Полный текст (509 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[١]
كتاب الطهارة
١ - مسألة: الخارج النجس من بدن الآدمي، من أي موضع كان، يوجب انتقاض الطهارة. وعنده من السبيلين .
والوجه فيه - أن الخارج من غير السبيلين يشارك الخارج من السبيلين في الوصف المؤثر في إيجاب الوضوء، فيشاركه في إيجاب الوضوء ..
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأنه يشاركه في خروج، فيكون مشاركًا له في الوصف المؤثر في إيجاب الوضوء.
وإنما قلنا بأن يشاركه في خروج النجاسة، لأن الدم نجس، ولهذا منع جواز الصلاة إذا زاد على الدرهم بالإجماع، وخروج النجاسة وصف مؤثر في إيجاب الوضوء، لأن نجاسة المحل توجب الإخلال بالتقرب إلى المعبود وتمنع التعظيم في العبادة، فمست الحاجة إلى كمال التعظيم في العبادة، وذلك برفع المانع من التعظيم، وهو النجاسة، ورفع النجاسة. إنما يكون بضدها، وهو الطهارة، حكميًّا كان أو حقيقيًا.
стр. 2
فعلم أنه يشاركه في الوصف المؤثر في إيجاب الوضوء، فيشاركه في إيجابه.
فإن قيل: قولكم بأن الخارج من غير السبيلي يشارك الخارج من السبيلين- قلنا: لا نسلم. وظاهر أنه لا يشاركه، لأن الحكم في السبيلين ثبت نصًا غير معقول المعنى، على سبيل التعبد، فلا يتعدى إلى غيره.
ولئن سلمنا أنه يشاركه فيما ذكرتم، ولكن لم قلتم بأن خروج النجاسة وصف مؤثر، أو نقول: الحكم تعلق بحقيقة النجاسة أم بدليلها؟ ع م. وهذا لأن الخارج من السبيلين قد يكون نجسًا كالبول والعَذِرة، وقد يكون طاهرًا كالولد والدود، فلو علقنا الحكم بأحدهما دون الآخر يحتاج الإنسان إلى النظر والتمييز بين خارج وخارج، فيؤدي إلى الحرج والاستقذار- فالشرع أعرض عن اعتبار حقيقة النجاسة وعلق الحكم بدليلها، وقد وجد ذلك في السبيلين، لأنها أعدا لخروج النجاسة خلقة، فكان نفس/ الخروج دليلًا على نجاسة الخارج، ولم يوجد في غير السبيلين، لأنه أعد لخروج الطاهرات كالدمع والبزاق والعرق وغيرها، فلا يكون المخرج دليلًا على نجاسة الخارج.
ولئن سلمنا أن الحكم معلق بحقيقة النجاسة- لكن لم قلتم بأن نجاسة الخارج من غير السبيلين مثل النجاسة الخارجة من السبيلين، ليصح القياس؟ . وبيان التفاوت أن النجاسة الخارجة من السبيلين أغلظ، لأن المحلين أعدا لخروج النجاسة. ثم الدليل على المفارقة بينهما الأحكام:
منها- أن النجاسة القليلة إذا ظهرت على رأس الجرح لا توجب.
стр. 3
ومنها- أن الدودة إذا سقطت منه لا توجد، وإذا سقطت من السبيلين توجب أو ظهرت على رأس الإحليل.
ومنها- أن الريح إذا خرجت من غير السبيلين لا توجب، وإذا خرجت من السبيلين توجب.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ منسوقًا على قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾: علق إيجاب الوضوء بالمجئ من الغائط، والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط. وبما روى عن النبي ﷺ أنه قاء فغسل فمه وقال: "هكذا الوضوء من القيء". ولحديث عمر وابن عباس.
стр. 4
الجواب:
- أما قوله بأن الحكم ثمة ثبت غير معقول المعنى -قلنا: لا نسلم، بل ثبت معقول المعنى، وإن كان منصوصًا. والمعقول ما ذكرنا من المناسبة.
- قوله: الحكم تعلق بحقيقة النجاسة أم بدليلها؟ قلنا: بحقيقة النجاسة، لأن المؤثر حقيقة النجاسة على ما مر.
- قوله: التميز متعذر- قلنا: لا حاجة إلى التميز، لأن الخارج من السبيلين لا يكون إلا نجسًا، إما بذاته أو بمجاورة النجس إياه. وإذا أمكن تعلق الحكم بالحقيقة لا ضرورة إلى تعليق الحكم بالدليل، وهو المخرج لأنه عضو طاهر.
- قوله: لم قلتم بأن الخارج مثل الخارج- قلنا: لأن الشرع سوى بينهما في أحكام النجاسة.
- قوله: بأن الملحين أعد لخروج النجاسة- قلنا: بلى، ولكنه عضو طاهر كسائر الأعضاء، فلا تأثير له في غلظ الخارج.
- وأما الأحكام: فالأصل في تخريجها/ أن الطهارة وإنما تنتقض بخروج النجاسة إلا أن الخروج من السبيلين يحصل بمجرد الظهور، لأن ذلك الموضع ليس بموضع النجاسة، فإذا ظهرت النجاسة علم أنها انتقلت من موضع آخر، وفي غير السبيلين لا يتحقق الخروج إلا بالسيلان، لأن تحت كل بشرة بلة سيالة فتظهر بزوال الحائل، لا بالانتقال، فلا بد من السيلان.
وكذلك الدودة والريح، لا يخلو عن مجاورة قليل النجاسة المنتقلة عن موضع آخر، فيتحقق الخروج. وفي غير السبيلين لا يتحقق الخروج، فافترقا.
وأما الآية- قوله: المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط- قلنا: لا نسلم. وظاهر
стр. 5
أنه لا ينفي وجوده قبل الشرط، فإنه لو علق طلاق امرأته بدخول الدار لا يكون نافيًا طلاقها قبل الدخول على ما عرف.
وأما حديث القيء- قلنا: يحتمل أنه كان ملء الفم فيكون ناقضًا. ويحتمل أنه كان أقل منه فلا يكون ناقضًا. على أن الظاهر من حالة قلة القيء، لقلة أكله، عملًا بالدليل.
وأما حديث عمر- فلا حجة فيه، لأنه صاحب الجرح السائل.
وحديث ابن عباس- محمول على نفي الاغتسال، ردًا على من كان يوجب ذلك، عملًا بالأدلنة.
والله أعلم.
٢ - مسألة: النية والترتيب في الوضوء ليسا بشرط. وعنده شرط .
والوجه فيه- أن شرط جواز الصلاة إنما هو الطهارة، وقد حصلت، فتجوز الصلاة، قياسًا على مواضع الإجماع.
وإنما قلنا- لقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهارة".
وإنما قلنا: قد حصلت الطهارة، لأنه وجد استعمال الماء، والماء طهور مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ والطهور اسم لما يطهر غيره نقلًا عن أئمة التفسير واللغة. وإذا وجد استعمال المطهر، تحصل الطهارة ضرورة، فيكتفي به.
فإن قيل: قولكم بأن الطهور اسم لما يطهر غير- قلنا: لا نسلم، بل الطهور اسم للطاهر على سبيل المبالغة، كالأكول اسم للآكل على سبيل المبالغة.
стр. 6
ولئن سلمنا أن الطهور للمطهر، ولكن بمعنى إزالة/ النجاسة الحقيقة أم بمعنى إزالة النجاسة الحكمية؟ م ع غاية ما في الباب أنه مطلق، ولكنهما أمران متغايران، فلو حملنا اللفظ عليهما يؤدي إلى اشتمال اللفظ الواحد على معنيين مختلفين.
ولئن سلمنا أن الطهارة قد حصلت، ولكن لم قلتم بأنه يجوز الصلاة بدون النية للصلاة عند الوضوء؟ .
ثم هذا معارض بالكتاب والسنة.
أما الكتاب-[فـ] قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ أي للصلاة.
وأما السنة-[فـ] قوله ﵇: "الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
الجواب:
قوله: الطهور اسم للطاهر- قلنا: لا نسلم، بل اسم للمطهر [في] اللغة [والتفسير].
стр. 7
[قوله: بمعنى إزالة النجاسة الحقيقية أم الحكمية؟ - قلنا: اللفظ مطلق فيتناولهما.
قوله: بأن الطهارة الحقيقية مخالفة للطهارة الحكمية- قلنا: هذه مخالفة من حيث النوع، وإنها لا تمنع دخوله تحت مطلق الاسم، كالرقبة التركية والهندية في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
قوله: لم قلتم بأنه تجوز الصلاة بدون النية للصلاة عند الوضوء وإن حصلت الطهارة- قلنا: لأن الطهارة إذا حصلت وجب القول بجواز الصلاة، لقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهارة": نفي واستثنى، والاسثتناء من النفي إثبات.
وأما الآية- قلنا: نقل عن ابن عباس أنه أضمر فيها "إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم محدثون" فلم قلتم بأنه محدث؟ .
وأما الحديث- قلنا: المراد من الأحاديث الأعمال التي هي عبادة لإجماعنا على أن النية ليست بشرط فيما ليس بعبادة، ونحن نسلم أن الوضوء إذا عرى عن النية لا يقع عبادة، ولكنه يقع وسيلة إلى الصلاة، لما ذكرنا من حصول الغرض، وهو الطهارة، كالسعي إلى الجامع.
стр. 8
٣ - مسألة: إزالة النجاسة الحقيقية بما سوى الماء من المائعات الطاهرات جائزة وعنده لا يجوز .
والوجه فيه- أن الخل شارك الماء في كونه مؤثرًا في إزالة النجاسة، فيشاركه في إفادة الطهارة.
وإنما قلنا ذلك- لأن الماء شيء رقيق لطيف فيدخل خلال الثوب/ فتصحبه أجزاء النجاسة. فإذا عصر الثوب يزول عنه الماء فيزول معه ما صحبه من أجزاء النجاسة، والخل يشاركه في هذا الوصف بل فوقه في قلع الآثار، فعلم أن الخل يشارك الماء في كونه مؤثرًا في إزالة النجاسة، فوجب أن يشاركه في إفادة الطهارة، لأن الماء إنما يؤثر في إفادة الطهارة لكونه مؤثرًا في إزالة النجاسة، لأن نجاسة الثوب ما كان باعتبار ذاته، فإن ذاته طاهر، بل اعتبار مجاورة النجاسة إياه، فإذا زالت المجاورة صار الثوب طاهرًا- هذا المعنى موجود في الخل، بل أقوى، فيفيد الطهارة ضرورة.
فإن قيل: قولكم بأن الخل شارك الماء في كونه مؤثرًا لإزالة النجاسة- قلنا: لا نسلم بأنه يؤثر في غزالة النجاسة، وهذا لأن الخل إذا خالط نجاسة الثوب يصير نجسًا، والنجس لا يزيل النجاسة، وهكذا نقول في الماء، إلا أن الشرع حكم ثمة بالطهارة لمكان الضرورة غير معقول المعنى، فلا يتعدى إلى غيره.
ولئن سلمنا أن الخل يؤثر في إزالة النجاسة الحقيقية، ولكن لم قلتم بأنه يؤثر في إفادة الطهارة الشرعية، وهذا لأن المعنى من الطهارة الشعرية كون المحل بحال يجوز أداء الصلاة معه، وهذه الحالة تزول بسبب المجاورة، كما تزول عن أعضاء المحدث بسبب الحدث، ثم زوال السبب وهو عين النجاسة، لا يوجب زوال هذا الحكم- دل عليه أنه لا يجوز إزالة الحدث به.
стр. 9
ثم هذا معارض بقوله ﵇: "حتيه واقرصيه واغسليه بالماء".
الجواب:
قوله: الخل بمخالطة النجاسة يصير نجسًا، فلا يزيل النجاسة- قلنا: عنه جوابان:
أحدهما- لا نسلم بأنه يصير نجسًا، بل يبقى طارهًا شرعًا ما دام على المحل، ضرورة إقامة التكليف.
والثاني- أنه يصير نجسًا، ولكن نجاسة المجاورة لا نجاسة الذات. فإذا تقللت المجاورة وزالت النجاسة شيئًا فشيئًا بتكرار الغسل، يبقى الماء الأخير خاليًا من المجاور النجس، فكان طاهرًا.
/قوله: لم قلتم بأنه يؤثر في إفادة الطهارة الشرعية- قلنا: لأنه المعنى من طهارة الثوب شرعًا، كونه بحال يجوز أداء الصلاة فيه، والثوب كان بهذه الحالة، إلا أنه امتنع عمله لمانع، وهو مجاورة النجاسة، فإذا زال المانع، عمل عمله، وصار الثوب بحال لو صلى معه يحصل كمال التعظيم، فاشتراط الماء منع له من ذلك، فلا يجوز، بخلاف المحدث، لأنه نجاسة حكمية، فيتبع في إزالته مورد الشرع، أما ههنا بخلافه وبخلاف المائعا الدسمات، لأن الدسومة مانعة من القلع.
وأما الحديث- قلنا: أوجب الغسل بالماء لغيره، وهو زوال النجاسة، لا لعينه، لأن الغرض هو التطهير بالآية، فإذا حصل المقصود، فلا حاجة إلى اشتراط الماء على التعيين.
والله أعلم.
стр. 10
[٢]
كتاب الزكاة
٤ - مسألة: الزكاة واجبة في الحلى. ولا تجب عنده .
والوجه فيه- أن الزكاة حكم متعلق بوصف ملازم لعين الذهب والفضة، وهو الثمنية، فيبقى ما بقى العين، قياسًا على حكم الربا: فإنه متعلق بوصف ملازم للذهب والفضة وهو الوزن أو الثمنية.
وإنما قلنا ذلك- لأن سبب وجوب الزكاة مال نام مقدر، لأن الزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، إلا أن الحكم غير متعلق بحقيقة النماء، لأنه قد يحصل وقد لا يحصل، فتعلق الحكم بدليله، وهو التجارة. ولا يمكن أيضًا تعليقه بحقيقة التجارة، لأنها قد توجد وقد لا توجد، فتعلق بدليل التجارة، ودليل التجارة في الذهب والفضة الثمنية، لأنها داعية إلى التجارة، فكانت الزكاة متعلقة بوصف الثمنية، ووصف الثمنية ملازم لعين الذهب والفضة، وإنها باقية بعد الصياغة، لأن المعنى من الثمنية كونه بحال يقدر به مالية الأشياء ويتوصل إليها، وهو بهذه الصفة بعد الصياغة، فيبقى الحكم المتعلق، فتجب الزكاة.
فإن قيل: قولكم بأن سبب وجوب الزكاة مال نام، لأن الزكاة عبارة عن النماء- قلنا: لا نسلم، بل الزكاة عبارة عن الطهارة، فلا يناسبهـ[ـا] النماء.
стр. 11
ولئن/ سلمنا أن سبب وجوب الزكاة مال نام، ولكن لم قلتم بأنه موجود هنا؟ .
قوله- بأن الحكم تعلق بدليل النماء، وهو دليل الثمنية: قلنا: [هل] الحكم تعلق بالثمنية التي تثبت بأصل الخلقة أم بالثمنية التي تثبت باصطلاح الناس؟ ع م. وهذا لأن الذهب والفضة كما يصلحان لجهة الثمنية يصلحان لمصالح أخر، فلا تتعين الثمنية بأصل الخلقة، وإنما تصير الثمنية باصطلاح الناس، وهو الداعي إلى التجارة، والحلي لا تعد للثمنية باصطلاح الناس غالبًا، فلا يجب فيها الزكاة.
ولئن سلمنا بأن الذهب والفضة خلقا في الأصل ثمنًا، ولكن لم قلتم بأنه بقي هذا الوصف بعد الصياغة؟ وهذا لأن الوصف الثابت بأصل الخلقة قد يبطل بعارض من جهة العبد، بأن يجعل العوامل سوائم والسوائم عوامل، فتجب الزكاة مرة وتبطل أخرى، واتخاذه حليًا يشعر بإعداده للإمساك، فكونه ثمنًا يشعر بإعداده للإخراج، وبينهما تناف.
ثم هذا القول معارض بقوله ﵇: "لا زكاة في الحلي" وقول ابن عمر: "زكاة الحلي إعارتها".
الجواب:
- قوله: بأن الزكاة عبارة عن الطهارة- قلنا: بلى. ولكن المراد ههنا معنى النماء،
стр. 12
لأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، والأمر بإيتاء الطهارة لا يجوز، فلا يجوز أن يقال "آتوا الطهارة" ولكن يجوز أن يقال "آتوا الزيادة من المال"، فكان ما ذكرناه أولى.
- قوله: الحكم تعلق بالثمنية الثابتة بأصل الخلقة أم باصطلاح الناس؟ قلنا: بالثمنية الثابتة بأصل الخلقة وإن كانـ[ـت] الثمنية الثابتة بالاصطلاح أدعى إلى النماء، لأن الحكم لا يدار على النهاية في الدليل، وإنما يدار على أصل الدليل، كما في السفر مع المشقة.
- قوله: هما لا يتعينان للثمنية- قلنا: لا نسلم، بل يتعينان من حيث إنها هي الخلقة الأصلية منهما، وغيرها تبع.
- قوله: لم قلتم بأنه بقي هذا الوصف بعد الصياغة؟ قلنا: لأنه كان قبل الصياغة، والصياغة لا تبطله حقيقة وشرعًا: أما حقيقة فلأن اتخاذه حليًا يحتمل الإمساك للتحلي ويحتمل/ الصرف في التجارة، لكونه صالحًا لهما، فلا تبطل الثمنية الخلقية بالشك والاحتمال. وأما شرعًا فلأن الشرع أطلق التحلي للنساء، ولو كان مبطلًا لما أطلق، لأنه حينئذ يكون إخلالًا بأعلى المصلحتين لإقامة أدناهما، بخلاف الدواب، لأن كلا من الإسامة والإعمال مصلحة موازنة للأخرى.
وأما الحديث- قالوا: إنه غير ثابت. ولئن ثبت فيحمل على اللآليء والجواهر عملًا بالدليلين.
والله أعلم.
стр. 13
٥ - مسألة: لا تجب الزكاة في المال الضمار، وعنده تجب .
والوجه فيه- أن مال الضِمار ليس بنام، فلا تجب الزكاة فيه، قياسًا على ثياب البذلة.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأنه لو كان ناميًا: إما أن يكون ناميًا حقيقة، أو تقديرًا بقيام دليل النماء- لا وجه للأول لأنه لم يوجد حقيقة لأن الكلام فيه. ولا وجه للثاني لأن دليل النماء هو التجارة، ودليل التجارة القدرة عليها، ولم توجد القدرة ههنا- لأن ذلك إنما يكون ابالنبش والنبس إنما يكون بالتذكر، والتذكر غير مقدور له، فلا يكون ناميًا، لا بحقيقته ولا بدليله، فلا تجب الزكاة لانعدام السبب المناسب.
فإن قيل: التعليق يشكل بالمال الموضوع في صندوقه إذا نسيه حتى حال الحول، وبالدين على المفلس المقر، والمال المدفون في البيت، والكرم إذا نسى مكانه، والوديعة إذا نسى المودع، ومال ابن السبيل- فإنه تجب الزكاة في هذه الصور مع وجود ما ذكرتم.
ثم نقول: لا نسلم بأن دليل النماء هو القدرة على التجارة، بل دليل النماء صلاحيته للتجارة عند تصور التجارة، وقد وجد ههنا.
стр. 14
ولئن سلمنا أن دليل النماء هو القدرة، ولكن لم قلتم بأنه لم توجد؟ وهذا لأن القدرة بالتذكر، والتذكر غالب الوجود، وإن لم يوجد فبله الحكم عليه، كما في السفر مع المشقة.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ وقوله ﵇: "في الرقة ربع العشر" إلى غيرها من النصوص مطلقًا من غير فصل.
الجواب:
أما المال الموضوع في الصندوق-[فـ] لا يرد نقضًا، لأن التذكر/ ثم أغلب والنسيان نادر، أما ههنا على العكس.
وأما الدرين على المفلس- قلنا: القدرة ثابتة ثمة في الجملة، بأن يشتري شيئًا بالدراهم ويحيل البائع عليه.
وأما المال المدفون في البيت- فطريق الوصول في يده، وهو نبش كل البيت.
ومسألة المودع- إن لم يعرف في الابتداء، لا تجب الزكاة فيه. وإن عرفه ثم نسيه تجب، لأن نسيان من يودع نادر، فألحق بالعدم.
وأما المدفون من الكرم-[فقد] اختلف المشايخ فيه، فمنع.
стр. 15
وأما مال ابن السبيل-[فـ] مال نام، لأنه قدر على استنمائه، إما بنفسه بأن يذهب إليه، أو بنائبه.
قوله: بأن دليل النماء هو الصلاحية للتجارة- قلنا: ليس كذلك، لأن الصلاحية قد تفضي وقد لا تفضي، إذ ليس كل ما يصلح لأمر يستعمل في ذلك ليربو.
قوله: بأن التذكر غالب- قلنا: لا نسلم، بل هو محتمل احتمالًا على السواء.
ولئن سلمنا أنه غالب، ولكن إنما يكون قادرًا عند وجود طريقه، فإذا لم يوجد حتى ثم الحول، لم يكن الاعتذار دليلًا، بخلاف السفر، فإن المشقة فيه غالبة والترفه نادر.
وأما النصوص- قلنا: هذه عمومات خصت منها ثياب البذلة وبدل الكتابة غيرها- فيخص المتنازع فيه، بما ذكرنا من الدليل.
والله أعلم.
٦ - مسألة: المستفاد من جنس النصاب يضم إلى ما عنده من النصاب في حكم الحول. وأنه تجب الزكاة فيه عند تمام الحول على الأصل . وعنده لا يضم.
والوجه فيه- أن اشتراط الحول للمستفاد يؤدي إلى العسر، فوجب أن لا يشترط، قياسًا على الأولاد والأرباح.
وإنما قلنا ذلك- لأن أسباب المستفاد يكثر وجودها، فلو شرطنا الحول لكل مستفاد، يحتاج إلى اعتبار ابتداء الحول وانتهائه لكل مستفاد فيؤدي إلى العسر، والحول في باب الزكاة حيث شرط إنما شرط لدفع العسر والحرج، فإذا أدى إلى العسر والحرج وجب أن لا يشترط كما قلنا في الأولاد والأرباح.
стр. 16
فإن قيل: التعليل يشكل بالمستفاد بخلاف الجنس ثم يقول: أيش/ تعني بأن اشتراط الحول في المستفد يؤدي إلى العسر؟ - تعني به أصل المشقة أو تعني به نهاية المشقة الخارجة عن الوسع؟ إن عنيت به الأول، فهو المقصود من العبادات. وإن عنيت به الثاني فلا نسلم أنه ثابت ههنا، وإن سلمنا أنه يؤدي إلى العسر. ولكن لم قلتم بأنه لا يشترط؟ .
وأما القياس على الأولاد والأرباح- قلنا: الفرق ظاهر، وهو أنا قلنا ثم بالضم لعلة التبعية، والتبع له حكم الأصل، أما ههنا بخلافه.
ثم هذا معارض بقوله ﵇ "لا زكاة في مال حتاي حول عليه الحول" وبقوله ﵇: "من استفاد مالًا فلا زكاة عليه حتى يحول الحول".
الجواب:
أما المستفاد بخلاف الجنس- إنما لا يضم، لأن اشتراط الحول لا يؤدي إلى العسر، لأنه لا يكثر وجوده. أما هنا بخلافه.
قوله: أيش تعني بالمشقة؟ قلنا: تعني بها المشقة الزائدة على المشقة الحاصلة بنفس أداء الزكاة لما ذكرنا، لا أصل المشقة.
قوله- بأن الضم في الأولاد إنما كان للتبعية- قلنا: لا نسلم، بل كان لما ذكرنا، من دفع الحرج، لمكان المناسبة.
وأما الأحاديث- قلنا: عمومات خص منها البعض، والعام إذا خص منه البعض
стр. 17
بقي حجة. على أن قوله: "من استفاد مالًا"- الصحيح أنه من كلام ابن عمر، وقول صحابي واحد لا يكون حجة.
٧ - مسألة: أثمان الإبل المزكاة لا تضم إلى ما عنده من النصاب في حكم الحول .
والوجه فيه- أن إيجاب الزكاة في ثمن الإبل المزكاة عند تمام الحول على الأصل، يؤدي إلى أداء الزكاة مرتين، في مال واحد، في حول واحد، فوجب أن لا يجب.
وإنما قلنا ذلك- لأن المال وإن اختلف صورة، فهو متحد معنى، لأن الثمن قائم مقام المثمن.
وإنما قلنا بأن الحول متحد- لأن الزكاة إنما تجب في الثمن بحول يحول على الأصل، وقد مضى بعض حول الأصل على عين الإبل، وأداء زكاتها، فلو وجب الزكاة في بقية الحول في الثمن، كان ثنى وذلك منفي لقوله ﵇: "لا ثنى في الصدقة".
فإن قيل: قولم بأن المال واحد- قلنا: لا نسلم، بل تغايرا حقيقة وحكمًا: أما/ حقيقة فلأن حقيقة الدراهم غير حقيقة الإبل. وأما حكمًا فلأن الزكاة تعلقت بالإبل من حيث إنها عين الإبل، لا من حيث إنها مال، بدليل أنه لا يعتبر قيمتها.
стр. 18
ولئن سلمنا أن المال متحد، ولكن لم قلتم بأن الحول متحد، أو نقول: الحول متحد حقيقة أم حكمًا؟ ع م- بيانه: وهو أنا جعلنا حول الأصل حائلًا على الثمن حكمًا لا حقيقة فلم يتحد الحول.
ولئن سلمنا اتحاد المال والحول- ولكن لم قلتم بأنه لا يجوز؟ .
وأما حديث الثنى- قلنا: الحديث عن الثنى مطلقًا، فيصرف إلى الثنى من كل وجه، وهذا ثنى من وجه دون وجه، فلا يتناوله الحديث.
الجواب:
قوله: بأن الزكاة تعلقت بالإبل من حيث إنها عين الإبل، لا من حيث إنها مال- قلنا: لا نسلم بل تعلقت من حيث إنها مال، لأن الزكاة وإن تعلقت بالنصُب من حيث أعيانها، ولكن تعلقت أيضًا بوصف المالية في كل المواضع، لاقتضاء النصوص نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ و ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ﴾ و"هاتوا ربع عشور أموالكم". ولأن الزكاة وجبت شكرًا لنعمة هذه الأعيان من حيث إنها مال، والثمن أقيم مقام الإبل بوصف المالية فاتحد المال معنى، إلا أن الشرع قدر مالية الإبل بخمسة أعداد كما قدر مالية الدراهم بالمائتين.
قوله: الحول متحد حقيقة أم حكمًا؟ قلنا: لما ثبت أن الثمن بدل الإبل، وقيام البدل كقيام المبدل، فصار كأن الإبل قائمة معنى، ولو كان هكذا كان إيجاب الزكاة
стр. 19
في مال واحد في أقل من سنتين مرتين، وإنه يؤدي إلى الثني.
قوله- بأن الحديث ينفي الثني من كل وجه، وهذا ثني من وجه دون وجه- قلنا: الحديث ينفي الثني مطلقًا، وهو تثنية الزكاة، إلا أنا توافقنا على أن الثني عند تعدد الحول وتعدد المال صورة ومعنى غير مراد- فبقي الثني، عند اتحاد الحول والمال، معنى مرادًا بالنص، عملًا بالنص بقدر الإمكان.
والله أعلم.
٨ - مسألة: مسألة المديون بقدر الدين لا ينعقد سببًا لوجوب الزكاة .
والوجه فيه- أن الزكاة لو وجبت عليه لا يخلو: إما أن تجب على وجه يؤدي من هذا المال أو يؤدي من مال آخر- لا وجه/ للأول، لأن هذا المال واجب الصرف إلى الدين، لأن الكلام فيما إذا لم يكن له مال آخر سواه، والدائن يضيق عليه بالمطابقة، ومطل الغني ظلم، فلو صرف إلى الفقير يكون إخلالًا بالواجب وظلمًا وإنه حرام. ولا وجه للثاني لأن الكلام فيما إذا لم يقدر على مال آخر أصلًا، فانتفى الوجوب، قياسًا على ثياب البذلة.
فإن قيل- قولكم بأن هذا المال واجب الصرف إلى الدين- قلنا: لا نسلم.
قوله- الكلام فيما إذا لم يكن له مال آخر- قلنا: نعم، ولكن يمكن قضاء الدين بواسطة الاكتساب والاستقراض، فلا يتعين هذا المال بدليل أنه لا يتعلق الدين بعينه، حتى لا يسقط الدين بهلاك هذا المال، ولا يكون للدائن منع التصرف فيه.
ولئن سلمنا أنه متعين لقضاء الدين، لكن كله أم ما وراء قدر الزكاة منه؟ ع م.
بيانه- أنه إذا حال الحول صار قدر الزكاة مستحقًا للفقير، فلا يبقى ملكًا له، فلا يجب عليه قضاء الدين من هذا القدر، لعدم ملكه.
стр. 20
ولئن سلمنا أن كله واجب الصرف إلى الدين- ولكن لم قلتم بأنه لا يجوز أن يكون أيضًا واجب الصرف إلى الفقراء، فيجتمع الواجبان، كالصلاة مع إنجاء الغريق وغيرها؟ .
ولئن سلمنا أنه لا تجب الزكاة لتؤدي من هذا المال ولا من مال آخر- ولكن لم قلتم بأنه لا تجب الزكاة دينًا في ذمته ليؤدي عند القدرة، كما قلنا في الحائض إذا طهرت في آخر جزء من الوقت والكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ؟
الجواب:
قوله- يمكن قضاء الدين بواسطة الاكتساب والاستقراض- قلنا: قضاء الدين واجب في الحال وإنه قادر على هذا المال، والاستقراض يحتمل الحصول، والمحتمل لا يعارض القطعي، والكلام فيما إذا تعين هذا المال لدفع ضرر الحبس المعجل.
قوله -لا يتعلق الدين بعينه- قلنا: تعلق الإنسان بمال الغير خلاف الدين إلا للضرورة، والضرورة في المرض، أما لا ضرورة في الصحة. وإنما لا يسقط الدين بهلاك هذا المال، لأنه ثابت في الذمة/ والذمة باقية، وأما الأداء فمتعين منه ههنا، بخلاف هلاك النصاب لأنه في المال.
قوله: تعين لقضاء الدين كله أم ما وراء قدر الزكاة؟ - قلنا: كله.
قوله: صار قدر الزكاة ملكًا للفقير وحقًا له- قلنا: لا نسلم، وإنما يكون كذلك أن لو وجبـ (ـت) الزكاة، وقد بينا أنه لا تجب الزكاة حقًا للدائن ودفعًا لضرر الحبس عن المديون.
قوله: لم لا يجوز أن يجتمع الواجبان؟ - قلنا: لتعذر الجمع. ولئن ثبتا يكون
стр. 21
أحدهما ممنوعًا، والآخر مأمورًا. كما قلنا في الصلاة مع إنجاء الغريق: فالمأمور هو الإنجاء لا غير، وههنا المأمور هو القضاء لا غير، لما بينا.
وأما قوله: لم قلتم بأنه لا تجب الزكاة دينًا في ذمته؟ - قلنا: لأن الشيء إنما بقي في الذمة إذا وجد السبب المقتضي للوجوب، ولم يوجد، لما ذكرنا- بخلاف ما ذكر من الأحكام، لأنه وجدت أسبابها.
٩ - مسألة: من عليه الزكاة إذا فرط في أداء الزكاة حتى هلك النصاب سقطت عنه الزكاة .
والوجه فيه- أن واجب الزكاة جزء من النصاب، فيسقط بهلاكه.
وإنما قلنا ذلك- لقوله ﵇: "هاتوا ربع عشور أموالكم: من كل أربعين درهمًا درهمًا". وقوله "في الرقة ربع العشر"- فبعض هذه النصوص وردت بكلمة "من" وإنها للتبعيض، وبعضها بكلمة "في" وإنها للظرفية، وذلك يقتضي الجزئية، فيسقط بهلاكه، كالعبد الجاني.
فإن قيل: [قلنا]: يشكل هذا بالاستهلاك.
وأما قولكم: الواجب جزء من النصاب- قلنا: هذا يناقض مذهبكم، لأن عندكم
стр. 22
المعتبر قيمة الواجب يوم الوجوب لا عينه، ولأن الواجب لو كان جزء النصاب لتعلق حق الفقير به، ولمنع من التصرف فيه، كما في المريض مرض الموت، ولأنه لو أدى من مال آخر جاز.
فهذا كله ينفي كون الواجب جزءً من النصاب.
وأما الأحاديث:
قولكم: بأن كلمة "من" للتبعيض- قلنا: كما هي للتبعيض تكون للجنس والتمييز أيضًا.
وقوله: كلمة "في" للظرفية- قلنا: كما/ تستعمل للظرفية تستعمل في السببية، كقوله "في العنين الدية". ولئن سلمنا بأنها للظرفية، ولكن الظرف غير المظروف، فيكون الواجب غير النصاب، لا جزءه، لأن جزء الشيء ليس بغيره.
ولئن سلمنا أن الواجب جزء النصاب- ولكن لم قلتم بأنه يسقط بهلاكه؟ وهذا لأن الواجب دخل في ضمانه بالتفريط، لأن الزكاة واجبة على الفور، لإطلاق الأمر، فإذا منع الحق بعد طلب المستحق بضمن، كالوديعة وصدقة الفطر.
الجواب:
أما الاستهلاك- قلنا: ثم إن هلك المال حقيقة، ولكن بقي معنى، لأن الظاهر
стр. 23
هو الاستهلاك في وجه الانتفاع، أو لأنه بالاستهلاك صار جانبًا على الشرع، فيجب عليه الضمان.
قوله: المعتبر عندكم قيمة الواجب- قلنا: المعتبر عندنا عين الشاة، والواجب أداؤها عينًا، إلا أن للمالك ولاية النقل إلى مطلق المال بشرط بقاء النصاب، فإذا هلك يسقط.
قوله: لو كان الواجب جزء النصاب لتعلق به حق الفقير- قلنا: وقد تعلق به، إلا أنه لم يمنع من التصرف ليتمكن المالك من تثميره نظرًا له وللفقير، بخلاف المريض فإنه عاجز عن التثمير.
قوله: لو أدى من مال آخر، جاز- فالجواب عنه ما مر.
قوله: كلمة "من" للتمييز- قلنا: نعم إذا أضيف إلى غير جنسه، كقولكم: باب من حديد. وإن أضيف إلى الجنس فهو للتبعيض، كقولهم: رجل من الرجال.
قوله: بأن كلمة "في" للسببية أيضًا –قلنا: هي للسببية والظرفية جميعًا، ولا تنافي بينهما، فإن المعنى يجمعهما وهو الاتصال.
قوله: بأن الظرف غير المظروف- قلنا: بلى، وجزء النصاب غير النصاب من حيث إنه واجب، والنصاب سبب للوجوب، وهذا القدر من المغايرة يكفي للظرفية.
قوله: الواجب دخل في ضمانه بالتفريط- قلنا: وجوب الضمان يستدعي سابقة الجناية ولم توجد، لأن التأخير عن أول أوقات الإمكان لم يكن جناية ولا/ منعًا بعد الطلب.
стр. 24
١٠ - مسألة: دفع القيم في باب الزكاة جائز
والوجه فيه- أن أداء قيمة الشاة يسد مسد أداء عين الشاة في استيفاء المصحة المطلوبة من الأداء إلى الفقير، فيجوز قياسًا على ما إذا أدى واحدة من خمس إبل، لأن الكفاية كما تحصل بملك عين الشاة تحصل بملك القيمة بل أولى، لأن تملك عين الشاة لا يتوسل في الحال إلا إلى نوع كفاية وهو الأكل، وتملك الدراهم يتوسل إلى أنواع من الكفاية.
فإن قيل: التعليل يشكل بما إذا أعار داره أو أجرها بنية الزكاة، فإنه لا يجو. وكذا لو أدى ربع صاع من حنطة تعادل قيمته قيمة نصف صاع من حنطة وسط أو قيمة صاع من شعير- لا يجوز مع ما ذكرتم. وكذلك إذا أضاف الفقير فإنه لا يجوز.
ثم نقول: لا نسلم بأن أداء القيمة يسد مسد أداء العين. وهذا لأن المطلوب من أداء الشاة أداء عينها. وهذا لا يحصل من القيمة.
ثم هذا القول معارض بما روى أبو داود في صحيحه أن رسول الله ﷺ بعث معاذ ابن جبل إلى اليمن فقال: "خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر". ولأن الزكاة من باب العبادات، والحكم فيها ثبت تعبدًا غير معقول المعنى ولا معلل، فلا يجوز ترك المنصوص والأخذ بالرأي والقياس هـ.
الجواب:
أما إذا أعار داره بجهة الزكاة- إنما لا يجوز، لأن الواجب أداء المال إلى الفقير وتمليكه منه، ولم يوجد، لن الإعارة تمليك المنافع لا تمليك الأعيان- وهو الجواب عن إجارة الدار بنية الزكاة.
стр. 25
وأما إذا أدى ربع صاع من حنطة عن صاع إنما لا يجوز، لأن الحنطة منصوص عليها، والمؤدي وهو الربع وقع عن الربع، فلو وقع/ عن الباقي يقع باعتبار الجودة، والجودة ساقطة الاعتبار في الأموال الربوية، بخلاف الشاة ههنا، لأنها ليست من الأموال الربوية. ولهذا لو باع شاة بشاتين يجوز، فيجوز أداء القيمة.
وأما الضيافة- فلأنها إباحة، وليست بتمليك، فلا يجوز.
قوله: المقصود من أداء الشاة أداء عينها- قلنا: ليس كذلك، بل مقصود الشارع إغناء الفقير، لمكان المناسبة، وإنه يحصل بالقيمة.
وأما النص- قلنا: النص يقتضي أن أداء الزكاة إلى الفقير واجب حقًا لله، وقضاء لحق الفقير الذي له عند الله بحكم وعد الرزق، وإنه يحصل بأداء القيمة ولا يمنع الخروج عن العهدة بطريق من الطرق.
والله أعلم.
١١ - مسألة: الزكاة لا تجب على الصبي والمجنون .
والوجه فيه- أن الزكاة عبادة، فلا تجب على الصبي، قياسًا على الصلاة.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأن العبادة في اللغة عبارة عن التعبد والتذلل- من قولهم: طريق معبد أي مذلل. سميت العبادة عبادة لأنه فعل يقع به التذلل والتعبد والانقياد لله، والعبادة على هذا التفسير لا تتأتى إلا باختيار صحيح، لا تتأتى من الصبي والمجنون، كما لو أدى بنفسه.
فإن قيل: قولكم بأن الزكاة عبادة- قلنا: لا نسلم. وبيان أنها ليست بعبادة أنه يجري فيها الجبر والاستخلاف والنيابة، وهي لا تجري في العبادات.
стр. 26
ولئن سلمنا أنها عبادة، ولكن عبادة تجري فيها النيابة أم لا تجري؟ م ع. الأول- فلم قلتم بأنه إذا جرت فيها النيابة لا يتأتى من الصبي إما بنفسه وإما بنائبه. وهذا لأن الولي أن القاضي نائب الصبي واختيار النائب اختيار المنوب- دل عليه العشر وصدقه الفطر: إن فيهما معنى العبادة، ومع هذا تجب على الصبي.
ولئن سلمنا أن الشرط هو الاختيار الحقيقي بنفسه/ ولكن يتحقق بعد البلوغ- فلم قلتم بأنه لا يجب في الحال ليؤدي بعد البلوغ، كما في وجوب الصوم على المجنون.
ثم هذا القول معارض بالعمومات، وبقوله ﵇: "ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كي لا تأكلها الزكاة" وفي رواية "كي لا تأكلها الصدقة" وإنما تأكل إذا كان واجبًا.
وقوله ﵇: "من ولى يتيمًا فليزك ماله" وفي رواية "فليؤدِّ زكاه ماله" هـ.
الجواب:
أما الجبر والاستخلاف والنيابة- قلنا: إنما تجري هذه الأحكام فيها، لأنها وإن كانت عبادة، ولكن عبادة فيها حق العباد، فشرع فيها هذه الأحكام، إيصالًا للحق إلى الفقراء بأبلغ الوجوه، وإن كانت عبادة، إذ لا تنافي بينهما.
стр. 27
وأما النيابة- قلنا: إنما تثبت بطريق النيابة، بأن يجعل فعله فعل المنوب واختياره اختياره، ولم يوجد ههنا، لأن الولي قائم مقام الصبي في بعض الأحكام، فأقامه الشرع جبرًا من غير اختيار الصبي.
وأما العشر وصدقة الفطر- فلأنها مؤنة، ومعنى العبادة فيها تبع، والصبي من أهل وجوب المؤنات، كالنفقات والضمانات.
قوله: لم لا تجب ليؤدي بعد البلوغ؟ قلنا: إنما تجب في الحال ليؤدي بعد البلوغ إن لو تصور أداؤه في الحال، لأن إيجاب ما لا يتصور لا يعقل، وهذا الفعل لا يتصور من الصبي كما ذكرنا، فلا يجب في الحال، فلا يجب بعد البلوغ.
وأما الحديث- قلنا: غير صحيح. ولئن صح فالمراد منها النفقة وصدقة الفطر.
والحديث الثاني غير صحيح. ولئن صح فالمراد منه –والله أعلم- التنمية لأن التزكية عبارة عن التنمية لغة، وذلك بالتجارة وهي استرباح.
стр. 28
[٣]
كتاب الصوم
١٢ - مسألة: إذا صام رمضان بمطلق النية أو بنية النقل أجزأه- خلافًا له .
والوجه- أنه أتى بما أمر به/، فوجب أن يخرج عن العهدة، قياسًا على ما إذ نوى الفرض.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأن المأمور به هو الصوم، وقد أتى به، لأن الصوم هو الإمساك في اللغة، لقولهم "خيل صيام وخيل غير صائمة"، وقد أتى بالإمساك، فهذا يقتضي أن يخرج عن العهدة بمجرد الإمساك، إلا أنا توافقنا على اشتراط شرط زائد، وهو أصل النية: فإذا وجد الإمساك مع أصل النية يخرج عن العهدة.
فإن قيل: قولكم إن المأمور به هو الصوم وقد أتى به- قلنا: لا نسلم بأنه أتى بالصوم.
قوله: الصوم هو الإمساك- قلنا: لغة أو شرعًا؟ م ع. وهذا لأن اسم الصوم انتقل عن موضوعه، لأنا أجمعنا على أنه لو حلف أن لا يصوم فأمسك بدون النية لا يحنث. وكذا في صورة النزاع: إذا أمسك بدون النية لا يخرج عن العهدة، فعلم أنه انتقل إلى الإمساك مع النية. فعندكم إلى الإمساك مع أصل النية. وعندنا إلى الإمساك مع النية المطلقة.
والدليل على أنه انتقل إلى ما ذكرنا أنا أجمعنا على أنه لو أمسك في باب القضاء والنذور والكفارات بمطلق النية لا يخرج عن العهدة مع أن المأمور به هو الصوم.
стр. 29
ثم معارض بقوله ﵇: "الأعمال باليات ولكل امرئ ما نوى" وإن نوى النقل فيكون له النفل لا الفرض.
الجواب:
قوله: الصوم هو الإمساك لغة أو شرعًا؟ قلنا: هو الإمساك لغة، والإمساك، أصل النية شرعًا وقد وجد.
وأما مسألة الحلف- فإنما لا يحنث لأن غرض الحلف هو الصوم الذي هو عبادة لا مجرد الإمساك، وذلك لا يحصل إلا مع النية.
وأما القضاء والكفارات والنذر المعين، فإنما/ لا يخرج عن العهدة، لأنه غير مأمن به في هذا الزمان على التعيين، بل في زمان بعينه، وذلك بتعيين النذر.
وأما الحديث- قلنا: عام خص منه البعض، فيختص المتنازع فيه.
والله أعلم.
١٣ - مسألة: صوم رمضان يتأدى بنية من النهار قبل الزوال، خلا له .
والوجه فيه- أنه أتى بما أمر به، فيخرج عن العهدة، كما إذا نوى من الليل
стр. 30
وبيان الوصف والتأثير ما مر في المسألة المتقدمة. فهذى تقتضي أن يخرج عن عهدة الأمر بالإمساك العاري عن النية والإمساك المنوي قبل الزوال وبعده كما قال زفر، إلا أن ذلك خرج عن قضية النص بالدليل، فبقى المتنازع فيه داخلًا.
فإن قيل: قولكم بأنه أتى بما أمر به، وهو الإمساك- قلنا: أتى بالإمساك المطلق أم بالإمساك الذي هو عبادة؟ م ع. وهذا لأن بعض الإمساك وهو الإمساك في أول اليوم خلا عن النية. فلا يقع عبادة في أول اليوم، فلا يقع عبادة في باقي اليوم، لأن الصوم لا يتجزأ.
ثم نقول: الواجب عليه إمساك هو عبادة لأنه مأمور به، والإمساك يتردد بين الحمية والعادة والعبادة، فلا تتعين العبادة إلا بالنية، وقد انعدمت النية في أول النهار حقيقة وتقديرًا، لأن إرادة الفعل في الزمان الماضي محال والنية ليست إلا الإرادة، وصار هذا كالنية بعد الزوال.
ثم هذا معارض بقوله ﵇ وهو ما روى ابن عمر عن حفصة زوجة النبي ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه الترمذي والسجستاني والنسائي في كتبهم.
стр. 31
الجواب:
أما قوله: الإمساك في أول النهار خلا عن النية، فلا يكون عبادة- قلنا: هذا باطل بصوم النفل، فإنه قد يخلو الإمساك عن النية في أول/ النهار، ومع هذا يكون عبادة، فإنه روت عائشة قالت: "دخل على النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا- قال: فإني إذن أنا صائم".
ونفس العبادة لا تتفاوت بين الفرض والنفل، وإذا صح في تلك الصورة وجب أن يصح ههنا صيانة لصوم رمضان عن التفويت بخلاف ما إذا نوى بعد الزوال، لأن ذلك مما لم يوجد له نظير في الشرع.
وأما الحديث- قلنا: ذكر الترمذي أن هذا من قول ابن عمر. ولئن سلمنا أنه من قول النبي ﷺ ولكنه محمول على نفي الفضيلة، كي لا يلزم ترك العمل بالعموم في حق النفل.
والله أعلم.
١٤ - مسألة: المجنون إذا أفاق في بعض الشهر يلزمه قضاء ما مضى- خلافًا له . وإذا استوعب كل الشهر لا يلزم القضاء بالإجماع.
стр. 32
والوجه فيه- أن المجنون لم يأت بالواجب عليه فيما مضى من الشهر، فوجب عليه القضاء قياسًا على المغمى عليه.
وإنما قلنا ذلك- لأنه لم يأت بالصوم، وقد وجب عليه فيما مضى.
وإنما قلنا إنه وجب عليه فيما مضى- لأن عموم النص يتناوله، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي فرض. والمجنون موصوف بصفة الإيمان. وإذا ثبت أنه وجب عليه، وقد فاته لعدم الأهلية، يجب عليه القضاء إخراجًا له عن عهدة الواجب.
فإن قيل: قولكم بأن الصوم وجب عليه- قلنا: لا نسلم.
والدليل على عدم الوجوب ان تفسير الواجب أنه لو أتى به يثاب عليه ولو ترك يعاقب، وهذا منتفٍ في حق المجنون.
وأما الآية- قلنا: لا تتناول المجنون لأن شرط تناول الخطاب فهم الخطاب والقدرة على الفعل، ولم يوجد ذلك في حقه، بخلاف النائم والمغمى عليه/ لأنه وجد في حقهما دليل الفهم والقدرة وهو العقل، والحكم يجار على دليل الشرط لا على حقيقته، أما ههنا بخلافه، وصار كالمجنون المستوعب كل الشهر، فإنه لا يلزم القضاء مع وجود ما ذكرتم.
الجواب:
قوله: الواجب ما لو أتى به يثاب عليه ولو ترك يعاقب- قلنا: لا نسلم، بل الثواب بالفعل والعقاب بالترك حكم الوجوب، وحكم الشيء قد يتراخى عنه لمنافع.
ثم نقول: الواجب عبارة عن فعل يقتضي استحقاق الثواب بالإتيان به، واستحقاق العقاب بتركه. وهذا إشارة إلى أن الوجوب وجوبان: أصل الوجوب وهو ما ذكرنا، ووجوب الأداء وهو ما ذكرتم. ومثاله. الواجبات الموسعة: فإنه لا يعاقب بتركها- كذا هذا.
стр. 33
وأما قوله: شرط تناول الخطاب الفهم والقدرة- قلنا: في الحال أم في الجملة؟ ع م، والفهم والقدرة موجودان في حق المجنون في الجملة، على تقدير الإفاقة، وذلك يكفي لتناول الخطاب، كما قلنا في النائم والمغمى عليه.
قوله: وجد في حقهما دليل الفهم والقدرة، وهو العقل- قلنا: عنه جوابان: أحدهما- أن الجنون عبارة عن استتار العقل لا عن عدم العقل، فإن اللفظ ينبئ عنه لغة. والثاني- أن النائم والمغمى عليه عاجزان عن استعمال العقل، ولا فرق بين العديم والعاجز في حق الاستعمال. وأما الجنون المستوعب- قلنا: وجوب القضاء امتنع لمانع وهو الحرج، وإن كان ما ذكرنا من المقتضى موجودًا. أما ههنا بخلافه.
١٥ - مسألة: النذر بصوم يوم النحر وأيام التشريق يصح .
والوجه فيه أنه نذر بصوم مشروع، فينبغي أن يصح، كما إذا نذر بصوم رجب.
وإنما قلنا إنه مشروع- لأن صوم سائر الأيام إنما كان مشروعًا لكونه شاقًا على البدن مخالفًا لهوى النفس، والصوم في هذه الأيام بهذه المثابة فيكون مشروعًا.، / وإذا كان مشروعًا وجب أن يتمكن من تحصيله بواسطة النذر إما قضاء أو أداء، تحصيلًا لمصلحة الثواب.
فإن قيل: لا نسلم بأنه نذر أولًا، وهذا لأن النذر حكمه الوجوب، وبالإجماع لا يجب صوم هذه الأيام. وإن ادعيتم صوم أيام أخر، فالتعليل وقع ضائعًا، لأنكم عللتم
стр. 34
لكون [صوم] هذه الأيام مشروعًا.
ولئن سلمنا أنه نذر، ولكن لم قلتم بأن صوم هذه الأيام مشروع؟ - وهذا لأن المشروع ما يكون مأذونًا فيه، وإنه ممنوع بالنص والإجماع: أما النص [فـ] قوله ﵇: "ألا لا تصوموا في هذه الأيام". والإجماع منعقد على أنه يمنع عن صوم هذه الأيام. ولأنا أجمعنا على أنه لو صام هذه الأيام عن واجب آخر قضاء، لا يجوز، ولو كان مشروعًا لجاز.
ولئن سلمنا أنه مشروع، ولكنه معصية، لأنه منهي عنه والنذر بالمعصية لا يصح، لقوله ﵇: "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
ولئن سلمنا أنه ليس بمعصية، ولكن لم قلتم بأنه وجب أن يتمكن من تحصيله إحرازًا للثواب؟ وظاهر أنه لا يتمكن، لأن تمكنه منه مع منع الشرع عنه محال.
ثم نقول: إنكم قلتم بوجوب الصوم في هذه الأيام واستيفاء المصلحة المعلقة به، ثم قلتم: الأولى أن يفطر ولا يستوفي المصلحة، وهذا تناقض بين.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنه نذر؟ - قلنا: لأنه أتى بصيغة النذر.
стр. 35
قوله: لا يجب صوم هذه الأيام- قلنا: لا نسلم، بل يجب وفاء بالنذر وإن كان ممنوعًا. ويجوز أن يكون الفعل واجبًا بمعنى استحقاق العقاب بتركه والشرع يمنع عنه لمانع، كالصلاة مع إنجاء الغريق وإنقاذ الحريق.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه.
وأما قضاء صوم آخر، فلأنه وجب كاملًا فلا يجوز إدارة ناقصًا، / فإن صوم هذه الأيام وإن كان مشروعًا ولكنه ناقص لمكان النهي.
قوله: الصوم في هذه الأيام معصية- قلنا: نفس الصوم من حيث إنه صوم لا يكون معصية. وإنما العصيان غيره وهو ترك الإجابة، فصار كالصلاة في الأرض المغصوبة، فإنه يصح، وإن كان سببًا لمعصية.
وأما قوله: تمكنه من استيفاء المصلحة مع منع الشرع محال- قلنا: الشرع أطلق استيفاء المصلحة في الجملة، إلا أن المنع ههنا ثبت بحكم العارض.
وبه خرج الجواب عما ذكر من التناقض.
١٦ - مسألة: إذا أكل أو شرب في نهار رمضان عامدًا، تلزمه الكفارة .
والوجه فيه- أن الكفارة في باب الوقاع تعلق وجوبها بجناية إفساد الصوم، وقد حصل إفساد الصوم بالأكل والشرب، فوجب القول بوجوب الكفارة.
وإنما قلنا ذلك- لأن المواقعة في نهار رمضان إنما كانت جناية من حيث إنها إفساد الصوم، لا من حيث إنها مواقعة الأهل، لأنه حلال، وإفساد الصوم ذنب، والحاجة مست إلى رفع الذنب، والشرع أوجب الكفارة في الوقاع، وإنها صالحة لرفع الذنب، لقوله تعالى: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فغلب الظن أن الوجوب إنما كان لهذا.
стр. 36
فإن قيل: هذا التعليل في الوضع فاسد، لأانه إيجاب الكفارة بالقياس، والكفارة من باب المقادير، فلا يجوز إثباتها بالقياس. [قلنا: ليس كذلك. وسيأتي في الجواب].
وأما قوله بأن إفساد الصوم ذنب، والحاجة مست إلى رفع الذنب- قلنا: رفع الذنب يقتضي وجود الذنب، والأصل في هذا الباب حديث الأعرابي: أنه جاء إلى رسول الله ﷺ تائبًا نادمًا، والتوبة رافعة للذنب بالنصوص، ومع هذا أوجب الشرع الإعتاق- علم أنه وجب غير معقول/ المعنى.
ولئن سلمنا أن الحاجة ماسة إلى رفع الذنب، ولكن لم قلتم بأنه لا ذنب ههنا سوى إفساد الصوم؟ .
قوله: لأن مواقعة الأهل حلال- قلنا: في رمضان أو في غيره؟ ع م وهذا لأن ملك النكاح جاز أن لا يتصل به حل الوطء في بعض الزمان، كزمان الحيض والنفاس والطهار- كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أنها شرعت لرفع إفساد الصوم، لكن لم قلتم بأن الإفساد في الأكل والشرب مثل الإفساد في الوقاع، وهذا لأن الكف عن الأكل والشرب شاق على البدن، وإنه معتاد في النهار ولا كذلك الوقاع. ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة والإباحة ثبتت لعارض، والأصل في الأكل والشرب الإباحة والحرمة ثبتت لعارض. ولهذا إذا حرما بسبب عدم الملك، كان حرمة الوقاع أغلظ، فكذا إذا حرما بسبب آخر.
стр. 37
ولئن سلمنا أنهما اتحدا في الجناية، ولكن لم قلتم بأنه وجد سبب وجوب الكفارة ههنا؟ .
قوله: الإفساد سبب- قلنا: باطل بابتلاع الحصاة والنواة وإفطار المريض والمسافر.
الجواب:
قوله: هذا إيجاب الكفارة بالقياس- قلنا: ليس كذلك، بل الاستدلال، فإن القياس إثبات الحكم في المتنازع لمعنى في المنصوص عليه، والاستدلال النظر في المتنازع: أنه هل هو من جنس ما ورد به النص؟ فإذا عرف صار منصوصًا عليه، ويجوز إثبات الحكم، سواء كان من المقادير أو لم يكن، كما في هذه الصورة.
قوله: التوبة واقعة للذنب- قلنا: نعم، ولكن الإعتاق أيضًا يصلح رافعًا للذنب، والشرع لما عين الإعتاق في هذه الجناية علم أن التوبة بمجردها لم تكن كافية.
قوله: لم قلتم بأن المواقعة ليست بحرام؟ - قلنا: لأن ملك النكاح قائم، وإنه يقتضي الحل مطلقًا. وكذا نقول في الحيض وغيره: إن نفس الوطء حلال، وإنما الحرام غيره- كذا ههنا/.
قوله: الكف عن الأكل والشرب شاق على البدن وإنه معتاد- قلنا: ذاك يختلف باختلاف الرجال والأحوال، فلا يتعلق الحكم به، بل [بـ] أصل الداعي.
قوله: حرمة الوقاع أغلظ- قلنا: نعم إذا كان الأكل والوقاع محرمًا، وهنا ليس بحرام، وإنما المحرم هو إفساد الصوم.
وأما الإفطار بالحصاة والنواة، فليس بإفساد الصوم من كل وجه، لأنه لا يفوت به معنى الصوم وهو قهر النفس، فلا تتكامل الجناية، وإفطار المريض والمسافر ليس بجناية أصلًا، فاقترفا من هذا الوجه.
والله أعلم.
стр. 38
١٧ - مسألة: المنفرد برؤية الهلال إذا شهد عند القاضي ، فرد القاضي شهادته يجب عليه الصوم، ولو أفطر لا يجب عليه الكفارة.
والوجه فيه- أن الإفطار صادف يومًا تمكنت فيه شبهة الرمضانية، فلا تجب الكفارة، قياسًا عن يوم الشك إذا أفطر.
وإنما قلنا ذلك- لأن دليل الرؤية عارضه دليل الغلط، وهو نفرده من بين سائر الناس كافة، وعند الغلط في الرؤية ينتفي كونه من رمضان، لأنه لولا الرؤية، لم تثبت المراضنية اليوم، فتثبت المعارضة الشبهة، فلا تجب الكفارة.
فإن قيل: قولكم بأن دليل الرؤية عارضه دليل الغلط، وهو تفرده من بين سائر الناس. قلنا: لا نسلم بأنه تفرد. وهذا لأن تفرده بالرؤية، إنما يعلم بعدم رؤية غيره ولا يطلع على ذلك، لاحتمال وجود الرؤية من الغير، ولجواز أن ذلك الغير لم يشهد لمانع.
ولئن سلمنا أنه تمكنت شبهة الرمضانية، ولكن متى لا تجب الكفارة؟ إذا كانت الكفارة واجبة عليه بالإفطار في رمضان أم إذا كانت واجبة عليه بإفساد الصوم الواجب عليه بإيجاب الشرع؟ م ع.
وعندنا الموجب للكفارة ليس إلا هذا.
ولئن سلمنا أن دليل الرؤية عارضة دليل الغلط، ولكن إذا كانت الكفارة واجبة على تقدير دون تقدير وجب أن تجب احتياطًا.
الجواب/
قوله: احتمال الرؤية من الغير موجود- قلنا: لو رآه غيره لشهد عند القاضي.
قوله: يحتمل أنه لم يشهد لمانع- قلنا: هذا مجرد وهم لا دليل عليه، فلا يعتبر في الأحكام.
стр. 39
قوله: الكفارة إنما وجبت، لأنه إفـ (؟ ) في يوم واجب ابتداء، لا من حيث إنه رمضان- قلنا: صوم اهذا اليوم ليس بوا (؟ ) متعين، بل في وجوبه شبهة، على ما مرَّ، فلا تجب الكفارة.
قوله: إذا كانت الكفارة واجبة على تقدير دون تقدير، وجب أن تجب احتياطًا- قلنا: هذا إثبات الحكم بالشك والاحتمال، فلا يجب.
١٨ - مسألة: الكفارتان تتداخلان .
والوجه فيه- أن الكفارة إنما وجبت في الأصل لتفيد معنى الزجر، والكفارة الثانية لا تفيد معنى الزجر، فلا تجب.
وإنما قلنا ذلك- لأنه إذا تحمل مشقة الكفارة الأولى، يمتنع من الجناية في الثاني غالبًا. وإذا حصل الزجر بالأولى لا يتصور حصوله بالثانية، لأن تحصيل الحاصل محال.
فإن قيل: قولكم بأن الكفارة في الأصل تفيد معنى الزجر- قلنا: لا نسلم أن نفس الأداء يصلح أن يكون زاجرًا، فضلًا عن الوجوب.
بيانه- أن الزجر إنما يحصل بعقوبة تقام على الإنسان جبرًا بدون اختياره كالحدود ونحوها، والكفارة تتعلق باختياره، فلا يحصل الزجر.
ثم الدليل على أنها لم تشرع للزجر، وإنما شرعته لستر الذنب- أن الكفارة من الكفر، والكفر في اللغة هو الستر لا الزجر، والحاجة إلى الستر في المرة الثانية، كالحاجة إلى الستر في الأول.
стр. 40
ولئن سلمنا أن الكفارة للزجر، ولكن لم قلتم بأن الكفارة في الثانية عريت عن هذا المعنى؟ .
قوله: لأن الزجر حصل بالأولى، فلا يحصل بالثانية- قلنا: قطعًا أم على سبيل الاحتمال؟ ع م. وإذا احتمل عدم الانزجار، لوجب أن تجب الكفارة الثانية تحقيقًا لمعنى الزجر. وصار هذا كما لو أفطر في رمضانين حيث يلزمه كفارتان، مع ما ذكرتم.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن/ أداء الكفارة يصلح زاجرًا؟ - قلنا: لما فيه من المشقة وفوات المال، فيمتنع عما يوقعه فيه غالبًا.
قوله: يتعلق باختياره- قلنا: نعم، ولكن الوجوب حامل له على الأداء، فإذا أدى حصل الزجر بنفس الأداء.
قوله: بأنها لا تنبئ عن الزجر- قلنا: هو في نفسه رافع وساتر، ولكن ههنا رافع آخر دونه في المشقة، وهو التوبة. فالشرع إنما شرع الكفارة لمصلحة الزجر، لمساس الحاجة والصلاحية.
قوله: لم قلتم بأن الكفارة في الثانية عريت عن هذا المعنى؟ - قلنا: لأنه لم يتحمل مشقة الأولى إلا للامتناع عن الإفطار في المستقبل غالبًا، فلا يتصور حصول هذا المعنى بالكفارة الثانية مرة أخرى.
وأما إذا أفطر في رمضانين-[فـ] تلزمه كفارة واحدة في ظاهر الرواية، فيمنع.
следующие страницы →