أن يحمل على أنه لأصل الشكر ولا يرد أن الشكر بهذا المعنى لا تفاوت فيه لأنه يتفاوت ضعفًا وقوة وبحسب وقوعه فى الأوقات الكثيرة والقليلة.
قوله: (وقيل الجزم بالفائدة الأخروية. . . إلخ) أى فمعنى لا مجال للعقل فيه أنه لا جزم للعقل فى حصول الفائدة الأخروية لأن الجزم بذلك إنما يكون إذا جزم العقل بحصول الثواب أو دفع العقاب على الإتيان بالشكر وهو ممنوع لاحتمال العقاب على الشكر، هذا وقوله: ولعل الشارح. . . إلخ. هو جواب آخر عن النظر على قوله لا مجال للعقل.
قوله: (لا باعتبارهم) تحريف وصوابه لاعتبارهم.
قوله: (لازم الخطور فى أكثر الناس) فيه سقط والأصل وهو معدوم فى أكثر الناس.
قوله: (ولا يحصل من تسليم الخطور. . . إلخ) جواب عما يقال يكتفى بالخطور للبعض.
стр. 772
قال: (الثانية: لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح وثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة وأما غيرها فانقسم عندهم إلى الخمسة لأنها لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لكلف بالمحال. الأستاذ: إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف وأحب مملوكه قطرة فكيف يدرك تحريمها عقلًا، قالوا: تصرف فى ملك الغير قلنا: يبتنى على السمع ولو سلم ففيمن يلحقه ضرر ما ولو سلم فمعارض بالضرر الناجز وإن أراد المبيح أن لا حرج فمسلم وإن أراد خطاب الشارع فلا شرع وإن أراد حكم العقل بالتخيير فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه، قالوا: خلقه وخلق المنتفع به فالحكمة تقتضى الإباحة قلنا معارض بأنه ملك غيره وخلقه ليصبر فيثاب وإن أراد الواقف أنه وقف لتعارض الأدلة ففاسد).
أقول: هذه هى المسألة الثانية من مسألتى التنزل وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع وقد قسم المعتزلة الأفعال الاختيارية إلى ما لا يقضى العقل فيها بحسن لا وقبح. ولهم فيها ثلاثة مذاهب الحظر والإباحة والوقف عنهما وإلى غيرها وهو ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة المشهورة: من واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة فأما فعله فحرام أو تركه فواجب وإن لم يشتمل عليها فإن اشتمل على مصلحة فأما فعله فمندوب أو تركه فمكروه وإن لم يشتمل عليها أيضًا فمباح أما الحاظر فنقول له لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لا ثالث لهما كالحركة والسكون لزم التكليف بالمحال. قال الأستاذ: من ملك بحرًا لا ينزف واتصف بغاية الجود وأحب مملوكه قطرة من ذلك البحر فكيف يدرك بالعقل تحريمها والتقريب واضح.
قالوا: تصرف فى ملك الغير بغير إذنه فيحرم.
الجواب: أن حرمة التصرف فى ملك الغير عقلًا ممنوع فإنها تبتنى على السمع ولولا ورود السمع بها لما علم ولو سلم أنها عقلية فذلك فيمن يلحقه ضرر ما بالتصرف فى ملكه ولذلك لا يقبح النظر فى مرآة الغير والاستظلال بجداره والاصطلاء بناره والمالك فيما نحن فيه منزه عن الضرر ولو سلم فمعارض بما فى المنع من الضرر الناجز. ودفعه عن النفس واجب عقلًا وليس تحمله لدفع ضرر الخوف أولى من العكس وأما المبيح فنقول له: إن أردت أن لا حكم بحرج فى الفعل والترك فمسلم وإن أردت خطاب الشارع بذلك فلا شرع وإن أردت حكم
стр. 773
العقل فالمفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع فإن ذلك معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبحه وقد فرضته كذلك فيلزمك التناقض ومثله آت فى المحرم.
قالوا: خلق اللَّه العبد وما ينتفع به فالحكمة تقتضى إباحته له تحصيلًا لمقصود خلقهما وإلا كان عبثًا خاليًا من الحكمة وإنه نقص.
والجواب: المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف والحل بأنه ربما خلقهما ليشتهيه فيصبر عنه فيثاب عليه فلا يلزم من عدم الإباحة عبث وأما الواقف فنقول له: إن أردت أنك توقفت عن الحكم لتوقفه عن السمع فمسلم وإن أردت أنت توقفت لتعارض الأدلة ففاسد لأنا بينا بطلانها فلا تعارض وقد يقال من قبل الحاظر: لا نسلم أن الضدين بلا واسطة مما لا حكم للعقل فيه لأنه يحكم بإباحة أحدهيا قطعًا ومن قبل المبيح الفرض أن لا حكم فيه بخصوصه إذ لا يدرك صفة محسنة أو مقبحة ولا ينافى ذلك الحكم العام بالإباحة ومن قبل الواقت أريد أن ثمة حكمًا بأحدهما فى نفسه فالبعض مباح والبعض محظور ولا أدرى أيهما هو فى الفعل المعين وهو غير ما رددت فيه من الأمرين.
قوله: (ولو سلم فمعارض) يعنى أن ما ذكرتم من كونه تصرفًا فى ملك الغير وإن دل على الحرمة لكن كونه دفعًا للضرر الناجز تقتضى وجوبه فضلًا عن الإباحة فتنتفى الحرمة وليس تحمل الضرر الناجز لدفع ضرر خوف العقاب المرتب على التصرف فى ملك الغير أولى من تحمل ضرر الخوف لدفع الضرر الناجز وإن رجح ضرر الخوف بكونه أشد رجح الآخر بكونه ناجزًا مقطوعًا به عند العقل.
قوله: (أن لا حرج) فسره الشارح بأن لا حكم بالحرج إذ لو حمل على ظاهره لكان حكمًا بعدم الحرج فلا يكون مسلمًا؛ فإن قيل: الحكم بعدم الحكم أيضًا حكم قلنا نعم لكن لا بأن الفعل فى نظر الشرع محظور أو مباح أو غيرهما على ما هو المتنازع.
قوله: (ولهم) أى للمعتزلة فى الأفعال التى لا يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح ثلاثة مذاهب: أحدها: الحظر أى الحرمة وثبوت الحرج فى حكم الشرع، وثانيها: الإباحة أى الإذن وعدم الحرج، وثالثها: التوقف وفسر تارة بعدم الحكم ورد بأنه
стр. 774
قطع لا توقف وتارة بعدم العلم بأن هناك حكمًا أم لا أو بأنه الحظر أو الإباحة، وإلى هذا تشير عبارة الشارح بقوله والوقف عنهما فإن قيل كيف يتصور القول بالحظر أو بالإباحة بالمعنى المذكور مع أنه لا شرع ولا حكم من العقل بحسن أو قبح قلنا معناه أن الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلًا ولا يحكم فيه بحكم خاص تفصيلى فى فعل فعل فحكم العقل فيها على الإجمال أنها محرمة عند الشارح وإن لم يظهر الشرع ولم يبعث النبى أو مباحة، وبهذا يظهر فساد اعتراض الشارحين على صورة التصرف فى ملك الغير وصورة الضرر الناجز وأمثال ذلك بأنها خارجة عن محل النزاع لاستلزام الحكم بالتحريم إدراك جهة القبح، ثم جوابهم بمنع ذلك وبأن المراد احتمال الضرر.
قوله: (لا ثالث لهما) إذ لو وجد لجاز تركهما جميعًا اشتغالًا بالثالث فلم لجزم التكليف بالمحال وفيه بحث؛ لأن الثالث أيضًا حرام يجب تركه؛ فإن قيل يجوز أن يكون الثالث مما تدرك فيه جهة حسن قلنا فكذا أحد الضدين ففى الجملة لا حاجة إلى نفى الثالث.
قوله: (والتقريب واضح) وهو أن تناول العبد للمستلذات التى خلقها اللَّه تعالى بمنزلة تناول المملوك قطرة من بحر مالكه بل أقل فكيف يحكم العقل بتحريمه.
قوله: (ومثله آت فى المحرم) بأن يقال إن أردت بالحرمة أن العقل يحكم بأنه قبيح حرام فى حكم الشارع لزم التناقض لأن المفروض أنه مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع وسيجيء الجواب عن هذا وقد حققناه فى تحرير المبحث وهو أن المراد بعدم حكم العقل أنه لا يدرك فيه بخصوص جهة حسن أو قبح وهذا لا ينافى الحكم العام بالحرمة أو بالإباحة؛ بل الوجوب نظرًا إلى الدليل.
قوله: (المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم) فإن قيل المعارضة بدليل المحرم تنافى تسليم أن لا حرج فى الفعل والترك قلنا هى من قبيل المحرم على أنها لا يجب أن تكون على وفق المعتقد بل يجب أن يكون نافيًا لما ادعاه الخصم.
قوله: (ومن قبل الواقف) يعنى أن المراد بالتوقف أن الفعل الذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة حسن أو قبح العقل بأن لذلك الفعل فى نفسه حكمًا من الشارع بالحظر أو الإباحة حتى إن بعض أفراده مباح وبعضها محظور، لكن فى أى
стр. 775
معين فرضت لا أدرى أن الحكم الحظر أو الإباحة وهذا غير الأمرين اللذين وقع فيهما الترديد أعنى التوقف عن الحكم لعدم السمع والتوقف فى الحكم لتعارض الأدلة وهذا فى التحقيق هو الأمر الثانى من الأمرين أعنى التوقف فى الحكم لكن لا لتعارض الأدلة بل لعدم الدليل على التعيين.
قوله: (وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع) أى عند الأشاعرة إذ لا حاكم عندهم إلا الشرع كما مر وإذ لا شرع فلا حكم فلا حرج فى شئ من أفعالهم سواء كانت اضطرارية لا يمكن البقاء والتعيش بدونها أو اختيارية هى بخلافها، وذهبت المعتزلة إلى أن الاضطرارية جائزة عقلًا، وأما الاختيارية فقد قسموها إلى قسمين ما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح وإلى غيرها والمناقشة معهم بعد التنزل على ما فى الكتاب إنما هى فى القسم الأول لا فى الثانى ولا فى الاضطرارية فإنهم اكتفوا فى إبطال قولهم فيهما بإبطال قاعدة التحسين والتقبيح وما ذكره فى وجه الانقسام إلى الخمسة ظاهر قال فى الأحكام: ما حسنه العقل إن استوى فعله وتركه فى النفع والضر سموه مباحًا وإن ترجح فعله على تركه فإن لحق الذم بتركه سموه واجبًا وإلا فمندوبًا وما قبحه العقل فإن لحق الذم بفعله سموه حرامًا وإلا فمكروهًا وفيه تصريح بأن المكروه عندهم مندرج تحت القبيح وقد قيل بانحصاره عندهم فى الحرام وقد سبق إليه إشارة.
قوله: (أما الحاظر فنقول له: لو كانت) أى ما لا يقضى العقل فيها بحسن ولا قبح من الأفعال الاختيارية (محظورة وفرضنا) أن من جملتها (ضدين لا ثالث لهما) فلا يمكن خلو المحل عنهما (كالحركة والسكون) فإن الجسم بعدان، حدوثه لا يخلو عنهما فلو كانا محظورين على العاقل (لزم التكليف بالمحال) وأنه باطل على أصلكم.
قوله: (لا ينزف) أى لا ينزح ماؤه من قولهم: نزفت ماء البئر نزفًا، إذا نزحته كله أو لا يذهب ماؤه ولا ينقطع من قولهم: نزفت البئر، أى: ذهب ماؤها، فعلى الأول يقرأ مجهولًا وعلى الثانى معلومًا.
قوله: (والتقريب واضح) التقريب تطبيق الدليل على المدعى، وبعبارة أخرى هو سوق الدليل على وجه يفيد المطلوب فيقال ههنا: إذا لم يحكم العقل بالتحريم
стр. 776
فى هذه الصورة مع إمكان احتياج الجواد إلى تلك القطرة وتناهى جوده وما يملكه فبالأولى أن لا يحكم بالحرمة مثلًا فى الاستلذاذ بنعمة من نعمه سبحانه مع استغنائه عنها ولا تناهى جوده وما يملكه وعلى هذا يندفع ما قيل من أنه مثال اخترعه الأستاذ يفيد استبعاد الحظر ولا حجة فيه فلا حاجة إليه.
قوله: (تُبْتنَى) على صيغة المجهول لأن بنى وابتني بمعنًى، كذا فى الصحاح.
قوله: (لما علم) أى: تحريم التصرف فى ملك الغير.
قوله: (ولذلك لا يقبح) أى لأن حرمة التصرف بالعقل إنما هى بالقياس إلى من يلحقه ضرر بذلك التصرف لا مطلقًا لا تقبح ولا تحرم هذه الأمور المذكورة لعدم تضرر المالك بهذه التصرفات.
قوله: (ولو سلم فمعارض) يعنى: ولو سلم أن العقل يحكم بحرمة التصرف فى ملك الغير بغير إذنه مطلقًا بناء على أنه يوجب الخوف من العاقبة فدليلكم هذا معارض بما فى منع النفس عن تلك الأفعال كتناول الفاكهة مثلًا من الضرر الناجز ودفع هذا الضرر بل الضرر مطلقًا عن النفس واجب عندكم عقلًا ولا يندفع إلا بالتناول فلا يكون محظورًا، بل واجبًا وليس تحمل هذا الضرر الناجز لدفع ضرر الخوف الحاصل من التصرف أولى من العكس بل ربما كان العكس أولى، وما قيل من أنا نمنع كون صورة الضرر الناجز مما لا يقضى العقل فيها بحسن ولا قبح ليندرج تحت التنازع فيها فقد أجيب عنه بأن المراد جواز الضرر الحاجز فلا يخرج عنها، فإن العقل وإن لم يقض بحسن ولا قبح لكنه لم يجزم بعدم احتمال الضرر الناجز وقد يقال: الظاهر أن أكل الفواكه من صور النزاع أيضًا فاندفع المنع.
قوله: (وإن أردت خطاب الشارع بذلك) أى بعدم الحرج فى الفعل والترك.
قوله: (فالمفروض أنه) أى المتنازع فيه (مما لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع) وبالقياس إليه (فإن ذلك) أى: عدم الحكم للعقل فيه بحسن أو قبح فى حكم الشارع هو (معنى عدم حكم العقل بحسنه أو قبحه وقد فرضته كذلك) أى لا حكم للعقل بحسنه أو قبحه فلا يثبت فيه شئ من تلك الأحكام ولو أثبت الإباحة به لزمك التناقض، وهو ثبوت الإباحة وعدمها بحكم العقل ومثله فى المحرم فيقال له: إن أردت خطاب الشارع بالحرمة فلا شرع قبل وروده، وإن أردت حكم العقل بالحرمة فالمفروض أن لا حكم للعقل فيه بحسن أو قبح
стр. 777
إلى آخر الدليل.
قوله: (والجواب المعارضة بأنه ملك الغير فيحرم التصرف) قيل هذه المعارضة مما ينافى تسليم المصنف الإباحة بمعنى أنه لا حرج فيه.
قوله: (فيثاب عليه) أى على الصبر عن المنتفع به المشتهى، وما يقال: من أن الاشتهاء لا يحصل إلا بالتناول فلا بد منه فممنوع.
قوله: (لتوقفه على السمع فمسلم) هذا التوقف فى معنى الجزم بعدم الحكم.
قوله: (وقد يقال) جواب عما رد به المصنف المذاهب الثلاثة فيقال (من قبل الحاظر لا نسلم أن) مجموع (الضدين بلا واسطة مما لا حكم للعقل فيه) بحسن ولا قبح لأن العقل يحكم بإباحة أحدهما لا على التعيين قطعًا فلا بد من إدراك حسنه (و) يقال (من قبل المبيح الفرض أن لا حكم فيه بخصوصه إذ لا يدرك) أى العقل (فيه بخصوصه صفة محسنة أو مقبحة) ولا ينافى عدم الحكم فيه بخصوصه الحكم العام بالإباحة لجواز أن لا يدرك العقل فى كل واحد من أشياء متعددة صفة محسنة فيحكم بالإباحة وبمثله يجاب إن أورد مثله على الحرم فاندفع ما يتوهم ههنا من أن الحكم بالحظر أو الإباحة ينافى محل النزاع (و) يقال (من قبل الواقف أريد أن ثمة حكمًا بأحدهما) من الحظ والإباحة (فى نفسه ولا أدرى أيهما هو الثابت فى الفعل المعين) فالتوقف بمعنى عدم العلم.
قوله: (إذ لا حاكم عندهم إلا الشرع) فإن قلت: لا يجوز أن يقال بعد التنزل عن بطلان حكم العقل لا حكم لأفعال العقلاء مطلقًا قبل الشرع إذ لا حاكم إلا الشرع لأنه ليس هنا تنزل وتسليم حكم العقل فى الجملة إذ لو وقع التنزل عن بطلان حكم العقل ليس حكم العقل فى شئ من أفعال العقلاء قبل الشرع، قلت: أراد الشارح بأفعال العقلاء أفعالًا مخصوصة هى ما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح بقرينة التفصيل والمحشى نظر إلى ظاهر كلامه وأوضح على ما هو مذهبهم ولذا قال فيما بعد والمناقشة معهم بعد التنزل على ما فى الكتاب إنما هى فى القسم الأوّل يعنى أن الشارح قد تسامح فى قوله وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء إذ ليس المذكور مسألة التنزل ولا نعنى لادعاء عدم الحكم فى شئ من أفعال العقلاء فى مقام المناقشة معهم فى القسم الأول فقط.
стр. 778
قوله: (بل ربما كان) ومع ذلك يعتبر (١) تلك الفاكهة ويضع إن لم تأكله ففى هذه الصورة تحمل ضرر الخوف لدفع ضرر النفس أولى ممنوع إذ الإباحة لا تتحقق إلا بالحكم بعدم الحرج فى الفعل والترك فالمنع متوجه إلى الحكم بأن الإباحة تتحقق بسبب عدم الحكم بحرج فى الفعل والترك.
قوله: (فى حكم الشارع) أراد بعدم حكم العقل فى حكم الشارع عدم حكمه فيما يتعلق به حكم الشارع من أفعال المكلفين كما سبق فى توضيح قول الشارح فى أوّل المبادئ؛ بل إنه لا يحكم بأن الفعل حسن أو قبيح فى حكم اللَّه، ومعنى ذلك أنه لا يحكم بحسن أو قبح فى أفعال المكلفين على طبق حكم اللَّه تعالى كما ذهب إليه المعتزلة فقالوا: إن الحاكم هو العقل والشرع كاشف ومعلوم أن كل فعل من أفعال المكلفين يحكم فيه العقل بأن الأحكام الشرعية (٢) فهو حكم من العقل بحسن أو قبح فى حكم الشارع إذ الشرع كاشف عن حسن أو قبح من العقل.
قوله: (فلا يثبت فيه) أى هذا القسم من الأفعال (شئ من تلك الأحكام) أى من الأحكام الشرعية فلو أثبت الإباحة بحكم العقل فيه بالتخيير لزمك التناقض وهو ثبوت الإباحة لأن العقل قد حكم بالتخيير وعدم ثبوت الإباحة لأن المفروض أن تلك الأفعال لا يحكم العقل فيها بحسن أو قبح فى حكم الشارع.
الشارح: (وهو أنه لا حكم لأفعال العقلاء قبل الشرع) هذا إبطال من الخصم لا مستدلون ولم يفحموا، وفى المستصفى أن استقرار الشرع موقوف على أن يبعث اللَّه الرسول ويتمكن الشخص من النظر وليس له أن يقول: لا أنظر حتى يجب علىَّ ومثل من يقول ذلك كمثل من قال له أبوه: إن وراءك سبعًا يريد أن يهجم عليك إن غفلت عنه فليس له أن يقول: لا ألتفت حتى يجب علىّ. . . إلخ.
الشارح: (أحد طرفيه) أى الفعل والمراد به الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر وطرفاه الفعل بالمعنى المصدرى والترك وقوله فأما فعله الضمير فيه للفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر والفعل المضاف بالمعنى المصدرى لكن يرد أن المصلحة والمفسدة
стр. 779
ليس المشتمل عليها الفعل بالمعنى المصدرى بل بالمعنى الحاصل بالمصدر ويجاب بأن المعنى المصدرى اشتمل عليها باعتبار متعلقه.
التفتازانى: (رجح الآخر بكونه ناجزًا) فيه أن ضرر خوف العقاب المرتب على التصرف فى ملك الغير ناجز أيضًا وإنما العقاب المخوف هو الذى ليس بناجز.
التفتازانى: (أنها محرمة عند الشارع) ظاهر فى أن الحاكم هو اللَّه حتى على رأى المعتزلة.
التفتازانى: (وبأن المراد احتمال الضرر) أى فالتحريم لذلك لا للقبح.
قوله: (أى عند الأشاعرة. . . إلخ) يشير إلى أن الشارح قد تسامح فى جعل كون الأفعال لا حكم فيها قبل الشرع هى المسألة الثانية المبنية على التنزل.
قوله: (نمنع كون صورة الضرر الناجز مما لا يقضى العقل. . . إلخ) أى فالحكم بالحرمة لأنه تصرف فى ملك الغير فيحتمل أن يعاقب على ذلك التصرف ليس من محل النزاع كما أن الوجوب لدفع الضرر الناجز المعارض به ليس من محل النزاع، وقوله: أجيب بأن المراد جواز الضرر الناجز أى بالنسبة للوجوب العارض به كما أن المراد احتمال العقاب بالنسبة للقول بالحظر وقوله لم يجزم بعدم الضرر الناجز أى فحكم بالوجوب نظرًا لذلك الاحتمال كما حكم بالحرمة نظرًا لضرر احتمال العقاب وقوله: الظاهر أن أكل الفواكه من صور النزاع أيضًا أى باتفاق منا ومنهم أى فالحظر فيها من قبل الفرع لا يخرجها عن محل النزاع.
стр. 780
قال: (الحكم قيل خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين فورد مثل ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فزيد بالاقتضاء أو التخيير فورد كون الشئ دليلًا وسببًا وشرطًا فزيد أو الوضع فاستقام وقيل بل هو راجع إلى الاقتضاء أو التخيير وقيل ليس بحكم).
أقول: قد بين الحاكم وأنه هو الشرع فشرع فى أبحاث الحكم وقد لزم مما بين أن الحكم إنما هو الحكم الشرعى فأخذ يتكلم فى حده وأقسامه ومسائل تتعلق بأقسامه فهذا حده قيل هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين فالخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام وبإضافته إلى اللَّه خرج خطاب من سواه إذ لا حكم إلا حكمه والرسول والسيد إنما وجب طاعتهما بإيجاب اللَّه إياها وقوله المتعلق بأفعال المكلفين خرج ما ليس كذلك ولو قال بفعل المكلف لكان أحسن ليتناول ما لا يعم من أحكامه كخواص النبى، هكذا قيل فورد عليه مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فإنه داخل فى الحد وليس بحكم فبطل طرده فزيد عليه قيد يخصصه ويخرج عنه ما دخل فيه من غير إفراد المحدود، وهو قولهم بالاقتضاء أو التخيير فقالوا: المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ليندفع النقض فإن قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ليس فيه اقتضاء ولا تخيير وإنما هو إخبار بحال له، فورد عليه كون الشئ دليلًا وسببًا وشرطًا من أحكام لا اقتضاء فيها ولا تخيير فإنها تخرج من الحد مع أنها إفراد المحدود فبطل عكسه فزيد عليه ما يعممه فيدخل فيه ما خرج عنه من أفراد المحدود وهو قولهم: أو الوضع فقالوا: بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع فإن الأحكام التى ورد بها النقض كلها من وضع الشارع وتحصل بجعله وعند ذلك استقام الحد لاطراده وانعكاسه ومنهم من لم يزد هذا القيد وادعى أن هذه الأحكام لا ترد نقضًا فتارة يمنع خروجها عن الحد وتارة يمنع كونها من المحدود.
أما الأول فقيل: إنها لا تخرج بل خطاب الوضع يرجع إلى الاقتضاء أو التخيير إذ معنى جعل الشئ دليلًا اقتضاء العمل به وجعل الزنا سببًا لوجوب الجلد هو وجوب الجلد عند الزنا وجعل الطهارة شرطًا لصحة البيع جواز الانتفاع بالمبيع عندها وحرمته دونها وعليه فقس والحاصل أن مرادنا من الاقتضاء والتخيير أعم من الصريح والضمنى وخطاب الوضع من قبيل الضمنى.
стр. 781
وأما الثانى فقيل: إنه ليس بحكم ونحن لا نسمى هذه الأمور أحكامًا وإن سماها غيرنا به فلا مشاحة فى الاصطلاح.
واعلم أن الحد الأول للغزالى ويمكن الذب عنه بأن الألفاظ المستعملة فى الحدود تعتبر فيها الحيثية وإن لم يصرح بها فيصير المعنى المتعلق بأفعال المكلفين من حيث هم مكلفون، وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ لم يتعلق به من حيث هو فعل مكلف، ولذلك عم المكلف وغيره.
قوله: (ليتناول ما لا يعم) لا خفاء فى أنه إن أجرى على ظاهره لم يتناول شيئًا من الأحكام إذ لا يصدق على حكم ما أنه خطاب متعلق بجميع أفعال المكلفين فالمراد فى تعلقه بفعل منها وحينئذ تدخل الخواص وغيرها.
قوله: (فورد عليه) أى لا زيد قيد الاقتضاء والتخيير خرج عن التعريف أحكام الوضع ككون الشئ دليلًا مثل الإجماع والقياس لما يجب بهما أو سببًا مثل دلوك الشمس للصلاة والزنا لوجوب الجلد أو شرطًا كطهارة المبيع لصحة البيع فزيد قيد "أو الوضع" لتدخل ولم يذكر الآمدى فى أصناف خطاب الوضع جعل الأدلة حججًا وذكرهما فإن قيل هب أن ما خرج بقيد الاقتضاء أو التخيير دخل بقيد "أو الوضع" لكن من الأسباب والشروط ما ليس فعل المكلف كزوال الشمس وطهارة المبيع ونحو ذلك فكيف يستقيم الحد طردًا وعكسًا؟ قلنا: المراد بالتعلق الوضعى أعم من أن يجعل فعل المكلف سببًا أو شرطًا لشئ مثلًا أو يجعل شئ شرطًا أو سببًا له.
قوله: (يعتبر فيها حيثية التكليف) لا يخفى أن اعتبار حيثية التكليف فيما يتعلق به خطاب الإباحة بل الندب والكراهة موضع تأمل.
قوله: (وإنه هو الشرع) من قبيل أعجبنى زيد وكرمه.
قوله: (وقد لزم مما بين) أى من انحصار الحاكم فى الشرع وبطلان كون العقل إن استحكم إنما هو الحكم الشرعى فقط.
قوله: (والخطاب توجيه الكلام نحو الغير للإفهام) هذا مفهومه بحسب أصل اللغة ثم نقل إلى الكلام الموجه نحو الغير للإفهام وهو المراد ههنا اللهم إلا إذا أريد بالحكم المعنى المصدرى فيحمل الخطاب على المعنى الأصلى قال فى الأحكام:
стр. 782
الخطاب اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه فاحترز باللفظ عن الحركات والإشارات المفهمة بالمواضعة وبالمتواضع عليه عن الألفاظ المهملة وبالمقصود به الإفهام عن الكلام الذى لم يقصد به إفهام المستمع فإنه لا يسمى خطابًا وبقوله لمن هو متهيئ لفهمه عن الكلام لمن لا يفهم كالنائم، والظاهر عدم اعتبار القيد الأخير كما ينبئ عنه الشرح ولهذا يلام الشخص على خطابه من لا يفهم والكلام يطلق على العبارة الدالة بالوضع وعلى مدلولها القائم بالنفس فالخطاب إما الكلام اللفظى أو الكلام النفسى الموجه به نحو غير للإفهام وأريد به ههنا المعنى الثانى فإن الخطاب اللفظى ليس بحكم بل هو دال عليه فالكتاب وأخواته دلائل الحكم الذى هو الكلام النفسى على الوجه المخصوص فاندفع ما يقال من أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية عن الأدلة والدليل الشرعى ليس إلا خطاب اللَّه أو ما يقوم مقامه ولو كان الحكم أيضًا خطابه كان الفقه العلم بخطاب اللَّه الحاصل عن خطابه فإن الدليل هو الخطاب اللفظى والحكم هو الخطاب النفسى ولا استبعاد فى كون أقواله وأفعاله تعالى كاشفًا عن الحكم القائم بذاته سبحانه وكذا الإجماع وغيره.
قوله: (إنما وجب طاعتهما بإيجاب اللَّه تعالى إياها) كأن قائلًا يقول: إذا أمر الرسول المكلف أو السيد العبد وجب عليهما المأمور به فقد ثبت حكم الوجوب من غيره سبحانه فلا يصح أن لا حكم بالمعنى المقصود ههنا إلا حكمه فأجاب بأن ذلك الوجوب أيضًا بإيجاب اللَّه تعالى فإيجابهما كاشف عن إيجابه الذى هو الحكم.
قوله: (ليتناول ما لا يعم من أحكامه كخواص النبى ﵊ مما ستأتى الإشارة إليه وكشهادة خزيمة وقد يجاب أنه من قبيل: زيد يركب الخيل وإن لم يركب إلا واحدًا منها وليس هناك مجاز بإطلاق الجمع على الواحد بل يفهم منه أن ركوبه متعلق بجنس هذا الجمع لا بجنس الحمار مثلًا فالمراد: تعلقه بجنس الفعل من جنس المكلف لا تعلقه بجميع أفعال جميع المكلفين فإنه ظاهر البطلان وكذا ما قيل من أنه يدفع بأنه من مقابلة الجمع بالجمع المفيدة للتوزيع لأنه إن أريد المقابلة بين الخطاب والأفعال فالخطاب ليس بجمع وإن أريد بين الأفعال والمكلفين فلا يفيده التوزيع ههنا كما لا يخفى.
стр. 783
قوله: (هكذا قيل) أى فى حد الحكم (فورد عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦])، وكذا قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فإنه داخل فى الحد وليس بحكم شرعى اتفاقًا.
قوله: (ليس فيه اقتضاء) أى لفعل المكلف (ولا تخيير) بالقياس إليه (إنما هو إخبار بحال له) أى لفعل المكلف وهو كونه مخلوقًا للَّه سبحانه إن جعلت ما مصدرية أو للمكلف وهو نسبة العمل إن جعلت موصولة.
قوله: (فورد عليه) الفاء للإيذان بأن الزيادة الحافظة للطرد هى سبب بطلان العكس أى فورد على الحد بهذه الزيادة كون الشئ دليلًا كالدلوك للصلاة وكون الشئ سببًا كالزنا لوجوب الجلد وكون الشئ شرطًا كالطهارة للصلاة وقوله: من أحكام لا اقتضاء فيها ولا تخيير سببان لما سبق وقوله فإنها تخرج تعليل للورود.
قوله: (فزيد عليه ما يعممه) فإن قيل زيادة القيد على ما فى حيز النفى توجب العموم وأما فى الإثبات فلا قلت: هذه الزيادة ليست قيدًا للمزيد عليه بل هى عند التحقيق فى قوة حد آخر فالحد معه فى قوة ثلاثة حدود.
قوله: (وتحصل بجعله) فإن الدلوك مثلًا إنما صار دليلًا للصلاة بوضع الشارع له وجعله إياه دليلًا وكذلك السبب والشرط وهذا القسم يسمى خطابًا وضعيًا والأول خطابًا تكليفيًا.
قوله: (إذ معنى جل الشئ دليلًا اقتضاء العمل به) فمعنى كون الدلوك دليلًا للصلاة وجوب الإتيان بالمدلول عنده فقد رجع إلى الاقتضاء، فإن قلت: الدلوك سبب لوجوب الصلاة على ما سيأتى لا دليل عليه قلت: سببيته عند التحقيق راجعة إلى الدلالة ولذلك لم يذكر هناك الدليل فيصح التمثيل ومعنى جعل الزنا سببًا لوجوب الحد هو وجوب الجلد عند الزنا فقد رجع إلى الاقتضاء، ومعنى جعل الطهارة شرطًا لصحة البيع جواز الانتفاع بالبيع عند الطهارة وحرمة الانتفاع به دون الطهارة فقد رجع إلى التخيير والاقتضاء، ومعنى جعل النجاسة مانعة عن الصلاة وحرمتها معها وجوازها دونها.
قوله: (وأما الثانى فقيل إنه) أى ما ذكر من الخطاب الوضعى ليس بحكم بل هى علامات معرفة الأحكام.
قوله: (ولذلك) أى ولأن تعلقه بفعل المكلف ليس هو من حيث فعل المكلف
стр. 784
وغيره لشموله جميع أولاد آدم وأعمالهم وإن جعل من باب التغليب شمل سائر الحيوانات وأفعالها أيضًا، وقد يقال: يرد على الحد بعد اعتبار الحيثية المذكورة قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فإنه لكونه وعيدًا يتعلق بفعل المكلف من حيث هو مكلف وليس بحكم شرعى اتفاقًا.
قوله: (من قبيل أعجبنى زيد وكرمه) يعنى أن المعنى الواضع (١) بالدليل المفرد الذى هو الحاكم بل مضمون قضية هى قوله: إنه هو الشرع كما أن المعجب زيد من حيث الذات بل صفته التى هى الكرم يؤيد ذلك التوجيه قول الشارح: قد لزم مما بين أى من أن الحاكم هو الشرع.
قوله: (المعنى المصدرى) أى إيراد الحكم الشرعى فهذا الإيراد هو التوجيه المخصوص المتعلق بأفعال المكلفين، ولهذا يلام الشخص على خطابه من لا يفهم فلو كان القيد الأخير أى من هو متهيئ لفهمه معتبرًا فى مفهوم الخطاب لم يصح أن يقال فى حق شخص قد وجه الكلام للإفهام إلى من لا يفهم إنه مستحق أن يلام على خطابه من لا يفهم بل يجب أن يقال: من يستحق أن يلام على هذا التوجيه من غير تعبير بلفظ الخطاب.
قوله: (بإطلاق الجمع على الواحد) اعتبار الجنس أولى من اعتبار الواحدى فى مقام القصد إلى التعميم لأن الواحدى قد يقابل الكثير فى الإثبات والنفى وإنما احتاج إلى حمل المكلفين على الجنس لأن جنسية الفعل إنما هى باعتبار أحدى مفهوميه مضافًا إلى المكلف فلو أريد بالمكلفين جميعًا كما هو الظاهر يخرج ما هو فعل متعلق بمكلف واحدى لا يصدق عليه إنه فعل المكلفين جميعًا بخلاف ما إذا أريد الجنس.
التفتازانى: (أنه لا يصدق على حكم ما أنه خطاب. . . إلخ) أى فالإيجاب ليس متعلقًا بجميع أفعال المكلفين وكذا غيره من الأحكام.
التفتازانى: (ولم يذكر الآمدى فى أصناف خطاب الوضع جعل الأدلة حججًا وذكره ههنا) لعل الآمدى لم يذكره فى أصناف خطاب الوضع لأن كون الإجماع
стр. 785
مثلًا حجة ليس من الحكم فى شئ وذكره ههنا لأنه باعتبار وجوب العمل بما أدى إليه يرجع إلى الحكم.
التفتازانى: (يعتبر فيه حيثية التكليف) ليس هذه العبارة التى كتب عليه التفتازانى فى الشارح إذ الذى فيه: ويمكن الذب عنه بأن الألفاظ التى تستعمل فى الحدود تعتبر فيها الحيثية.
التفتازانى: (لا يخفى أن اعتبار. . . إلخ) فهم السعد أن الحيثية إذا كانت للتقييد تفيد أن المراد الخطاب التعلق على وجه الإلزام فكيف يشمل الندب والإباحة فلذا قال محل تأمل مع أن كون الحيثية للتقييد لا يفيد ذلك بل يفيد التعلق من جهة كون المكلف ملزمًا ما فيه كلفة إما بنفس ذلك الخطاب المتعلق كما إذا كان التعلق على وجه الاقتضاء الجازم أو بغيره كما إذا كان لا على وجه الاقتضاء الجازم وإنما كان هذا من جهة الإلزام لأنه تابع له مرتب عليه إذ لولاه لما وجد ودفع ما قاله السعد بعضهم بأن كلامه مبنى على جعل الحيثية للتقييد فقط مع أنها له وللتعليل أيضًا استعمالًا للمشترك فى معنييه وبعضهم جعل المراد من حيث التكليف نفيًا أو إثباتًا فالحيثية مع كونها للتقييد تشمل الكل.
قوله: (من قبيل أعجبنى زيد وكرمه) أى فى أن محل القصد هو المعطوف فقوله بين الحاكم المراد به بيان صفة له وهى أنه الشرع.
قوله: (فإن الدليل هو الخطاب اللفظى. . . إلخ) علة لاندفاع ما يقال من أن الفقه. . . إلخ. على أن التحقيق أن الأحكام فى تعريف الفقه عبارة عن النسب التامة وإلا لزم استدراك قيد الشرعية وأن الفقه من باب التصور وقد نصوا على أنه عبارة عن التصديق المتعلق بالمسائل.
قوله: (فإنه ظاهر البطلان) أى لاقتضائه أنه لا يتحقق الحكم إلا إذا تعلق الخطاب بكل فعل لكل مكلف.
قوله: (لا يفيده التوزيع ههنا) أى لاقتضائه أنه لا يتعلق الخطاب بفعل الأكثر من واحد بل يكون كل مكلف مكلفًا بفعل غير ما كلف به الآخر.
قوله: (إن جعلت ما مصدرية) هذا ممنوع فقد قال التفتازانى فى شرح العقائد النسفية: الثانى أى من الوجوه التى احتج بها أهل الحق على أن اللَّه هو الخالق
стр. 786
لأفعال العباد النصوص الواردة فى ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، أى عملكم على أن "ما" مصدرية لئلا يحتاج إلى حذف الضمير أو معمولكم على أن ما موصلة ويشمل الأفعال لأنا إذا قلنا: أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى أو للعبد لم نرد بالفعل المعنى المصدرى الذى هو الإيجاد والإيقاع، بل الحاصل بالمصدر من الحركات والسكنات مثلًا، وللذهول عن هذه النكتة يعنى شمول المعمول للأفعال قد يتوهم أن الاستدلال بالآية موقوف على كون "ما" مصدرية. اهـ.
قوله: (توجب العموم) أى كما فى قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
стр. 787
قال: (وقيل: الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به أى لا تفهم إلا منه لأنه إنشاء فلا خارج له).
أقول: قال الآمدى: الحكم خطاب الشارع بفائدة شرعية، فخرج خطابه بغيرها كالإخبار بالمحسوسات والمعقولات.
قال فى المنتهى: إن فسر أى الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم فدور ولو سلم فلا دليل عليه أى فى اللفظ وإلا ورد على طرده الإخبار بما لا يحصى من المغيبات فزيد: تختص به أى لا تحصل إلا بالاطلاع عليه ولا دور لأن حصول الشئ غير تصوره وهذا حكم إنشائى إذ ليس له خارجى.
واعلم أن له أن يفسرها بتحصيل ما حصولها بالشرع دون ما هو حاصل ورد الشرع به أم لا لكنه يعلم بالشرع وحينئذ يكون كما قال وهو مطرد ومنعكس لا غبار عليه وأما قوله: تختص به. . . إلخ. فاعلم أن الخبر كما ستعلم له لفظ ومعنى يدل عليه ثابت فى النفس ومتعلق لذلك المعنى يشعر بوقوعه فى الخارج فإن كان واقعًا فصادق وإلا فكاذب ومثله يمكن أن يعلم وقوع به متعلقه بطريق غير ذلك الخبر وأما الإنشاء نحو قم فلا يدل على أن لنفسه متعلقًا واقعًا فلا خارج له عن النفسى يراد إعلامه إنما يراد به إعلام النفسى وهو الطلب مثلًا وذلك مما لا يعلم إلا باللفظ الدال عليه توقيفًا عليه وإذا عرفت هذا فمثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، مما يصلح للإنشاء والإخبار عن إيجاب سابق متردد بين كونه حكمًا وعدمه.
قوله: (تختص به) أى لا تحصل تلك الفائدة إلا بالاطلاع على ذلك الخطاب ثم استشعر اعتراضًا بأن الاطلاع على الشئ معتبر فيه فتلك الفائدة تتوقف على معرفة الخطاب المخصوص الذى لا تعرف خصوصيته إلا بمعرفة الفائدة فيدور؛ أو يتوقف على معرفة الخطاب الذى هو الحكم فيكون تعريف الحكم به دورًا فأجاب بأن المتوقف على الاطلاع على الخطاب المخصوص أعنى الحكم هو حصول الفائدة لا تصوّرها، والمعتبر فى معرفة الخصوصية أو الحكم تصورها لا حصولها فلا دور فإن قيل تصور مفهوم الفائدة المختصة بالخطاب يتوقف على تصور الخطاب ضرورة، قلنا: نعم لكن على تصور مفهوم الخطاب الذى هو جزء مفهوم الحكم لا
стр. 788
المخصوص الذى هو نفس الحكم والتحقيق أن تصور مفهوم الحكم لا الحكم وحصول ذات الفائدة يتوقف على حصول ذات الحكم ومعرفتها لا على تصور مفهومه.
قوله: (وهذا حكم إنشائى) هكذا وقع فى النسخ وقد سقط عن القلم لفظ "كل" لأن عبارة المنتهى: وهذا حكم كل إنشائى إذ ليس له خارجى يعنى أن ما ذكرنا فى الحكم الشرعى من أن فائدته لا تحصل إلا بذلك الخطاب حكم كل كلام إنشائى فإن فائدته لا تحصل إلا منه إذ ليس له نسبة خارجية غير ما يقوم بالنفس ويفهم من اللفظ ليمكن حصولها بطريق آخر.
قوله: (واعلم أن له) يعنى للآمدى أن يفسر الفائدة الشرعية بما يتوقف على الشرع حصولها وثبوتها فى نفس الأمر لا بما فهمه المعترض وهو الحاصل الذى يتوقف العلم به على الشرع سواء توقف عليه حصوله أم لا وهذا معنى قوله: دون ما هو حاصل ورد به الشرع أم لا لكنه يعلم بالشرع يعنى يكون معنى نسبتها إلى الشرع أن يستند إليه حصولها إلا مجرد العلم بها وحينئذ يخرج الأخبار بالمغيبات مثل قوله تعالى ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢]، فإنها فائدة حاصلة فى الواقع لكنها تعلم بالشرع هذا ولكن لا أدرى لزيادة لفظ "التحصيل" فى قوله: بتحصيل ما حصولها زيادة فائدة.
قوله: (فاعلم أن الخبر) شرح وتفسير لاختصاص الفائدة بالخطاب فى الإنشاء دون الأخبار، وتحقيقه أن للخبر لفظًا هى الأصوات والحروف المخصوصة ومعنى ثانيًا فى نفس المتكلم يدل عليه اللفظ فيرتسم فى نفس السامع هو مفهوم الطرفين والحكم ومتعلقًا لذلك المعنى هو النسبة بين الطرفين يشعر اللفظ بوقوعه فى الخارج لكن الإشعار بوقوعه لا يستلزم وقوعه بل قد يكون واقعًا فيكون الخبر صادقًا، وقد لا فيكون الخبر كاذبًا وفى هذا إشارة إلى أن مدلول الخبر إنما هو الصدق والكذب احتمال عقلى ومثل هذا المعنى لا يختص بالكلام الدال عليه إذ قد يعلم وقوع متعلقه بطريق آخر كالإحساس فى المحسوسات والضرورة والاستدلال فى المعقولات والإلهام مثلًا فى المغيبات والإنشاء له لفظ ومعنى يدل عليه لكن ليس لمعناه متعلق يقصد الإشعار والإعلام به بل إنما يقصد به الإشعار بنفس ذلك المعنى الثابت فى النفس كالطلب مثلًا فى الإنشاءات الطلبية ومثل هذا
стр. 789
المعنى لا يعلم إلا باللفظ بطريق جعل السامع واقفًا على ثبوته فى النفس فيختص بالخطاب الدال عليه فمثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، إن قصد به الإعلام بنسبة واقعة سابقة كان خبرًا فلا يكون حكمًا بالمعنى الذى نحن فيه، وإن قصد به الإعلام بالطلب القائم بالنفس كان إنشاء فيكون حكمًا.
قوله: (قال فى المنتهى إن فسر) أى الآمدى (الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم الشرعى) فالتعريف دورى لأن تصور متعلق الحكم الشرعى موقوف على تصوره فلو عرف الحكم بمتعلقه كان دورًا ولو سلم أن لا دور من حيث إن تصور المتعلق يتوقف على تصور الحكم الشرعى بوجه ما لا على تصوره بهذا الوجه المخصوص واللازم حينئذ أن تصوره بهذا الوجه يتوقف على تصوره بوجه ما ولا استحالة فيه فلا دليل فى اللفظ على متعلق الحكم الشرعى فإن الفائدة الشرعية لا يفهم منها ذلك أصلًا فيفسد الحد وإن لم يفسد الآمدى الفائدة الشرعية بالمتعلق بل بما لا تكون حسية ولا عقلية على ما أشعر به كلامه حيث قال: هذا القيد احترازًا عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية كالإخبار عن المعقولات والمحسوسات ورد على طرد الحد إخبار الشارع بالمغيبات كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وأمثاله فزيد على الحد الذى ذكره الآمدى ى قيد: يخصه بالإنشاء ويخرج عنه ما أورد عليه من الأخبار، وهو قولنا: تختص به أى لا تحصل تلك الفائدة إلا بالاطلاع على الخطاب وبهذا القيد اندفع النقض لأن فائدة الإخبار عن المغيبات قد يطلع عليها لا من حيث الخطاب الشرعى فإن له مدلولًا خارجيًا قد يعلم إذا وقع بدون اطلاع عليه، قال فى المنتهى: والحد مع الزيادة يرد عليه قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، وقوله: ولا دور دفع لما يتوهم من أن معرفة الخطاب المفيد فائدة مختصة به موقوفة على تصور الفائدة المختصة ضرورة توقف الكل على تصور أجزائه وهى متوقفة على الخطاب كما ذكرتم من أنها لا تحصل إلا بالاطلاع عليه، وتقريره: أن المتوقف على الخطاب حصول الفائدة وما توقف عليه الخطاب تصورها وحصول الشئ غير تصوره فلا دور، فإن قلت: قولكم لا تحصل إلا بالاطلاع عليه دل على أن معرفة الفائدة موقوفة على معرفة الخطاب فالدور لازم نعم لو قيل: لا تحصل إلا به لزم ما ذكرتم قلت العلم
стр. 790
بحصولها متوقف على العلم بحصول الخطاب وتصوره متوقف على تصورها فلا دور أصلًا وهذا أى اختصاص فائدة الخطاب به حكم كل خطاب إنشائى فإنه لا يطلع على فائدته إلا به إذ ليس له خارجى يطلع عليه لا من الخطاب بخلاف الإخبار على ما سيأتى تحقيقه.
قوله: (واعلم) نصرة للآمدى بأن له أن يفسر الفائدة الشرعية بتحصيل ما حصولها بخطاب الشرع دون ما هو حاصل فى نفسه ولو فى المستقبل ورد خطاب الشرع به أم لا لكنه يعلم خطابه كالمغيبات فإن الإخبار عنها لا يحصلها بل يفيد العلم بها فلا حاجة إلى زيادة قيد تختص به لإخراجه بل الحد حينئذ كما قال الآمدى وهو مطرد ومنعكس لا غبار عليه فإن قيل: إن حمل الخطاب على اللفظ كانت فائدته مدلوله الذى هو الخطاب النفسى فيلزم أن يكون الأول الحادث محصلًا للثانى القديم ويشكل أخذ الحكم بهذا المعنى فى تعريف الفقه وإن حمل على الخطاب النفسى فما فائدته التى تحصل به قلنا: الإيجاب الذى هو الخطاب النفسى مثلًا يحصل وجوب الفعل الذى لا يستفاد إلا منه وستسمع فى هذا كلامًا عن قريب، وأما قول المصنف: تختص به أى لا تفهم إلا منه لأنه إنشاء فلا خارج له فاعلم فى الحقيقة أن الخبر كما ستعلم فيما بعد له لفظ ومعنى يدل اللفظ عليه ثابت أى ذلك المعنى فى النفس، وقوله: ومتعلق بفتح اللام وإن جاز كسرها عطف على معنى وقوله يشعر على بناء الفاعل مسندًا إلى اللفظ ويجوز أن يقرأ على بناء المجهول مسندًا إلى ما بعده وعلى التقديرين الجملة صفة للمتعلق يعنى وللخبر متعلق لمعناه يشعر لفظه بوقوع دلك المتعلق فى نفس الأمر فاللفظ يدل أولًا وبالذات على المعنى النفسى وثانيًا وبالعرض على وقوع المتعلق وإنما قال: يشعر دون يدل لأن المتبادر إلى الفهم امتناع تخلف المدلول عن الدليل لكنه جائز ههنا لكون الدلالة اللفظية غير قطعية وفى الإشعار تنبيه على جواز ذلك فهو أولى ومثله على طريق الكناية مبالغة أى ومثل الخبر فى أن يكون لمعناه النفسى متعلق خارج عنه يشعر لفظه بوقوعه يمكن أن يعلم وقوع متعلقه بطريق غير ذلك الخبر اللفظى والمعنوى كالحس والعقل وأما الإنشاء نحو: قم فله لفظ ومعنى قائم بالنفس ولا يدل على أن لنفسه متعلقًا واقعًا فى نفس الأمر فلا مدلول خارج له عن المعنى النفسى يراد به إعلام ذلك الخارج كما فى الخبر إنما يراد بالإنشاء إعلام
стр. 791
المعنى النفسى وهو الطلب مثلًا والمعنى النفسى مما لا يعلم إلا باللفظ الدال عليه الصادر من التكلم توقيفًا عليه فالخطاب الإنشائى تختصر فائدته به أى لا يحصل العلم بها إلا بالاطلاع عليه وكما أن معناه لا يفهم إلا منه كذلك ما يتفرع عن معناه كالوجوب المترتب على الإيجاب لا يحصل إلا به ولا يستفاد إلا منه فلا يتوهمن من هذا الكلام كون الخطاب فى التعريف محمولًا على اللفظ وإذا عرفت أن الحكم هو الخطاب الإنشائى فمثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، مما يصلح للإنشاء استعمالًا للخبر فيه مبالغة وللإخبار عن إيجاب سابق على هذا الخطاب إجراء له على أصله متردد بين كونه حكمًا على التقدير الأول لاختصاص فائدته به وبين عدمه إذ لمعناه متعلق خارجى يمكن أن يعلم لا من هذا الخطاب.
قوله: (بمتعلق الحكم الشرعى) توضيح المقام أن الفائدة الشرعية ههنا يجب أن توجد على وجه لا يصدق إلا على مثل الوجوب والحرمة مما يتعلق بأفعال المكلفين وحينئذ يكون خطاب الشارع بالجنس بالفائدة الشرعية أى المفيد لها عبارة قد يكون فى الاعتقاديات وقد يكون فى العمليات ولا شئ هنا يخصص الفائدة الشرعية عما هو المراد إلا بتقييدها بالحكم الشرعى ولذا قال: إن فسر الفائدة الشرعية بمتعلق الحكم الشرعى.
قوله: (على ما أشعر به كلامه) هذا الإشعار ضعيف حاصل بسبب ذكر المحسوسات والمعقولات فى مقابلة الشرعيات فالمفهوم هنا فائدة شرعية وفائدة حسية وفائدة عقلية والحسية مدركة بالحس والعقلية مدركة بالعقل والشرعية ما لم تدرك بهما بل من الشارع فصح قول الشارح وإلا ورد على طرده الإخبار بما لا يحصى من المغيبات لأن ذلك الإخبار يفيد الفائدة الشرعية بهذا المعنى.
قوله: (وهو مطرد ومنعكس لا غبار عليه) فإنه يصدق (١) هذا الحد على الخطابات المتعلقة بالاعتقادات نحو: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١]، و ﴿لَا تُشْرِكْ
стр. 792
بِاللَّهِ﴾ [لقمان: ١٣]، وغير ذلك الأساميات هى خطابات شرعية مفيدة للعقائد الدينية التى لا تحصل إلا من خطاب الشارع مليًا قد وقع التعميم فى أفعال المكلفين على وجه يتناول أفعال القلب أيضًا وإطلاق الحكم على الخطاب الاعتقادى أيضًا.
الشارح: (أى لا تحصل إلا بالاطلاع) أى لا يحصل علمها إلا بعلمه لأن تحققها فى نفس الأمر موقوف على تحققه فى نفس الأمر.
الشارح: (بتحصيل ما حصولها بالشرع) اعتبر التحصيل لأن الفائدة ما استفيد وأنث الضمير العائد على "ما" لوقوعه على الفائدة ثم إن التحصيل يكون من المكلف إذ هو المستفيد للفائدة.
الشارح: (وحينئذ يكون كما قال) أى من أن الحكم خطاب بفائدة شرعية من غير احتياج إلى زيادة قيد تختص به.
التفتازانى: (بأن الاطلاع على الشئ معتبر فيه) أى فى الشئ أى أن الاطلاع على الخطاب معتبر فى الخطاب المخصوص الذى هو الحكم فالخطاب المخصوص الذى هو الخطاب بفائدة مختصة بالاطلاع عليه موقوف على الفائدة لأنها جزؤه والكل يتوقف على الجزء والفائدة متوقفة على معرفة ذلك الخطاب فتوقف الخطاب على نفسه أو أن الفائدة متوقفة على الخطاب الذى هو الحكم فأخذه فى تعريف الحكم يوجب الدور لتوقف الحكم على الفائدة المتوقفة على الحكم فالدور يصور بهذين الوجهين.
التفتازانى: (هو حصول الفائدة) أى الحصول فى الذهن والتصديق بثبوتها فى نفس الأمر.
التفتازانى: (فى معرفة الخصوصية) أى الخطاب المخصوص كما هو المعتبر فى وجه الدور الأول وقوله: أو الحكم أى كما فى الوجه الثانى.
التفتازانى: (لا الحكم) أى لا ذات الحكم وهنا سقط والأصل موقوف على تصور الفائدة وهو خبر عن قوله: إن تصور مفهوم الحكم وقوله: ومعرفتها أى معرفة ذات الحكم أى التصديق بوجودها، والمراد أن العلم بحصول الفائدة موقوف على العلم بوجود ذات الحكم كما أن حصول الفائدة فى نفس الأمر موقوف على حصول الحكم فى نفس الأمر ثم إن هذا التحقيق الذى ذكره التفتازانى هو حاصل
стр. 793
الجواب المتقدم ولا يدفع الإشكال الذى ذكره بقوله فإن قيل: تصور مفهوم الفائدة. . . إلخ. بل لا بد من الجواب الذى ذكره بقوله قلنا: نعم إلخ.
التفتازانى: (ولكن لا أدرى لزيادة لفظ التحصيل فى قوله: بتحصيل ما حصولها زيادة فائدة) لعل الفائدة الإشارة إلى اعتبار الاستفادة التى هى المراد بالتحصيل فى مفهوم الفائدة كما ذكرناه قبل.
التفتازانى: (والحكم) أى الذى هو الإيقاع والانتزاع.
التفتازانى: (وفى هذا) أى اعتبار الإشعار فى معنى الخبر.
التفتازانى: (ومثل هذا المعنى لا يختص) شرح لقول الشارح: ومثله يمكن أن يعلم وقوعه.
قوله: (يرد عليه قوله تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨]، و ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٣٠] أى لأنه خطاب بفائدة شرعية لا يطلع عليها إلا بذلك الخطاب لأنه إنشاء فمقتضى تعريف الحكم بما ذكره أن يكون ذلك حكمًا.
قوله: (يشكل أخذ الحكم بهذا المعنى فى تعريف الفقه) أى لأنه بهذا المعنى يكون الفقه: هو العلم بالكلام اللفظى الحاصل عن الكلام اللفظى؛ لأن الحكم عليه: بمعنى الخطاب اللفظى وهو حاصل عن الدليل الذى هو الخطاب اللفظى وفيه أن الحكم فى تعريف الفقه ليس بمعنى الخطاب النفسى ولا اللفظى بل: بمعنى النسبة التامة كما تقدم التنبيه عليه.
قوله: (يحصل وجوب الفعل) أى بناء على أن الوجوب غير الإيجاب وأنه أمر اعتبارى كما سيأتى له بل ويصح أيضًا على أنه متحد مع الوجوب لاختلافهما اعتبارًا فالإيجاب باعتبار ينشأ عنه الإيجاب باعتبار آخر وهو المسمى بالوجوب.
قوله: (وأما قول المصنف تختص به. . . إلخ) شروع فى شرح قول الشارح أما قوله: تختص به. . . إلخ. وقوله: ومثله شروع فى شرح قول الشارح: ومثله يمكن أن يعلم وقوله: على طريق الكناية مبالغة، معناه: أن قول الشارح ومثله كناية عن نفس الخبر فكأنه قال: ومعنى الخبر يمكن أن يعلم وعبر عن ذلك بقوله: مثله على وجه الكناية والمبالغة كقولك: مثلك لا يبخل تريد به أنت لا تبخل.
قوله: (والمعنوى) هو الخبر النفسى وقوله: كالحس والعقل تمثيل للطريق الذى هو غير الخبر.
قوله: (فلا يتوهمن. . .إلخ) تفريع على قوله: وكما أن معناه. . . إلخ.
стр. 794
قال: (فإن كان طلبًا لفعل غير كف ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب فوجوب وإن انتهض فعله خاصة للثواب فندب وإن كان طلبًا للكف عن فعل ينتهض فعله سببًا للعقاب فتحريم ومن يسقط غير كف فى الوجوب يقول طلبًا لنفى فعل فى التحريم وإن انتهض الكف خاصة للثواب فكراهة وإن كان تخييرًا فإباحة وإلا فوضعى وفى تسمية الكلام فى الأزل خطابًا خلاف).
أقول: هذا أول تقسيم للحكم والحكم إما طلب أو غير طلب أما الطلب فإنما يكون لفعل لأنه المقدور دون عدم الفعل وسيأتى والفعل إما كف وإما غير كف وعلى التقديرين لا بد أن ينتهض الإتيان به سببًا للثواب لأنه طاعة وأما تركه فى جميع وقته فقد ينتهض سببًا للعقاب وقد لا ينتهض فهذه أربعة أقسام فإن كان طلبًا لفعل غير كف ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب فوجوب وإن انتهض فعله خاصة سببًا للثواب فندب وإن كان طلبًا للكف عن فعل ينتهض ذلك الفعل سببًا للعقاب فتحريم وإن انتهض الكف خاصة سببا للثواب فكراهة وأما غير الطلب فإن كان تخييرًا بين الفعل والكف عنه فإباحة وإلا فوضعى وههنا نكتة وهى: أن الحكم كما علمت نفس خطاب اللَّه تعالى فالإيجاب هو نفس قوله: افعل وليس للفعل منه صفة حقيقية فإن القول ليس لمتعلقه منه صفة لتعلقه بالمعدوم وهو إذا نسب إلى الحاكم سمى إيجابًا وإذا نسب إلى ما فيه الحكم وهو الفعل سمى وجوبًا وهما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلذلك تراهم يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة مرة والإيجاب والتحريم أخرى وتارة الوجوب والتحريم كما فعله المصنف.
وقد نبه المصنف على فائدتين:
إحداهما: أن ما ذكرنا بناء على أن الطلب دائمًا لفعل فنفى النهى الكف وفى غيره غيره وأما من يرى أن الترك نفى الفعل وهو أن لا يفعل فيطرح فى الوجوب قوله: غير كف لأنه كان لإخراج التحريم معتقدًا أنه طلب فعل لكنه كف ويقول فى التحريم إن كان طلبًا لنفى فعل.
الثانية: أن الواجب إذا كان وقته موسعًا فستعلم أنه لا ينتهض تركه سببًا للعقاب إلا إذا تركه فى جميع الوقت، فنبه عليه بقوله: فى جميع وقته لئلا يتوهم أنه قد يترك ولا عقاب فلا يكون سببًا له على أنه لو لم يذكره لم يخل لأن انتهاض تركه
стр. 795
سببًا فى الجملة لا يوجب انتهاضه دائمًا ثم ذكر أن فى تسمية الكلام فى الأزل خطابًا خلافًا وهو مبنى على تفسير الخطاب فإن قلنا: إنه الكلام الذى علم أنه يفهم كان خطابًا وإن قلنا: هو الكلام الذى أفهم لم يكن خطابًا ويبتنى عليه أن الكلام حكم فى الأزل أو يصير حكمًا فيما لا يزال فإن قلت: ما معنى سببية الفعل للعقاب وأنتم لا توجبون العقاب به كما تقول المعتزلة قلت معناه أنه لو عوقب به وقيل إنما عوقب لكذا للاءم العقل ولم يستقبح فى مجارى العادات.
واعلم بعد هذا كله أنه يرد عليه وجوب الكف فى قوله: كف نفسك فعلى حد الوجوب عكسًا وعلى حد التحريم طردًا والتحقيق أنه إيجاب للكف تحريم للفعل فلا بد من اعتبار الإضافة فيهما بأن يقال: الطلب إما أن يعتبر من حيث يتعلق بفعل أو من حيث يتعلق بالكف عنه. . . إلخ. ولو حمل عليه كلامه فلا يبقى قوله: غير كف محتاجًا إليه.
قوله: (وإن كان طلبًا للكف عن فعل) كان مقتضى المناسبة أن يقول: طلبًا للفعل هو كف ينتهض تركه إلا أنه اقتصر على المقصود مع زيادة الوضوح وأقام ذلك الفعل مقام فعله فى عبارة المتن لئلا يتوهم عود الضمير إلى الكف، وللإشارة إلى قلة الفرق بين قولنا: ينتهض الفعل أو الكف وقولنا: فعل الفعل وفعل الكف إذ معناه إيقاعه والإتيان به وهذا ما يقال: إن التأثير عين حصول الأثر بحسب الوجود.
قوله: (وههنا نكتة) قد اعترض على تعريف الحكم بأن مثل الوجوب والحل والحرمة من صفات أفعال المكلفين فكيف يكون خطاب اللَّه وكلامه؟ فقال الإمام فى المحصول: قولهم الحل والحرمة من صفات الأفعال ممنوع إذ لا معنى عندنا لكون الفعل حلالًا مجرد كونه مقولًا فيه رفعت الحرج عن فعله ولا معنى لكونه حرامًا إلا كونه مقولًا فيه: لو فعلته لعاقبتك فحكم اللَّه هو قوله والفعل متعلق القول وليس لمتعلق القول من القول صفة؛ وإلا لحصل للمعدوم صفة ثبوتية بكونه مذكورًا ومخبرًا عنه ومسمى بالاسم المخصوص؛ فالشارح المحقق أضاف إلى ذلك زيادة تحقيق وتدقيق وهو أن الخطاب صفة للحاكم متعلق بفعل المكلف فباعتبار إضافته إلى الحاكم يسمى إيجابًا وإلى الفعل وجوبًا والحقيقة واحدة والتغاير اعتبارى؛ وحينئذ يندفع ما يقال: إن الحكم هو الأثر الثابت بالخطاب لا
стр. 796
نفس الخطاب وأن فى جعل الوجوب والحرمة من أقسام الحكم تسامحًا وأنه كان ينبغى للمصنف أن يذكر فى مقابلة التحريم الإيجاب دون الوجوب؛ فإن قيل فعلى هذا لا تغاير بين الحكم والدليل لأنه نفس قوله: افعل قلنا: الحكم هو القول النفسى على ما يناسب معناه المصدرى والدليل هو القول اللفظى المناسب لمعنى المفعول.
قوله: (وقد نبه المصنف) أما التنبيه على الفائدة الأولى فبقوله: ومن يسقط غير كف. . . إلخ. وأما على الثانية فبتقييد الترك بجميع الوقت مع أنه مستغنى عنه فى تمام التعريف لأنا إذا قلنا: الوجوب طلب فعل غير كف ينتهض تركه سببًا للعقاب كان الواجب الموسع داخلًا فيه إذ ينتهض تركه سببًا فى الجملة كما إذا تركه فى جميع الوقت وإن لم ينتهض دائمًا كما إذا تركه فى بعض أجزاء الوقت وهذا معنى قوله على أنه لو لم يذكره لم يخل وأما قوله: فستعلم أنه لا ينتهض فلا يخفى أن لفظ فستعلم أنه زائد لا معنى له.
قوله: (يرد عليه) أى على المصنف وجوب الكف فى قول الشارع إذا قال: كف نفسك عن كذا فإنه إيجاب ولا يصدق أنه طلب فعل غير كف فقد انتفى حدّ الإيجاب ولم ينتف المحدود فبطل طرد تعريف التحريم، وكذا الكلام فى مثل امكث واترك الحركة وصم ونحو ذلك من إيجاب التروك، وأما نحو: لا تكفف فهو طلب كف عن فعل لا طلب فعل غير كف فلا يرد وقد أورد هذا الاعتراض على تعريف الأمر بطلب فعل غير كف ولا يخفى أن المراد الفعل الذى هو مأخذ صيغة الطلب والكف عن ذلك الفعل وحينئذ لا إشكال، أما فى اللفظى فظاهر وأما فى النفسى فتعبير باللفظى.
قوله: (والتحقيق) يعنى إن أجرى التعريفان على ظاهرهما بطلا عكسًا وطردًا بمثل اكفف، وإن حملا على أن الإضافة معتبرة فيهما بناء على أن قيد الحيثية لا بد منه فى تعريف الأمور التى تختلف باختلاف الإضافات، وكثيرًا ما يحذف من اللفظ لظهوره حتى يكون المراد أن الوجوب طلب يعتبر من حيث تعلقه بفعل، والحرمة طلب يعتبر من حيث تعلقه بالكف عن فعل، فيكون اكفف عن فعل كذا من حيث تعلقه بالكف إيجابًا وبالفعل المكفوف عنه تحريمًا لم يكن قوله غير كف محتاجًا إليه فى تمام حدّ الوجوب، ويكفى طلب فعل ينتهض تركه سببًا اللهم إلا أن يقصد زيادة الوضوح والتنبيه.
стр. 797
قوله: (وسيأتى) يعنى فى مسألة: لا تكليف إلا بفعل.
قوله: (وههنا نكتة) وهى أن الحكم الشرعى كما علمت نفس خطاب اللَّه تعالى الموصوف بما ذكر فالإيجاب مثلًا هو نفس معنى قوله: افعل وهو قائم بذاته سبحانه وليس للفعل من الإيجاب المتعلق به صفة حقيقية قائمة به تسمى وجوبًا فإن القول لفظيًا كان أو نفسيًا ليس لمتعلقه منه صفة حقيقية أى لا يحصل لما يتعلق به القول بسبب تعلقه به صفة موجودة لأن القول يتعلق بالمعدوم كما يتعلق بالموجود فلو اقتضى تعلقه تلك الصفة لكان المعدوم متصفًا بصفة حقيقية وهو أى معنى قوله: افعل إذا نسب إلى الحاكم تعالى لقيامه به سمى إيجابًا وإذا نسب إلى ما فيه الحكم وهو الفعل لتعلقه به سمى وجوبًا وهما أى الإيجاب والوجوب متحدان بالذات لأنهما ذلك المعنى القائم بذاته تعالى المتعلق بالفعل مختلفان بالاعتبار لأنه باعتبار القيام إيجاب وباعتبار التعلق وجوب، وكذا الحال فى التحريم والحرمة فلذلك أى فللاتحاد ذاتًا ترى الأصوليين يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة مرة والإيجاب والتحريم أخرى وتارة الوجوب والتحريم كما فعله المصنف تنبيهًا على هذه النكتة فإن قيل: الوجوب مترتب على الإيجاب يقال: أوجب الفعل فوجب وذلك ينافى الاتحاد أجيب بجواز ترتب الشئ باعتبار على نفسه باعتبار آخر إذ مرجعه إلى ترتب أحد الاعتبارين على الآخر وبهذا يجاب أيضًا عما قيل: إن الإيجاب من مقولة الفعل والوجوب من مقولة الانفعال ودعوى امتناع صدق المقولات على شئ باعتبارات مختلفة محل مناقشة نعم يتجه أن يقال: ما ذكرتم إنما يدل على أن الفعل من حيث تعلق به القول لم يتصف بصفة حقيقية تسمى وجوبًا لكن لِمَ لا يجوز أن يكون صفة اعتبارية هى المسماة بالوجوب أعنى كونه بحيث تعلق به الإيجاب بل هذا هو الظاهر ليكون كل من الموجب والواجب متصفًا بما هو قائم به ولا شك أن القائم بالفعل ما ذكرناه لا نفس القول وإن كان هناك نسبة قيام باعتبار التعلق ولو ثبت أن الوجوب صفة حقيقية لتم المراد إذ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر إلا أن الكلام فى ذلك.
واعلم أن هذه المنازعة لفظية إذ لا شك فى خطاب نفسانى قائم بذاته تعالى متعلق بالفعل يسمى إيجابًا مثلًا، وفى أن الفعل بحيث يتعلق به ذلك الخطاب
стр. 798
الإيجابى فلفظ الوجوب إن أطلق على ذلك الخطاب من حيث تعلق بالفعل كان الأمر على ما قرر فى الشرح ولا بد من المساهلة فى وصف الفعل حينئذ بالوجوب وإن أطلق على كون الفعل تعلق به ذلك الخطاب لم يتحدا بالذات ويلزم المسامحة فى عبارتهم حيث أطلقوا أحدهما على الآخر.
قوله: (إن ما ذكرنا بناء) يريد أن ما ذكرناه من تعريف الأقسام الأربعة: الوجوب والندب والحرمة والكراهة مبنى على أن الطلب دائمًا لفعل كما أشير إليه فى صدر التقسيم وسيأتى تفصيله فالمطلوب بالنهى هو الكف وفى غير النهى غير الكف، وأما من يرى أن الترك المطلوب بالنهى هو نفى الفعل وعدمه لكونه مقدورًا عنده بأن لا يفعل الفعل لا أن يفعل عدمه فهو يطرح حينئذ من تعريف الوجوب والندب، قوله: غير كف لأنه كان لإخراج التحريم والكراهة وكذا لفظ الكف عن تعريفهما لأن المطلوب بهما حينئذ هو نفى الفعل.
قوله: (فنبه عليه) أى على عدم انتهاض الترك سببًا للعقاب إلا إذا كان فى جميع الوقت بقوله: فى جميع الوقت لئلا يتوهم أن الواجب الموسع قد يحرك فى بعض أجزاء الوقت ولا عقاب على تركه بل لا استحقاق أيضًا فلا يكون تركه سببًا للعقاب فيخرج عن التعريف.
قوله: (على أنه) بيان لكون القيد المذكور غير محتاج إليه إذ لا يخل عدم ذكره بالتعريف لأن المعتبر فيه حينئذ هو انتهاض ترك الفعل سببًا فى الجملة للعقاب وهو أعم من انتهاضه سببًا له دائمًا وعلى جميع التقادير ومن انتهاضه سببًا له على بعض الوجوه فالواجب الموسع بل وجوبه داخل فى التعريف بدون ذلك القيد نعم فيه تنبيه على زيادة تفصيل وفائدة.
قوله: (علم أنه يفهم) اعتبر العلم ولم يقل ما من شأنه أن يفهم لفائدتين، إحداهما أن العبارة الثانية يتبادر منها كون الإفهام بالقوة فيخرج عنه الخطاب المفهم بالفعل، وثانيتهما أن المعتبر فيه العلم بكونه مفهمًا فى الجملة فما لا يفهم فى الحال ولم يعلم إفهامه فى المآل لا يكون خطابًا بل إن كان مما يخاطب به يكون لغوًا بحسب الظاهر على التقدير وليس المراد من صيغة "يفهم" معنى الحال أو الاستقبال بل مطلق الاتصاف بالإفهام الشامل لحال الكلام وما بعده وكذلك لم يرد بصيغة "أفهم" فى التعريف الآخر معنى المضى بل الإفهام الواقع بالفعل أعم من
стр. 799
الماضى والحال.
قوله: (ما معنى سببية الفعل للعقاب) لم يتعرض لسببية الفعل للثواب لأنها تعرف بالمقايسة فيقال: معنى كونه سببًا للثواب أنه لو أثيب به وقيل إنما أثيب لكذا للاءم العاقل أى وافقه كما فى قولك: أحسن فلان إلى محسنه ولم يتنفر عنه كما فى قولك: أساء إليه ولم يستقبح فى مجارى العادات والحاصل أن الأفعال ليست أسبابًا موجبة للثواب والعقاب واستحقاقهما عند الأشاعرة إنما هى أمارات معرفة لهما ملائمة فى ذلك وفى ترتبهما عليها للعقول فى مجارى العادات.
قوله: (واعلم بعد هذا كله) إشارة إلى أن المصنف وإن بالغ فى المحافظة على هذه التعريفات كما عرفت لكنها لم تخل عن خلل فإن وجوب الكف المستفاد من قوله: كف يخرج عن حد الوجوب فيبطل عكسه ويدخل فى حد التحريم فيبطل طرده وكذا ينتقض حد الندب والكراهة عكسًا وطردًا بالندب المستفاد من كف إذا استعمل فيه ولا كان الحال فى كف ملتبسًا لاحتماله الإيجاب والتحريم حقيقة فإن كف إيجاب بالنظر إلى الكف وتحريم للفعل الذى نسب إليه الكف فهما ههنا متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلا بد فى التمييز بينهما من اعتبار الإضافة فيهما بأن يقال: الطلب إما أن يعتبر من حيث يتعلق بفعل ثم يقسم إلى الوجوب والندب أو يعتبر من حيث يتعلق بالكف عنه ثم يقسم إلى التحريم والكراهة وعلى هذا فقد امتازت الأقسام بعضها عن بعض ولو حمل كلام المصنف على اعتبار الإضافة لزم أن يكون قوله: غير كف فى حدى الوجوب والندب مستدركًا ومنهم من اعترض على حد الوجوب بأنه يلزم منه أن لا يكون الصوم واجبًا لأن "صوموا" طلب لفعل هو كف وأجاب بأنه يمكن أن يمنع كونه كفًا لأن جزأه أعنى النية غير كف.
قوله: (على طريق الكناية مبالغة) من باب مثلك لا يبخل.
قوله: (إذ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر) أى سوى معنى قوله: افعل والوجوب على تقدير ثبوت كونه صفة حقيقية نفس الإيجاب إلا أن الكلام فى ذلك أى فى أن الوجوب هل هو صفة حقيقية أو اعتبارية.
قوله: (كون الإفهام بالقوّة) أى القوّة التى تقابل الفعل فإن ما من شأنه قد يكون بمعنى القوّة وقد يكون أعم من الفعل والقوّة.
стр. 800
قوله: (بل إن كان مما يخاطب به) أى إن كان الكلام من جنس اللفظ والعبارة لأن الكلام النفسى يكون لغوًا بحسب الظاهر أى باعتبار الظاهر الذى هو عدم فائدته والاستغناء عنه على ذلك التقدير أى على تقدير عدم الإفهام فى الحال وعدم العلم بالإفهام فى الحال.
قوله: (أعم من الماضى والحال) فإن قيل: فيلزم أن يكون الكلام خطابًا فى الأزل لأنه يصدق عليه فى الأزل أنه يفهم فى وقت مّا قلنا: الإفهام الواقع فى التعريف غير مقيد بزمان من الأزمنة وتسمية الكلام بالخطاب تابع لتحقق الإفهام فإن كان الإفهام فى الماضى يكون الكلام خطابًا فى الماضى وإن كان فى زمان آخر يكون الكلام خطابًا فى ذلك الزمان.
قوله: (كما فى قولك أحسن فلان إلى محسنه) أى كالملاءمة الواقعة فى قولك: أحسن فلان إلى محسنه، وقوله: لم يتنفر عنه عطف على قوله: ملائم كما فى قولك: أساء إليه أى تنفرًا مسل التنفر الواقع فى قولك أساء إليه وقوله: لم يستقبح عطف على قوله: لم يتنفر عنه.
الشارح: (واعلم بعد هذا كله أنه يرد عليه وجوب الكف فى قولك كف نفسك) هذا الإيراد مدفوع بأن الكف فى نحو كف نفسك مقصود لذاته وإن ذكر معه المتعلق نحو عن الزنا بخلاف الكف فى نحو لا تفعل فإنه ليس مقصودًا لذاته بل المقصود المتعلق والكف حال من أحواله لأنه مدلول للحرف فقولهم فى تعريف الإيجاب: طلب فعل غير كف أى غير كف ملحوظ لغيره بأن كان فعلًا غير كف رأسًا وفعلًا هو كف ملحوظ لذاته وقولهم فى تعريف التحريم: طلب فعل هو كف أى كف ملحوظ لتعرف حال المتعلق.
التفتازانى: (إلا أنه اقتصر على المقصود مع زيادة الوضوح) وذلك أن المقصود من فعل هو كف نفس الكف فلذا قال: وإن كان طلبًا للكف عن فعل وإنما لى يقل ينتهض تركه لأن ترك الكف عن الفعل هو الفعل والتعبير به واضح عن التعبير بترك الكف وقوله: وأقام ذلك الفعل مقام فعله فى عبارة المتن أى أن مقتضى المتن أن يقول فعله لأن ذلك عبارته لكنه أقام الشارح قوله ذلك مقام قول المصنف: فعله لئلا يتوهم. . . إلخ.
التفتازانى: (وليس لمتعلق القول. . . إلخ) جواب عما يقال: نجعل قوله افعل
стр. 801
إيجابًا ونجعل الوجوب إنزاله، ولا نجعل قوله: افعل وجوبًا فلا ينافى أن الوجوب صفة للفعل وكذا أخواته فيكون الحكم هو أثر الخطاب لا الخطاب وقوله: ثبوتية أى سواء كانت موجودة أو لا فكلام الإِمام أعم من كلام الشارح لأن الشارح نفى الحقيقة فقط.
التفتازانى: (على ما يناسب معناه المصدرى) هو التكلم بالكلام النفسى وهو كان قديم الكلام.
التفتازانى: (والدليل هو القول اللفظى) أى سواء كان كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو قياسًا فهى كاشفة وإن كان لا يقال فى القرآن كاشف سدًا لطريق التحريف والنفى إذ يقال: إنه ليس بكلامه بل هو كاشف عنه فيتطرق إلى ما لا يليق فلذا قيل: إن القرآن مثبت ولم يقل كاشف عن كلامه النفسى.
التفتازانى: (وهذا معنى قوله على أنه. . . إلخ) هو محط بيان أن التقييد بجميع الوقت مجرد فائدة.
التفتازانى: (فلا يخفى أن لفظ فستعلم أنه زائد لا معنى له) أى لأن الفائدة التى نبه المصنف عليها هى مجرد أن الواجب الموسع إذا كان وقته موسعًا فلا ينتهض تركه سببًا للعقاب إلا إذا تركه فى جميع الوقت لا أنه سيعلم ذلك ويمكن أن يقال لعله زاد قوله فستعلم للإشارة إلى أن ذلك ليس مجرد دعوى بل أمر مدلل عليه معلوم كما سيأتى فتدبر.
التفتازانى: (فبطل طرد تعريف التحريم) فيه سقط والاصل: فبطل عكس تعريف الإيجاب ويصدق أنه طلب فعل هو كف فقد وجد حد التحريم ولم يوجد التحريم فبطل طرد تعريف التحريم.
التفتازانى: (وقد أورد هذا الاعتراض) أى الذى ذكره الشارح بقوله: واعلم بعد هذا كله إلخ.
التفتازانى: (الفعل الذى هو مأخذ صيغة الطلب والكف عن ذلك الفعل) فكف عن الزنا مثلًا أمر لأنه طلب فعل غير كف عن الفعل الذى هو مأخذ الصيغة بخلاف لا تزن فإنه طلب فعل هو كف عن الفعل الذى هو مأخذ الصيغة فإنه طلب الكف عن الزنا وهو مأخذ الصيغة.
التفتازانى: (وأما فى النفسى فيعتبر باللفظى) أى أن اللفظى هو داله فيقال فيه طلب فعل هو أخذ لصيغة الطلب فى داله الذى هو الأمر اللفظى وليس ذلك
стр. 802
الفعل كفًا عن فعل هو مأخذ الصيغة لذلك الدال.
قوله: (وبهذا يجاب أيضًا عما قيل: إن الإيجاب من مقولة الفعل. . . إلخ) فيقال فى جوابه: لا بأس يكون الشئ من مقولة باعتبار ومن مقولة أخرى باعتبار آخر فقول: افعل باعتبار نسبته إلى الحاكم من مقولة الفعل وباعتبار نسبته إلى الفعل وتعلقه به من مقولة الانفعال.
قوله: (ودعوى امتناع صدق المقولات. . . إلخ) لم يرد المحشى بمقولة الفعل والانفعال المقولة الحقيقية لأن صفات البارى لا يصدق عليها المقولة بمعنى الجنس العالى من الأعراض كما لا يصدق عليها مقولة الجوهر بل أراد المقولة الاعتبارية التى يعتبرها العقل وإن لم تكن أجناسًا هى أعراض ومعنى قوله: وامتناع صدق المقولات على شئ باعتبارات مختلفة محل مناقشة لأنه ليس هنا تصادق مقولات حقيقية وتصادق المقولات الاعتبارية باعتبارات مختلفة ليس بممتنع.
قوله: (سوى ما ذكر) أى سوى قوله افعل.
قوله: (إلا أن الكلام فى ذلك) أى فى أن الوجوب هل هو صفة حقيقية أو اعتبارية.
قوله: (كون الإفهام بالقوة) أى القوة التى تقابل الفعل لأن ما من شأنه أن يكون قد يكون بمعنى القوة التى تقابل الفعل وقد يكون أعم فيشمل ما بالفعل.
قوله: (وثانيتهما أن المعتبر فيه العلم. . . إلخ) قال فى شرح مسلم الثبوت: إن اكتفى فى الخطاب بالصلوح للإفادة فالكلام فى الأزل خطاب وإن أريد الإفهام الحالي فلا وأما أخذ العلم بإفهامه فى الجملة كما قال السيد فغير ظاهر ولا يفهم من لفظ الخطاب وما يأتى فى الحاشية من أن المعتبر فى كون الكلام خطابًا أحد أمرين الإفهام بالفعل أو العلم فى الحال بالإفهام فى المآل وأما الفهم بالقوة مع عدم العلم فى الحال بكونه مفهمًا فى المآل فليس إلا خطابًا بالقوة عند الفريقين فادعاء محض بل الكلام الذى هيئ للإفهام خطاب عند من يكتفى بالصلوح للإفهام فى المآل علم أنه يفهم مآلًا أم لا، نعم يشترط للعلم بأنه خطاب علم كونه مفهمًا فظهور الخطابية إنما هو بالعلم وأما نفس الخطابية فالتهيؤ ولتوجه للإفهام ولو مآلًا فتأمل. اهـ.
قوله: (ولم يتنفر عنه) عطف على قوله وافقه، وقوله: كما فى قولك أساء إليه راجع للمنفى وهو يتنفر عنه، وقوله: ولم يستقبح عطف على قوله: لا أم العقل، وقوله ملائمة فى ذلك أى فى كونها معرفة.
стр. 803
قال: (الوجوب الثبوت والسقوط، وفى الاصطلاح ما تقدم، والواجب الفعل المتعلق للوجوب كما تقدم، وما يعاقب تاركه مردود لجواز العفو وما أوعد بالعقاب على تركه مردود بصدق إيعاد اللَّه تعالى وما يخاف مردود بما يشك فيه القاضى ما يذم تاركه شرعًا بوجه ما وقال بوجه ما ليدخل الواجب الموسع والكفاية حافظ على عكسه فأخل بطرده إذ يرد الناسى والنائم والمسافر فإن قال يسقط الوجوب بذلك قلنا ويسقط بفعل البعض والفرض والواجب مترادفان، الحنفية: الفرض المقطوع به والواجب المظنون).
الأول: الوجوب فى اللغة الثبوت قال ﵊: "إذا وجب المريض فلا تبكين باكية" (*)، وأيضًا السقوط يقال: وجبت الشمس ومنه ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] وجبت جنوبها وفى الاصطلاح ما تقدم: وهو خطاب بطلب فعل غير كف ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب والواجب هو الفعل المتعلق للوجوب فهو فعل غير كف تعلق به خطاب بطلب بحيث ينتهض تركه فى جميع وقته سببًا للعقاب ومنه يعلم حد الأقسام الأخر وحد متعلقاتها. وقيل: الواجب ما يعاقب تاركه وهو مردود لجواز العفو فيخرج عنه الواجب العفو عن تركه، وقيل: ما أوعد بالعقاب على تركه ليندفع ذلك وهو غير مندفع، لأن إيعاد اللَّه تعالى صدق فيستلزم العقاب على تركه ويعود ما قلنا وقيل: ما يخاف العقاب على تركه وهو مردود بما يشك فى وجوبه ولا يكون واجبًا فى نفسه فإنه يخاف العقاب على تركه فيبطل طرده وقال القاضى أبو بكر: ما يذم شرعًا تاركه بوجه ما والمراد بالذم شرعًا نص الشارع به أو بدليله، وذلك أنه لا وجوب إلا بالشرع وقال: بوجه ما ليدخل من الواجبات ما لا يذم تاركه كيفما تركه بل يذم تاركه بوجه دون وجه وهو الموسع فإنه يذم تاركه إذا تركه فى جميع وقته ولو تركه فى بعض الوقت وفعله فى بعض لا يذم وكذا فرض الكفاية فإنه يذم تاركه إذا لم يقم به غيره فى ظنه وكذا الخير إذا قلنا كل واحد واجب فإنه يذم تاركه إذا ترك معه الآخر وأما إذا قلنا هو
стр. 804
أحدهما مبهمًا كما يراه المصنف فيذم تاركه بأى وجه فرض فلذلك لم يذكره كغيره وبهذا القيد حافظ على عكسه فلم يخرج من الحدّ ما هو من المحدود أعنى الموسع والكفاية لكنه أحل بطرده فدخل فيه ما ليس من المحدود وهو صلاة النائم والناسى والمسافر فإنه يذم تاركه بتقدير انتفاء العذر فإن قال القاضى: لا نسلم أن هذه غير واجبة بل واجبة وسقط الوجوب فيها بالعذر قلنا: وكذلك فى الكفاية يقال: يذم بتركه شرعًا، أى يجب الذم لكنه يسقط وجوب الذم بفعل البعض الآخر، وإذا اعتددت بالوجوب الساقط فى الفعل فلِمَ لا تعتد بالوجوب الساقط فى الذم فلا يكون إلى قوله بوجه ما حاجة وكذلك الموسع. وللقاضى أن يقول: ترك أحدنا الكفاية متردد بين أن يترك غيره فيذم وأن لا يترك فلا يذم وهذا الترك بحاله لم يتغير وقد تغير خارجى بخلاف ترك النائم فإن عدم النوم تقديرى ولا يبقى حينئذ هذا الترك بحاله والمتغايران إذا أريد أحدهما لم يرد الآخر نقضًا عليه إذا عرفت معنى الواجب فمن أسمائه الفرض وهما مترادفان عند الجمهور وقالت الحنفية يفترقان بالظن والقطع فما ذكره إن كان ثبت بقطعى ففرض كقراءة القرآن فى الصلاة الثابتة بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وإن ثبت بظنى فهو الواجب نحو تعيين الفاتحة الثابت بقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وهو آحاد ونفى الفضيلة محتمل ظاهر والنزاع لفظى.
قوله: (والواجب الفعل) إشارة إلى أن ما وقع فى عبارة البعض من أن الواجب والمندوب ونحوهما أقسام للحكم ليس على ظاهره.
قوله: (خطاب بطلب فعل) قد تقدم أن الوجوب طلب فعل وأن الطلب نفس الخطاب وكأنه أراد أنه خطاب بطريق أن يكون طلبًا لفعل.
قوله: (فيستلزم العقاب) قد ذهب بعض المتكلمين إلى أن الخلف فى الوعيد جائز دون الوعد.
قوله: (بما يشك فيه) يحتمل أن يريد الواجب الذى يشك بل يظن أو يعتقد أنه غير واجب؛ فلا يخاف تاركه العقاب فيصدق المحدود بدون الحدّ فيبطل انعكاسه، وأن يريد غير الواجب الذى يشك أو يظن أو يعتقد أنه واجب فيخلف تاركه العقاب فيوجد الحدّ بدون المحدود فيبطل اطراده؛ إلا أن المصنف لما اقتصر على ذكر الشك الذى هو أدنى ليعلم الحكم فى الظن والاعتقاد بطريق الأولى ذهب
стр. 805
الشارح المحقق إلى الثانى لأن مجرد احتمال الوجوب كاف فى الخوف فكيف يحكم فى الواجب المشكوك وجوبه بعدم الخوف؟ وبطلان الانعكاس.
قوله: (والمراد بالذم) إشارة إلى دفع ما ذكره فى المنتهى من أنه إن أريد بذم الشارع نصه عليه فلا يوجد فى الجميع إذ لا نص فى كل واجب وإن أريد نص أهل الشرع فدور لأنه موقوف على تحقق الوجوب؛ فلو تحقق الوجوب عنه لدار، ثم قال: والرسم وإن صح بتابع الماهيات فلا يصح بما لا يتحقق إلا بعد تحققها، واعترض العلامة بأن الوقوف على الوجوب هو تحقق الذم لا تصوره وبأن توابع الماهيات كلها مما لا يتحقق إلا بعد تحققها، والجواب أن المراد تابع الماهية قد يتأخر عنها بالزمان كذم أهل الشرع بالنسبة إلى الواجب ومثله لا يصلح للتعريف لعدم اللزوم وإن الغرض كان تعريف الواجب أن يعرف أن أى فعل واجب فيذم تاركه فإذا عرف بذم أهل الشرع وهم لا يذمون ما لم يعرفوا الوجوب، ولا يعرف الوجوب ما لم يعرف الذم؛ فيكون دورًا كما ذكره المصنف فى تعريف المعرب بما يختلف آخره باختلاف العوامل، نعم لو قصد مجرد التمييز بالنسبة إلى غير من يذم لكان وجهًا.
قوله: (فلذلك لم يذكره) يعنى لما كان رأى المصنف أن الواجب فى المخير هو أحد الأمرين مبهمًا لم يتصوّر تركه إلا بترك الجميع وحينئذ يلحقه الذم قطعًا؛ فلذلك لم يذكر المصنف الواجب المخير فى جملة ما يتوقف دخوله فى الحدّ على التقييد بقوله: بوجه بها كغيره أى كما ذكره غير المصنف، أو كما ذكره المصنف غير الواجب الخير وهو الواجب الوسع والكفاية، ولا يخفى ورود مثل هذا على الواجب الموسع فإن من لم يأت فى أوّل الوقت لم يكن تاركًا للواجب إلا على رأى من يجعل وقته أوّل الوقت؛ فظهر أن الاحتياج فى دخول الواجبات الثلاث إلى التقييد بقوله: بوجه ما إنما هو على تقدير أن الوسع واجب فى أوّل الوقت، والكفاية فرض على الكل، وفى المخير كل واحد واجب، أما إذا جعلنا الموسع واجبًا فى جزء ما من الوقت والكفاية واجبة على البعض وفى المخير الواجب واحدًا مبهمًا لم نحتج إلى هذا التقييد، وكان على المصنف أن لا يذكر الموسع أيضًا لا يقال: المقصود تقرير كلام القاضى ومذهبه فى الموسع أنه يجب فى أوّل الوقت الفعل أو العزم فتارك الفعل لا يذم مطلقًا بل إذا ترك العزم أيضًا لأنا نقول فحينئذ لا يكون تاركًا للواجب ما لم يتركهما جميعًا كما فى الواجب المخير بعينه.
стр. 806
قوله: (إذ يرد الناسى والنائم والمسافر) الظاهر أن المراد صلاة الناسى والنائم وصوم المسافر على ما فى بعض الشروح لا صلاة المسافر الفاقد الطهورين على ما ذكره العلامة لأنه لا جهة لذكر السفر حينئذ ووجه الورود أنه يصدق على كل منهما أنه يذم تاركه على تقدير عدم القضاء بعد التذكر والتنبه والإقامة، ولا يخفى أن المراد أنه يذم تاركه على تقدير ترك الفرض معه وفى الصور المذكورة ليس الذم على تركه الصلاة حال النسيان والنوم والصوم والصلاة حال السفر بل على ترك القضاء، ولذا ذهب الشارح المحقق إلى أن المراد صلاة النائم والناسى والمسافر يعنى الركعتين فى القصر فإنها ليست بواجبة عليهم مع أنهم يذمون على تركها لو لم يكن بهم النوم والنسيان والسفر وهذا معنى تقدير انتفاء العذر فليتأمل، وبهذا التحقيق يتمكن من دفع الاعتراض عن القاضى على ما سيجئ.
قوله: (فإن قال القاضى) قد اضطرب فى تقرير هذا السؤال، والجواب كلام الشارحين طرأ لاختلال كلام المصنف؛ لأن الواجب الذى سقط وجوبه؛ إما أن يكون المقصود إدراجه فى الحدّ أو إخراجه؛ فإن قصد إدراجه لم يستقم الجواب، وإن قصد إخراجه لم يستقم السؤال؛ أما الأول فلأن مثل الكفاية والموسع إذا كان من قبيل الواجب، وإن سقط وجوبه كان التقييد بقوله: بوجه ما مقيدًا لا مستدركًا، وأما الثانى فلأن مثل صلاة النائم إذا لم يكن من قبيل الواجب لسقوط وجوبه كان قوله: فإن قال: يسقط الوجوب بذلك تقريرًا لما أورد من اختلال طرد التعريف لصدقه على ما ليس بواجب كصلاة النائم؛ لا دفعًا له فمبنى السؤال على أن ما سقط وجوبه واجب، ومبنى الجواب على أنه ليس بواجب والشارح العلامة قد اعترف بورود هذا الإشكال وقال بعضهم: أخل بطرده لأن الناسى والنائم والمسافر يجب عليهم القوم بالنص ولا نذمهم على تركه بوجه ما فإن قال القاضى: الوجوب يسقط بالعذر فلا يذمون لعدم الوجوب عليهم، قلنا: فالواجب على الكفاية يسقط بفعل البعض، وأنت خبير بأن ما ذكر إخلال بالعكس لا بالطرد، وبعضهم لم يتحاش فقرر السؤال بأنا لا نسلم أن صلاة النائم ليست بواجبة سقط وجوبها، والجواب بأنه يلزم حينئذ أحد الأمرين؛ لأنها إن كانت واجبة لزم الإخلال بالطرد؛ وإن لم تكن واجبة لزم استدراك بوجه ما؛ لأن الغرض منه دخول الكفاية والموسع، ولا نسلم أنهما واجبان لسقوط وجوبهما بفعل بعض المكلفين وبعض أجزاء الزمان، وبعضهم قرر الجواب بأنكم إذا جوزتم
стр. 807
سقوط وجوب مثل صلاة النائم بسبب فلا حاجة إلى زيادة قيد: بوجه ما لأنه حينئذ يقال: إن الواجب على الكفاية إنما لا يذم تاركه؛ لأن الوجوب سقط بفعل البعض، وكذا فى الموسع ولا يخفى أن هذه مجمجة فى الكلام؛ لأن ما سقط وجوبه إما واجب يجب إدراجه، أو غير واجب يجب إخراجه، ويعود المحذور، ولما كان من دأب الشارح المحقق الفحص عن الدقائق، والتقصى عن المضايق أعمل الحيلة فى توجيه المقام، وأظهر الزينة لتمويه الكلام، وجعل ضمير "يسقط" لوجوب الذم على معنى أن تارك الكفاية يستوجب الذم، وكذا تارك الموسع فى أول الوقت؛ لكن يسقط وجوب ذمهما فى الكفاية بفعل البعض الآخر من المكلفين، وفى الموسع بفعله فى البعض الآخر من أجزاء الوقت، وكما لا يخرج مثل صلاة النائم بسقوط الوجوب عن كونه واجبًا لا يخرج تارك مثل الكفاية بسقوط وجوب ذمه عن كونه مستوجبًا للذم فيدخل فى الحدّ وإن لم يقيد بقوله: بوجه ما هذا والكلام فى أن ذمه على من يجب وبماذا يجب.
قوله: (وللقاضى) قد سبق أن وجه ورود صلاة النائم والناسى والمسافر على طرد حد القاضى، وهو أن تاركها يستحق الذم على تقدير عدم النوم والنسيان والسفر؛ لا على تقدير ترك القضاء بعد زوال العذر، لما أن هذا لا يكون ذمًا لتارك الصلاة فى تلك الأحوال؛ بل لتارك القضاء، فعلى هذا يتوجه للقاضى أن يقول: المراد بالترك هو الترك الذى يبقى بحاله عند الوجه الذى يلحق فيه الذم؛ كما فى ترك زيد صلاة الجنازة مثلًا فإنه بحالة من غير تغير سواء تركها عمرو أو لم يترك، وإنما يقع التغيير فى الأمر الخارجى الذى هو ترك عمرو مثلًا فإنه قد يتحقق وقد لا يتحقق؛ بخلاف ترك النائم فإنه على التقدير الذى يلزمه الذم وهو عدم النوم لا يبقى بحاله لأنه لا يكون حينئذ ترك النائم وكذا فى النسيان والسفر فلا يصدق أنه يذم تاركه على تقدير يتحقق معه هذا الترك.
قوله: (والنزاع لفظى) عائد إلى التسمية، فنحن نجعل اللفظين اسمًا لمعنى واحد، تتفاوت أفراده، وهم يخصون كلًا منهما يقسم من ذلك المعنى ويجعلونه اسمًا له، وقد يتوهم أن من جعلهما مترادفين جعل خبر الواحد الظنى؛ بل القياس المبنى عليه فى مرتبة الكتاب القطعى حيث جعل مدلولهما واحدًا وهو غلط ظاهر.
стр. 808
قوله: (إذا وجب المريض) أى ثبت واستقر وزال عنه الاضطراب فلا تبكين باكية لأن ذلك علامة اشتغاله بمشاهدة أمر من أمور الآخرة.
قوله: (وهو خطاب لطلب فعل) يناسب ما سبق من تعريف الحكم بالخطاب ولا يخالف ما يفيده نفس التقسيم من أنه الطلب فإن الخطاب النفسى أعم من الطلب وكما يجوز إضافة العام إلى الخاص يجوز اعتبار ملابسته إياه فيصح أنه طلب وأنه خطاب طلب وأنه خطاب يلتبس بطلب وقد وقع فى عبارة المتن بعد قوله: والواجب الفعل المتعلق للوجوب، قوله: كما تقدم وهو إشارة إلى مضى معنى الواجب ههنا كما أن قوله: ما تقدم إشارة إلى معنى الوجوب صريحًا ومنهم من قال: معناه كما تقدم من معنى الوجوب أو كما تقدم كان أن المشتق يدل على ذات متصفة بالمشتق منه وأنت تعلم أن الأول تكرار والثانى بعيد.
قوله: (ومنه يعلم حد الأقسام الأخر وحد متعلقاتها) فيقال مثلًا: الندب خطاب بطلب فعل غير كف بحيث ينتهض فعله خاصة سببًا للثواب وعلى هذا فقس البواقى.
قوله: (وهو مردود لجواز العفو) لا يكفى مجرد الجواز بل لا بد من اعتبار الوقوع فلهذا قال: فيخرج عنه الواجب المعفو عن تركه، فإن قيل: لو أريد بقولهم ما يعاقب تاركه ما يستحق تاركه العقاب بتركه وفسر الاستحقاق بنحو ما فسر السببية به لم يتوجه النقض قلنا: ما ذكرتم تعريف المصنف لكن تفسير الألفاظ فى التعريفات بخلاف ظواهرها بلا قرينة غير ظاهرة غير جائز وقد ذكر فى الأحكام هذا واعترض عليه بانتفاء الاستحقاق عندنا قال وإن أريد به أنه لو عوقب به لكان ذلك ملائمًا لنظر الشارع فلا بأس به.
قوله: (لأن إيعاد اللَّه تعالى صدق) لأن الإيعاد بالعقاب خبر وأخبار اللَّه تعالى صادقة قطعًا فيستلزم العقاب على الترك لذلك وإن كان تركه فى حق غيره تعالى بعد كرمًا وفضيلة.
قوله: (والمراد بالذم شرعًا نص الشارع به) أى بالذم كأن يقول ذموا أو ليذم تارك الفعل الفلانى أو هو مذموم أو نص الشارع بدليل الذم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣]، إلى غير ذلك من الآيات
стр. 809
الدالة على ذم تارك المأمور به ولم يرد بصيغة يذم معنى الحال أو الاستقبال بل ثبوت الذم بالفعل على أحد الوجهين فاندفع ما قيل من أنه إن أريد الذم بالفعل فلا ينعكس الحد لتخلفه عمن لم يشعر بتركه الواجب وإن أريد الشارع يذمه بطل العكس أيضًا لأنه لا يذم تارك الواجب بل ذمه ويندفع ما أورده المصنف فى المنتهى قائلًا: إن أريد بذم الشرع نص الشارع عليه فلا يوجد فى الجميع يعنى أن الشارع ما نص على ذم كل تارك أى واجب كان وإن أريد نص أهل الشرع يلزم الدور يعنى لتوقف ذم أهل الشرع بالترك على وجوب الفعل هذا مع أن الدور ظاهر الاندفاع.
قوله: (وذلك أنه لا وجوب) ذلك إشارة إلى تقييد الذم بالشرع على المعنى المذكور يعنى أن تقييده به لأنه لا وجوب عندنا إلا بالشرع فلا ذم إلا من جهته.
قوله: (وهو الموسع) قيل الموسع داخل فى الحد وإن لم يقيده بهذا القيد فإن الواجب الموسع هو الظهر مثلًا فى جزء من أجزاء الوقت فتركه إنما يتحقق بتركه فى جميع الوقت وتاركه فى بعض الوقت ليس تاركًا للواجب وبالجملة ما ذكره فى المخيرات ههنا فلو اعتبر مذهب من قال: إنه واجب فى أول الوقت مع أنه لا يذم بتركه فيه أو يقال: كل واحدة من الأفراد المتفقة الحقائق الواقعة فى أجزاء الوقت واجب كما قيل فى المخير احتيج فى إدخاله إلى قوله: بوجه ما فظهر أن الاحتياج إليه فى الموسع والمخير إنما هو على المذهب المردود وأما على المختار فلا، بخلاف فرض الكفاية فإنه على العكس.
قوله: (فلذلك) أى فلأن الواجب فى المخير عند المصنف يذم تاركه على تركه بأى وجه فرض لم يذكر الخير ههنا ولم يقل: إن القيد لإدخاله كما ذكره غيره من أصحاب الفن.
قوله: (فإن قال القاضى لا نسلم أن هذه) أى الصلاة على هؤلاء المذكورين غير واجبة بل هى واجبة لكنه سقط الوجوب فيها بالعذر الذى هو النوم والنسيان والسفر فيكون من أفراد الواجب فلا يخل دخولها فى حده بالاطراد.
قوله: (أى يجب الذم) إن أراد وجوب الذم بالقياس إلى المكلفين يفهم منه أن الذم على ترك الواجب بالقياس إليهم ولا شك أن ذلك على تقدير علمهم بتركه وإن أراد بالقياس إلى الشارع فلا وجوب عليه ولا منه ويمكن أن يفسر وجوب
стр. 810
الذم بالمعنى اللغوى أعنى الثبوت وإن وإن بعيدًا جدًا, ولو لم يتعرض فى الذم للوجوب وجعل الضمير المستتر فى لفظ يسقط المذكور فى المتن ثانيًا راجعًا إلى الذم لا إلى وجوبه لكان أولى وحينئذ يقال وإذا اعتددت بالوجوب الساقط فى الفعل لأجل العذر حتى جعلته من أفراد الواجب فلا ينقدح تعريفه بدخوله فيه فلِمَ لم يقيد الذم الساقط على ترك فرض الكفاية بإتيان الغير فيصدق عليه حينئذ أنه يذم تاركه ويندرج فى الحد ولا حاجة فى ذلك إلى قوله: بوجه ما وكذا الحال فى الموسع فالقيد مستدرك هذا غاية ما يوجه به كلام المتن وقد وقع فى بعض نسخ الشرح هكذا وكذلك يقال: الوجوب يسقط بفعل البعض فإذا اعتددت بالوجوب الساقط بالعذر فلِمَ لا يعتد بالوجوب الساقط بفعل البعض فلا يكون إلى قوله: بوجه ما حاجة كأن هذه العبارة وقعت فى الأصل أولًا ثم غيرت لأن المراد بالوجوب فى قوله: الوجوب يسقط بفعل البعض إن كان وجوب الذم فالمعنى واحد والعبارة الثانية ظاهرة الدلالة عليه فتكون أسد وأولى وإن كان وجوب الفعل أعنى فرض الكفاية لم يكن هذا اعتراضًا على القاضى بل بقوله: كما لا يخفى.
قوله: (وللقاضى أن يتقول. . . إلخ) إذا ترك واحد فهناك ترك مخصوص وتارك موصوف به فالتارك تارك للواجب بذلك الترك المخصوص والذم إنما يلحقه بسببه فإذا قلنا: الواجب ما يذم تاركه فالمعنى ما يذم تاركه بسبب ذلك الترك الذى هو تارك له به وتارك الكفاية يذم فى الجملة بسبب تركه الذى هو تارك الكفاية بذلك الترك لأن تركه الكفاية ترك واحد لا يتغير فى نفسه بإتيان الغير وعدمه وإذا لم يأت به غيره لحقه الذم بذلك الترك وإن أتى به لم يلحقه فهناك ترك واحد يلحق بسببه الذم على وجه دون وجه فلو لم يقيد الحد بقوله: بوجه ما لتبادر منه العموم إلى الفهم وخرج الكفاية فإذا قيد دخل قطعًا وأما التارك الذى هو النائم فإن تركه فى حال النوم مغاير لتركه حال عدمه ولا يلحق بسبب الترك الأول ذم أصلًا فلا يصدق على صلاته أنه فعل يذم تاركه بسبب ذلك الترك الذى هو تارك له به بل يصدق عليها أنه يذم تاركها بترك آخر وهو الترك الحاصل عند عدم العذر فعلم أن ترك الكفاية وترك النائم أمران متغايران بالوجه المذكور أعنى التغير وعدمه فإذا أريد إدخال أحدهما أعنى غير المتغير فى تعريف بزيادة قيد يناسبه فقط لم يرد الآخر أعنى المغير نقضًا على ذلك التعريف بوساطة ذلك القيد الذى لا يناسبه إذ ما عداه