فى قولك: سىرت من البصرة على الوجه الذى استفيد منه لا يصلح لشئ منهما فتعين أن يكون معناه الابتداء الخاص بالاعتبار الثانى؛ وهو معنى لا يستقل بالمفهومية ولا يتحصل ذهنًا ولا خارجًا إلا بمتعلق ثم إنه يستعمل فى كل ابتداء خاص حقيقة بلا اشتراك فهو موضوع لذلك وضعًا عامًا على معنى أن الواضع تصوّر مفهوم الابتداء ولاحظ به جزئيات فعين لفظ "من" بإزائها، وأما "ابتدأ" فالواضع تصوّر معنى الابتداء المطلق ولاحظ معه النسبة من حيث هى حالة بينه وبين شئ معين فى زمان ماض وعين لفظه بإزاء هذا المجموع، فالنسبة ههنا مفهوم غير مستقل كمفهوم الحرف لا تعقل إلا بطرفيها فلذلك لا يتحصل معنى ابتدأ ذهنًا ولا خارجًا إلا بذكر الفاعل، وإنما حكمنا بذلك لأن النسبة المطلقة والمخصوصة الملحوظة بالذات من حيث هى كذلك لا تكون حكمية بل تقع محكومًا عليها أو بها كما يظهر بأدنى تأمل، وإنما اعتبرنا فى الفاعل التعيين أىّ تعيين كان سواء كان جزئيًا أو مفهومًا عامًا فإن المفهومات العامة من حيث هى أمور متعينة وباعتبار ما صدقت هى عليه غير متعينة؛ لأن النسبة الحكمية التى يتضمنها ابتدأ لو كانت متعلقة بفاعل لا بعينه ولا شك أنه مفهوم عند إطلاقه لكان ابتدأ وحده كلامًا تامًا محتملًا للصدق والكذب وأنه باطل اتفاقًا مع استلزامه محذورين على ما بين فى علم آخر، وأما معنى الابتداء فإنه وإن كان صالحًا فى نفسه للحكم عليه وبه لكنه بانضمام هذه النسبة إليه صار مأخوذًا فيه من حيث إنه محكوم به وانسلخ عنه صلاحية الحكم عليه؛ لأنا نعلم قطعًا أن الابتداء المستفاد من ابتدأ على الوجه الذى استفيد منه لا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه، وما يقال من أن الفعل صالح للحكم به فإنما هو باعتبار جزء معناه لا مجموعة، وما حققناه من الوضع العام فى الحروف يجرى فى الأفعال باعتبار النسب المعتبرة فيها وامتازت الأفعال بالاشتمال على معنى هو محكوم به، وأما نحو ذو وفوق فهو موضوع لذات ما باعتبار نسبة مطلقة كالصحبة والفوقية لها نسبة تقييد به إليها فليس فى مفهومه ما لا يتحصل إلا بذكر متعلقه بل هو مستقل بالتعقل والتزام الإضافة لا يقتضى عدم الاستقلال فلذلك يقع محكومًا عليه وبه، وعلى وعن والكاف فى الحرفية معناها الاستعلاء والتجاوز والشبه المخصوصة على قياس من فتكون غير مستقلة بالمفهومية، وفى الاسمية معناها إما الفوق والجانب والمثل كما هو المشهور
стр. 667
وهى معان مستقلة، وإما العلو والتجاوز والشبه مطلقًا كما فى الشرح وهى أيضًا مستقلة، ولعلك إذا استوضحت ما تلونا عليك اطلعت على مقاصد الكتاب منضمة إلى فوائد لا بد منها فى تحقيق الصواب وانكشف عندك معنى قولهم: الحرف؛ ما يوجد معناه فى غيره وأنه لا يدل على معنى باعتباره فى نفسه بل باعتباره فى متعلقه.
قوله: (على معناهما التركيبى) الإضافة بأدنى ملابسة قد تعتبر لغاية الاحتياط فى التعريف فإن الفاعلية ليست معنى زيد فى ضرب زيد، لكن يمكن أن تجعل معنى تركيبيًا له باعتبار تعلقه به وكونه ناشئًا من التركيب.
قوله: (دالًا على معناه الإفرادى) قد يقال فى توضيح تلك العبارة: إن المراد بالوضع هنا مطلق التخصيص فإن الوضع عبارة عن التخصيص المقيد بقيود مذكورة فى تعريفه من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام والتخصيص المطلق شامل للتخصيص الصادر من المستعمل أيضًا فإنه قد عين اللفظ بإزاء المعنى باعتبار إطلاقه عليه، وعلى هذا صار تقدير الكلام مشروطًا فى تخصيصها وإطلاقها حال كونها دالة على معناها ذكر متعلقها، وهذا التوضيح راجع إلى ما ذكروه من أن لفظة من مشروط فى دلالتها على معناها ذكر متعلقها، ولا بأس بالتكلف فى العبارة مع وضوح المعنى.
قوله: (للاشتراك فى المعنى) لا يعتبر ذلك القائل بتفاوتهما فى العموم والخصوص فإن معنى "من" ابتداء مخصوص، ومعنى لفظ الابتداء: الابتداء المطلق.
قوله: (دلالتها عليه بحسب الوضع مشروطة) يفهم من هذا الكلام أن المراد من قول الشارح: مشروط فى وضعها دالة على معناها، أن الدلالة مشروطة بحسب الوضع.
قوله: (بل لكونه مفهومًا منها عند التركيب) يمكن أن يقال: إن المجيب يجب عليه أن يقول فى دفع هذا الاعتراض: إن ما فهم (١) من لفظة "من" مفردة وهو الابتداء المطلق منها ليس كلمة "من" معناها ابتداء مخصوص لا يفهم إلا مع ذكر
стр. 668
المتعلق كما ذكر الشارح المحقق فى التحقيق وفهم الابتداء المطلق منها عند الانفراد بماء على فهم الابتداء المخصوص منها عند التركيب واعتبار الواضع فى وضعها للخصوصيات عنه وأن الابتداء المطلق (١)، وأما إذا سلم أن معناها مطلق الابتداء فلا يصح أن يقال: فهمه منها ليس لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا لأن لفظة "من" لو كانت موضوعة لمطلق الابتداء، فإذا علم ذلك الوضع فهم منها ذلك المعنى عند ذكرها سواء ذكر معها شئ آخر أو لا كالأسماء التى لزمت إضافتها وهذا الفهم منها لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا وخلاف ذلك تحكم لا يفيد شيئًا.
قوله: (لعموم التصور المعتبر فيه والموضوع له خاصًا) أى: ما هو أعم من أن يكون جزئيًا حقيقيًا أو إضافيًا؛ الأول كالمبهمات والثانى كالمشتقات فإن الواضع تصوّر الألفاظ المشتقة إجمالًا فى ضمن أمر شامل كما إذا قال صيغة فاعل من كل مصدر وتصوّر المفهومات الكلية التى بخصوصيات الألفاظ المشتقة فى ضمن أمر شامل كما إذا قال لمن قام به مدلوله فالألفاظ المشتقة موضوعة بإزاء المفهومات الكلية التى هى جزئيات إضافية للأمر الشامل الذى تصوّره الواضع عند الوضع فالوضع عام والموضوع له خاص فى ذلك الفعل، إذ قد لوحظ ههنا من حيث إنه يندرج تحت شئ ولو تصوّر الواضع خصوص لفظ ضارب وخصوص معناه ووضع اللفظ بإزائه لا يقال: إن الوضع ههنا عام والموضوع له خاص؛ إذ لا يتصور ههنا هذا المفهوم العام من حيث إنه مندرج تحت شئ بل يقال: إن الموضوع له ههنا عام أيضًا.
قوله: (ألا يذكر الفاعل) أى: بوجوده ففى العبارة مسامحة لا يلتبس بها المقصود.
المصنف: (مسألة الحروف) قيل: إن ذكرها فى الأصول لاحتياج الفقيه إليها لوقوعها فى الأدلة وإلا فمحلها علم العربية.
الشارح: (فما لم يذكر متعلقه) الأولى فما لم يلاحظ متعلقه.
التفتازانى: (إما عائد إلى اللفظ بمعنى. . . إلخ) فقوله فى غيره حال من ضمير يدل والمعنى ما يدل حال كونه فى غيره أى ليس منظور إليه فى ذاته ومستقلًا بذلك
стр. 669
بل لا بد من النظر فى دلالته على المعنى إلى لفظ آخر فيضم إليه وقوله: وإما إلى المعنى وعليه فقوله فى غيره صفة للمعنى ومعنى كون المعنى فى غير نفسه أنه ليس معنى بالنظر إلى ذاته كما يقال الدار فى نفسها حكمها كذا وإنما هو معنى بالنظر إلى غيره فلا يتحقق المعنى إلا بذلك الغير وحينئذ فليس الحرف دالًا عليه إلا بذكر دال ذلك الغير فلذا قال أى لا يحصل من اللفظ إلا بانضمام شئ آخر إليه.
التفتازانى: (فيضاف أيضًا إلى اللفظ) أى لأن الإضافة تأتى لأدنى ملابسة وحينئذ يحتاج لإخراج الاسم والفعل باعتبار معناهما التركيبى فيقيد معنى الحرف بالإفرادى فيخرج معنى الاسم والفعل الإفرادى فإنه ليس كمعنى الحرف الإفرادى.
التفتازانى: (لم يقع موقعًا صالحًا) أى لأن ذكر المتعلق شرط فى دلالتها بحسب الوضع عند الاستعمال لا شرط فى وضعها مقترنة بالدلالة إذ الدلالة إنما تتحقق بعد الوضع حين الاستعمال وعبارة الشارح مؤولة بأن معنى قوله فى وضعها دال فى تخصيصها بالمعنى من المستعمل أى ذكرها وهو يقارن الدلالة أو أن معنى قوله فى وضعها بحسب وضعها وقوله دالة حال منتظرة ومحط الشرط هو الدلالة.
التفتازانى: (وليس بدلًا. . . إلخ) أى لأنه عليه لا يحسن قوله اقتضى ذكر المضاف إليه بناء على ذلك فيحتاج إلى التأويل وقد درج على أنه يدل الأصفهانى أيضًا وقدر ما يلائم قوله اقتضى فقال ولأجل ذلك اقتضى ذكر متعلقه.
التفتازانى: (فلظهور أن معنى الكاف. . . إلخ) قد يكتال: إن معنى الكاف حال كونها اسمًا غير معناها حال كونها حرفًا باعتبار الاستقلال فى الأول وأنه ليس آلة لتعرف حال غيره وعدم الاستقلال وأنه آلة لتعرف حال غيره فى الثانى يدل على ذلك الوقوع محكومًا عليه وبه فى الأول دون الثانى وليس بلازم أن يجعل الوضع عامًا لموضوع له خاص كما درج عليه الشارح المحقق والسيد لما قاله عبد الحكيم: إنه لا دليل على ذلك إلا الاستعمال فى الجزئيات والاستعمال بلا قرينة دليل الوضع فتكون موضوعة لها ولا شك أن الوضع لو كان لكل واحد منها بخصوصه يلزم الاشتراك بين المعانى غير المحصورة فاعتبر الوضع العام وهو التزام أمر لا شاهد عليه ولذا اختار السعد فى تصانيفه ما ذهب إليه الأوائل من أنها موضوعة للمعانى الكلية غير الملحوظة لذاتها فلذلك يشترط الواضع فى دلالتها ذكر متعلقها وما قيل: إنه يلزم على هذا أن يكون استعمالها فى خصوصيات تلك المعانى مجازًا
стр. 670
لا حقيقة له لعدم استعمالها فى المعانى الأصلية أصلًا مع إنهم ترددوا فى أن المجاز يلزمه الحقيقة أولًا فمدفوع بأنه إنما يكون مجازًا لو كان استعمالها فيها من حيث خصوصياتها أما إذا كان من حيث إنها أفراد المعانى الكلية فلا. اهـ.
التفتازانى: (ولا دليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع) رد ذلك عبد الحكيم على المطول بأنه كما لا دليل على هذا الاشتراط لا دليل على وضعه للمعنى الجزئى مع احتياجه إلى اعتبار الوضع العام الذى لا دليل عليه، وأما الاستعمال فى الجزئيات فقد عرفت أنه لا يصير دليلًا على الوضع. اهـ. ثم إن الدليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع عدم صحة كونه محكومًا عليه أو به.
التفتازانى: (ليسا للنسبة بخصوصها) أى ليسا للنسبة الخاصة بأن لم يكونا للنسبة أصلًا أو يكونا للنسبة المطلقة، والمراد بالخاصة الملحوظة لتعرف حال الغير فلا ينافى أن النسبة الخاصة إذا لم تلاحظ لتعرف حال الغير بل لوحظت وقصدت لذاتها فلا يكون الدال عليها حرفًا ويصح الحكم عليها وبها وعبارة السيد صريحة فى ذلك.
قوله: (فكما دل هناك على الاشتراط وعدم الاستعمال) الأولى حذف عدم الاستعمال لأن الذى دل هو عدم الاستعمال والمدلول هو الاشتراط وعدم فهم المعنى بدون المتعلق.
قوله: (ما بين المقبض والسية) فى القاموس سية القوس بالكسر مخففة ما عطف من طرفيها، الجمع سيات.
قوله: (لكونه مفهومًا منها عند التركيب) هذا ظاهر فى أن "من" معناها عند التركيب الابتداء الكلى إلا أنه لتعرف حال الغير فكانت من حرفًا.
قوله: (مع عدم ظهور فائدة لهذا الاشتراط) فى عبد الحكيم أن الفائدة هى الإشارة إلى أن معناه مفهوم الابتداء من حيث إنه آلة لتعرف حال متعلقه فلذا وجب ذكر متعلقه وحينئذ لا حاجة إلى القول بالوضع العام والموضوع له الخاص فإنه التزام أمر لا شاهد عليه. اهـ.
قوله: (فالحكم بأن التزام. . . إلخ) فى عبد الحكيم على المطول التزام ذكر المتعلق لأجل كونه آلة لتعرف حاله يورث الفرق بينه وبين الأسماء اللازمة الإضافة فإنها
стр. 671
ملحوظة فى أنفسها والإضافة تبع لها يشهد بذلك وقوعها محكومًا عليها وبها دون الحرف وهذا مراد من قال: إن ذكر المتعلق فى الحرف لتتميم الدلالة لكون معناه متعقلًا بالقياس إلى الغير وفى الأسماء اللازمة لتحصيل الغاية فإن ذو مثلًا معناه متعقل فى نفسه لا يحتاج فى الدلالة إلى ذكر المتعلق إلا أن المقصود من وضعه هو التوصل إلى الوصف بأسماء الأجناس ولا يحصل بدون ذكر ما يضاف إليه. اهـ. ببعض تغيير.
قوله: (وعين بإزائه لفظًا مخصوصًا) أى كزيد وقوله: أو ألفاظًا مخصوصة متصورة تفصيلًا أى كوضع الألفاظ المترادفة لذلك المعنى الجزئى وقوله: أو إجمالًا أى بأن يلاحظ الألفاظ بمفهوم كلى والمعنى بخصوصه ويوضع كل لفظ من هذه الألفاظ المندرجة تحت المفهوم الكلى لهذا المعنى مرة واحدة وهو ليس بواقع وإن كان ممكنًا.
قوله: (يندرج تحته جزئيات إضافية) أى كالحيوان وقوله أو حقيقية أى كالإنسان فله أن يعين لفظًا معلومًا كالحيوان والإنسان أو ألفاظًا معلومة على أحد الوجهين الوجه الأول وهو تصورها بنفسها تفصيلًا يتحقق فى المترادفات والثانى ليس بواقع وإن أمكن.
قوله: (فله اعتبار فى الوضع وفى الموضوع له) أى أن المفهوم الكلى له اعتبار فى الوضع حيث يلاحظ به الجزئيات المندرجة تحته وله اعتبار فى الموضوع له حيث يعتبر تحققه فى الجزئى الموضوع له فـ "زيد" مثلًا إنما وضع له لفظ "هذا" باعتبار أنه مشار إليه إشارة مخصوصة.
قوله: (وقد تحقق اعتباره من وجهين) هما اعتباره آلة فى الوضع للجزئيات واعتباره فى الموضوع له.
قوله: (فتعين أن يكون معناه الابتداء الخاص) فيه أنه لو جعل معنى من الابتداء المطلق الملحوظ لتعرف حال الغير لم يصح الحكم عليه ولا به فلا يلزم من صحة عدم الحكم عليه وبه أن يكون المعنى جزئيًا كما ذكره عبد الحكيم.
قوله: (إلا بذكر الفاعل) الأولى: بملاحظة الفاعل.
стр. 672
شرح مختصر المنتهى الأصولي
تأليف
الإمام أبي عمرو عثمان ابن الحاجب المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ
شرحه
العلامة القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
وعلى المختصر والشرح
حاشية العلامة سعد الدين التفتازاني المتوفى سنة ٧٩١ هـ
وحاشية السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦ هـ
وعلى حاشية الجرجاني
حاشية المحقق الشيخ حسن الهروي الفناري المتوفى سنة ٨٨٦ هـ
وعلى المختصر وشرحه وحاشية السعد والجرجاني
حاشية الشيخ محمد أبو الفضل الوراقي الجيزاوي المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ
تحقيق
محمد حسن محمد حسن إسماعيل
[الجزء الثاني]
стр. 673
منشورات محمد علي بيضون
دار الكتب العلمية
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوطة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان.
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف - شارع البحتري - بناية ملكارت
الإدارة العامة: عرمون - القبة - مبنى دار الكتب العلمية
هاتف وفاكس: ١٣/ ١٢ /١١/ ٨٠٤٨١٠ (٩٦١٥+)
صندوق بريد: ٩٤٢٤ بيروت - لبنان
стр. 674
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال: (مسألة: الواو للجمع المطلق لا لترتيب ولا معية عند المحققين لنا النقل عن الأئمة أنه كذلك واستدل لو كان للترتيب لتناقض ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، مع الأخرى ولم يصح تقاتل زيد وعمرو ولكان جاء زيد وعمرو بعده تكرارًا وقبله تناقضًا وأجيب بأنه مجاز لما سيذكر، قالوا: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، قلنا: الترتيب مستفاد من غيره قالوا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال ﵇: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" قلنا: لو كان له لما احتيج إلى ابدءوا، قالوا: رد ﵇ على قائل ومن عصاهما فقد غوى وقال قل ومن عصى اللَّه ورسوله قلنا لترك إفراد اسمه بالتعظيم بدليل أن معصيتهما لا ترتيب فيها، قالوا: إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق وقعت واحدة بخلاف أنت طالق ثلاثًا وأجيب بالمنع وهو الصحيح وقول مالك ﵀ والأظهر أنها مثل ثم إنما قاله فى المدخول بها يعنى تقع الثلاث ولا ينوى فى التأكيد).
أقول: الواو العاطفة تجمع بين أمرين فى ثبوت نحو: ضرب زيد وأكرم عمرو، أو فى حكم نحو: ضرب زيد وعمرو، أو فى ذات نحو: ضرب وأكرم زيد ولا يجب الاجتماع فى الزمان وهو المعبر عنه بالمعية ولا عدم الاجتماع وكونهما فى زمانين مع تأخر ما دخلت هى عليه وهو المعبر عنه بالترتيب بل للجمع المشترك بينهما المحتمل فى الوجود لهما من غير تعرض فى الذكر لشئ منهما ولا يلزم من عدم التعرض للمعية التعرض للترتيب وقيل: إنه للترتيب فقوله لا لترتيب تنبيه على الخلاف، وقوله: ولا معية لئلا يتوهم أنه ينفى الترتيب اشتراطًا للمعية لنا النقل عن أئمة اللغة أنها كذلك نقل أبو على الفارسى أنه مجمع عليه وذكره سيبويه فى خمسة عشر موضعًا من كتابه واستدل عليه بأنها لو كانت للترتيب لزم محذورات منها أنه يتناقض قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوْا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، مع الآية الأخرى وهو قوله ﴿وَقولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجًّدًا﴾ [الأعراف: ١٦١]، إذ القصة واحدة والتناقض فى كلامه محال ومنها أن لا يصح تقاتل زيد وعمرو إذ لا يتصور فى فعل يعتبر فى مفهومه الإضافة المقتضية للمعية ترتيب
стр. 675
وأنه صحيح باتفاق ومنها أن يكون قولنا جاء زيد وعمرو بعده تكرارًا لاستفادة البعدية من الواو وقولنا: جاء زيد وعمرو قبله تناقضًا وهو مجيئه بعد للواو وقبل لقبله واللازم منتف بالاتفاق.
والجواب: غاية ما ذكرتم صحة إطلاقها من غير إرادة ترتيب ولا يلزم كونه حقيقة فيه غايته أن يقال: المجاز خلاف الأصل فنقول: لكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل عليه وما سنذكره من أنه للترتيب يدل عليه ولا يخفى عليك أن هذه معارضة لا تنفى صحة الدليل نعم لو تم دليلهم لتوقف دليلنا للتعارض فوجب الترجيح وأنه لا يتم كما سترى.
قالوا: أولًا: قال اللَّه تعالى: ﴿ارْكَعُوْا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ففهم منه أن السجود بعد الركوع ولولاه لجاز الأمران.
والجواب: لا نسلم أن الترتيب فهم منه ولعله مستفاد من غيره إذ لا يلزم من موافقة الحكم للدليل كونه منه ولا من عدم دلالته عليه عدم الدليل مطلقًا.
قالوا: ثانيًا: لما نزل ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال ﵇: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" فصرح بوجوب الابتداء بما بدأ اللَّه به ويفهم منه ترتيب الوجوب على ابتداء اللَّه به ولولا أنه للترتيب لما كان كذلك.
والجواب: أنه لنا لا علينا فإن الترتيب مستفاد من قوله: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به" ولو كان الواو للترتيب لفهموه من الآية فلم يشكوا فيه فلم يسألوا فلم يحتاجوا إلى قوله: "ابدءوا" فلما سألوا علمنا أنها ليست للترتيب.
قالوا: ثالثًا: خطب أعرابى عند رسول اللَّه ﷺ فقال: من أطاع اللَّه ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال ﷺ : "بئس خطيب القوم أنت قل ومن عصى اللَّه ورسوله" ولولا أن الواو للترتيب لما كان بين العبارتين فرق فما كان للرد والتلقين معنى.
والجواب: لا نسلم عدم الفرق حينئذ إذ الإفراد بالذكر فيه تعظيم ليس فى القرآن مثله فرد عليه لتركه التعظيم الذى كان يحصل بالإفراد لو أفرد ويدل عليه أن معصيتهما لا ترتيب فيها لأن كلًا آمر بطاعة الآخر فمعصيته معصية لهما ولأنهما تطابقا فى الأوامر طرًا.
قالوا: رابعًا: لو قال قائل لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق وقعت
стр. 676
واحدة ولو قال: أنت طالق ثلاثًا وقعت الثلاث وما ذلك إلا بإفادة العبارة الأولى الترتيب فتبين بالطلقة الأولى فلا يبقى المحل قابلًا للثانية والثالثة ولا ترتيب فى العبارة الثانية فلحقها الثلاث دفعة ولولا أن الواو للترتيب لما كان بينهما فرقًا.
والجواب: منع وقوع الواحدة فى العبارة الأولى بل يقع الثلاث وهو الصحيح من مذهب مالك ﵀ عند المصنف. فإن قيل: فقد قال مالك ﵀: والأظهر أنها مثل ثم والاتفاق على أن ثم للترتيب وأنه لا يقع بها إلا واحدة قلنا إنما قال ذلك فى المدخول بها ولا يعنى به أن الواو مثل "ثم" فى المعنى بل فى الحكم فيقع الثلاث ولا ينوى فى التأكيد تنوية أى لا يوكل إلى نيته إذا قال: أردت به التأكيد إرادة أن لا يقع إلا واحدة لأن التأكيد يؤتى بغير الواو غالبًا والواو ظاهر فى التعدد ومثله لا يعتبر فيه النية.
قوله: (الواو العاطفة) هى فى عطف الجملة التى لا محل لها من الإعراب لإفادة ثبوت مضمون الجملتين لأن مثل قولنا: ضرب زيد أكرم عمرو بدون العطف يحتمل الإضراب والرجوع عن الأول فلا يفيد ثبوتهما بخلاف ما إذا عطفت نص على ذلك الشيخ عبد القاهر، وأما فى عطف المفردات وما فى حكمها من الجمل التى لها محمل من الإعراب فهى لإفادة الجمع فى حكم المعطوف عليه من الفاعلية والمفعولية أو المسندية أو غير ذلك وقد عبر الشارح عن ذلك بالجمع فى حكم أو ذات.
قوله: (غاية ما ذكرتم) يعنى أن صحة إطلاق الواو حيث لا ترتيب ولا معية لا يستلزم كونها حقيقة لجواز أن تكون مجازًا والمجاز وإن كان خلاف الأصل يصار إليه عند قيام الدليل، والأدلة الدالة على كونها للترتيب تدل على ذلك لكونه راجحًا على الاشتراك فصار الحاصل أنها فى غير الترتيب مجاز لا حقيقة، لأن الأدلة القائمة على كونها للترتيب تدل على أنها مجاز فى غير الترتيب لئلا يلزم الاشتراك ولا يخفى أن هذه معارضة وهى لا تقدح فى صحة دليل الخصم فلا يحسن ذكرها فى معرض التزييف للدليل على مذهب الحق، نعم لما دل ما ذكرنا على كونها لمطلق الجمع فلو دل ما ذكروا على كونها للترتيب احتاج دليلنا إلى الترجيح لكن أدلتهم ليست بتامة لما سيجئ من أجوبتها.
стр. 677
قوله: (ولعله مستفاد من غيره) كالإجماع وفعل النبى ﵇ بيانًا لمجمل الصلاة فوجوب تقديم الركوع على السجود موافق لتقديمه عليه وعطفه عليه بالواو فى الآية لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مستفادًا منه ولا يلزم من عدم دلالة هذا الدليل عليه عدم الدليل مطلقًا فلا يصح قوله: ولولاه لجاز الأمران.
قوله: (ويفهم منه ترتيب الوجوب) لا فى تعليق الحكم بالوصف من الإشعار بالحيثية والعلية.
قوله: (والجواب منع وقوع الواحدة) وأما من يرى وقوع الواحدة ولا يجعل الواو للترتيب فجوابه أن الترتيب فى الذكر كاف فى ترتيب الإيقاع وحاصله منع عدم الفرق بين العبارتين على تقدير عدم كون الواو للترتيب وتمام تحقيقه فى شرحنا للتنقيح.
قوله: (الواو العاطفة) إذا عطفت بها جملة مستقلة على جملة أو قصة على قصة دلت على اجتماعهما فى الثبوت بحسب نفس الأمر لا يقال: الاجتماع فيه مفهوم من ثبوتهما فى الواقع المفهوم منهما فلا حاجة إلى الواو للدلالة عليه؛ لأنا نقول: ما ذكرتم إنما هو بالدلالة العقلية وقد لا يكتفى بها فى تأدية المعانى بالألفاظ كما فى قولك: أكل زيد الخبز وإن عطف بها مفرد على مفرد آخر محكوم عليه بحكم دلت على اجتماعهما فى ذلك الحكم أو محكوم به لذات؛ أفادت اجتماعهما فيها، وعلى هذا القياس إذا عطف بها فى الفضلات أو ما هو فى حكم المفردات ولا تدل فى شئ من هذه الصور على الاجتماع فى الزمان وهو المراد بالمعية ولا على عدم الاجتماع وكونهما فى زمانين مع تأخر ما دخلت عليه الواو وهو المراد بالترتيب ههنا إذ عكسه لم يقل به أحد ولا يذهب إليه الوهم أيضًا، بل الواو للجمع المطلق المشترك بين المعية ومطلق الترتيب المحتمل فى الوجود لهما من غير تعرض فى الذكر لخصوصية شئ منهما، ولا يلزم من عدم التعرض فى الذكر للمعية التعرض لمطلق الترتيب فضلًا عن التعرض لأحد قسميه ولا العكس؛ لأن التعرض لشئ لا يستلزم التعرض لعدمه وقوله: ولا لمعية لئلا يتوهم أنه ينفى الترتيب اشتراطًا للمعية لم يجعله تنبيهًا على الخلاف لعدم القائل بها على ما هو المشهور.
стр. 678
قوله: (فى خمسة عشر موضعًا) المشهور وكذا فى بعض النسخ: فى سبعة عشر.
قوله: (ولا يخفى عليك) رد لجواب المصنف عن الأدلة المذكورة، تقريره: أن هذه الأدلة التى سيذكرها فى أنه للترتيب معارضة لهذه الأدلة المذكورة، والمعارضة لا تنفى صحة الدليل بل تقتضى على تقدير تمامها توقفه فلا يبطل بها أدلتنا المذكورة، نعم لو تم دليلهم توقف دليلنا للتعارض فوجب الترجيح بينهما (وأنه) أى: دليلهم (لا يتم لما سترى) فلا يعتد به ولا يرتكب المجاز لأجله.
قوله: (ففهم منه) أى من قوله تعالى بسبب العطف بالواو (أن السجود بعد الركوع) ولولا هذا الفهم منه ودلالة الواو على الترتيب لجاز الأمران أى: تقديم هذا على ذاك وتقديم ذاك على هذا، والجواب: لا نسلم أن الترتيب بين الركوع والسجود فهم من قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ليلتزم دلالة الواو عليه، ولعل الترتيب مستفاد من غيره مثل قوله ﵇: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" مع تقديمه الركوع على السجود إذ كما لا يلزم من موافقة الحكم للدليل كونه منه لجواز استفادة ذلك الحكم من غيره لا يلزم من عدم دلالة الدليل كالآية المذكورة على الحكم كالترتيب بين الركوع والسجود عدم الدليل عليه مطلقًا، بل يجوز أن تكون هناك أدلة كثيرة وهذا ما يقتضيه سياق الكلام من حيث المعنى ولو لم يحمل على التشبيه كما هو التبادر من ظاهر العبارة لم يكن للأمر الأوّل مدخل فى هذا المقام، ولو أريد أنه لا يلزم من موافقة الحكم كالترتيب مثلًا للدليل كالآية الكريمة على زعمكم كونه منه لكان بعيدًا.
قوله: (ويفهم منه) أى من وجوب الابتداء بما بدأ اللَّه تعالى به (ترتيب الوجوب على ابتداء اللَّه تعالى) لأنه من ترتيب الحكم على الوصف المناسب، ولولا أن الواو للترتيب لما كان الأمر كذلك وفيه منع؛ لأنه على تقدير صحته إنما يستفاد منه ترتيب الوجوب على مطلق الابتداء لا عليه من حيث إن ما بعده معطوف عليه بالواو ليدل على ما ذكروه.
قوله: (الجواب: لا نسلم عدم الفرق حينئذ) أى: حين لا يكون الواو للترتيب إذ إفراد اللَّه تعالى بذكر اسمه فيه تعظيم ليس فى القرآن بذكر ضمير المثنى مثله فإن الإفراد بالذكر ينبئ عن تعظيم مع اشتمال لفظة اللَّه عليه، وكذا إفراده ﵇ بلفظ الرسول يشتمل على التعظيم من الوجهين.
стр. 679
قوله: (بل يقع الثلاث) قال فى الأحكام (١): وبه قال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب مالك والليث بن سعد وربيعة وأبن أبى ليلى، وقد نقل عن الشافعى ما يدل عليه فى القديم، وإن سلم ذلك فالوجه فى تخريجه أن ثلاثًا تفسير للأوّل والكلام يعتبر بجملته بخلاف: أنتما طالق وطالق وطالق.
قوله: (ولا ينوّى فى التأكيد تنوية) ذكر مصدر لا ينوى وفسره بلا يوكل إلى نيته أى لا يفوّض ولا يقبل منه تنبيهًا على أنه صيغة مجهول من التنويه لا صيغة معلوم من النية ليكون معنى الكلام حينئذ: أنه يقع الثلاث حال عدم نية التأكيد على ما توهم وزعم أنه أولى لأن عدم قبول نية التأكيد منتف إجماعًا ونيته جائزة إجماعًا، وفى قوله: إرادة أن لا يقع إلا واحدًا إشارة إلى اندفاع ما ذكره الزاعم من وجه الأولوية إذ الإجماع فيما إذا قال: أردت بالثالث تأكيد الثانى ليقع اثنتان لا فيما إذا قال: أردت بهما تأكيد الأولى لئلا يقع إلا واحدة.
قوله: (لو كانت متعلقة بفاعل لا بعينه) أى: لا يرتبط بمفهوم من المفهومات لمفهوم الفاعل وغيره على وجه يكون هو فاعلًا بل يتعلق بفرد من الفاعل؛ إذ هو المفهوم عند ذكر الفعل بدون الفاعل.
قوله: (مع استلزامه. . . إلخ) قيل: أحدهما عدم احتياج الفعل إلى الاسم، والثانى تحقق الإسناد بدون الكون فى الاسمين أو فى فعل واسم.
قوله: (لم يكن للأمر الأول مدخل) قيل: هذا إذا كان المراد من موافقة الحكم للدليل الدليل الدال عليه ونقيضه، وأما إذا كان المراد بالموافقة وقوع شئ فى الدليل يناسب المدلول ككون القدم فى الواقع متبوعًا فى الذكر والمؤخر تابعًا ومذكورًا بعده فللأمر الأول مدخل فى هذا المقام قطعًا.
قوله: (صيغة مجهول من التنويه) يجوز أن تكون هذه الصيغة فى عبارة الشارح موقوفة على ما سبق من حيث المعنى، وحاصله أنه يقبل هذا الكلام فى التأسيس المقتضى لوجوب الثلاث ولا يقبل فى التأكيد الخصوص المقتضى لوقوع الواحدة فقط وهو أن يكون الثانى والثالث تأكيدًا للأول فليس هنا حصول الواحدة فقط عند قصد التأكيد أيضًا، وأما وقوع الاثنتين بسبب القصد إلى أن الثالث تأكيدًا
стр. 680
للثانى فهو مما يؤيد مطلوبنا لأن الغرض إثبات التعدد المنافى لكون الواو العاطفة للترتيب سواء كان الواقع اثنتين أو ثلاثًا، وإن جعلت هذه الصيغة حالًا صار المعنى هكذا يقع الثلاث بهذا الكلام حال عدم إرادة التأكيد المخصوص وبقى فى تلك الحالة احتمال وقوع الاثنتين بالاعتبار الصحيح وهو أن يكون الثالث تأكيدًا للثانى فلا يكون وقوع الثلاث باعتبار هذا التقييد كليًا.
قوله: (لأن عدم قبول نية التأكيد منتف إجماعًا) توضيح ذلك موافق لزعم هذا الزاعم أن نية التأكيد إذا وقعت فهى مقبولة وليس فى حالة وقوعها عدم قبول؛ بل عدم القبول يتصوّر حالة عدم النية باعتبار عدم النية فترك القبول الموهم لما يخالف الواقع أولى.
قوله: (إشارة إلى اندفاع ما ذكره الزاعم) يمكن أن يقال: ما أورده الزاعم هنا لا يدفع بما ذكره الشارح لأن الزاعم يقول: نية التأكيد أى مطلقًا جائزة إجماعًا وهو كلام صحيح لأن الفرد الواحد من التأكيد هنا جائز إجماعًا وعدم قبول نية التأكيد مطلقًا ممنوع وثبوت عدم قبول هذا المطلق تابع فى إثبات وقوع الثلاث لا ثبوت عدم قبول نية فرد واحد، وهو أن يكون الثانى والثالث تأكيدًا للأول إلى أنه يبقى وقوع الثلاث عند وجود فرد آخر يثبت الاثنان، وأما اعتبار كون عدم نية التأكيد أولى فلأن عدم نية التأكيد مطلقًا يفيد وقوع الثلاث وعدم قبول نية التأكيد المخصوص لا يفيده والتقييد بالمخصوص جائز بناء على ما ذكرناه فى الحاشية السابقة نعم لو كان الزاعم قائلًا بتقييد لفظ التأكيد الواقع فى كلامه موافقًا لما ذكره الشارح ما أورده المحشى من الاندفاع، وإن أراد أن اعتبار عدم التأكيد مطلقًا وإيراد الكلام على وجه يطابقه يكون أولى فلا يندفع ما أورده.
المصنف: (الواو للجمع المطلق) لا فرق بين مطلق الجمع والجمع المطلق لغة ومن فرق فقد سرى له ذلك من اصطلاحهم على الفرق بين الماء المطلق ومطلق الماء ولذلك عدل ابن السبكى عن عبارة ابن الحاجب إلى مطلق الجمع.
الشارح: (والجواب أنه لنا لا علينا. . . إلخ) التحقيق سقوط الاستدلال بذلك لأن العطف فيها إنما يضم المعطوف إلى المعطوف عليه فى الشعائر ولا ترتيب فيها فسؤالهم عما لم يعبر فيه بلفظ الواو بل بغيره وهو التطوف بهما فى قوله تعالى:
стр. 681
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّف بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وأجاب ﷺ بقوله: "ابدءوا بما بدأ اللَّه به".
الشارح: (ليس فى القرآن مثله) أى من مثل القائل بخلاف الجمع بالتعبير عنهما بضمير التثنية منه ﷺ كما فى الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما" فإنه أعلم الخلق باللَّه وأشدهم خشية فلا يكون فى ذلك منه ﷺ إخلال بالتعظيم.
التفتازانى: (أو غير ذلك) كالشرطية والجزئية والحالية.
التفتازانى: (تدل على ذلك) أى على المجازية فى مطلق الجمع.
التفتازانى: (موافق لتقديمه. . . إلخ) جعل المراد من موافقة الدليل مناسبته للمدلول لكون المتقدم متبوعًا فى الذكر والمؤخر تابعًا.
قوله: (مع استلزامه محذورين) فى الهروى قيل أحدهما عدم احتياج الفعل إلى الاسم والثانى تحقق الإسناد بدون الكون فى اسمين أو فى فعل واسم.
قوله: (وما يقال من أن الفعل. . . إلخ) قال السيد فى حواشى المطول فإن قلت: قد حكموا بأن الجملة الفعلية فى زيد قام أبوه وقعت محكومًا بها قلت: فى هذا الكلام يتصور حكمان أحدهما الحكم بأن أبا زيد قام والثانى بأن زيدًا قائم الأب ولا شك أن هذين الحكمين ليسا مفهومين منه صريحًا أى ليسا مفهومين منه بالأصالة بل أحدهما مقصود والآخر تبع فإن قصد الأول لم يكن زيد بحسب المعنى محكومًا عليه بل هو قيد يتعين به المحكوم عليه وإن قصد الثانى كما هو الظاهر فلا حكم صريحًا بين القيام والأب بل الأب قيد للمسند الذى هو القيام إذ يتم مسندًا إلى زيد ألا تراك لو قلت: قام أبو زيد وأوقعت النسبة بينهما لم يرتبط بغيره أصلًا فلو كان معنى قام أبوه ذلك أيضًا لم يرتبط بزيد قطعًا فلم يقع خبرًا عنه ومن ثم تسمع النحاة يقولون: قام أبوه جملة وليست بكلام وذلك لتجريده عن إيقاع النسبة بين طرفيه بقرينة ذكر زيد مقدمًا وإبراز ضميره فإنها دالة على الارتباط الذى يستحيل وجوده مع الإيقاع وعبارة مسلم الثبوت قالوا الفعل لاشتماله على النسبة غير مستقل بل باعتبار الزمان أيضًا فإنه معتبر على أنه ظرف لها لكن باعتبار المعنى التضمنى أعنى الحديث مستقل فعلى المعنى المطابقى لا يصح محكومًا عليه وبه وعلى التضمن يصير محكومًا به لا عليه لأنه معتبر على أنه
стр. 682
منسوب إلى الفاعل نسبة تامة وما اشتهر من أن الجملة تصير خبرًا للمبتدأ فمن باب التوسع أقول فيلزم تخلف التضمن عن المطابقة وقد تقدم أنه متحد معها فالحق أن المعنى الحدثى مطابق له نظرًا إلى المادة. اهـ. قال فى شرحه: قال مطالع الأسرار الإلهية فى تحقيق معنى الفعل أنه معنى واحد إجمالى يفهم من لفظ الفعل صالح لأن يحلل إلى الأجزاء بل بسيط محض لأن يجعل صورًا أخرى وبعد التحليل يصير حدثًا وزمانًا ونسبة فالأخيرة غير مستقلة والأول مستقل والوسط إن اعتبر نفسه فمستقل وإن اعتبر أنه ظرف للنسبة فغير مستقل، وما قالوه: إنه محكوم به نظرًا إلى المعنى التضمنى فالمقصود أنه بعد التحليل كذلك ثم الفعل المستعمل فى المحاورات يفهم منه معنى إجمالى مسند إلى الفاعل مستقل بالمفهومية قطعًا وأجزاؤه مندمجة فيه فلا تخلف للتضمن عن المطابقة بل هى متحدة معها وأما فى حال التحليل فهما غير متحدين قطعًا هكذا ينبغى أن يفهم ويؤيده ما مر أن اللفظ المفرد لا يفهم إلا معنى واحدًا إجماليًا ولا شك فى صحة كونه محكومًا به واستقلاله. اهـ.
قوله: (لا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه) الأولى حذف وبه والاقتصار على قوله: محكومًا عليه.
قوله: (لأن التعرض بشئ لا يستلزم التعرض لغيره) الأولى لأن عدم التعرض لشئ لا يستلزم التعرض لضده.
قوله: (لعدم القائل بها على المشهور) مقابله ما نسب لمحمد وأبى يوسف من أنها للمعية لقولهما بوقوع الثلاثة فى: إن دخلت فأنت طالق وطالق وطالق فإن ذلك ظاهر فى جعلها للمعية وهو مردود بأنهما إنما قالا بذلك لجعل الشرط ما بعده شيئًا واحدًا فتنزل طالق وطالق وطالق دفعة واحدة يدل على ذلك قولهما بوقوع الواحدة فى أنت طالق وطالق وطالق من غير ذكر شرط.
قوله: (وإن سلم ذلك) أى أنه يقع واحدة.
قوله: (أن ثلاثًا) أى إذا قال: أنت طالق ثلاثًا وقوله تفسير للأول هو قوله طالق.
قوله: (بخلاف أنت طالق. . . إلخ) أى فليس فى آخره ما يغير أوله من شرط أو غيره فينزل به الطلاق فى المحل قبل التلفظ بالثانية والثالثة ويرتفع محليتها للباقى
стр. 683
لعدم العدة فيلغو لهذا لا لكون الواو للترتيب، وأما لو تعلقت بمتأخر كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار فإنه يقع الثلاث اتفاقًا من أبى حنيفة وصاحبيه، أما لو تقدم الشرط بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق فأبو حنيفة يقول فى غير المدخول بها إنها تبين بواحدة وعندهما بثلاث لا لأن أبا حنيفة يقول بأن الواو للترتيب وهما يقولان: إنها للمعية كما توهم بل للوقوع مرتبًا فى الذكر والمعلق بالشرط ينجز عنده على حسب ما تعلق به وقد تعلق المتأخر المعطوف بالمتقدم الذى هو المعطوف عليه بسبب العطف من حيث هو ولا دخل لكون الواو للترتيب فينزل على حسب ذلك فوقعت الطلقة الثانية والثالثة بعد الأولى فلم يجدا محلًا وقال الصاحبان: قد اشترك الكل فى التعلق ولا ترتيب فى المتعلق والنزول بعد الاشتراط فى التعلق فتنزل الطلقات دفعة كما فى تأخير الشرط لتوقف الكل على آخر الكلام لوجود المغير فتعلقت دفعة ونزلت دفعة.
قوله: (ليكون معنى الكلام. . . إلخ) علة للمنفى.
قوله: (لأن عدم قبول. . . إلخ) علة لأنه أولى.
стр. 684
قال: (الثالث (١): ابتداء الوضع ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية لنا القطع بصحة وضع اللفظ للشئ ونقيضه وضده وبوقوعه كالقرء والجون، قالوا: لو تساوت لم تختص قلنا تختص بإرادة الواضع المختار).
أقول: فرغ من أقسام الموضوعات فشرع فى بيان ابتداء وضعها وقد زعم عباد بن سليمان الصيمرى وأهل التكسير وبعض المعتزلة أن بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتية والحق خلافه لنا أنه يصح وضع كل لفظ لكل معنى حتى لنقيض ما قد وضع له وضده فإنه لو فرض ذلك لم يلزم منه محال لذاته بل ذلك معلوم الوقوع كالقرء للطهر والحيض وهما نقيضان والجون للأسود والأبيض وهما ضدان ولو كان الدلالة لمناسبة ذاتية لما كان كذلك وتقريره أنا لو فرضنا وضع اللفظ الدال على الشئ لنقيضه أو لضده دل عليه دون هذا المدلول أولهما فعليهما وما بالذات لا يختلف ولا يتخلف.
قالوا: لو تساوت الألفاظ بالنسبة إلى المعانى لم تختص الألفاظ بالمعانى وإلا لزم الاختصاص بدون تخصيص أو التخصيص بدون مخصص وكلاهما محال.
الجواب: نختار التخصيص ولا نسلم أنه دون مخصص لأن المخصص لا ينحصر فى المناسبة وإرادة الواضع المختار تصلح مخصصًا من غير انضمام داعية إليها فمن اللَّه تعالى كتخصيص الحدوث بوقته ومن الناس كتخصيص الأعلام بالأشخاص.
واعلم أن المخالف لعله يدعى ما يدعيه الاشتقاقيون من ملاحظة الواضع مناسبة ما بين اللفظ ومدلوله فى الوضع وإلا فبطلانه ضرورى.
قوله: (وهما نقيضان) بمعنى أن الحيض وجودى والطهر عدمى وإلا فالطهر عدم الحيض عما من شأنه فبينهما ملكة وعدم.
قوله: (وتقريره) المشهور فى بيان الملازمة أن الشئ الواحد لا يناسب بالذات للنقيضين أو الضدين وعليه منع ظاهر فزاد الشارح زيادة تحقيق وبيانه أن دلالة الألفاظ على معانيها لو كانت لمناسبة ذاتية بينهما لما صح وضع اللفظ الدال على الشئ بالمناسبة الذاتية لنقيض ذلك الشئ أو ضده، لأنا لو وضعناه لمجرد النقيض
стр. 685
أو الضد لما كان له فى ذلك الاصطلاح دلالة على ذلك الشئ فيلزم تخلف ما بالذات وهو محال، ولو وضعناه لذلك الشئ ولنقيضه أو ضده فدل عليهما لزم اختلاف ما بالذات بأن يناسب اللفظ بالذات للشئ ولنقيضه أو ضده وهما مختلفان فقوله دل عليه أى على ذلك الضد أو النقيض، وقوله أولهما أى لو فرضنا وضع اللفظ الدال على الشئ لذلك الشئ ولنقيضه أو ضده فعليهما أى فإنه يدل عليه وعلى النقيض أو الضد وقوله وما بالذات لا يختلف كما لزم فى الصورة الثانية ولا يتخلف كما فى الصورة الأولى، ولا يخفى أن المنع بحاله إذ لا نسلم أن ما بالذات لا يختلف بمعنى أن يناسب اللفظ بذاته المختلفين فيدل عليهما.
قوله: (فمن اللَّه تعالى) يعنى إن كان الواضع هو اللَّه فإرادته تخصص الحدوث بوقته وإن كان هو الإنسان فإرادته تخصص ولده باسم خاص.
قوله: (واعلم) إشارة إلى ما ذهب إليه صاحب المفتاح من أن هذا المذهب ليس على ظاهره بل هو محمول على ما هو عليه أئمة الاشتقاق من أن الواضع لا يهمل فى وضعه رعاية ما بين اللفظ والمعنى من المناسبة.
قوله: (فشرع فى بيان ابتداء وضعها) هل هو واقع أو لا؟ وعلى تقدير وقوعه هل هو من اللَّه سبحانه أو من غيره؟
قوله: (وقد زعم) من المعلوم أن دلالة اللفظ على مفهوم دون آخر مع استواء نسبته إليهما ممتنعة بل لا بد من اختصاص يقتضى لإمكانه مخصصًا ينحصر بحكم التقسيم العقلى فى ذات اللفظ وغيرها، وذلك الغير إما اللَّه تعالى أو غيره، فذهب عباد بن سليمان الصيمرى وأهل التكسير أى علم الحروف وبعض المعتزلة إلى الأوّل، وزعموا أن بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتية مخصوصة منها نشأت دلالته عليه.
قوله: (وتقريره) يعنى: تقرير الدليل المذكور أنا لو فرضنا وضع اللفظ الدال على الشئ لمناسبة ذاتية على زعمكم لنقيض ذلك الشئ أو لضده دل اللفظ على النقيض أو الضد دون هذا المدلول الذى هو الشئ فقد تخلف عن اللفظ الدلالة عليه، أو لو فرضنا وضع اللفظ للشئ ونقيضه أو له ولضده دل عليهما، فقد اختلف دلالته فتارة يدل على الشئ وحده وتارة يدل عليه وعلى نقيضه أو عليه
стр. 686
وعلى ضدّه، وما كان ثابتًا لشئ بالذات وبحسب اقتضائها لا يتخلف عنه ولا يختلف فى شئ من الأحوال قطعًا فلا تكون دلالته مستندة إلى ذاته، وبهذا التقرير يندفع ما يقال: لم لا يجوز أن يكون للفظ مناسبة ذاتية إلى النقيضين والضدين إذ لا دليل على استحالته، نعم إنه مستبعد لكنه لا ينافى الجواز ولا الوقوع.
قوله: (لو تساوت الألفاظ بالنسبة إلى المعانى) أى: بحسب ذواتها (لم تختص الألفاظ بالمعانى) فى الدلالة إذ لو كان لها اختصاص، فإما أن يكون هناك تخصيص أو لا؛ فعلى الثانى يلزم الاختصاص بدون تخصيص، وعلى الأوّل التخصيص بلا مخصص وكلاهما محال.
قوله: (من غير انضمام داعية إليها) دفع لما يقال من أن تعلق إرادة الفاعل المختار بأحد المقدورين دون الآخر يتوقف على غرض ترجيح الأوّل على الثانى وإلا لزم الترجيح من غير مرجح وتوضيحه: أن إرادته من غير انضمام غاية داعية إليها تصلح لتخصيص بعض الألفاظ ببعض المعانى فإن كان ذلك التخصيص من اللَّه سبحانه كان لتخصيصه حدوث العالم بوقته مع أن حدوثه قبل ذلك الوقت وبعده ممكن فإن المخصص ههنا إرادته من غير انضمام داعية إليه كما حقق فى موضعه، وإن كان من الناس كان لتخصيصهم الأعلام بالأشخاص إذ المخصص الإرادة ولا غاية تدعو إليها ظاهرًا ولو ثبت ههنا داعية لم تضر فى المنع وما قيل من لزوم الترجيح من غير مرجح فليس بقادح لأنه ممكن إنما الممتنع الترجيح بلا مرجح وبينهما بون بعيد.
قوله: (واعلم. . . إلخ) إشارة إلى التأويل الذى ذكره السكاكى رحمه اللَّه تعالى.
المصنف: (ابتداء الوضع) أى الوضع الابتداء أى الأولى إذ الكلام فيه إذ لا مانع بعد وضع اللَّه تعالى اللفظ لمعناه أن يضعه البشر لمعنى آخر ولا ينافى ذلك أن الواضع هو اللَّه لأن الوضع الابتدائى منه تعالى فالنزاع إنما هو فى الوضع الأولى هل هو واقع أو غير واقع؟ كما أن النزاع إنما هو فى أسماء الأجناس وأعلامها لا فى أعلام الأشخاص مما لم ينقل أنه من وضع اللَّه تعالى لبعض أسماء الأنبياء والملائكة.
стр. 687
المصنف: (ليس بين اللفظ. . . إلخ) يحتمل أن مراده عدم اشتراط المناسبة فى الوضع ويحتمل أن مراده أنه لا بد من الوضع ولا تكفى المناسبة فى فهم المعنى من اللفظ على الاحتمالين فى كلام عباد الصيمرى.
التفتازانى: (وما بالذات لا يختلف كما فى الصورة الثانية) يظهر أن الصورة الثانية فيها التخلف أيضًا إذا كان الوضع للمجموع مع تناسى دلالته الاولى لأن اللفظ لا يدل على المعنى الأولى بخصوصه.
التفتازانى: (ولا يخفى أن المنع بحاله) فيه أنه على هذا التقرير ليس المنع بحاله لأنه قد اعتبر أن اللفظ المناسب للشئ لذاته قد ينقل إلى ضده أو نقيضه أو يوضع له ولضده أو نقيضه يعنى ينقل لما لا مناسبة له نعم لو كان الكلام هكذا قد يوضع اللفظ للشئ ونقيضه أو ضده لورد أنه قد يكون اللفظ الواحد مناسبًا للشئ ونقيضه أو ضده.
التفتازانى: (فأراد أنه تخصص الحدوث. . . إلخ) تحريف وصوابه: فإرادته تخصص بعض الألفاظ ببعض المعانى كإرادته تخصيص الحدوث. . . إلخ. وكذا يقال فى قوله: فإرادته تخصيص ولده.
قوله: (أى علم الحروف) أى علم خواصها من همس وجهر وغير ذلك.
قوله: (أو لو فرضنا وضع اللفظ للشئ ونقيضه) أى لمجموعهما وكذا يقال فى قوله: أوله ولضده وقوله: فتارة يدل على الشئ وحده أى نظرًا للمناسبة إذ لم يقطع النظر عن ذلك كما قطع فى الأول لوضعه للمجموع.
قوله: (وبينهما بون بعيد) فإن الترجيح من غير مرجح معناه ترجيح المرجح أحد الأمرين على الآخر من غير أمر يقتضى ذلك الترجيح سوى إرادة المرجح وأما الترجيح بلا مرجح فمعناه أن يحصل الشئ بلا موجد له بل يحصل من نفسه.
قوله: (إشارة إلى التأويل الذى ذكره السكاكى) حاصله أنه قال: إن أهل التصريف والاشتقاق على أن للحروف فى أنفسها خواص بها تختلف كالجهر والهمس وغيرهما مستدعية فى حق عالمها إذا أخذ فى تعين شئ يركبه منها لمعنى أنه لا يهمل التناسب بينه وبين المعنى الذى عينه له قضاء لحق الحكمة ومن ثمت ترى الفصم بالفاء الذى هو حرف رخو لكسر الشئ من غير أن يبين وبالقاف الذى هو حرف شديد لكسر الشئ حتى يبين وإن لهيئات تركيبات الحروف أيضًا خواص
стр. 688
يلزم فيها ما يلزم فى الحروف ومن ثمت كان الفعلان والفعلى بالتحريك لما فى مسماه كثرة حركة كالنزاون والحيدى، وقد تقرر أنه ينبغى حمل كلام العاقل على الصحة ما أمكن ولا سيما من كان من عداد العلماء فلذا أول السكاكى قول عباد الصيمرى بهذا فيجوز أن يكون هذا مراده لكن هذا إنما يتم إذا لم يكن عباد الصيمرى ومن معه مصرحين بعدم الاحتياج إلى الوضع وأيضًا اعتبار المناسبة فى جميع الكلمات الظاهر أنه متعذر. اهـ من شرح التحرير.
стр. 689
قال: (مسألة: قال الأشعرى: علمها اللَّه بالوحى أو بخلق الأصوات أو بعلم ضرورى. البهشمية: وضعها البشر واحد أو جماعة وحصل التعريف بالإشارة والقرائن كالأطفال. الاستاذ: القدر المحتاج إليه فى التعريف بتوقيف وغيره محتمل. وقال القاضى: الجميع ممكن. ثم الظاهر قول الأشعرى قال: ﴿وَعَلَّمَ آدمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١]، قالوا: ألهمه أو علمه ما سبق قلنا خلاف الظاهر قالوا: الحقائق بدليل ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [البقرة: ٣١] قلنا ﴿انْبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] تبين لنا أى التعليم لها والضمير للمسميات واستدل بقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، والمراد اللغات باتفاق قلنا: التوقيف والإقدار فى كونه آية سواء البهشمية، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، دل على سبق اللغات وإلا لزم الدور، قلنا: إذا كان آدم ﵇ هو الذى علمها اندفع الدور، وأما جواز أن يكون التوقيف بخلق الأصوات أو بعلم ضرورى فخلاف المعتاد. الأستاذ: إن لم يكن المحتاج إليه توقيفيًا لزم الدور لتوقفه على اصطلاح سابق، قلنا: يعرف بالترديد والقرائن كالأطفال).
أقول: لما ثبت أن دلالة الألفاظ بالوضع فالواضع هو اللَّه أو الخلق أو بالتوزيع ثم إما أن يجزم بأحد الثلاثة أو لا فهذه أربعة أقسام قال بكل قسم سنها قائل فقال الشيخ أبو الحسن الأشعرى ومتابعوه: الواضع للغات هو اللَّه وعلمها بالوحى أو بخلق أصوات تدل عليها وإسماعها لواحد أو لجماعة أو بخلق علم ضرورى بها، وقال البهشمية وهم أصحاب أبي هاشم: وضعها البشر واحد أو جماعة ثم حصل التعريف بالإشارة والتكرار كما فى الأطفال يتعلمون اللغات بترديد الألفاظ مرة بعد أخرى مع قرينة الإشارة وغيرها، وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينى: القدر المحتاج إليه فى التعريف يحصل بالتوقيف من قبل اللَّه وغيره محتمل للأمرين، وقال القاضى أبو بكر: الجميع ممكن عقلًا وشئ من أدلة المذاهب لا يفيد القطع فوجب التوقت وهذا هو الصحيح.
ثم إن كان النزاع فى الظهور لا فى القطع فالظاهر قول الأشعرى لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، دل على تعليم اللَّه الأسماء لآدم وهو ظاهر فى أنه الواضع دون البشر فكذلك الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفصل ولأن التكلم وهو الغرض يعسر بدونهما ولأنهما أسماء فى اللغة والتخصيص اصطلاح
стр. 690
طرأ والمخالف ينفصل عن هذه الآية بتأويلها فتارة فى التعليم وتارة فى الأسماء أما فى التعليم فذكروا تأويلين، أحدهما: أن المراد به الإلهام بأن يضع نحو قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكْمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، ثانيهما: علمه ما سبق وضعه من خلق آخر.
الجواب: أنه خلاف الظاهر إذ المتبادر من تعليم الأسماء تعليم وضعها لمعانيها والأصل عدم وضع سابق.
وأما فى الأسماء فقالوا: المراد بها الحقائق بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [البقرة: ٣١]، والضمير للأسماء إذ لم يتقدم غيره والضمير المذكر لا يصلح للأسماء إلا إذا أريد به المسميات مع تغليب العقلاء.
الجواب: أن التعليم للأسماء والضمير للمسميات وإن لم يتقدم لها ذكر فى اللفظ للقرينة الدالة عليها ويدل على أن التعليم للأسماء قوله: ﴿أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١]، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، ولولا أن التعليم للأسماء لما صح الإلزام واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، والمراد اللغات بالاتفاق إذ لا كثير اختلاف فى العضو، وإذ بدائع الصنع فى غيره أكثر.
الجواب: التوقيف عليها بعد الوضع وإقدار الخلق على وضعها فى كون اختلاف الألسنة آية سواء فلا يدل كونه آية على ثبوت أحدهما دون الآخر.
احتج البهشمية بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، أى بلغتهم دل على سبق اللغات الإرسال ولو كان بالتوقيف ولا يتصور إلا بالإرسال لسبق الإرسال اللغات فيلزم الدور قوله: وإلا لزم الدور أى فيصح ما قلنا: وإلا لزم الدور.
الجواب: أنه تعالى علمها آدم كما دلت عليه الآية وإذا كان آدم هو الذى علمها لا قوم رسول اندفع ما ذكرتم من الدور وقد أجيب عن حجة البهشمية بمنع كون التوقيف بالإرسال لجواز أن يكون بخلق الأصوات أو بخلق علم ضرورى كما تقدم.
وردّه المصنف بأنه خلاف المعتاد فلو لم يقطع بعدمه فلا أقل من مخالفته للظاهر مخالفة قوية احتج الأستاذ بأنه إن لم يكن القدر المحتاج إليه فى الاصطلاح بالتوقيف لزم الدور لتوقف الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر والمفروض أنه
стр. 691
يعرف بالاصطلاح فيلزم توقفه على سبق الاصطلاح المتوقف على معرفته وهو الدور، قوله: على اصطلاح سابق تقرير لكون الدور دور تقدم لا دور معية والمراد كون الاصطلاح موصوفًا بالسبق لا أنه يحتاج إلى اصطلاح آخر قبل ذلك الاصطلاح وإلا لكان اللازم هو التسلسل لا الدور، والجواب منع توقفه على الاصطلاح بل يعرف بالترديد والقرائن كالأطفال.
قوله: (أو يخلق الأصوات) زعم الآمدى أن خلق الأصوات وخلق العلم الضرورى طريق واحد حيث قال: إما بالوحى أو بأن يخلق اللَّه تعالى الأصوات والحروف ويسمعها لواحد أو لجماعة ويخلق له أو لهم العلم الضرورى بأنها قصدت للدلالة على المعانى وجمهور الشارحين على أنه بانفراده طريق إلا أن منهم من فسره بأن يخلق اللَّه تعالى الأصوات والحروف التى هى الألفاظ الموضوعة فى جسم ثم يسمعها لواحد أو لجماعة إسماع قاصد للدلالة على المعانى، وفسره الشارح المحقق بأن يخلق اللَّه تعالى أصواتًا تدل على الوضع ويسمعها أعنى تلك الأصوات لواحد أو جماعة وظاهر هذا الكلام أن تلك الأصوات غير الألفاظ الموضوعة لكن لم يبين كيفية دلالتها على وضع الألفاظ.
قوله: (ثم إن كان النزاع) يعنى أن ما ذكرنا من وجوب التوقف إنما هو عن القطع بأحد المذاهب لعدم إفادة الأدلة القطع، وأما إذا أريد الظهور والرجحان فانتفاء الأدلة القطعية لا يوجب التوقف لجواز أن توجد أدلة ظنية.
قوله: (ولأنهما أسماء) لأن اسم الشئ هو اللفظ الدال عليه بالوضع والتخصيص بالنوع المقابل للفعل والحرف إنما هو اصطلاح النحاة.
قوله: (الإلهام بأن يضع) إشارة إلى أنه إذا كان علمه بمعنى ألهمه يكون المعنى ألهمه الأسماء، ولا خفاء فى أن معنى إلهام الأسماء إلهام وضعها لمعانيها لا إلهام الاحتياج إلى هذه الألفاظ على ما فى بعض الشروح.
قوله: (ويدل على أن التعليم للأسماء) يعنى أنه أضيف الأسماء إلى المسميات فدل على أن ليس المراد بها المسميات أنفسها بل الألفاظ الدالة عليها فلو كان التعليم للمسميات لما صح الإلزام بطلبه الإنباء بالاسماء ثم إنباؤه بنفسه بالأسماء، وبهذا ظهر أن هذا الجواب إثبات للمقدمة الممنوعة لا كالأم على السند، وكذا
стр. 692
الجواب عن الأول على ما أشار إليه بقوله: إذ المتبادر من تعليم الأسماء، وبهذا الطريق يمكن أن يدفع ما يقال: يجوز أن يراد الأسماء الموجودة فى زمان آدم ولو سلم العموم يجوز أن يكون آدم ومن بعده نسيها فاصطلح جماعة على ما نسمعه من اللغات.
قوله: (التوقيف عليها) تقريره أن الألسنة وإن كانت مجازًا عن اللغات لكن كون اختلافها من آيات اللَّه لا يدل على أن جهة كونه آية هى توقيف اللَّه عليها وتعليمها إيانا بعد الوضع لجواز أن يكون توقيف اللَّه إيانا لوضعها وإقدارنا على ذلك فإن الجهتين سواء بل لا يبعد أن تكون الثانية أولى لكونها أدل على كمال القدرة وبديع الصنع وليس المراد أن حمل الألسنة على اللغات ليكون التوقيف آية ليس أولى من حملها على القدرة على الوضع ليكون الإقدار آية على ما فى بعض الشروح.
قوله: (وإلا لزم الدور) مقتضى ظاهر العبارة أن الآية لو لم تدل على سبق اللغات لزم الدور وفساده واضح فحمله على أن المعنى يصح ما قلنا من عدم كون اللغات توقيفية وإلا لزم الدور، بمعنى مسبوقية الشئ بما هو مسبوق بذلك الشئ، وإن كان سبقًا زمانيًا لا ذاتيًا كما فى الدور المصطلح فإن سبق الشئ على نفسه بحسب الزمان أيضًا ظاهر الاستحالة على أنه لا حاجة إلى ذكر الدور إذ يكفى أن يقال: لو كانت توقيفية لم تكن سابقة على الإرسال بل متأخرة واللازم باطل بدلالة الآية فإن قيل: الآية تدل على سبق اللغات والأوضاع دون التوقيف والتعليم ليدور قلنا مبنى على أن لغة القوم بطريق الإضافة إنما تكون بعد توقيفهم وتعليمهم.
قوله: (وإذا كان آدم هو الذى علمها) بلفظ المبنى للمفعول من التعليم يعنى لا نسلم أن التوقيف لا يتصور إلا بالإرسال، نعم توقيف قوم الرسل وتعليمهم وأما توقيف الرسل فيكفى فيه الوحى والإعلام من اللَّه تعالى، وقد يقال المراد أن دلالة الآية على سبق اللغات إنما هى فى حق الرسول الذى له قوم فآدم مخصوص من ذلك إذ لا قوم له عند البعثة والأول أوفق بالشارح والثانى بالمتن.
قوله: (على اصطلاح سابق) ذكر الآمدى أنه يستلزم التسلسل لتوقفه على اصطلاح سابق وهو على آخر وهكذا، واقتصر عليه؛ لأن الدور أيضًا نوع من التسلسل بناء على عدم تناهى التوقفات، والمصنف اقتصر على الدور لم يصح أن يريد بالاصطلاح السابق اصطلاحًا آخر سابقًا على ذلك الاصطلاح المفروض؛
стр. 693
فذهب الشارح إلى أن السابق وصف مبين محقق لتقدمه على القدر المحتاج إليه ليكون اللازم دور تقدم لا وصف مخصص ليكون اللازم هو التسلسل دون الدور، وأشار إلى بيان توقفه على ذلك الاصطلاح دون اصطلاح آخر سابق بقوله: والمفروض أنه يعرف بالاصطلاح أى لا بالتوقيف إذ لا قائل بالثالث، وأما الشارح العلامة وأتباعه فبنوا لزوم الدور على أنه لا بد بالآخرة من العود إلى الاصطلاح الأول ضرورة تناهى الاصطلاحات، والجواب منع توقف القدر المحتاج إليه على الاصطلاح قولكم المفروض أنه يعرف بالاصطلاح ممنوع؛ بل لأنه لا يعرف بالتوقيف وهو لا يوجب أن يعرف بالاصطلاح بل الترديد والقرائن وبهذا يظهر أنه يمكن منع توقف الاصطلاح على سبق معرفة ذلك القدر بل الترديد كاف فى الكل.
قوله: (أو بالتوزيع) أى الواضع هو اللَّه تعالى والخلق بالتوزيع وهو مذهب الأستاذ لكن التوزيع فيه لا من حيث إن بعضًا لهذا قطعًا وبعضًا لذلك قطعًا بل من حيث إن البعض للَّه سبحانه جزمًا والبعض الآخر متردد بينهما وأما عكس مذهبه بأن يكون الاصطلاحى مقدمًا على التوقيفى فهو وإن كان مندرجًا تحت التوزيع لكنه على ما قيل من أنه لم يتحقق لا هو ولا صاحبه.
قوله: (وعلمها بالوحى) أى بأن خاطب إما بذاته أو بإرسال ملك عبدًا أو داعيًا بكون الألفاظ موضوعة للمعانى أو بخلق أصوات تدل على الوضع، وذلك إما بخلق الأصوات والحروف أعنى جميع الألفاظ التى وضعها للمعانى وإسماعها لواحد أو جماعة بحيث يحصل له أو لهم العلم بأنها بإزاء تلك المعانى وإما بخلق أصوات وحروف تدل على أن تلك الألفاظ موضوعة.
قوله: (أو بخلق علم ضرورى) لواحد أو لجماعة باللغات وأن واضعًا قد وضعها لتلك المعانى المخصوصة.
قوله: (وضعها البشر واحد أو جماعة) بأن انبعثت داعيته أو داعيتهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار.
قوله: (وغيرها) كأن يقال: هات الكتاب من البيت ولم يكن فيه غيره فيعلم أن اللفظ بإزائه.
стр. 694
قوله: (القدر المحتاج إليه فى التعريف) أى فى تعريف بعضهم بعضًا مما يتعلق بالاصطلاح والمواضعة.
قوله: (ثم إن كان النزاع فى الظهور) إنما أورد لفظة "إن" مع "ثم" لأن المسألة علمية فالمطلوب فيها القطع لا عملية ليكتفى فيها بالظن وإن مال إليه صاحب الأحكام حيث قال: وإن كان المقصود هو الظن وهو الحق فالحق ما صار إليه الأشعرى وقد يؤيد بأن مباحث الألفاظ قد يكتفى فيها بالظواهر.
قوله: (وهو ظاهر فى أنه الواضع) أى للأسماء (دون البشر فكذلك الأفعال والحروف) يكون الواضع لهما هو اللَّه سبحانه (إذ لا قائل بالفصل) فى اللغات على هذا الوجه وهو أن تكون الأسماء توقيفية دون ما عداها والقائل بالتوزيع لم يذهب إليه وإن أمكن على مذهبه أن يقال به (ولأن التكلم بالأسماء) لإفادة المعانى المركبة (وهو الغرض) من الوضع والتعليم يعسر بدون الأفعال والحروف ولأن الأفعال والحروف أسماء فى اللغة لكونها علامات لمعانيها كالأسماء وتخصيص الأسماء ببعض الألفاظ اصطلاح نحوى طرأ فلا يحمل عليه القرآن.
قوله: (﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبباء: ٨٠]) إذ المعنى وألهمناه اتفاقًا.
قوله: (الجواب أنه) أى ما ذكرتم من التأويلين (خلاف الظاهر) أما الأول فلأن المتبادر من تعليم الأسماء تعريف وضعها لمعانيها فالحمل على إلهامه إياه أن يضعها لمعانيها خلاف الظاهر، وأما الثانى فلأن الأصل عدم وضع سابق.
قوله: (إذ لم يتقدم غيره) أى غير لفظ الأسماء مما يصلح أن يكون مرجوعًا إليه لهذا الضمير مع تغليب العقلاء أى على غيرهم لأن الضمير المذكور إنما هو للعقلاء المذكرين فلولا التغليب لاختص بهم.
قوله: (للقرينة الدالة عليها) وهى الأسماء لدلالتها على المسميات فكأنه قيل: علمه أسماء الأشياء ثم عرضهم.
قوله: (ويدل على أن التعليم للأسماء قوله تعالى ﴿أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١]، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٢]) فإنه يدل بظاهره على طلب الإنباء من الملائكة ﵈ بأسماء الأشياء للإلزام وأن آدم ﵇ أنبأهم بأسمائها إذ لو حيل الأسماء ههنا على المسميات كان إضافتها إلى ما أضيف إليه إضافة العام إلى الخاص والمتبادر منها خلافها ولولا أن التعليم للأسماء لما صح
стр. 695
إلزام الملائكة بها ضرورة أن إلزامهم إنما يكون بما لا يعلمونه مما علمه آدم ﵇ وأيضًا لو لم يكن التعليم لها لم يكن إنباؤه بها لأنه إنما يكون بما علمه إياه.
قوله: (والمراد) من الألسنة (اللغات) مجازًا (بالاتفاق إذ لا كثير اختلاف فى العضو) المخصوص المسمى باللسان بحيث يستغرب فيعدّ آية فقوله: إذ تعليل للاتفاق وفى بعض النسخ يوجد قبله الواو العاطفة فهو دليل آخر غير الاتفاق، وقوله: وإذ بدائع الصنع فى غيره أى غير العضو المخصوص من الأعضاء الأخر كالعين وغيرها (أكثر) فيكون بعدّه آية أولى دليل مستقل على أن المراد بها اللغات على ما فى النسخة الأخيرة وعلى النسخة المشهورة يحتمل الوجهين.
قوله: (الجواب التوقيف) أى من اللَّه للعباد على اللغات المختلفة بعد الوضع وإقداره الخلق على وضعها فى كون اختلاف الألسنة آية منه تعالى متساويان لأنه على التقديرين مستند إليه إما بغير واسطة أو معها فلا يدل كون اختلافها آية منه على ثبوت أحدهما من التوقيف والإقدار دون الآخر وقد يقال الأول أظهر للاستناد إليه ابتداء كخلق السموات والأرض.
قوله: (ولو كان) أى حصول اللغات للناس بالتوقيف من اللَّه سبحانه ولا يتصور التوقيف إلا بإرسال الرسل إليهم لسبق الإرسال اللغات فيلزم الدور لتقدم كل من الإرسال واللغات على الآخر وقول المصنف: وإلا لزم الدور تقريره فيصح ما قلناه من كون اللغات اصطلاحية وإلا لزم الدور وإنما احتيج إلى هذا التأويل إذ لو أجرى على ظاهره كان معناه: وإلا أى وإن لم يدل على سبق اللغات لزم الدور وهو ظاهر الفساد الجواب: أنه تعالى علم آدم اللغات بأسرها كما دلت عليه الآية وغيره قد تعلم منه وإذا كان آدم هو الذى علم اللغات بالوحى لا قوم رسول اندفع ما ذكرتم من الدور فإنه إنما يلزم إذا كان اللَّه سبحانه قد علم اللغات قوم رسول إذ لا يتصور تعليمه إياهم إلا بإرسال رسول إليهم فتتأخر اللغات عن الإرسال مع تقدمها عليه وأما على تقدير تعليمه إياها لآدم ﵇ فلا إذ تعليمه بالوحى يستدعى تقدم الوحى على اللغات لا تقدم الإرسال إذ قد يكون هناك وحى باللغات وغيرها ولا إرسال له إلى قوم لعدمهم وبعد أن وجدوا وتعلموا اللغات منه أرسل إليهم وهذا الكلام بعينه يجرى فى غيره ﵇ إلا أن الظاهر ما ذكره وإلى هذه النكتة أشار حيث قال: لا قوم رسول ولم يقل: لا رسول قوم كما يتبادر إليه
стр. 696
الوهم ويفهم من كلام غيره.
قوله: (وردّه المصنف بأنه) أى ما ذكره من الأصوات وخلق العلم الضرورى بمثل هذه اللغات (خلاف المعتاد) إذ لم تجر عادته تعالى بذلك.
قوله: (والمفروض أنه) أى ذلك القدر الذى يحتاج إليه الاصطلاح ويتوقف على معرفته (يعرف بالاصطلاح) ليكون الكل اصطلاحيًا بالعرض فيلزم توقف عرفان ذلك القدر على سبق الاصطلاح المتوقف على معرفته فيكون كل من الاصطلاح ومعرفة ذلك القدر متوقفًا على الآخر وسابقًا عليه وهو الدور والضمير فى قول المصنف: لتوقفه راجع إلى ذلك القدر وقوله على اصطلاح سابق أى على ذلك القدر تقرير لكون الدور بين الاصطلاح وذلك القدر دور تقدم فيكون مستحيلًا لا دور معية ليكون جائزًا كما فى اللبنتين المتساندتين والمراد: كون الاصطلاح موصوفًا بالسبق على ذلك القدر فكأنه قيل: لتوقفه على سبق اصطلاح وليس المراد أن ذلك القدر يحتاج إلى اصطلاح آخر سابق عليه الاصطلاح المتوقف عليه وإلا كان اللازم هو التسلسل لاحتياج ذلك الاصطلاح إلى قدر آخر يتوقف على اصطلاح آخر سابق عليه فاللازم ظاهرًا على هذا التقدير هو التسلسل لا الدور ومنهم من جعل الضمير للاصطلاح قائلًا: لو كان الكل اصطلاحيًا لتوقف كل اصطلاح على آخر سابق عليه والمآل الدور ضرورة تناهى الاصطلاحات والجواب: منع توقف ذلك القدر على الاصطلاح إذ ربما يخطر لواحد ويعرّف غيره بالترديد والقرائن كالأطفال وبعد ذلك يتوافقون على المواضعات فإن قيل لو كان الكل توقيفيًا لزم الدور أيضًا لاحتياجه إلى سبق معرفة القدر الذى يتأتى به وهى أيضًا بالتوقيف فالجواب: أن التوقيف قد يحصل بخلق العلم عند الوحى.
قوله: (بل من حيث إن البعض للَّه تعالى جزمًا) إذا فسر التوزيع بما ذكر فمعنى الجزم بالتوزيع المستفاد من قول الشارح: ثم إما أن يجزم بأحد الثلاثة أنه يجزم بأن البعض للَّه تعالى وبأن البعض الآخر على الاحتمال والقائل بالتوقف لا جزم له بثئ أصلًا من الأمور الثلاثة على الوجه الذى ذكره.
قوله: (بحيث يحصل له أولهم) يعنى: أن الدلالة لا تقصر بحكم العقل فى الأقسام الثلاثة التى هى الوضعية والعقلية والطبيعية فيجوز أن يخلق اللَّه تعالى
стр. 697
جميع الألفاظ مقرونًا بكيفية يحصل للعبد بعد سماع تلك الألفاظ العلم بأنها موضوعة بإزاء تلك المعانى وهذا العلم يحصل من تلك الألفاظ بأن تدل على أن الألفاظ موضوعة بإزاء المعانى بنوع من الدلالة، وإنما قال فى القسم الآخر: وإن واضعًا قد وضعها لتلك ولم يقل العلم بأنها موضوعة بإزاء تلك المعانى من غير اعتبار ذلك الواضع لأن العبد العالم بالوضع فى الأقسام السابقة قد استفاد ذلك العلم من الخارج وفى القسم الآخر من عند نفسه ولا يحصل ذلك العلم من الغير بحسب الظاهر فلا يبعد توهم كون ذلك واضعًا فناسب فى هذا القسم اعتبار كون ذلك العبد عالمًا بأن واضعًا قد وضعها.
قوله: (إضافة العام إلى الخاص) لأن المسمى (١) على غير هؤلاء من المسميات الاصطلاحية العلمية الواقعة فيهما أوضاع طارئة.
قوله: (ولولا أن التعليم) أى على أن تجعل الإضافة من إضافة العام إلى الخاص لولا أن يعلم آدم ﵇ الأسماء فى قوله تعالى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١]، لما صح إلزام الملائكة ولو ارتكب التكلف فى الإضافة لصح الإلزام باعتبار تعليم الحقائق وهو أقوى من تعليم الأسماء والألفاظ الدالة عليها.
قوله: (وإلى هذه النكتة) أى أن هذا الكلام بعينه يجرى فى غيره ﵇ الشارحين (٢) بجعل النفى متوجهًا إلى قوم رسول لا إلى رسول قوم مع صحة هذا أيضًا والتبادر فيه فكأنه قال: لا يتعلق النفى بالرسول كما لا يتعلق بآدم، والتفصيل أن لزوم الدور مبنى على أن التعليم يقع بالنسبة إلى الرسول من حيث هو رسول أو بالنسبة إلى قوم رسول من حيث هو كذلك وهو تعليم للقوم بالواسطة واندفاعه يكون باعتبار تعلق التعليم بالشخص الذى يوصف بالرسالة فى وقت ما، والمتبادر إلى الوهم من القول بالتوقيف أن التعليم يكون للرسول فالمناسب فى الجواب أن يقال التعليم لآدم لا للرسول فلا تفاوت فى دفع الدور بين أن يقال: إن التعليم لآدم لا للرسول وبين أن يقال: إن التعليم لآدم لا لقوم رسول إذ الظاهر هو الأول وإذا عدل عن ذلك وجعل النفى متوجهًا إلى القوم
стр. 698
وترك الرسول قابلًا للإثبات باعتبار عدم تعلق النفى به وقع الإشعار بأن ما ذكر فى حق آدم ﵇ يجوز أن يذكر فى غيره بخلاف ما إذا تعلق النفى بالرسول فإنه يصير بعيدًا عن الإثبات.
قوله: (والجواب منع توقف ذلك القدر) هذا الكلام يدل على أن الأستاذ قد جعل الواضع جماعة لا شخصًا واحدًا واحتجاجه بهذا الاعتبار، وحاصل هذا الاحتجاج أن جنس الأصطلاح والمواضعة بين جماعة يتوقف على معرفة القدر المفروض ومعرفة هذا القدر موقوفة على ذلك الجنس ولو قال الأستاذ: إن الواضع يجوز أن يكون واحدًا من البشر لنقل تحته القول بأن البعض من اللغات حاصل بالتوقيف على كل تقدير إذ التوقيف على تقدير أن يكون الواضع شخصًا واحدًا يجب أن يتحقق بالنسبة إلى كل من هو غير ذلك الشخص إذ الكل متساوية فى الاحتياج، وعند القول بأن الواضع جماعة يتحقق الاحتياج إلى التوقيف فى زعم الأستاذ بالنظر إلى نفس الاصطلاح والمواضعة من غير نظر إلى تعريف الواضعين لغيرهم، وحاصل الجواب: أن واحدًا من الجماعة التى وقع المواضعة فيما بينها يتصور ذلك القدر بإزاء معانيها وبعد ذلك يعرف الباقين بالقرائن كما يعرفون غيرهم بعد المراضعة.
المصنف: (قال الأشعرى. . . إلخ) اعلم أن الخلاف إنما هو فى أسماء الأجناس وأعلامها لا فى أعلام الأشخاص فإن بعضها واضعه اللَّه كأسمائه وبعض أسماء الأنبياء وأسماء الملائكة وبعضها بوضع البشر من غير خلاف فى ذلك كما تقدم.
التفتازانى: (لكن لم يبين كيفية دلالتها على وضع الألفاظ) يجوز أن تكون تلك الألفاظ الدالة على وضع الألفاظ لمعانيها مخلوقة بكيفية بحيث يحصل بها فهم أن الألفاظ الآخر موضوعة لمعانيها وعلى هذا فالمخلوق جنسان من الألفاظ أحدهما دال على اللآخر.
التفتازانى: (لا إلهام الاحتياج على ما فى بعض الشروح) عبارة ذلك البعض وهو الأصفهانى وقد اعترضوا على هذا الدليل بأنه لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، أنه تعالى ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ فأعطاه من العلوم ما لأجله قدر على الوضع فيكون المراد من التعليم فعلًا
стр. 699
يصلح لأن يترتب عليه حصول العلم لا إيجاد العلم. اهـ.
التفتازانى: (فلو كان التعليم للمسميات. . . إلخ) أى بأن يراد من الأسماء فى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، المسميات لما صح الإلزام بطلبه الإنباء. . . إلخ. لا علمت من أن الأسماء قد أضيفت إلى المسميات، والأصل أن تكون الإضافة ليست إضافة العام للخاص وقوله: وبهذا ظهر أن هذا الجواب. . . إلخ. أى لأن حاصله إثبات أن المراد بالأسماء فى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ لأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الألفاظ بدليل صحة الإلزام فى قوله: ﴿أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١]. . . إلخ. وليس كلامًا على سند المنع أى منع أن المراد بالأسماء الألفاظ لجواز أن يراد بها الحقائق والمسميات بسند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهمْ﴾ [البقرة: ٣١]، والضمير للأسماء إذ لم يتقدم غيره أى أن الجواب ليس كلامًا على ذلك السند حتى يقال: الكلام على السند لا يفيد.
التفتازانى: (وبهذا الطريق) أى طريق التبادر.
التفتازانى: (يمكن أن يدفع ما يقال. . . إلخ) أى فيدفع بأنه خلاف المتبادر.
التفتازانى: (لجواز أن يكون توقيف اللَّه) هو تحريف وصوابه: أن يكون توفيق اللَّه بتقديم الفاء على القاف.
التفتازانى: (كما فى بعض الشروح) أى كشوح الأصفهانى حيث قال: واللسان كما يجوز أن يطلق على اللغات مجازًا حتى يلزم أن يكون التوقيف آية يجوز أن يطلق على القدرة كذلك حتى يكون الإقدار آية فليس حمله على اللغات أولى من حمله على القدرة على وضع اللغات. اهـ.
التفتازانى: (فإن قيل: الآية تدل على سبق اللغات والأوضاع دون التوقيف والتعليم ليدور قلنا مبنى. . . إلخ) غرضه رد الاعتراض الذى ذكره صاحب التحرير على المصنف حيث قال فى تقرير الاستدلال يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، على مذهب البهشمية من أن اللغات اصطلاحية ما نصه: أَفاد نسبتها إليهم وهى بالوضع وهو تام على المطلوب وأما تقريره دورًا يعنى كما ذكره ابن الحاجب وقرره العضد هكذا دل على سبق اللغات الإرسال ولو كان بالتوقيف ولا يتصور إلا بالإرسال سبق الإرسال اللغات فيدور فغلط لظهور أن كون التوقيف لا يكون إلا بالإرسال إنما يوجب سبق الإرسال على التوقيف لا
стр. 700
اللغات بل هذا النص يفيد سبقها أى اللغات على الإرسال، فالجواب بأن آدم علِمها وعلَّمها فلا دور ويمنع حصر التوقيف على الإرسال لجوازه بإلهام ثم دفعه بخلاف المعتاد ضائع، بل الجواب أنها للاختصاص ولا يستلزم وضعهم بل يثبت مع تعليم آدم بنيه إياها وتوارث الأقوام فاختص كل بلغة. اهـ. وحاصل رد ذلك الاعتراض أن الدور مبنى على أن لغة القوم بطريق الإضافة إنما تكون بعد توقيفهم وتعليمهم بناء على أنها توقيفية والتوقيف لا يتصور إلا بالإرسال لأنه المعهود فى تعليم اللَّه عباده فيتحقق الدور.
التفتازانى: (وقد يقال: المراد أن دلالة الآية) أى: أن مراد المصنف أن دلالة الآية. . . إلخ، وعليه درج الأصفهانى حيث قال: وأجاب المصنف عن الدور بأن قال لا نسلم لزوم الدور على تقدير كون اللغات توقيفية وإنما يلزم لو كانت اللغات سابقة على بعثة جميع الرسل وهو ممنوع لأن الآية لا تدل إلا على تقدم اللغات على بعثة الرسل وهو ممنوع لأن الآية لا تدل إلا على تقدم اللغات على بعثة الرسل الذين لهم قوم بدليل قوله تعالى: ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فيجوز أن تتقدم بعثة آدم ﵇ على اللغات لأنه لم يكن له قوم فيندفع الدور لأنه حينئذ يجوز أن يعلمه اللَّه اللغات بالوحى ثم علم آدم غيره فتكون اللغات متأخرة عن بعثة آدم ﵇ وبعثة الرسل الذين لهم قوم متأخرة عن اللغات فلا يلزم الدور وقوله والأول أوفق بالشارح أى الوجه الأول الذى هو أن توقيف الرسل يكفى فيه الوحى والإعلام من اللَّه تعالى فيتحقق قبل الإرسال وإنما الذى يتوقف على الإرسال هو توقيف قوم الرسل أوفق بالشارح حيث قال: لا قوم رسول ولم يقل لا رسول غير آدم وقوله: والثانى بالمتن أى الثانى الذى هو أن دلالة الآية على سبق اللغات إنما هى فى حق الرسول الذى له قوم. . . إلخ. أوفق بالمتن حيث قال: إذا كان آدم علمها ولم يقل: إذا كانت الرسل علمتها.
قوله: (أو داعيًا) تحريف وصوابه: أو عبادًا.
قوله: (وأما بخلق أصوات وحروف. . . إلخ) فالمخلوق جنسان من الألفاظ أحدهما دال على أن الآخر موضوع.
قوله: (وإن واضعًا قد وضعها) زاد ذلك هنا لئلا يتوهم أن الذى خلق فيه العلم الضرورى واضع لأنه لم يكتسب العلم بأن الألفاظ لمعانيها من خارج كما فى
стр. 701
القسمين قبله فدفع هذا الوهم بقوله وإن واضعًا وضعه أى فيكون من جملة المخلوق فى روعه ذلك.
قوله: (وقد يؤيد بأن مباحث الألفاظ. . . إلخ) أى فاندفع ما ذكره الكرمانى عن أستاذه القاضى عضد الدين فى درسه أن المسألة علمية فلا فائدة فى ظاهرية قول الأشعرى كما ذكره ابن الحاجب إذ الظنون لا تفيد فى العلميات.
قوله: (على ما فى النسخة الأخيرة) أى نسخة: وإذ لا كثير اختلاف وقوله وعلى النسخة المشهورة هى نسخة: إذ لا كثير اختلاف بدون عاطف وقوله يحتمل الوجهين أى أنه دليل مستقل على أن المراد بها اللغات أو دليل على الاتفاق على أن المراد بها اللغات.
قوله: (وقد يقال الأول أظهر) فيه رد على السعد حيث قال: بل لا يبعد أن تكون الثانية أولى لكونها أدل.
قوله: (ويفهم من كلام غيره) قد عرفته فيما كتب على التفتازانى وكتب الهروى على قول السيد وإلى هذه النكتة أشار حيث قال: لا قوم رسول ولم يقل: لا رسول قوم ما حاصله أن الدور مبنى على أن التعليم للرسول من حيث هو رسول أو لقوم الرسول من حيث هو كذلك واندفاعه من حيث إن التعليم للشخص الذى يوصف بالرسالة فى وقت ما ولا تفاوت فى الجواب عن الدور بين أن يقال: التعليم لآدم لا للرسول، وأن يقال: التعليم لآدم لا قوم رسول والمتبادر إلى الوهم من التوقيف أن يكون للرسول فالمناسب فى الجواب أن يقال: التعليم لآدم لا للرسول ولكن عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: لا قوم رسول للإشعار بأن ما ذكر فى حق آدم ﵇ يجوز أن يذكر فى غيره بخلاف ما إذا قال: التعليم لآدم لا للرسول. اهـ. المقصود منه.
قوله: (إذ لم تجر عادته بذلك) أى بل جرت عادته فى تعليمنا أن يكون بخطابه لنا.
стр. 702
قال: (الرابع: طريق معرفتها التواتر فيما لا يقبل التشكيك كالأرض والسماء والحر والبرد والآحاد فى غيره).
أقول: قد فرغ من حد اللغات وأقسامها وابتداء وضعها فشرع يبين طريق معرفتها وهو النقل لأن وضع لفظ معين لمعنًى معين من الممكنات والعقل لا يستقل بها والنقل سنعلم أنه متواتر يفيد القطع وآحاد تفيد الظن واللغات قسمان قسم لا يقبل التشكيك كالأرض والسماء والحر والبرد مما يعلم وضعه لا يستعمل فيه قطعًا وقسم يقبله كاللغات العربية فالطريق فيما لا يقبل التشكيك هو التواتر وفى غيره الآحاد وفى عبارته إشارة إلى دفع ما شكك به بعضهم فقال أكثر الألفاظ دورانًا على الألسن كلفظ اللَّه وقع فيه الخلاف أسريانى هو أم عربى مشتق ومم أو موضوع ولم فما ظنك بغيره وأيضًا الرواة معدودة كالخليل والأصمعى ولم يبلغوا عدد التواتر فلا يحصل القطع بقولهم وأيضًا فإنهم أخذوا من تتبع كلام البلغاء والغلط عليهم جائز ووجه الدفع أن القدح فى القسم الأول سفسطة لا يستحق الجواب والثانى يكفى فيه الظن وما ذكروه لا يقدح فيه.
واعلم أن النقل قد يحتاج فى إفادته العلم بالوضع إلى ضميمة عقلية كما يروى أن الجمع المحلى باللام يدخله الاستثناء وأنه لإخراج ما لولاه لوجب دخوله فيعلم أنه للعموم وهذا لا يخرج من القسمين إذ لا يراد بالنقل أن يكون النقل مستقلًا بالدلالة من غير مدخل للعقل فيه إذ صدق المخبر لا بد منه وأنه عقلى.
قوله: (أو موضوع) أى ابتداء من غير أن يؤخذ من أصل فلهذا جعل قسيمًا للمشتق وعلى تقدير الاشتقاق فقد اختلفوا فى أنه من أله أو من وله، وعلى تقدير الوضع فى أنه موضوع للذات أو لبعض المعانى وللمفهوم الكلى أو الشخصى.
قوله: (لا يقدح فيه) لأن الاحتمالات المرجوحة إنما تنافى القطع دون الظن.
قوله: (واعلم أن النقل) يعنى أنه كان حصر طريق معرفة المخبر وذلك بالعقل (١) ولا تصريحه بأن هذا موضوع لذلك؛ بل قد يكون بأن يثبت بالنقل ما إذا انضمت
стр. 703
إليها مقدمة أخرى عقلية أفادنا العلم بالوضع، كما ثبت أن الجمع المعرف باللام يدخله الاستثناء ومعلوم عقلًا أن الاستثناء لإخراج الأمر الذى لو لم يكن الاستثناء لزم دخوله فى المستثنى منه فيعلم منه أن الجمع المعرف يجب أن يكون متناولًا له ولغيره وهو معنى العموم، فقوله وإنه لإخراج بالكسر والواو للحال والأظهر أنه بالفتح عطفًا على أن الجمع فإن كون صيغ الاستثناء للإخراج ثبت بالنقل لا العقل والضميمة العقلية هى أن كل ما يدخله الاستثناء يجب أن يعم المستثنى منه.
قوله: (والعقل لا يستقلّ بها) أى بالممكنات من حيث هى ممكنات فإن العقل إذا لاحظ الممكن من حيث هو كذلك مع قطع النظر عن غيره تردد فى وجوده وعدمه لاستوائهما بالقياس إلى ذاته فلا بد من انضمام أمر آخر إليه ليجزم بأحد طرفيه ولا يتصور فى وضع الألفاظ إلا النقل.
قوله: (وفى عبارته) أى عبارة المصنف حيث قال: فيما لا يقبل التشكيك ولى يقل: فيما هو مقطوع به (إشارة إلى دفع ما شكك به بعضهم) كالإمام الرازى ﵀.
قوله: (مشتق) أى على تقدير كونه عربيًا ومن أى شئ اشتق أو موضوع ابتداء من غير اشتقاق ولأى شئ وضع لذاته تعالى من حيث هو أو باعتبار كونه معبودًا أو كونه قادرًا على الاختراع أو كونه ملجأ الخلق أو كونه بحيث تتحير العقول عن إدراكه فلا يتحصل القطع بمسمى أكثر الألفاظ دورانًا فما ظنك بغيره.
قوله: (سفسطة لا يستحق الجواب) لكونه قدحًا وتشكيكًا فى الضروريات.
قوله: (لا يقدح فيه) أى فى الظن الذى هو المطلوب إنما يقدح فى القطع ونحن لا ندعيه.
قوله: (كما يروى أن الجمع المحلى باللام) أى التى للجنس (يدخله الاستثناء) لأى فرد أو أفراد تراد وأن الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله فيعلم من هاتين المقدمتين المنقولتين أن الجمع المحلى يجوز أن يخرج منه أىّ فرد أو أفراد تراد وبضميمة حكم العقل بانه لو لم يكن عامًا متناولًا جميع الأفراد لم يجر فيه ذلك يعلم أنه للعموم وهذا القسم المعلوم بضميمة عقلية لا يخرج من القسمين التواترى والآحادى بل يندرج فيهما إذ لا يراد بالنقل أن يكون النقل مستقلًا
стр. 704
بالدلالة على الوضع من غير مدخل للعقل فيه لاستحالة ذلك إذ صدق المخبر لا بد منه فى حصول العلم بالنقل وأنه عقلى لا يعرف بالنقل لاستلزامه الدور أو التسلسل بل يراد أن يكون للنقل فيه مدخل وما نحن بصدده كذلك.
قوله: (أى بالممكنات من حيث هى ممكنات) بربد أن ما ذكره الشارح يحتاج إلى تأويل وتقدير؛ لأنه إن أراد بقوله: العقل لا يستقل بالممكنات، أنه لا يستقل بجميع الممكنات فهو لا يفيد شيئًا إذ نفى الإيجاب الكلى لا ينافى الإيجاب الجزئى فعدم الاستقلال فى الجميع لا يستلزم عدم الاستقلال مثنى البعض فلا يلزم أن يكون طريق معرفتها النقل، وإن أراد السلب الكلى أى العقل لا يستقل بشئ من الممكنات فالدليل مستلزم للمطلوب على تقدير صحته واعتبار استقلال العقل أعم من أن يكون يفيد بنفسه أو بانضمام شئ من المقدمات التى فيها مقدمة نقلية.
قوله: (أى على تقدير كونه عربيًا) وجه الاختصاص يحتمل أن يكون عدم جريان الاشتقاق فى اللفظ الذى هو سريانى، ويحتمل أن يكون الخلاف على تقدير كونه عربيًا وقوله: أو موضوع ابتداء من غير اشتقاق لتصحيح المقابلة التى وقعت بين كونه مشتقًا وبين كونه موضوعًا.
المصنف: (كاللغات العربية) أى غير ما تعرفه الناس عمومًا.
التفتازانى: (وبهذا يظهر. . . إلخ) أى بكون معرفة القدر المحتاج إليه تمكن بالترديد والقرائن فلا يتوقف القدر المحتاج فى تعليم الاصطلاح على الاصطلاح يظهر أن معرفة الاصطلاح لا تتوقف على معرفة القدر المذكور بل الكل يمكن معرفته بالقرائن والإشارات.
التفتازانى: (من أله) بفتح اللام بمعنى عبد، فأصل اللَّه إلاه كفعال بمعنى مألوه أى معبود.
التفتازانى: (أو من وله) بكسر اللام من الوله وهو التحير لتحير المخلوقين فى عظمته وجلاله وباقى نعوته فى القاموس أله إلاهة وألوهة وألوهية عبد عبادة ومنه لفظ الجلالة واختلف فيه على عشرين قولًا ذكرتها فى المباسيط وأصحها أنه علم غير مشتق وأصله إلاه كفعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذ معبودًا إله عند متخذه ثم
стр. 705
قال: وأله كفرح تحير. اهـ.
التفتازانى: (أو لبعض المعانى) فقيل: إنه بمعنى القادر على الخلق وقيل من لا يصح التكليف إلا منه.
التفتازانى: (وللمفهوم الكلى أو الشخص) المفهوم الكلى هو المعبود مطلقًا والشخص المراد به المعبود بحق فالمراد بالشخص الشخص الإضافى.
التنفتازانى: (يعنى أنه كان حصر طريق معرفة الخبر وذلك بالعقل ولا تصريحه بأن هذا موضوع لذاك. . . إلخ) هو تحريف ولعل الأصل هكذا يعنى أنه وإن حصر طريق معرفة اللغة فى النقل فليس مراده أنه لا دخل للعقل أصلًا ولا تصريح الواضع بأن هذا موضوع لذاك بل قد يكون بأن يثبت بالنقل. . . إلخ. ففى هذا لم يتمحض النقل بل احتاج إلى ضميمة عقلية ولم يصرح من الواضع بأن الجمع المحلى باللام للعموم بل فهم من كلامهم بضميمة المقدمة التى أدركها العقل من كلامهم قال صاحب التحرير: وليس المراد نقل قول الواضع كذا لكذا بل المراد توارث فهم كذا من كذا فإن زاد فذاك. اهـ. يعنى: أن توارث فهم كذا من كذا علامة واضحة على أن العلاقة بينهما وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى وهذا كافٍ فى النقل فإن زاد عن ذلك بأن يقول اللفظ الفلانى موضوع للمعنى الفلانى فبها ونعمت لما فيه من زيادة الوضوح بالنص الصريح.