازًا عقليًا. التفتازانى: (هذا مشكل فيما إذا أسند إلى المصدر نحو جد جده) قال فى مسلم الثبوت وشرحه: قد اختلف فى نحو أنبت الربيع البقل على أربعة مذاهب؛ الأول أنه مجاز فى المسند وهو التسبب العادى وإن كان وضعه للتسبب الحقيقى وذلك قول ابن الحاجب وقرر بأن الفعل يدخل فى مفهومه النسبة إلى الفاعل القادر فإذا أسند إلى غير القادر يكون مجازًا ألبتة ورد بما اتفق عليه علماء البيان من أن الفعل لا يدل بحسب الوضع على أن فاعله يلزم أن يكون قادرًا أو غير قادر سببًا حقيقيًا

стр. 563

أو غير حقيقى فإن الفعل إنما أخذ فى مفهومه النسبة إلى فاعل ما لا الفاعل القادر وإذا كان الفاعل أعم كان الفاعل المختار وغيره والسبب الحقيقى وغيره فليس هناك تسبب حقيقى هو مدلول الفعل حتى يكون الانتقال إلى التسبب العادى مجازًا ورد أيضًا بأن من الأفعال ما ليس إسناده إلى الفاعل المختار فيلزم حينئذ أن تكون هذه الأفعال مجازات والتزامه بعيد كل البعد، ورد أيضًا بأن الحكم بدخول النسبة إلى الفاعل القادر لوجود بعض الأفعال مسندة إليه ليس أولى من العكس، ثم اعلم أن الخطأ من المترجمين فى تقرير كلامه ومرامه مصون عن هذه الشناعات فإنه لم يرد أن فى مدلول الفعل النسبة إلى القادر بل مراده أنه لما صدر ممن لا يعتقد ظاهره عرف أن فيه تأويلًا فأول هو فى المسند، وحكم بأن المراد منه ما يصلح لأن يسند إلى المذكور وههنا المذكور الإنبات وهو فى اللغة والعرف خلق النبات فتجوز عن التهيؤ والاستعداد له وهو التسبب العادى وعلى هذا القياس يؤول فى كل مثال بما يليق به وعلى هذا لا يرد عليه شئ فافهم وهو الذى اختاره الجونفورى فى تحقيق كلامه فى الفرائد. اهـ. التفتازانى: (وبالجملة. . . إلخ) لا وجه لما قاله على ما علمت من تقرير كلامه. التفتازانى: (حقيقة فى ذى الرحمة) أى لا بمعنى الرقة ثم إن هذين الوجهين لا يفيان بالرام لأنه لم يقم دليل على أن الرحمة رقة فى القلب بل يجوز أن تكون موضوعة بإزاء التفضل والإحسان، وإن كان هذا التفضل فى الإنسان لا يكون إلا برقة القلب وانعطافه وعدم إطلاقه على غيره لعدم وجود معناه فإنه اعتبر مبالغة كاملة وإنه ذو تفضل عظيم لسعة المرحوم المتفضل عليه وشموله لكل أحد وسعة المتفضل به من النعماء وهذا لا يوجد فى غيره قطعًا وبعد التنزل إطلاق العام على فرد منه ليس مجازًا لكن يبعد هذا أن الظاهر أن خصوصه مراد من لفظ الرحمن ولم يطلق الرحمن عليه تعالى لكونه فردًا من أفراد الكلى. التفتازانى: (وما يقال من مجازيته. . . إلخ) وجه الوهم أن المراد بالمذكر ما قابل المؤنث لا ما اتصف بكونه له آلة الذكر. التفتازانى: (لأنا نقول هو كما إذا أطلق كافر لفظ اللَّه على مخلوق. . . إلخ) فيه أن هناك فرقًا بينهما لأن لفظ اللَّه علم على الذات وأما رحمن فهو وصف والقاعدة اللغوية صحة إطلاقه على من ثبت له مبدأ الاشتقاق فالظاهر أن يقال: إن المختص

стр. 564

باللَّه تعالى هو المعرف الذى صار علمًا بالغلبة عليه من غير استعمال فى غيره. التفتازانى: (إن أراد به. . . إلخ) فيه أنه أراد به التصرف فى المعنى بحسب العقل. التفتازانى: (فلا بد وأن يكون مجازًا لغويًا) أى فلا يصح قوله وهو قول الإمام الرازى أنه مجاز عقلى وقوله ولم يطابق القواعد البيانية أى لأنه ليس فيه انتقال من اللازم إلى الملزوم على رأى بعض فى الكناية ولا انتقال من الملزوم إلى اللازم كما هو رأى آخر فيها وقد علمت أنه ليس المراد هذا ولا ما ذكره أولًا بل المراد به التأويل فى المعنى بالنظر إلى أن التصرف فى أمر عقلى لا وضعى فيكون مجازًا فى الإسناد. التفتازانى: (جعل المسند للتسبب الحقيقى مجازًا عن التسبب العادى. . . إلخ) علمت أن مراده أن الفعل لما صدر ممن لا يعتقد ظاهره عرف أن فيه تأويلًا فأول المصنف فى المسند وحكم بأن المراد منه ما يصلح لأن يسند إلى المذكور وهنا أثبت فى اللغة والعرف معناه خلق النبات فتجوز به عن التهيؤ والاستعداد له وهو التسبب العادى ويؤول فى كل شئ بما يناسبه فيؤول جد جده بثبت جده وعلى هذا لا يرد عليه شئ مما ذكره. التفتازانى: (وكذا إن جعل. . . إلخ) أى كما هو مذهب الجمهور. التفتازانى: (مجازًا عن السبع) أى مجازًا منقولًا عن السبع الحقيقى فالسبع فى أظفار السبع بمعنى الموت. التفتازانى: (لكان أهون) أى باعتبار وجود الاستعارة التخيلية معها. التفتازانى: (وأما تمثيله بقوله صبحنا الخزرجية مرهفات. . . إلخ) جواب عما يقال: إن السكاكى قد قال بالتخيلية فى ذلك وقوله: وإنهما اتفقا. . . إلخ. قد يقال: إنهما وإن اتفقا على أن المجاز عقلى لكن اختلفا فى الموصوف به فعند الإمام الإسناد وعند الشيخ المركب وليس مراد الشارح من كون المجاز فى التركيب أنه المجار اللغوى على وجه الاستعارة التمثيلية حتى يقال: إنه ليس مذهب عبد القاهر ولم يقل به أحد من علماء البيان بل مراده المجاز العقلى وأن الموصوف به المركب لكن هذا على أحد وجهين للشيخ عبد القاهر وإلا فقد نقل عنه أن الموصوف بالمجاز العقلى هو الإسناد كما نقل عنه أنه الجملة.

стр. 565

التفتازانى: (كالأمر للوجوب والإباحة) فيه أن الإباحة والوجوب متضادان لا متناقضان. التفتازانى: (على تقدير فهم المراد) تحريف وصوابه: على تقدير فهم غير المراد. التفتازانى: (أو فى الأصول) عطف على قوله: فى العربية. التفتازانى: (فليس بمستقيم على ما لا يخفى) أى لأن الوجوب والجواز مفهومان من كل من لا تطلق فى القرء وطلق فى القرء ولا معنى للتوزيع. قوله: (أريد بالإسناد الهيئة التركيبية. . . إلخ) أى فالمجاز فى المركب باعتبار الإسناد وقوله: ويحتمل أن يراد. . . إلخ. فقول المصنف: المجاز فى الإسناد على حذف مضاف أى فى مركب الإسناد وعلى كل فالمراد المجاز اللغوى باعتبار الإسناد وهذا على فهم المحشى فى كلام الشارح، وأما على ما تقدم فى حل المصنف فالمجاز عقلى فى المركب باعتبار الإسناد. قوله: (وهو أن القائل أورد هذا المعنى. . . إلخ) رد على التفتازانى على ما علمت. قوله: (وهو مذهب شرذمة من الناس) أى لم يتفرد به المصنف. قوله: (وقد زيفه صاحب المفتاح وغيره) إن كان بما تقدم إيراده ونقلناه عن شرح مسلم الثبوت فقد علمت رده. قوله: (ولعل الشارح إنما حكم بذلك. . . إلخ) لا حاجة لذلك بل المصنف حيث قال: إن الحق أنه مجاز فى المفرد توهم اعتراضًا بأن الحق أنه مجاز فى الإسناد أى فى الهيئة التركيبية باعتبار الإسناد وأن المجاز مجاز عقلى وليس مراده أن ما قاله عبد القاهر فى المجاز اللغوى الذى نحن بصدده فيكون واردًا على أن المجاز يستلزم الحقيقة فيرد بأنه وإن كان مجازًا لغويًا تمثيليًا لكنه مستبعد كما ذكرناه سابقًا. قوله: (إذا كان الموصوف به الجملة) ليس المراد على وجه الاستعارة التمثيلية بل على وجه المجاز العقلى. قوله: (ولهذا قيل. . . إلخ) علمت عدم وروده بناء على ما حملنا عليه كلامه. قوله: (فإنه يتعلق بالوضع واللغة) أى فإن كان أنبت فى اللغة للتسبب الحقيقى تعين قصد التجوز فى المسند وإن كان المركب موضوعًا للتسبب الفاعلى كان القصد إلى التجوز فى المركب.

стр. 566

قال: (مسألة: إذا دار اللفظ بين المجاز والمشترك فالمجاز أقرب لأن الاشتراك يخل بالتفاهم ويؤدى إلى مستبعد من ضد أو نقيض ويحتاج إلى قرينتين ولأن المجاز أغلب ويكون أبلغ وأوجز وأوفق ويتوصل به إلى السجع والمقابلة والمطابقة والمجانسة والروى وعورض بترجيح الاشتراك باطراده فلا يضطرب وبالاشتقاق فيتسع وبصحة المجاز فيهما فتكثر الفائدة وباستغنائه عن العلاقة وعن الحقيقة وعن مخالفة ظاهر وعن الغلط عند عدم القرينة وما ذكر من أنه أبلغ فمشترك فيهما والحق أنه لايقابل الأغلب شئ مما ذكانا). أقول: إذا دار اللفظ بين أن يكون مجازًا أو مشتركًا نحو النكاح فإنه يحتمل أن يكون حقيقة فى الوطء مجازًا فى العقد وأنه مشترك بينهما فالمجاز أقرب فليحمل عليه وذلك لنوعين من الترجيح مفاسد الاشتراك وفوائد المجاز: الأول: مفاسد الاشتراك: فمنها: أنه يخل بالتفاهم عند خفاء القرينة بخلاف المجاز إذ يحمل مع القرينة عليه ودونها على الحقيقة. ومنها: أنه يؤدى إلى مستبعد من ضد أو نقيض إذا حمل على غير المراد مثل لا تطلق فى القرء والمراد الحيض فيفهم منه الطهر فيفهم منه جواز التطليق فى الحيض وهو نقيض المراد أو وجوبه وهو ضد المراد. ومنها: أنه يحتاج إلى قرينتين بحسب معنييه بخلاف المجاز فإنه يكفى فيه قرينة واحدة. الثانى: فوائد المجاز: فمنها: أنه أغلب من الاشتراك بالاستقراء والمظنون إلحاق الفرد بالأعم الأغلب. ومنها: أنه قد يكون أبلغ فإن قولك: اشتعل الرأس شيبًا أبلغ من قولك: شبت. ومنها: أنه قد يكون أوفق إما للطبع لثقل فى الحقيقة أو لعذوبة فى المجاز وإما للمقام لزيادة بيان أو تعظيم أو إهانة يقتضيه الحال. ومنها: أنه يتوصل به إلى أنواع البديع السجع: نحو حمار ثرثار بخلاف بليد ثرثار والمقابلة: مثل اتخذت للأشهب أدهم ولو قلت قيدًا لفات والمطابقة مثل:

стр. 567

كلما لج قلبى فى هواها لجت فى مقتى ولو قلت ازداد هواى لم يكن طباق والمجانسة: مثل سبع سباع ولو قلت شجعان لم تكن والروى مثل: عارضتنا أصلًا فقلنا الربرب ... حتى تبدّى الاقحوان الأشنب ولو قال: سنهن الأبيض لم يصح هذا. وقد عورض ترجيح المجاز بالنوعين بترجيح الاشتراك بنوعين مثلهما فوائد الاشتراك لا توجد فى المجاز ومفاسد المجاز لا توجد فى الاشتراك حذو النعل بالنعل: الأوّل: فوائد الاشتراك: فمنها: اطراده فلا يضطرب والمجاز قد لا يطرد. ومنها: الاشتقاق منه بالمعنيين فيتسع الكلام والمجاز قد لا يشتق منه. ومنها: صحة المجاز فيهما فتكثر الفائدة المطلوبة فى المجاز. الثانى: خلو الاشتراك عن مفاسد فى المجاز: منها: أنه مستغن عن العلاقة بل يكفى فيه الوضعان والمجاز يجب فيه الوضعان والعلاقة والأقل مقدمات أكثر وقوعًا. ومنها: أنه مستغن عن الحقيقة إذ كل معنى مستقل بالوضع له ابتداء والأصل أولى بالإثبات. ومنها: أنه مستغن عن مخالفة ظاهر لأنه ليس ظاهرًا فى معنييه والمجاز مخالف للحقيقة وهى الظاهر. ومنها: أنه مستغن عن الغلط عند عدم القرينة والمجاز محوج إلى الغلط عند عدم القرينة وهو حمله على غير مراده. ثم نقول بعد المعارضة والترجيح معنا لأن ما ذكرتم من فوائد المجاز إنما يصلح مرجحًا لو لم يوجد فى الاشتراك وقد وجد فإن ما ذكرتم من كونه أبلغ. . . إلخ. من الأمور فهى مما اشترك فيها المجاز والمشترك بيانه أن المشترك أيضًا قد يكون أبلغ إذا اقتضى المقام الإجمال وأوجز كالعين والجاسوس وأوفق للطبع أو للمقام وكذا التوصل به إلى أنواع البديع إذ قد يحصل بالمشترك دون المجاز كالتوجيه والإيهام وتكثير المعنى بحمله على الأمرين. و"من" فى قوله: (من أنه أبلغ) ابتدائية لا بيانه وإلا لم يتناول غير كونه أبلغ فيقصر عن المقصود ودليله قوله: فمشترك فيها ولولاه لوجب فمشترك فيه ثم ذكر

стр. 568

المصنف أن الحق هو أن الأغلب لا يقابله شئ مما ذكر من وجوه ترجيح الاشتراك لأن ذلك كله إنما يعتبر لأنه مظنة الغلبة ولا عبرة بالمظنة مع تحقق انتفاء المئنة وتحقق المئنة لا يضره عدم المظنة فالراجح إذًا هو المجاز كما أختاره أولًا. قوله: (ويكون أبلغ) ذكر هذه الوجوه بلفظ المضارع تنبيهًا على أنها قد تكون وقد لا تكون بخلاف الأغلبية فإنها مقررة، وفى بعض النسخ فيكون بالفاء وليس بمستقيم إذ لا معنى لتفرع هذه الوجوه على الأغلبية مع ما فيه من الإخلال بتكثر فوائد المجاز وبما يشير إليه المصنف فى آخر الكلام من أن هذه وجوه أخر مغايرة للأغلبية، ثم الشارح لم يتعرض ههنا لذكر كونه أوجز وذكره عند بيان جريان الوجوه فى المشترك ولم يبين أن أبلغ كان البلاغة أو من المبالغة إلا أن حمل الأوفق على الأوفق للمقام يقتضى أن يكون هو من المبالغة لئلا يتكرر وما ذكره من أن المشترك أيضًا قد يكون أبلغ إذا اقتضى المقام الإجمال يشعر بأنه من البلاغة. قوله: (مفاسد الاشتراك وفوائد المجاز) إشارة إلى أن المراد أن المجاز فى نفسه قد يشتمل على هذه الفوائد ويخلو عن تلك المفاسد فعند التردد الحمل عليه أولى، وليس المراد أن اللفظ المتردد فيه يشتمل على ذلك. قوله: (لثقل فى الحقيقة) كالخنفقيق للداهية أو عذوبة فى المجاز كالروضة للمقبرة. قوله: (لزيادة بيان) كالأسد للشجاع لكونه بمنزلة دعوى الشئ ببينة أو تعظيم كالشمس للشريف أو تحقير كالكلب للخسيس. قوله: (السجع نحو حمار ثرثار) يعنى إذا وقعا فى أواخر القرائن. قوله: (اتخذت للأشهب أدهم) هذا من الملحق بالطباق والأحسن فى المثال قول الشاعر: لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى فالمشترك والمجاز فيه سواء ومع ذلك فالأولى فى هذا المقام التمثيل بالبيت لأن الأدهم ليس مجازًا فى القيد بل صار حقيقة اللهم إلا أن يعتبر أصل اللغة والشارح يجعل المقابلة اسمًا للمطابقة وما يلحق بها والمطابقة اسمًا للمشاكلة ونحوها، ولا

стр. 569

أرى لتغيير اصطلاح القوم سببًا. قوله: (سبع سباع) مبنى على تأويل وإلا فالواجب سبعة سواء كان التركيب وصفيًا أو إضافيًا. قوله: (ومنها الاشتقاق منه) أى من المشترك بالمعنيين مثل أقرأت حاضت وطهرت بخلاف المجاز فإنه لا يشتق منه كالأمر بمعنى الطلب يشتق منه الآمر والمأمور ونحوهما؛ بخلاف الأمر بمعنى الفعل مجازًا فإن قيل: إن كان الاسم صالحًا فالاشتقاق سائغ مشتركًا كان أو مجازًا كنطق وناطق من النطق بمعنى الدلالة مجازًا، وإلا فلا اشتقاق أصلًا حتى إن الأمر بمعنى الفعل والشأن لو كان حقيقة أيضًا لم يشتق منه وإن جعل نحو المثنى والمجموع والمصغر مشتقًا فهو سائغ بلا تفرقة، قلنا: المراد أن الاسم الصالح للاشتقاق قد يستعمل مجازًا فلا يشتق منه كما فى قولنا: رجل عدل، وإنما هى إقبال وإدبار، وفيه نظر. قوله: (والمجاز يجب فيه الوضعان) وضع للمعنى الحقيقى ووضع للمعنى المجازى بالشخص عند من لا يكتفى بالعلاقة وبالنوع عند من يكتفى؛ لأن معنى الاكتفاء هو أن لا يشترط السماع وأما اعتبار نوع العلاقة وتجويز المجاز بها فما لا بد منه بالاتفاق. قوله: (عن الغلط) ينبغى أن يكون من قبيل: علفتها تبنًا وماء باردًا أى لسلامته عن الغلط إذ لا معنى للاستغناء عن الغلط والاحتياج إليه. قوله: (بيانه) يعنى أن المشترك قد يكون أبلغ أى أليق بالمقام كما إذا اقتضى المقام الإجمال والإبهام مثل استر العين دون أن يقول الذهب أو البصر، وقد يكون أوجز كالعين بالنسبة إلى الجاسوس وقد يكون أوفق بالطبع لكونه أعذب على اللسان كالأسد بالنسبة إلى الغضنفر مع اشتراك بينه وبين ضرب من الكواكب، أو بالمقام كما إذا اقتضى الإجمال ولا يخفى أن هذا مغن عن ذكر الأبلغ بالمعنى الذى ذكره الشارح فالأولى أن يجعل من المبالغة فإن قيل: المناسب أن يبين كونه أبلغ وأوجز وأوفق من المجاز لأن الكلام فيه، قلنا بل المقصود أن المشترك قد يكون أبلغ مثلًا من غيره فى الجملة كما أن المبين فى المجاز أنه قد يكون أبلغ من غيره وإن لم يكن مشتركًا، وعلى هذا ففى قوله: إذ قد يحصل أى التوصل إلى أنواع البديع بالمشترك دون المجاز زيادة على المقصود.

стр. 570

قوله: (كالتوجيه) وهو إيراد الكلام محتملًا لمعنيين مثل أن تقول: استر عينك وكالإيهام وهو أن يذكر لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد البعيد كما إذا لعن بحضور بعض العدول عدل الوقر فتقول افتح العين فإن المولى حاضر، ولو قلت فى الموضعين النرجس أو البصر لفات ذلك وحصولهما بالمجاز إنما يكون إذا بلغ من الشهرة بحيث يلحق بالحقيقة إن قيل المدّعى أن الأمور المذكورة فى قوله: ويكون أبلغ إلى الآخر مما يشترك فيه المشترك والمجاز لتتم المعارضة فلا وجه لتخصيص أنواع البديع بالمشترك دون المجاز وللاقتصار على مثل التوجيه والإيهام مما لم يذكر فى المجاز والسكوت عما ذكر فيه من المقابلة والمطابقة والمجانسة والروى فالمقابلة كقوله: خسنا خير من خياركم بل كقول الشاعر: وما أنس لا أنساه إنّ لحبه ... حديثًا على مرّ الزمان قديمًا وكذا قوله: فقلت دعونى والعلا نبكه معًا ... فمثل كثير فى الرجال قليل إذا جعلنا الأعلام المنقولة من قبيل المشترك والمطابقة كقولك كلما ضرب له مثلًا: ضرب فى الأرض مهلًا، ولو قلت: بين له لم يكن طباق وفيه نظر والمجانسة مثل: رحبة بخلاف واسعة والروى مثل: غيث مع ليث دون أسد قلنا: إنه اعتبر مجرد التوصل إلى أنواع البديع من غير نظر إلى الخصوصيات. قوله: (ابتدائية) أى ما ذكر من فوائد المجاز مبتدأ من كونه أبلغ إلى آخر الوجوه يشترك فيها المشترك والمجاز إذ لو كانت بيانية لم تفد إلا اشتراكهما فى الأبلغية فلم تناف ترجيح المجاز بالوجوه الباقية اللهم إلا أن يكون على حذف أى إلى الآخر على ما أشار إليه العلامة، ولكن اللفظ قاصر عنه وما ذكره المحقق تدقيق منه إلا أن استدلاله بقوله مشترك فيها تكلف وتصرف منه لأنه فى جميع النسخ مشترك فيهما يعنى أنه مشترك بين المشترك والمجاز، وقلما يقال هذا الأمر مشترك فيه وهذه الأمور مشترك فيها بل مشترك ومشتركة حتى إن هذا الحذف كاللازم بحسب الاستعمال. قوله: (لأنه مظنة الغلبة) مظنة الشئ ما يظن ثبوت الشئ فيه، ومئنة الشئ ما يتحقق ثبوته فيه، يعنى أن الغرض من ذكر وجوه الترجيح هو أن الحمل على ما يشتمل عليها أولى لكونه مظنة للغلبة والكثرة فى الكلام فعند تحقق انتفاء الغلبة

стр. 571

والكثرة لا عبرة بكون الشئ من مظان الغلبة، وعند تحقق الغلبة لا بأس بعدم كونه من المظان ففى المشترك قد علم عدم الغلبة فلا يفيده اشتماله على ما هو من مظان الغلبة وفى المجاز قد تحققت الغلبة فلا يضره الخلو عما هو من مظانها. قوله: (إذا دار اللفظ بين أن يكون مجازًا أو مشتركًا) وذلك إذا علم كونه حقيقة فى أحد معنييه ويتردد فى أنه حقيقة فى الآخر فيكون مشتركًا أو لا فيكون مجازًا كلفظ النكاح فإنه حقيقة فى الوطء وأما فى العقد فيحتمل الأمرين قال فى الصحاح: النكاح الوطء وقد يكون العقد. قوله: (فمنها أنه يخل بالتفاهم) أى لا يفهم من المشترك بسبب اشتراكه ما هو المقصود منه عند خفاء القرائن أو عدمها بل يتوقف فيه مطلقًا عند من لم يجوز إعماله فى معنييه وأما عند من جوزه فلإخلال عنده إنما هو فى المشترك بين الضدين فقط. قوله: (ومنها أنه) أى الاشتراك (يؤدّى إلى مستبعد من ضد) للمقصود (أو نقيض) له (إذا حمل) المشترك (على) معنى آخر (غير المراد) منه (مثل لا تطلق فى القرء والمراد) منه (الحيض) فالمقصود من الكلام عدم جواز التطليق فيه فيفهم من القرء الطهر فيفهم من الكلام جواز التطليق فى الحيض بناء على أنه جائز فإذا لم يجز فى الطهر جاز فى الحيض قطعًا وجواز التطليق فى الحيض نقيض لا جوازه فيه الذى هو المراد أو يفهم من الكلام وجوب التطليق فيه بناء على أن النهى عن الشئ أمر بضده وأن التطليق فيه ضد التطليق فى الطهر فإذا نهى عن الثانى فقد أمر بالأول والأمر للوجوب وعدم جواز التطليق فى الحيض ووجوبه متضادان لا نقيضان لجواز ارتفاعهما معًا قيل المجاز أيضًا يؤدّى إليه كما فى هذا المثال بعينه إذا جعل القرء حقيقة فى أحدهما ومجازًا فى الآخر كما ذهب إليه بعض الأئمة فإن أجيب بأن المجاز لما اعتبر فيه المناسبة مع الحقيقة كان حمله على غير المراد وإن كان ضدًا له من حيث إنه مناسب إياه فلا يكون مستبعدًا بخلاف المشترك إذ لم يعتبر فيه المناسبة يقال هذا إنما يتم فى المعانى المفردة وأما فى المقصود فى الكلام على ما اعتبر فى الشرح فلا. قوله: (أبلغ من قولك شبت) لما فى قولك: اشتعل الرأس شيبًا من الإجمال

стр. 572

والتفصيل وغيره من اللطائف المشهورة ولم يتعرض لقوله وأوجز لظهوره فإن قولك: رأيت فى الحمام أسدًا أوجز من قولك: رأيت فى الحمام رجلًا كالأسد فى الشجاعة. قوله: (قد يكون أوفق إما للطبع) وذلك إما لثقل فى الحقيقة كالخنفقيق للداهية لا يوجد ذلك الثقل فى المجاز كالحادثة أو لعذوبة فى المجاز كالمس لا يوجد فى الحقيقة كالنيك وإما للمقام أى يكون أوفق إما لزيادة بيان فى المجاز فإنه دعوى الشئ ببينة والحقيقة دعوى الشئ بلا بينة على ما عرف وكم بينهما وإما للتعظيم كالشمس للشريف أو إهانة كالكلب للخسيس، وقوله: يقتضيه الحال يتعلق بالثلاثة المذكورة والثرثار المكثار فى الكلام والمراد من كل من المقابلة والمطابقة على ما فى الشرح ما فسر به الأخرى كما مر. قوله: (لفات المقابلة) إذ لا مضادة للقيد مع الأشهب إنما يضاده الأدهم بحسب معناه الحقيقى وإن لم يكن مرادًا فهناك تقابل باعتباره فى الظاهر أو نقول: فى إطلاقه على القيد نوع ملاحظة له فالمقابلة بهذا الاعتبار. قوله: (لم يكن طباق) لأن الهوى وإن كان مضادًا للمقت ليس ازدياده مضادًا للجاج فى المقت إنما يضاده اللجاج فى الهوى فإذا جعل ازدياده لجاجًا فيه كان هناك جمع بين شيئين هما الهوى واللجاج فيه وبين ضديهما وأما جعل الشاعر (١) مضادًا للعشيقة من حيث إنه متصف بالهوى وتلك بالمقت وحينئذ فقد جمع بين نفسه والهوى وبين ضديهما ثم لما اعتبر ههنا شرطًا أى قيدًا هو اللجاج وجب اعتبار ضده هناك فلو لم يجعل ازدياد الهوى لجاجًا لفات الطباق باعتبار فوات الشرط فيه كما هو مذهب السكاكى ففيه تعسف عنه غنى هذا ما تيسر لى فى توجيه الكلام ولعل عند غيرى ما هو أليق لهذا المقام. قوله: (عارضتنا) يقال عارضته فى المسير أى سرت حياله والأصل: جمع أصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب والربرب: القطيع من بقر الوحش والأقحوان: البابونج يشبه به الأسنان والشنب: برد وطراوة وعذوبة فى الفم والأسنان. قوله: (فمنها اطراده) يعنى أن المشترك مطرد فى كل واحد من معانيه فيطلق

стр. 573

عليه فى جميع محاله لما عرفت من أن الحقائق مطردة (فلا يضطرب) فيه (والمجاز قد لا يطرد) إذ من علاماته أن لا يطرد فيطرد فيه بحسب محاله وأما اعتراض المصنف على ذلك فقد ظهر اندفاعه. قوله: (الاشتقاق منه بالمعنيين) يعنى إذا كان مما يشتق منه والمجاز قد لا يشتق منه وإن كان مما يصلح له كالأمر بمعنى الفعل إذ لا يقال منه آمر ومأمور ولا أمرته. قوله: (ومنها صحة المجاز فيهما) فإن المجاز لا يتجوز منه وقد تشبه حاله هذه بما قد قيل فى القياس من أن حكم أصله لا يثبت به على ما سيأتى فإن قلت: قد تترتب مجازات متعددة فإن لفظة الحقيقة على ما ذكر فى المحصول مجاز فى المعنى المصطلح فى الدرجة الثالثة قلت ذلك لا من حيث إنه مجاز بل من حيث إنه حقيقة عرفية. قوله: (بل يكفى فيه) أى فى المشترك (الوضعان) لمعنييه فقط (والمجاز يجب فيه الوضعان) لمعنييه الحقيقى والمجازى (والعلاقة) بينهما فقد صرح هنا أيضًا بالوضع فى المجاز هذا إن قيسا إلى المعنيين معًا وأما إذا قيس المشترك إلى أحدهما والمجاز إلى معناه المجازى ففى الأول وضع فقط وفى الثانى وضع وعلاقة وإن اكتفى فى المجاز بالعلاقة فلا ترجيح من هذا الوجه. قوله: (ومنها أنه) أى المشترك (مستغن) باعتبار كل واحد من معنييه (عن الحقيقة) إذ هو مستقل بالوضع له ابتداء بخلاف المجاز فإنه يحتاج إلى معنى حقيقى وضع اللفظ بإزائه لأنه فرعه والأصل أولى بالإثبات، ومنهم من قال: المجاز محتاج إلى الحقيقة على مذهب بعض. قوله: (لأنه ليس ظاهرًا فى معنييه) أى فى شئ منهما اتفاقًا بل ولا فى كليهما معًا كما هو الحق فإذا حمل على أحدهما لم يكن ذلك مخالفًا للظاهر بخلاف المجاز. قوله: (إذا اقتضى المقام الإجمال) إما لفساد فى التفصيل كما قال الصديق رضى اللَّه عنه: يهدينى السبيل أن جعل الهداية مشتركًا لفظيًا، وإما لإبهام على السامع كقولك: لى عين إلى غير ذلك من الأمور الداعية إليه. قوله: (وأوفق للطبع) لعذوبة فى المشترك لا توجد فى المفرد كالعين للينبوع أو

стр. 574

للمقام فيما إذا أنبأ المشترك عن معنى يناسبه كالعزة فى قول السيد لعبده: هذا عين أحفظه. قوله: (وكذا التوصل) يعنى وكذا التوصل بالمشترك إلى أنواع البديع حاصل إذ قد يحصل بالمشترك دون المجاز كالتوجيه وهو إيراد الكلام محتملًا لوجهين مختلفين على السواء فيتأتى بالمشترك دون المجاز، وأما الإيهام وهو أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد البعيد فيتأتى فى المشترك إذا اشتهر بعض معانيه فى الاستعمال دون بعض وفى المجاز أيضًا كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأما تكثير المعنى فى المشترك بحمله على الأمرين فإن أريد حمله عليهما معًا فهو وإن اختص بالمشترك لكنه عند من جوز إعماله فيهما وأما عند غيره فلا فإن قلت: فليحمل عنده عليهما معًا مجازًا قلت: فليحمل المجاز أيضًا عليهما كذلك وإن أريد حمله على هذا مرة وعلى ذلك أخرى فهو فى المشترك ظاهر على القول بوجوده فى المجاز بناء على خفاء قرينته فتعتبر تارة وتهمل أخرى أو كونها محتملة لمعنيين إحداهما قرينة للمجاز دون الأخرى لا يخلو عن بعد، ولو قيل: إذ يحصل بالمشترك دون المنفرد ليكون تقدير الكلام وكذا التوصل بالمجاز إلى أنواع البديع مشترك بينهما لكان أحسن وأوفق لما سبق وأما خصوصية الأنواع فليس بحسب اعتبارها على أنا نقول قد يحصل التقابل بالمشترك دون المنفرد، نحو قولنا: خسنا خير من خياركم على ما عرف تحقيقه وكذا المطابقة، كقولك لفلان: سواد قلب وعمى وبياض لون وعين ولو قلت بياض لون وذهب لفات الطباق والجناس، كقولك: رحبة رحبة ولو قلت عرصة واسعة لم تكن مجانسة وأما الروى فظاهر. قوله: (ومن فى قوله من أنه أبلغ ابتدائية) يؤيده أنه وجد فى بعض النسخ لفظة إلى آخره وفى بعضها إلى آخرها بعد قوله: من أنه أبلغ. قوله: (لأن ذلك كله) أى جميع ما ذكر من فوائد أحدهما ومفاسد الآخر إنما يعتبر لأنه مظنة لغلبة المفيد العارى عن الخلل ففى مقام التردد كان الإلحاق به أولى إذ المظنون إلحاق الفرد بالأعم الغالب والمئنة على وزان المظنة موضع تحقق الشئ وتيقنه مأخوذ من: إنَّ. قوله: (عند خفاء القرائن) إذا كان اللفظ المفروض مشتركًا كان له فائدة هى أنه

стр. 575

إذا لم يكن هنا قرينة معينة بالنسبة إلى المعنى المشكوك فيه وتتحقق قرينة صارفة عن إرادة المعنى الموضوع له يحمل على المعنى الأول على تقدير الاشتراك؛ لأن حمل لفظ المشترك على أحد معنييه يكفى فيه امتناع إرادة المعنى الآخر ولا يحمل عليه بمجرد ذلك على تقدير الحقيقة والمجاز. قوله: (كالخنفقيق) لا يخفى أن تلك الفائدة معتبرة فيما إذا كان المقصود تأدية معنى بلفظ مركبًا اللفظ (١) الموضوع بإزائه وغير باعه باللفظ الذى هو مجاز فيه بدون الأول غير موافق للطبع بخلاف الثانى، وأما إذا كان هناك لفظ له معنيان ويعلم أنه موضوع لأحدهما ويتردد فى وضعه للمعنى الآخر ويطلب المرجح والفائدة للحمل على المجاز دون الاشتراك فتلك الفائدة لا تصلح لذلك إذ اللفظ لا يصير ثقيلًا إن حمل على أنه حقيقة ولا يصير خفيفًا إن حمل على أنه مجاز وبالنسبة إلى مطلق الحقيقة والمجاز طرفا تلك الفائدة فيهما على السواء وسيشير إلى هذا كلام الشارح. قوله: (فيطلق عليه فى جميع محاله) أى: فيطلق على كل واحد من معانيه فى جميع أفراد ذلك المعنى إن كان كليًا فإن الاطراد فى المجاز باعتبار العلاقة وفى الحقيقة باعتبار تحقق المفهوم فى ضمن الأفراد كما سبق فكما حمل اللفظ على الاشتراك حصل الاطراد وباعتبار تحقق كل واحد من معانيه فى ضمن أفراده تحقيقًا بخلاف المجاز إذا حمل عليه يحصل الاضطراب فيه بحسب محاله أى المواضع التى تتحقق فيها العلاقة المعتبرة فيه. قوله: (وفى المجاز أيضًا) مبنى على أن المراد بالمعنى المذكور فى تعريف الإيهام أعم من الحقيقى والمجازى، والظاهر أن الشارح قد حمله على المعنى الحقيقى وحينئذ يحصل اختصاص ذلك النوع أيضًا بالمشترك، والاختصاص مراد هنا لأن المقصود بيان التسوية بين الحقيقة والمجاز وبين المشترك وقد ذكر فى ترجيح الحقيقة والمجاز أنواعًا من البديع ولم يذكر فى بيان عدم الترجيح أن تلك الأنواع جارية فى المشترك أيضًا، بل ذكر أنواعًا أخر منه فيجب اعتبار الاختصاص فيها ليحصل انتفاء ترجيح الحقيقة والمجاز من هذا الوجه ولذا قال: إذ قد يحصل بالمشترك

стр. 576

دون المجاز. قوله: (قلت: فليحمل المجاز أيضًا عليهما كذلك) يمكن أن يقال: أراد بقوله: تكثير المعنى فى المشترك بحمله على الأمرين إذا انتفى القرينة المعينة لخصوص كل واحد من المعنيين يحصل تكثير المعنى فى المشترك بمجرّد ذلك الانتفاء بخلاف المجاز فإنه إذا حمل اللفظ على المعنى الحقيقى والمجازى معًا بحسب قرينة زائدة على ذلك المعنى؛ فالحمل المجازى المشترك على تكثير المعنى مختص بالمشترك على تقدير ذلك ومشترك على تقدير آخر فحصل المراد واندفع الجواب وهو قوله قلت: وتقرير الشق الأخير يناسبه تلك الإرادة. قوله: (أو لكونهما لمعنيين) (١) كما إذا وقع فى الكلام لفظ محتمل لمعنيين ولفظ آخر متعين فى المعنى المجازى ولو حمل اللفظ الأوّل على أحد المعنيين، واللفظ الأول قرينة لفظية له معنيان؛ أحدهما: قرينة إذ القرينة يصح أن تطلق على هذا اللفظ وعلى معناه أيضًا والظاهر أنه داخل فى خفاء القرينة. قوله: (لكان أحسن. . . إلخ) أما كونه أحسن فلأنه إذا جعل الضمير فى لفظة "به" راجعًا إلى المشترك يصير تقدير الكلام وهكذا التوصل بالمشترك إلى أنواع البديع مشترك بينهما إذ الخصم لا يثبت الاختصاص فى ذلك التوصل بل يثبت (٢) الاختصاص والتوصل بالمجاز إلى أنواع البديع الذى يلائم فى مقابلته هو قولنا والتوصل إلى أنواع البديع مشترك ولذا قال أوّلًا: وكذا التوصل بالمشترك إلى أنواع البديع حاصل، وقال ثانيًا: وكذا التوصل بالمجاز إلى أنواع البديع مشترك بينهما، وأما كونه أوفق لما سبق فلأنه قال فيما سبق: فإن ما ذكرتم من كونه أبلغ. . . إلخ، من الأمور فهو مما اشترك فيه المجاز بل المشترك قد اعتبر فيه أن يجعل المجاز أبلغ مشترك بينهما وكذا الأمور المندرجة فى قوله. . . إلخ. قوله: (لغلبة المفيد العارى عن الخلل) أى: لغلبة أحدهما المشتمل على تلك الفوائد والعارى عن تلك المفاسد.

стр. 577

الشارح: (منها أنه مستغن عن العلاقة) قد يقال: إن الكلام فى الفوائد بعد تحقق المجاز وهو لا يتحقق إلا بالعلاقة ولك أن تقول: إن كون المجاز لا يتحقق إلا بالعلاقة بخلاف المشترك مقتضى ترجح المشترك فيعد الاستغناء عن العلاقة من فوائد المشترك. التفتازانى: (مع الإخلال بتكثر فوائد المجاز) أى لأن الفائدة على التفريع هى الأبلغية ولا فائدة له سواها. التفتازانى: (إذا وقعا فى أواخر القرائن) أى وقع أحدهما فى قرينة والآخر فى قرينة أخرى مقارنة لها. التفتازانى: (هذا من الملحق بالطباق) أى لأن الأدهم يقابل الأشهب باعتبار معناه الأصلى وهو الأدهم من الخيل لا باعتبار معناه المجازى وهو القيد والملحق بالطباق شيئان أحدهما الجمع بين شيئين يتعلق أحدهما بالآخر نوع تعلق مثل السببية واللزوم نحو ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، فإن الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة لكنها مسببة عن اللين الذى هو ضد الشدة، والثانى الجمع بين معنيين غير متقابلين عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان كقوله: لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى فظهور المشيب لا يقابل البكاء إلا أنه قد عبر عنه بالضحك الذى معناه الحقيقى مقابل البكاء. التفتازانى: (والأحسن فى المثال. . . إلخ) أى لأن الأدهم بمعنى القيد ليس مجازًا بل هو حقيقة فيكون مشتركًا وحينئذ يكون الإلحاق بالطباق فى المشترك. التفتازانى: (فالمشترك والمجاز فيه) أى فى الملحق بالطباق سواء فليست هذه الفائدة مختصة بالمجاز. التفتازانى: (كالأمر بمعنى الفعل) قد قال السعد: إنه ليس مما يصلح للاشتقاق منه حتى لو كان حقيقة فيه لم يصح الاشتقاق منه. التفتازانى: (وفيه نظر) هو أن عدم الاشتقاق فى ذلك لمانع هو فوات المبالغة والتخلف لمانع لا يقدح فى اقتضاء المقتضى. التفتازانى: (كالعين بالنسبة للجاسوس) أى وإن كان العين فيه مجازًا إذ الفرض

стр. 578

بيان فائدة الاشتراك عن غيره مطلقًا سواء كان المعنى حقيقة أو مجازًا وقيل: إن الجاسوس اسم للعين بمعنى الباصرة لأنها جاسوس للحس المشترك فالعين بالنسبة للباصرة أوجز من الجاسوس لها. التفتازانى: (عدل الوقر) بكسر العين والقاف هو أحد شقى الحمل وقوله: فتقول افتح العين فإن المولى حاضر فالعين تحتمل الباصرة ويكون المراد بالمولى من يستحيا منه وتحتمل عين العدل ويكون المراد بالمولى من يستحق اللعن وهذا الثانى هو المعنى البعيد المراد. التفتازانى: (والمطابقة كقولك ضرب له مثلًا. . . إلخ) المراد بالمطابقة: المشاكلة، على ما تقدم. التفتازانى: (وفيه نظر) هو أن المشاكلة التعبير عن معنى بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته ولا شك أن التعبير عن "بين" بضرب ليس كذلك لأن ضرب مشترك بين "ذهب وبين" فلفظ ضرب فى "بين" ليس لفظ غيره. التفتازانى: (لا عبرة بكون الشئ من مظان الغلبة) لو قال: لا عبرة بكون الشئ مشتملًا على مظان الغلبة لكان أحسن وكذا قوله: بعدم كونه من المظان الأحسن أن يقول: بعدم اشتماله على المظان. قوله: (بل يتوقف فيه) أى والتوقف إخلال بالفهم. قوله: (إنما هو فى المشترك بين الضدين فقط) أى لأنه لا يجوز إرادتهما جميعًا فيتوقف فى المراد منهما. قوله: (والمراد من المقابلة والمطابقة ما فسر به الأخرى) أى فالمراد بالمقابلة المطابقة التى ليست مقابلة ويدخل فيها الملحق بها والمراد بالمطابقة المقابلة التى هى أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك على الترتيب نحو ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] ونحو: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل والمقابلة بهذا المعنى وإن اختصت بهذا الاسم لكنها داخلة فى المطابقة لأن فى ذلك جمعًا بين معنيين متقابلين فى الجملة وهذا الذى قاله المحشى يقابل ما قاله السعد من حيث إن السعد حمل المطابقة على المشاكلة لا على المقابلة المذكورة. قوله: (وأما جعل الشاعر. . . إلخ) الأولى وأما جعل الناثر نفسه. . . إلخ. لأن

стр. 579

هذا ليس شعرًا. قوله: (كما هو مذهب السكاكى) أى من أنه لا بد من التوافق فى الشرط إذا وجد. قوله: (وأما اعتراض المصنف. . . إلخ) يعنى اعتراضه جعل عدم الاطراد من علامات المجاز بأنه قد وجد فى السخى والفاضل والقارورة وليست بمجاز بل هى حقائق وإن أجيب عنه بأن عدم الاطراد علامة للمجاز ما لم يكن عدم الاطراد لمانع لغة أو شرعًا وهذه الألفاظ وجد فيها المانع قلنا: هذا دور فيجب أن لا يعرف المجاز بهذا الطريق فقد ظهر بطلانه بقول الشارح: وقد يجاب بأن السخى. . . إلخ. الذى حاصله أن تلك الألفاظ مطردة فى معانيها على ما تقدم. قوله: (فى الدرجة الثالثة) أى لأنها فى الأصل بمعنى الثابتة أو المثبتة نقلت لذات الشئ ثم إلى الكلمة المستعملة بحسب وضع أول. قوله: (لا من حيث إنه مجاز) أى لم تنقل عن ذات الشئ من حيث إنه مجاز بل من حيث إنه حقيقة عرفية فيه فلم يكن لفظ الحقيقة فى الدرجة الثالثة مجازًا على مجاز بل مجاز عن حقيقة عرفية وكذا يقال فى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]. قوله: (وكذا التوصل بالمجاز إلى أنواع البديع مشترك بينهما) فيه أن التوصل المذكور القيد بالمجاز خاطئ، فكيف يكون مشتركًا بينهما، إلا أن يقال: معنى اشتراكه بينهما أنه يأتى نظيره فى المشترك. قوله: (لغلبة المقيد العارى) أى لغلبة أحدهما المشتمل على الفوائد العارية عن تلك المفاسد.

стр. 580

قال: (مسألة: الشرعية واقعة خلافًا للقاضى وأثبت المعتزلة الدينية أيضًا لنا القطع بالاستقراء أن الصلاة للركعات والزكاة والصوم والحج كذلك وهى فى اللغة للدعاء والنماء والإمساك مطلقًا والقصد مطلقًا قولهم باقية والزيادات شروط أخر رد بأنه فى الصلاة وهو غير داع ولا متبع قولهم مجاز إن أريد استعمال الشارع لها فهو المدّعى وإن أريد أهل اللغة فخلاف الظاهر لأنهم لم يعرفوها ولأنها تفهم بغير قرينة القاضى لو كانت كذلك لفهمها المكلف ولو فهمها لنقل لأنا مكلفون مثلهم والآحاد لا تفيد ولا تواتر، والجواب: أنها فهمت بالتفهيم بالقرائن كالأطفال قالوا: لو كانت لكانت غير عربية لأنهم لم يضعوها وأما الثانية فلأنه يلزم أن لا يكون القرآن عربيًا وأجيب بأنها عربية بوضع الشارع لها مجازًا وأنزلناه ضمير السورة ويصح إطلاق اسم القرآن عليها كالماء والعسل بخلاف نحو المائة والرغيف ولو سلم فيصح إطلاق اسم العربى على ما غالبه عربى كشعر فيه فارسية وعربية المعتزلة الإيمان التصديق وفىِ الشرع العبادات لأنها الدين والدين الإسلام والإسلام الإيمان بدليل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥]، فثبت أن الإيمان العبادات وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥]، إلى آخرها وعورض بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، قالوا: لو لم يكن لكان قاطع الطريق مؤمنًا وليس بمؤمن لأنه مخزى بدليل ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، والمؤمن لا يخزى بدليل ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]، وأجيب بأنه للصحابه أو مستأنف). أقول: الحقيقة الشرعية واقعة خلافًا للقاضى أبى بكر وأثبت المعتزلة الحقيقة الدينية أيضًا وهى ما لا يعلم أهل اللغة لفظه أو معناه أو كليهما وزعموا أن أسماء الذوات كالمؤمن والكافر والإيمان والكفر كذلك دون أسماء الأفعال كالصلاة والزكاة والمصلى والمزكى ومحل النزاع الألفاظ المتداولة شرعًا وقد استعملت فى غير معانيها اللغوية فهل ذلك بوضع الشارع لها لمناسبة فتكون منقولات أو لا لمناسبة فتكون موضوعات مبتدأة أو استعملها فيها لمناسبتها لمعانيها اللغوية بقرينة من غير وضع مغن عن القرينة فتكون مجازات لغوية ثم غلبت فى المعانى الشرعية لكثرة دورانها على ألسن أهل الشرع ليس حاجتهم إلى التعبير عنها دون المعانى اللغوية فصارت حقيقة عرفية لهم حتى إذا وجدناها فى كلام الشارع مجردة عن

стр. 581

القرينة محتملة للمعنى اللغوى والشرعى فعلى أيهما تحمل، وأما فى استعمال أهل الشرع فتحمل على الشرعى بلا خلاف. ثم لم يذكر فى الأحكام والمحصول سوى مذهبين كونها حقيقة شرعية ونسبه إلى المعتزلة ونفيه ونسبه إلى القاضى والحق أنه لا ثالث لهما لنا القطع بأن الصلاة اسم للركعات المخصوصة بما فيها من الأقوال والهيئات وأن صلاة الظهر أربع ركعات بالإجماع والزكاة والصيام والحج كذلك أى هى لمعانيها الشرعية فالزكاة لأداء مال مخصوص والصيام لإمساك مخصوص والحج لقصد مخصوص وأنها سابقة منها إلى الفهم عند إطلاقها وهى علامة الحقيقة بعد أن كانت فى اللغة الصلاة للدعاء والزكاة للنماء والصيام للإمساك مطلقًا والحج للقصد مطلقًا وهذا لم يحصل إلا بتصرف الشرع ونقله لها إليها وهو معنى الحقيقة الشرعية وقد اعترض عليه بوجهين: الأول: قولهم: إنها باقية فى المعانى اللغوية والزيادات شروط لوقوعها عبادات معتبرة مقبولة شرعًا والشرط خارج عن المشروط فلا نقل شرعًا فكان الصلاة أى الدعاء المقبول شرعًا ما اقترن بالركعات لا أن الصلاة اسم للركعات وهذا مردود بأنها لو كانت باقية فى المعانى اللغوية وهو فى الصلاة مثلًا أما الدعاء ومنه قوله ﷺ : "من دعى إلى طعام فليجب وإن كان صائمًا فليصل" أى فليدع لصاحب الطعام وأما الاتباع ومنه المصلى فى الحلبة لاتباعه السابق للزم أن لا يكون مصليًا إذا لم يكن داعيًا أو متبعًا واللازم باطل كالأخرس والمنفرد. الثانى: قولهم: لا يلزم من استعمالها فى غير معانيها أن تكون حقائق شرعية بل هى مجازات وهذا أيضًا مردود فأولًا بأنه إن أريد بكون اللفظ مجازًا أن الشارع استعمله فى معناه لمناسبة للمعنى اللغوى اصطلاحًا لم يعهد من أهل اللغة ثم اشتهر فأفاد بغير قرينة فذاك معنى الحقيقة الشرعية فثبت المدعى وإن أريد به أن أهل اللغة استعملوها فى هذه المعانى والشارع تبعهم فيه فهو خلاف الظاهر فإنها معان حدثت وكان أهل اللغة لا يعرفونها واستعمال اللفظ فى المعنى فرع معرفته وثانيًا بأن هذه المعانى تفهم من هذه الألفاظ عند إطلاقها من غير قرينة ولو كانت مجازات لغوية لما فهمت إلا بقرينة. وأنت بعد خبرتك بمحل النزاع لا تحتاج إلى التصريح بما فى كلامه من نظر القاضى ومتابعوه.

стр. 582

قالوا: أولًا: لو كان الأمر كذلك أى نقلها الشارع إلى غير معانيها اللغوية لفهمها المكلف لأنه مكلف بما تتضمنه والفهم شرط التكليف ولو فهمها إياه لنقل إلينا لأنا مكلفون مثلهم وقد قلنا: إن الفهم شرط التكليف ولو نقل إلينا فإما بالتواتر ولم يوجد قطعًا وإلا لا وقع الخلاف فيه أو بالآحاد وأنه لا يفيد العلم وأيضًا فالعادة تقضى فى مثله بالتواتر. والجواب: أنها فهمت لهم ولنا بالترديد بالقرائن كالأطفال يتعلمون اللغات من غير أن يصرح معهم بوضع اللفظ للمعنى لامتناعه بالنسبة إلى من لا يعلم شيئًا من الألفاظ وهذا طريق قطعى لا ينكر فإن عنيتم بالتفهيم وبالنقل ما يتناول ذلك منعنا بطلان اللازم وإلا منعنا اللازمة. وقالوا: ثانيًا: لو كانت أى لو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية واللازم باطل أما الأولى فلأن اختصاص الألفاظ باللغات إنما هو بحسب دلالتها بالوضع فيها والعرب لم يضعوها لأنه المفروض فلا تكون عربية وأما الثانية فلأنه يلزم أن لا يكون القرآن عربيًا لاشتماله عليها وما بعضه خاصة عربى لا يكون عربيًا كله وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]. الجواب: لا نسلم أنها لا تكون عربية وقد وضعها الشارع لها حقائق شرعية مجازات لغوية إذ المجازات الحادثة وإن لم تصرح العرب بآحادها عربية لاستقراء تجويز العرب نوعها سلمنا لكن لا نسلم أن القرآن كله عربى و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [يوسف: ٢]، الضمير فيه ليس للقرآن بل للسورة وقد يطلق القرآن على السورة وعلى الآية ولذلك لو حلف لا يقرأ القرآن حنث بقراءة آية منه ولا يعارض بأن كل سورة وآية يصدق عليها أنه بعض القرآن لأن المراد أنه جزء الجملة المسماة بالقرآن وإذا شارك الجزء الكل فى معناه صح أن يقال هو كذا وهو بعض كذا بالاعتبارين كالماء والعسل بخلاف ما لم يشاركه فيه كالمائة والرغيف سلمنا أنها غير عربية وأن القرآن عربى لكن لا نسلم أن كونها فى القرآن يمنع كون القرآن عربيًا لأن العربى يقال ولو مجازًا على ما غالبه عربى كشعر فيه فارسى وعربى فإذا كثر أحدهما وندر الآخر نسب إليه المعتزلة. قالوا: أولًا: الإيمان فى اللغة التصديق وفى الشرع العبادات المخصوصة ولا مناسبة مصححة للتجوز قطعًا أما الأول فبالإجماع وأما الثانى فلأن العبادات هى

стр. 583

الدين المعتبر والدين المعتبر الإسلام والإسلام الإيمان فالعبادات هو الإيمان أما أن العبادات هى الدين المعتبر فلقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فذلك للمذكور وهو العبادات وأما أن الدين المعتبر هو الإسلام فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وأما أن الإسلام هو الإيمان فلأنه لو كان غير الإيمان لم يقبل من مبتغيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولكنه يقبل إجماعًا وأيضًا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]، ولولا الاتحاد لم يستقم الاستثناء. والجواب: المعارضة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، نفى أحدهما وأثبت الآخر فتغايرا فبطل كون الإيمان هو الإسلام أو نقول وقد ثبت أن الإسلام هو العبادات فبطل كون الإيمان العبادات وهو على الأول لرغبة لدليل المقدمة وعلى الثانى لدليل المدعى. والحل أن قولكم: لو لم يكن الإسلام هو الإيمان لم يقبل من مبتغيه ممنوع وإنما يلزم لو كان دينًا غيره وهو أول المسألة وقولكم: لولا الاتحاد لم يستقم الاستثناء قلنا ممنوع إذ شرطه صدق أحدهما على الآخر لاتحاد مفهوميهما وهو حاصل من جهة أن الإيمان شرط صحة الإسلام. قالوا: ثانيًا: لو لم يكن الإيمان الأعمال بل التصديق لكان قاطع الطريق المصدّق مؤمنًا واللازم باطل أما الملازمته فبينة وأما بطلان اللازم فلأنه يخزى يوم القيامة والمؤمن لا يخزى أما الصغرى فلأنه يدخل النار بدليل قوله تعالى فى حقهم: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]، والإجماع على أنه دخول النار وقد قال تعالى حكاية فى معرض التصديق عرفًا ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وأما الكبرى فلقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]. الجواب: أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]، صريح فى الصحابة بدليل معه فلا يلزم أن لا يخزى غيرهم وأما هم فبرآء من قطع الطريق وغيره من أسباب دخول النار سلمنا لكن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ليس عطفًا على النبى بل استئنافًا وهو

стр. 584

مبتدأ ما بعده خبره وتقديره ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨] لم قلتم: إنه ليس كذلك. قوله: (الحقيقة الشرعية) هى اللفظ المستعمل فيما وضع له فى عرف الشرع أى وضعه الشارع لمعنى بحيث يدل عليه بلا قرينة؛ سواء كان ذلك لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوى فيكون منقولًا أو لا؛ فيكون موضوعًا مبتدأ والحقيقة الدينية اسم لنوع خاص من ذلك وهو ما وضعه الشاعر لمعناه ابتداء بأن لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه أو كليهما، والظاهر أن الواقع هو القسم الثانى فقط أعنى ما لم يعرف أهل اللغة معناه، وزعمت المعتزلة أن أسماء الذوات أى ذوات الموصوفات كالمؤمن والكافر أو ذوات الصفات كالإيمان والكفر من قبيل الدينية؛ يعنى أن أهل اللغة لم يعرفوا معانيها وأسماء الأفعال المفتقرة إلى تأثير وعلاج سواء أخذت بدون ما يتصف بها كالصلاة والزكاة؛ أو معها كالمصلى والمزكى ليست من قبيل الدينية وفى لفظ زعموا إشارة إلى أن هذا دعوى لا برهان عليها. قوله: (ومحل النزاع) يعنى لا نزاع فى أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة فى غير معانيها اللغوية قد صارت حقائق، وإنما النزاع فى أن ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعانى بلا قرينة فتكون حقائق شرعية كما هو مذهبنا أو بغلبتها فى تلك المعانى فى لسان أهل الشرع والشارع إنما استعملها فيها مجازًا بمعونة القرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية وهو مذهب القاضى فإذا وقعت مجردة عن القرائن فى كلام أهل الكلام والفقه والأصول ومن يخاطب باصطلاحهم تحمل على المعانى الشرعية وفاقًا وأما فى كلام الشارع فعندنا تحمل عليها وعند القاضى تحمل على معانيها اللغوية وبعد تحرير محل النزاع ينبغى أن يعلم أن الآمدى فى الأحكام والإمام فى المحصول لم يذكرا سوى مذهبين أحدهما إثبات كونها حقائق شرعية ونسبه كل منهما إلى المعتزلة مع تصريح الآمدى بنسبته إلى الفقهاء أيضًا، وثانيهما نفى ذلك ونسبة كل منهما إلى القاضى وكلام المتن يوافق ذلك ولما كان فى كلام المنهاج ما يشعر بأن هناك مذهبًا ثالثًا حيث قال بعد تقرير المذهبين والحق أنها مجازات اشتهرت لا موضوعات مبتدأة نفاه الشارح؛ لأنه مذهب القاضى بعينه على ما تقرر فى محل النزاع وهذا تحقيق

стр. 585

جيد لو وافقه أدلة الفريقين. قوله: (وأنت بعد خبرتك) يعنى أن فى كلا وجهى رد الاعتراض الثانى نظرًا أما الأول فلأن قوله فذلك معنى الحقيقة الشرعية ليس بمستقيم وإنما يصح لو كان بوضع الشارع وتعيينه بلا قرينة، وإلا فلا نزاع فى أنها بعد الغلبة والاشتهار حقائق بحسب عرف أهل الشرع لا الشارع، وأما الثانى فلأن قوله لو كانت مجازات لغوية لما فهمت إلا بقرينة إنما يصح لو لم تصر بالغلبة حقائق عرفية خاصة أعنى عرف أهل الشرع وإن لم تكن حقائق شرعية. قوله: (منعنا بطلان اللازم) أى لا نسلم أنه لم يفهم لنا ولم ينقل إلينا غاية الأمر إنها لم تنقل بطريق التواتر والآحاد بل بطريق الترديد والتفهيم بالقرائن، وإن عنيتم بالتفهيم والنقل التصريح بوضع اللفظ للمعنى من غير اعتبار للترديد بالقرائن فلا نسلم لزوم التفهيم والنقل بهذا المعنى لم لا يجوز الاكتفاء بطريق التردد. قوله: (ولا يعارض) قد اقتفى أثر الآمدى فى جعل هذا الكلام جوابًا عن معارضة الاستدلال على كون السورة أو الآية قرآنًا بأن من حلف لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة السورة أو الآية وتقريرها أن ذلك وإن دل على كونه قرآنًا لكن عندنا ما ينفى ذلك وهو أنه يسمى بعض القرآن وبعض الشئ لا يصدق عليه أنه نفس ذلك الشئ وتقرير الجواب أن ذلك إنما يكون فيما لم يشارك البعض الكل فى مفهوم الاسم كالمائة فإن المائة اسم لمجموع الآحاد المخصوصة فلا يصدق على البعض بخلاف مثل الماء فإنه اسم للجسم البسيط البارد الرطب بالطبع فيصدق على الكل وعلى أيّ بعض منه فيصح أن هذا البحر ماء ويراد بالماء مفهومه الكلى وأنه بعض الماء ويراد بالماء مجموع المياه الذى هو أحد أفراد هذا المفهوم والقرآن من هذا القبيل فالسورة قرآن وبعض من القرآن بالاعتبارين على أن ههنا شيئًا آخر وهو أن القرآن قد وضع بحسب الاشتراك للمجموع الشخصى وضعًا آخر فيصح أن يقال: السورة بعض القرآن ويراد هذا المعنى وبهذا يشعر قوله المراد أنه جزء من الجملة المسماة بالقرآن لكن لا يساعده باقى الكلام هذا، ولكن إذا رجعنا إلى قانون النظر ظهر أن هذا ليس من المعارضة فى شئ وأن قانون التوجيه هو أن المعلل لا استدل على انتفاء اللازم بقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، زعمًا منه أن الضمير للقرآن؛ أجاب المانع بأنا لا نسلم أن الضمير للقرآن بل للسورة فاستدل المعلل على

стр. 586

كون الضمير للقرآن بأنه إنا للقرآن أو للبعض منه كالسورة مثلًا والثانى باطل لأن بعض القرآن لا يكون قرآنًا فتعين الأول فأجاب بأنا لا نسلم عدم صدق الشئ على البعض منه، وإنما يصح لو لم يكن الاسم موضوعًا بإزاء مفهوم كلى يصدق على الجملة وعلى أى بعض منها. قوله: (ولا مناسبة مصححة) هذا مما يناقش فيه بأن التصديق من أسباب العبادات ولوازمها العرفية. قوله: (فالعبادات هو الإيمان) فإن قيل المدعى أن الإيمان هو العبادات قلنا صحة الحمل بين الصفات تقتضى اتحاد المفهوم، ولهذا لا تصح الكتابة ضحك كما يقال ضاحك فقولنا العبادات هو الإيمان والإيمان هو العبادات واحد. قوله: (فذلك للمذكور) من العبادات المدلول عليها بقوله: ليعبدوا اللَّه على أنها للعموم أو العبادات المذكورة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرهما تعبيرًا عن الكل بما هو الأساس. قوله: (ولولا الاتحاد لم يستقم الاستثناء) لأنه مفرغ فيكون متصلًا مستلزمًا لاتحاد الجنس أى ما وجدنا فيها بيتًا من بيوت المؤمنين إلا بيتًا من المسلمين وبيت المسلم إنما يكون بيت المؤمن إذا صدق المؤمن على المسلم، إذ التحقيق أن ليس المراد بالبيت هو الجدران بل أهل البيت. قوله: (وهو على الأوّل) يعنى أن أصل المدعى أن الإيمان هو العبادات ومن مقدمات دليله أن الإيمان هو الإسلام تمسكًا بالوجهين فلو اقتصرنا فى الاستدلال بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، على نفى كون الإيمان هو الإسلام كان معارضة لدليل المقدمة وإن ضممنا إليه قولنا الإسلام هو العبادات فلا يكون الإيمان هو العبادات كان معارضة لدليل المدعى لدلالته على نفى المدعى. قوله: (والحل) يعنى أن ما ادعيتم من أن الإيمان حقيقة شرعية فى العبادات إنما يثبت إذا ثبت أن الإيمان هو الإسلام ولا دلالة فى الآيتين على ذلك، أما الأولى فلأن مدلولها عدم قبول دين غير الإسلام وكون الإيمان غير الإسلام لا يستلزم كونه دينًا غيره حتى يلزم عدم قبوله بل هو عين النزاع؛ لأن المقصود هو أن يثبت أن الإيمان هو الإسلام والإسلام هو الدين فيثبت أن الإيمان هو الدين ثم يثبت أن الدين هو العبادات ليثبت أن الإيمان هو العبادات فقولنا الإيمان هو الدين

стр. 587

إحدى المقدمات المتنازع فيها وهذا معنى قوله وهو أول المسألة وأما الثانية؛ فلأنه يكفى لصحة الاستثناء صدق المؤمن على المسلم وهو لا يستلزم اتحاد الإيمان والإسلام بل يحصل بكون الإيمان من شرائط الإسلام. قوله: (سلمنا) يعنى كون الذين آمنوا عامًا فى الصحابة وغيرهم لكنه ليس عطفًا على النبى حتى يتحقق الحكم بعدم إخزائهم وهذا المنع ضعيف إذ لا فائدة فى الإخبار بعدم إخزاء النبى. قوله: (وهى) أى الحقيقة الدينية (ما لا يعلم أهل اللغة لفظه أو معناه أو كليهما) فتكون من الموضوعات المبتدأة على تقديرين قطعًا وعلى الثالث احتمالًا وزعمت المعتزلة أن أسماء الذوات يعنى ما هى من أصول الدين أو ما يتعلق بالقلب كالمؤمن والكافر والإيمان والكفر كذلك أى مما لا يعلم أهل اللغة لفظها أو معناها أو كليهما دون أسماء الأفعال أى ما هى من فروع الدين أو ما يتعلق بالجوارح فإنها ليست مما لا يعلمه أهل اللغة كما ذكر فلا يلزم كونها من الموضوعات المخترعة والمذكور فى الأحكام والمحصول أن الاسم الشرعى ما لا يعرف أهل اللغة لفظه ولا مسماه أو لا يعرفون أحدهما أو يعرفونهما معًا لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى وأن الكل فى ذلك سواء والتسمية بالدينية للتفرقة بين القسمين وما فى الكتاب من تفسير الدينية وإن لم يكن مفهومًا منها لكنه غير مناف له، ويقتضيه كلام المصنف حيث خالف المعتزلة فى إثبات الدينية مع الاتفاق فى الشرعية وأما حمله على إثبات الشرعية فى أسماء الأفعال دون أسماء الذوات وحينئذ تتحقق المخالفة فى الدينية من غير احتياج إلى ذلك التفسير فبعيد. قوله: (أولًا لمناسبة) سواء وجدت ولم تعتبر أو لم توجد أصلًا وعلى التقديرين أعنى تقديرى النقل والوضع ابتداء يكون حقيقة شرعية مندرجة فى تعريف الحقيقة إما على الثانى فظاهر وإما على الأول ففيه إشكال لأن النقل لمناسبة وضع قد لوحظ فيه وضع سابق فلا يكون وضعًا أوّل كما ذكر من التفسير وإنما يندفع إذا أريد عدم ملاحظة الوضع السابق حال الاستعمال والمجاز محتاج إليها فى الاستعمال بناء على وجوب النظر فى العلاقة للتجوز. قوله: (من غير وضع مغن عن القرينة) فيه إشعار بالوضع فى المجاز.

стр. 588

قوله: (حتى إذا وجدناها) إشارة إلى فائدة الخلاف فإنا إذا قلنا: إن الشارع وضعها لهذه المعانى على أحد الوجهين فإذا وجدناها فى كلامه مجردة عن القرينة حملناها على المعانى الشرعية إذ الظاهر أنه يتكلم باصطلاحه وهذه المعانى هى الحقائق بالقياس إليه، وإن قلنا: بعدم الوضع حملناها على المعانى اللغوية لأنه يتكلم على قانون اللغة وهذه الحقائق منها وأما فى استعمال المتشرعة من الفقهاء والمتكلمين فتحمل على المعانى الشرعية بلا خلاف أما على الأول فلأن ظاهر حالهم أنهم يتكلمون باصطلاح الشارع وأما على الثانى فلأن الظاهر أنه عرفهم وهذه بالقياس إليهم حقائق عرفية. قوله: (ثم لم يذكر فى الأحكام والمحصول) قال فى الأحكام: لا شك فى إمكان الحقيقة الشرعية إذ لا إحالة فى وضع الشارع اسمًا من أسماء أهل اللغة أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه لم يكن موضوعًا لأسمائهم، ثم قال: وإنما الخلاف نفيًا وإثباتًا فى الوقوع والمجاز ههنا مفروض فيما استعمله الشارع من أسماء اللغة كلفظ الصوم والصلاة هل خرج به عن وضعهم أو لا فمنع القاضى أبو بكر من ذلك وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء وقال فى المحصول الحقيقة الشرعية هى اللفظ الذى استفيد من الشرع وضعه للمعنى سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللغة أو كانا معلومين لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى أو كان أحدهما مجهولًا والآخر معلومًا واتفقوا على إمكانه واختلفوا فى وقوعه فالقاضى أبو بكر منع منه مطلقًا والمعتزلة أثبتوا مطلقًا. قوله: (كونها حقيقة شرعية) يشمل المنقول والموضوع المبتدأ كما يفهم من إطلاق كلامه فى الأحكام والمحصول وقد حققناه آنفًا. قوله: (والحق أنه لا ثالث لهما) فإن القاضى ينفى كونها حقائق شرعية زاعمًا أنها مجازات لغوية ولهذا قال أولًا: وقد استعملت فى غير معانيها اللغوية فجعل الاستعمال فى الغير متفقًا عليه وإنما النزاع فى أنه هل هو بوضع من الشارع على أحد الوجهين وهو مذهب المعتزلة أو لا فتكون مجازات لغوية قطعًا وهو مذهب القاضى ولا ثالث لهما حينئذ ومنهم من زعم أن مذهب القاضى أنها مبقاة على حقائقها اللغوية فتصير المذاهب ثلاثة: كونها حقائق لغوية وكونها مجازات لغوية وكونها حقائق شرعية ولا خفاء فى بعد نسبة هذا المذهب إلى القاضى كيف وقد

стр. 589

قال الإمام فى المحصول: والمختار أن إطلاق هذه المعانى على سبيل المجاز من الحقائق اللغوية ولم يجعل القاضى مخالفًا لمختاره بل المعتزلة حيث قال بعدما بين وجوه المناسبة بينهما: فإن كان مذهب المعتزلة فى هذه الأسماء الشرعية ذلك فقد ارتفع النزاع وإلا فهو مردود بالدليل المذكور وأنت إذا تتبعت كلام الأحكام ظهر لك هذا المعنى أيضًا ولعل الزاعم إنما توهم ذلك بناء على ما اعترض به على دليل الخصم من أنها باقية فى معانيها اللغوية والزيادات شروط وليس بلازم كونه مذهبًا لأحد إذ قد يردّ دليل الخصم باحتمال لا يعتقد. قوله: (لنا القطع) أى بالاستقراء كما صرح به فى المنتهى. قوله: (وأنها سابقة) قيل: وإنما كرر المصنف لفظ مطلقًا مع الإمساك والقصد لأنه لو اقتصر على الأخير لتوهم رجوعه إلى الجميع أو إلى الأخير وليس شئ منهما بمراد. قوله: (الأول قولهم إنها باقية فى المعانى اللغوية) أى لا نسلم أنها مستعملة فى غير المعانى اللغوية حتى يثبت كونها حقائق شرعية فيه، لِمَ لا يجوز أن تكون باقية على حقائقها اللغوية وفى جريان هذا المنع بسنده فى جميع الصور تعسف ظاهر وهذا المنع مردود بأنها لو كانت باقية فى المعانى اللغوية. . . إلخ، وإذا لم تكن باقية فيها فلابد أن تكون مستعملة فى غيرها قطعًا وليس هذا كلامًا على المستند غير مرضى كما توهم، والحَلْبة بفتح الحاء المهملة وسكون اللام: خيل تجمع للسباق. قوله: (وأنت بعد خبرتك بمحل النزاع لا تحتاج إلى التصريح بما فى كلامه من نظر) أما فى دليله على مذهبه فبأن يقال: دعوى كونها أسماء لمعانيها الشرعية حيث تسبق منها إلى الفهم عند إطلاقها إن كانت بالقياس إلى إطلاق الشارع فهى ممنوعة وإن كانت بالنسبة إلى إطلاق المتشرعة فاللازم حينئذ كونها حقائق عرفية لهم لا حقائق شرعية، وأما فى رده الأول على الاعتراض الثانى للخصم فأن يقال قوله: فذاك معنى الحقيقة الشرعية ممنوع فإن الاشتهار والإفادة بغير قرينة فى عرف المتشرعة لا فى إطلاق الشارع فهى حقيقة عرفية للمتشرعة لا حقيقة شرعية، وأما فى رده الثانى عليه فأن يقال ما قيل على دليله من أن السبق بلا قرينة بالقياس إلى أهل الشرع فكأن الصنف لم يفرق بين المعنيين لانتساب كل منهما إلى الشرع فى الجملة.

стр. 590

قوله: (لفهمها) أى لفهم الشارع غير المعانى اللغوية من المعانى الشرعية. قوله: (لنقل) أى ذلك التفهيم إلينا. قوله: (وإلا فلا وقع الخلاف فيه) أى فى نقل الشارع إياها إلى غير معانيها اللغوية. قوله: (وإنه) أى النقل بالآحاد لا يفيد العلم مع أن المسألة علمية وأيضًا فالعادة تقضى فى مثله مما تتوفر الدواعى على نقله بالتواتر. قوله: (وأما الثانية) أى بطلان التالى وقد وجد فى بعض نسخ المتن بدل الثانية الصغرى وله أيضًا وجه وإن كان الأول على قاعدته فى هذا الكتاب لأن المقدمة الأستثنائية لها شبه بالكبرى فى الذكر وفى قوة الصغرى عند الرد إلى الحمل كما ذكر. قوله: (وقد وضعها) ضمن الوضع معنى الجعل فانتصب حقائق شرعية على أنه مفعول ثان ومجازات لغوية على الحالية. قوله: (بل للسورة) باعتبار المنزل أو المذكور أو القرآن. قوله: (ولا يعارض) أى لا يعارض ما ذكرناه من الدليل على إطلاق القرآن على كل سورة وآية بأن كلًا منهما يصدق عليه أنه بعض القرآن فلا يصدق عليها القرآن لا يقال إطلاق القرآن على السورة وكون الضمير راجعًا إليها سند للمنع وما ذكر فى بيانه توضيح له فالمعارضة كلام على السند لأنا نقول: بطلانه ههنا يقتضى اندفاع المنع المذكور ضرورة أنه إذا لم يطلق القرآن على البعض كان الضمير للكل فيكون عربيًا. قوله: (وإذا شارك الجزء الكل فى معناه) أى فى معنى الاسم الذى يطلق عليه صح أن يقال هو كذا وهو بعض كذا بالاعتبارين: أما الأول فباعتبار وجود مسمى اللفظ فيه، وأما الثانى فباعتبار كونه جزءًا للجملة التى وجد فيها المسمى أيضًا. قوله: (يقال ولو مجازًا على ما غالبه عربى) وإطلاق العربى على القرآن لا يستلزم كونه حقيقة فيه غايته أن يقال: الأصل فى الإطلاق الحقيقة لكن المجاز قد يتركب لما ذكرنا من الدليل على كونها حقائق شرعية. قوله: (ولا مناسبة مصححة للتجوز) إذ ليس بين مطلق التصديق والعبادات المخصوصة علاقة يعتدّ بها فلا يكون الإيمان مجازًا فيها ولا حقيقة منقولة بل

стр. 591

موضوعًا مبتدأ. قوله: (وأيضًا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ﴾ [الذاريات: ٣٥]) دليل آخر على المقدمة القائلة: إن الإسلام هو الإيمان وكان المناسب أن يكون مقدمًا فى المتن على قوله: فثبت أن الإيمان العبادات وما قيل من أنه إنما أخره ليخص المعارضة المذكورة به يجعل الكلام قاصرًا عن المقصود فى هذا المقام. قوله: (ولولا الاتحاد لم يستقم الاستثناء) لكنه استقام إذ تقدير الكلام فأوجدنا فيها بيتًا من بيوت المؤمنين غير بيت من المسلمين. قوله: (أو نقول وقد ثبت أن الإسلام العبادات) يعنى بما ذكرتم فى دليلكم. قوله: (معارضة لدليل المقدمة) يعنى لدليل المقدمة القائلة: إن الإسلام هو الإيمان. قوله: (وهو أول المسألة) أى كون الإيمان دينًا هو المتنازع فيه لأن الدين هو العبادات بما ذكر فمن لا يسلم كون الإيمان العبادات كيف يسلم كونه دينًا. قوله: (إذ شرطه) أى شرط كون الاستثناء مستقيمًا صدق أحدهما من المستثنى والمستثنى منه على الآخر لا اتحاد مفهوميهما والصدق ههنا حاصل من جهة أن الإيمان شرط صحة الإسلام بمعنى العبادات فكل مسلم صحيح الإسلام مؤمن ولا ينعكس كليًا. قوله: (لو لم يكن الإيمان الأعمال بل التصديق) يعنى التصديق الخاص بكل ما علم مجيئه ﵇ به من أمر دينى ضرورة فيكون من باب إطلاق العام على الخاص مجازًا أو نقلًا لمناسبة لا موضوعًا مخترعًا كما هو مذهبهم فيه وباقى الكلام ظاهر وصاحب الأحكام بعدما أورد أدلة المثبت والنافى الحقيقة الشرعية وزيفها قال: وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين فالحق عندي فى ذلك هو إمكان كل واحد من المذهبين وأما ترجيح الواقع منهما فعسى أن يكون عند غيرى تحقيقه. قوله: (وعلى الثالث احتمالًا) أى: على تقدير عدم العلم بالمعنى مع العلم باللفظ، وهو الثانى فى التقدير والثالث فى التقدير. قوله: (وليس شئ منهما بمراد) بناء على أنه لو ذكر أفراد المطلق فى الأخير

стр. 592

فقط لقصد تعليم (١) بكل واحد من الإمساك والقصد إذ الفرق بالإطلاق والقصد بين اللغوى والعرفى واللغوى ليس إلا الصيام والحج فهما مناسبان ذكر الإطلاق وتوهم تعلقه بالجميع أو بالأخير فقط توهم لخلاف المراد. المصنف: (أن الصلاة للركعات. . . إلخ) أى وهذه المعانى تسبق من هذه الألفاظ بدون قرينة وذلك علامة الحقيقة ففى كلام المصنف مقدمة مطوية. المصنف: (رد بأنه فى الصلاة. . . إلخ) أى يقال للشخص إنه فى الصلاة وليس بداع ولا متبع كالأخرس والمنفرد فلو كانت الصلاة حقيقة فى الدعاء أو الاتباع لما صح إطلاقها بدونهما. الشارح: (ما لا يعلم أهل اللغة. . . إلخ) عبارة الإسنوى الرابع الشرعية وهى اللفظة التى استفيد من الشارع وضعها كالصلاة للأفعال المخصوصة والزكاة للقدر المخرج قال فى المحصول سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة كأوائل السور عند من يجعلها اسمًا لها أو لغيرها أو كانا معلومين لهم لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى كلفظة الرحمن للَّه تعالى فإن كلًا منهما كان معلومًا لهم ولم يضعوا اللفظ له تعالى ولذلك قالوا حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، إنا لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة أو كان أحدهما معلومًا والآخر مجهولًا كالصوم والصلاة. اهـ. فلم يفرق بين شرعية ودينية بل الكل شرعى. الشارح: (كالأخرس) أى فالدعاء ليس بفرض فى حقه اتفاقًا قال فى شرح مسلم الثبوت وللمناقش أن يقول: إن القراءة فرض عندكم فيلزم منه أن لا يتأدى بدون قراءة مع أن الأخرس يتأدى منه فإن اعتذر عنه بأنه أقيم بدله تحريك اللسان للعذر فلهذا القائل أيضًا يتأتى هذا العذر إلى أن قال: والحق فى الرد أن هذا مكابرة فإنه علم من ضروريات الدين أن الصلاة هذه الأركان. الشارح: (ولذا لو حلف لا يقرأ القرآن حنث بقراءة آية منه) هذا لا يصح دليلًا

стр. 593

على إطلاق القرآن على الآية عند المالكية للحنث بفعل بعض المحلوف عليه عندهم. الشارح: (ولا مناسبة مصححة للتجوز) فيه أن المناسبة موجودة لأن الإيمان عند المعتزلة التصديق بما جاء به النبى ﷺ والأقوال والأفعال فتجوز بنقل الإيمان عن مطلق التصديق إلى التصديق المخصوص ثم منه إلى التصديق وجميع العبادات لأنه جزؤها ولعله مبنى على أن التصديق ليس داخلًا فى العبادات التى هى الإيمان. التفتازانى: (وفى لفظ زعموا إشارة. . . إلخ) يعنى أن التفرقة بين الدينية بأنها ما وضعه الشارح ابتداء بأن لا يعرف أهل اللغة. . . إلخ. وأنها أسماء ذوات الموصوفات أو ذوات الصفات والشرعية بأنها ما ليست كذلك مما فيه تأثير وعلاج لا برهان عليها وقد أشار بزعموا إلى ذلك. التفتازانى: (ولما كان فى كلام المنهاج ما يشعر بأن هناك مذهبًا ثالثًا. . . إلخ) وذلك لأنه قال: واختلف فى الحقيقة الشرعية كالصلاة والزكاة والحج فمنع القاضى وأثبت المعتزلة مطلقًا والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة. اهـ. وعلى ظاهر عبارته شرح الإسنوى حيث قال: إذا علمت ذلك فقد اختلفوا فى وقوعها فمنعه القاضى أبو بكر وقال: إن الشارع لم يستعملها إلا فى الحقائق اللغوية فالمراد بالصلاة المأمور بها هو الدعاء ولكن أقام الشارع أدلة أخرى على أن الدعاء لا يقبل إلا بشرائط مضمومة إليه وأثبتها المعتزلة فقالوا نقل الشارع هذه الألفاظ عن مسمياتها اللغوية وابتدأ وضعها لهذه المعانى لا لمناسبة فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها ثم قال واختار إمام الحرمين والإمام والمصنف أنها لم تستعمل فى المعنى اللغوى بقطع النظر عن حالة الاستعمال بل استعملها الشارع فى هذه المعانى لما بينها وبين المعانى اللغوية من العلاقة. اهـ. التفتازانى: (لو وافقه أدلة الفريقين) إنما قال ذلك لأن أدلة القائلين بأنها ليست حقائق شرعية تقتضى أنها حقائق لغوية حيث قالوا: لو كان الأمر كذلك أى نقلها الشارع إلى غير حقائقها اللغوية لفهمها المكلف. . . إلخ. وقالوا لو كانت شرعية لكانت غير عربية. التفتازانى: (بأن التصديق من أسباب العبادات. . . إلخ) يفيد أنه ليس داخلًا فى

стр. 594

مسمى الإيمان كما ذكرنا. التفتازانى: (قلنا صحة الحمل. . . إلخ) يعنى أنه متى صح الحمل بين الصفات المشتق منها كان هناك اتحاد كالإيمان، العبادات أو العكس وأما المشتقات فصحة حمل أحد الأمرين منها على الآخر لا يقتضى الاتحاد. التفتازانى: (على أنها للعموم) فقوله ليعبدوا اللَّه فى تأويل عبادة اللَّه وهو مضاف فيعم جميع العبادات وعلى هذا فذكر الصلاة والزكاة بعدها ذكر الخاص بعد العام. قوله: (على تقديرين قطعًا) هما عدم العلم بهما وعدم العلم باللفظ مع العلم بالمعنى وقوله: وعلى الثالث احتمالًا هو عدم العلم بالمعنى مع العلم باللفظ وبقى ما إذا علم كل منهما لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى وهو الذى يسمى اللفظ فيه حقيقة شرعية لا دينية. قوله: (من أصول الدين) أى إثباتًا كالإيمان أو نفيًا كالكفر وكذا يقال فى قوله أو ما يتعلق بالقلب أى دينًا أو عدمه يدل على ذلك التمثيل. قوله: (للتفرقة بين القسمين) أى الفرعية والأصولية. قوله: (وما فى الكتاب) أى الشارح. قوله: (ويقتضيه كلام المصنف. . . إلخ) أى فعنده الدينية ليست من الحقائق الشرعية بل هى مجازات لغوية. قوله: (وأما حمله. . . إلخ) أى حمل كلام المصنف على أن الشرعية تشمل الكل ولكنها ثابتة فى أسماء الأفعال مما فيه تأثير وعلاج كالصلاة دون أسماء الذوات مما ليس كذلك كالمؤمن والكافر والإيمان والكفر وحينئذ تتحقق مخالفة المصنف فى الدينية التى هى أسماء الذوات من غير احتياج إلى تفسير الدينية بما ذكر بعيد. قوله: (قال فى الأحكام لا شك فى إمكان الحقيقة. . . إلخ) ظاهره أن الإمكان متفق عليه مع أنه قد قيل بنفى الإمكان بناء على أن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعة من نقله إلى غيره والمراد بالنقل ما يشمل الوضع لا لمناسبة ولعل صاحب الأحكام لم يكترث بذلك ومراده نفى الإحالة بالنظر لذاته. قوله: (وفى جريان هذا المنع فى جميع الصور تعسف) لأنه لا يجرى فى نحو الزكاة فإنها فى اللغة النماء وفى الشرع التملك المخصوص.

стр. 595

قوله: (وليس هذا كلامًا. . . إلخ) أى بل هو إبطال للمنع. قوله: (فهى ممنوعة) لا نسلم المنع لأن المراد القطع بفهم الصحابة قبل حدوث الاصطلاحات وأن الشارع استمر على إطلاقها على المعنى الشرعى إلا لدليل صارف عنه. قوله: (فكأن المصنف لم يفرق) المصنف أراد السبق إلى الفهم من غير قرينة فى كلام الشارع كما تقدم فهذا التشنيع فى غير محله. قوله: (لها شبه بالكبرى فى الذكر) أى فناسب أن يعبر عنها بالثانية وقوله وفى قوة الصغرى أى فناسب التعبير عنها بالصغرى. قوله: (باعتبار النزاع) أى تذكير الضمير فى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر: ١]، مع أنه للسورة باعتبار أنها منزل أو مذكور أو قرآن.

стр. 596

قال: (مسألة: المجاز واقع خلافًا للأستاذ بدليل الأسد للشجاع والحمار للبليد وشابت لمة الليل المخالف مخل بالتفاهم وهو استبعاد). أقول: المجاز واقع فى اللغة خلافًا للأستاذ أبى إسحاق الإسفرايينى لنا أن الأسد للشجاع والحمار للبليد وشابت لمة الليل وقامت الحرب على ساق مما لا يحصى مجازات لأنها يسبق منها عند الإطلاق خلاف ما استعيلت فيه وإنما يفهم هو بقرينة وهو حقيقة المجاز المخالف قال لو كان المجاز واقعًا للزم الإخلال بالتفاهم إذ قد تخفى القرينة. والجواب: أنه لا يوجب امتناعه غايته أنه استبعاد وهو لا يعتبر مع القطع بالوقوع نعم ربما يحصل به ظن فى مقام التردد. قوله: (لزم الإخلال) أى فى الجملة وفى بعض الصور وذلك عند خفاء القرينة. قوله: (قال: مسألة المجاز واقع فى اللغة) قيل: المناسب تقديم هذه المسألة على مسألتى دوران اللفظ بين الاشتراك والمجاز والحقيقة الشرعية لتوقفهما عليها. قوله: (إذ قد تخفى القرينة) لم يتعرض لعدمها إذ لا يجوز استعماله بدونها بخلاف المشترك فإن قيل: هو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى فكان المجموع حقيقة فيه، أجيب بأن المجاز والحقيقة من صفات الألفاظ دون القرائن المعنوية فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع ولئن سلم لكن الكلام فى جزء هذا المجموع فالنزاع لفظى. الشارح: (المخالف قال لو كان المجاز واقعًا للزم الإخلال بالتفاهم إذ قد تخفى القرينة. . . إلخ) حمل قول المصنف المخالف مخل بالتفاهم على أن المعنى قد يخل بالتفاهم فى الجملة وفى بعض الصور وهو حينئذ لا يقتضى عدم وقوع المجاز مطلقًا إلا أن يقال لما كان قد يخل منع سد الباب الخلل بالمرة وعبارة مسلم الثبوت وشرحه المجاز واقع فى اللغة بالضرورة الاستقرائية خلافًا لأبى إسحاق الإسفرائينى قال لأنه يخل بالتفاهم فإن الفهم إنما يتوجه إلى الحقيقة وهو ممنوع

стр. 597

لأنه لا يجوز استعماله من غير قرينة وحينئذ لا إخلال ومنقوض لأنه ينفى الإجمال لأنه أيضًا يخل بالفهم مع أنه واقع اتفاقًا ونقل عنه أنه يسمى المجاز مع القرينة حقيقة فيخرج حاصل مذهبه أن المجاز بلا قرينة غير واقع فى اللغة وهو غير صحيح موافق للجماهير فالخلاف لفظى حينئذ وعبارة التحرير بعد أن ذكر مذهب أبى إسحاق المذكور وهو بعيد على بعض المميزين فضلًا عنه لأن القطع به أثبت من أن يورد له مثال ويلزمه نفى الإجمال مطلقًا قال شارحه: لأنه من حيث هو مخل بفهم عين المراد وهو باطل فلا جرم أن قال السبكى الأستاذ لا ينكر استعمال الأسد للشجاع وأمثاله بل يشترط فى ذلك القرينة ويسميه حينئذ وينكر تسميته مجازًا وانظر كيف علل باختلال الفهم ومع القرينة لا اختلال فالخلف لفظى كما صرح به إلكيا. قوله: (إذ لا يجوز استعماله بدونها) أى باتفاق.

стр. 598

قال: (مسألة: وهو فى القرآن خلافًا للظاهر بدليل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وهو كثير قالوا المجاز كذب لأنه ينفى فيصدق قلنا إنما يكذب إذا كانا معًا للحقيقة قالوا: يلزم أن يكون البارئ تعالى متجوزًا قلنا مثله يتوقف على الإذن). أقول: المجاز واقع فى القرآن وأنكره الظاهرية لنا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، والمراد مثله ففيه زيادة. قال فى المنتهى: قولهم: أتى بالكاف لنفى الشبيه غلط إذ يصير المعنى ليس مثل مثله شئ فيتناقض لأنه مثل مثله مع ظهور إثبات مثله. وقد يقال: بأن نفى مثل المثل إنما هو بنفى المثل وإلا لزم التناقض فهو تصريح بنفى الشبيه مستلزم لنفى الشريك ولا نسلم ظهوره فى إثبات مثله بل قاطع فى نفيه لما ذكرنا ولا يبعد أن يقصد به نفى من يشبه أن يكون مثله فضلًا عن المثل حقيقة وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمراد أهل القرية ففيه نقصان وقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، شبه إشرافه على السقوط بالإرادة المختصة بذوات الأنفس وفيه استعارة. فى المنتهى: قولهم: القرية مجتمع الناس، من قرأت الناقة، ومنه القرآن غلط فى المعنى والاشتقاق لأن مجتمع الناس غيرهم ولام قرية ياء ولام قرأ وقرآن همزة، وقولهم: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، حقيقة فإنها تجيبك أو أن الجدار خلقت فيه إرادة ضعيف وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وليس الواقع جزاء اعتداء ولا سيئة ففيه إطلاق اسم الضد أو الشبيه وهو أى المجاز فى القرآن كثير نحو ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، و ﴿الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، و ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ [النور: ٣٥]، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا﴾ [المائدة: ٦٤]، وغيرها مما بلغت فى الكثرة حدًا يفيد الجزم بوجوده ولا يفيدهم التمحل فى صور معدودة إن أمكن المخالفون. قالوا: أولًا: المجاز كذب لأنه ينفى فيصدق نفيه فلا يصدق هو وإلا لصدق النفى والإثبات معًا وإذا ثبت أنه كذب فلا يقع فى القرآن إجماعًا.

стр. 599

الجواب: إنما يصدق النفى وهو للحقيقة فإنما يلزم كذب الإثبات لو كان هو أيضًا للحقيقة. قالوا: ثانيًا: يلزم من وجود المجاز فى القرآن أن يكون البارى تعالى متجوزًا واللازم باطل أما الملازمة فلأن من قام به فعل اشتق له منه اسم الفاعل وأما بطلان اللازم فلامتناع إطلاق المتجوز عليه اتفاقًا. الجواب: أن مثله من إطلاق الأسماء عليه تعالى يتوقف على الإذن وقد انتفى فلذلك امتنع لا أنه لا يصح لغة واللازم صحته لغة. قوله: (مسألة المجاز واقع فى القرآن) المجاز يطلق بحسب الاشتراك على ما سبق وعلى كلمة تغير حكم إعرابها بسبب زيادة أو نقصان أو على نفس الإعراب المتغير فأورد من القرآن أمثلة المجاز بالمعنى الثانى زيادة ونقصانًا وبالمعنى الأول استعارة وغيرها، ففى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، الجر والنصب أو الكلمة المعربة بهما وكذا فى الآيات الآخر إرادة الجدار استعارة لإشرافه على السقوط والاعتداء على المعتدى مجاز من مجازاته التى هى عدل إطلاقًا لاسم أحد الضدين على الآخر بجامع المجاوزة فى التحيل لا تنزيل التضاد منزلة التناسب بواسطة تمليح أو تهكم ليكون استعارة، فإنه لا يناسب المقام أصلًا والسيئة استعارة لا يشبه السيئة صورة إذ لو جعل مجازًا عن جزاء السيئة أو عن مسببها على ما ذهب إليه البعض لم يكن لحملها على جزاء السيئة فائدة لكن وصف السيئة بقوله مثلها يأبى هذه الاستعارة بمنزلة أن تقول زيد أسد مثله، والحق أن الآيتين من قبيل المشاكلة وتحقيق المجاز فيهما صعب جدًا واشتعال الرأس استعارة لانتشار بياض الشيب فى سواد الشباب وجناح الذل استعارة بالكناية جعل الذل والتواضع بمنزلة طائر فأثبت له الجناح تخييلًا والغائط مجاز عن الفضلات التى تقع فى المطمئن من الأرض، ومكر اللَّه مجاز عن صنيعه بالكفار فى جزاء مكرهم واستهزاؤه بالمنافقين استعارة عما يفعل بهم من إنزال الهوان والحقارة ونور السموات مجاز عن منوّرها وإيقاد النار مجاز عن تهييج الفتن وأسباب الحروب أو النار استعارة عن أسباب الحروب والإيقاد ترشيح أو الكلام تمثيل.

стр. 600

قوله: (قال فى المنتهى) إشارة إلى رد جواب المنكرين لوقوع المجاز فى القرآن عن بعض ما أورد فى الآيات زعمًا منهم أن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، حقيقة فى نفى الشبيه ومعناه ليس كذاته شئ كما فى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧]، أى بنفسه ومثلك لا يقول هذا أى نفسك كذا فى الأحكام وأن القرية مجتمع الناس من قرأت الناقة جمعت لبنها فى ضرعها ووجه الرد فى الآية الأولى؛ ولأن (١) ما ذكروا يستلزم التناقض لأنه مثل مثله ضرورة أن التماثل يكون من الجانبين فيكون الكلام صريحًا فى نفى مثل المثل مستلزمًا لإثبات المثل ولا يكون معناه ليس كذاته شئ ويشعر بإثبات المثل للَّه تعالى، لأن النفى يعود إلى الحكم لا إلى المتعلقات فقولنا ليس كابن زيد أحد يدل ظاهرًا على أن لزيد ابنًا وإن كان يحتمل أن يكون نفى المثل له بناء على عدمه، وقد يجاب عن الأول بمنع لزوم التناقض وإنما يلزم لو لم يكن نفى مثل المثل بنفى المثل دفعًا للتناقض وتحقيقه أن نفى مثل المثل مستلزم لنفى المثل ضرورة أنه لو وجد له مثل لكان هو مثلًا لمثله فلا يصح نفى مثل المثل فهذا الكلام صريح فى نفى الشبيه أعنى مثل المثل كناية عن نفى الشريك أعنى ثبوت المثل وعن الثانى بمنع كون هذا الكلام ظاهرًا فى إثبات مثله كيف ونقيضه وهو نفى مثله قطعى لئلا يلزم التناقض، وأيضًا يحتمل أن يكون لفظ المثل هنا مثله فى قولهم مثلك لا يبخل على معنى أن من كان على صفته وشبهه فهو لا يبخل فكيف هو فكذا المعنى ههنا أن من كان على صفة المثل وشبهه فهو منتف فكيف الثل حقيقة وحينئذ يكون الكلام لنفى الشبيه والشريك من غير تناقض، وأما فى الآية الثانية فمن جهة المعنى والاشتقاق أما المعنى فلأنه إن أريد بمجتمع الناس محل اجتماعهم على ما هو الظاهر فليس بمفيد لأنه غير الناس والمسئول إنما هو الناس وإن أريد به الناس المجتمعون على ما صرح به الآمدى فى الأحكام فغلط للقطع بأن القرية ليست اسمًا للناس المجتمعين، وأما الاشتقاق فلأن القرية من المنقوص وقرأت الناقة من المهموز. قوله: (وقولهم) أى قول المنكرين فى قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أن المعنى واسأل القرية بطريق الحقيقة فإنها تجيبك بخلق اللَّه تعالى الجواب فيها وفى قوله تعالى ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، الإرادة حقيقية بخلق اللَّه
следующие страницы →