يجرى فى أمثال الحلو والحامض والنائم واليقظان.
قوله: (بيان الملازمة أنه لا يتصور حصوله) أى: حصول المعنى أعنى الخبر والكلام.
قوله: (الجواب: أن اللغة لم تبن على المشاحة) أى المضايقة فى مثل ما ذكر من الأمور غير القارّة (وإلا لتعذر أكثر أفعال الحال) ولم يكن استعمالها بحسب الحال حقيقة (مثل يضرب ويمشى) وغيرهما (فإنها ليست آنية) توجد دفعة فى آن ليكون إطلاقها فيه حقيقة (بل زمانية) توجد فى زمان (تتقضى أجزاؤه أولًا فأولًا) فلا توجد معانيها فى الحال الذى هو الآن أصلًا فلا يكون استعمالها فى الحال حقيقة، وإنما قيد بالأكثر احترازًا عن أفعال الحال من الأمور الآنية كالوصول والمماسة إذ لا تعذر هناك (وبهذا) الذى ذكرناه من تعذر أكثر أفعال الحال (صرح فى المنتهى) فقوله: بدليل صحة الحال، يعنى به صحة أكثر أفعال الحال (وقد يقال: مراده منه فعل الحال الصريح) الموافق فى الاشتقاق لا نحن بصدده (وهو بخير ويتكلم فيلزم أن لا يكون حقيقة فى الحال وهو باطل اتفاقًا فما هو جوابكم فهو جوابنا) وإنما وصف الفعل بالصريح أى الظاهر فى الحال تنبيهًا على أنه المتبادر فيكون حقيقة فيه قطعًا، ويحتمل أن يريد بكونه صريحًا فى الحال أنه حقيقة فيه كما هو المذهب الصحيح وأخر الآخرين فإن الكلام لا يتم إلا بذلك، وأما الاتفاق على البطلان فإنما هو من المشترط والنافى فلا يرد أنه مختلف فيه ولعله لم يصرح بهذا الوصف فى الأول اكتفاء بتصريحه فى الثانى (وهذا) المعنى أى الثانى (أقرب إلى لفظ المصنف ههنا) لتبادره منه إلى الفهم ولو أراد المعنى الأول لكان الأنسب أن يقول: بدليل صحة أكثر أفعال الحال.
واعلم أن حاصل الجواب على التقديرين هو نقض إجمالى فيقال: ملخص ما ذكرتم أنه لو اشترط وجود المعنى فى صدق المستثنى حقيقة لم تكن المشتقات من المصادر السيالة حقيقة أصلًا لامتناع وجود المعنى حين الإطلاق، فنقول: لا شك فى اشتراط وجود المعنى فى الحال لإطلاق فعله حقيقة فلا يكون أكثرها أو هذا الفعل المخصوص حقيقة لامتناع وجود معناه فى الحال، أما فى الثانى فبعين ما ذكرتم من الدليل، وأما فى الأول فلأن أكثر أفعال الحال آنية، وخلاصته كما أن الاشتراط يستلزم هناك محذورًا يستلزمه ههنا أيضًا فما هو جوابكم عن الدليل فى
стр. 632
صورة النقض فهو جوابنا عنه فى أصل الدعوى ولا يذهب عليك أن جريان الدليل فى يخبر ويتكلم أظهر منه فى أكثر أفعال الحال، ولما كان هذا الجواب إلزامًا حقق الشارح ﵀ المقام فقال: (والتحقيق أن المعتبر) فى نحو مخبر ومتكلم وفى أفعال الحال (المباشرة العرفية كما يقال: يكتب القرآن ويمشى من مكة إلى المدينة و) يقصد الحال لا بمعنى الآن الحاضر بل (يراد به أجزاء من الماضى ومن المستقبل متصلة) بعضها مع بعض (لا يتخللها فصل يعد عرفًا تركًا لذلك الفعل وإعراضًا عنه) فالمخبر والمتكلم حقيقة لمن يكون مباشرًا للخبر والكلام مباشرة عرفية حتى لو انقطع كلامه بتنفس أو سعال قليل لم يخرج عن كونه متكلمًا حقيقة، وعلى هذا القياس أفعال الحال فتد تسومح لغة فى اعتبار الحال واعتبار هذه الأمور على الوجه المذكور فلا يلزم من اشتراط بقاء المعنى ما ذكر من المحذور فى المشتق ولا فى أفعال الحال، ومن فسر كلام المتن بصحة إطلاق لفظ الحال على زمان الفعل الحاضر مع أن أجزاء زمان الفعل الحاضر لا تكون فيه عند إطلاقه فلعله أراد أن لفظ الحال بمعنى الحاضر فقد تسومح ههنا فى وصف الكل بصفة الجزء وإقامته مقامه فلم لا يجوز أن يتسامح فى نحو مخبر ومتكلم بإقامة جزء من المعنى مقام كله وما فى الشرح من التوجيهين أقوى وأنسب بما فى المنتهى.
قوله: (سلمنا ذلك) يعنى: سلمنا أن اشتراط بقاء المعنى مطلقًا يستلزم أن لا يكون مثل مخبر ومتكلم حقيقة.
قوله: (وهذا رجوع) أى الجواب الثانى رجوع فى الرد (إلى القول الثالث بتخصيص الدعوى) فالمصنف رد أولًا دليل النافى مطلقًا على مذهب الاشتراط مطلقًا ثم رجع فى رده إلى القول بالتفصيل وليس فى ذلك ميل إليه كما عرفت.
قوله: (يعنى الأعم الذى هو النفى مطلقًا) إنما اعتبر استلزام النفى الحالى للنفى مطلقًا لم يكتف فى إثبات التجوّز بالنفى الحالى الذى صحته علامة التجوّز نفى متعلق بالمعنى الحقيقى والتقييد بالحالى حتى يوجد علامة المجاز.
قوله: (فلا تنافى بينه وبين الإثبات) النفى الذى صحته علامة المجاز نفى لا يجمع مع الإثبات ينافى التجوّز.
قوله: (مثل: يضرب ويمشى) هذا بناء على أن الحركة بمعنى القطع، ولو اعتبر
стр. 633
الحركة بمعنى التوسط لصح قولنا: يمشى باعتبار تقييده بالحالى لو كان بناء معناه.
قوله: (كالوصول والمماسة) فإن قلت: المعتبر فى الأفعال الحالية يتحقق منه (١) ما سبق منه للفعل حال إطلاق لفظ الفعل ولفظ الفعل زمانى لا يمكن أن يحصل فى حال التلفظ به فى زمانه أمر آتٍ فإن قولنا: يصل ويماس مقيدًا بالحال معناه: أن الوصول والمماسة واقعة فى حال التلفظ بلفظ يصل ويماس وحال التلفظ به زمان لا يقع فيه الآتى قلت: يكفى فى وقوع المشتق منه فى حال التلفظ أن يقع فى زمانه أو فى آن من آناته وإذا اعتبر ما ذكره فيما قبله وقوله: وإنها ليست آنية توجد دفعة فى آن ليكون إطلاقها فيه وجب أن يراد من حال التلفظ المعتبر فى الحال آن من آناته لا زمانه ولذا يقال: الحال هو الآن.
قوله: (إلحاحه) (٢) ويمكن: أن يقال: بطريق المنع كما أن معنى المتكلم يتحقق على سبيل التقصى كذلك لفظ المتكلم وإجراؤه على سبيل التقصى فلم لا يجوز أن يراد بحال التلفظ زمانه وينطبق زمان التلفظ بلفظ المتكلم على زمان تحقق معناه وحينئذ يكون لفظ التكلم حقيقة أو يتحقق معناه فى الحال.
قوله: (أقرب إلى لفظ المصنف) لأنه قال: بدليل صحة الحال ولا يجوز أن يراد كل فعل حالى وهو ظاهر فيحمل على هذا المخصوص بالقرينة الواضحة، وأما إرادة الأكثر فبعيد عن اللفظ.
قوله: (ملخص ما ذكرتم) أن الذى (٣) ذكره هذا القائل عام يتناول جميع ما ذكر من المشتقات نظرًا إلى الحقيقة وإن كان مراد هذا القائل جريانه فى الأسماء المشتقة مثل مخبر ومتكلم من حيث لزوم الفساد.
قوله: (أما فى الثانى) معناه: أما امتناع وجود المعنى بيتكلم وبيخبر وقوله: وأما فى الأول معناه: أما امتناع وجود المعنى فى أكثر الأفعال الحالية والبعض منها بإجراء الدليل فى صورة قد تقرر بالاتفاق كونها حقيقة وذلك يتوقف على وجود
стр. 634
معناها فى الحال فوجود المعنى شرط لكونها حقيقة ولزم من الدليل بطلان وجود معناها فما ذكر فى توجيه وجود معناها فى الحال ذكر فى توجيه وجود المعنى فى نحو متكلم ومخبر.
قوله: (أقوى) لأن الوجه الذى ذكره الشارح يجعل الخصم مضطرًا بالتوسعة فى وجود المعنى بخلاف ما ذكره هذا المعتبر.
المصنف: (اشتراط بقاء المعنى. . . إلخ) المتبادر من المصنف وشراح كلامه أن المراد بقاء المعنى حال الإطلاق وقد استثنى من الخلاف الفعل الماضى والمضارع والأمر والنهى فإنها حقائق وإن لم يوجد المعنى حال الإطلاق فيكون محل الخلاف الصفات المشتقة وإن معنى قولهم: اسم الفاعل حقيقة فى الحال المراد بالحال فيه زمن التكلم وعلى ذلك درج القرافى واستشكل نصوص ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ونحوها بأنها إنما تتناول من اتصف بالمعنى بعد نزولها الذى هو حال نطق النبى ﷺ مجازًا والأصل عدم المجاز والإجماع على أن تناولها له حقيقة وأجاب بأن المسألة فى المشتق المحكوم به فإن كان محكومًا عليه فحقيقة، واعترضه الكورانى بأنه كلام من لا تحقيق عنده أما أولًا فلأن الكلام فى اللغة هل يشترط بقاء المعنى للإطلاق حقيقة أو لا ولا ريب فى أن كون اللفظ محكومًا عليه أو به لا دخل له فى هذا لا نفيًا ولا إثباتًا وأما ثانيًا فلأن وجوب الحكم فى مسألة الزانى والسارق ليس مبنيًا على أن الصفة فى النصين وقع محكومًا عليه وأنه حقيقة مطلقًا بل لأن الشارع رتب الحكم على الوصف الصالح للعلية فحيث وجد الوصف وجد الحكم كما رتب وجوب الزكاة على السوم فى قوله فى السائمة زكاة مع أن القول بأن اسم الفاعل حقيقة فى المستقل مخالف للإجماع. اهـ. وفيه أن ابن سينا قد اعتبر فى الموضوع الاتصاف بالوصف العنوانى بالفعل فلتفرقة القرافى وجه وحمل والد ابن السبكى قولهم اسم الفاعل حقيقة فى الحال على أنه حقيقة فى حال التلبس بالمعنى وقال إنما سرى الوهم للقرافى من اعتقاده أن الماضى والحال والاستقبال بحسب إطلاق اللفظ وليس كذلك والقاعدة صحيحة لكنه لم يفهمها واسم الفاعل ونحوه لا يدل على زمان النطق فالمناط فى الإطلاق الحقيقى حال التلبس لا حال
стр. 635
النطق فاسم الفاعل مثلًا حقيقة فيمن هو متصف بالمعنى حين قيامه به حاضرًا عند النطق أو مستقبلًا ومجازًا فيمن يتصف به وكذا فيمن اتصف به فيما مضى ودرج على ذلك ابن السبكى فى جمع الجوامع حيث قال: والجمهور على اشتراط بقاء المعنى فى كون المشتق حقيقة إن أمكن وإلا فآخر جزء منه ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة فى الحال أى حال التلبس لا النطق خلافًا للقرافى. اهـ. ومعنى قوله: ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة فى الحال أى حال التلبس أنه من أجل اشتراط الجمهور بقاء المشتق منه فى كون إطلاق المشتق حقيقة إن أمكن وإلا فآخر جزء منه كان اسم الفاعل موضوعًا للمتصف بالحدث فيلزمه أن لا يطلق حقيقة إلا إذا كان باعتبار حال الاتصاف وزمنه فهناك فى كل كلام زمانان زمن ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه وهو الذى يقال له حال اعتبار الحكم وزمن إثبات النسبة وهو الذى يقال له حال التكلم وحال الحكم فإذا قلنا مثلًا: ضرب زيد فزمان نسبة الضرب هو الزمان الماضى إذ فيه ثبت الضرب لزيد واتصف به وأما زمان إثبات هذه النسبة فهو حال التكلم بهذا الكلام فلا يكون أحدهما عين الآخر فالحال فى قولهم اسم الفاعل حقيقة فى الحال المراد به حال التلبس بالحدث وهو حال اعتبار الحكم وزمن ثبوت النسبة فإطلاق اسم الفاعل إنما يكون مجازًا إذا أطلق على غير المتصف باعتبار أنه كان اتصف أو أنه سيتصف وأما إطلاقه على المتصف باعتبار اتصافه فحقيقة سواء كان الاتصاف فى الحال أو فى الماضى أو فى المستقبل هذا على رأى الجمهور أما على رأى غيرهم ممن لا يشترط بقاء المعنى مطلقًا فإطلاقه على غير المتصف حقيقة استصحابًا للأصل إذا كان قد اتصف فى الماضى وأما إطلاقه على من يتصف فى المستقبل فمجاز اتفاقًا وهذا كله عند عدم التقيد بالأمس أو الغد أما لو قلت: زيد ضارب أمس أو غدًا فحقيقة خلافًا لما فى الشارح واعلم أن قولهم اسم الفاعل حقيقة فى الحال أى حال التكلم على ما فهمه القرافى مشكل من جهة أنه لم يوضع للزمان أصلًا وأجاب شارح مسلم الثبوت بأن ذلك عند أفراده وأما فى التركيب فيدل على الزمان.
الشارح: (وقبل وجوده كالضارب لمن لم يضرب وسيضرب مجازًا اتفاقًا) قال فى مسلم الثبوت وشرحه فيه نظر فإن ابن سينا وأتباعه ذهبوا فى تحصيل معنى القضية إلى أن معنى كل أبيض كل ما يصدق عليه أبيض بالفعل فى أحد الأزمنة
стр. 636
الثلاثة فلا اتفاق، والجواب أنه ليس مقصوده بيان اللغة بل بيان أن القضية المعتبرة فى المنطق والمستعملة فى الفلسفة هو ما اعتبر صدق العنوان عليه بالفعل ولو سلم أنه حسب أن فى اللغة الاعتبار بهذا المعنى فأى صحة فى حسبانه فإنه ليس من رجال هذا المقال فلا يضر إجماع رجال هذا الشأن فإن قلت فما تصنع بقول أتباعه فى ترجيح اعتباره على اعتبار الفارابى أنه موافق للغة والعرف ومنهم من هو من رجال هذا الشأن قلت: إنهم أرادوا أنه قريب من العرف واللغة صرح به بعض منهم فتدبر. اهـ. وفيه أن يقال: إن الاتفاق على المجازية فيمن لم يضرب وسيضرب فى المستقبل لأنه قد أطلق فيه المشتق على غير المتصف ملاحظًا فيه اتصافه فى المستقبل فيكون مجاز الأول وهذا لا ينافى أنه لو أطلق على المتصف فى المستقبل باعتبار أنه متصف كان حقيقة فلا وجه للنظر.
الشارح: (أولها مجاز مطلقًا ثانيها حقيقة مطلقًا) قال أبو حنيفة بالأول وبالثانى الشافعى وانبنى على هذا الخلاف مسائل منها أن المتبايعين فى قوله ﷺ : "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" هل يتناول من صدرت منه المبايعة وانقضت أم لا فعند الشافعى يتناوله حقيقة ولهذا أثبت خيار المجلس بعد انعقاد البيع إلى أن يتفرقا بالأبدان وعند أبى حنيفة لا يتناوله ولذا لم يثبت خيار المجلس بعد انعقاد البيع وأثبت الخيار ما لم يتفرقا بالأقوال التى هى الإيجاب والقبول.
الشارح: (وفى نفيه) أى مطلقًا.
الشارح: (والجواب أنه لو ادعى صدقه. . . إلخ) وأيضًا الدليل منقوض بأنه يصدق على المباشر فى الحال أنه ليس بضارب فى الماضى فليس بضارب.
الشارح: (أجمع أهل اللغة على صحة ضارب أمس. . . إلخ) الظاهر أن الكلام فى إطلاق الوصف غير مقيد بزمن أما لو قيد بزمن واعتبر الاتصاف فيه فحقيقة من غير نزاع فالاتفاق على مجازية ضارب غدًا غير ظاهر.
الشارح: (الجواب أنه مجاز. . . إلخ) قال صاحب التحرير: الجواب الحق أنه إذا أجمع على أن المؤمن لا يخرج بالنوم والغفلة عن الإيمان وعن كونه مؤمنًا باعترافكم بل حكم أهل اللغة والشرع بأنه ما دام المعنى مودعًا حافظة المدرك كان قائمًا به ما لم يطرأ حكم يناقضه بلا شرط دوام المشاهدة فالإطلاق فى حال قيام المعنى وهو حقيقى اتفاقًا فلم يفد فى محل النزاع شيئًا وبه يبطل الجواب بأنه مجاز
стр. 637
قال فى شرحه وإن ذكره ابن الحاجب وتابعه الشارحون وأردفه المحقق الشريف بأن الإجماع إنما هو على إطلاق المؤمن على ذلك فى الجملة وأما بطريق الحقيقة فلا وإجراء أحكام المؤمنين على النائم مثلًا لا يستلزم كون إطلاقه عليه حقيقة ووجه بطلانه ظاهر. اهـ. ثم قال: وإثباته أى كون الإطلاق المذكور مجازًا بامتناع كافر لمؤمن صحابى أو غيره باطل فإن هذا الامتناع يقتضى أن لا يصح الإطلاق لا حقيقة ولا مجازًا وليس كذلك بل صحته لغة بالاتفاق إنما الخلاف فى أنه حقيقة والمانع شرعى وإذا لهم ادعاء كونه حقيقة مع صحة إطلاق الضد كذلك ولا يمتنع إلا لو قام معناهما فى وقت الصحتين وليس المدعى سوى كون اللفظ بعد انقضاء المعنى حقيقة وأين هو من قيامه فى الحال ليجتمع المتنافيان أو يلزم قيام أحدهما بعينه.
التفتازانى: (حمله بعض الشارحين. . . إلخ) قال الأصفهانى فى شرحه لهذا الموضع من هذا الكتاب ما نصه بدليل صحة إطلاق لفظ الحال حقيقة على زمان الفعل الحاضر مع أن أجزاء زمان الفعل الحاضر لا تكون باقية عند إطلاق لفظ الحال لأن الزمان غير قار أى لا تجتمع أجزاؤه فى الوجود. اهـ.
التفتازانى: (فأين هذا مما نحن فيه) يمكن تطبيقه على ما نحن فيه بأن يكون المراد أن مدلول الحال أجزاء من أواخر الماضى وأوائل المستقبل مع الآن الذى بينهما فمجموع الأجزاء لم يجتمع فى الوجود وإطلاق الحال عليها حقيقة وليست باقية حال الإطلاق فكذا المشتق لا يشترط فيه البقاء فى الإطلاق الحقيقى.
التفتازانى: (كالضرب) هو ليس من المصادر السيالة وإنما ذكره باعتبار أن معناه ليس آنيًا.
التفتازانى: (من هذه المشتقات) أى التى ذكرها المصنف بقوله: مثل متكلم ومخبر وقوله والثانى أقرب إلى لفظ المصنف أى فى قوله: مثل متكلم ومخبر.
التفتازانى: (عن التقيد بالزمان) تحريف وحقه عن التقيد بالأكثر.
التفتازانى: (على هذا التقرير أيضًا) هو أن الشرط البقاء إن أمكن لكن بمعنى إن أمكن اشتراط البقاء للمعنى بتمامه وإلا اشترط بقاء آخر جزء منه لا بمعنى وإن لم يمكن لم يشترط كما هو المذهب الثالث.
стр. 638
التفتازانى: (إنما يخص المذهب الثالث) أى بناء على أنه رجوع إلى المذهب الثالث.
التفتازانى: (صحة اللفظ بالكلية) تحريف وصوابه صحة النفى اللغوية مطلقًا وصحة النفى من أمارات المجاز فيكون الإطلاق على مباشر الضرب مجازًا وليس كذلك.
التفتازانى: (ولا يخفى ما فيه) أى من أنه لا يصح أن يكون إجماعهم على صحة ضارب غدًا مع أنه مجاز اتفاقًا دليلًا على مخالفة أن الأصل فى الإطلاق الحقيقة فيكون ضارب أمس مجازًا للفرق بين الأمرين سيما وقد تقدم أن صحة الإطلاق باعتبار ما قبله لا تقتضى صحة الإطلاق باعتبار ما بعده.
التفتازانى: (وأما ما يقال. . . إلخ) قال الأصفهانى: فإن قيل المجاز خلاف الأصل أجيب بأنه إنما يكون خلاف الأصل إذا لم يلزم ما هو أشد محذورًا منه وههنا قد لزم لأنه إذا كان حقيقة فى الماضى وفى الحال حقيقة بالاتفاق يلزم الاشتراك فإن قيل: إنما يلزم الاشتراك إذا لم يكن موضوعًا للقدر المشترك؛ أجيب بأنه إذا كان موضوعًا للقدر المشترك يلزم أن يكون إطلاقه فى المستقبل بطريق الحقيقة لأن القدر المشترك وهو وقوع الضرب فى أحد الأزمنة الثلاثة متحقق فيه وهو باطل اتفاقًا. اهـ. فقوله: لا من له الضرب فى أحد الأزمنة ليلزم المستقبل قصد به الرد على الأصفهانى.
التفتازانى: (وللنافى أن يخصص هذه الصورة بالاتفاق. . . إلخ) يعنى أن النافى له أن يقول: إن كون الأصل فى الإطلاق الحقيقة خص منه ضارب غدًا للاتفاق على مجازيته ولم يوجد هنا المخصص فى ضارب أمس فبقى كون الأصل فى الإطلاق الحقيقة معمولًا فيه.
التفتازانى: (ولكن كون المؤمن للنائم. . . إلخ) وذلك لأن المعنى باق فى الحافظة فالإطلاق عند النوم إطلاق حال وجود المعنى وهو حقيقة اتفاقًا.
التفتازانى: (والتحقيق أن النزاع. . . إلخ) رد بأنه لا فارق بين الذى بمعنى الثبوت والذى بمعنى الحدوث لدخولهما تحت ضابطة واحدة لغة فإن اشتراط الاتصاف بالمبادئ لا فرق فيه بين الثابت والمتجدد.
التفتازانى: (وهو الذى بمعنى الحدوث) لعل الأولى حذفه وقوله: سواء فسر
стр. 639
بالتصديق أى كما هو رأى غير المعتزلة أكثر الأفعال الصريحة فى الحال.
قوله: (لها) تبين للمراد من التصحيح وأن ظاهره ليس مرادًا.
قوله: (فى المسألة) تحريف وصوابه فى الجملة.
قوله: (فالظاهر ما ذكرناه) أى من ميله إلى التوقف.
قوله: (فلا يصدق فى صورة النزاع) أى لأنها مفروضة فى حصول المعنى وانقضائه قبل.
قوله: (لو صح قبله لصح بعده) معناه لو صح باعتبار ما قبله لصح باعتبار ما بعده.
قوله: (أو بغيره) أى العمل كما هو رأى المعتزلة لأن كلًا منهما ليس موجودًا حال النوم والغفلة.
قوله: (أن يؤكد به المنع السابق) أى منع كون إطلاق ضارب أمس حقيقة.
قوله: (أن يكون الشخص فى حالة واحدة نائمًا ويقظًا معًا حقيقة) فيه أن المدعى الصحتان لا قيام المعنيين فى وقت الصحتين كما مر.
قوله: (كما هو المذهب الصحيح وآخر الآخرين) لعله وأحد الآخرين أى القولين الآخرين وهما أن المضارع للقدر المشترك بين الحال والاستقبال وأنه للاستقبال.
قوله: (لم يصرح بهذا الوصف) أى الصريح وقوله فى الأول أى أكثر أفعال الحال فلم يقل.
قوله: (فلأن أكثر أفعال الحال آنية) تحريفا وصوابه ليست آنية.
قوله: (فى وصف الكل يوصف الجزء) لأن الحاضر إنما هو الجزء فسمى الكل حالًا لحضور جزئه.
стр. 640
قال: (مسألة: لا يشتق اسم الفاعل لشئ والفعل قائم بغيره خلافًا للمعتزلة لنا الاستقراء قالوا: ثبت قاتل وضارب والقتل للمفعول قلنا: القتل التأثير وهو للفاعل قالوا: أطلق الخالق على اللَّه باعتبار المخلوق وهو الأثر لأن الخلق المخلوق وإلا لزم قدم العالم أو التسلسل وأجيب أولًا بأنه ليس بفعل قائم بغيره، وثانيًا أنه التعلق الحاصل بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد فلما نسب إلى البارى صح الاشتقاق جمعًا بين الأدلة).
أقول: لا يشتق اسم الفاعل للشئ باعتبار فعل حاصل لغيره خلافًا للمعتزلة فإنهم جعلوا المتكلم للَّه لا باعتبار كلام هو له بل كلام الجسم هو يخلقه فيه ويقولون: لا معنى لكونه متكلمًا إلا أنه يخلق الكلام فى الجسم لنا الاستقراء يفيد القطع بذلك.
قالوا: ثبت قاتل وضارب لغير من قام به الفعل لأن القتل والضرب هو الأثر الحاصل فى المفعول وهو المقتول والمضروب.
والجواب: لا نسلم أنه الأثر بل تأثير ذلك الأثر وهو قائم بفاعلهما.
قالوا: قد أطلق الخالق على اللَّه باعتبار الخلق وهو المخلوق إذ لو كان غيره لكان هو التأثير فإن قدم قدم العالم إذ لا يتصور تأثير ولا أثر وإن حدث احتاج إلى تأثير آخر ولزم التسلسل.
والجواب: أما أولًا: فبأنه غير محل النزاع إذ محل النزاع فعل قائم بالغير وهذا ليس كذلك بل مجموع بعضه قائم بنفسه وبعضه قائم بذلك البعض والمجموع يعد قائمًا بنفسه لا بغيره.
وأما ثانيًا: فبأن للقدرة تعلقًا حادثًا به الحدوث ضرورة وهذا التعلق إذا نسب إلى العالم فهو صدوره عن الخالق أو إلى القدرة فهو إيجابها له أو إلى ذى القدرة فهو خلقه فالخلق كون الذات تعلقت قدرته به وهذه النسبة قائمة بالخالق وباعتبارها اشتق له فيصح ما ذكرنا من الدليل على وجوب القيام لأنا لا نعنى به كونها صفة حقيقية بل سائر الإضافات قائمة بمحالها وكذا ما ذكرتم من الدليل على أنه ليس أمرًا حقيقيًا مغايرًا للمخلوق فإنه يدل على أنه ليس أمرًا حقيقيًا مغايرًا فكان الحمل على هذا واجبًا جمعًا للأدلة.
стр. 641
قوله: (ويقولون) إشارة إلى دفع ما أورد عليهم من أنه لو جاز إطلاق المتكلم عليه باعتبار كلام يخلقه فى جسم لجاز المتحرك والأسود والأبيض باعتبار خلقه تلك الصفات فى مجالها، وذلك لأنه قد ثبت إطلاق المتكلم عليه وقام البرهان على امتناع قيام الكلام به فلزم القول بأن معنى المتكلم فى حقه خالق الكلام فى جسم ولا كذلك مثل المتحرك والأسود والأبيض.
قوله: (الاستقراء يفيد القطع) يعنى حصل لنا من تتبع كلام العرب حكم كلى قطعى بذلك كوجوب رفع الفاعل، وإن كان الاستقراء فى نفيه لا يفيد إلا الظن.
قوله: (لا نسلم أنه الأثر) مبنى على ما هو الحق من أن التأثير ليس محو الأثر.
قوله: (لكان هو التأثير) المستلزم للأثر ضرورة ومبناه على نفى كون التكوين صفة حقيقية أزلية فيكون لها المكوّنات الحادثة فى أوقاتها.
قوله: (إذ محل النزاع) يعنى أن النزاع فيما إذا اشتق اسم الفاعل لشئ والفعل قائم بغيره وإطلاق الخالق على اللَّه تعالى باعتبار الخلق الذى هو عين المخلوق ليس كذلك لأن المخلوق ليس فعلًا قائمًا بالغير بل مجموعًا بعضه قائم بنفسه كالجواهر وبعضه بذلك البعض كالأعراض، والمجموع من حيث هو المجموع يعدّ قائمًا بنفسه لا بغيره كالجسم المركب من المادة والصورة يعدّ قائمًا بنفسه وإن كان بعض أجزائه قائمًا بالبعض، ولا يخفى عليك أن قوله لا بغيره أى غير ذلك المجموع مما لا معنى له فى هذا المقام بل المناسب أن يذكر أنه ليس قائمًا بغير الخالق على أن ههنا مناقشة أخرى وهى أن المجموع إذا كان قائمًا بنفسه كان قائمًا بغير الخالق ضرورة ويندفع بأن معنى قيامه بنفسه أنه ليس قائمًا بشئ أصلًا ولما كان هذا الجواب ضعيفًا، أما أوّلًا فلأن معنى قولنا لا يشتق اسم الفاعل لشئ والفعل قائم بغيره أنه يجب أن يكون قائمًا بذلك الشئ البتة لأن الفعل لا بد له من القيام بشئ، وأما ثانيًا فلأن إطلاق الخالق ليس يجب أن يكون باعتبار جميع المخلوقات بل يصح باعتبار الأفعال والصفات القائمة بالغير أيضًا كضرب زيد وقتل عمرو وبياض الجسم إلى غير ذلك، وأما ثالثًا فلأنهم يزعمون أن الخلق هو الموجود واتصاف العالم بالوجود وهو قائم بالغير أجاب بوجه آخر تحقيقه أن الذات قديم وكذا القدرة فلا بد من أمر حادث تحدث عنده الحوادث وهو تعلق القدرة فهذا
стр. 642
التعلق من حيث انتسابه إلى العالم صدور العالم، ومن حيث انتسابه إلى القدرة إيجاب القدرة للعالم، ومن حيث انتسابه إلى الذات الموصوفة بالقدرة القديمة هو خلق العالم فمعنى تعلقه بالخالق واتصاف الخالق به وليست صفة حقيقية متقررة فيه ليلزم كون التقديم محلًا للحوادث وبهذا يحصل الجمع بين دليلنا الدال على وجوب كون الفعل قائمًا بما اشتق اسم الفاعل له، ودليلهم الدال على امتناع كون الخلق أمرًا محققًا مغاير للمخلوق.
قوله: (لا يشتق اسم الفاعل) إنما قيد باسم الفاعل، لأن اسم المفعول يجوز فيه ذلك وفيه بحث يظهر بالتأمل فى الفرق بين معنيى مصدر المجهول ومصدر المعلوم وأريد به معناه المشهور أو ما يتناول الصفة المشبهة واسم التفضيل إذا كان للفاعل أيضًا وبالفعل معنى المصدر قال فى الأحكام: وهل يشترط قيام الصفة المشتق منها بما له الاشتقاق؟ وهل يلزم الاشتقاق من الصفة المعنوية لمن قامت به؟ فذلك مما أوجبه أصحابنا ونفاه المعتزلة؛ وكأنه اعتبر الصفة احترازًا عن مثل لابن وتامر مما اشتق من الذوات فإن المشتق منه ليس قائمًا بما له الاشتقاق وقال فى المحصول: اختلفوا فى أن المعنى القائم بالشئ هل يجب أن يشتق له منه اسم؟ ثم قال: وإذا لم يشتق لمحله منه اسم فاعل فهل يجوز أن يشتق لغير ذلك المحل منه اسم؟ فعند أصحابنا لا، وعند المعتزلة نعم؛ فالمصنف اقتصر على إحدى المسألتين موافقًا لنقل المحصول.
قوله: (بل كلام) أى بل باعتبار كلام حاصل لجسم كاللوح المحفوظ وغيره ويقولون: لا معنى لكونه متكلمًا إلا أنه يخلق الكلام فى الجسم، فإن قيل: فلعل المتكلم عندهم يطلق على معنيين أحدهما: المشهور، وثانيهما: خلق الكلام والمتكلم إنما ينطلق عليه تعالى مأخوذًا من المعنى الثانى وهو قائم به تعالى قلنا: المتكلم والمتكلم وسائر تصاريفه مشتقة من الكلام فهو المشتق منه حقيقة ولم يقم به بل بغيره.
قوله: (الجواب لا نسلم أنه) أى كل واحد من القتل والضرب (الأثر) القائم بالمفعول (بل هو تأثير ذلك الأثر والتأثير قائم بفاعلهما) إذ لا شك أن هناك أثرًا وأنه إنما يحصل من تأثير قطعًا وأن الأثر قائم بالمفعول والتأثير بالفاعل، وما ذكرتم
стр. 643
إنما يتم لو كان القتل الذى اشتق منه الفاعل عبارة عن الأثر، أما إذا كان عبارة عن التأثير فلا، نعم يطلق القتل عليه أيضًا وهو المفعول المطلق فى قولك: قتلته قتلًا لكنه ليس بمصدر، وما قيل من أنه مصدر فمن التسامح الذى لا يضر فى المقاصد اللغوية ولا يجدى التدقيق فيه بطائل.
قوله: (باعتبار الخلق) لأنه مشتق منه وهو المخلوق الذى هو الأثر إذ لو كان غير المخلوق لكان هو التأثير إذ ليس له معنى ثالث اتفاقًا لكن لا تأثير يغاير الأثر وإلا لزم أحد المحذورين، وعبارة المتن هكذا: أطلق الخالق على اللَّه تعالى باعتبار المخلوق وهو الأثر؛ لأن الخلق المخلوق فقوله: لأن تعليل لإطلاقه عليه تعالى باعتبار المخلوق، لا لقوله: وهو الأثر فكأنه قيل: الإطلاق باعتبار الخلق والخلق هو المخلوق فإطلاقه باعتبار المخلوق الذى هو الأثر وليس قائمًا به تعالى.
قوله: (وهذا) أى الخلق بمعنى المخلوق (ليس كذلك) أى فعلًا قائمًا بالغير بل هو مجموع بعضه قائم بنفسه كالجوهر، وبعضه الآخر كالأعراض قائم بالبعض الأوّل، وهذا المجموع من حيث هو يعد قائمًا بنفسه لا بغيره، ومعنى الخلق الذى اشتق منه الخالق هو هذا المجموع لا كل واحد وحينئذ يخرج عن محل النزاع فإن بين إطلاقه على كل واحد وأن الاشتقاق بحسبه وأجرى الكلام فى الأعراض اقتصرنا على الجواب الثانى، ومنهم من قال: إنه خارج عن المتنازع فيه لأن الخلق بمعنى المخلوق ليس فعلًا فضلًا عن كونه فعلًا قائمًا بغيره تعالى ثم اعترض بالمخلوقات التى هى أفعال كضرب مثلًا، ولعل الشارح ﵀ لم يلتفت إلى هذا لأنه حمل الفعل على مدلول المصدر المشتق منه لا على الحدث.
قوله: (وأما ثانيًا فلأن للقدرة تعلقًا حادثًا به) أى بذلك التعلق الحادث (حدوث الأشياء ضرورة) إذ لولا تعلق القدرة بها على وجه يترتب عليه وجودها لم توجد الأشياء منه أصلًا ولولا حدوثه لم تكن حادثة بل قديمة، وهذا التعلق المخصوص إذا نسب إلى العالم فهو صدوره عن الخالق، أو إلى القدرة فهو إيجابها للعالم أو إلى ذى القدرة أعنى اللَّه سبحانه فهو خلقه للعالم فالخلق كون الذات تعلقت قدرته هذا هو الظاهر من العبارة، ويمكن أن يقال: إن هذا التعلق إذا نسب إلى العالم صار مبدأ وصف له هو صدوره عن الخالق أو إلى القدرة صار مبدأ وصف آخر هو الإيجاب أو إلى ذى القدرة صار مبدأ وصف آخر هو كونه تعلقت قدرته،
стр. 644
وهذه النسبة يعنى كون الذات تعلقت قدرته قائمة بالخالق تعالى وباعتبار هذه النسبة اشتق له اسم الخالق فيصح ما ذكرنا من الدليل الاستقرائى على وجوب قيام التعلق بما اشتق له اسم الفاعل لا بغيره؛ لأنا لا نعنى بقيامه كونه صفة حقيقية قائمة به بل ما هو أعم من ذلك فإن سائر الإضافات التى هى أمور اعتبارية لا تحقق لها فى الأعيان قائمة بمحلها وكذا يصح ما ذكرتم من الدليل على أن الخلق ليس أمرًا مغايرًا للمخلوق فإنه يدل على أن الخلق ليس أمرًا حقيقيًا موجودًا فى الأعيان مغايرًا للمخلوق وإلا لزم التسلسل أو القدم، أما إذا كان أمرًا اعتباريًا فلا يلزم شئ منهما لعدم احتياجه على تقدير حدوثه إلى تقدير آخر ونقول: التسلسل فى الاعتباريات جائز فكان حمل الخلق على هذا المعنى الذى ذكرناه واجبًا جمعًا للأدلة قيل: إنما قال ذلك، وإن كان المناسب جمعًا بين الدليلين؛ لأن أقل الجمع اثنان أو لأنه صار كالمثل السائر فيما بينهم، وبعضهم قرر الجواب الثانى بما حاصله: إن ما ذكرتم من الدليل يدل على جواز إطلاق الخالق باعتبار الخلق الذى ليس هو قائمًا به تعالى وما ذكرنا من الاستقراء يقتضى كون الخلق الذى اشتق منه الخالق قائمًا به تعالى فليجعل الخلق عبارة عن التعلق المذكور جمعًا بين الدليلين، فإن تعلق من حيث إنه بين القدرة والمخلوق ولم يكن قائمًا بذاته تعالى حقيقة فيصح دليلكم بهذا الوجه، ومن حيث إنه ليس قائمًا بما شرعه (١) بالكلية كان متعلقًا به فلا يلزم إهمال دليل أيضًا بخلاف ما لو حمل على المخلوق إذ يلزم ترك دليلنا بالكلية فتأمل وكن الحاكم الفيصل.
قوله: (من الصفة المعنوية) احتراز عن الصفة بمعنى: ما دل على ذات مبهمة باعتبار معنى هو المقصود، والمراد منها معنى قائم بالشئ وما ذكر فى المحصول من أن المعنى القائم بالشئ هل يجب أن يشتق له منه اسم موافق لذلك.
قوله: (موافقًا لنقل المحصول) ليس المراد أن الموافق يكون فى المحصول أيضًا بل المراد الموافق فى التقدير، فإن المشتقات التى ذكرها المصنف فى الأحكام هكذا هل يشترط قيام الصفة المشتق منها بما له الاشتقاق ويلزم من هذا أن اشتقاق اسم الفاعل للشئ باعتبار فعل حاصل لغيره، وهو المسألة المذكورة فى المحصول هكذا
стр. 645
لا يجوز أن يشتق لغير ذلك المحل ولا يخفى الموافقة بين ما ذكر فى المحصول وبين ما ذكره المصنف.
قوله: (وهو قائم به تعالى قلنا: التكلم) هذا لا ينافى (١) بالكلام أعم من أن يكون ذلك الكلام أو بغيره وإذا كان اللَّه تعالى خالقًا للكلام فى غيره فهو قد أتى به.
قوله: (من الدليل على أن الخلق ليس أمرًا مغايرًا للمخلوق) فالمراد بالدليل الأوّل على أصل المدعى، وبالدليل الثانى هو الدليل على تقدير الدليل باعتبار التقييد بالوجود الخارجى يقال قوله إذ لو كان غيره معناه إذ لو كان الخلق موجودًا مغايرًا للمخلوق فكأن هذا القائل يقول بالإطلاق باعتبار الخلق والخلق موجود قطعًا وهو بمعنى المخلوق أى الخلق الموجود الخارجى هو المخلوق لا الثانية وإلا لزم أحد المحذورين.
قوله: (فإن تعلق من حيث إنه بين القدرة) يجب أن لا يذكر كون الذات تعلقت قدرته ويعتبر فيه الجهتان باعتبار كل واحد منهما فصح دليل الخصم لكن يمكن حمل التعلق على كون الذات تعلقت قدرته، وأيضًا لا يلزم من كون ذلك التعلق بغير القدرة أن لا يكون قائمًا بذاته تعالى فلا يصح دليل الخصم من هذه الحيثية، وأيضًا لو كان الخلق فى هذا الدليل بمعنى التعلق لم يصح قوله وهو المخلوق وأيضًا يفهم من كلام هذا البعض أن المراد بالدليل ههنا هو الدليل على أصل المدعى، والقول بصحته من المجيب ينافى غرضه إذ لا يكون قصده إلى التوفيق بل الغرض إبطال دليل الخصم وأيضًا كان متعلقًا به يجتمع مع الحيثية المذكورة أوّلًا ولو ذكر مكانه كان قائمًا به لكان له وجه.
المصنف: (والقتيل للمقتول) تحريف وصوابه: والفعل للمفعول؛ لأن الكلام ليس فى قاتل فقط بل فيه وفى ضارب والفعل يشملهما وكذا قوله: والقتل التأثير صوابه: والفعل التأثير.
التفتازانى: (إشارة إلى دفع ما أورد عليهم. . . إلخ) رده فى التحرير بأنه لا تفصيل فى الحكم اللغوى بين من يمتنع القيام به فيجوز وبين من لا يمتنع قيام الوصف به فلا بل لو امتنع لم يضع له أصلًا فحيث صيغ له لزم قيامه به تعالى.
стр. 646
التفتازانى: (ومبناه على نفى كون التكوين صفة حقيقية أزلية. . . إلخ) قال فى التحرير: إنا بينا فى الرسالة المسماة بالمسامرة أن قول أبى حنيفة لا يفيد ما ذهبوا إليه يعنى المتأخرين من صفة التكوين وأنها قديمة وأنه قول مستحدث وقول أبى حنيفة: إنه تعالى خالق قبل أن يخلق ورازق قبل أن يرزق بالضرورة يراد به قدرة الخلق والرزق وإلا قدم العالم ويراد بصفة الخلق بالفعل تعلقها وهو عروض الإضافة للقدرة ويلزم حدوثه ولو صرح أبو حنيفة بأن المراد بصفة الخلق الخلق بالفعل وأنه حاصل قبل أن يخلق ولم يرد القدرة على الخلق فقد نفاه الدليل وهو لزوم قدم العالم. اهـ. بتوضيح من شرحه.
التفتازانى: (كان قائمًا بغير الخالق) أى الذى هو نفس الشئ وقوله يجب أن يكون قائمًا بذلك الشئ ألبتة أى والخالق قد أطلق على اللَّه ولم يقم به الخلق الذى هو بمعنى المخلوق أصلًا وإن لم يكن الخلق بهذا المعنى قائمًا بغير اللَّه لأنه نفس غير اللَّه لا شئ قائم به وقوله: ليس يجب أن يكون. . . إلخ. فيه أن المراد بالفعل الذى اعتبر قيامه بمن اشتق له مدلول المصدر المشتق منه لا الحدث مطلقًا.
التفتازانى: (ليس قائما بشئ أصلًا) أى وحينئذ لا يكون من محل النزاع وهو أن يكون المعنى قائمًا بغير ما له الاشتقاق وقوله: إنه يجب أن يكون قائمًا بذلك الشئ أى فحينئذ هو من محل النزاع لأن الخلق: لمعنى المخلوق ليس قائمًا بما له الاشتقاق وقوله لأن الفعل لا بد له من القيام بشئ ظاهر إذا كان المشتق منه حدثًا أو وصفًا وقوله هو الوجود واتصاف العالم بالوجود ممنوع ومن قال: إن الخلق وجود العالم فمراده العالم الموجود وقد تسامح فى العبارة وقوله: صدور العالم الظاهر أن يزاد بالقدرة حتى يصح أن يكون معنى لتعلق القدرة.
قوله: (لأن اسم المفعول يجوز فيه ذلك) أى: بناء على أن الضرب مثلًا صفة حيقية واحدة قائمة بالفاعل فقط وإنما له نسبة إلى المفعول بطريق العرض فمضروبية عمرو لزيد مثلًا ليست إلا ضرب زيد له لا غير هكذا فى مسلم الثبوت ثم قال: فتدبر قال شارحه: ولا يخفى على من له أدنى تدبر أن غاية ما لزم أن المصدر المجهول ليس صفة حقيقية بل اعتبارية ناشئة عن المصدر المعلوم وهذا لا ينافى الاشتقاق باعتباره فإنه كما يجوز الاشتقاق من الصفات الحقيقية يجوز الاشتقاق من الصفات الاعتبارية، نعم لو كانت اختراعية محضة لصح هذا
стр. 647
القول. اهـ باختصار ولعل المراد بالبحث الذى ذكره المحشى -قدس سره- هو ما قاله شارح مسلم الثبوت المذكور.
قوله: (وأريد به) أى باسم الفاعل.
قوله: (وبالفعل) عطف على قوله: به من قوله وأريد به وقوله: معنى المصدر أى المصدر المشتق منه سواء كان هذا المعنى حدثًا أو صفة أو غيرهما كالخالق من الخلق بمعنى المخلوق كما عند المعتزلة.
قوله: (هل يشترط قيام الصفة المشتق منها بما له الاشتقاق) أى فلا يصح إطلاق المشتق مع عدم تحقق المعنى لمن اشتق له فلا يصح عالم لمن لم يقم به العلم أولًا يشترط فيصح وعلى هذا الأخير المعتزلة فى نفيهم الصفات الذاتية فاللَّه عالم بلا علم وذات اللَّه تعالى يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة فليس إلا الذات ويترتب عليها انكشاف المعلومات وهكذا القادر والمريد والمحيى والمميت وهناك عالمية ولا علم والعالية عبارة عن تعلق الذات بالمعلومات وقوله: وهل يلزم الاشتقاق من الصفة المعنوية. . . إلخ. مسألة أخرى حاصلها أنه لا يشتق إلا من صفة قائمة بمن له الاشتقاق ولا يصح الاشتقاق والمعنى قائم بغير من له المشتق فلا يصح متكلم إلا إذا كان الكلام قائمًا به لا بغيره أو يشتق والمعنى قائم بالغير فهما مسألتان كما درج على ذلك صاحب مسلم الثبوت فقال فى الأولى: مسألة شرط المشتق صدق أصله لامتناع تحقق الكل بدون الجزء خلافًا للمعتزلة فى صفات البارى قالوا بعالميته تعالى دون علمه، قال الشارح: فاعترفوا بصدق العالم المشتق من غير تحقق أصله الذى هو العلم قال المصنف هربًا من لزوم تعدد القدماء وأما العالمية فإنما هى من النسب، والجواب أن الممتنع تعدد قدماء هى ذوات وأما الصفات فواجبة للذات لا بالذات. اهـ. قال الشارح ولمطالع الأسرار هنا كلام يجب التنبه له وهو أن العلم وغيره من الصفات يطلق على معنيين؛ أحدهما المعنى المصدرى المفهوم للكافة الثانى ما به الانكشاف ويترتب عليه هذا المفهوم فالثانى عندهم فى البارى نفس ذاته فإن ذاته بذاته تنكشف الأشياء عنده ولا ينظر فى انكشاف الأشياء إلى أمر آخر يقوم به كما نحتاج نحن إلى أمر زائد على ذاتنا فى انكشاف الأشياء والمشتق منه لهذه المشتقات هو المعنى الاعتبارى الأمل القائم بذاته تعالى وليس يلزم لصدق المشتق قيام المبدأ قيامًا انضماميًا ألا ترى
стр. 648
مشتقات الأمور الاعتبارية كيف يصدق على الذوات التى تنتزع الاعتباريات عنها فهم لا يقولون بصدق المشتق من غير قيام المبدأ وهذا أولى مما قيل إن المعتبر من صدق المشتقات القيام الأعم من القيام بنفسه بمعنى سلب القيام بالغير وهذا متحقق فإنه عسى أن يكون صحيحًا لكن عبارات أمثال الزمخشرى والسكاكى مع تصلبهما فى شناعتهما من الاعتزال لا تساعده. اهـ. وقال فى الثانية مسألة لا يشتق اسم الفاعل لشئ والفعل قائم بغيره خلافًا للمعتزلة فإنهم قالوا: إنه تعالى متكلم ولا كلام له لعدم قولهم بالكلام النفسى واللفظى حادث لا يقوم به بل كلامه قائم بجسم هو يخلقه فيه قال فى شرحه قال فى مطالع الأسرار الإلهية: إن أخذوا الخلاف من مسألة الكلام فليس بسديد فإن المتكلم عندهم مشتق من التكلم وهو إحداث الكلام لإفادة المعنى والإحداث قائم بذاته وقالوا فى تحقيق الكلام: إن ههنا كلامًا لفظيًا هو هذا النظم المقروء وقدرة على تأليفه على الوجه المخصوص فهذه القدرة نفس ذاته تعالى فهو بذاته تعالى يقدر على هذا التأليف لا بقدرة زائدة كما أنا نقدر بقدرة زائدة فهذا التأليف يقال له: التكلم هذا وقد عرفت فيما مر أن هذه التمحلات باطلة قطعًا لدلالة الإجماع القاطع على أن الكلام صفة مستقلة غير القدرة والإرادة والعلم وهذه صفة حقيقة قديمة والتكلم عندنا ليس إلا الاتصاف بتلك الصفة أو التأليف مطابقًا لتلك الصفة. اهـ باختصار. لكن فيما ذكره نظر من جهة أن التكلم والمتكلم وسائر تصاريفه مشتقة من الكلام ولم يقم به بل بغيره كما سيأتى.
قوله: (من الصفة المعنوية) المراد بها المعنى القائم بالغير وقوله: على إحدى المسألتين قد عرفتهما مما مر وقوله: موافقًا لنقل المحصول أى حيث اقتصر على إحدى المسألتين وهى ما ذكره المصنف.
قوله: (فإن قيل فلعل. . . إلخ) يعنى فلم تخالف المعتزلة فى إطلاق المشتق على من له مبدأ الاشتقاق لأن المتكلم بمعنى الموجد للكلام والإيجاد قائم به تعالى وقوله: أحدها المشهور هو الاتصاف بالكلام وقوله: قلنا التكلم. . . إلخ. وأيضًا أنهم ذكروا الضارب والقاتل وأن الفعل فيهما قائم بالمفعول.
قوله: (لا لقوله وهو الأثر) لأن دليل كونه الأثر هو أنه لو كان غيره. . . إلخ.
قوله: (قائمًا بنفسه لا بغيره) ظاهره أنه لو قام بغيره أى بغير نفسه لصح مع أنه
стр. 649
ليس كذلك فلا مدخل لقوله لا بغيره بل الذى له دخل أنه ليس قائمًا باللَّه تعالى ويجاب بأن له دخلًا من حيث محل النزاع وأنه لو قام بغيره كان من حل النزاع حيث كان غيره هو غير الخالق وبهذا التوجيه يندفع اعتراض السعد بقوله لا معنى له فى هذا المقام.
قوله: (اقتصرنا على الجواب الثانى) لأنه يكون من محل النزاع إذ الخالق قد أطلق والخلق الذى هو المخلوق من الأعراض قائم بالغير وهو جواهر المخلوقات فيفيد مطلوب المعتزلة فلا بد فى دفعه من الجواب الثانى لا الأول.
قوله: (ومنهم من قال) أى فى معنى الجواب الأول.
قوله: (لأنه حمل الفعل) أى فى قوله والفعل قائم بغيره على مدلول المصدر أى وذلك محقق فى الخالق من الخلق بمعنى المخلوق.
قوله: (من الدليل الاستقرائى على وجوب قيام التعلق بما اشتق له) لعل الأولى على وجوب قيام الوصف المشتق منه بما اشتق له وهو مدعى المصنف والجمهور.
قوله: (من الدليل على أن الخلق ليس أمرًا مغايرًا للمخلوق) كون الخلق أمرًا مغايرًا للمخلوق وليس هو أصل الدعوى للمعترلة لأن أصلها إطلاق الخالق من الخلق؛ بمعنى المخلوق وهو ليس قائمًا به فكأنهم قالوا: والخلق ليس مغايرًا للمخلوق لأنه لو كان غيرًا لكان هو التأثير فيحمل الغير على الغير الحقيقى يصح دليلهم على أن الخلق ليس مغايرًا للمخلوق لأنه ليس أمرًا حقيقيًا مغايرًا له وإن كان لا يفيد فى أصل الدعوى وهو أن الخلق المشتق منه الخالق بمعنى المخلوق وهذا هو المراد.
قوله: (لعدم احتياجه على تقدير حدوثه إلى تقدير آخر أو نقول التسلسل فى الاعتباريات جائز) رده شارح مسلم الثبوت بأن هذا التسلسل فى جانب المبدأ وهو باطل قطعًا اعتبارية كانت أو حقيقية، وهى لا تنقطع عن الواقع بانقطاع الاعتبار فإنها لو انقطعت لزم عدم العالم لأنها علل والحق أن يقال: إن هذا التعلق قديم لكن تعلق بأن يوجد المعلول بعد علة كذا فحينئذ لا يلزم القدم ولا التسلسل. اهـ.
قوله: (فإن تعلق. . . إلخ) تحريف وصوابه فإن التعلق من حيث إنه بين القدرة والمخلوق لم يكن قائمًا به تعالى؛ فقوله لم يكن قائمًا به تعالى خبران فذكر الواو داخلة على: لم يكن قائمًا به فى غير محله.
стр. 650
قوله: (ليس قائمًا بشرعه بالكلية) تحريف وصوابه: ليس مباينًا عنه بالكلية.
قوله: (فلا يلزم إهمال دليل أيضًا) فيه تحريف وصوابه فلا يلزم إهمال دليلنا أيضًا وعبارة الأصفهانى فيجعل الخلق عبارة عن التعلق الحاصل بين المخلوق والقدرة حالة الإيجاد توفيقًا بين الدليلين بأن يعمل بكل من الدليلين من وجه دون وجه فإنه باعتبار أن يكون التعلق نسبة بين القدرة والمخلوق لم يكن قائمًا بذات اللَّه تعالى بالحقيقة فلا يلزم إهمال دليلكم فإنه قد عمل به من حيث إنه لم يحمل الخلق على معنى قائم به بالحقيقة وباعتبار أن يكون متعلقًا بالقدرة القائمة به تعالى لم يكن مباينًا عنه بالكلية بل يكون متعلقًا به لأن التعلق بالصفة القائمة به متعلق به الضرورة فيجوز أن يشتق من الخالق تعالى بهذا الاعتبار فلا يلزم إهمال دليلنا بالكلية لأنه قد عمل به من حيث إنه لم يحمل على الأثر المباين لذاته أما إذا حمل الخلق على المخلوق كما ذكرتم يلزم الترك لدليلنا بالكلية ضرورة كون المخلوق أمرًا منفصلًا عن ذاته وإذا حمل على فعل قائم به بالحقيقة كما ذكرنا أولا يلزم الترك لدليلكم بالكلية والترك لأحد الدليلين على خلاف الأصل لأن الأصل فى الدليل إعماله لا إهماله. اهـ. فأنت تراه جعل دليل الخصم على دعواه صحيحًا من وجه كما جعل دليلنا صحيحًا من وجه وهو يقتضى صحة المذهبين مع أن المجيب ليس مراده إلا تصحيح مذهب الجمهور وإبطال مذهب أهل الاعتزال فلا يصح حمل الجواب على ذلك بل يتعين حمله على الأول ولذا قال المحشى: فتأمل وكن الحاكم الفيصل أى فتعرف أن هذا الوجه ليس صحيحًا وأن الوجه الأول هو المتعين.
стр. 651
قال: (مسألة: الأسود ونحوه من المشتقات يدل على ذات متصفة بسواد لا على خصوص من جسم وغيره بدليل صحة الأسود جسم).
أقول: الأسود وغيره من المشتقات إنما يدل على ذات ما مبهمة باعتبار صفة معينة لا على خصوصية الذات من كونه جسمًا أو غيره بدليل صحة قولنا: الأسود جسم فإنه يفيد فائدة جديدة وليس مثل قولنا: الجسم ذو السواد جسم ولولا ذلك لا صح وكان نحو قولنا: الإنسان حيوان فإنه لا يعد مفيدًا وإن صح الحمل.
قوله: (الأسود وغيره) الأولى الأسود ونحوه على ما فى المتن ليخرج أسماء الزمان والمكان والآلة فإنها تدل على خصوصية الذات بكونه زمانًا أو مكانًا أو آلة مثل المقتل ليس معناه شيئًا ما يقع فيه القتل بل مكان أو زمان يقع فيه القتل، ولهذا لم يكن من الصفات فلم يصح مكان مقتل كما يصح مكان مقتول فيه، وفى قوله: باعتبار صفة معينة إشارة إلى أن المراد أن الأسود ونحوه يدل على ذات متصفة بسواد ونحوه من الصفات المعينة التى تتضمنها المشتقات وإلا فعلى ظاهر لفظ المتن مؤاخذة وهى أنه يقتضى أن الأبيض وكذا غيره من الصفات يدل على ذات متصفة بالسواد، وفى قوله فإنه يفيد إشارة إلى أن المراد بالصحة ههنا إفادة فائدة جديدة، وفى قوله: وكان نحو قولنا الإنسان حيوان إشارة إلى رد ما ذكره العلامة من أن قولنا: الإنسان حيوان صحيح مفيد ليس مثل قولنا الحيوان الناطق حيوان لأن مدلول الإنسان لغة ليس هو الحيوان الناطق.
قوله: (ولولا ذلك) أى لولا عدم دلالته على خصوصية الجسم لما صح عرفًا قولنا: الأسود جسم إذ لا يفيد فائدة جديدة فيعدّ لغوًا.
التفتازانى: (لتخرج أسماء الزمان. . . إلخ) رده الأبهرى بأنها داخلة وهى مبهمة باعتبار عدم تعين المكان والزمان وهو غير ظاهر.
التفتازانى: (إلى أن المراد بالصحة إفادة فائدة جديدة) الأولى أن يقول: إلى أن المراد بالصحة الصحة العرفية وذلك بأن يفيد اللفظ فائدة جديدة.
стр. 652
قال: (مسألة: لا تثبت اللغة قياسًا خلافًا للقاضى وابن سريج وليس الخلاف فى نحو رجل ورفع الفاعل أى لا يسمى مسكوت عنه إلحاقًا بتسمية لمعين لمعنى يستلزمه وجودًا وعدمًا كالخمر للنبيذ للتخمير والسارق للنباش للأخذ خفية والزانى للائط للوطء المحرم إلا بنقل أو استقراء بالتعميم لنا إثبات اللغة بالمحتمل قالوا: دار الاسم معه وجودًا وعدمًا، قلنا: ودار مع كونه من العنب وكونه مال الحى وقبلا قالوا: ثبت شرعًا والمعنى واحد قلنا: لولا الإجماع لما ثبت وقطع النباش وحد النبيذ إما لثبوت التعميم وإما بالقياس لا لأنه سارق أو خمر بالقياس).
أقول: قد اختلف فى جواز إثبات اللغة بالقياس فجوّزه القاضى أبو بكر وابن سريج وبعض الفقهاء والأصح منعه ولا بد من تحرير محل النزاع أولًا ليتوارد النفى والإثبات على محل واحد فنقول: ليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالنقل كالرجل والضارب أو بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، وإنما الخلاف فى تسمية مسكوت عنه باسم إلحاقًا له بمعين سمى بذلك الاسم لمعنى تدور التسمية به معه وجودًا وعدمًا فيرى أنه ملزوم التسمية فأينما وجد وجب التسمية به كتسمية النبيذ خمرًا إلحاقًا له بالعقار لمعنى هو التخمير للعقل المشترك بينهما الذى دار معه التسمية فما لم يوجد فى ماء العنب لا يسمى خمرًا بل عصيرًا وإذا وجد فيه سمى به وإذا زال عنه لم يسمّ بل خلًا وكذلك تسمية النباش سارقًا للأخذ بالخفية واللائط زانيًا للإيلاج المحرم إلا أن يثبت فى شئ من هذه الصور نقل أو استقراء فيخرج عن محل النزاع فلا يكون المثال مطابقًا ولا يضر فإن المثال يراد للتفهيم لا للتحقيق لنا أن القياس فى اللغة إثبات اللغة بالمحتمل وهو غير جائز.
أما الأولى: فلأنه يحتمل التصريح بمنعه كما يحتمل باعتباره بدليل منعهم طرد الأدهم والأبلق والقارورة والأجدل والأخيل وغيرها مما لا يحصى فعند السكوت عنهما يبقى على الاحتمال.
وأما الثانية: فلأنه بمجرد احتمال وضع اللفظ للمعنى لا يصح الحكم بالوضع فإنه تحكم باطل وأيضًا يجب الحكم بوضع اللفظ بغير قياس إذا قام الاحتمال وهو باطل بالاتفاق.
قالوا: أولًا: دار الاسم مع المعنى وجودًا وعدمًا فدل على أنه المعتبر، لأن الدوران يفيد ظن العلية.
стр. 653
الجواب: المعارضة على سبيل القلب بأنه دار أيضًا مع المحل ككونه ماء العنب ومال الحى ووطأ فى القبل فدل على أنه معتبر كما ذكرتم فالمعنى جزء العلة فلا يستلزم.
قالوا: ثانيًا: ثبتا القياس شرعًا فيثبت لغة إذ المعنى الموجب للثبوت فيهما واحد وهو الاشتراك فى معنى يظن اعتباره بالدوران.
الجواب: لا نسلم أن المعنى واحد إذ المعنى فى الشرع بالحقيقة هو الإجماع على ثبوته أو ذلك مع الإجماع ولم يتحقق ههنا فإن قيل: فبِمَ أوجب الشافعى ﵀ قطع النباش وحد النبيذ قلنا: ذلك إما لثبوت تعميم السرقة والخمر بالنقل وإما لقياسهما على السارق والخمر قياسًا شرعيًا فى الحكم لا لأنه يسمى سارقًا وخمرًا بالقياس فى اللغة.
قوله: (إلا بنقل) الظاهر أنه استثناء عن قوله: لا يسمى لكن لما لم يستقم الاتصال لأنه لا سكوت عند النقل والاستقراء فى الانقطاع أيضًا تكلف جعله الشارح راجعًا إلى الأمثلة المذكورة ويؤيده ما سيجئ أن الشافعى ﵀ ربما يدعى فى النبيذ والنباش ثبوت التعميم.
قوله: (وإنما الخلاف فى تسمية مسكوت عنه) أى معنى لم يعلم بالنقل ولا الاستقراء أنه من أفراد مسمى ذلك الاسم وقوله: إلحاقًا علة التسمية ولمعنى علة الإلحاق وضمير به فى الموضعين لذلك الاسم وضمير معه وإنه ووجد لمعنى، وقوله فى المتن: إلحاقًا أى لأجل الإلحاق بالغير والقياس عليه وقوله بتسمية أى باسم موضوع لمعين متعلق بلا يسمى وهم يعبرون عن الاسم بالتسمية لئلا يذهب الوهم إلى نفس المسمى حيث يجعلون الاسم هو المسمى كما يعبرون عن اللفظ الحادث بالقراءة والكتابة دون المقروء والمكتوب، وقوله بمعنى متعلق بإلحاقًا أى بسبب معنى يستلزم ذلك الاسم المعبر عنه بالتسمية ويجوز أن يكون قوله: بتسمية متعلقًا بإلحاقًا والمعنى على المصدرية وبمعنى متعلق بتسمية أى إلحاقًا لتسمية المسكوت عنه بتسمية لعين بسبب معنى يستلزم التسمية وتذكير الضمير باعتبار أن المصدر بمعنى: أن والفعل.
قوله: (وجب التسمية) فإن قيل: قد سبق أن الخلاف فى الجواز قلنا: المراد
стр. 654
بالوجوب ههنا الثبوت ولو سلم فالمعنى أنهم اختلفوا فى أنه هل يحوز أن يثبت بالقياس وجوب كون المسكوت عنه مسمى باسم؟ .
قوله: (وأما الثانية) أى المقدمة القائلة: بأن إثبات اللغة بالاحتمال غير جائز فلأنه تحكم أى حكم بوقوع أحد طرفى الحكم من غير رجحان ولأنه موجب للحكم أى مستلزم لصحة الحكم بالوضع من غير قياس عند قيام الاحتمال وكلاهما باطل بالاتفاق، فقوله: لأنه بمجرد احتمال وضع اللفظ للمعنى لا يصح الحكم بالوضع إعادة للدعوى بطريق أوضح والدليل هو لزوم التحكم ولقائل أن يقول: إن أريد مجرد الاحتمال من غير رجحان على ما صرح به فى المنتهى حيث قال لنا إثبات اللغة بالوهم أو الشك فالمقدمة الأولى ممنوعة وما ذكر فى إثباتها لا يفيد لأن احتمال التصريح بالمنع والاعتبار ليس على السواء، وإن أريد مطلق الاحتمال فالثانية لجواز أن يكون احتمالًا راجحًا فلا يلزم التحكم ولا صحة الحكم بالوضع بمجرد الاحتمال من غير قياس.
قوله: (الجواب المعارضة على سبيل القلب) يعنى أن ما ذكرتم وإن دل على جواز إثبات اللغة بالقياس بناء على غلبة الظن بعلية المعنى فعندنا ما ينفيه بناء على إقامة الدليل على عدم عليته، وكما كان استدلالكم بالدوران فكذا استدلالنا فيكون معارضة على سبيل القلب إلا أن فيه بحثًا وهو أن الدوران يفيد ظن العلية لا مجرد اعتبار المدار فى العلية وحيتئذ يحصل ظن علية كل من المشترك والخصوصية على تقدير ثبوت المدارية وجودًا وعدمًا، ولا يلزم كون المشترك جزء علة وبهذا يظهر فساد ما ذكر بعض الشارحين من أن المراد أن الاسم كما دار مع المشترك دار مع الخصوصية فكما جاز عليه هذا جاز عليه ذاك فيكون الإثبات بالمشترك إثباتًا بالمحتمل من غير رجحان، ولو أريد أن المدار هو المجموع لا المشترك وحده كان هذا منعًا بمدارية المشترك لا معارضة وكلام العلامة فى هذا المقام مختل جدًّا، وذلك أنه جعل المذكور فى معرض الاستدلال مناقضة لدليلنا أى لا نسلم أن علية المشترك ليست أولى من عدم عليته حتى يلزم الإثبات بالمحتمل وكذا المذكور فى معرض الجواب أى لا نسلم أن الدوران يدل على ما ذكرتم بل هو أمارة عليه كما هو أمارة على غيره من غير ترجيح لأحد المحتملين.
قوله: (ثبت القياس شرعًا) فإن قيل: هذا إثبات القياس بالقياس فلا يقوم على
стр. 655
المنكرين مطلقًا ولا على المعترفين به فى الشرعيات خاصة، قلنا بل إثبات للحكم بدليله إلزامًا على القائلين فى الشرعيات خاصة.
قوله: (أو ذلك) أى الاشتراك فى اعتباره مع الإجماع ولم يتحقق فى القياس فى اللغة الإجماع فانتفى المعنى الموجب بالكلية أو بأحد جزأيه.
قوله: (ليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالنقل كالرجل والضارب) فإن مسمى الأوّل ذكر من ذكور بنى آدم وأصل حد البلوغ ومسمى الثانى ذات ما له الضرب علم ذلك بالنقل فلا يكون إطلاق شئ منهما فى موارده المشتملة على هذا المسمى، وإن لم يسمع من أهل اللغة قياسًا إذ تعميمه فيهما باعتبار عموم مسماه إياها.
قوله: (أو بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول) إذ حصل لنا باستقراء جزئيات الفاعل مثلًا قاعدة كلية هى: أن كل فاعل مرفوع لا شك فيها؛ فإذا رفعنا فاعلًا لم يسمع رفعه منهم لم يكن قياسًا لاندراجه تحتها.
قوله: (لمعنى) يتعلق بقوله: إلحاقًا لا بقوله: سمى.
قوله: (تدور التسمية به) أى بذلك الاسم مع ذلك المعنى وجودًا وعدمًا فيظن أن المعنى ملزوم التسمية فأينما وجد المعنى وجب التسمية بذلك الاسم.
قوله: (إلا أن يثبت) أى لا يسمى السكون فى الأمثلة المذكورة بهذه الأسماء إلا أن يثبت فى شئ من هذه الصور.
قوله: (أما الأولى) أى المعنى الذى دار معه التسمية وجودًا وعدمًا (فلأنه يحتمل التصريح) من الواضع بمنع اعتباره والتعدية بسببه (كما يحتمل) التصريح منه (باعتباره) والتعدية.
قوله: (بدليل) يتعلق بالاحتمال المشبه أى: يحتمل التصريح بالمنع بدليل منعهم طرد الأدهم والأبلق فى غير الفرس مع أن الأوّل دائر مع السواد وجودًا وعدمًا، والثانى مع التخطيط من السواد والبياض فقد منع ههنا من اعتبار المعنى والتعدية فى محاله وكذا القارورة والأجدل والأخيل وغيرها كالسماك مثلًا دائر مع معنى القرار والقوّة والخيلان والسموك ولا يجوز التعدية بها فعند سكون الواضع عن التصريح بالمنع والاعتبار كما فى صورة النزاع يبقى المعنى على الاحتمال ويترتب
стр. 656
عليه احتمال الوضع.
قوله: (وأيضًا يجب) أى يلزم من الحكم بالوضع: لمجرد الاحتمال الحاصل من ملاحظة المعنى، الحكم بالوضع بغير قياس إذا قام الاحتمال؛ لأنه بالحقيقة مناط الحكم فبطل ما قيل من أن هذا الوجوب شرعى أو عقلى.
قوله: (لأن الدوران يفيد ظن العلية) فيكون المعنى علة للاسم فأينما وجد وجد كما هو مقتضى العلية.
قوله: (بأنه) أى الاسم (دار أيضًا مع) تعين (المحل) منضمًا إلى ما ذكرتم (ككونه ماء العنب ومال الحى ووطأ فى القبل فدل) الدوران (على أن المحل معتبر معه كما ذكرتم فالمعنى جزء العلة) المركبة منه ومن تعين المحل (فلا يستلزم) الاسم ولا يكون علة.
قوله: (ثبت القياس شرعًا) لا يقال: هذا قياس فى اللغة فيكون إثباتًا للشئ بنفسه؛ لأنا نقول: هذا قياس فى ثبوت القياس فى اللغة لا قياس فى اللغة نعم إنما ينهض حجة على من اعترف بالقياس فى غير الشرعيات.
قوله: (الجواب لا نسلم أن المعنى) أى: الأمر الموجب للقياس (واحد) فيهما (إذ المعنى) الموجب له (فى الشرع بالحقيقة هو الإجماع على ثبوت القياس فيه أو ذلك) المعنى الذى يظن اعتباره بالدوران أو غيره (مع الإجماع ولم يتحقق) الإجماع على ثبوت القياس فى اللغة فإن قلت: إذا أمكن إلحاق شارب النبيذ بشارب الخير والنباش بالسارق فى الحكم قياسًا شرعيًا فهل لثبوت القياس فى اللغة لو ثبت فائدة فى ذلك؟ قلت: إذا سلم أن القياس الشرعى لا يجرى فى الحدود والكفارات كما هو مذهب الحنفية أمكن إثبات اندراجهما تحت النصوص بالقياس فى اللغة فيثبت الحكم بالنص لا بالقياس.
المصنف: (ورفع الفاعل) ظاهر على أن الأعرابى لفظى وأن الحركات ألفاظ أما على غير ذلك فغير ظاهر.
الشارح: (والأجدل) هو الصقر وقوله: والأخيل هو الصرد أو طير مشئوم.
التفتازانى: (وضمير به فى الموضوعين) أى قوله: تدور التسمية به وقوله: وجب التسمية به.
стр. 657
التفتازانى: (وقوله بمعنى متعلق بإلحاق) لعل النسخة التى وقعت له بمعنى لا لمعنى والصواب لمعنى وهو متعلق بتسمية فيكون ظرفًا لغوًا بخلاف الحل الأول فهو متعلق بمحذوف صفة لتسمية بمعنى اسم.
التفتازانى: (ليس على السواء) رد بأن المراد التسوية بحسب عدم التعرض لشئ منهما ويكفى فى ذلك أن الأصل عدم الرجحان.
التفتازانى: (لا مجرد اعتبار المدار فى العلية) أى الصادق بكونه جزء علة كما قال الشارح وقوله: وحينئذ أى حينئذ كان الدور أن يفيد ظن العلية لا مجرد اعتبار المدار فى العلية فالحاصل إنما هو ظن علية كل من المشترك والخصوصية ولا يلزم كون المشترك جزء علة كما قال الشارح.
التفتازانى: (وبهذا يظهر فساد ما ذكر بعض الشارحين. . . إلخ) لعل الأولى صحة ما ذكر بعض الشارحين.
التفتازانى: (أنه جعل المذكور فى معرض الاستدلال) أعنى قوله: دار مع الاسم وجودًا وعدمًا فإنه ذكر فى معرض الاستدلال على إثبات اللغة قياسًا.
التفتازانى: (حتى يلزم الإثبات بالمحتمل) أى كما هو مقتضى الدليل على أن اللغة لا تثبت بالقياس.
التفتازانى: (وإذا المذكور فى معرض الجواب) أعنى قوله: ودار مع كونه من العنب فإنه جواب عن دليلهم فجعله العلامة ردًا للمناقضة على دليلنا وتصحيحًا له مع أنه جواب عن دليلهم ورد له فى ذاته.
التفتازانى: (إلزامًا على القائلين. . . إلخ) أى: يلزمهم حيث أثبتوا القياس فى الشرعيات إثباته فى اللغة.
التفتازانى: (أى الاشتراك فى اعتباره) فيه سقط وأصله: أى الاشتراك فى معنى يظن اعتباره.
قوله: (أى لا يسمى المسكوت عنه. . . إلخ) هذا الحل غير ظاهر والظاهر ما قاله السعد.
قوله: (أما الأولى أى بالمعنى. . . إلخ) تحريف من الطبع وحقه أن يكون أى المعنى تفسيرًا للضمير فى قوله: فلأنه فأصل النسخة هكذا قوله: فلأنه أى المعنى
стр. 658
الذى دار معه التسمية وجودًا وعدمًا يحتمل التصريح من الواضع. . . إلخ. وذلك لأن الأولى ليس المعنى الذى دار. . . إلخ. بل هو أن القياس فى اللغة إثبات اللغة بالمحتمل.
قدس سره: (نعم إنما ينهض. . . إلخ) بهذا يرد على السعد فى قوله: بل إثبات للحكم بدليله إلزامًا. . . إلخ؛ لأن الدليل المذكور هو القياس غير الشرعى فلا يقوم حجة على من اعترف به فى الشرعيات خاصة.
стр. 659
قال: (مسألة: الحروف معنى قولهم الحرف لا يستقل بالمفهومية أن نحو من وإلى مشروط فى دلالتها على معناها الإفرادى ذكر متعلقها ونحو الابتداء والانتهاء وابتدأ وانتهى غير مشروط فيها ذلك وأما نحو ذو وفوق وتحت وإن لم تذكر إلا بمتعلقاتها لأمر فغير مشروط فيها ذلك لما علم من أن وضع ذو بمعنى صاحب ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس اقتضى ذكر المضاف إليه وأن وضع فوق بمعنى مكان ليتوصل به إلى علو خاص اقتضى ذلك وكذا البواقى).
أقول: قد سمعت قول النحاة الحرف لا يستقل بالمفهومية وعليه إشكال فأراد تقرير المراد أولًا والإشارة إلى الإشكال ثانيًا وحله ثالثًا.
أما تقريره: فهو أن معناه أن نحو من وإلى مشروط فى وضعها دالة على معناها الإفرادى وهو الابتداء والانتهاء ذكر متعلقها من دار أو سوق أو غيرهما مما يدخل عليه الحرف ومنه الابتداء وإليه الانتهاء والاسم نحو الابتداء والانتهاء والفعل نحو ابتدأ وانتهى غير مشروط فيه ذلك.
وأما الإشكال: فهو أن نحو ذو وأولو وأولات وقيد وقيس وقاب وأىّ وبعض وكل وفوق وتحت وأمام وقدام وخلف ووراء مما لا يحصى كذلك إذ لم يجوز الواضع استعمالها إلا بمتعلقاتها فكان يجب كونها حروفًا وإنها أسماء.
وأما الحل: فهو أنها وإن لم يتفق استعمالها إلا كذلك لأمر ما عرض فغير مشروط فى وضعها دالة ذلك لما علم أن ذو بمعنى صاحب ويفهم منه عند الإفراد ذلك لكن وضعه له لغرض ما وهو التوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس فى نحو زيد ذو مال وذو فرس فوضعه ليتوصل به إلى ذلك هو الذى اقتضى ذكر المضاف إليه لا أنه لو ذكر دونه لم يدل على معناه نعم لم يحصل الغرض من وضعه والفرق بين عدم فهم المعنى وبين عدم فائدة الوضع مع فهم المعنى ظاهر وكذلك فوق وضع لمكان له علو ويفهم منه عند الإفراد ذلك لكن وضعه له ليتوصل به إلى علو خاص اقتضى ذكر المضاف إليه وكذلك بواقى الألفاظ قال فى المنتهى وأشكل منه نحو على وعن والكاف فى الاسمية إذ معناها أسماء وحروفًا واحد.
والجواب: أنه يجب رده إلى ذلك وإن لم يقو هذا التقرير فيه إجراء للبابين على ما علم من لغتهم فيهما ولا يخفى ما فى هذا الكلام من التمحل والتحكم
стр. 660
وإن كنت تريد حقيقة الحال فى ذلك فاعلم أولًا مقدمة: وهى أن اللفظ قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة كسائر صيغ المشتقات والمبهمات فإن الواضع لما قال صيغة فاعل من كل مصدر لمن قام به مدلوله وصيغة مفعول منه لمن وقع عليه علم منه حال نحو: ضارب ومضروب، من غير تعرض لخصوصهما.
وكذلك إذا قال: هذا: لكل مشار إليه مخصوص، وأنا: لكل متكلم، والذى: لكل معين بجملة. وليس وضع هذا كوضع رجل فإن الموضوع له فيه عام وهذه وضعت باعتبار المعنى العام للخصوصيات التى تحته حتى إذا استعمل رجل فى زيد بخصوصه كان مجازًا وإذا أريد به العام المطابق له كان حقيقة بخلاف هذا وأنا والذى فإنه إذا أريد بها الخصوصيات كانت حقائق ولا يراد بها العموم أصلًا فلا يقال هذا والمراد أحد مما يشار إليه ولا أنا ويراد به متكلم ما وإذ قد تحقق ذلك فنقول: الحرف وضع باعتبار معنى عام وهو نوع من النسبة كالابتداء والانتهاء لكل ابتداء وانتهاء معين بخصوصه والنسبة لا تتعين إلا بالمنسوب إليه فالابتداء الذى للبصرة بتعين بالبصرة والانتهاء الذى للكوفة يتعين بالكوفة فما لم يذكر متعلقه لا يتحصل فرد من ذلك النوع هو مدلول الحرف لا فى العقل ولا فى الخارج وإنما يتحصل بالمنسوب إليه فيتعقل بتعقله بخلاف ما وضع للنوع نفسه كالابتداء والانتهاء وبخلاف ما وضع لذات ما باعتبار نسبة نحو ذو وفوق وعلى وعن والكاف إذا أريد به علو وتجاوز وشبه مطلقًا فهو كالابتداء والانتهاء.
قوله: (الحرف لا يستقل بالمفهومية) عبارة النحاة أن الحرف ما يدل على معنى فى غيره أى لا فى نفسه، وضمير فى "غيره" إما عائد إلى اللفظ بمعنى أنه لا يدل بنفسه بل بانضمام لفظ آخر إليه، وإما إلى المعنى بمعنى أنه غير تام فى نفسه أى لا يحصل من اللفظ إلا بانضمام شئ آخر إليه فصار الحاصل أنه لا يستقل بالمفهومية أى بمفهومية المعنى منه والمعنى قد يكون إفراديًا هو مدلول اللفظ بانفراده، وقد يكون تركيبيًا يحصل منه عند التركيب فيضاف أيضًا إلى اللفظ وإن كان معنى اللفظ عند الإطلاق هو الإفرادى ويشترك الاسم والفعل والحرف فى أن معانيها التركيبية لا تحصل إلا بذكر ما تتعلق به من أجزاء الكلام، ويختص الحرف بأن معناه الإفرادى أيضًا لا يحصل بدون ذكر المتعلق لكن لا بحسب اتفاق الاستعمال كما
стр. 661
فى بعض الأسماء؛ بل بحسب الوضع واشتراط الواضع ذلك تنصيصًا أو دلالة على ما يشهد به الاستقراء؛ فمعنى عدم استقلال الحرف بالمفهومية أنه مشروط بحسب الوضع فى دلالتها على معناها الإفرادى ذكر متعلقها، وفى عبارة الشارح قلق لا يخفى لأن قوله: دالة لم يقع موقعًا صالحًا.
قوله: (لما علم من أن وضع ذو بمعنى صاحب) تعليل لقوله: غير مشروط فيها ذلك على ما قرره الشارح المحقق، وليس بدلًا من قوله: لأمر ما على ما توهمه الشارح العلامة.
قوله: (ولا يخفى ما فى هذا الكلام) أى كلام المنتهى (من التمحل والتحكم) أما التمحل فلظهور أن معنى الكاف فى زيد كعمرو وجاءنى الذى كعمرو واحد فيكون الحكم بأن الأول اسم مستقل بالمفهومية، والثانى حرف غير مستقل غير مستقيم، وأما التحكم فلأنا قاطعون بأن ذكر المتعلق مشروط فيهما بحسب الاستعمال ولا دليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع ليكون حرفًا وفى الآخر لا بحسب الوضع ليكون اسمًا، وأما التقصى عن ذلك على ما ذكره الشارح المحقق فهو أن نظر الواضع فى وضعه قد يكون إلى خصوص اللفظ لخصوص المعنى كما فى الإعلام، وقد يكون إلى خصوص اللفظ لعموم المعنى أى للمعنى الكلى المحتمل للمقولية على الكثرة كوضع رجل حتى يصح أن يقال أكرم رجلًا والمراد رجل ما ولو أريد زيد بخصوصه لم يصح حقيقة وقد يكون إلى عموم اللفظ لخصوص المعنى بأن لا يلاحظ لفظ بعينه بل أمرًا كليًا يندرج فيه كثير من الألفاظ وذلك فى وضع الهيئات بأن يقول صيغة فاعل مع كل مصدر فإنها لمن قام به مدلول ذلك المصدر فيعلم منه أن ضاربًا لمن قام به الضرب وقاعد لمن قام به القعود إلى غير ذلك من الخصوصيات مع أنه لم يعتبرها ولم يلاحظها على التفصيل، وقد يكون إلى اللفظ بخصوصه فيضعه بملاحظة أمر عام لأفراد ذلك الأمر ولخصوصياتها حتى لا يكون الموضوع له هذا الأمر العام بل خصوصياته على التفصيل إلا أن نظر الواضع عند الوضع يكون إلى ذلك الأمر لا إلى الخصوصيات بمعنى أنه عين اللفظ لتلك الخصوصيات لكن بملاحظة ذلك الأمر كما فى تعيين لفظ هذا لهذا الرجل وهذا الفرس إلى غير ذلك مما لا يتناهى بملاحظة أمر كلى هو مفهوم المشار إليه بالخصوص وإلى القسمين الأخيرين أشار الشارح بقوله: اللفظ
стр. 662
قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة، وأشار بقوله وضعًا عامًا إلى أنه لا يلاحظ إلا ذلك الأمر العام وبقوله لأمور مخصوصة إلى أن تعيين اللفظ لا يكون إلا للدلالة على الخصوصيات حتى لا يصح أن يقال: ضارب والمراد من قام به مدلول مصدر ما بل مدلول الضرب بخصوصه، أو يقال: هذا والمراد شخص ما مشار إليه بل هذا المشار إليه بعينه ففى هذا القسم الأخير خصوص المعنى شخصى لا يحتمل الكثرة واعتبار خصوص اللفظ فى نظر الواضع ضرورى بخلاف ما قيل فإن خصوصيات المعانى كليات وملاحظة الألفاظ عند الوضع ليست باعتبار خصوصياتها بل باعتبار اندراجها تحت أمر كلى، وإنما اقتصر الشارح على التعرض لهذين القسمين لأن وضع الحروف من هذا القبيل لأنها وضعت باعتبار أمر عام هو نوع من النسبة لكل فرد من أفرادها معين بخصوصه ومعلوم أنه لا يحصل خصوص النسبة وتعينها لا فى العاقل ولا فى الخارج إلا بتعيين المنسوب إليه فلم يكن بدّ فى دلالة الحروف على معانيها من ذكر متعلق به تتعين تلك النسبة، بخلاف الاسم والفعل فإنهما ليسا للنسبة بخصوصها بل الاسم قد يكون لنفس الذات كرجل، وقد يكون لذات باعتبار نسبة كذو وفوق، وقد يكون لنسبة لا بخصوصها كالابتداء والانتهاء وكذا الفعل فإنه لنسبة الحديث إلى موضوع ما فعلى وعن والكاف إذا أريد بها علو وتجاوز وشبه مطلقًا من غير نظر إلى الخصوصيات كانت أسماء، وإذا أريد بها علو وتجاوز وشبه بخصوصها كانت حروفًا فلا تمحل ويعرف بالعلامات والقرائن كما فى سائر الألفاظ المشتركة فلا تحكم فقوله: نحو ذو وفوق مثال لما وضع لذات باعتبار نسبة وقوله وعلى وعن والكاف مبتدأ خبره الجملة الشرطية بعده ومما يوضح الفرق بين الكاف الاسمية والحرفية التأمل فى قولنا زيد ما نند أسداست وزيد همجو أسداست.
قوله: (على معناها الإفرادى) قيل: احترز بقيد الإفرادى عن الاسم والفعل؛ فإن دلالتهما على معناهما التركيبى كالفاعلية وكونه مسندًا مثلًا مشروطة بذكر متعلقه لا على معناهما الإفرادى بخلاف الحرف إذ قد اشترط فى وضعه دالًا على معناه الإفرادى ذلك، وأما العلم بهذا الاشتراط فإما من نص الواضع عليه كما قيل وفيه بعد، وإما من استقراء عدم استعمال الحروف بدون المتعلق فلولا
стр. 663
الاشتراط لاستعملت فى الجملة بدونه وهذا أقرب؛ وحينئذ يظهر الإشكال بالأسماء المذكورة لاشتراكهما فى عدم الاستعمال بدون المتعلقات فكما دل هناك على الاشتراط وعدم تجويز الاستعمال بدونها دل عليه ههنا أيضًا، وإنما مثل من الأسماء بالابتداء والانتهاء ومن الأفعال بابتدأ وانتهى لأنهما أقرب إلى حرفى من وإلى مما عداهما للاشتراك فى المعنى فيعلم أن الاختلاف بحسب الاشتراط وعدمه ويتضح ما ذكره من المدعى وقيد رمح وقيس رمح بمعنى قدر رمح وقاب القوس ما بين المقبض والسية فلكل قوس قابان وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]، يقال: أراد قابى قوس فقلبه كذا فى الصحاح.
قوله: (إلى الوصف بأسماء الأجناس) لم يرد به النعت بل ما هو أعم؛ ومحصل الحل: أن ذكر المتعلق فى الحروف لتتميم الدلالة وفى هذه الأسماء لتحصيل الغاية فإن قيل: إذا سمع لفظ من مفردة يفهم منها معنى الابتداء فلا تكون دلالتها عليه بحسب الوضع مشروطة بذكر المتعلق، أجيب بأن فهمه منها ليس لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا، بل لكونه مفهومًا منها عند التركيب فيسبق الذهن إليه دونه.
قوله: (وأشكل منه) أى مما ذكر من الأسماء، وإنما كانت أشكل إذ معناها أسماء وحروفًا واحد وكذا لفظها فالفرق أشكل ودعوى الاشتراط فى لفظ واحد بالقياس إلى معنى واحد فى حالة دون أخرى أبعد منها فى لفظين بالنسبة إلى معنى واحد ومعنيين فلذلك قال: وإن لم يقو هذا التقرير فيه.
قوله: (ولا يخفى ما فى هذا الكلام من التمحل والتحكم) أما التمحل أى الاحتيال فهو الاشتراط المذكور؛ لأن الحكم بأن الواضع وضع من والابتداء لمعنى واحد لكنه اشترط فى دلالة الأوّل ذكر المتعلق دون الثانى مع عدم ظهور فائدة لهذا الاشتراط تمحل محض لتوجيه قولهم: الحرف لا يستقل بالمفهومية، وأما التحكم فهو أن الدليل على الاشتراط ليس إلا عدم الاستعمال بدون المتعلق على ما هو الحق وهذا مشترك بين الحروف والأسماء المذكورة فالحكم بأن التزام الذكر فى أحدهما للدلالة وفى الآخر للغاية دون العكس ترجيح من غير مرجح.
قوله: (فاعلم أوّلًا مقدمة) لا بد للواضع فى الوضع من تصوّر المعنى فإن تصوّر معنى جزئيًا وعين بإزائه لفظًا مخصوصًا أو ألفاظًا مخصوصة: متصوّرة تفصيلًا أو
стр. 664
إجمالًا كان الوضع خاصًا لخصوص التصوّر المعتبر فيه أى تصوّر المعنى والموضوع له أيضًا خاصًا، وإن تصور معنى علمًا يندرج تحته جزئيات إضافية أو حقيقية فله أن يعين لفظًا معلومًا أو ألفاظًا معلومة على أحد الوجهين بإزاء ذلك المعنى العام فيكون الوضع عامًا لعموم التصوّر المعتبر فيه والموضوع له أيضًا عامًا، وله أن يعين اللفظ أو الألفاظ بإزاء خصوصيات الجزئيات المندرجة تحته؛ لأنها معلومة إجمالًا إذا توجه العقل بذلك المفهوم العام نحوها والعلم الإجمالى كاف فيكون الوضع عامًا لعموم التصوّر المعتبر فيه والموضوع له خاصًا، وأما عكس هذا أعنى: أن يكون الوضع خاصًا لخصوص التصوّر المعتبر فيه والموضوع له عامًا فلا يتصوّر لأن الجزئى ليس وجهًا من وجوه الكلى ليتوجه العقل به إليه فيتصوّره إجمالًا إنما الأمر بالعكس وإذا تحققت هذا يصح عندك معنى قوله: إن اللفظ قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة كسائر صيغ المشتقات والمبهمات إلخ وبينهما على الوجه الذى أورده فوق من وجهين أحدهما: أن الخصوصيات التى وضعت بإزائها المشتقات جزئيات إضافية كل واحد منها كلى فى نفسه حتى لو فرض أن الواضع تصوّر مفهوم الضارب وعين بإزائه لفظه بيان الوضع والموضوع له عامين وخصوصيات ما وضعت المبهمات بإزائها جزئيات حقيقية وثانيهما: أن تصور اللفظ والمعنى فى المشتقات بوجه عام، وأما فى المبهمات فعموم التصوّر فى المعنى لكن الوضع فى كليهما عام؛ لأن المعتبر فى ذلك هو المعنى إذ لا يترتب على اعتباره فى اللفظ فائدة.
قوله: (وكذلك إذا قال: هذا لكل مشار إليه مخصوص) فإن الواضع تصوّر كل مشار إليه مفرد مذكر باعتبار هذا المفهوم العام ولم يضع اللفظ لهذا المعنى الكلى بل لتلك الجزئيات المندرجة تحته فصار الوضع عامًا والموضوع له خاصًا، وإنما حكمنا بذلك؛ لأن لفظ هذا لا يطلق إلا على الخصوصيات ولا يجوز إطلاقه على غيرها إذ لا يقال: هذا والمراد أحد مما يشار إليه بل لا بد فى إطلاقه من القصد إلى خصوصية معينة فلو كان موضوعًا للمعنى العام كرجل لجاز فيه ذلك ولكان استعماله فى الخصوصيات مجازًا، والقول بأنه موضوع للمفهوم الكلى لكن الواضع قد اشترط أن لا يستعمل إلا فى الجزئيات بخلاف نحو رجل تمحل ظاهر، فإن قلت: إذا كان هذا موضوعًا للخصوصيات المتعددة كان مشتركًا لفظيًا، قلت:
стр. 665
إنما يلزم ما ذكرتم أن لو كان موضوعًا لها بأوضاع متعددة وليس كذلك بل موضوع لها وضعًا واحدًا، واعلم أن وضعه للخصوصيات من حيث إنها مندرجة تحت المفهوم الكلى فزيد من حيث تعلق به إشارة مخصوصة معنى لهذا فله اعتبار فى الوضع وفى الموضوع له أيضًا، ومن ههنا ظهر أن المبهمات والمضمرات بحسب معانيها جزئيات حقيقية ولا يقدح فى ذلك أن "هذا" يشار به إلى أمر كلى مذكور وأن ضمير الغائب قد يرجع إليه أيضًا؛ أما الأوّل فلأن هذا يقتضى بحسب أصل الوضع مشاهدًا مشارًا إليه إشارة حسية فلا يكون إلا جزئيًا حقيقيًا وإذا استعمل فى غيره فقد نزل منزلته والكلى المذكور من حيث إنه مذكور بهذا الذكر الجزئى جزئى لا يحتمل الشركة وإطلاقه من هذه الحيثية، وأما الثانى فلاقتضاء الغائب ذكرًا جزئيًا للمرجوع إليه إما لفظًا أو معنًى أو حكمًا وقد عرفته أن الكلى من حيث هو مذكور ذكرًا جزئيًا جزئى.
قوله: (وليس وضع هذا) أى لفظ هذا وما ذكر معه أو هذا المذكور (وهذه) أى المذكورات من المبهيات والمضمرات (وضعت باعتبار المعنى العام) وقد تحقق اعتباره من وجهين.
قوله: (وإذ قد عرفت ذلك) اعلم أن الابتداء إن أخذ مطلقًا كان معنًى مستقلًا ملحوظًا للعقل بالذات يمكنه أن يحكم عليه وبه، وإن أخذ معينًا متعلقًا بشئ مخصوص فله اعتباران أحدهما: أن يلاحظه العقل من حيث إنه مفهوم من المفهومات ويتوجه إليه بالقصد فيكون مفهومًا مستقلًا أيضًا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه، وثانيهما: أن يلاحظه العقل من حيث هو حالة لذلك الشئ ويجعله آلة لتعرف حاله ويكون المتوجه إليه بالقصد هو ذلك الشئ وبهذا الاعتبار هو مفهوم لا يستقل بالتعقل والملاحظة إنما يلاحظه العقل باعتبار ملاحظة ذلك الشئ؛ فالعقل فى الأوّل يتوجه إلى مطلق مفهومه ويلزمه إدراك متعلقه إجمالًا لكنه ليس مقصودًا بالذات، وفى الثانى يتوجه إلى مطلق المفهوم أيضًا لكنه يضيفه إلى متعلق مخصوص وهو المفهوم من قولك: ابتداء البصرة، وفى الثالث يتوجه بالقصد إلى المتعلق ثم إنه فى تعرّف حاله يلاحظه للابتداء المتعلق به إذا تمهد هذا فنقول: معنى من ليس هو الابتداء المطلق ولا المخصوص المأخوذ بالاعتبار الأوّل وإلا لصح أن يقع محكومًا عليه وبه قطعًا، لكنا لا نشك أن المفهوم المستفاد منه
стр. 666
فى قولك: سىرت من البصرة على الوجه الذى استفيد منه لا يصلح لشئ منهما فتعين أن يكون معناه الابتداء الخاص بالاعتبار الثانى؛ وهو معنى لا يستقل بالمفهومية ولا يتحصل ذهنًا ولا خارجًا إلا بمتعلق ثم إنه يستعمل فى كل ابتداء خاص حقيقة بلا اشتراك فهو موضوع لذلك وضعًا عامًا على معنى أن الواضع تصوّر مفهوم الابتداء ولاحظ به جزئيات فعين لفظ "من" بإزائها، وأما "ابتدأ" فالواضع تصوّر معنى الابتداء المطلق ولاحظ معه النسبة من حيث هى حالة بينه وبين شئ معين فى زمان ماض وعين لفظه بإزاء هذا المجموع، فالنسبة ههنا مفهوم غير مستقل كمفهوم الحرف لا تعقل إلا بطرفيها فلذلك لا يتحصل معنى ابتدأ ذهنًا ولا خارجًا إلا بذكر الفاعل، وإنما حكمنا بذلك لأن النسبة المطلقة والمخصوصة الملحوظة بالذات من حيث هى كذلك لا تكون حكمية بل تقع محكومًا عليها أو بها كما يظهر بأدنى تأمل، وإنما اعتبرنا فى الفاعل التعيين أىّ تعيين كان سواء كان جزئيًا أو مفهومًا عامًا فإن المفهومات العامة من حيث هى أمور متعينة وباعتبار ما صدقت هى عليه غير متعينة؛ لأن النسبة الحكمية التى يتضمنها ابتدأ لو كانت متعلقة بفاعل لا بعينه ولا شك أنه مفهوم عند إطلاقه لكان ابتدأ وحده كلامًا تامًا محتملًا للصدق والكذب وأنه باطل اتفاقًا مع استلزامه محذورين على ما بين فى علم آخر، وأما معنى الابتداء فإنه وإن كان صالحًا فى نفسه للحكم عليه وبه لكنه بانضمام هذه النسبة إليه صار مأخوذًا فيه من حيث إنه محكوم به وانسلخ عنه صلاحية الحكم عليه؛ لأنا نعلم قطعًا أن الابتداء المستفاد من ابتدأ على الوجه الذى استفيد منه لا يصلح أن يكون محكومًا عليه وبه، وما يقال من أن الفعل صالح للحكم به فإنما هو باعتبار جزء معناه لا مجموعة، وما حققناه من الوضع العام فى الحروف يجرى فى الأفعال باعتبار النسب المعتبرة فيها وامتازت الأفعال بالاشتمال على معنى هو محكوم به، وأما نحو ذو وفوق فهو موضوع لذات ما باعتبار نسبة مطلقة كالصحبة والفوقية لها نسبة تقييد به إليها فليس فى مفهومه ما لا يتحصل إلا بذكر متعلقه بل هو مستقل بالتعقل والتزام الإضافة لا يقتضى عدم الاستقلال فلذلك يقع محكومًا عليه وبه، وعلى وعن والكاف فى الحرفية معناها الاستعلاء والتجاوز والشبه المخصوصة على قياس من فتكون غير مستقلة بالمفهومية، وفى الاسمية معناها إما الفوق والجانب والمثل كما هو المشهور
стр. 667
وهى معان مستقلة، وإما العلو والتجاوز والشبه مطلقًا كما فى الشرح وهى أيضًا مستقلة، ولعلك إذا استوضحت ما تلونا عليك اطلعت على مقاصد الكتاب منضمة إلى فوائد لا بد منها فى تحقيق الصواب وانكشف عندك معنى قولهم: الحرف؛ ما يوجد معناه فى غيره وأنه لا يدل على معنى باعتباره فى نفسه بل باعتباره فى متعلقه.
قوله: (على معناهما التركيبى) الإضافة بأدنى ملابسة قد تعتبر لغاية الاحتياط فى التعريف فإن الفاعلية ليست معنى زيد فى ضرب زيد، لكن يمكن أن تجعل معنى تركيبيًا له باعتبار تعلقه به وكونه ناشئًا من التركيب.
قوله: (دالًا على معناه الإفرادى) قد يقال فى توضيح تلك العبارة: إن المراد بالوضع هنا مطلق التخصيص فإن الوضع عبارة عن التخصيص المقيد بقيود مذكورة فى تعريفه من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام والتخصيص المطلق شامل للتخصيص الصادر من المستعمل أيضًا فإنه قد عين اللفظ بإزاء المعنى باعتبار إطلاقه عليه، وعلى هذا صار تقدير الكلام مشروطًا فى تخصيصها وإطلاقها حال كونها دالة على معناها ذكر متعلقها، وهذا التوضيح راجع إلى ما ذكروه من أن لفظة من مشروط فى دلالتها على معناها ذكر متعلقها، ولا بأس بالتكلف فى العبارة مع وضوح المعنى.
قوله: (للاشتراك فى المعنى) لا يعتبر ذلك القائل بتفاوتهما فى العموم والخصوص فإن معنى "من" ابتداء مخصوص، ومعنى لفظ الابتداء: الابتداء المطلق.
قوله: (دلالتها عليه بحسب الوضع مشروطة) يفهم من هذا الكلام أن المراد من قول الشارح: مشروط فى وضعها دالة على معناها، أن الدلالة مشروطة بحسب الوضع.
قوله: (بل لكونه مفهومًا منها عند التركيب) يمكن أن يقال: إن المجيب يجب عليه أن يقول فى دفع هذا الاعتراض: إن ما فهم (١) من لفظة "من" مفردة وهو الابتداء المطلق منها ليس كلمة "من" معناها ابتداء مخصوص لا يفهم إلا مع ذكر
стр. 668
المتعلق كما ذكر الشارح المحقق فى التحقيق وفهم الابتداء المطلق منها عند الانفراد بماء على فهم الابتداء المخصوص منها عند التركيب واعتبار الواضع فى وضعها للخصوصيات عنه وأن الابتداء المطلق (١)، وأما إذا سلم أن معناها مطلق الابتداء فلا يصح أن يقال: فهمه منها ليس لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا لأن لفظة "من" لو كانت موضوعة لمطلق الابتداء، فإذا علم ذلك الوضع فهم منها ذلك المعنى عند ذكرها سواء ذكر معها شئ آخر أو لا كالأسماء التى لزمت إضافتها وهذا الفهم منها لكونها دالة عليه عند الانفراد وضعًا وخلاف ذلك تحكم لا يفيد شيئًا.
قوله: (لعموم التصور المعتبر فيه والموضوع له خاصًا) أى: ما هو أعم من أن يكون جزئيًا حقيقيًا أو إضافيًا؛ الأول كالمبهمات والثانى كالمشتقات فإن الواضع تصوّر الألفاظ المشتقة إجمالًا فى ضمن أمر شامل كما إذا قال صيغة فاعل من كل مصدر وتصوّر المفهومات الكلية التى بخصوصيات الألفاظ المشتقة فى ضمن أمر شامل كما إذا قال لمن قام به مدلوله فالألفاظ المشتقة موضوعة بإزاء المفهومات الكلية التى هى جزئيات إضافية للأمر الشامل الذى تصوّره الواضع عند الوضع فالوضع عام والموضوع له خاص فى ذلك الفعل، إذ قد لوحظ ههنا من حيث إنه يندرج تحت شئ ولو تصوّر الواضع خصوص لفظ ضارب وخصوص معناه ووضع اللفظ بإزائه لا يقال: إن الوضع ههنا عام والموضوع له خاص؛ إذ لا يتصور ههنا هذا المفهوم العام من حيث إنه مندرج تحت شئ بل يقال: إن الموضوع له ههنا عام أيضًا.
قوله: (ألا يذكر الفاعل) أى: بوجوده ففى العبارة مسامحة لا يلتبس بها المقصود.
المصنف: (مسألة الحروف) قيل: إن ذكرها فى الأصول لاحتياج الفقيه إليها لوقوعها فى الأدلة وإلا فمحلها علم العربية.
الشارح: (فما لم يذكر متعلقه) الأولى فما لم يلاحظ متعلقه.
التفتازانى: (إما عائد إلى اللفظ بمعنى. . . إلخ) فقوله فى غيره حال من ضمير يدل والمعنى ما يدل حال كونه فى غيره أى ليس منظور إليه فى ذاته ومستقلًا بذلك
стр. 669
بل لا بد من النظر فى دلالته على المعنى إلى لفظ آخر فيضم إليه وقوله: وإما إلى المعنى وعليه فقوله فى غيره صفة للمعنى ومعنى كون المعنى فى غير نفسه أنه ليس معنى بالنظر إلى ذاته كما يقال الدار فى نفسها حكمها كذا وإنما هو معنى بالنظر إلى غيره فلا يتحقق المعنى إلا بذلك الغير وحينئذ فليس الحرف دالًا عليه إلا بذكر دال ذلك الغير فلذا قال أى لا يحصل من اللفظ إلا بانضمام شئ آخر إليه.
التفتازانى: (فيضاف أيضًا إلى اللفظ) أى لأن الإضافة تأتى لأدنى ملابسة وحينئذ يحتاج لإخراج الاسم والفعل باعتبار معناهما التركيبى فيقيد معنى الحرف بالإفرادى فيخرج معنى الاسم والفعل الإفرادى فإنه ليس كمعنى الحرف الإفرادى.
التفتازانى: (لم يقع موقعًا صالحًا) أى لأن ذكر المتعلق شرط فى دلالتها بحسب الوضع عند الاستعمال لا شرط فى وضعها مقترنة بالدلالة إذ الدلالة إنما تتحقق بعد الوضع حين الاستعمال وعبارة الشارح مؤولة بأن معنى قوله فى وضعها دال فى تخصيصها بالمعنى من المستعمل أى ذكرها وهو يقارن الدلالة أو أن معنى قوله فى وضعها بحسب وضعها وقوله دالة حال منتظرة ومحط الشرط هو الدلالة.
التفتازانى: (وليس بدلًا. . . إلخ) أى لأنه عليه لا يحسن قوله اقتضى ذكر المضاف إليه بناء على ذلك فيحتاج إلى التأويل وقد درج على أنه يدل الأصفهانى أيضًا وقدر ما يلائم قوله اقتضى فقال ولأجل ذلك اقتضى ذكر متعلقه.
التفتازانى: (فلظهور أن معنى الكاف. . . إلخ) قد يكتال: إن معنى الكاف حال كونها اسمًا غير معناها حال كونها حرفًا باعتبار الاستقلال فى الأول وأنه ليس آلة لتعرف حال غيره وعدم الاستقلال وأنه آلة لتعرف حال غيره فى الثانى يدل على ذلك الوقوع محكومًا عليه وبه فى الأول دون الثانى وليس بلازم أن يجعل الوضع عامًا لموضوع له خاص كما درج عليه الشارح المحقق والسيد لما قاله عبد الحكيم: إنه لا دليل على ذلك إلا الاستعمال فى الجزئيات والاستعمال بلا قرينة دليل الوضع فتكون موضوعة لها ولا شك أن الوضع لو كان لكل واحد منها بخصوصه يلزم الاشتراك بين المعانى غير المحصورة فاعتبر الوضع العام وهو التزام أمر لا شاهد عليه ولذا اختار السعد فى تصانيفه ما ذهب إليه الأوائل من أنها موضوعة للمعانى الكلية غير الملحوظة لذاتها فلذلك يشترط الواضع فى دلالتها ذكر متعلقها وما قيل: إنه يلزم على هذا أن يكون استعمالها فى خصوصيات تلك المعانى مجازًا
стр. 670
لا حقيقة له لعدم استعمالها فى المعانى الأصلية أصلًا مع إنهم ترددوا فى أن المجاز يلزمه الحقيقة أولًا فمدفوع بأنه إنما يكون مجازًا لو كان استعمالها فيها من حيث خصوصياتها أما إذا كان من حيث إنها أفراد المعانى الكلية فلا. اهـ.
التفتازانى: (ولا دليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع) رد ذلك عبد الحكيم على المطول بأنه كما لا دليل على هذا الاشتراط لا دليل على وضعه للمعنى الجزئى مع احتياجه إلى اعتبار الوضع العام الذى لا دليل عليه، وأما الاستعمال فى الجزئيات فقد عرفت أنه لا يصير دليلًا على الوضع. اهـ. ثم إن الدليل على أن ذلك فى أحدهما بحسب الوضع عدم صحة كونه محكومًا عليه أو به.
التفتازانى: (ليسا للنسبة بخصوصها) أى ليسا للنسبة الخاصة بأن لم يكونا للنسبة أصلًا أو يكونا للنسبة المطلقة، والمراد بالخاصة الملحوظة لتعرف حال الغير فلا ينافى أن النسبة الخاصة إذا لم تلاحظ لتعرف حال الغير بل لوحظت وقصدت لذاتها فلا يكون الدال عليها حرفًا ويصح الحكم عليها وبها وعبارة السيد صريحة فى ذلك.
قوله: (فكما دل هناك على الاشتراط وعدم الاستعمال) الأولى حذف عدم الاستعمال لأن الذى دل هو عدم الاستعمال والمدلول هو الاشتراط وعدم فهم المعنى بدون المتعلق.
قوله: (ما بين المقبض والسية) فى القاموس سية القوس بالكسر مخففة ما عطف من طرفيها، الجمع سيات.
قوله: (لكونه مفهومًا منها عند التركيب) هذا ظاهر فى أن "من" معناها عند التركيب الابتداء الكلى إلا أنه لتعرف حال الغير فكانت من حرفًا.
قوله: (مع عدم ظهور فائدة لهذا الاشتراط) فى عبد الحكيم أن الفائدة هى الإشارة إلى أن معناه مفهوم الابتداء من حيث إنه آلة لتعرف حال متعلقه فلذا وجب ذكر متعلقه وحينئذ لا حاجة إلى القول بالوضع العام والموضوع له الخاص فإنه التزام أمر لا شاهد عليه. اهـ.
قوله: (فالحكم بأن التزام. . . إلخ) فى عبد الحكيم على المطول التزام ذكر المتعلق لأجل كونه آلة لتعرف حاله يورث الفرق بينه وبين الأسماء اللازمة الإضافة فإنها