Полный текст (509 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فإن قيل: هذا التعليل في الوضع فاسد، لأانه إيجاب الكفارة بالقياس، والكفارة من باب المقادير، فلا يجوز إثباتها بالقياس. [قلنا: ليس كذلك. وسيأتي في الجواب].
وأما قوله بأن إفساد الصوم ذنب، والحاجة مست إلى رفع الذنب- قلنا: رفع الذنب يقتضي وجود الذنب، والأصل في هذا الباب حديث الأعرابي: أنه جاء إلى رسول الله ﷺ تائبًا نادمًا، والتوبة رافعة للذنب بالنصوص، ومع هذا أوجب الشرع الإعتاق- علم أنه وجب غير معقول/ المعنى.
ولئن سلمنا أن الحاجة ماسة إلى رفع الذنب، ولكن لم قلتم بأنه لا ذنب ههنا سوى إفساد الصوم؟ .
قوله: لأن مواقعة الأهل حلال- قلنا: في رمضان أو في غيره؟ ع م وهذا لأن ملك النكاح جاز أن لا يتصل به حل الوطء في بعض الزمان، كزمان الحيض والنفاس والطهار- كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أنها شرعت لرفع إفساد الصوم، لكن لم قلتم بأن الإفساد في الأكل والشرب مثل الإفساد في الوقاع، وهذا لأن الكف عن الأكل والشرب شاق على البدن، وإنه معتاد في النهار ولا كذلك الوقاع. ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة والإباحة ثبتت لعارض، والأصل في الأكل والشرب الإباحة والحرمة ثبتت لعارض. ولهذا إذا حرما بسبب عدم الملك، كان حرمة الوقاع أغلظ، فكذا إذا حرما بسبب آخر.
стр. 37
ولئن سلمنا أنهما اتحدا في الجناية، ولكن لم قلتم بأنه وجد سبب وجوب الكفارة ههنا؟ .
قوله: الإفساد سبب- قلنا: باطل بابتلاع الحصاة والنواة وإفطار المريض والمسافر.
الجواب:
قوله: هذا إيجاب الكفارة بالقياس- قلنا: ليس كذلك، بل الاستدلال، فإن القياس إثبات الحكم في المتنازع لمعنى في المنصوص عليه، والاستدلال النظر في المتنازع: أنه هل هو من جنس ما ورد به النص؟ فإذا عرف صار منصوصًا عليه، ويجوز إثبات الحكم، سواء كان من المقادير أو لم يكن، كما في هذه الصورة.
قوله: التوبة واقعة للذنب- قلنا: نعم، ولكن الإعتاق أيضًا يصلح رافعًا للذنب، والشرع لما عين الإعتاق في هذه الجناية علم أن التوبة بمجردها لم تكن كافية.
قوله: لم قلتم بأن المواقعة ليست بحرام؟ - قلنا: لأن ملك النكاح قائم، وإنه يقتضي الحل مطلقًا. وكذا نقول في الحيض وغيره: إن نفس الوطء حلال، وإنما الحرام غيره- كذا ههنا/.
قوله: الكف عن الأكل والشرب شاق على البدن وإنه معتاد- قلنا: ذاك يختلف باختلاف الرجال والأحوال، فلا يتعلق الحكم به، بل [بـ] أصل الداعي.
قوله: حرمة الوقاع أغلظ- قلنا: نعم إذا كان الأكل والوقاع محرمًا، وهنا ليس بحرام، وإنما المحرم هو إفساد الصوم.
وأما الإفطار بالحصاة والنواة، فليس بإفساد الصوم من كل وجه، لأنه لا يفوت به معنى الصوم وهو قهر النفس، فلا تتكامل الجناية، وإفطار المريض والمسافر ليس بجناية أصلًا، فاقترفا من هذا الوجه.
والله أعلم.
стр. 38
١٧ - مسألة: المنفرد برؤية الهلال إذا شهد عند القاضي ، فرد القاضي شهادته يجب عليه الصوم، ولو أفطر لا يجب عليه الكفارة.
والوجه فيه- أن الإفطار صادف يومًا تمكنت فيه شبهة الرمضانية، فلا تجب الكفارة، قياسًا عن يوم الشك إذا أفطر.
وإنما قلنا ذلك- لأن دليل الرؤية عارضه دليل الغلط، وهو نفرده من بين سائر الناس كافة، وعند الغلط في الرؤية ينتفي كونه من رمضان، لأنه لولا الرؤية، لم تثبت المراضنية اليوم، فتثبت المعارضة الشبهة، فلا تجب الكفارة.
فإن قيل: قولكم بأن دليل الرؤية عارضه دليل الغلط، وهو تفرده من بين سائر الناس. قلنا: لا نسلم بأنه تفرد. وهذا لأن تفرده بالرؤية، إنما يعلم بعدم رؤية غيره ولا يطلع على ذلك، لاحتمال وجود الرؤية من الغير، ولجواز أن ذلك الغير لم يشهد لمانع.
ولئن سلمنا أنه تمكنت شبهة الرمضانية، ولكن متى لا تجب الكفارة؟ إذا كانت الكفارة واجبة عليه بالإفطار في رمضان أم إذا كانت واجبة عليه بإفساد الصوم الواجب عليه بإيجاب الشرع؟ م ع.
وعندنا الموجب للكفارة ليس إلا هذا.
ولئن سلمنا أن دليل الرؤية عارضة دليل الغلط، ولكن إذا كانت الكفارة واجبة على تقدير دون تقدير وجب أن تجب احتياطًا.
الجواب/
قوله: احتمال الرؤية من الغير موجود- قلنا: لو رآه غيره لشهد عند القاضي.
قوله: يحتمل أنه لم يشهد لمانع- قلنا: هذا مجرد وهم لا دليل عليه، فلا يعتبر في الأحكام.
стр. 39
قوله: الكفارة إنما وجبت، لأنه إفـ (؟ ) في يوم واجب ابتداء، لا من حيث إنه رمضان- قلنا: صوم اهذا اليوم ليس بوا (؟ ) متعين، بل في وجوبه شبهة، على ما مرَّ، فلا تجب الكفارة.
قوله: إذا كانت الكفارة واجبة على تقدير دون تقدير، وجب أن تجب احتياطًا- قلنا: هذا إثبات الحكم بالشك والاحتمال، فلا يجب.
١٨ - مسألة: الكفارتان تتداخلان .
والوجه فيه- أن الكفارة إنما وجبت في الأصل لتفيد معنى الزجر، والكفارة الثانية لا تفيد معنى الزجر، فلا تجب.
وإنما قلنا ذلك- لأنه إذا تحمل مشقة الكفارة الأولى، يمتنع من الجناية في الثاني غالبًا. وإذا حصل الزجر بالأولى لا يتصور حصوله بالثانية، لأن تحصيل الحاصل محال.
فإن قيل: قولكم بأن الكفارة في الأصل تفيد معنى الزجر- قلنا: لا نسلم أن نفس الأداء يصلح أن يكون زاجرًا، فضلًا عن الوجوب.
بيانه- أن الزجر إنما يحصل بعقوبة تقام على الإنسان جبرًا بدون اختياره كالحدود ونحوها، والكفارة تتعلق باختياره، فلا يحصل الزجر.
ثم الدليل على أنها لم تشرع للزجر، وإنما شرعته لستر الذنب- أن الكفارة من الكفر، والكفر في اللغة هو الستر لا الزجر، والحاجة إلى الستر في المرة الثانية، كالحاجة إلى الستر في الأول.
стр. 40
ولئن سلمنا أن الكفارة للزجر، ولكن لم قلتم بأن الكفارة في الثانية عريت عن هذا المعنى؟ .
قوله: لأن الزجر حصل بالأولى، فلا يحصل بالثانية- قلنا: قطعًا أم على سبيل الاحتمال؟ ع م. وإذا احتمل عدم الانزجار، لوجب أن تجب الكفارة الثانية تحقيقًا لمعنى الزجر. وصار هذا كما لو أفطر في رمضانين حيث يلزمه كفارتان، مع ما ذكرتم.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن/ أداء الكفارة يصلح زاجرًا؟ - قلنا: لما فيه من المشقة وفوات المال، فيمتنع عما يوقعه فيه غالبًا.
قوله: يتعلق باختياره- قلنا: نعم، ولكن الوجوب حامل له على الأداء، فإذا أدى حصل الزجر بنفس الأداء.
قوله: بأنها لا تنبئ عن الزجر- قلنا: هو في نفسه رافع وساتر، ولكن ههنا رافع آخر دونه في المشقة، وهو التوبة. فالشرع إنما شرع الكفارة لمصلحة الزجر، لمساس الحاجة والصلاحية.
قوله: لم قلتم بأن الكفارة في الثانية عريت عن هذا المعنى؟ - قلنا: لأنه لم يتحمل مشقة الأولى إلا للامتناع عن الإفطار في المستقبل غالبًا، فلا يتصور حصول هذا المعنى بالكفارة الثانية مرة أخرى.
وأما إذا أفطر في رمضانين-[فـ] تلزمه كفارة واحدة في ظاهر الرواية، فيمنع.
стр. 41
ولئن سلمنا، فتأخير الكفارة إلى السنة القابلة نادر، فيلحق بالغالب.
والله أعلم.
١٩ - مسألة: إذا شرع في الصوم التطوع ثم أفسده، قضاه .
والوجه فيه- أن الامتناع عن الصوم في بقية اليوم إبطال للعمل المؤدي في أول اليوم، وإنه حرام، فيجب عليه المضي، تحرزًا عن الحرام.
وإنما قلنا ذلك- لأن المؤدي في أول اليوم صوم أو سبب الصوم على تقدير ضم الباقي. وعلى تقدير الإفطار يخرج عن أن يكون صومًا أو سببًا للصوم، والصوم عمل، فما يؤدي إلى إبطاله، يكون إبطالًا للعمل، فيكون حرامًا، لقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
فإن قيل: قولكم بأن الامتناع عن الصوم إبطال للعمل- قلنا: لا نسلم بأن إبطال العلم متصور.
بيانه- أن إبطال العمل لا يخلو: إما أن يكون قبل وجوده، أو بعده، أو حال وجوده. لا وجه للأول لأنه عدم. ولا وجه للثاني لأنه تلاشى لأنه عرض. ولا وجه للثالث لأن الإبطال إذا طرأ على الموجود يرفعه، فإذا قارنه يمنعه، ولأن الشيء حال وجوده غير موجود بصفة التمام، فلا يتصور إبطاله./
ولئن سلمنا أن الإبطال متصور، ولكن لم قلتم بأن المؤدي في أول اليوم سبب للثواب أو صوم، وهذا لأن الصوم هو الإمساك الممتد من أول النهار إلى آخره مقرونًا
стр. 42
بالنية، ولم يوجد. وليس بسبب للثواب، لأن الصوم إنما يقع سببًا للثواب إذا وقع قربة وطاعة لله، وإنما يقع قربة وطاعة لله إذا كان حاصلًا بإذن الشرع، وإذن الشرع مقيد بشرط الإتمام.
ولئن سلمنا بأنه إبطال العمل- ولكن متى يكون حرامًا: إذا تضمن حق العبد أم إذا لم يتضمن؟ ع م. وهذا لأن حق العبد مقدم على حق الشرع، لاستغناء الشرع وحاجة العبد، وفي هذا الإبطال رعاية لحق العبد من استيفاء مصالح التغدي وغيرها.
ثم هذا معارض بما روت عائشة قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائمًا، فأكل" هـ.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن إبطال العمل متصور؟ - قلنا: بالنص والعرف: أما النص فما تلونا من النهي، والنهي يدل على تصور المنهي. وأما العرف- يقال: فلان سعى في أمر فلان ثم أبطل سعيه. والفقه فيه أن البطلان في اللغة هو التلاشي، ويستعمل في الأعمال، ويراد به تلاشى الغرض المطلوب منها، وقد وجد ههنا.
قوله: لم قلتم بأن المؤدي في أول اليوم صوم؟ - قلنا: لأنه يسمى صائمًا عرفًا وشرعًا.
قوله: لم قلتم بأنه سبب الثواب؟ قلنا: لأن الصوم سبب للثواب بالنصوص.
قوله: إنما يكون سببًا للثواب إذا كان قربة وطاعة- قلنا: النص إذا دل على كونه
стр. 43
سببًا للثواب، فقد دل على كونه قربة وطاعة، والشروع في الصوم على قصد الإتمام مأذون فيه مطلقًا من غير تقييد، وإنه يبطل بترك الباقي بالإجماع.
وأما ما ذكر من حق العبد- قلنا: الترجيح لحق الشرع لوجهين: أحدهما-/ أن حق العبد يفوت إلى غرض وهو الثواب. والثاني -وهو أن حق العبد يفوت برضاه- فكان أولى بالترك.
وأما الحديث- قلنا: يحتمل أنه ﷺ كان صائمًا عن واجب لا عن نقل، فلا يكون واقعًا في مورد النزاع.
стр. 44
[٤]
كتاب النكاح
٢٠ - مسألة: الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات .
والوجه فيه- أن النكاح واجب، والتخلي ليس بواجب.
وإنما قلنا إن النكاح واجب لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا﴾: ولقوله ﵇: "تناكحوا": أمر، والأمر للوجوب.
وإنما قلنا إن التخلي ليس بواجب، لأنا أجمعنا على أنه لو تركه لا يعاقب، والواجب ما يعاقب على تركه.
وإذا ثبت أن النكاح واجب، فالاشتغال بالواجب أولى، لأن الاشتغال بالواجب تحصيل مصلحة يجب استيفاؤها، وهي مصلحة دفع الضرر بسبب العقاب.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح واجب- قلنا: لا نسلم، وظاهر أنه ليس بواجب، لأنه لو تركه لا يعاقب بالإجماع.
стр. 45
وأما النصوص- قلنا: لا نسلم بأن هذه الصيغة أمر، بل هي مترددة وضعًا بين الندب والإباحة والتوبيخ والتسخير، فلا تحمل على الأمر إلا بدليل زائد.
ولئن سلمنا أن هذه الصيغة وقعت أمرًا، ولكن لم قلتم بأن الأمر يقتضي الوجوب- وهذا لأن الأمر ليس إلا دعاء إلى الفعل المأمور به، ومتى كان الأمر حكميًا لا يأمر بالفعل إلا لترجيح جهة وجوده على جهة عدمه، والترجيح كما يثبت بالوجوب يثبت بالندب، والوجوب أعلاهما والندب أدناهما، والأدنى متيقن به والأعلى مشكوك فيه، فيثبت المتيقن وهو الندب، دون المشكوك.
ولئن سلمنا أن الأمر يفيد الوجوب، ولكن: أمر ورد قبل الحظر أم ورد بعد الحظر؟ م ع. وبيانه- وهو أنا وجدنا/ الأوامر الواردة في الشرع بعد الحظر أفادت الإباحة كقوله تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا﴾ والفقه فيه أن النهي عن الفعل وحظره دلالة أن في الطبع دعاء إليه- لولا ذلك لم يصح النهي في الحكمة. وإذا كان كذلك كان المراد بالأمر الإباحة وإزالة الحظر حتى يفعل هو بطبعه، فلا يحتاج إلى الترغيب بالإيجاب، فإنه لا يقال للجائع: كل وإلا عاقبتك.
وإذا ثبت أن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة، فنقول: الأمر بالنكاح ورد بعد الحظر، لأن في النكاح قضاء الشهوة، والشرع ما جاء إلا بتحريم قضاء الشهوة، فكان الأمر الوارد في النكاح واردًا بعد الحظر، فيفيد الإباحة، دون الوجوب.
ولئن سلمنا أن الأمر يقتضي الوجوب مطلقًا، ولكن في محل قابل للوجوب أم في محل غير قابل؟ م ع. بيانه- أن النكاح عقد معاملته، ولهذا يصح من الكافر أيضًا، فلا
стр. 46
يتصف بالوجوب، ولأن في الطبع داعية إلى النكاح لما فيه من قضاء الشهوة، وما هذا حاله لا يتصف بالوجوب.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن النكاح واجب، ولكن ههنا دليل يأبى ذلك، وهو أن النبي ﷺ سماه "سنة" بقوله ﵇: "النكاح سنتي" والسنة غير الواجب.
ولئن سلمنا أن النكاح واجب، ولكن على سبيل التعيين أم سبيل الكفاية؟ ع م. ولا يمكن دعوى التعيين، لأنا أجمعنا على أن كل واحد من المسلمين لو تركه لا يأثم. وإذا كان واجبًا على سبيل الكفاية، لا يترجح على المندوب.
ولئن سلمنا أن النكاح واجب، ولكن لم قلتم بأن التخلي ليس بواجب؟ - وبيانه وهو أن المقصود من خلق العباد العبادة مطلقًا، لقوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلَاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.
ولئن سلمنا أن التخلي ليس بواجب، ولكنه عبادة، والنكاح ليس بعبادة، وما يكون عبادة فهو أفضل مما لا يكون عبادة.
الجواب:
قوله: لو ترك النكاح لا يعاقب بالإجماع، فلا يكون واجبًا- قلنا: الجواب عنه ما مر في مسألة المجنون.
стр. 47
ثم نقول: النكاح واجب عندنا على سبيل الكفاية، فلا يأثم به البعض إذا قام به البعض، ولو ترك الكل فالكل يأثمون.
قوله: لم قلتم بأن هذه الصيغة أمر؟ قلنا: لأن كون الصيغة أمرًا يقف على شرطين: أحدهما المرتبة، والثاني الإرادة- الدليل عليه أن السيد إذا قال لعبده: "اسقني" يسبق إلى فهم العبد كونه أمرًا ويسارع إلى الامتثال. وقد وجد في هذه الصورة علو المرتبة والإرادة. أما علو المرتبة فظاهر. وأما الإرادة فلأنه إذا وجدت هذه الصيغة متجردة عن القرائن، وهذه الصيغة موضوعة للأمر- دلت على إرادة كونه أمرًا.
قوله: لم قلتم بأن الأمر للوجوب؟ - قلنا: لأن الصحابة حملوا أوامر الله وأوامر رسوله على الوجوب. ولأن ترك الفعل المأمور به عصيان، لأن اللغوي لا يفرق بين قول القائل: أمرتك بكذا فعصيتني وبين قوله: أمرتك فلم تفعل. وقال الشاعر: "أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني" أي لم تفعل. فثبت أن ترك الفعل المأمور به عصيان، والمعصية سبب لاستحقاق العقاب، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾.
قوله: متى يفيد الواجب: إذا ورد بعد الحظر أم قبل الحظر؟ قلنا: قبله وبعده، لأن ما ذكرناه من [الكتاب] لا يفصل. وفيما ذكر من المواضع حمل على
стр. 48
الإباحة لا لكونه واردًا بعد الحظر بدليل أن الله تعالى نهي الحائض عن الصوم والصلاة ثم أمرها بهما، وهو محمول/ على الوجوب. وكذا نهي المحرم عن حلق الرأس ثم أمره به، وإنه واجب.
قوله: بأن الأمر بالنكاح ورد بعد الحظر- قلنا: لا نسلم.
قوله بأن النكاح قضاء الشهوة وإنه حرام- قلنا: قضاء الشهوة في باب النكاح دخل بطريق الضمن والتبع، وإنما المقصود مصالح التوالد والتناسل وغير ذلك.
قوله: لم قلتم بأن هذا المحل قابل للوجول- قلنا: لأنه لو لم يكن قابلًا للوجوب لما أضيف إليه الأمر.
قوله: النكاح معاملة- قلنا: بلى، ولكن معاملة شرعت لمصلحة بقاء العالم، فيكون واجبًا كالكسب والزراعة، إذ لا تنافى بينهما.
قوله: في الطبع دعاء إليه- قلنا: بلى، ولكن لا ينفي الوجوب؟ كصلة الرحم وغيرها.
قوله: سماه النبي ﷺ "سنة" والسنة اسم لغير الواجب- قلنا: لا نسلم، بل السنة عبارة عن طريقة مسلوكة، والطريقة قد تكون واجبة وقد تكون غير واجبة.
قوله: النكاح واجب على سبيل الكفاية- قلنا: نعم، ولكن هذا يكفي للترجيح على النوافل، لأنها ليست بواجبة.
قوله: لم قلتم بأن التخلي ليس بواجب؟ قلنا: لما ذكرنا، ولأنه معلق باختيار العبد- قال ﵇: "الصلاة خير موضوع فمن شاء فليقلل ومن شاء
стр. 49
فليستكثر" وما هذا حاله لا يتصف بالوجوب.
وأما الآية فالمراد منه "إلا ليوحدون" نقلًا عن أئمة التفسير. وكذا قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ أي "وحدوا ربكم".
قوله: بأن النوافل عبادة والنكاح معاملة- قلنا: بلى، ولكن تعلقت بهذه المعاملة مصلحة هي أهم من المصلحة المتعلقة بتلك العبادة، فيكون راجحًا هـ.
٢١ - مسألة: البنت المخلوقة من ماء الزاني يحرم على الزاني نكاحها .
والوجه فيه- أن هذه بنته، فتحرم عليه.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأن/ بنت الرجل لغة هي الأنثى المخلوقة من مائة، وهذه أنثى مخلوقة من مائة، فتكون بنته، فتحرم عليه، لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ﴾.
فإن قيل: قولكم بأنها بنته- قلنا: لا نسلم.
قوله: بنت الرجل لغة هي الأنثى المخلوقة من مائة- قلنا: نعم ولكن لم قلتم بأن هذه مخلوقة من مائة؟ وهذا لأن الانخلاق من مائة أمر باطن لا يوقف عليه إلا بدليل، ولا دليل ههنا، لأن الزانية يأتيها غير واحد من الرجال، فلا دليل على كونها مخلوقة من مائة.
ولئن سلمنا أنها مخلوقة من مائة، والمخلوقة من مائة تكون بنته- ولكن لغة أو شرعًا؟ م ع. ولا يمكن دعواه، لأن الشرع قطع الإضافة عن الزاني حيث قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ومثل هذا الكلام مستعمل للقطع والنفي. وإذا
стр. 50
كان منقطع الإضافة عنه شرعًا، كانت كذلك عرفًا، ولأن الشرع حرم نسبة المخلوق من الزنا إلى الزاني، لأن فيه إشاعة الفاحشة، والظاهر امتناع الناس عما حرمه الشرع.
ولئن سلمنا أنها بنته، ولكن لم قلتم بأنها تحرم عليه؟ .
أما النص- قلنا: الداخل تحت النص بنت مضافة إليه مطلقًا، والمضافة إليه مطلقًا هي المضافة إليه لغة وعرفًا وشرعًا، فلا تتناولها الآية.
ولئن سلمنا بأنها مضافة إليه عرفًا وشرعًا، ولكن في حق جميع الأحكام أم في حق بعض الأحكام دون البعض؟ ع م.
ولا يمكن دعوى الأول، لأنها غير مضافـ[ـة] إليه في حق الإرث وفي حق النفقة وفي الاستيلاء. ولأن الزنا حرام، فلا يجوز أن يكون سببًا لإضافة الولد، لأنها نعمة.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنها مخلوقة من مائة- قلنا: عنه جوابان:
أحدهما- أنا لا نتكلم في زان معين، بل نقول هذا متصور أن يقع ويعرف، فنتكلم في ذلك المتصور على تقدير الوقوع.
والثاني- بفرض الكلام فيما إذا زلى وأمسكها في بيته/ حتى جاء الولد إلى ستة أشهر، وقد أقر بذلك.
قوله: بنته لغة أم شرعًا؟ - قلنا: لا حاجة بنا إلى ذلك، ولكنا نقول: هذه بنت مختصة به حقيقة، والنص يقتضي تحريمها مطلقًا، فتدخل تحت النص، غاية ما في الباب أن الشرع قطع إضافتها إليه. ولكن إنما قطع الإضافة في حق تلك الأحكام التي ذكر لمعنى- ذلك المعنى غير موجود في الحرمة. بيانه- أن في الإضافة إلى الزاني في
стр. 51
حق جريان الإرث والنفقة وأمية الولد بينهما إشاعة الفاحشة والتسوية بين النكاح والسفاح، فالشرع قطع الإضافة في هذه الأحكام لهذا المعنى، وهذا المعنى معدوم في الحرمة، إذ ليس في الامتناع من النكاح إشاعة الفاحشة.
قوله: بأن هذا إثبات النعمة بالزنا- قلنا: ليس كذلك، بل هو إثبات الحرمة بالنص، بناء على أمر حقيقي، لا بالمعنى هـ.
٢٢ - مسألة: الزنا يوجب حرمة المصاهرة .
والوجه فيه- قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ - الله تعالى نهى عن وطء موطوءة الأب، وهذه موطوءة الأب، فيحرم وطئها. وإذا حرم وطئها حرم نكاحها، إذ لا قائل يحل النكاح وحرمة الوطء.
وإنما قلنا إنه نهى عن وطء موطوءة الأب، لأنه نهى عن نكاح منكوحة الأب، والنكاح في اللغة حقيقة ع بارة عن الوطء، ثم جعل مجازًا عن العقد، فصح ما ادعينا: أن هذا نهى عن وطء الموطوءة، فتحرم.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح في اللغة عبارة عن الوطء حقيقة- قلنا: لا نسلم،
стр. 52
بل النكاح مجاز في الوطء، بدليل أنه يصح أن يقال: وطئها وما نكحها، أو نكحها وما وطئها، وهذا أمارة المجاز.
ولا يقال بأن الأصل هو الحقيقة، لأنا نقول: لا نسلم، بل كل واحد منهما أصل، بل المجاز أفصح وأكثر استعمالًا. ولا يقال بأن المجاز يخل بالفهم، لأنا نقول/ يخل بالإفهام المطلوب من الحقيقة، أما لا يخل بالإفهام المطلوب من المجاز.
ولئن سلمنا بأن المراد من منكوحة الأب موطوءة الأب، ولكن لم قلتم بأن المراد بكلمة "ما" بقوله: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ هي المرأة. وهذا لأن كلمة "ما" حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه "المرأة" لقال: "من نكح آباؤكم"، فكان المراد والله أعلم: ولا تنكحوا النكاح الذي كان يعقد آباؤكم في الجاهلية.
ثم نقول: الحرمة عندكم ثبتت بالنظر والمس قبل الوطء، فلا يمكن إثباتها بالوطء، وصار هذا كوطء الصغيرة التي لا تشتهي.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن النكاح عبارة عن الوطء حقيقة- قلنا: لأن مطلق الاستعمال دليل الحقيقة.
قوله: يصح أن يقال: نكحها وما وطئها- قلنا: لا نسلم بأنه يصح أن يقال هذا الكلام مطلقًا، وإنما يصح على تقدير إضمار شيء وهو قوله: نكحها نكاحًا هو عقد وما وطئها، فعلم أن النكاح حقيقة للوطء والعقد على طريق العموم، احترازًا عن الاشتراك المخل بالفهم.
قوله: بأنه ذكر بكلمة "ما"- قلنا: كلمة "ما" قد تستعمل بدلًا عن كلمة "من" –قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ومَا رَبُّ العَالَمِينَ﴾ بمعنى "من" فيجب
стр. 53
الحمل عليه عند قيام الدليل، وقد دل الدليل وهو قوله "من"النساء، لأن المنتزع من جنس المنتزع منه.
وأما قوله: بأن الحرمة تثبت بالمس والنظر قبل الوطء- قلنا: النظر سبب للحرمة، إذا لم يتصل بالوطء، لكونه سببًا مفضيًا إليه قائمًا مقامه. أما إذا اتصل به الوطء فلا.
وأما وطء الصغيرة التي لا تشتهي- قلنا: عند أبي يوسف ممنوع. وعندهما: إنما لا يوجب الحرمة، لأنه وطء صورة لا معنى، والنص يتناول الوطء المطلق.
والله أعلم.
٢٣ - مسألة: الأب إذا تزوج بجارية الابن يجوز .
والوجه فيه- أنه تزوج بجارية غير مملوكة له/ بوجه ما، فوجب أن يجوز، قياسًا على التزوج بجارية الأجنبي.
وإنما قلنا ذلك- وذلك لأنها مملوكة الابن من كل وجه، بدليل نفاذ تصرفاته فيها من البيع والهبة وحل الوطء والإعتاق وغيرها. وإذا كانت مملوكة الابن من كل وجه لا تكون مملوكة للأب، لأن الجمع بين الملكين لشخصين في محل واحد في زمان واحد ممتنع.
فإن قيل: قولكم بأنه تزوج بجارية غير مملوكة له بوجه ما- قلنا: لا نسلم، بل هي مملوكة للأب من حيث النص والحكم والمعقول:
أما النص-[فـ] قوله ﵇: "أنت ومالك لأبيك".
وأما الحكم-[فـ] أجمعنا على أن الأب إذا استولد جارية ابنه بصح، وإن وطئها لا يجب عليه الحد، وإن ادعى ولدها يثبت منه النسب.
стр. 54
وأما المعقول- فهو أنها كسب كسبه، لأنها كسب الابن، والابن كسبه، والكسب سبب الملك.
ولئن سلمنا أنها غير مملوكة للأب بوجه، ولكن لم قلتم بأنها مملوكة للابن من كل وجه؟ أما حل الوطء ونفاذ العتق فلا يدل على الملك من كل وجه، بدليل حل الوطء ونفاذ العتق في المدبرة وأم الولد مع انتفاء الملك من كل وجه.
والدليل على أن الملك ليس ثابتًا للابن من كل وجه أن من جملة آثار الملك حجر الغير عن التصرف والتملك، وهذا غير ثابت للابن في حق الأب، فإن الأب غ ير محجور عن ذلك.
ولئن سلمنا أنها مملوكة للابن من كل وجه، ولكن لم قلتم بأنها لا تكون مملوكة للأب؟ .
قوله: الجمع بين الملكين ممتنع- قلنا: باعتبار ذاتيهما أم باعتبار أثريهما؟ ع م. ولكنا لا تجمع بينهما في حق الآثار المتنافية، لأنا [نفينا هذا] الملك في منع جواز نكاح الأب ومنع جواز نكاح الابن [والتنافي] بينهما/
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يقتضي جواز النكاح، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك. وذلك لأن الملك للأب ثابت من وجه على ما ذكرنا، والثابت من وجه يلحق بالثابت
стр. 55
من كل وجه في حق منع جواز النكاح احتياطًا، إذ هو من باب الحرمات.
الجواب:
قوله: بأنها مملوكة للأب- قلنا: لا نسلم.
وأما الحديث- قلنا: الإضافة إنما تقتضي الملك إذا صادفت محلًا قابلًا للملك، والمحل إنما يقبل الملك إذا كان فارغًا عن ملك الغير، ومال الابن ملكه من كل وجه- على ما مر.
وأما صحة الاستيلاد وثبوت النسب، [فـ] باعتبار ثبوت الملك قبيل الاستيلاد مقتض له، لا لملك كان ثابتًا قبله.
وأما سقوط الحد- فلوجود الشبهة، أو باعتبار حق التملك، لا باعتبار قيام الملك في الحال.
قوله: كسب الكسب سبب الملك- قلنا: إذا كان الكاسب الثاني حرًا أم إذا لم يكن؟ ع م- ولكن الكاسب ههنا وهو الابن حر مالك، فملكه ينفي ملك الغير.
وأما المديرة وأم الولد- قلنا: الملك ثابت فيهما من كل وجه. ولئن امتنع جواز البيع والكفارة [فـ] لمعنى آخر، وهو انعقاد سبب الحرمة في الحال، لما عرف.
قوله: من آثار ملك الغير حجر الغير عن التصرف- قلنا: نعم، والأب محجور عن التصرف في مال الابن، حتى لو باعه ابتداء أو أعتقه لا ينفذ، والحجر عن التملك أثر العصمة لا أثر الملك.
قوله: بأن التنافي بين الآثار لا بين الملكين- قلنا: التنافي بين هذه الآثار والأحكام لا يوجب التنافي بين الملكين، لأن الملك هو المعنى المقتضي لهذه الآثار، ومن المحال صحة البيع والهبة من الأب والابن فيها، وإذا ثبت التنافي بين هذه الآثار ثبت التنافي بين المعنيين المقتضيين لها.
стр. 56
قوله: بأن الثابت من وجه يلحق بالثابت من كل وجه احتياطًا- قلنا: لما نفينا الملك أصلًا/ وجب القول بجواز النكاح لخلو المحل عن ملك اليمين.
٢٤ - مسألة: زوج المعتدة إذا قال: أخبرتني المرأة أن عدتها انقضت ، وذلك في مدة تحتمل انقضاء العدة، وكذبته- فإنه يصدق الزوج في حل نكاح أختها أو أربع سواها.
والوجه- أن إخبار الزوج حصل أمارة على انقضاء العدة، فوجب أن يترتب عليه حل نكاح أختها وأربع سواها، قياسًا على ما إذا صدقته المرأة.
وإنما قلنا ذلك- لأن إخباره صدر عن عقل ودين، فيترجح فيه الصدق على الكذب، نظرًا إلى ظاهر حاله، فوجب العمل بخبره.
فإن قيل: قولكم بأن إخبار الزوج أمارة انقضاء العدة، لأنه صادر عن عقل ودين، وهما يدعوانه إلى الصدق- قلنا: إن كان العقل والدين يدعوانه إلى الصدق، فالهوى والطبع يدعوانه إلى الكذب، لتعلق النفع به، وهو حل نكاح الأخت.
ولئن سلمنا أن إخباره أمارة الانقضاء، ولكن إخبارها أمارة عدم الانقضاء، والترجيح معها، لأن إخبارها صدر عن علم وولاية، لأنها أعلم بحالها، والله تعالى أمرها بإظهار ما في رحمها بقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ﴾ الآية، ولأنها أمينة، والقول قول الأمين- لما عرف في الأحكام.
ثم إذا تعارض الحل والحرمة، فالأخذ بالحرمة أولى، احتياطًا.
стр. 57
الجواب:
أما قوله بأن الهوى والطبع يدعوانه إلى الكذب -قلنا: لا معارضة بين الهوى والطبع وبين العقل والدين، لأن العقل والدين في الدعاء إلى الصدق والصرف عن الكذب أحكام، لأن الداعي إلى الصدق لذاته، والداعي إلى الكذب ليس لذاته بل لما يتعلق به من النفع، ويحتمل أن يتعلق النفع بالصدق، فكان أرجح.
قوله: إخبارها صدر عن علم وولاية- قلنا: وخبر الزوج أيضًا صدر عن ع لم وولاية، لأنه أخبر عن/ إخبارها، وله علم بأخبارها، فيحتمل أنها أخبرته ثم نسيت أو أنكرت عمدًا، وكل من له علم بالشيء، فله ولاية الإخبار عنه.
قوله: بأنها أمينة- قلنا: في ماذا؟ في الإخبار عما في رحمها ابتداء أو في الإنكار أنها لم تخبر الزوج بذلك؟ م ع. والكلام في الإخبار عن إخبارها: أنها أخبرت أو لم تخبر، وهي ليست بأمينة في ذلك؟ .
قوله: المحرم يترجح على المُحِل- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن افحلال حكم الشرع كالتحريم، وكما أن إحلال الحرام افتراء على الشرع، فتحريم الحلال افتراء على الشرع- دل عليه أنه يجب العمل ههنا بخبر المرأة في حق بقاء النفقة والسكنى وثبوت النسب، عملًا بالدليل بقدر الإمكان.
٢٥ - مسألة: الأب لا يملك إجبار البكر البالغة على النكاح .
والوجه- أن هذا الإنكار صدر لا عن ولاية، فلا ينفذ قياسًا على إنكاح الثيب البالغة.
وإنما قلنا ذلك- لأن ولاية الإنكاح مقيدة بشرط كون التصرف نظرًا ومصلحة في حق المولى عليه، لأن الولاية تثبت للأنظر فالأنظر، وهذا الإنكاح لم يحصل على وجه النظر، بدليل إقدامها على الرد مع عقلها وعلمها بمصالح نفسها.
стр. 58
فإن قيل: قولكم بأن ولاية الإنكاح مقيدة بشرط النظر- قلنا: لا نسلم.
وهذا على خلاف مذهب أبي حنيفة: فإن للأب والجد إذا زوجا صغيرة من غير كفء بأقل من مهر مثلها، جاز، ولا نظر فيه.
ولئن سلمنا أنه مقيد بشرط النظر، ولكن بحقيقة النظر أم بدليل النظر؟ ع م. ولا يمكن تقييده بحقيقة النظر، لأنه لا يوقف عليه، فيؤدي إلى تعطيل الأحكام، فيكون مقيدًا بدليل النظر، وهو موجود ههنا، لصدوره عن كمال الشفقة والرأي.
ولئن سلمنا أنه مقيد بحقيقة النظر- ولكن لم قلتم بأنه لم يحصل على وجه النظر؟ .
وأما إقدامها- قلنا: متى يدل على انعدام المصلحة: إذا كانت/ عالمة بمصالح النكاح أم إذا لم تكن؟ م ع. وهذا لأن العلم بمصالح النكاح ومفاسده يحصل بالتجربة والممارسة، ولم يوجد منها.
ولئن سلمنا أنها عالمة بمصالح النكاح، ولكن الأب كامل الرأي والعقل، بخلاف المرأة، فكان الترجيح لتصرفه.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن ولاية الإنكاح مقيدة بشرط النظر؟ - قلنا: لأن الدليل ينفي ولاية الإنكاح، لمكان الحرمة أو للضرر إلا إذا اشتمل على المصلحة.
وأما إذا زوجا صغيرة من غير كفء، بأقل من المهر- إنما ينفذ عنده لاشتماله على وجه النظر والمصلحة، لأن المصلحة كما تحصل من الكفء، تحصل من غير الكفء فتزويجها من غير الكفء بأقل من المهر مع كمال الشفقة دليل على أن المصلحة فيه أكثر.
قوله: الحكم معلق بحقيقة المصلحة أم بدليلها؟ قلنا: بحقيقة المصلحة الثابتة، بناء
стр. 59
على الدليل، فلا يؤدي إلى تعطيل الأحكام.
قوله: إقدامها على الرد إنما يدل على انعدام المصلحة، إذا كانت عالمة بمصالح النكاح- قلنا: هي عالمة بمصالح النكاح على الإجمال، وإن لم تعرف على التفصيل، لأنها تعرف أن مصالح النكاح هي التوالد والتناسل والسكن، وذلك لا يحصل [إلا] بالدوام والثبات وحسن الأخلاق، وذلك يكفي لعلمها بمصالح النكاح.
وأما ما ذكر من رأى الأب وعقله- قلنا: إن كان رأي الأب أكمل، فشفقة أنقص. ورأي المرأة إن كان أنقص، فشفقتها أكمل.
والله أعلم.
٢٦ - مسألة: الأب والجد يملكان إجبار الثيب الصغيرة .
والجوه فيه- أنه إنكاح صدر عن ولاية التنفيذ، فوجب أن ينفذ، قياسًا على إنكاح البكر الصغيرة.
وإنما قلنا ذلك- لأن حاجة الصغيرة ماسة إلى مصالح النكاح، وهي عاجزة عن مباشرة النكاح/ بنفسها فوجب أن تثبت الولاية تحصيلًا لمصالح النكاح.
فإن قيل: قولكم بأن حاجة الصغيرة ماسة- قلنا: ولاية الإنكاح تثبت بمطلق الحاجة أم بالحاجة الضرورية؟ ع م- فلم قلتم بأن تلك الضرورة موجودة ههنا؟ .
بيانه- أن النكاح تصرف إضرار في جانب الصغار، لأن فيه إرقاقًا وتمليكًا واستفراشًا واستذلالًا. والدليل ينفي ذلك. إلا أنا تحملنا ذلك في حق البكر لضرورة، وهي ضرورة حصول العلم لها باللذة، وهذه الضرورة منتفية ههنا.
ثم هذا معارض بما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله
стр. 60
صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر" والأيم اسم للثيب.
ولهذا إذا أوصى لأيامي بني فلان، لا يدخل الأبكار فيهم.
الجواب:
قوله: الإنكاح تصرف إضرار في جانبها- قلنا: لا نسلم.
وأما ما ذكر من الرق والملك وغير ذلك- فهو منقوض بإنكاح البكر الصغير.
ولئن سلمنا أن ذلك مؤثر في إثبات الولاية، ولكن الإنكاح طريق لدفع الحاجة إلى مصالح النكاح بعد البلوغ، فيجب إثبات الحكم به.
وأما الحديث- قلنا: المراد منه المرأة البالغة التي لا زوج لها، نقلًا عن أئمة اللغة.
والله أعلم.
٢٧ - مسألة: غير الأب والجد مثل الأخ والعم يثبت له إنكاح الصغيرة والصغيرة، ولهما الخيار إذا بلغا .
والوجه فيه- أن الإنكاح صدر عن ولاية التنفيذ، فوجب أن ينفذ قياسًا على إنكاح الأب والجد.
стр. 61
وإنما قلنا ذلك- لأن الصغير والصغيرة محتاجان إلى مصالح النكاح عاجزان عن مباشرة النكاح بأنفسهما. والأخ أو العم يختص بكمال الرأي والشفقة، فوجب أن يثبت لهما الولاية تحصيلًا لمصالح النكاح ودفعًا لحاجتهما.
فإن قيل: / قولكم بأن الصغير والصغيرة يحتاجان إلى النكاح- قلنا: لا نسلم. وظاهر أنه ليس كذلك، لأن الحاجة إلى النكاح لتحصيل المصالح المطلوبة من النكاح، وهي قضاء الشهوة والتوالد والتناسل والسكن للزدواج، وهذه المعاني لا تتحقق في حق الصغير والصغيرة- غاية ما في الباب أنهما يحتاجان إلى ذلك بعد البلوغ. ولكن الدليل ينفي ولاية الإنكاح، لما فيه من الإضرار في جانب الصغير بإيجاب المهر والنفقة، وفي جانب الغصيرة بالرق والاستفراش، والدليل ينفي ذلك، إلا أنا تحملنا ذلك في موضع يكون النكاح صيانة عن الزنا في الحال وفيما عداه يتمسك بالدليل النافي، بخلاف الأب والجد، لأن الشرع لكمال شفقتهما ورأيهما أقام الحاجة بعد البلوغ مقام الحاجة في الحال في إثبات الولاية.
ولئن سلمنا أنها محتاجان، ولكن لم قلتم بأن الأخ والعم مختصان بكمال الشفقة والرأي؟ وهذا لأن في شفقتهما قصورًا، وذلك مما يمنع التصرف على وجه النظر، فلا تثبت الولاية. ولأنا أجمعنا على أن الأخ والعم لا يثبت لهما ولاية التصرف في مال الصغير والصغيرة، ومعلوم أن أمر النفس أهم من أمر المال، فانتفاء الولاية ههنا أولى.
ولئن سلمنا أن الأخ والعم يصلحان لإثبات الولاية، ولكن متى تثبت الولاية لهما: إذا كان ههنا أنظر منهما أم إذا لم يكن؟ م ع. وههنا أنظر منهما وهو القاضي، لاختصاصه بكمال العلم والديانة، فلا تثبت لهما الولاية.
الجواب:
قوله: الصغير والصغيرة لا يحتاجان إلى مصالح النكاح في الحال، فلا يحتاجان إلى
стр. 62
النكاح- قلنا: إن كانا لا يحتاجان إلى هذه المصالح في الحال، ولكن يحتاجان إلى هذه المصالح بعد البلوغ كالزراعة والتجارة، فإن الإنسان/ يحتاج إلى الزراعة والتجارة في الحال لتحصيل الزرع والربح في الزمان الثاني -كذا ههنا- ولهذا يكفي لإثبات الولاية.
قوله: الدليل ينفي ثبوت ولاية الإنكاح لما فيه من الإضرار بالجانبين- قلنا: لا نسلم. وما ذكر من الرق والمهر وغير ذلك خرج من أن يكون ضررًا، لكونه وسيلة إلى هذه المصالح، إما في الحال أو بعد البلوغ، فإن مصالح النكاح مطلوبة عقلًا وشرعًا.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه.
قوله: بأن الأخ والعم قاصر شفقتهما- قلنا: قصور الشفقة لا يمنع الولاية، فإن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فيدار الحكم على أصل الفقة، ومظنته القرابة.
وأما التصرف في المال- قلنا: إنما لا يملكان لتهمة الخيانة، لأن شفقة الإنسان على نفسه أوفر من شفقته على أخته، فلا تؤمن فيه الخيانة، لأن التصرف في المال يكثر وجوده ويتكرر، أما ههنا لا تهمة، لأن الأخ يتضرر بمصاهرة من لا يكافئه قريبه وأخوه.
وأما القاضي- قلنا: لا نسلم بأنه أنظر، وبيانه- وهو أن الموجود في حق الأخ داع طبع وهو شفقة القرابة، وفي حق القاضي داع شرعي. والداعي الطبعي يترجح على الداعي الشرعي.
٢٨ - مسألة: خبار البلوغ يثبت للصغير والصغيرة إذا زوجهما غير الأب والجد - حتى لو بلغ له أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يفسخ القاضي النكاح. وعند أبي يوسف يقع النكاح لازمًا.
стр. 63
والوجه فيه- أن الإنكاح صدر لا عن ولاية الإلزام، فلا يلزم، قياسًا على إنكاح الأجنبي.
وإنما قلنا ذلك- لأن الدليل ينفي ثبوت ولاية الإنكاح أصلًا، إلا أنا توافقنا على ثبوت ولاية العقد والنفاذ، فبقيت ولاية الإلزام منتفية بالدليل النافي.
وإنما قلنا إن الدليل ينفي لأن الصغير حر، والحرية تنفي ثبوت ولاية الغير عليه.
فإن قيل: ما ذكرتم من/ الدليل إن دل على انتفاء اللزوم، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك. وذلك لأن هذا تصرف يتصل به غرضه ومقصوده، لنه ممن هو مختص بكمال الرأي والشفقة، وإنكاح شخص هذا حاله يفضي إلى المصالح المتعلقة به ظاهرًا وغالبًا، فوجب القول بلزومه، لأن في حق الفسخ إبطال حق معصوم للغير، وذلك لا يجوز.
ولئن سلمنا أنه صدر لا عن ولاية الإلزام، ولكن لم قلتم إن الدليل ينفي ولاية الإنكاح.
وأما الحرية- قلنا: لم قلتم إن الحرية تنافي النكاح حتى تنافي ولاية الإنكاح. وهذا لأن الحرية تنافي الرق والملك، وليس في النكاح ملك ورق في المحل، بل في الفعل، وذلك لا ينافي ملك النكاح.
ولئن سلمنا أن الحرية في جانب الصغير تنفي ولاية الإلزام، ولكن الحرية في جانب التصرف تنفي ولاية فسخ تصرفه، فوقع التعارض وصار هذا كما إذا زوجت الأم أو زوج القاضي، فإنه يلزم، مع أنهما مؤخران عن الأخ والعم.
الجواب:
قوله إن هذا تصرف يتصل به غرضه ومقصوده- قلنا: قطعًا أم على سبيل الاحتمال؟ ع م. فلم قلتم بأنه يلزم؟ وهذا لأن احتمال الخلل إذا كان قائمًا، كان
стр. 64
احتمال الحاجة قائمًا، ونحن لا نثبت ولاية الفسخ إلا على تقدير الخلل في المقاصد والحاجة إلى التدارك عند البلوغ.
قوله: بأن الفسخ إبطال حق الزوج- قلنا: بلى، ولكنه إبطال حق غير لازم، بل مشروط بالخيار، كما في خيار البيع، فلا يمتنع.
قوله: لم قلتم إن الحرية تنافي الإنكاح؟ قلنا: لأن الحرية تنفي ولاية التصرف على الحر من غير رضاه، سواء كان له أو عليه.
قوله: لم قلتم بأنالنكاح رق- قلنا: لقوله ﵇: "النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته". ولأن الرق في اللغة عبارة عن ضعف حكمي/، وقد وجد ذلك، لكون المحل مقهورًا للغير.
قوله: الحرية في جانب المتصرف تنفي ولاية الفسخ- قلنا: بلى إذا ثبت مطلقًا، أما إذا ثبت مشروطًا بخيار الفسخ فلا.
وأما إنكاح الأم فعن أبي حنيفة روايتان. والأصح أنه لا يلزم.
وأما القاضي فعن أبي حنيفة روايتان أيضًا، فلا يلزم.
٢٩ - مسألة: النكاح بغير الولى ينعقد نافذًا .
والوجه فيه- أنها قصدت إيقاع التصرف مقيدًا لملك النكاح، والشرع جعلها بسبيل من ذلك، والمحل قابل، فوجب القول بالصحة- قياسًا على ما إذا باعت عينًا من أعيان مالها.
стр. 65
وإنما قلنا إنها قصدت إيقاع التصرف مفيدًا، لدلالة القصد وهي الإتيان بالصيغة.
وإنما قلنا إن الشرع جعلها بسبيل من ذلك- لأن الشرع خصها بحالة لو أرادت إيقاعها مفيدًا لملك النكاح، يتأتى منها ذلك، لأنها عاقلة مميزة عالمة بمصالح نفسها.
وإنما قلنا إن المحل هـ قابل- لأن محل النكاح نفسها، ونفسها حقها، وهي قابلة للنكاح، فوجب القول بالصحة، لأن الشرع إنما حكم بتصرفها مفيدًا لملك اليمين، لمساس حاجتها وتحصيل مصلحتها- هذا المعنى موجود هنا.
فإن قيل: قولكم بأنها قصدت إيقاع التصرف- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن ثبوت القصد يقف على صحة القصد، وصحة القصد تقف على العلم بما تقصد وكمال العقل، وإنها ناقصة العقل، لقوله ﵇: "إنهن ناقصات عقل ودين" ولهذا أقيم شهادة امرأتين مقام شهادة رجل واحد.
ولئن سلمنا أنها قصدت، ولكن لم قلتم بأن الشرع جعلها بسبيل من ذلك؟
وأما ما ذكر من الحاجة- قلنا: الداعي إلى إثبات ولاية الإنكاح: الداعي أم الضرورة؟ ع م- ولكن لم قلتم بأن الضرورة موجودة ههنا؟ .
بيانه- أن النكاح عقد شرعي مع المنافي، لأن فيه ضررًا، وما/ هذا حاله يراعي في إثباته الضرورة لا مطلق الحاج، ولا ضرورة ههنا، لأن الضرورة تندفع بإنكاح الولي أو القاضي.
ولئن سلمنا بأن الشرع جعلها بسبيل، ولكن لم قلتم بأن محل التصرف حقها، بل هو حق الأولياء، لأن أجمعنا على أنها لو تزوجت من غير كفء يثبت للأولياء حق الفسخ، فلا يكون حقها على الخلوص، ولأن نفسها كما هي حقها فهي حق الشرع أيضًا، بدليل أنها إذا وطئت بشبهة يجب العقر حقًا لها. وإذا وطئت بغير الشبهة
стр. 66
يجب الحد حقًا للشرع. فلو ملكت لا يخلو: أما أن تملك بالأصالة أو النيابة- لا وجه للأول، لأن الأصل هو الشرع. ولا وجه للثاني، لأنها لا تصلح نائبة عن الشرع، ولهذا لا تصلح قاضية.
ثم هذا معارض بما روى أبو داود وأبو عيسى الترمذي في صحيحيهما بإسنادهما عن أبي موسى وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس وعائشة قالوا: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح غلا بولي". وهكذا خرج أبو داود والترمذي وابن ماجه في كتبهم عن عاشة أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل –فنكاحها باطل- فنكاحها باطل. فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". وكذا روي أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: "لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".
الجواب:
قوله: لم قلتم بأنها قصدت- قلنا: لأن دليل القصد ثابت- على ما مر.
قوله: لم قلتم بأنها عالمة- قلنا: لأنها عاقلة.
قوله: بأنها عقلها ناقص- قلنا: القدر الذي لها من العقل يكفي للوقوف على
стр. 67
المعاني التي تقف عليها مقاصد النكاح، بدليل أنه يكفي/ لمعرفة التوحيد والنبوات، وإنها أغمض من مصالح النكاح.
قوله: لم قلتم بأن الشرع جعلها بسبيل من ذلك- قلنا: لما ذكرنا من الحاجة.
قوله: المراعي في هذا الباب الحاجة أو الضرورة؟ قلنا: هذه معارضة في صورة التقسيم، لأن النكاح متى كان مشتملًا على المصالح، وجب أن تكون هي بسبيل من تحصيلها.
قوله: لم قلتم بأن نفسها حقها- قلنا: لأن العوض وهو المهر حقها على الخلوص.
وأما إذا زوجت نفسها من غير كفء، فلأن النكاح، وإن كان تصرفًا في حقها، ولكنه يحتمل الضرر بالعشيرة بنسبة من لا يكافئهم، فوجب عليهم دفع هذا الضرر.
وأما ما ذكر من حق الشرع لمكان الحد في الزنا- قلنا: الحق على هذا التفسير ثابت أيضًا للشرع على الرجال. ومع هذا لا يمنع الولاية.
وأما قوله: إما أن تملك بالأصالة أو النيابة- قلنا: بالأصالة لما ذكرنا، وهي الأصل في هذا الباب.
وأما ما روي من الأحاديث فمطعون فيها من يحيي بن معين وأحمد بن حنبل.
стр. 68
وإن لزموا به فمعارض بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ أضاف النكاح إليهن. ومعارض بما روي ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها" أخرجه مسلم وأبو داود وأبو عيسى.
ولا يقال بأن المراد من إضافة النكاح إليهن في الآية إذنهن بالنكاح، لأنها إذا أذنت بالنكاح تكون ناكحة: إما بطريق المجاز، كقولهم: بني الأمير الدار، وإما بطريق العرف، فإنه يقال في العرف "نكحت فلانة فلانًا وإن أنكحها وليها- غاية ما في الباب أنه خلاف الحقيقة، ولكن يجوز حمله على المجاز إذا دل الدليل، وقد دل الدليل ههنا، وهو أنا لو حملناه على الحقيقة/ يلزمنا ترك العمل بالأحاديث الصحيحة، فنحمله على المجاز المستعمل، عملًا بالدليلين بقدر الإمكان.
وأما الحديث- فقوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" بمعنى أن الثيب الصغير لا يملك الولي إجبارها على النكاح وتكون أحق بنفسها في رضاها لا في التزويج، فيكون حجة لنا عليكم في مسألة الثيب الصغيرة، إذ لو حملناه على التزويج يلزم من ذلك التناقض بين الأحاديث الصحيحة، ويلزم أيضًا من ذلك ترك العمل بعموم الحديث،
стр. 69
لأن الأيم في اللغة تتناول الثيب الصغيرة التي لا زوج لها والثيب الكبيرة التي ج لها، وبالإجماع الثيب الصغيرة لا تملك تزويج نفسها. غاية ما في الباب أنا لو حملناه على ما ذكرنا يلزم من ذلك التقييد، ولكن لو حملناه على ما ذكرتم لالتخصيص والتناقض، فلم كان ما ذكرتم أولى مما ذكرنا؟ لأنا نقول الترجيح معنا، لأن ما تلونا كتاب مؤيد بالحديث الصحيح وبالمعقول، فلا بعارضه ما ذكرتم.
٣٠ - مسألة: المصابة بالفجور لا تستنطق .
والوجه فيه- أن النكاح عقد مصلحة في حقها، فوجب أن لا يتوقف نفاذه على نطقها، قياسًا على ما إذا زالت بكارتها بالوثبة والحيصة.
وإنما قلنا ذلك- لأن النكاح مشتمل على مصلحة التوالد والتناسل وقضاء الشهوة والنفقة وغيرها. فلو توقف على نطقها فاتت عنها هذه المصلحة، لأنها تمتنع من النطق ظاهرًا أو غالبًا، لمكان الحياء.
فإن قيل: قولكم: لو توقف النكاح على نطقها لفوت عنها مصالح النكاح- قلنا: لا نسلم.
قوله: لأنها تمتنع عن النطق حياء من إظهار الرغبة إلى الرجال- قلنا: متى تمتنع عن النطق: إذا كان في النطق مصلحة أم إذا لم يكن؟ / ع م.
بيانه- وهو أن النطق إن كان فيه عيب لمكان الوقاح، ولكن اشتمال النكاح على ما ذكرتم من المصالح يحملها على النطق.
стр. 70
ولئن سلمنا أن في النطق إظهار الرغبة إلى الرجال، ولكن متى يكون عيبًا: إذا كان بطريق مشروع أم إذا لم يكن؟ ع م- وهذا لأن الرغبة إلى الرجال بطريق النكاح مباح شرعًا، فالظاهر أنها لا تمتنع من النطق تحصيلًا لمصالح النكاح، فكان مقتضى ما ذكرنا في البكر هكذا، إلا أن الشرع جعل سكوتها رضاها رفقًا بها، أما هذه [فـ] لا تستحق الرفق لمكان الفجور.
ولئن سلمنا أنها تمتنع عن النطق، ولكن مثل امتناع البكر أم دونه؟ ع م. وهذا لأنه وجدت منها مخالطة الرجال، فلا تمتنع مثل امتناع البكر، فلا تفوت مصالح النكاح.
ولئن سلمنا بأنه تفوت مصالح النكاح، ولكن جبرا أم باختيارها؟ ع م. وهذا لأن الشرع جعل النطق طريقًا في حقها لاستيفاء مصالح النكاح، والسكوت طريقًا للامتناع. فإن أرادت استيفاء مصالح النكاح تحملت هذا المكروه وإلا فلا.
ثم معارض بقوله ﵇: "الثيب تعرب عن نفسها" وهذه ثيب، ولهذا: لو أوصى لثيب بني فلان تدخل هي في الوصية، ولو أوصى لأبكارها لا تدخل.
الجواب:
قوله: لا تمتنع عن النطق لما فيه من مصالح النكاح- قلنا: مصالح النكاح لا تصلح معارضة للحياء، بدليل فصل البكر: فإنها تمتنع مع ما ذكرتم، وحياء هذه أشد من حياء البكر، لأن في نطق هذه إظهار الرغبة إلى الرجال في المستقبل وإلى الرجل الماضي، فكان امتناعها أشد.
стр. 71
وبه خرج الجواب/ عن السؤال الثاني والثالث، لأنا بينا أن امتناعها من النطق أشد من امتناع البكر.
قوله: مصالح النكاح تفوت باختيارها أو لا باختيارها- قلنا: باختيارها، ولكن اختيارها لا يدل على رضاها بالضرر، لأن رضاها أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه، وسكوتها يحتمل أنها سكنت تحرزًا عن إظهار الرغبة إلى الرجال وحياء عن ما صدر منها- كما ذكرنا.
وأما الحديث- قلنا: خصت منه الأمة والصبية العاقلة والمجنونة، فتخص هذا.
٣١ - مسألة: أحد الأولياء إذا زوج وليته من غير كفء برضاها، يلزم العقد، ولا يكون للباقين حق الاعتراض .
والوجه فيه- أن إنكاح الولي وليته برضاها من غير كفء دل على تعلق مصلحة بالنكاح على وجه لا يتم استيفاؤها إلا به، فوجب القضاء بلزوم العقد، قياسًا على ما إذا زوجها من كفء.
وإنما قلنا ذلك- لأن إقدامه على الإنكاح من غير كفء وجد الصارف عنه، وهو لحوق الضرر بنسبة من لا يكافئهم بالصهرية. وإذا وجد الصارف فالظاهر أنه لا يقدم عليه إلا لتحصيل مصلحة لا يتم إلا به، لأن المصلحة لو أمكن استيفاؤها بدون تحمل الضرر، لما تحمل الضرر.
فإن قيل: إقدامه على الإنكاح إن كان يدل على تعلق المصلحة بالنكاح، فإباء الباقين يدل على عدم التعلق، فوقع التعارض، فلم يثبت التعلق.
ولئن سلمنا أن إقدامه يدل على تعلق المصلحة، ولكن مصلحة ترجع إلى المرأة وإلى هذا الولي أم مصلحة ترجع إلى سائر الأولياء؟ م ع. ونحن لا نثبت حق الفسخ
стр. 72
لحقها، بل لحقهم جميعًا. وصار هذا كما إذا زوجت نفسها من غير كفء، فإنه يثبت للأولياء حق الفسخ والاعتراض، لما/ ذكرنا- كذلك ههنا.
الجواب:
أما إباء الباقين فلا يصلح معارضًا، لأن النفع للمرأة في النكاح ألغ، لأن نفعها في لنكاح راجع إلى مصلحة البقاء من التوالد والتناسل والسكن والازدواج، فإن الولد يتعلق به بقاء المرء وإنه يحتاج إلى شفيق يقوم بتصرفه لدفع القاصد عنه، فيحتاج إلى الولد ليدفع الهلاك عنه، فكانت مصلحته البقاء ومصلحة الأولياء مصلحة زائدة، فكانـ[ـت] مصلحتها راجحة، لأن مصلحة البقاء مما لا يختلف أحوال العقلاء فيه، وهذه المصلحة تختلف باختلاف الناس، فكان تحمل ضرر الأولياء لدفع هذا الضرر أولى من القلب والعكس.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه، لأن العقد ثابت، وقد وقع الشك في دفعه، فلا يرتفع بالشك. بخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء، لأن عقلها وحدها دون عقل الرجل، فإن المصلحة هناك في النكاح وإن كانت مصلحة البقاء، لكنها عرفت برأي النساء دون الرجال، فيترجح الأولياء، أما ههنا [فـ] بخلافه.
стр. 73
٣٢ - مسألة: أقرب الأولياء إذا غاب غيبة منقطعة، تثبت للأبعد ولاية التزويج .
والوجه فيه- أن النكاح عقد مصلحة في حقها، فوجب أن لا يتوقف نفاذه على حضور الأقرب، قياسًا على الولي الأقرب.
وإنما قلنا إن النكاح عقد مصلحة- لما فيه من مصلحة التوالد وغيره، فلو توقف على حضور الأقرب تفوت هذه المصالح، وفي هذا الزمان، عنها، وإنه ضرر.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح لو توقف على حضور الأقرب، تفوت هذه المصالح في هذا الزمان- قلنا: هذا أولًا يشكل بما إذا نام الأقرب أو أغمى عليه/، فإنه لا تثبت الولاية للأبعد، لما ذكرنا- كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أنه تفوت هذه المصالح، ولكن إلى مصلحة فوقها، وهو إنكاح الأقرب، لما فيه من زيادة النظر.
ولئن سلمنا أن إنكاح الأقرب متعذر، ولكن متى تفوت هذه المصلحة: إذا أمكن تحصيلها بغير الأبعد أم إذا لم يمكن؟ ع م. وقد أمكن تحصيلها بغير الأبعد، وهو القاضي، فلا حاجة إلى الأبعد.
الجواب:
أما إذا نام الأقرب أو أغمى عليه- فنقول: زوال النوم والإغماء غالب، والانتظار إلى زوالهما من الخاطب غالب، أما ههنا [فـ] بخلافه.
وأما قوله بأنه يفوت على مصلحة فوقها، وهو إنكاح الأقرب- قلنا: بلى، ولكن ضرر فوات الكفء الحاضر أكثر وأولى بالدفع، فلا يصلح ذلك معارضًا.
وأما القاضي- قلنا: إقامة الأبعد مقام الأقرب أولى من إقامة القاضي، لأنه أشفق وأعلم بحالها.
والله أعلم.
стр. 74
٣٣ - مسألة: المولى يملك إجبار عبده على النكاح .
والوجه فيه- أن ملك العبد إنما شرع للانتفاع به، فوجب أن يكون بسبيل منم استيفائه، تحصيلًا لمصلحة الانتفاع، والإنكاح طريق للاستيفاء، فوجب أن يجوز، قياسًا على إنكاح الأمة.
وإنما قلنا: إن ملك العبد إنما شرع للانتفاع به، فلمكان المناسبة.
وإنما قلنا: إنه يجب أن يكون بسبيل من استيفائه، لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا باستيفائه.
وإنما قلنا إن الإنكاح طريق الاستيفاء، وذلك لأن الاستيفاء إنما يكون بالصيانة له عن أسباب الهلاك، لأن الشيء متى صين عن أسباب الهلاك، يبقى ظاهرًا وغالبًا./ والنكاح طريق الصيانة عن أسباب الهلاك أو النقصان، لأن الشهوة المركبة في العبد تدعوه إلى قضاء الشهوة، فإذا لم يجد الحلال فربما يقع في الحرام وهو الزنا، وإنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة أو سبب لنقصان مالية العبد، لإقامة الحد عليه، فكان النكاح صائنًا له فكان استيفاء.
فإن قيل: قولكم بأن الزنا سبب الهلاك أو النقصان- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن زنا العبد لا يوجب الرجم، بل يوجب نصف جلدات الأحرار، وبهذا لا يهلك العبد ولا ينتقص ماليته، حتى لو اشترى عبدًا فوجده زانيًا لم يرده بالعيب. وكذلك المولى لا يملك إقامة الحد على مملوكه عندكم، ولو كان الزنا سبب الهلاك لملك صيانة لملكه.
ولئن سلمنا أن الزنا سبب الهلاك، ولكن لم قلتم بأن النكاح طريق الصيانة، وإنما يكون طريق الصيانة إذا أقدم على وطئها، وأنه قد أقدم على رد هذا النكاح- فدل أنه لا يرضاها فلا يطؤها، فلا يقع صونًا له.
ولئن سلمنا أن النكاح طريق الصيانة، ولكن صيانة الملك أمر شرع النكاح له أم لا؟ ع م. وهذا لأن النكاح شرع للسكن والازدواج وقضاء الشهوة والتوالد، لا لتحصين المال، فلا يثبت ولاية الإنكاح لهذا الغرض.
стр. 75
ولئن سلمنا أنه يجوز إثبات الولاية لتحصيل غرض لم يشرع النكاح له، ولكن لم قلتم بأنه أمكن تحصيل هذا الغرض، وهذا لأن العبد داخل تحت ملك المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي. ولهذا لا يملك المولى منعه من الفرائض، ولو أقر على نفسه بالحدود والقصاص يصح. ولو أقر المولى عليه لا يصح، والنكاح تصرف يختص بالآدمية لا بمالية، ولأن منافع النكاح للعبد/ ومضاره عليه، والمرء لا يتمكن من صيانة ملكه لإثبات الحكم على غير المالك ولغير المالك، بخلاف إنكاح الأمة، ولأن الإنكاح ينافي مملوكية العبد، لأن فيه إثبات الولاية للعبد، وصار هذا كإنكاح المكاتب، فإنه لا يملكه مع ما ذكرتم.
الجواب:
أما قوله بأن زنا العبد لا يوجب الرجم- قلنا: بلى، ولكن إذا لم يشبع من الحلال يعتاد الزنا، وإنه عيب، حتى لو اشترى عبدًا فوجده معتادًا للزنا، فله أن يرده بالعيب. وكذا إقامة الحد عيب، حتى لو اشترى عبدًا قد زنى وأقيم عليه الحد، له أن يرده بالعيب. فثبت أن الزنا سبب لنقصان الملك، والنكاح طريق للصيانة، فيملكه المولى.
وإنما لا يملك إقامة الحد على مملوكه، لأن شفقته على ملكه تمنعه من إقامة الحد على وجهه، أما ههنا بخلافه.
وأما إباء العبد ورده للنكاح- قلنا: الشهوة المركبة فيه تدعوه إلى قضائها خصوصًا إذا وجد بطريق الحلال، وإباؤه يحتمل أنه أقدم لعدم الموافقة أو لرجاء الوصول إلى امرأة خير منها أو خوفًا من المهر والنفقة، والمحتمل لا يعارض المحكم.
قوله: صيانة الملك أمر شرع له النكاح أم لا؟ قلنا: شرع له نكاح العبيد إن لم يشرع له نكاح الأحرار، لأنه مناسب، والشرع ورد به في الأمة، والغرض من إدخاله تحت ولاية المولى هو صيانة الملك كما في الأمة.
следующие страницы →