← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133411

شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني

عضد الدين الإيجي

Полный текст (2 048 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

على المعدوم لا يحتاج إلى هذا البيان الخفى اعترض بأن الذاتى هنا معناه ما ليس إضافيًا بل أمر راجع إلى الذات سواء كانت الذات محققة أو مقدرة وحينئذ فلا نسلم أنه لو صدق على المعدوم أنه حسن لم يكن الحسن ذاتيًا وقوله بل: راجعة إلى الذات. . . إلخ. فيه سقط وحقه بل صفة راجعة إلى الذات أو بل أمر راجع إلى الذات. التفتازانى: (والأظهر أن مقصود الشارح. . . إلخ) أى مع ورود اعتراض العلاوة المذكورة عليه. التفتازانى: (وكأن الزائد مشعر بذلك) أى لأن معناه زائد على الموصوف قيشعر بأنه ليس قائمًا بنفسه بل بالموصوف. التفتازانى: (أعنى كون المعنى قائمًا به) الأوضح أن يقول أعنى القيام كما قال السيد. التفتازانى: (إنما يصح. . . إلخ) يعنى أن قيام الحسن بالفعل لا مانع منه على رأى الفلاسفة من أن قيام الصفة بالموصوف معناه الاختصاص الناعت لا التبعية فى التحيز وقوله فيتوجه قطعًا منع الملازمة أى فيقال لا نسلم لزوم قيام العرض بالعرض بمعنى التبعية فى التحيز أو منع بطلان اللازم أى لا نسلم أن قيام العرض بالعرض باطل بناء على أن القيام معناه الاختصاص الناعت. التفتازانى: (مع أن كون الإمكان ثبوتيًا أى وجوديًا باطل بالاتفاق) أى فالدليلان على وجود الحسن قد وجدا فى الإمكان مع أنه ليس موجودًا اتفاقًا فقوله مع أن. . . إلخ. راجع للدليلين وبيان لتخلفهما فى الإمكان. التفتازانى: (وهذا مع فساده وابتنائه على الفاسد) لعل قوله وابتنائه على الفاسد بيان لوجه فساده فكأنه قال وهذا فاسد لابتنائه على الفاسد وهو أن قول المصنف ولم يكن دليل ثانٍ على أن الحسن وجودى وتقدم أن الصفات السلبية قد تكون مما تقتضيه الذات فعلى تقدير أن الحسن عدمى لا يلزم أن لا يكون ذاتيًا. التفتازانى: (فعلم. . . إلخ) أى من كلام الآمدى. التفتازانى: (مع تحقيق إبطال دليله) أى بلزوم الدور وقوله على وجه يندفع به جواب الآمدى عن الاعتراض الأول ذلك الوجه هو أن صورة النفى لا تلزم أن تكون سلبًا أى عدم وجود فكون صورة النفى سلبًا موقوف على كون ما دخله

стр. 737

النفى وجودًا فلو استفيد كونه موجودًا من كون سورة النفى سلبًا لزم الدور وإنما اندفع به جواب الآمدى عن الاعتراض الأول لأنه قال فى الجواب استدلالًا على أن الإمكان وما معه من الأمور الاعتبارية أن مفهوم نقائضها سلب التقدير فيقال عليه إن الاستدلال على كون الإمكان وما معه من الأمور الاعتبارية بذلك دور إذ صورة النفى لا يلزم أن تكون سلبًا للتقدير فكون صورة النفى سلبًا للتقدير موقوف على كون ما دخله النفى تقديريًا فلو استفيد كون الإمكان تقديريًا من كون صورة النفى سلبًا للتقدير لزم الدور. التفتازانى: (وتقريره) أى تقرير الاعتراض الثانى وقوله: على ما ذكره الجمهور إشارة إلى أن الشارح قد خالف فى تقريره الجمهور. التفتازانى: (أو لأنها فى حكم النفى) تحريف وصوابه فى حكم النفى ومعنى كونها فى حكم النفى أنها النفى وأن الإضافة بيانية. التفتازانى: (وهذا تقرير ظاهر) حاصله أن النفى ليس بلازم أن يكون سلبًا حتى يكون مقابله وجودًا فلا يعرف الوجود بالنفى إلا إذا عرف أن النفى سلب وهو موقوف على معرفة أن ما دخله النفى موجود فلو استفيد الوجود بالنفى لزم الدور وقوله والعدول عن الوجود إلى الثبوت أى فلم يقل قد يكون وجوديًا حتى يكون المعنى أن نفس النفى يكون وجوديًا كما فى اللامعدوم وقوله: وحمل الثبوت على معناه المصدرى أى لا على الوجود الذى هو الثبوت وقوله على ما هو رأى المعتزلة متعلق بقوله أعم. قوله: (بالكنه) دفع به ما يقال من أنه لا يلزم من كونه ليس زائدًا على مفهوم الفعل أن يلزم من تعقل الفعل تعقله لجواز أن يتعقل الفعل بالعرضيات. قوله: (لأن كل شئ يقتضى اتصافه بنقيض منافيه) كالإنسان فإنه يقتضى اتصافه بكونه ليس فرسًا كما تقدم. قوله: (وليس لك أن تأخذه مسلمًا) أى كما يفيده قول السعد التفتازانى وهذا خلاف مذهبهم. قوله: (كما أشير إليه) أى فى قوله: قيل لا حاجة إلى إثبات كونهما وجوديين هذا وقد قال الهروى على قول السيد: إن أريد بالصفة الحقيقية الصفة الوجودية هذا القول ضعيف لأنه لا يصح أن يريد الشارح ذلك وإنما أراد بقوله: إذ المعدوم

стр. 738

لا يكون له صفة بيان انتفاء كون الحسن وصفًا على التقدير المذكور، وبقوله: وكيف. . . إلخ. بيان انتفاء كونه ذاتيًا فكأنه قال: فلم يكن الحسن وصفًا إذ المعدوم لا يكون له صفة إلا بأمر معدوم وموهوم كونه صفة ولم يكن صفة ذاتية إذ الصفة المستندة إلى الذات والحقيقة لا تكون لما لا ذات ولا حقيقة له ويجوز أن يكون كون الحسن من الصفات المستندة إلى الذات والحقيقة بالمعنى الغالب مسلمًا لأنهم قائلون: بأن الحسن صفة للفعل والفعل معنًى أى عرض كما صرح به فى قوله: والفعل أيضًا معنًى وهو ظاهر وإذا كان الحسن صفة للعرض فهو صفة مستندة إلى الحقيقة والذات لأن العرض من الموجودات. اهـ بحذف. ولا يخفى أن هذا تكلف لا يغنى شيئًا فالظاهر ما قاله قدس سره. قوله: (وما قيل من أنه لا يرد النقض بالإمكان) أى كما قال الآمدى وقوله فقد تبين بطلانه أى من أن وجود الحسن والقبح ليس مسلمًا عندهم وإلا لكان الاستدلال عليه مستدركًا. قوله: (يعنى أن النفى إنما يرد على الثبوت وهو إما ثبوت الشئ فى نفسه. . . إلخ) يعنى أن المراد بالثبوت فى قول الشارح قد يكون النفى ثبوتًا الثبوت للغير وهو جزئى من مطلق الثبوت والجزئى الآخر ثبوت الشئ فى نفسه وهو الوجود فالمنفى على كل حال هو الثبوت الأعم لكن يرد أن الثبوت فى النفس ليس هو الوجود الخارجى بل أعم هذا وقرر الهروى كلام المحشى بأن قول الشارح ليس كل منفى موجودًا بل قد يكون ثبوتًا ليس معناه أنه قد يكون ثبوتًا وقد يكون وجوديًا بل معناه أن النفى لا يرد إلا على الثبوت. قوله: (وليس له ثبوت فى نفسه ليقصد سلبه) قال الهروى: فإن قلت قصد سلب ثبوته فى نفسه لا يقتضى تحقق هذا الثبوت إذ يصح أن يقال: شريك البارى ليس بموجود قلت: الفرض، أنه إذا أردنا أخذ نقيض اللَّه امتناع يجب اعتباره على وجه لا يثبت النقيض فى المتنع بل الواجب تحقق اللَّه امتناع فى غيره ولو اعتبر سلب ثبوت الامتناع فى نفسه لتحقق اللاامتناع فى المتنع وغيره على وجه واحد. انتهى. قوله: (ولو ذهبت. . . إلخ) أى لو ذهبت إلى ذلك وجعلت قوله لا ما ليس امتناعًا على ظاهره من سلب حمل الامتناع على شئ وجعلت الثبوت غير المنفى

стр. 739

فى اللاامتناع هو الثبوت الذى ليس بطريق الحمل كثبوت الامتناع للشريك فمعنى اللاامتناع نفى ثبوت الامتناع الذى هو ثابت للغير لا بطريق الحمل ومقابله هو الثبوت بطريق الحمل فمعنى اللاامتناع أن هذا الأمر ليس امتناعًا منعك قوله فإن المعدوم قد يثبت للمعدوم ويحمل عليه فإنه صريح فى أن الثبوت غير المنفى هو الثبوت بطريق الحمل فمقابله هو الثبوت للشئ فى نفسه فلا بد من تأويل فى قوله لا ما ليس امتناعًا. قوله: (أى مطلقًا) أى سواء كان النفى للثبوت للغير أو لثبوت الشئ فى نفسه. قوله: (وإن اشتهيت أن تعرف حقيقة الحال. . . إلخ) يشير إلى أن الجواب المذكور بلزوم الدور ليس فيه معرفة حقيقة الحال لأن المستدل لم يستدل بكون اللاحسن سلبًا على وجود المنفى بناء على أن مورد السلب لا يكون إلا وجودًا حتى يرد الدور بل استدل على وجود الحسن بكون اللاحسن سلبًا وأنه إذا لم يكن الحسن وجودًا ارتفع النقيضان فالمجيب إن سلم لزوم ارتفاع النقيضين لو لم يكن الحسن موجودًا تم الاستدلال ولا يلزم الدور وإلا فالجواب منع لزوم ارتفاع النقيضين على ما تقدم لك. قوله: (ولا يجب ذلك) أى أن يكون النقيضان أحدهما وجوديًا والآخر عدميًا وقوله فى المعنى الأول تحريف أو أن فى بمعنى الباء والأصل بالمعنى الأول وهو أن الوجودى بمعنى الموجود والعدمى مقابله وقوله لجواز ارتفاعهما وذلك كالوجوب واللاوجوب فإنهما ليسا بموجودين فى الخارج قال فى المواقف: ارتفاع النقيضين بمعنى الخلو عنهما محال وأما بمعنى خلوهما عن الوجود فلا. اهـ. وكتب السيد على قوله محال أى مستحيل وأما يخلو مفهوم من الفهومات عنهما بأن لا يصدق شئ منهما عليه فلا يجوز أن لا يصدق على أمثلًا أنه واجب ولا أنه ليس بواجب أو لا يصدق عليه أنه ممتنع ولا أنه ليس بممتنع فكل مفهوم وجوديًا كان أو عدميًا مع نقيضه الذى هو رفعه يقتسمان جميع ما عداهما فلا يجتمعان فى شئ بأن يصدقا عليه معًا ولا يرتفعان عنه بأن لا يصدق عليه شئ منهما وكتب على قوله وأما بمعنى خلوهما عن الوجود فلا بل يجوز أن يكون الوجوب واللاوجوب وكذا الامتناع واللاامتناع معدومين معًا فى الخارج والسر فى ذلك أنك إذا اعتبرت ثبوت مفهوم الوجوب مثلًا لشئ كان نقيضه رفع ثبوته له فلا يجتمعان ولا

стр. 740

يرتفعان وإذا اعتبرت وجود مفهوم الوجوب فى نفسه كان نقيضه رفع وجوده فى نفسه فلا يجتمعان ولا يرتفعان أيضًا وليس نقيض وجود الوجوب فى نفسه وجود مفهوم اللاوجوب فى نفسه حتى يلزم من عدمية اللاوجوب أعنى ارتفاع وجوده فى نفسه أن يكون الوجوب موجودًا فى نفسه. اهـ. قوله: (لدليل المقدمة والمدعى) يعنى أن الاعتراض الثانى نقض إجمالى للدليل على أن الفعل اضطرارى الذى هو إن كان صدوره. . . إلخ. لوجود هذا الدليل فى فعل البارى مع أنه ليس اضطراريًا فقد تخلف الحكم عن الدليل، والاعتراض الثالث نقض إجمالى للدليل على أن الحسن والقبح ليسا ذاتيين الذى هو أن فعل العبد اضطرارى وكل فعل اضطرارى لا يوصف بحسن ولا قبح ذاتيين لوجوده مع اتصاف الفعل بالحسن والقبح الشرعيين عند الخصم المستدل على نفى الحسن والقبح الذاتيين فقد تخلف الحكم عن الدليل وتخلف الحكم هنا من حيث إن الدليل ينفى الحسن والقبح الشرعيين أيضًا مع أنهما ثابتان فلا مانع من ثبوت الحسن والقبح العقليين أيضًا وهذا بعيد. قوله: (ولهذا الجواب تقرير وافٍ فى الكلام) إشارة إلى ما ذكر فى مسألة خلق الأعمال من أن من قال: بأن العبد يخلق أفعال نفسه قائل: بأن صدور الفعل عن القادر يتوقف على أن يخلق اللَّه فيه الداعية للفعل وعند حصولها يجب حصول الفعل ولا يتمكن من الترك وهذا ينافى استقلال العبد بالفعل كان لم يناف تأثير قدرته فيه فلزم هذا القائل القول بأن العبد ليس موجودًا للفعل كما هو مذهب الأشاعرة وفى شرح مسلم الثبوت ما نصه بالاختصار وتحقيق المقام أنه عند إرادة العبد تتحقق الدواعى للفعل من التخيل الجزئى والشوق إليه فيصرف العبد اختياره المعطى من اللَّه سبحانه إلى الفعل وقد أجرى اللَّه عادته بإعطاء ما يصلح المادة إصلاحًا كاملًا وليس الشأن الإلهى أن يترك المادة المستعدة الطالبة بلسان الاستعداد عاربة عنه بإمساك الفيض عنه بل يخلق اللَّه تعالى الفعل فى المريد بجرى العادة فيتصف به هذا عند أهل الحق وأما عند المعتزلة فبعد تمام هذا الاستعداد يغلق العبد الفعل فليس الاختيار فى العبد إلا صرف القدرة والإرادة إلى الفعل سواء وجد بهذا الصرف كما هو عند المعتزلة أو لا كما هو عندنا وهذا لا ينافى الوجوب وأما فعل اللَّه تعالى فتحقيقه أن تتعلق إرادته فى الأزل بإيجاد ما علمه اللَّه تعالى صالحًا

стр. 741

للوجود على النظم الأتم فيوجد بهذا التعلق ما أراده مطابقًا لعلمه ويجب على اقتضائه وهذا التعلق هو الخلق بالاختيار ووجوب الإرادة لأجل الحكمة ووجوب الحكمة لكونها صفة كمالية واجبة الثبوت للبارى لا ينافى اختيار أنه مختار فيه وإن كان واجب الحصول لكونه على مقتضى إرادته وعلمه فى مسلم الثبوت بعد ذلك ما نصه فائدة فى تحقيق صدور الأفعال الاختيارية قال الجهمية الذين هم الجبرية حقًا: لا قدرة للعبد أصلًا وهذا سفسطة وعند المعتزلة له قدرة مؤثرة فى أفعاله وهم مجوس هذه الأمة وما فهموا أن الإمكان ليس من شأنه إفاضة الوجود وعند أهل الحق له قدرة كاسبة فعند الأشعرية ليس معنى ذلك إلا وجود قدرة متوهمة مع الفعل بلا مدخلية لها أصلًا قالوا ذلك كافٍ فى صحة التكليف والحق أنه كفء للجبر وعند الحنفية الكسب صرف القدرة المخلوقة إلى القصد المصمم إلى الفعل فلها تأثير فى القصد المذكور فيخلق اللَّه الفعل عقيب ذلك بالعادة والقصد من الأحوال غير موجود ولا معدوم فليس خلقًا بل إحداث ليس كالخلق بل أهون وقيل بل موجود فيجب حينئذٍ تخصيص القصد المصمم من عموم نصوص خلق اللَّه الفعل لأنه أدنى ما يتحقق به فائدة خلق القدرة ثم قال: وعندى أن العبد مختار بحسب الإدراكات الجزئية الجسمانية مجبور بحسب العلوم الكلية العقلية.

стр. 742

قال: (وعلى الجبائية لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد، وأيضًا لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو صفته لم يكن البارئ مختارًا فى الحكم لأن الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول فيلزم الآخر فلا اختيار ومن السمع هو ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذّبينَ حَتَّى نبعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، لاستلزام مذهبهم خلافه). أقول: الأدلة المذكورة لا تنتهض على الجبائية لأنه إذا كان بوجوه واعتبارات، اندفع الأول لجواز الاختلاف، والثانى لجواز الاجتماع، والثالث لأنه قد لا يكون معنى، والرابع لأن اللازم والاتفاقى قد يكون له جهات واعتبارات. فاحتج بما ينتهض عليهم وعلى غيرهم وهو من العقل والنقل. أما من العقل فوجهان: أحدهما: أنه لو كان حسن الفعل وقبحه لأمر غير الطلب حاصل فى الفعل لم يكن تعلق الطلب لذاته واللازم باطل أما الملازمة فلتوقف تعلقه حينئذ على أمر زائد وما هو للشئ بالذات لا يتوقف على أمر زائد وأما بطلان اللازم فلأنا نعلم بضرورة العقل أن الطلب صفة ذات إضافة تستلزم مطلوبًا عقلًا ولا يعقل حقيقته إلا متعلقًا بمطلوب. ثانيهما: أنه لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفة لم يكن البارئ مختارًا فى الحكم واللازم باطل بالإجماع. بيان اللزوم أن الأفعال تكون حينئذ غير متساوية فى نفسها بالنسبة إلى الأحكام فإذا كان الفعل فيه أحد الحكمين راجحًا فالحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيكون قبيحًا فلا يجوز عليه فيكون الحكم بالراجح متعينًا عليه وأنه ينفى الاختيار، وقد يقال: إن امتناع الفعل لقيام صارف القبح لا ينفى الاختيار. وأما من السمع فقوله تعالى: ﴿وَمَا كنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولو كان الأحكام مدركها العقل لزم خلف ذلك وهو التعذيب قبل البعثة لتحقق الوجوب والخرم وهما يستلزمان التعذيب عندهم لمنعهم العفو. قوله: لاستلزام مذهبهم خلافه؛ يحتمل أن يريد به استلزام حكم العقل خلاف ما تقتضيه الآية والأقرب حمله على أن مذهبهم فى عدم جواز العفو يستلزم التعذيب قبل البعثة بترك الواجبات العقلية إشارة إلى أنه إلزامى وأنه لا يمتنع أن يقال بالوجوب العقلى مع نفى التعذيب قبل البعثة لجواز العفو.

стр. 743

قوله: (وعلى الجبائية) سيتضح لك أن هذه الحجج الثلاث تنتهض على غير الجبائية أيضًا فيجب أن تكون الأدلة الأربعة السابقة مختصة بمن عداهم لا تنتهض عليهم وإلا لما كان لتخصيصهم بالذكر جهة أصلًا فلذا أشار إلى اندفاع الأدلة الأربعة عنهم أما الأول: فلجواز أن يختلف الفعل فيحسن تارة لتحقق الجهة الحسنة ويقبح تارة لتحقق الجهة المقبحة وأما الثانى: فلجواز اجتماع الحسن والقبح إذ لا تناقض عند اختلاف الاعتبار فيحسن الخبر المذكور من حيث إنه صدق ويقبح من حيث إنه مستلزم لكذب خبر آخر وأما الثالث: فلأن الحسن الذى ليس من الأوصاف الذاتية يجوز أن لا يكون وجوديًا بل اعتباريًا فلا يكون عرضًا وأما الرابع فلأن فعل العبد وإن كان لازمًا أو اتفاقيًا يجوز أن يشتمل على جهات واعتبارات بها يحسن ويقبح هذا وفى عدم انتهاض الأخيرين عليهم نظر. قوله: (لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب) قد اعترف الشارح العلامة بتحيره فى تقرير هذا الدليل وقرره بوجهين أحدهما: ينتهض على جميع المعتزلة والآخر على القائلين بكون الحسن والقبح لصفات أو لجهات واعتبارات الأول: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب أى لغير أمر الشارع أو نهيه سواء كان ذلك الغير ذات الفعل أو صفاته أو جهاته واعتباراته لم يكن تعلق الطلب لنفس الطلب ضرورة توقفه حينئذ على ذلك الغير واللازم باطل لأن تعلق الطلب بالمطلوب تعلق عقلى لا يتوقف على غيره لاستلزامه مطلوبًا عقلًا، فإذا حصل الطلب تعلق بنفسه بالمطلوب الثانى: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب من الصفات والاعتبارات لم يكن الطلب لنفس الفعل المطلوب بل يتوقف على ما له من الصفات أو الجهات أو الاعتبارات لكنه تعلق عقلى لا يتوقف على شئ زائد على المطلوب، فبنى الأول على أن ضمير نفسه للمطلب والثانى على أنه للفعل ثم اعترض عليهما بما لا يخفى واختار بعض الشارحين التقرير الثانى لكن خص الغير بالجهات والاعتبارات ليكون حجة على الجبائية وحدهم وبين بطلان اللازم بأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما والطلب قديم لا يتصور توقفه على حادث، فإذا حصل الفعل تعلق الطلب به من غير توقف على جهة واعتبار ثم اعترض بأنه يجوز أن يكون المطلوب هو ذلك الفعل بشرط مقارنة الجهة

стр. 744

الحسنة أو المقبحة فيتوقف التعلق على حصول المطلوب، أعنى الفعل المخصوص واختيار الشارح المحقق من الأول كون ضمير نفسه للطلب لأنه الملائم لقوله غير الطلب ومن الثانى تخصيص الغير بصفات الفعل واعتباراته دون ذاته؛ لأن توقف تعلق الطلب على ذات الفعل المطلوب مما لا سبيل إلى نفيه وحاصله أن تعلق الطلب بالفعل لو توقت على ما يعرض للفعل من الصفات أو يتعلق به من الجهات والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب من لوازم الذات والجواب أنا لا نعنى أن الطلب يتحقق ولا يتعلق ما لم تعرض الصفات أو الاعتبارات، بل إنه لا يتحقق حينئذ فإن بنى ذلك على أن الطلب قديم فهو مع أنه لا ينتهض على المعتزلة يستلزم القول بقدم الفعل المطلوب أو بأنه قد يتحقق من غير تعلق بمطلوب متحقق. قوله: (أو صفة) يعنى حقيقية لازمة أو اعتبارية عارضة لينتهض على الجبائية أيضًا. قوله: (فيكون الحكم بالراجح متعينًا عليه) يعنى لابد فى الفعل من حكم البتة وإذا امتنع المرجوح تعين الراجح وحينئذ يندفع ما ذكره العلامة من أن هذا إنما يتم لو كان ترك الراجح مطلقًا قبيحًا وليس كذلك، إذ القبيح تركه مع الإتيان بالمرجوح. قوله: (وقد يقال) اعتراض على الدليل المذكور بمنع المقدمة الفائلة بأن تعين الحكم بالراجح ينفى الاختيار والجواب عنه بأن أفعال اللَّه تعالى لا تعلل بالحكم والأعراض لا يستقيم على أهول المعتزلة فلا يقوم حجة عليهم. قوله: (لتحقق الوجوب) أى بحكم العقل. قوله: (وتحقق الخرم) أى الإخلال بالواجب بحكم الضرورة. قوله: (استلزام حكم العقل) يعنى أن حكم العقل بحسن الأفعال وقبحها يستلزم التعذيب قبل البعثة والآية تقتضى عدم التعذيب وهو ثابت فينتفى حكم العقل. قوله: (وأنه لا يمتنع) يعنى أن فى قوله لاستلزام مذهبهم خلافه إشارة إلى أن مجرد القول بالوجوب العقلى لا يستلزم القول بالتعذيب قبل البعثة بل هو مع القول بعدم جواز العفو. قوله: (لأنه إذا كان) أى الحسن أو القبح (بوجوه واعتبارات) عقلية مختلفة

стр. 745

(اندفع) الدليل (الأول لجواز الاختلاف) حينئذ بحسب اختلاف الوجوه إنما لا يجوز ذلك إذا استند إلى الذات أو إلى الصفة اللازمة (و) كذا اندفع (الدليل الثانى جواز الاجتماع) بين الحسن والقبح بحسب الاعتبارات المختلفة ولا يجوز ذلك على تقدير الاستناد إلى الذات وهو ظاهر ولا على تقدير الاستناد إلى الصفة اللازمة لاستنادها إلى الذات فيرجع إلى الأول وكذا اندفع الثالث؛ لأن الحسن أو القبح المستند إلى الاعتبارات قد يكون أمرًا اعتباريًا لا موجودًا محققًا فلا يكون عرضًا قائمًا ليلزم المحذور (و) كذا (الرابع لأن) الفعل (اللازم والاتفاقى قد يكون له جهات واعتبارات) بحسبها يتصف بالحسن والقبح إنما لا يتصف بذلك من حيث ذاته ولا من حيثية راجعة إليه. قوله: (لو كان حسن الفعل وقبحه لأمر غير الطلب) أى من الشارع بالأمر والنهى حاصل فى الفعل سواء كان ذلك الأمر ذات الفعل أو صفة له حقيقية أو اعتبارية لم يكن تعلق الطلب بالفعل لذات الطلب لتوقف التعلق حينئذ على أمر زائد على الطلب هو منشأ الحسن أو القبح أو على أمر زائد عليه هو الحسن أو القبح الحاصل من غيره، وباقى الكلام واضح وفيه بحث لأن تعلق الطلب بالفعل نسبة بينهما متوقفة عليهما قطعًا؛ لأن الطلب لا يمكن وجوده خارجًا ولا ذهنًا بدون المطلوب متعلقًا به فلذلك كان التعلق لازمًا له فلو فرضنا: أن ذات الفعل منشأ الحسن أو القبح، وأن تعلق الطلب متوقف عليه لم يكن فيه استحالة وأما أن التعلق ثابت له لذاته فإن أريد به أنه لا يتوقف على شئ مغاير للطلب فهو ممنوع، وإن أريد أنه مستلزم إياه بحيث يمتنع انفكاكه عنه فهو مسلم لكن توقفه على المطلوب لا ينافى ذلك لاستلزامه إياه أيضًا، كان فرض أن تعلقه باعتبار حسنه أو قبحه فإما أن يجعل الحسن مثلًا قيدًا للفعل المطلوب؛ بأن يكون المطلوب هو الفعل الموصوف بالحسن من حيث هو كذلك كان من تتمة المطلوب فلا يلزم من توقف التعلق عليه محذور، وإما أن يجعل غاية للطلب فلا امتناع أيضًا لأن وجود الطلب حينئذ متوقف عليه فضلًا عن تعلقه ولا يقدح ذلك فى الاستلزام لا يقال: حسن الفعل وقبحه، وما يستندان إليه أمور حادثة فلا يتوقت عليها الطلب وتعلقه القديمان، لأنا نقول: الطلب عند المعتزلة حادث على أنه متوقف على العلم بها لا على وجودها فى الخارج وقس على ذلك استناد الحسن إلى الصفة حقيقية كانت

стр. 746

أو اعتبارية ومنهم من خص الدليل بإبطال القول بالصفة؛ فقال: لو كان حسن الفعل وقبحه لغير الطلب من الاعتبارات لم يكن تعلق الطلب بالفعل لنفس الفعل بل لأجل ذلك الاعتبار، ثم منع أن الطلب يتعلق بالفعل من حيث هو لجواز تعلقه به من حيث هو على الجهة المذكورة. قوله: (فإذا كان الفعل فيه أحد الحكمين راجحًا) يعنى: إذا كان أحد الحكمين راجحًا فى الفعل من الحكم الآخر كالأمر الراجح على النهي بالقياس إلى الحسن، فالحكم بالمرجوح أى الإتيان بالحكم المرجوح على خلف ما يقبله العقل ويرتضيه فيكون قبيحًا فلا يجوز عليه؛ فيكون الإتيان بالحكم الراجح متعينًا عليه إذ تركه أيضًا قبيح فلا اختيار وغيره قد اعتبر رجحان تعلق الحكم بفعل على تعلقه بآخر فقال: لا يجوز تعلقه بما هو مرجوح بالقياس إليه فيلزم أن يتعلق بما هو راجح بالنسبة إليه فيكون ضروريًا لا اختيار فيه. قوله: (وقد يقال) حاصله: أن امتناع الإتيان بالحكم المرجوح لقيام صارف القبح العقلى لا ينفى اختيار الفاعل وقدرته عليه كما أن وجوب الإتيان بالحكم الراجح لقيام داعى الحسن إليه لا ينفيه أيضًا. قوله: (لتحقق الوجوب والخرم) بفتح الخاء المعجمة أى: ترك الواجب من خرم منه شيئًا إذا نقصه أو من خرم الدليل عن الطريق إذا عدل عنه. قوله: (سواء كان ذلك الأمر ذات الفعل) أى الأمر الذى هو غير الطلب وحاصل فى الفعل ووجه كونه فى الفعل على تقدير أن يكون ذات الفعل أن بعض الأفعال له حقيقة متركة بين الأشخاص يعرض له الحسن أو القبح باعتبار تلك الحقيقة كالصدق والكذب؛ فإن حقيقة الصدق مشتركة بين صدق هذا الخبر وذاك الخبر وبين هذا الشخص وذاك الشخص وهذه الحقيقة المشتركة علة للحسن لا مجموع الحقيقة والخصوصية فلا شك فى وقوع الشخص طرفًا للحقيقة المشتركة فهذه الطرفية معشرة بأن من قال حسن الفعل وقبحه لذاته لم يرد أن ذاته الشخصية علة لهما بل الذات والحقيقة المشتركة على الوجه الذى ذكر. قوله: (وإما أن يجعل غاية للطلب) بأن يطلب شخص حسن الفعل وحينئذ يتوقف الطلب وتعلقه بالفعل على أن يكون ذلك الفعل مما له حسن وإلا لم

стр. 747

تحصل الغاية. قوله: (وغيره قد اعتبر رجحان تعلق الحكم) بأن يقال تعلق الأمر مثلًا بالحسن راجح على تعلقه بالقبح وقد يجعل هذا الغير الأفعال راجحة ومرجوحة بالنسبة إلى الحكم فإن الفعل الحسن راجح على الفعل القبيح بالنسبة إلى الأمر والفعل القبيح راجح على الفعل الحسن بالنسبة إلى النهى على خلاف ما ذكر من أن الأمر راجح على النهى بالقياس إلى الفعل الحسن والنهى راجح على الأمر بالقياس إلى الفعل القبيح. قوله: (لقيام صارف القبح العقلى لا ينفى اختيار الفاعل) وذلك لأن معنى كونه مختارًا أنه تعالى يصح منه الفعل والترك بالنظر إلى ذاته ونفس الفعل وذلك لا ينافى الوجوب والامتناع بالنظر إلى الغير والمعتزلة قائلون بذلك. التفتازانى: (وفى عدم انتهاض الآخرين عليهم نظر) وذلك لأنهما ثابتان ولو كان الحسن والقبح لوجه واعتبار فى الفعل إذ يقال: إن الحسن موجود لأن نقيضه لا حسن وهو سلب. . . إلخ. ويقال: إن فعل العبد اضطرارى لأن صدوره. . . إلخ. التفتازانى: (قد اعترف الشارح العلامة) أى الشيرازى شارح هذا المختصر. التفتازانى: (أو جهاته واعتباراته) عطف اعتباراته على جهاته عطف تفسير. التفتازانى: (لاستلزامه أى الطلب مطلوبًا) أى فلا بد من التعلق فيكون التعلق ذاتيًا. التفتازانى: (ثم اعترض عليهما بما لا يخفى) لعله أنه إذا كان المطلوب هو الفعل الموصوف بالحسن كان الطلب متعلقًا بنفسه بالمطلوب. التفتازانى: (ومن الثانى تخصيص الغير بصفات الفعل واعتبار أنه دون ذاته) أى لقوله حاصل فى الفعل فلا يشمل ذات الفعل وهو خلاف تقرير السيد كلام الشارح. التفتازانى: (لم يكن تعلق الطلب من لوازم الذات) لتحقق الطلب بدونه عند عدم ما يعرض للفعل من الصفات أو يتعلق به من الاعتبارات، وقوله: والجواب أنا لا نعنى أن الطلب. . . إلخ. أى لا نعنى بتوقف الطلب على الصفات

стр. 748

والاعتبارات أن الطلب يتحقق ولا يتعلق إلا إذا عرضت الصفات أو الاعتبارات حتى ينافى كون تعلق الطلب من لوازم الذات بل نعنى أنه لا يتحقق الطلب، وقوله: فإن بناء ذلك أى بناء كون تعلق الطلب بالفعل لو توقف على ما يعرض للفعل من الصفات والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب من لوازم الذات على أن الطلب قديم والتعلق إذا كان من لوازمه لم يتوقف على ما يعرض للفعل من الصفات والاعتبارات فلا ينتهض على المعتزلة لأن الطلب ليس قديمًا عندهم ويستلزم قدم الفعل أو أن الطلب يتحقق من غير مطلوب متحقق. التفتازانى: (بحكم الضرورة) إذ لا شبهة فى أن العقلاء كانوا يتركون الواجبات. قوله: (قد يكون أمرًا اعتباريًا لا موجودًا محققًا) يرد أن دليل كونه موجودًا محققًا متحقق أيضًا على هذا. قوله: (بحسبها يتصف بالحسن والقبح) يرد أن كون الفعل الاضطرارى أو الاتفاقى لا يوصف بالحسن والقبح ثابت ولو كان وصفه بهما لوجه واعتبار ولذا قال السعد وفى عدم انتهاض الآخرين عليهم نظر. قوله: (سواء كانت ذات الفعل) أى ماهيته المشتركة بينه وبين أمثاله كصدق أن زيدًا قائم فإن ذات الصدق الكلية مشتركة بينه وبين الأخبار الصادقة فهذه الذات المشتركة يصدق عليها أنها فى الفعل أى الجزئى فقول الشارح حاصل فى الفعل يشمل ذات الفعل لأنها حاصلة فيه وجرى السعد على الظاهر من قوله حاصل فى الفعل فقصره على الصفة حقيقية أو اعتبارية. قوله: (فهو ممنوع) أى: لظهور توقفه على المطلوب أيضًا. قوله: (أنه) أى الطلب مستلزم إياه أى التعلق. قوله: (لكن توقفه) أى الطلب وقوله لا ينافى ذلك أى استلزام الطلب للتعلق وقوله لاستلزامه أى الطلب إياه أى المطلوب وقوله كان من تتمة المطلوب لو أبدل قوله فإما أن يجعل الحسن بقوله فإن جعل الحسن أو إبدال كان من تتمة المطلوب بقوله فيكون من تتمة المطلوب لكان أحسن. قوله: (وأما أن يجعل غاية الطلب) أى أن الطلب له ففى الأول المطلوب الفعل الموصوف بالحسن وفى هذا الوجه المطلوب الفعل لما فيه من الحسن.

стр. 749

قوله: (على العلم بها) أى وهو متقدم فى التعقل. قوله: (أن تركه أيضًا قبيح) رد على العلامة الشيرازى حيث قال: إن هذا إنما يعتبر لو كان ترك الراجح قبيحًا مطلقًا وليس كذلك إذ القبيح تركه مع الإتيان بالمرجوح. قوله: (رجحان تعلق الحكم بفعل على تعلقه بآخر) أى كتعلق الأمر بالحسن على تعلقه بالقبح وقد يجعل هذا الغير الأفعال راجحة ومرجوحة بالنسبة إلى الحكم فإن الفعل الحسن راجح على الفعل القبيح بالنسبة إلى الأمر والفعل القبيح راجح على الفعل الحسن بالنسبة إلى النهى.

стр. 750

قال: (قالوا: حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلوم بالضرورة من غير نظر إلى عرف أو شرع أو غيرهما والجواب المنع بل بما ذكر، قالوا: إذا استويا فى المقصود مع قطع النظر عن كل مقدر آثر العقل الصدق وأجيب بأنه تقدير مستحيل فلذلك يستبعد منع إيثار الصدق ولو سلم فلا يلزم فى الغائب للمقطع بأنه لا يقبح من اللَّه تمكين العبد من المعاصى ويقبح منا، قالوا: لو كان شرعيًا لزم إفحام الرسل فيقول لا أنظر فى معجزتك حتى يجب النظر ويعكس أو لا يجب حتى يثبت الشرع ويعكس، والجواب أن وجوبه عندهم نظرى فيقول بعينه على أن النظر لا يتوقف على وجوبه ولو سلم فالوجوب بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت أو لم يثبت. قالوا: لو كان ذلك لجازت المعجزة من الكاذب ولامتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إلى اللَّه قبل السمع والتثليث وأنواع الكفر من العالم بخلافه وأجيب بأن الأول إن امتنع فلمدرك آخر والثانى ملتزم إن أريد به التحريم الشرعى). أقول: للمعتزلة فى إثبات حكم العقل وجوه: قالوا: أولًا: حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلوم بالضرورة من غير النظر إلى شرع أو عرف أو غيرهما من عادة أو مصلحة أو مفسدة ونحوها ولذلك اتفق عليه العقلاء من غير اختلاف مع اختلاف شرعهم وعرفهم وغرضهم وعادتهم وقال به من لا يتشرع فدل على أنه ذاتى. الجواب: منع كونه معلومًا بالضرورة بل بأحد ما ذكر من الشرع أو العرف أو غيرهما أو نمنع الضرورة فى الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه بل بأحد ما ذكر من التغيرات الثلاث. قالوا: ثانيًا: إذا استوى الصدق والكذب فى جميع المقاصد مع قطع النظر عن كل مقدر يصلح مرجحًا للصدق آثر العقل الصدق ولولا أنه ذاتى ضرورى لما كان كذلك. والجواب: أن يقال لا استواء فى نفس الأمر لأن لكل واحد منهما لوازم فإذًا تقدير تساويهما تقدير مستحيل فيمنع إيثار الصدق على ذلك التقدير وإن كان مما يؤثر فى الواقع وإنما يستبعد ذلك لأنه لا يلزم من فرض التساوى وقوعه وإنما يتبادر الذهن إلى الجزم بإيثار الصدق مع التقدير فيغلط ويظن أنه جزم بإيثاره عند وقوع

стр. 751

المقدر والفرق بينهما غير خفى ولو سلم ذلك فى الشاهد أى فى حقنا فلا يلزم فى الغائب أى فى حق اللَّه تعالى لتعذر القياس فيه فإنا نقطع بأن اللَّه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية وأنه منا قبيح إذ يحرم على السيد تمكين عبده من المعاصى إجماعًا. قالوا: ثالثًا: لو كان شرعيًا لزم إقحام الرسل فلا تنهيد البعثة وبطلانه ظاهر بيانه إذا قال الرسول: انظر فى معجزتى كى تعلم صدقى فله أن يقول لا أنظر فيه حتى يجب على النظر وأنه لا يجب حتى أنظر أو يقول لا يجب علىّ حتى يثبت الشرع ولا يثبت الشرع حتى أنظر وأنا لا أنظر ويكون هذا القول حقًا ولا سبيل للرسول إلى دفعه وهو حجة عليه وهو معنى الإفحام. الجواب: أما أولًا: فبأنه مشترك الإلزام لأنه وإن وجب عندهم بالعقل فليس ضروريًا لتوقفه على إفادة النظر للعلم مطلقًا وفى الإلهيات خاصة وعلى أن المعرفة واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والكل مما لا يثبت إلا بالنظر الدقيق وإذا كان وجوبه نظريًا فللمكلف أن يقول: ما تقدم بعينه وهو أنه لا يجب ما لم أنظر ولا أنظر ما لم يجب أو لا يجب ما لم يحكم العقل بوجوبه ولا يحكم ما لم يجب. وأما ثانيًا: فبالحل وهو أن قوله: لا أنظر حتى يجب؛ غير صحيح لأن النظر لا يتوقف على وجوب النظر وهو ظاهر وقد يقال: فلا يمكن إلزامه النظر وهو معنى الإفحام ولو سلم أن النظر يتوقف على وجوبه فقوله: لا يجب حتى أنظر أو حتى يثبت الشرع؛ غير صحيح، فإن الوجوب عندنا ثابت بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت الشرع أو لم يثبت لأن تحقق الوجوب لا يتوقف على العلم به وإلا لزم الدور وليس ذلك من تكليف الغافل فى شئ فإنه يفهم التكليف وإن لم يصدّق به. قالوا: رابعًا: لو كان ذلك أى لو تحقق كونه شرعيًا للزم محالان: أحدهما: فى فعل اللَّه تعالى وهو أن لا يقبح مند فلا شئ يمتنع عليه شئ فيلزم جواز إظهار العجزة على يد الكاذب وفيه سد باب إثبات النبوة وأن يمتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إليه قبل السمع ويلزم أن لا يجزم بصدقه أصلًا لأنه مما لا يمكن إثباته بالسمع لأن حجية السمع فرع صدقه تعالى إذ لو جاز كذبه لم يكن تصديقه للنبى دالًا على صدقه فينسد باب إثبات النبوة وترتفع الثقة عن كلامه.

стр. 752

ثانيهما: فى فعل العبد وهو أن لا يقبح التثليث ونسبة الزوجة والولد والكفء إليه تعالى وأنواع الكفر من العالم بخلافه قبل السمع وبطلانه ضرورى. والجواب عن الأول لا نسلم امتناع إظهار العجزة على يد الكاذب والكذب على اللَّه تعالى امتناعًا عقليًا كنا نجزم بعدمه لأنهما من الممكنات وقدرته شاملة ولو سلم امتناعه فلا نسلم أن امتناع القبح العقلى يستلزم انتفاءه لجواز أن يمتنع لمدرك آخر إذ لا يلزم من انتفاء دليل معين انتفاء العلم بالمدلول. وعن الثانى أنه لو أريد بقبح التثليث التحريم الشرعى وهو المنع عنه من قبل اللَّه تعالى الذى هو المتنازع فيه التزمنا عدم قبحه وإن أريد به معنى آخر فلا يضرنا لأنه إثبات لغير المتنازع فيه. قوله: (بل بأحد ما ذكر) المعنى الأول هو الظاهر والثانى تكلف محض معناه لا نسلم أن حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران بمعنى استحقاق الثناء والذم فى حكم الشارع أو بمعنى وجود الحرج وعدمه ضرورى؛ بل بمعنى موافقة الغرض ومخالفته فالأحد معين لكن أبهمه لكونه كافيًا فى المقصود أعنى عدم ثبوت المتنازع فيه الذى هو أحد الأخيرين بالتعيين ولا دلالة فى هذا على أنه بأى معنى يوجد لا يثبت المتنازع حتى يفهم منه أن محل النزاع غير التفسيرات الثلاث؛ وكأن فى قوله أو نمنع بلفظ الفعل إيماء إلى أن هذا ليس تفسير والكلام المتن بل منعًا آخر. قوله: (فإذًا تقدير تساويهما) يعنى إذا كان لكل منهما لوازم مخالفة للوازم الآخر كان تقدير تساويهما من جميع الوجوه تقدير أمر مستحيل وحينئذ لا نسلم أن العقل يؤثر الصدق على ذلك التقدير أى عند وقوع التساوى بل لا يؤثر الصدق ولا الكذب، وإن كان يؤثره فى الواقع لعدم وقوع المقدر فإن قيل إيثار الصدق عند وقوع التساوى مما لا يكاد يجزم به العقل ويستبعد منعه قلنا: لأنه يلتبس عليه حال وقوع التساوى بحال فرضه وتقديره فيظن أن جزمه بإيثار الصدق عند فرض التساوى وتقديره جزم بإيثاره عند وقوع التساوى، وكما يستبعد منعه عند تقدير الوقوع يستبعد منعه عند وقوع المقدر والفرق بينهما غير خفى على المتأمل لأن الجزم مع التقدير جزم فى حال عدم التساوى بل نرجح الصدق والجزم عند وقوع

стр. 753

المقدر جزم فى حال التساوى وعدم الترجح، فالإيثار فى الأول لمرجح وفى الثانى لا لمرجح فقوله: لأنه لا يلزم من فرض التساوى وقوعه معناه أن توجه منع إيثار الصدق إنما هو حال وقوع التساوى لا حال فرضه فعند الفرض إنما كان يتوجه لو كان مستلزمًا للوقوع فحيث لم يستلزم يستبعد المنع وقوله فى المتن فلذلك يستبعد معناه أن منع إيثار الصدق إنما يستبعد؛ لأن تقدير التساوى تقدير أمر مستحيل لا يتصور وقوعه حتى لو كان أمرًا ممكنًا ربما يقع مع التقدير لم يستبعد معه المنع كما لا يستبعد مع الوقوع وشرح هذا المقام على ما ذكره المحقق مما لم يحم حوله أحد. قوله: (ولو سلم ذلك) أى كون حسن الصدق ذاتيًا فى حقنا فلا يلزم كونه كذلك فى حق اللَّه حتى يصح حكم العقل قبل ورود الشرع أن فاعله يستحق الثناء فى حكم اللَّه تعالى. قوله: (تمكين العبد) أى إقداره وترك قسره وإلجائه إلى الطاعة، فلا يرد ما ذكره العلامة من أن فعل العبد بقدرته لا بقدرة اللَّه تعالى فلا تمكين منه. قوله: (ولا يثبت الشرع حتى أنظر) لم يقل حتى يجب النظر على ما هو صريح العكس لأن المنع عليه ظاهر بل أشار إليه بقوله: وأنا لا أنظر أى حتى يجب فلزم الإفحام وخفى المنع. قوله: (والكل مما لا يثبت) إشارة إلى دفع الاعتراض بأن وجوب النظر من النظريات الجليلة التى تسمى فطرية القياس. قوله: (وأما ثانيًا فبالحل) أشار إلى رد المقدمة الأولى أعنى لا أنظر حتى يجب ولما كان دفعه ظاهرًا وهو أن معنى الإفحام أنه لا يمكنه إلزام النظر إلا بعد الوجوب فله أن يقول لا أنظر ما لم يجب وإن جاز النظر بدون الوجوب أشار إلى رد المقدمة الثانية بأن قوله لا يجب النظر ما لم أنظر أو ما لم يثبت الشرع ليس بصحيح؛ لأن النظر إنما يكون للعلم بالشئ وثبوته عند الناظر لا لثبوته وتحققه فى نفس الأمر فالوجوب عندنا ثابت بالشرع نظر أو لم ينظر ثبت الشرع عندنا أو لم يثبت من غير توقف على العلم به؛ لأن العلم بالوجوب وقوف على الوجوب فلو توقف عليه لزم الدور ولما اعترض بعضهم بأن هذا تكليف للغافل وأجاب بأنه جائز فى هذه الصورة للضرورة أشار إلى إبطاله بقوله: وليس ذلك أى وجوب النظر قبل النظر وثبوت الشرع عنده من تكليف الغافل فى شئ لأن معناه أن لا

стр. 754

يفهم التكليف والخطاب وههنا قد فهمه وإن لم يصدق به ولم يعلم أنه مكلف. قوله: (للزم محالان) ظاهر كلام المصنف وصريح كلام الآمدى هو أن الأول جواز إظهار المعجزة والثانى امتناع الحكم بقبح الأمور المذكورة وتكلف الشارح فجعل الأول جواز إظهار المعجزة وامتناع الحكم بقبح نسبة الكذب إليه والثانى عدم قبح التثليث ونحوه وجعل نسبة الكذب بمعنى انتسابه إلى اللَّه تعالى وكونه كاذبًا ليكون فعل اللَّه وإلا فظاهر أن نسبة الكذب إليه فعل العبد كنسبة الزوجة والولد والكفء. وذلك لأنه لو أجرى كلام المصنف على ظاهره لما كان لتوسيط قوله: قبل السمع بين نسبة الكذب والتثليث جهة بل كان المناسب تقديمه على الكل أو تأخيره عنه فليتأمل. قوله: (من العالم بخلافه) أى ممن يعلم خلاف كل ما ذكر من المحالات وقيد بذلك لأنه ربما لا يحكم العقل بقبح صدور هذه الأمور من الجاهل. قوله: (معلوم بالضرورة) أى معلوم بلا كسب، وهذا العلم الضرورى حاصل من غير نظر والتفات إلى شرع وغيره فيكون بديهيًا أو معلومًا بالبديهة فيكون قوله: من غير النظر بمنزلة التفسير مبالغة وتأكيدًا. قوله: (ونحوها) أى من أخلاق تابعة لأمزجة، والحاصل أنه إذا نظرنا إلى الصدق النافع من حيث هو ونسبنا الحسن إليه وقطعنا النظر عن جميع ما عداه حكم العقل بأنه حسن حكمًا ضروريًا لا توقف فيه، فلو لم يكن الحسن له فى ذاته بل كان مستفادًا من شرع أو غيره لم يحكم بذلك لتوقفه حينئذ على ملاحظة ما استند إليه حسنه وكذا الحال فى قبح الكذب الضار وإذا ثبت كونهما عقليين فى هذه الأفعال ثبت فيما عداها؛ إذ لا قائل بالفصل، والجواب: منع كونه معلومًا بالضرورة مع قطع النظر عن المذكورات بل هو معلوم بأحدها، أو الجواب بمنع الضرورة؛ أى لا نسلم أن العقل مع قطع النظر عن الأمور المذكورة يحكم بالحسن أو القبح بالمعنى الذى وقع النزاع فيه وقد حققناه فى صدر الكتاب بل يحكم بهما بأحد المعانى الثلاثة المذكورة هناك. قوله: (مع قطع النظر عن كل مقدر يصلح مرجحًا) أى: من الاعتقادات والشرائع والأقوال المستدعية للميل إليه والبرهان الدال على حسنه آثر العقل

стр. 755

الصدق، ولولا أن حسنه ثابت له فى ذاته ومعلوم بالضرورة لما كان كذلك، والجواب أن يقال: لا استواء بين الصدق والكذب فى نفسر الأمر من جميع الوجوه (لأن لكل واحد منهما لوازم) منافية للوازم الآخر أقلها المطابقة واللامطابقة (فإذًا تقدير تساويهما) فى جميع المقاصد والجهات (تقدير) أمر (مستحيل) فيتوجه منع التقدير (فيمنع إيثار الصدق على ذلك التقدير، وإن كان مما يؤثر فى الواقع وإنما يستبعد) منع إيثار الصدق على ذلك التقدير (لأنه لا يلزم من فرض التساوى) بينهما (وقوعه) فى نفس الأمر فهنا شيئان نفس التقدير وهو أمر واقع لا استحالة فيه ووقوع المقدر هو المستحيل ومنع الإيثار إنما هو على الثانى لا الأول وليس بمستبعد فى نفسه لجواز استلزام المحال للمحال (وإنما) يستبعده الذهن؛ لأنه (يتبادر إلى الجزم بإيثار الصدق مع) وجود (التقدير فيغلط ويظن أنه جزم بإيثاره عند وقوع المقدر والفرق) بين الجزمين الحاصل والمظنون أو بين نفس التقدير ووقوع المقدر (غير خفى ولو سلم ذلك) أى كون الحسن والقبح للفعل فى ذاته (فى حقنا) بما ذكرتم من الدليل (فلا يلزم ذلك فى حق اللَّه تعالى) وكلامنا فيه؛ لأن البحث عن الحسن والقبح بالإضافة إلى أحكام اللَّه تعالى لعدم جريانه فى حقه تعالى ولا يمكن القياس لأنا نقطع بالفرق إجماعًا لا يقال: إذا سلم أن الحسن مثلًا ذاتى للفعل وما يستند إلى ذات الشئ لا يختلف أصلًا فيلزم ثبوته فى حقه تعالى أيضًا، لأنا نقول: ما ذكرتم إنما يدل على أن للصدق حسنًا قائمًا بذاته، وأما إنه مقتضى ذاته من حيث هى فلا وحينئذ جاز الاختلاف بالمقايسة. قوله: (لزم إفحام الرسل) أى: إسكاتهم وعجزهم عن إثبات النبوة. قوله: (فله أن يقول: لا أنظر فيه) أى فى المعجز (حتى يجب علىَّ النظر) فيه إذ له أن يمتنع عما لم يجب عليه وأن النظر فيه لا يجب علىَّ حتى أنظر فيه إذ لا وجوب بالفرض إلا من الشرع فوجوب النظر فيه يتوقف على ثبوت الشرع المتوقف على النظر فيه فيتوقف كل من النظر فيه ووجوبه على الآخر، وله أن يقول: هذا المعنى بعبارة أوضح، فيقول: لا يجب علىَّ النظر فيه حتى يثبت الشرع لما عرفت ولا يثبت الشرع حتى أنظر وأنا لا أنظر ما لم يجب، وإذا بطل كونه شرعيًا ثبت كونه عقليًا إذ لا مخرج عنهما إجماعًا. قوله: (أما أولًا فبأنه مشترك الإلزام لأنه) أى لأن النظر (وإن وجب عندهم

стр. 756

بالعقل فليس) وجوبه (ضروريًا لتوقف الوجوب على إفادة النظر للعلم مطلقًا) أى: فى الجملة وأنكرها السمنية فى الإلهيات خاصة وقد أنكرها المهندسون وعلى أن معرفة اللَّه تعالى واجبة وقد جحده الحشوية وأن المعرفة لا تتم إلا بالنظر وقد منعه الصوفية وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وسيأتى ما قيل عليه، فإن قلت: ما ذكرتموه يتعلق بوجوب النظر فى معرفة اللَّه سبحانه والكلام فى النظر فى المعجزة قلت النظر فى معرفة الرسالة من اللَّه تعالى نظر فى معرفته من حيث الصفات الفعلية، أو نقول: وجوب النظر فى معرفة الرسالة منه تعالى متوقف على وجوب النظر فى معرفته فيتوقف على هذه المقدمات أيضًا ولك أن تحمل المعرفة المذكورة على معرفة الرسالة منه تعالى وباقى المقدمات على حالها فكل واحد منها لا يثبت إلا بالنظر الدقيق فبطل ما زعموا من أن وجوب النظر من القضايا الفطرية القياس، وإذا كان وجوب النظر نظريًا فللمكلف أن يقول: لا يجب علىَّ النظر فى المعجز ما لم أنظر فى وجوبه؛ لأن وجوبه مستفاد من النظر ولا أنظر فى وجوبه ما لم يجب علىَّ إذ ما ليس بواجب على لا أنظر فى وجوبه، فإن قيل: هو وإن لم يكن واجبًا لكن النظر فى وجوبه واجب فليس له الامتناع قلنا: ممنوع وإن سلم فبنظر آخر ويلزم التسلسل أو يقول: لا يجب على النظر فيه ما لم يحكم العقل بوجوبه ولا يحكم العقل به ما لم أنظر فيه وأنا لا أنظر فى وجوبه ما لم يجب على لما عرفت. قوله: (فإن الوجوب) أى وجوب النظر فى المعرفة أو مطلق الوجوب الشامل له ولغيره. (ثابت) فى نفس الأمر (بالشرع نظر) المكلف (أو لم ينظر ثبت الشرع) عنده (أو لم يثبت لأن تحقق الوجوب) فى نفس الأمر (لا يتوقف على العلم به وإلا لزم الدور) لأن تحقق العلم به متوقف على تحققه فيه ضرورة وجوب مطابقته إياه، غاية ما فى هذا أن يقال: إنه تكليف بالوجوب للغافل عنه وإنه باطل إجماعًا؛ فيجاب بأنه ليس ذلك من تكليف الغافل المستحيل فى شئ فإن المكلف فى هذه الصورة يفهم التكليف وإن لم يصدق به وليس التصديق بالتكليف شرعًا لتحققه وإلا لزم الدور، وأما الغافل الذى لا يجوز تكليفه فهو من لا يفهم الخطاب كالصبيان أو يفهم لكنه لم يقل له: إنه مكلف كالذى لم تصل إليه دعوة نبى والحاصل أن الغافل عن التصور لا يجوز تكليفه لا الغافل عن التصديق،

стр. 757

وهذا هو الجواب المحقق عما فيه فى إيجاب معرفة اللَّه تعالى من أنه إما تكليف الغافل أو أمر بتحصيل الحاصل لا ما قيل من أن ذلك مستثنى من قاعدة تكليف الغافل إذ لا جواز للاستثناء فى الدلائل القطعية. قوله: (وهو أن لا يقبح منه تعالى شئ) إذ لا قبح للأشياء عقلًا ليثبت بالقياس إليه، وأما القبح الشرعى فلا يتصور فى حقه سبحانه لترتبه على النواهى الشرعية المتعلقة بالعباد لا بالخالق تعالى وأيضًا الكلام قبل ثبوت الشرع وإذا انتفى القبح الصارف لم يمتنع عليه شئ فيلزم جواز إظهاره المعجزة على يد الكاذب فلا يحصل لنا الجزم بانتفائه فلا يلزم صدق مدعى الرسالة أصلًا، ويلزم أيضًا أن يمتنع منا الحكم بقبح نسبة الكذب إليه تعالى قبل السمع إذ لا قبح هناك فلا يعلم انتفاء الكذب عنه بل جوازه، ويلزم من ذلك أن لا يجزم بصدقه أصلًا لأن صدقه مما لا يمكن إثباته بالسمع لأن حجية السمع بل ثبوته فرع صدقه تعالى إذ لو جاز كذبه لم يكن تصديقه للنبى بإظهار المعجزة فإنه فى قوة قوله: هذا صادق فى دعواه دالًا على صدقه وإذا كان السمع متوقفًا على صدقه لم يكن إثباته به وقد عرفت أن لا جزم بصدقه من حيث العقل فينسد باب إثبات النبوة لتوقفه على الجزم بصدقه ويرتفع أيضًا الثقة عن كلامه. قوله: (من العالم بخلافه) أى بخلاف ما ذكر من التثليث وغيره وفى بعض النسخ من العالم بحاله أى: الذى يعلم حاله تعالى وأنه ليس ثالث ثلاثة ولا زوجة له ولا ولد. قوله: (وإن كنا نجزم بعدمه) أى بعدم إظهار المعجز على يد الكاذب وعدم الكذب إذ لا يلزم من جواز الشئ عقلًا عدم الجزم بعدمه كما سبق فى العلوم العادية. قوله: (ولو سلم امتناعه) أى امتناع الإظهار والكذب فى نفس الأمر فلا نسلم أن انتفاء القبح العقلى يستلزم انتفاء امتناع وانتفاء العلم به لجواز أن يمتنع لمدرك آخر؛ أى يجوز أن يمتنع بسبب آخر ويدرك إذ لا يلزم من انتفاء سبب معين هو دليل معين انتفاء المسبب المدلول أو انتفاء العلم به. قوله: (الذى هو المتنازع فيه) فيه بحث لأن القبح بهذا المعنى لا يتصور ثبوته قبل الشرع فكيف يتنازع فيه أنه ثابت قبله أو لا ومن ادعى قبح التثليث قبل السمع

стр. 758

لم يرد به المنع الشرعى بل كونه بحيث يستحق فاعله الذم عاجلًا والعقاب آجلًا وقد أوضحناه فيما سلف؛ ولذلك ترى بعضهم يقول: إن أريد التحريم الشرعى التزمنا عدمه ولذلك ترى التحريم القطعى (١)، وإن لم يتعرض له المصنف ويمكن أن يقال: معناه أنه لو أريد بقبح التثليث ما يترتب عندنا على التحريم الشرعى من الذم والعقاب وهو المتنازع فيه التزمنا عدم قبحه، وإن أريد بالقبح معنى آخر فلا يضرنا إثباته لأنه إثبات لغير المتنازع فيه. قوله: (مبالغة وتأكيدًا) وذلك لأن البداهة تظهر بنفى الاحتياج إلى النظر وبترتيب المقدمات وإذا ذكر فى بيانها نفى الاحتياج إلى النظر والالتفات حصل المبالغة والتأكيد فيها لأن الثانى أعم من الأوّل. قوله: (بل كان مستفادًا من شرع أو غيره) قيل: أى حاصلًا من شرع أو غيره إذ المقابلة تناسب ذلك وإذا كان كذلك فقوله: لتوقفه حينئذ على ملاحظة ما استند إليه حسنه محل تأمل؛ لأن حكم العقل بين الحسن والصدق النافع بمجرد ملاحظتهما لا ينافى ثبوت الحسن له من علة مباينة ولا يلزم ملاحظة علة الثبوت فى الحكم بالشئ الذى هو بين الثبوت لشئ آخر. قوله: (ولولا أن حسنه ثابت له فى ذاته ومعلوم بالضرورة لما كان كذلك) صحة هذا الكلام مبنية على شيئين أحدهما: إخراج الحسن من الأحوال المستدعية للميل إليه فإن الحسن حالة تصلح أن تكون مرجحًا وثانيهما: أن إثبات العقل للصدق يتوقف على ملاحظة حسنة فإذا رفع النظر عن الأشياء المذكورة وآثر العقل الصدق ثبت كون حسنه معلومًا بالضرورة وثابتًا له فى ذاته. قوله: (لتوقف الوجوب على إفادة النظر للعلم مطلقًا) أى توقفًا علميًا أو استدلاليًا ليلزم كونه نظريًا وإنما اعتبر توقفه على المطلق مع توقفه على الخاص لأن المقصود بيان احتياجه إلى أنظار دقيقة وباعتبار كل واحد من المطلق والخاص يحصل بيان احتياجه إلى النظر الدقيق. قوله: (أو نقول وجوب النظر فى معرفة الرسالة منه تعالى) حاصل الجوابين: وجوب النظر فى معرفة الرسالة من اللَّه تعالى ومن جملته وجوب النظر فى معرفة

стр. 759

اللَّه لأن المراد بمعرفة اللَّه تعالى معرفته من حيث الذات والصفات التى من جملتها هذه الصفة الفعلية المخصوصة فإن أردنا اعتبرنا وجوب النظر وقلنا إنه متوقف على إفادة النظر للعلم مطلقًا إلى آخر المقدمات وإن أردنا اعتبرنا توقفه على وجوب النظر فى معرفته تعالى لكن يجب أن إثبات كون الوجوب نظريًا يحتاج إلى إثبات التوقف الاستدلالى فيلزم أن يجعل وجوب النظر فى معرفة الرسالة من اللَّه تعالى والتوقف العلمى بين هذين الوجهين على وجه يسند النظر له يحتاج بيانه إلى تأمل. قوله: (هو وإن لم يكن واجبًا) اعتراض على قوله: ولا أنظر فى وجوبه أى وجوب النظر فى المعجزة ما لم يجب علىّ النظر فى المعجزة إذ ما ليس بواجب علىّ وهو النظر فى المعجزة لا أنظر فى وجوبه بأن يقال: هو أى النظر فى المعجزة وإن لم يكن واجبًا لكن النظر فى وجوبه واجب أى وجوب النظر فى الوجوب لا يتوقف على الوجوب وحاصل الجواب أنه إذا لم يكن النظر فى المعجزة واجبًا لم يكن النظر فى وجوبه واجبًا ولو سلم أن النظر فى وجوب النظر فى المعجزة واجب مع عدم وجوب النظر فى المعجزة فالنظر فى وجوب النظر فى المعجزة واجب مع عدم وجوب نظر آخر فى وجوب النظر فى المعجزة وتوضيح هذا الكلام بأنا نقرر الكلام هكذا لا يجب علىّ النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوبه ولا أنظر فى وجوبه ما لم يجب علىّ النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب (١) النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا أنظر فى وجوب النظر فى المعجزة وجوب فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم يجب علىّ النظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا يجب علىّ النظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة وهكذا إلى أن تتسلسل الوجوبات والأنظار فإن كل وجوب يتوقف على نظر وكل نظر يتوقف على وجوب لكن يجب علىّ ادعاء النظر له فى كل وجوب واقع فى السلسلة.

стр. 760

قوله: (فلا يعلم (١) صدق مدعى الرسالة) اعتبار عدم العلم بصدق النبى ﵊ مناسب للتقرير الواقع فى انسداد باب إثبات النبوة وكأن الشارح قد قصد هنا شيئين: ثبوت النبوة وإثباته فقال: أوّلًا وفيه سد باب النبوة أى ثبوتها باعتبار أن ثبت النبوة موقوف على تصديق اللَّه تعالى للنبى ﵊ وهذا التصديق ليس إلا بإظهار المعجزة وهذا الإظهار تصديق من اللَّه تعالى إذا كان محتفيًا بالنبى ﵊ وإذا لم يكن محتفيًا لم يكن تصديقًا وإذا لم يكن للنبى ﵊ تصديق من اللَّه تعالى لم تثبت له النبوة. قوله: (ويلزم أيضًا) يعنى أن قول الشارح: أن يمتنع معطوف على قوله: جواز إظهاره وفيه تعسف لأن امتناع الحكم منا قبح نسبة الكذب إليه تعالى قبل السمع لا يتفرع على قوله: فلا يمتنع عليه عدم قبح (٢) الكذب وجوازه من اللَّه تعالى والحكم والنسبة المذكوران فى قوله: وإن يمتنع الحكم بقبح نسبة الكذب إليه واقعان منا ولا يلزم من عدم قبح الكذب المذكور عدم قبح أمر واقع منا ألا يرى أن هذا الكذب ليس بقبيح قبل السمع وبعده على تقدير أن يكون القبح شرعيًا والنسبة المذكورة قبيحة بعد السمع والظاهر أن هذا القول من الشارح معطوف على قوله: أن لا يقبح منه شئ لأن هذا الامتناع متفرع على كون القبح شرعيًا لكن قوله: أحدهما فى فعل اللَّه تعالى يحتاج إلى تأويل على هذا التقدير بأن يقال أراد بكونه فى فعل اللَّه تعالى تعلقه بفعله فإن امتناع الحكم بقبح الكذب والإثبات بأمر غير مطابق له أنه متعلق بفعله تعالى. قوله: (ويلزم من ذلك) أى من العلم بجوازه فإن قيل إذا كان المقصود لزوم عدم الجزم بصدقه وهو حاصل من جواز كذبه يجب أن يترك قول الشارح وأن يمتنع. . . إلخ. ويذكر مقامه وجواز كذبه معطوفًا على جواز إظهاره قلنا: عدم الجزم بالصدق لا يلزم من جواز الكذب فى نفس الأمر بل يلزم من الحكم بجواز الكذب فى هذا الحكم من ذلك الكلام ولذا قال: فلا يعلم انتفاء الكذب عنه بل جوازه.

стр. 761

قوله: (وقد عرفت أن لا جزم) يعنى أن قول الشارح أصلًا معناه لا من حيث السمع ولا من حيث العقل. قوله: (فلا نسلم أن انتفاء القبح العقلى) هذا المنع متوجه إلى قوله: وهو أن لا يقبح منه شئ فلا يمتنع عليه شئ والقبح المذكور هنا غير مقيد بكونه عقليًا لكن قيد القبح بالعقلى فى الجواب لأن انتفاء القبح الشرعى من علة لا يدل على جواز ما ذكر وهو غاية الظهور والذى قرر توهم كونه دليلًا هو انتفاء القبح العقلى ولو قيد بكونه عقليًا وقيل: لو كان القبح شرعيًا لزم أن لا يقبح منه تعالى شئ بالقبح العقلى لم يبعد وقوله فيما سبق من توضيح هذه المقدمة وأما القبح الشرعى فلا يتصوّر فى حقه تعالى فلا يحتاج إلى نفيه. قوله: (وانتفاء العلم به) وإنما زاد انتفاء العلم فى سنده ومراده ما ذكر. المصنف: (قالوا إذا استويا فى المقصود. . . إلخ) المراد الاستواء فى المقصود مع جميع الأغراض وموافقة الجبلة لا الاستواء فى مقصود معين لجواز أن يكون الإيثار لمرجح آخر وأقله أن يكون لموافقة الاعتياد وقد رد هذا الدليل بأن الحسن فيه بمعنى صفة الكمال. الشارح: (حتى يثبت الشرع) أى عندى. الشارح: (إفادة النظر للعلم مطلقًا) أى ولو فى بعض الأشياء ثم لا بد أن يكون ذلك البعض خصوص الإلهيات وقد أنكر السمنية بضم السين وفتح الميم وهم قوم من عبدة الأوثان يقولون بالتناسخ إفادة النظر للعلم ولو فى بعض الصور وقالوا: لا طريق للعلم إلا الحس وأنكر الرياضيون إفادة النظر للعلم فى الإلهيات، وقالوا: إنها بعيدة عن الأذهان جدًا والغاية القصوى فيها الظن والأخذ بالأحرى وإلا خلق وقالوا إنما يفيد النظر العلم فى الهندسيات والحسابات لأنها علوم قريبة من الأفهام منتسقة منتظمة لا يقع فيها غلط وقال الملاحدة النظر لا يفيد العلم بمعرفته بلا معلم يرشدنا إلى معرفته ويدفع عنا الشبه. الشارح: (وهو أنه لا يجب ما لم أنظر ولا أنظر ما لم يجب) أى لا يجب على النظر فى معجزتك عقلًا إلا إذا نظرت إذ وجوب النظر على عقلًا متوقف على ثبوت ذلك الوجوب بحكم العقل وهو متوقف على النظر وقوله أو لا يجب ما لم

стр. 762

يحكم العقل هو الثانى الواضح فالطريقان المتقدمان المفحمان على أن الوجوب بالشرع جاريان على أن الوجوب بالعقل. الشارح: (أو حتى يثبت الشرع) أى كما هو الطريق الواضح فالمقدمة الثانية فى كل منوعة وهما متحدان معنًى. الشارح: (ثبت الشرع أو لم يثبت) أى ثبت عند النظر الشرع أو لم يثبت عنده لأن المدار على ثبوته فى نفسه وقوله لأن الوجوب لا يتوقف على العلم به إشارة إلى وجه الغلط فى المقدمة الثانية القائلة ولا يجب على النظر ما لم أنظر أو لا يجب على النظر حتى يثبت الشرع وهو توقف الوجوب على العلم به مع أنه لا يتوقف وإلا كان دورًا ولزم وأن لا يجب شئ على الكافر بل الوجوب فى نفس الأمر يتوقف على ثبوت الشرع فى نفس الأمر وشرط التكليف التمكن من العلم بالمكلف به لا العلم به لكن فيه أن الوجوب وإن لم يتوقف على العلم به إلا أن الامتثال يتوقف عليه فيقال للرسول لا أمتثل أمرك حتى أعلم وجوب الامتثال إذ له أن يمتنع عما لم يعلم وجوبه فيلزم الإفحام، والحق فى الجواب أن إراءة المعجزة واجبة على اللَّه عقلًا لطفًا بعباده عند المعتزلة لقولهم بالوجوب العقلى أو واجبة عادة عند الأشعرى فإن اللَّه تعالى كريم جرت عادته بإراءة المعجزات وإذا كانت الإراءة واجبة عاقلًا أو عادة فيرى المكلف المعجزة بالضرورة عند إراءة الرسول ويقع العلم بثبوته ولا تتأتى الأسئلة والأجوبة، فالجواب بأن الوجوب ثابت فى نفسه وكذا الشرع إنما يدفع لزوم الدور المقول من طرف المرسل إليهم استدلالًا منهم على عدم التزامهم النظر فى المعجزة فالرسل مانعون تمام الاستدلال التحريم العقلى يعنى نلتزم عدمه والمراد بالتحريم العقلى التحريم الذى مستنده القبح العقلى. الشارح: (وإن كنا نجزم بعدمه. . . إلخ) أى لأن دلالة المعجزة عادية فلا تتوقف على امتناع الكذب كما فى سائر العلوم العادية التى ليست نقائضها ممتنعة فنحن نجزم بصدق من ظهرت المعجزة على يده مع أن كذبه ممكن فى نفسه. الشارح: (فلا نسلم أن امتناع القبح العقلى يستلزم انتفاءه) أى وجودًا أو علمًا فيجوز أن ينتفى القبح العقلى ولا ينتفى امتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب بل يثبت امتناع الإظهار المذكور لسبب آخر ويعلم به لأن انتفاء سبب معين لا يستلزم انتفاء المسبب المعين وكذا العلم بانتفاء سبب معين لا يعلم منه انتفاء المسبب المعين

стр. 763

فهذا منع للملازمة والأول منع بطلان اللازم. الشارح: (لمدرك آخر) هو أن إظهار المعجزة على يد الكاذب نقص والنقص محال عليه وأيضًا يلزم أن تكون أكمل منه فى بعض الأوقات أعنى وقت صدقنا فى كلامنا وهذا إنما يدل على أن الكلام النفسى الذى هو صفة قائمة بذات اللَّه تعالى يكون صادقًا ولا يدل على صدقه فى الحروف والكليات التى يخلقها فى الجسم الذى هو الفعل المدعى امتناع القبح فيه ولا يصح التمسك فى دفع الكذب عن الكلام اللفظى بلزوم النقص فى أفعاله لأن النقص فى الفعل هو القبح العقلى بعينه وإنما الخلاف فى العبارة وقيل: إن المدرك الآخر هو العادة وهو مشكل فى أول رسول. الشارح: (التزامنا عدم قبحه) أى وحينئذٍ فلا نسلم بطلان التالى من قوله لو جاز ذلك لجاز التثليث وأنواع الكفر من العالم. التفتازانى: (أى المعنى الأول) مراده معنى الجواب بالمنع وهو منع كون ما ذكر من حسن الصدق النافع والإيمان وقبح الكذب الضار والكفران معلومًا بالضرورة بل بأحد ما ذكر من العرف أو الشرع أو غيرهما وقوله والثانى تكلف أى أن كون معنى الجواب بالمنع منع الضرورة فى الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه بل بغيره وهو الموافقة للغرض والمخالفة له تكلف فالمراد بالمعنى الأول والثانى المعنيان المذكوران فى الشارح بيانًا لجواب المصنف الذى ذكره بقوله والجواب المنع بل بما ذكر. التفتازانى: (والفرق بينهما غير خفى) أى فليس المنع عند وقوع الثانى بمستبعد كالمنع عند تقديره. التفتازانى: (لأن المنع عليه ظاهر) يعنى لو قال ولا يثبت الشرع ما لم يجب على النظر لكان منعه ظاهرًا إذ يقال: إن الشرع يثبت عندك بالنظر ولو لم يجب وقوله بل أشار إليه أى إلى العكس الذى هو قولنا لا يثبت الشرع ما لم يجب بقوله وأنا لا أنظر أى حتى يجب فإنما آل ذلك إلى أنه لا يثبت حتى يجب النظر فيلزم الإفحام وخفى المنع لعدم التصريح بالعكس. التفتازانى: (إشارة إلى دفع الاعتراض. . . إلخ) فى المواقف وشرحه لا يقال قد يكون وجوب النظر فطرى القياس أى من القضايا التى قياساتها معها فيضع النبى

стр. 764

﵊ للمكلف مقدمات ينساق إليها ذهنه من غير تكلف وتفيده العلم بذلك ضرورة فيكون الحكم بوجوب النظر ضروريًا محتاجًا إلى تنبيه على طرفيه مع تلك المقدمات أو نظريًا قريبًا من الضرورى محتاجًا إلى أدنى التفات لأنا نقول: كونه فطرى القياس مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات الدقيقة الأنظار باطل قطعًا وعلى تقدير صحته بأن يكون هناك دليل آخر للمكلف أن لا يستمع إليه ولا يأثم بتركه فلا تمكن الدعوى وإثبات النبوة. التفتازانى: (لأن النظر إنما يكون للعلم بالشئ) أى فالحاصل من النظر العلم بالوجوب لا ثبوت الوجوب فى نفس الأمر. قوله: (فيكون قوله من غير النظر والالتفات مبالغة وتأكيدًا) أى لأن البديهى هو ما لا يحتاج إلى شئ أصلًا بعد تصوره فإذا حمل الضرورى عليه كان قوله من غير النظر. . . إلخ. بمنزلة التفسير مبالغة وتأكيدًا وعطف التأكيد على المبالغة للتفسير. قوله: (وقد ضعفناه فى صدر الكتاب) الأولى فى صدر المبحث وما حققه هناك هو أن المتنازع فيه الحسن والقبح بغير التفسيرات الثلاث وتقدم أن الظاهر مع السعد لأن ما أجعله منازعًا فيه راجع إلى الثانى والثالث. قوله: (ثبوته موقوف على الشرع) أى: كما هو الفرض وذلك الثبوت متوقف على النظر. قوله: (وأنكرها السمنية فى الإلهيات خاصة) هكذا فى النسخ التى بأيدينا وهى محرفة وأصل النسخة هكذا وأنكرها السمنية وفى الإلهيات فقد سقط من النسخ حرف العطف وهو معطوف على قوله مطلقًا وحكاية لما فى الشارح. قوله: (وقد منعه الصوفية) فقالوا رياضة النفس بالمجاهدات وتجريدها من الكدورات البشرية والعوائق الجسمانية والتوجه إلى الحضرة الصمدانية والتزام الخلوة تفيد العقائد الحقة التى لا تحوم حولها شائبة ريبة وأما أصحاب النظر فتعرض لهم فى عقائدهم الشكوك والشبهات الناشئة عن شبه الخصم ورد بأن ذلك يحتاج إلى معونة النظر ألا ترى أن رياضة اليهود والنصارى تؤديهم إلى عقائد باطلة فلا بد من الاستعانة بالنظر. قوله: (هو وإن لم يكن واجبًا. . . إلخ) أى النظر فى المعجزة وإن لم يكن واجبًا

стр. 765

لكن النظر فى وجوبه واجب فليس له الامتناع. قوله: (قلنا ممنوع) أى لأنه لا يكون النظر فى وجوب النظر فى المعجزة واجبًا مع كون النظر فى المعجزة ليس بواجب. قوله: (وإن سلم فبنظرآخر) أى إن سلم أن وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة لا يستلزم وجوب النظر فى المعجزة فيكون ذلك الوجوب بنظر آخر ووجوب ذلك النظر الآخر بنظر آخر ووجوبه بنظر آخر وهكذا فيقول المعاند لا أنظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا أنظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ولا أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة ما لم أنظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى وجوب النظر فى المعجزة وهكذا لأن لوجوب كل نظر نظرًا. قوله: (أو يقول) عطف على أن يقول لا يجب على النظر إشارة إلى الطريق الثانى الواضح. قوله: (أما تكليف العاقل) أى إن كان المكلف بالمعرفة غير العارف. قوله: (وأما تحصيل الحاصل) أى: إن كان المكلف بها هو العارف. قوله: (ترى بعضهم) أى بعض الشارحين لهذا الموضع يقول فى بيانه: إن أريد التحريم الشرعى. . . إلخ. قوله: (ولذلك ترى التحريم القطعى) تحريف وصوابه وكذلك إن أريد لأصل مذهب المعتزلة وليس مبنيًا على تسليم مذهبهم فكان الظاهر أن يقول: وهو أنه لا حكم للعقل فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح إلا أن يقال: إن المراد بأفعال العقلاء الأفعال التى لم يقض العقل فيها بحسن ولا قبح ويكون قوله: وقد قسم المعتزلة. . . إلخ. كالتعليل لثبوت هذا القسم عندهم.

стр. 766

قال: (مسألتان على التنزل: الأولى: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا لأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا كان عبثًا وهو قبيح ولا فائدة للَّه تعالى لتعاليه عنها ولا للعبد فى الدنيا لأنه مشقة ولا حظ للنفس فيه ولا فى الآخرة إذ لا مجال للعقل فى ذلك، قولهم: الفائدة الأمن من احتمال العقاب فى الترك وذلك لازم الخطور مردود بمنع الخطور فى الأكثر ولو سلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر لأنه تصرف فى ملك الغير أو لأنه كالاستهزاء كمن شكر ملكًا على لقمة بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر). أقول: إذا بطل حكم العقل فلا يجب شكر عقلًا ولا يكون قبل الشرع حكم لكن أصحابنا نزلوا عن ذلك الأصل. وبتقدير تسليم حكم العقل أبطلوا هاتين المسألتين فاقتدى بهم المسألة الأولى شكر المنعم ليس بواجب عقلًا فلا إثم فى تركه على من لم تبلغه دعوة النبوة خلافًا للمعتزلة، لنا لو وجب لوجب لفائدة واللازم باطل، أما الأولى فلأنه لولا الفائدة لكان عبثًا وهو قبيح فلا يجب عقلًا أو كان إيجابه عبثًا وهو قبيح فلا يجوز على اللَّه، وأما الثانية فلأن الفائدة إما للَّه وإما للعبد، والثانى إما فى الدنيا وإما فى الآخرة، والثلاث منتفية، إما للَّه فلتعاليه عن الفائدة وإما للعبد فى الدنيا فلأن منه فعل الواجبات وترك المحرمات العقلية وأنه مشقة وتعب ناجز ولا حظ للنفس فيه وما هو كذلك لا يكون له فائدة دنيوية وأما للعبد فى الآخرة فلأن أمور الآخرة من الغيب الذى لا مجال للعقل فيه والذى ذهب إليه المعتزلة من هذه الأقسام وانفصلوا به عن هذا الإلزام هو أن الفائدة للعبد فى الدنيا وهو الأمن من احتمال العقاب لتركه وذلك الاحتمال لازم الخطور على بال كل عاقل فإنه إذا نشأ ورأى ما عليه من النعم الجسام التى لا تحصى حينًا فحينًا علم أنه لا يمتنع كون المنعم بها قد ألزمه الشكر فلو لم يشكره لعاقبه وقولهم هذا مردود لأنا نمنع لزوم خطوره بل معلوم عدمه فى أكثر الناس ولو سلم فخوف العقاب على الترك معارض بخوف العقاب على الشكر إما لأنه تصرف فى ملك الغير بدون إذن المالك فإن ما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك للَّه تعالى وإما لأنه كالاستهزاء وما مثله إلا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقًا وغربًا ويعم العباد وهبًا ونهبًا فتصدق عليه بلقمة خبز فطفق يذكرها فى المجامع ويشكره عليها بتحريك أنملته

стр. 767

دائمًا لأجله فإنه يعدّ استهزاءً منه بالملك، فكذا ههنا بل اللقمة بالنسبة إلى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم اللَّه به على العبد بالنسبة إلى اللَّه وشكر العبد بفعله أقل قدرًا فى جنبا اللَّه من شكر الفقير للملك بتحريك أصبعه. قوله: (أبطلوا هاتين المسألتين) فيه تسامح لأن المسألة الأولى على ما ذكر: هى أن شكر المنعم ليس بواجب عقلًا والثانية: هى أن لا حكم لأفعال العقلاء ومعناه لا حكم لها أى فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح على ما صرح به فى المتن إذ لو أجرى على عمومه لم يكن مسألة على التنزل وقوله فى المتن بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر مما يؤكد أمر الاستهزاء وأما ما ذكره الشارح من أن شكر العبد أقل قدرًا من شكر الفقير فلا يؤكده بل ربما يخلّ به؛ لأن مبنى الاستهزاء على قلة النعمة وكثرة الشكر. قوله: (تنزلوا عن ذلك الأصل) يعنى: بطلان حكم العقل إلى مذهبهم فالتنزل ههنا الانتقال من المذهب الحق الذى هو فى غاية العلو إلى المذهب الباطل الذى هو فى غاية الانخفاض، وكأن الفائدة فى تسليم القاعدة بعد إبطالها وبيان فساد هاتين المسألتين اللتين هما من فروعها المعتبرة إظهار سقوط كلامهم فى فرعهم بناء على أصلهم كسقوط كلامهم فى أصلهم. قوله: (فلا إثم فى تركه على من لم تبلغه دعوة نبى) إشارة إلى فائدة الخلاف. قوله: (لولا الفائدة لكان) أى الشكر (عبئًا وهو قبيح فلا يجب عقلًا أو كان إيجابه عبئًا وهو قبيح فلا يجوز على اللَّه سبحانه) يعنى أن ضمير كان فى قوله وإلا لكان عبئًا راجع إلى الشكر أو إيجابه فإن قلت: الوجوب العقلى هو أن يكون الفعل فى ذاته بحيث يستحق فاعله المدح والثواب وتاركه الذم والعقاب فلا يكون مستفادًا من الشرع والإيجاب من اللَّه سبحانه حينئذٍ بمعنى كشف الوجوب لا إثباته كما تحقق فيما سبق فإن حمل قوله: أو كان إيجابه على الكشف لم يكن له معنًى، وإن حمل على الإثبات لم يوافق القاعدة قلت: الظاهر من مذهب المعتزلة أن الوجوب وأخواته صفات ثابتة للأفعال فى ذواتها لا من الشرع بل هو كاشف عنها كما مر، ويمكن أن يحمل على أن للأفعال صفات فى ذواتها تقتضى الإيجاب

стр. 768

والتحريم وغيرهما من اللَّه سبحانه والعقل قد يطلع على ذلك بالضرورة أو بالنظر قبل الشرع فيثبت الوجوب عقلًا بهذا المعنى فلعله نظر إلى هذين الوجهين فأورد ذينك الوجهين. قوله: (فلأن منه) أى من الشكر (فعل الواجبات وترك المحرمات العقلية) وذلك لأن الشكر عندهم ليس قول القائل الشكر للَّه أو الحمد للَّه أو ما يماثل ذلك كما يسبق إلى الوهم لأن العقل لا يوجب النطق بلفظ دون آخر، بل هو صرف العبد جميع ما أنعم اللَّه عليه فيما خلق وأعطاه (١) لأجله؛ كصرفه النظر إلى مصنوعاته والسمع إلى تلقى أوامره وإنذاراته وعلى هذا القياس قيل: وهذا معنى الشكر حيث ورد فى كتابه الكريم ولهذا وصف الشاكرين بالقلة، قال فى الأحكام: شكر اللَّه تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة اللَّه سبحانه لأن الشكر فرع المعرفة وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية وفعل المستحسنات العقلية والتفسير الأول أشمل وبما فى الكتاب أنسب. قوله: (ولا حظ للنفس فيه) أى فى فعل الواجبات وترك المحرمات وما هو كذلك أى ما هو مشقة بلا حظ لا يكون له فائدة دنيوية. قوله: (لا مجال للعقل فيه) قيل: فيه نظر لأن المعتزلة لما قالوا باستقلال العقل بإدراك حسن بعض الأفعال الموجب للثناء والثواب، فقد قالوا باستقلاله بمعرفة الفائدة الأخروية فكيف يسلمون عدم المجال بالاستقلال؟ نعم، لو لم تسلم القاعدة سقط المنع، وقيل: الجزم بالفائدة الأخروية أعنى حصول الثواب أو دفع العقاب إنما يحصل لو لم يكن للإتيان بالشكر احتمال العقاب وهو ممنوع ولعل الشارح قدس اللَّه سره نظر إلى أن المعتبر من الحسن والقبح استحقاق المدح والذم فقط لا باعتبارهم إياهما بالقياس إلى اللَّه سبحانه لا يتصور فيه استحقاق ثواب وعقاب. قوله: (وقولهم هذا) أى قولهم بحصول الأمن من احتمال العقاب بناء على كونه لازم الخطور فى أكثر الناس ولا يحصل من تسليم الخطور فى البعض مطلوبهم لإيجابهم الشكر على كل عاقل ولو سلم لزوم الخطور فى الكل فإزالة

стр. 769

خوف العقاب على الترك الحاصل من الاحتيال اللازم الخطور ليست أولى من إزالة خوف العقاب على الشكر الحاصل من الاحتيال اللازم الخطور أيضًا فيكون ترك الشكر واجبًا وباقى الفصل مستغنٍ عن التوضيح. قوله: (وصف الشاكرين بالقلة) فى قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، فإن الشكور أيضًا شاكر لكن لا دلالة فى صفة الشاكر على المبالغة، بل هى أعم والمبالغة فى الشكر بالمعنى المذكور معقولة باعتبار قوّة الأفراد وضعفها وأيضًا باعتبار كثرة الأفراد وقلتها فإن صرف كل نعمة له مراتب متفاوتة بحسب القوّة والضعف ويجب وقوعه فى الأوقات الكثيرة والقليلة مثلًا صرف النظر إلى دقائق مصنوعات عجيبة مثل الفلكيات وما فى الأبدايات (١) الإنسانية وصرف القلب إلى الاستدلال بها على الذات والصفات أقوى من الصرف إلى مصنوعات لا تكون كذلك وصرف القلب الكامل إلى الاستدلال أقوى من صرف قلب لا يكون كذلك وصرف الأعضاء إلى ما هى لأجله يحسن يمكن على المحرمات أقوى من صرف من ليس له كذلك وقوله ولهذا وصف الشاكرين بالقلة إشارة إلى أن الشاكرين لا يوصفون بالقلة على تقدير المبالغة وكونه بمعنى فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه. الشارح: (ولا يكون قبل الشرع حكم) أى فيما لا يتمضى العقل فيه بحسن ولا قبح. الشارح: (وأما الثانية فلأن الفائدة إما للَّه. . . إلخ) قيل: إنه متى أدرك العقل حسن الشكر وقبح الكفران كما هو مقتضى تسليم الأصل فقد أدرك وجوب الشكر لا محالة وإذا ثبت الوجوب لم يبق لنا حاجة فى تعين فائدة بل نقطع بثبوتها فى نفس الأمر علم عينها أم لا وإذا منع الأشاعرة اتصاف الشكر بالحسن لم تكن مسألة الشكر مبينة على التنزل وفيه أن معنى كونها على التنزل أننا لو قلنا بالحسن والقبح العقليين فلا حسن فى الشكر فلا يجب إذ لو حسن لكان

стр. 770

لفائدة. . .إلخ. الشارح: (وإما لأنه كالاستهزاء. . .إلخ) قيل: إن نعم اللَّه فى ذاتها أمور عظيمة كإيجاد الإنسان بقواه الظاهرة والباطنة والأعضاء السليمة التى لو اجتمع الخلائق على تحصيل واحد منها لعجزوا فالشكر على هذه النعم لا يعد استهزاء وكونها قليلة بالنسبة إلى اللَّه تعالى لا يقدح فى عظمها فى ذاتها بالنسبة إلينا وليس هذا كشكر الفقير للملك على لقمة خبز لأن اللقمة حقيرة فى العرف يقدر على إعطاء أمثالها غير الملك ممن هو دونه فكان شكره على ذلك استهزاء بخلاف نعم اللَّه على العبد وأيضًا النعمة إذا كان لها قدر يعتد به بالنسبة إلى حاجات المنعم عليه وإن لم يكن لها قدر بالنسبة إلى مالك النعم لا يعد شكرها استهزاء. التفتازانى: (لأن المسألة الأولى على ما ذكر هى أن شكر المنعم ليس بواجب عقلًا) أى مع أنها ليست مبطلة إنما المبطل هو أن شكر المنعم واجب عقلًا بناء على قاعدة حكم العقل وقوله والثانية هى أن لا حكم لأفعال العقلاء. . . إلخ. أى مع أن الذى أبطلناه على التنزل هو ثبوت الحكم فيها من حظر وإباحة وقوله: لم تكن مسألة على التنزل أى بل تكون إبطالًا لأصل القاعدة. قوله: (لم يكن له معنى) إذ لا علاقة بين الوجوب بهذا المعنى وبين الكشف حتى يلزم أن الشكر الواجب إن لم يكن لفائدة كان الكشف عن الوجوب عبثًا وقوله: لم يوافق القاعدة هى أن الوجوب استحقاق الفعل المدح والحرمة استحقاقه الذم المقتضى أنه لا إيجاب من اللَّه تعالى. قوله: (قلت الظاهر من مذهب المعتزلة. . . إلخ) ظاهر هذا الكلام أن الحاكم على مذهب بالمعتزلة هو العقل بمعنى أنه مثبت للحكم وتقدم لك أن الإجماع على أن اللَّه هو المثبت للحكم، تأمل. قوله: (وأعطاه عطف على أنعم) ولا حاجة إليه ويظهر أنه تحريف. قوله: (وهذا معنى الشكر حيث ورد. . . إلخ) أى لا معناه اللغوى الذى هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه. قوله: (ولهذا وصف الشاكرين) إذ لو كان بالمعنى اللغوى لم يوصف بالقلة والوصف بالقلة فى قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، لكن يرد أن الشكور صيغة مبالغة فتفيد الآية أن كثير الشكر قليل والكلام فى أصل الشكر إلا

стр. 771

أن يحمل على أنه لأصل الشكر ولا يرد أن الشكر بهذا المعنى لا تفاوت فيه لأنه يتفاوت ضعفًا وقوة وبحسب وقوعه فى الأوقات الكثيرة والقليلة. قوله: (وقيل الجزم بالفائدة الأخروية. . . إلخ) أى فمعنى لا مجال للعقل فيه أنه لا جزم للعقل فى حصول الفائدة الأخروية لأن الجزم بذلك إنما يكون إذا جزم العقل بحصول الثواب أو دفع العقاب على الإتيان بالشكر وهو ممنوع لاحتمال العقاب على الشكر، هذا وقوله: ولعل الشارح. . . إلخ. هو جواب آخر عن النظر على قوله لا مجال للعقل. قوله: (لا باعتبارهم) تحريف وصوابه لاعتبارهم. قوله: (لازم الخطور فى أكثر الناس) فيه سقط والأصل وهو معدوم فى أكثر الناس. قوله: (ولا يحصل من تسليم الخطور. . . إلخ) جواب عما يقال يكتفى بالخطور للبعض.

стр. 772

قال: (الثانية: لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح وثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة وأما غيرها فانقسم عندهم إلى الخمسة لأنها لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لكلف بالمحال. الأستاذ: إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف وأحب مملوكه قطرة فكيف يدرك تحريمها عقلًا، قالوا: تصرف فى ملك الغير قلنا: يبتنى على السمع ولو سلم ففيمن يلحقه ضرر ما ولو سلم فمعارض بالضرر الناجز وإن أراد المبيح أن لا حرج فمسلم وإن أراد خطاب الشارع فلا شرع وإن أراد حكم العقل بالتخيير فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه، قالوا: خلقه وخلق المنتفع به فالحكمة تقتضى الإباحة قلنا معارض بأنه ملك غيره وخلقه ليصبر فيثاب وإن أراد الواقف أنه وقف لتعارض الأدلة ففاسد). أقول: هذه هى المسألة الثانية من مسألتى التنزل وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع وقد قسم المعتزلة الأفعال الاختيارية إلى ما لا يقضى العقل فيها بحسن لا وقبح. ولهم فيها ثلاثة مذاهب الحظر والإباحة والوقف عنهما وإلى غيرها وهو ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة المشهورة: من واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة فأما فعله فحرام أو تركه فواجب وإن لم يشتمل عليها فإن اشتمل على مصلحة فأما فعله فمندوب أو تركه فمكروه وإن لم يشتمل عليها أيضًا فمباح أما الحاظر فنقول له لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لا ثالث لهما كالحركة والسكون لزم التكليف بالمحال. قال الأستاذ: من ملك بحرًا لا ينزف واتصف بغاية الجود وأحب مملوكه قطرة من ذلك البحر فكيف يدرك بالعقل تحريمها والتقريب واضح. قالوا: تصرف فى ملك الغير بغير إذنه فيحرم. الجواب: أن حرمة التصرف فى ملك الغير عقلًا ممنوع فإنها تبتنى على السمع ولولا ورود السمع بها لما علم ولو سلم أنها عقلية فذلك فيمن يلحقه ضرر ما بالتصرف فى ملكه ولذلك لا يقبح النظر فى مرآة الغير والاستظلال بجداره والاصطلاء بناره والمالك فيما نحن فيه منزه عن الضرر ولو سلم فمعارض بما فى المنع من الضرر الناجز. ودفعه عن النفس واجب عقلًا وليس تحمله لدفع ضرر الخوف أولى من العكس وأما المبيح فنقول له: إن أردت أن لا حكم بحرج فى الفعل والترك فمسلم وإن أردت خطاب الشارع بذلك فلا شرع وإن أردت حكم

стр. 773

العقل فالمفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع فإن ذلك معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبحه وقد فرضته كذلك فيلزمك التناقض ومثله آت فى المحرم. قالوا: خلق اللَّه العبد وما ينتفع به فالحكمة تقتضى إباحته له تحصيلًا لمقصود خلقهما وإلا كان عبثًا خاليًا من الحكمة وإنه نقص. والجواب: المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف والحل بأنه ربما خلقهما ليشتهيه فيصبر عنه فيثاب عليه فلا يلزم من عدم الإباحة عبث وأما الواقف فنقول له: إن أردت أنك توقفت عن الحكم لتوقفه عن السمع فمسلم وإن أردت أنت توقفت لتعارض الأدلة ففاسد لأنا بينا بطلانها فلا تعارض وقد يقال من قبل الحاظر: لا نسلم أن الضدين بلا واسطة مما لا حكم للعقل فيه لأنه يحكم بإباحة أحدهيا قطعًا ومن قبل المبيح الفرض أن لا حكم فيه بخصوصه إذ لا يدرك صفة محسنة أو مقبحة ولا ينافى ذلك الحكم العام بالإباحة ومن قبل الواقت أريد أن ثمة حكمًا بأحدهما فى نفسه فالبعض مباح والبعض محظور ولا أدرى أيهما هو فى الفعل المعين وهو غير ما رددت فيه من الأمرين. قوله: (ولو سلم فمعارض) يعنى أن ما ذكرتم من كونه تصرفًا فى ملك الغير وإن دل على الحرمة لكن كونه دفعًا للضرر الناجز تقتضى وجوبه فضلًا عن الإباحة فتنتفى الحرمة وليس تحمل الضرر الناجز لدفع ضرر خوف العقاب المرتب على التصرف فى ملك الغير أولى من تحمل ضرر الخوف لدفع الضرر الناجز وإن رجح ضرر الخوف بكونه أشد رجح الآخر بكونه ناجزًا مقطوعًا به عند العقل. قوله: (أن لا حرج) فسره الشارح بأن لا حكم بالحرج إذ لو حمل على ظاهره لكان حكمًا بعدم الحرج فلا يكون مسلمًا؛ فإن قيل: الحكم بعدم الحكم أيضًا حكم قلنا نعم لكن لا بأن الفعل فى نظر الشرع محظور أو مباح أو غيرهما على ما هو المتنازع. قوله: (ولهم) أى للمعتزلة فى الأفعال التى لا يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح ثلاثة مذاهب: أحدها: الحظر أى الحرمة وثبوت الحرج فى حكم الشرع، وثانيها: الإباحة أى الإذن وعدم الحرج، وثالثها: التوقف وفسر تارة بعدم الحكم ورد بأنه

стр. 774

قطع لا توقف وتارة بعدم العلم بأن هناك حكمًا أم لا أو بأنه الحظر أو الإباحة، وإلى هذا تشير عبارة الشارح بقوله والوقف عنهما فإن قيل كيف يتصور القول بالحظر أو بالإباحة بالمعنى المذكور مع أنه لا شرع ولا حكم من العقل بحسن أو قبح قلنا معناه أن الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلًا ولا يحكم فيه بحكم خاص تفصيلى فى فعل فعل فحكم العقل فيها على الإجمال أنها محرمة عند الشارح وإن لم يظهر الشرع ولم يبعث النبى أو مباحة، وبهذا يظهر فساد اعتراض الشارحين على صورة التصرف فى ملك الغير وصورة الضرر الناجز وأمثال ذلك بأنها خارجة عن محل النزاع لاستلزام الحكم بالتحريم إدراك جهة القبح، ثم جوابهم بمنع ذلك وبأن المراد احتمال الضرر. قوله: (لا ثالث لهما) إذ لو وجد لجاز تركهما جميعًا اشتغالًا بالثالث فلم لجزم التكليف بالمحال وفيه بحث؛ لأن الثالث أيضًا حرام يجب تركه؛ فإن قيل يجوز أن يكون الثالث مما تدرك فيه جهة حسن قلنا فكذا أحد الضدين ففى الجملة لا حاجة إلى نفى الثالث. قوله: (والتقريب واضح) وهو أن تناول العبد للمستلذات التى خلقها اللَّه تعالى بمنزلة تناول المملوك قطرة من بحر مالكه بل أقل فكيف يحكم العقل بتحريمه. قوله: (ومثله آت فى المحرم) بأن يقال إن أردت بالحرمة أن العقل يحكم بأنه قبيح حرام فى حكم الشارع لزم التناقض لأن المفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع وسيجيء الجواب عن هذا وقد حققناه فى تحرير المبحث وهو أن المراد بعدم حكم العقل أنه لا يدرك فيه بخصوص جهة حسن أو قبح وهذا لا ينافى الحكم العام بالحرمة أو بالإباحة؛ بل الوجوب نظرًا إلى الدليل. قوله: (المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم) فإن قيل المعارضة بدليل المحرم تنافى تسليم أن لا حرج فى الفعل والترك قلنا هى من قبيل المحرم على أنها لا يجب أن تكون على وفق المعتقد بل يجب أن يكون نافيًا لما ادعاه الخصم. قوله: (ومن قبل الواقف) يعنى أن المراد بالتوقف أن الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة حسن أو قبح العقل بأن لذلك الفعل فى نفسه حكمًا من الشارع بالحظر أو الإباحة حتى إن بعض أفراده مباح وبعضها محظور، لكن فى أى

стр. 775

معين فرضت لا أدرى أن الحكم الحظر أو الإباحة وهذا غير الأمرين اللذين وقع فيهما الترديد أعنى التوقف عن الحكم لعدم السمع والتوقف فى الحكم لتعارض الأدلة وهذا فى التحقيق هو الأمر الثانى من الأمرين أعنى التوقف فى الحكم لكن لا لتعارض الأدلة بل لعدم الدليل على التعيين. قوله: (وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع) أى عند الأشاعرة إذ لا حاكم عندهم إلا الشرع كما مر وإذ لا شرع فلا حكم فلا حرج فى شئ من أفعالهم سواء كانت اضطرارية لا يمكن البقاء والتعيش بدونها أو اختيارية هى بخلافها، وذهبت المعتزلة إلى أن الاضطرارية جائزة عقلًا، وأما الاختيارية فقد قسموها إلى قسمين ما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح وإلى غيرها والمناقشة معهم بعد التنزل على ما فى الكتاب إنما هى فى القسم الأول لا فى الثانى ولا فى الاضطرارية فإنهم اكتفوا فى إبطال قولهم فيهما بإبطال قاعدة التحسين والتقبيح وما ذكره فى وجه الانقسام إلى الخمسة ظاهر قال فى الأحكام: ما حسنه العقل إن استوى فعله وتركه فى النفع والضر سموه مباحًا وإن ترجح فعله على تركه فإن لحق الذم بتركه سموه واجبًا وإلا فمندوبًا وما قبحه العقل فإن لحق الذم بفعله سموه حرامًا وإلا فمكروهًا وفيه تصريح بأن المكروه عندهم مندرج تحت القبيح وقد قيل بانحصاره عندهم فى الحرام وقد سبق إليه إشارة. قوله: (أما الحاظر فنقول له: لو كانت) أى ما لا يقضى العقل فيها بحسن ولا قبح من الأفعال الاختيارية (محظورة وفرضنا) أن من جملتها (ضدين لا ثالث لهما) فلا يمكن خلو المحل عنهما (كالحركة والسكون) فإن الجسم بعدان، حدوثه لا يخلو عنهما فلو كانا محظورين على العاقل (لزم التكليف بالمحال) وأنه باطل على أصلكم. قوله: (لا ينزف) أى لا ينزح ماؤه من قولهم: نزفت ماء البئر نزفًا، إذا نزحته كله أو لا يذهب ماؤه ولا ينقطع من قولهم: نزفت البئر، أى: ذهب ماؤها، فعلى الأول يقرأ مجهولًا وعلى الثانى معلومًا. قوله: (والتقريب واضح) التقريب تطبيق الدليل على المدعى، وبعبارة أخرى هو سوق الدليل على وجه يفيد المطلوب فيقال ههنا: إذا لم يحكم العقل بالتحريم
следующие страницы →