Полный текст (509 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وبه خرج الجواب/ عن السؤال الثاني والثالث، لأنا بينا أن امتناعها من النطق أشد من امتناع البكر.
قوله: مصالح النكاح تفوت باختيارها أو لا باختيارها- قلنا: باختيارها، ولكن اختيارها لا يدل على رضاها بالضرر، لأن رضاها أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه، وسكوتها يحتمل أنها سكنت تحرزًا عن إظهار الرغبة إلى الرجال وحياء عن ما صدر منها- كما ذكرنا.
وأما الحديث- قلنا: خصت منه الأمة والصبية العاقلة والمجنونة، فتخص هذا.
٣١ - مسألة: أحد الأولياء إذا زوج وليته من غير كفء برضاها، يلزم العقد، ولا يكون للباقين حق الاعتراض .
والوجه فيه- أن إنكاح الولي وليته برضاها من غير كفء دل على تعلق مصلحة بالنكاح على وجه لا يتم استيفاؤها إلا به، فوجب القضاء بلزوم العقد، قياسًا على ما إذا زوجها من كفء.
وإنما قلنا ذلك- لأن إقدامه على الإنكاح من غير كفء وجد الصارف عنه، وهو لحوق الضرر بنسبة من لا يكافئهم بالصهرية. وإذا وجد الصارف فالظاهر أنه لا يقدم عليه إلا لتحصيل مصلحة لا يتم إلا به، لأن المصلحة لو أمكن استيفاؤها بدون تحمل الضرر، لما تحمل الضرر.
فإن قيل: إقدامه على الإنكاح إن كان يدل على تعلق المصلحة بالنكاح، فإباء الباقين يدل على عدم التعلق، فوقع التعارض، فلم يثبت التعلق.
ولئن سلمنا أن إقدامه يدل على تعلق المصلحة، ولكن مصلحة ترجع إلى المرأة وإلى هذا الولي أم مصلحة ترجع إلى سائر الأولياء؟ م ع. ونحن لا نثبت حق الفسخ
стр. 72
لحقها، بل لحقهم جميعًا. وصار هذا كما إذا زوجت نفسها من غير كفء، فإنه يثبت للأولياء حق الفسخ والاعتراض، لما/ ذكرنا- كذلك ههنا.
الجواب:
أما إباء الباقين فلا يصلح معارضًا، لأن النفع للمرأة في النكاح ألغ، لأن نفعها في لنكاح راجع إلى مصلحة البقاء من التوالد والتناسل والسكن والازدواج، فإن الولد يتعلق به بقاء المرء وإنه يحتاج إلى شفيق يقوم بتصرفه لدفع القاصد عنه، فيحتاج إلى الولد ليدفع الهلاك عنه، فكانت مصلحته البقاء ومصلحة الأولياء مصلحة زائدة، فكانـ[ـت] مصلحتها راجحة، لأن مصلحة البقاء مما لا يختلف أحوال العقلاء فيه، وهذه المصلحة تختلف باختلاف الناس، فكان تحمل ضرر الأولياء لدفع هذا الضرر أولى من القلب والعكس.
وبه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه، لأن العقد ثابت، وقد وقع الشك في دفعه، فلا يرتفع بالشك. بخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء، لأن عقلها وحدها دون عقل الرجل، فإن المصلحة هناك في النكاح وإن كانت مصلحة البقاء، لكنها عرفت برأي النساء دون الرجال، فيترجح الأولياء، أما ههنا [فـ] بخلافه.
стр. 73
٣٢ - مسألة: أقرب الأولياء إذا غاب غيبة منقطعة، تثبت للأبعد ولاية التزويج .
والوجه فيه- أن النكاح عقد مصلحة في حقها، فوجب أن لا يتوقف نفاذه على حضور الأقرب، قياسًا على الولي الأقرب.
وإنما قلنا إن النكاح عقد مصلحة- لما فيه من مصلحة التوالد وغيره، فلو توقف على حضور الأقرب تفوت هذه المصالح، وفي هذا الزمان، عنها، وإنه ضرر.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح لو توقف على حضور الأقرب، تفوت هذه المصالح في هذا الزمان- قلنا: هذا أولًا يشكل بما إذا نام الأقرب أو أغمى عليه/، فإنه لا تثبت الولاية للأبعد، لما ذكرنا- كذلك ههنا.
ولئن سلمنا أنه تفوت هذه المصالح، ولكن إلى مصلحة فوقها، وهو إنكاح الأقرب، لما فيه من زيادة النظر.
ولئن سلمنا أن إنكاح الأقرب متعذر، ولكن متى تفوت هذه المصلحة: إذا أمكن تحصيلها بغير الأبعد أم إذا لم يمكن؟ ع م. وقد أمكن تحصيلها بغير الأبعد، وهو القاضي، فلا حاجة إلى الأبعد.
الجواب:
أما إذا نام الأقرب أو أغمى عليه- فنقول: زوال النوم والإغماء غالب، والانتظار إلى زوالهما من الخاطب غالب، أما ههنا [فـ] بخلافه.
وأما قوله بأنه يفوت على مصلحة فوقها، وهو إنكاح الأقرب- قلنا: بلى، ولكن ضرر فوات الكفء الحاضر أكثر وأولى بالدفع، فلا يصلح ذلك معارضًا.
وأما القاضي- قلنا: إقامة الأبعد مقام الأقرب أولى من إقامة القاضي، لأنه أشفق وأعلم بحالها.
والله أعلم.
стр. 74
٣٣ - مسألة: المولى يملك إجبار عبده على النكاح .
والوجه فيه- أن ملك العبد إنما شرع للانتفاع به، فوجب أن يكون بسبيل منم استيفائه، تحصيلًا لمصلحة الانتفاع، والإنكاح طريق للاستيفاء، فوجب أن يجوز، قياسًا على إنكاح الأمة.
وإنما قلنا: إن ملك العبد إنما شرع للانتفاع به، فلمكان المناسبة.
وإنما قلنا: إنه يجب أن يكون بسبيل من استيفائه، لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا باستيفائه.
وإنما قلنا إن الإنكاح طريق الاستيفاء، وذلك لأن الاستيفاء إنما يكون بالصيانة له عن أسباب الهلاك، لأن الشيء متى صين عن أسباب الهلاك، يبقى ظاهرًا وغالبًا./ والنكاح طريق الصيانة عن أسباب الهلاك أو النقصان، لأن الشهوة المركبة في العبد تدعوه إلى قضاء الشهوة، فإذا لم يجد الحلال فربما يقع في الحرام وهو الزنا، وإنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة أو سبب لنقصان مالية العبد، لإقامة الحد عليه، فكان النكاح صائنًا له فكان استيفاء.
فإن قيل: قولكم بأن الزنا سبب الهلاك أو النقصان- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن زنا العبد لا يوجب الرجم، بل يوجب نصف جلدات الأحرار، وبهذا لا يهلك العبد ولا ينتقص ماليته، حتى لو اشترى عبدًا فوجده زانيًا لم يرده بالعيب. وكذلك المولى لا يملك إقامة الحد على مملوكه عندكم، ولو كان الزنا سبب الهلاك لملك صيانة لملكه.
ولئن سلمنا أن الزنا سبب الهلاك، ولكن لم قلتم بأن النكاح طريق الصيانة، وإنما يكون طريق الصيانة إذا أقدم على وطئها، وأنه قد أقدم على رد هذا النكاح- فدل أنه لا يرضاها فلا يطؤها، فلا يقع صونًا له.
ولئن سلمنا أن النكاح طريق الصيانة، ولكن صيانة الملك أمر شرع النكاح له أم لا؟ ع م. وهذا لأن النكاح شرع للسكن والازدواج وقضاء الشهوة والتوالد، لا لتحصين المال، فلا يثبت ولاية الإنكاح لهذا الغرض.
стр. 75
ولئن سلمنا أنه يجوز إثبات الولاية لتحصيل غرض لم يشرع النكاح له، ولكن لم قلتم بأنه أمكن تحصيل هذا الغرض، وهذا لأن العبد داخل تحت ملك المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي. ولهذا لا يملك المولى منعه من الفرائض، ولو أقر على نفسه بالحدود والقصاص يصح. ولو أقر المولى عليه لا يصح، والنكاح تصرف يختص بالآدمية لا بمالية، ولأن منافع النكاح للعبد/ ومضاره عليه، والمرء لا يتمكن من صيانة ملكه لإثبات الحكم على غير المالك ولغير المالك، بخلاف إنكاح الأمة، ولأن الإنكاح ينافي مملوكية العبد، لأن فيه إثبات الولاية للعبد، وصار هذا كإنكاح المكاتب، فإنه لا يملكه مع ما ذكرتم.
الجواب:
أما قوله بأن زنا العبد لا يوجب الرجم- قلنا: بلى، ولكن إذا لم يشبع من الحلال يعتاد الزنا، وإنه عيب، حتى لو اشترى عبدًا فوجده معتادًا للزنا، فله أن يرده بالعيب. وكذا إقامة الحد عيب، حتى لو اشترى عبدًا قد زنى وأقيم عليه الحد، له أن يرده بالعيب. فثبت أن الزنا سبب لنقصان الملك، والنكاح طريق للصيانة، فيملكه المولى.
وإنما لا يملك إقامة الحد على مملوكه، لأن شفقته على ملكه تمنعه من إقامة الحد على وجهه، أما ههنا بخلافه.
وأما إباء العبد ورده للنكاح- قلنا: الشهوة المركبة فيه تدعوه إلى قضائها خصوصًا إذا وجد بطريق الحلال، وإباؤه يحتمل أنه أقدم لعدم الموافقة أو لرجاء الوصول إلى امرأة خير منها أو خوفًا من المهر والنفقة، والمحتمل لا يعارض المحكم.
قوله: صيانة الملك أمر شرع له النكاح أم لا؟ قلنا: شرع له نكاح العبيد إن لم يشرع له نكاح الأحرار، لأنه مناسب، والشرع ورد به في الأمة، والغرض من إدخاله تحت ولاية المولى هو صيانة الملك كما في الأمة.
стр. 76
قوله بأن العبد داخل تحت ملك المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي- قلنا: بعض العلماء قالوا: العبد داخل تحت ملك المولى مطلقًا بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَاّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ولكنا نقول: العبد داخل تحت/ ملك المولى من حيث إنه مال، ولكن لا تحصل المالية إلا بالصيانة، والنكاح من أسباب الصيانة، فيتمكن المولى من ذلك، كما في الأمة.
قوله: بأن ملك المحل يفيد ولاية الصيانة بتصرف يثبت حكمه للمالك وعليه- قلنا: عنه جوابان: أحدهما- أن ملك المحل يفيد ولاية الصيانة بأي طريق يتمكن منه استيفاء لملكه. والثاني- وهو أن إنكاح العبد يفيد حكمًا للمولى وعلى المولى: أما له فصيانة ملكه، وأما عليه فشغل رقبة العبد بالمهر والنفقة.
قوله بأن الملك يفيد تصرفًا يقرر المملوكية، والإنكاح ينافي مملوكية العبد- قلنا: بلى. وإنه يقرر مملوكية العبد من حيث إنه مجبور في ذلك، والمولى باشر هذا التصرف من غير (؟ )، صيانة لملكه، كما في الأمة:
والله أعلم.
٣٤ - مسألة: العجز عن الإنفاق لا يوجب حق المطالبة بالتفريق
والوجه فيه - أن العجز عن الإنفاق لا يخل بالمصالح المطلوبة من النكاح- فلا يوجب حق المطالبة بالتفريق، قياسًا على العجز عن المهر بعد تسليم النفس.
وإنما قلنا ذلك- لأن المصالح المطلوبة من النكاح هي التوالد والتناسل وقضاء الشهوة والسكن والازدواج، وهذه المصالح لا تختل بالعجز عن الإنفاق، لأن ذلك يبتني على إمكان الوطء، والعجز عن الإنفاق لا يخل بإمكان الوطء.
стр. 77
فإن قيل: قولكم بأن المصالح المطلوبة من النكاح هي التوالد وغيره- قلنا: هذه كل المصالح أم بعضها؟ ع م- وهذا لأن المهر والنفقة مقصود للمرأة من النكاح لحاجتها إليها، وعجزها عن الكسب، والعجز يخل بهذا المقصود.
ولئن سلمنا أنها كل المصالح، ولكن لم قلتم بأنها لا تختل بالعجز؟ - بيانه: أن هذه المصالح إنما تحصل بالدوام على النكاح والتمكين/ من الوطء وذلك بالبقاء، والبقاء بالنفقة. فإذا عجز عن ذلك يختل البقاء فيختل المقصود.
ولئن سلمنا أن العجز عن الإنفاق لا يخل بهذه المصالح، ولكن النفقة مستحقة بعقد النكاح بالإجماع، والعجز عن المستحق يوجب المطالبة بالتفريق.
ولئن سلمنا أن العجز عن الإنفاق لا يخل بالمصالح ولكن لم قلتم بأنه لا يثبت حق المطالبة؟ غاية ما في الباب أن فيه إبطال حق الزواج وإنه ضرر، ولكن في المنع من الإبطال إضرار بالمرأة، وصار هذا كما إذا عجز المولى عن الإنفاق على عبده الصغير أو أمته: يجبر على البيع. وإن عجز البائع عن تسليم المبيع يثبت للمشتري حق الفسخ.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ﴾ وقد تعذر أحدهما فيتعين الآخر.
الجواب:
قوله: هذه كل المصالح أم بعضها؟ قلنا: كل المقاصد المطلوبة من النكاح، لأن المقصود الأصلي بالنكاح مالا وجود للنكاح بدونه، ولا وجود للنكاح بدون هذه المصالح، وله وجود بدون النفقة ابتداء وبقاء.
стр. 78
قوله: بأن البقاء بالنفقة- قلنا: بلى، والقدرة على النفقة حاصلة في الجملة، لأنه يمكنها أن ترفع الأمر إلى القاضي حتى يفرض النفقة على الزوج أو تستقرض هي عليه، فيحصل البقاء.
قوله: النفقة مستحقة بعقد النكاح- قلنا: بلى، ولكن القدرة عليها حاصلة في الجملة، كما بينا. وإن لم تكن حاصلة في الحال، فلا توجب إبطال حق الزوج.
قوله بأن ضرر الزوج معارض بضرر المرأة- قلنا: لا يعارضه، لأن ضررها يمكن تداركه في الثاني، بأن يكتسب الزوج أو يستقرض، وحق الزوج يفوت أصلًا، فكان الترجيح لضرر الزوج.
وأما نفقة المملوك فلا ترد نقضًا/، لأن نفقة المملوك لا تصير دينًا في ذمة المالك، وفي الجبر على البيع تفويت حق المالك إلى عوض- أما ههنا بخلافه:
وأما مسألة الشراء- قلنا: ثم فات كل المقصود بالعقد وهوالمبيع- أما ههنا بخلافه، لما ذكرنا.
وأما النص- قلنا: الجواب عن الاستدلال به من وجهين.
أحدهما- لا نسلم أنه عجز عن الإمساك بالمعروف، لأن الإمساك بالمعروف كما يكون بإيفاء حقها في الحال، يكون بالوعد باللسان كما في الإيلاء.
стр. 79
والثاني- سلمنا أنه عجز عن الإمساك بالمعروف، ولكن إنما يجب عليه التسريح بالإحسان إذا قدر علي، ولم يقدر عليه، لأن التسريح بالإحسان بإيفاء المهر والنفقة، وهو عاجز عنهما.
والله أعلم.
٣٥ - مسألة: إذا سبي الزوجان معًا، لا تقع الفرقة بينهما .
والوجه فيه- أن ملك النكاح لو زال بالسبي لا يخلو: إما أن يكون الزوال حكمًا للسَّبي قصدًا وابتداء، أو بناء عليه.
لا وجه للأول- لأن الحكم المقصود بالسبي هو ثبوت الملك للسابي، لا زوال ملك النكاح.
ولا وجه للثاني- لأن زوال ملك النكاح ليس من لوازم الحكم الأصلي للسبي، بدليل أنها لو كانت منكوحة لمسلم أو ذمي لا يزول ملك النكاح.
فإن قيل: قولكم إن ملك النكاح لو زال بالسبي لا يخلو: إما أن يزول حكمًا للسبي قصدًا وابتداء، أو بناء- قلنا: لم قلتم بأنه لا يزول حكمًا للسبي قصدًا؟ وهذا لأن السبي ينبئ عن الأسر والاسترقاق، وذلك ينبئ عن الضعف والعجز، وملك النكاح عبارة عن القدرة والقوة، فإثبات الضعف يكون مقتضى السبى مقصودًا.
ولئن سلمنا أن ملك النكاح لا يزول بالسبى قصدًا وابتداء-[فـ] قلتم بأنه لا يزول بناء؟ .
قوله: ليس ذلك من لوازمه- قلنا: لا نسلم.
وأما ما ذكر من نكاح المسلم والذمي/- قلنا: امتنع ثبوته ثمة لمانع، وهو عصمة ملك المسلم والذمي، أما ههنا بخلافه.
стр. 80
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن ملك النكاح لا يزول، ولكن هنا دليل آخر يأبى ذلك، وذلك لأن ملك الرقبة ثبت بالسبى، ومن لوازم ملك الرقبة ولاية الإنكاح ممن شاء، ولا يملك ذلك إلا بزوال ملك النكاح. ولأن ملك الرقبة علة لملك المتعة. وإذا ثبت ملك المتعة للسابي يزول ملك الزوج، لاستحالة ثبوته للشخصين في حالة واحدة، وصار كما إذا سبيت المرأة وحدها، وكما لو سبي منكوحة نقسه، فإنه يزول ملك النكاح.
ثم هذا معارض بما روى أبو سعيد الخدري قال: لما سبى رسول الله ﷺ أهل أوطاس قلنا: يا رسول الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن؟ فنزل قوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلَاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وكان في سبى أوطاس خلق وقع السبى عليهم مع نسائهم ونادى منادي رسول الله ﷺ : "ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض"- فأباح وطأهن بعد الاستبراء لانفساخ نكاحهن.
الجواب:
قوله بأن السبى ينبئ عن الأسر والاسترقاق- قلنا: بلى، ولكن بطريق الضرورة، لأن الدليل ينفي الاسترقاق، والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، والضرورة في حق ثبوت الملك لا في غيره.
стр. 81
وأما قوله: لم يزول بناء- قلنا: لما ذكرنا من الحكم.
قوله: امتنع ثبوته ثمة لمانع وهو العصمة- قلنا: ملك نكاح المسلم وإن كان معصومًا، ولكنه يقبل الزوال بأسباب نحو الطلاق وغيره. فلو كان زوال ملكل النكاح من لوازم حكم السبى، لزال وما صار [ت] عصمة الززوج مانعة- ألا ترى أن ملك المسلم في العبد المشترك معصوم، ومع هذا يزول بإعتقا/ الشريك، ومتى لم يزل علم أنه ليس من لوازمه.
قوله: من لزم ملك الرقبة ولاية الإنكاح- قلنا: ولاية الإنكاح إنما تثبت صيانة للملك على ما مر، ولا حاجة ههنا إلى الصيانة، لكونه مصونًا بالنكاح.
قوله: ملك الرقبة علة لملك المتعة- قلنا: نعم إذا كان المحل قابلًا، أما إذا لم يكن قابلًا فلا- ألا ترى أن ملك الرقبة ثابت في العبد، ولا يثبت ملك المتعة. وكذا لو اشترى منكوحة غيره من مولاها، يثبت ملك الرقبة ولا يثبت ملك المتعة لقيام المانع- كذا ههنا.
وأما إذا سُبيت المرأة وحدها، تقع الفرقة بتباين الدارين، وخرج النكاح من أن يكون مفيدًا.
стр. 82
وأما إذا سبى منكوحته [فـ] إنما يرتفع النكاح، لأن بين ملك النكاح وملك اليمين لشخص واحد تناف في الأحكام، لا بعلة السبى -دل عليه أنه لو اشترى منكوحة نفسه تقع الفرقة، ولو اشترى الزوجين معًا لا تقع الفرقة، لما ذكرنا- كذا هنا.
وأما الآية -[فـ] عام خاص منها البعض، وهو ما إذا سبيت وزوجها مسلم أو ذمى، وسبايا أوطاس سبين وحدهن، لأن الرجال كانوا خرجوا للقتال وخلفوا النساء والذراري في الحصن، فانهزم المحاربون واستولى رسول الله ﷺ على الصن.
٣٦ - مسألة: المنكوحة لا ترد بالعيوب الخمسة وهي الرتق والقرن والبرص والجذام والجنون .
والوجه فيه- أن حق الرد وإعادة المهر إلى ملك الزوج لو ثبت لا يخلو: إما أن يثبت ابتداء أو بناء على استدراك الخلل المتمكن في المستحق بهذا العقد عوضًا عن المهر.
لا وجه للأول- لأن فيه إبطال حق المرأة عن المهر وإنه ضرر بها.
ولا وجه للثاني- لأن سلامة العوض تقف على إمكان استيفاء العوض، لا على استيفاء حقيقته، لأن ذلك يتعلق باختيار العاقد وقد يختار وقد لا/ يختار، كما في البيع
стр. 83
وسائر المعاوضات، وإمكان الاستيفاء ثابت ههنا، لإمكان الوطء في بعضها بغير واسطة، وفي بعضها بواسطة إزالة المانع، فوجب أن لا يثبت حق الرد، قياسًا على الجرباء والشوهاء والعجوز التي لا تشتهي.
فإن قيل: قولكم بأن في الرد إبطال حق المرأة، وإنه إضرار بها- قلنا: لا نسلم، بل هو دفع الضرر عنها، لأن النكاح تصرف إضرار بها، لما فيه من إثبات الملك والرق عليها، إلا إذا كان وسيلة إلى المصالح المطلوبة من النكاح، فإذا اختلت المصالح لمكان النفرة، بقي ضررًا وكان الفسخ دفعًا للضرر عنها.
ولئن سلمنا أن فوات ملكها في المهر ضرر بها، ولكن إلى عوض وهو ملك نفسها، فلا يكون ضررًا.
ولئن سلمنا أن حق الرد والفسخ لا يثبت ابتداء، فلم قلتم بأنه لا يثبت بناء؟ .
قوله: بأن المستحق ملك الوطء- قلنا: لا نسلم، بل المستحق ملك منافع بضعها، ولا يمكن الاستمتاع واستيفاء المنافع لمكان العيوب المنفرة له.
ولئن سلمنا أن هذه العيوب لا تخل بإمكان الوطء والاستمتاع، ولكن لم قلتم بأنها لا تخل بالمصالح المطلوبة من النكاح؟ - وهذا لأن هذه العيوب تمنع كون النكاح وسيلة إلى المقاصد المطلوبة، لأن بعضها مانع من حقيقة الوطء حسًا وبعضها طبعًا، فصار كما إذا وجدت المرأة زوجها عنينًا أو مجبوبًا، فإنها تمكن من الفسخ، وإن كان لا يمتنع كل المقاصد لقيام السكن والازدواج واحتمال إمكان الوطء، وصار كما إذا وجدت بالمهر عيبًا: يثبت لها حق الرد- فكذا إذا وجد الزوج بها عيبًا، تسوية بين العوضين.
ثم هذا معارض بقوله ﵇: "فر من المجذوم فرارك من الأسد". وبما روى أنه ﵇ تزوج امرأة فوُجد على كشحها بياض فردها.
стр. 84
الجواب:
أما قوله بأن الفسخ دافع الضرر عنها- قلنا: إن كان الضرر ضرر ملك النكاح، فهذا/ الضرر يدفع عنها بدون إزالة ملكها عن المهر، بأن يطلقها، فلا حاجة إلى تحمل هذا الضرر.
قوله: يفوت حقها إلى عوض- قلنا: إنما يخرج عن أن يكون ضررًا إذا كان عوضًا ترتضيه، وهي لا ترضى، فيكون ضررًا.
قوله: بأن المستحق منافع بعضها- قلنا: المستحق هو الوطء وإنه ممكن، إما بغير واسطة أو بواسطة، وذلك يكفي للقدرة على الاستيفاء، كما إذا كانت صغيرة أو مريضة، لا يثبت له حق الرد- كذا ههنا.
وأما المانع الطبعي، [فـ] لا أثر له في العجز، بل أثره في الامتناع مع قدرته واختياره، وهذا لا يوجب حق الرد، كما إذا وجدها شوهاء أو عجوزة لا تشتهي.
وأما المرأة إذا وجدت زوجها مجبوبًا أو عنينًا، إنما يثبت حق التفريق لوقوع الخلل في المستحق بالعقد، لأن إمكان الوطء ليس بثابت: أما في المجبوب فظاهر، وفي العنين يؤجل سنة وبعد السنة يثبت حق التفريق، لمكان العجز عن الوطء، أما ههنا بخلافه.
وأما المرأة إذا وجدت بالمهر عيبًا إنما يثبت لها حق الرد، لتمكن الخلل في المستحق، لأن المستحق في جانب المهر المالية، وهي تختل بالعيب، أما ههنا بخلافه.
وأما الحديث- قلنا: هذا أمر إباحة لا أمر ندب وإيجاب، فلا يوجب الرد.
وأما الحديث الثاني- قلنا: يحتمل أنه ردها بطريق الفسخ، ويحتمل أنه ردها بطريق الطلاق، فلا يكون حجة.
стр. 85
٣٧ - مسألة: طول الحرة لا يمنع نكاح الأمة، خلافًا له .
وأجمعوا على أن نكاح الأمة لا يمنع نكاح الحرة. وأجمعوا على أن نكاح الحرة يمنع نكاح الأمة.
والوجه فيه- أن العجز عن مهر الحرة لا يقف عليه ركن نكاح الأمة، ولا استيفاء المصلحة المطلوبة من نكاح الأمة، فلا يقف عليه صحة نكاح الأمة، قياسًا على نكاح الحرة.
وإنما قلنا ذلك- لأن ركن النكاح قولهما "زوجت- وتزوجت" وهذا لا يقف على العجز/ عن مهر الحرة، والمصلحة المطلوبة من نكاح الأمة هي السكن والازدواج والتواولد والتناسل وقضاء الشهوة، ولا يقف ذلك أيضًا على العجز عن نكاح الحرة، فلو توقف عليه صحة نكاح الأمة يؤدي إلى المنع من تحصيل هذه المقاصد فيكون ضررًا.
فإن قيل: قولكم بأن ركن النكاح قولهما "زوجت- وتزوجت"- قلنا: [هل] ركن النكاح مجرد هذه الصيغة أم إذا وقعت مقتضية للحل؟ ع ولا يمكن دعواه لأن هذه الصيغة إذا وجدت من الطفل والمجنون لا يكون نكاحًا م.
стр. 86
ولكن لم قلتم بأن وقوعها، مقتضيًا للحل في الأمة، لا يقف على العجز عن طول الحرة؟ .
بيانه- وهو أن هذه الصيغة إنما تقع مقتضية للحل في محل قابل، والكلام فيه في هذه الحالة. وهذا لأن الدليل ينفي كونها محلًا للنكاح في حق الحر في جميع الأحوال، لأن التزويج يقضي [بـ] التساوي بين الزوجين، كزوجي الباب وزوجي الخف والمقراض، ولا مساواة بينهما لمكان الخسة في الإماء ونقصان معنى الآدمية والالتحاق بالبهائم في التعرض للبيع والشراء وجعل الولد مملوكًا للغير، إلا أنا توافقنا على جعلها محلًا عند عدم طول الحرة، ضرورة صيانة النفس عن الزنا، ففيما عداه نتمسك بقضية الدليل.
ولئن سلمنا أنه لا يقف عليه ركن النكاح على العجز- ولكن لم قلتم بأنه لا يقف عليه استيفاء هذه المصالح، وبيان أنه يقف، لأن معظم المصالح إنما هو الولد، والولد من الأمة يكون مرقوقًا، والمرقوق ملحق بالبهائم.
ولئن سلمنا أن العجز لا يقف عليه ركن النكاح ولا استيفاء المصالح، ولكن لم لا يقف عليه جواز النكاح. وظاهر أنه يقف، لقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ – والمفهوم من مثل هذا الكلام الخلفية، كما في قوله تعالى/: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
стр. 87
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فلا يجوز (؟ ) مع القدرة على الأصل هـ.
الجواب:
قوله بأن هذه الصيغة إنما تكون ركنًا للنكاح إذا أضيف إلى محل قابل- قلنا: بلى، والأمة محل قابل للنكاح، لما ذكرنا من صلاحية التوالد والتناسل وغيرها.
قوله: بأن التزويج يقتضي التساوي- قلنا: التساوي ثابت بينهما فيما يرجع إلى الأحكام المطلوبة من النكاح، والتفاوت في شرف الحرية لا يمنع ذلك.
وأما إرقاق الولد- قلنا: ذلك لا يمنع الجواز، لأنه يختلف باختلاف الأشخاص والدليل عليه حالة عدم طول الحرة.
ومنه خرج الجواب عن السؤال الذي يليه.
وأما النص- قلنا: الجواب عنه أن هذا لا يقتضي توقيف نكاح الأمة على عدم طول الحرة أصلًا، فإن هذا تعليق الحكم بالشرط، وإنه لا يقتضي عدمه عند عدم الشرط. وفيما ذكر من النظير ما علم استباحة الثاني بنفي الأول بقضية التعليق بل بدليل آخر.
قوله- بأنه نكاح الأمة خلف عن ناح الحرة- قلنا: لا نسلم: وظاهر أنه ليس يخلف، بدليل أنه يجوز الجمع بينهما، بأن تزوج حرة على أمة، بالإجماع، والجمع بين الأصل والخلف لا يجوز أصلًا ورأسًا.
٣٨ - مسألة: النكاح ينعقد بلفظ البيع والهبة .
والوجه فيه- أنه قصد إثبات ملك النكاح بلفظة صالحة للإثبات، فوجب أن يجوز، قياسًا على لفظة التزويج.
стр. 88
وإنما قلنا ذلك، لأن لفظة البيع والهبة يصلح مجازًا عن إثبات ملك النكاح لوجود طريق المجاز، وهو السببية والمسببية، لأن البيع سبب لملك الرقبة في الجارية، وملك الرقبة سبب لملك المتعة، وقد دل الدليل على إرادة المجاز، وهي المواضعة في الخطبة وغيرها.
فإن قيل: قولكم بأن لفظ البيع يصلح مجازًا عن إثبات/ ملك النكاح- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن النكاح والتزويج ينبئ عن الضم والتلفيق والبيع والهبة لا يصلح مجازًا عنه.
ولئن سلمنا، ولكن لا نسلم أن ملك الرقبة سبب لملك المتعة، وهذا لأن ملك الرقبة ثابت في البهيمة والغلام، فلو كان سببًا له لما تخلف عنه حكمه.
ولئن سلمنا أن ملك الرقبة سبب لملك المتعة، ولكن ملك المتعة الثابت بالبيع ليس من جنس ملك المتعة الثابت بالنكاح، لتفاوت أحكامهما، فلا يجعل مجازًا عنه.
ولئن سلمنا أنه من جنسه، ولكن متى يجعل مجازًا عنه: إذا اختلفا في الأحكام أم إذا لم يختلفا؟ ع م.
بيانه- أنا أجمعنا على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الإعارة والإجارة والإباحة، مع أن الإجارة والإعارة لملك المنفعة وفي النكاح ملك المنفعة، ولكن لما اختلفا في أحكام أخر لم يجعل مجازًا عنه، كذا ههنا.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أنه صلح مجازًا، ولكن ههنا دليل آخر يأبى ذلك، وهو أن لفظة البيع والهبة مما يقع به الطلاق، فإنه لو قال لامرأته: بعت نفسك منك أو وهبت نفسك منك، ونوى الطلاق، يقع، وإذا وقع به الطلاق لا يقع به النكاح.
стр. 89
ولئن سلمنا أن السببية طريق المجاز، ولكن في موضع وجود السبب، وحقيقة البيع والهبة لا يتصور في الحرة، فلا يجوز استعمالهما فيها بطريق المجاز.
الجواب:
قوله بأن النكاح ينبئ عن الضم- قلنا: الحكم الأصلي في النكاح ومعظم المطلوب منه هو ملك المتعة والوطء، وما سواه تبع.
قوله: لم قلتم بأن ملك الرقبة سبب لملك المنفعة- قلنا: لأنه يلازمه في محل يقبله، والملازمة دليل السببية، وعدم الملازمة في محل غير قابل لا يمنع كونه سببًا- ألا ترى أن البيع والهبة سبب لولاية الإعتاق بواسطة ملك الرقبة في العبد والأمة، وليس بسبب له في الثوب والدابة، ولا يوجب قصورًا فيهما.
قوله: ملك المنفعة الثابت بالبيع ليس من جنس ملك المتعة/ الثابت بالنكاح –قلنا: ملك المتعة عبارة عن معنى شرعي يقتضي حل الاستمتاع والوطء، وهذا لا يختلف في ذاته باختلاف الأسباب والأحكام.
وأما لفظة الإجارة والإعارة، فممنوع على رواية الكرخي ولئن سلمنا،
стр. 90
فالجواب عنه أنها ليست بسبب لملك المتعة في موضع ما، فلا يجعل مجازًا عنه.
قوله بأن البيع والهبة يقع بهما الفرقة- قلنا: بلى، ولكن اللفظة جاز أن تعمل في إثبات الملك في حالة بطريق، وتعمل في إزالة الملك في حالة أخرى بطريق آخر، كما في ملك اليمين: فإن لفظ البيع والهبة يثبت بهما ملك اليمين وقد يزول بهما ملك اليمين، بأن قال لعبده: وهبت نفسك منك أو بعت.
قوله: السببية طريق المجاز في موضع وجود السبب- قلنا: لو فرضنا الكلام في الأمة بأن قال: وهبت أمتي على صداق كذا ونوى النكاح يندفع السؤال.
والله أعلم.
٣٩ - مسألة: نكاح الأخت في عدة الأخت عن طلاق بائن لا يجوز .
والوجه فيه- أن نكاح الأولى قائم من وجه، فلا يجوز نكاح الثانية، قياسًا على ما بعد الطلاق الرجعي.
وإنما قلنا ذلك- لأن بعض أحكام النكاح قائم، وهو المنع من الخروج والبروز هـ والتزوج بزوج آخر. وإذا كان نكاح الأولى قائم من وجه، كانت العلة قائمة من وجه، والحكم إذا ثبت بعلة لا يزول إلا بزوال تلك العلة احتياطًا.
стр. 91
فإن قيل: قولكم بأن بعض أحكام النكاح قائم، وهو المنع من الخروج والبروز والتزوج- قلنا: لا نسلم بأنها من أحكام النكاح- بيانه: وهو أن هذه الأحكام بعد الطلاق غيرها قبل الطلاق، لأن الثابت قبل الطلاق كان بحال يسقط بإسقاط الزوج، وشرع وسيلة إلى استيفاء الوطء، وبعد الطلاق لا يسقط بإسقاطه، ولا يكون وسيلة إلى الوطء، فعلم أن الثابت قبل الطلاق قد زال بالطلاق، وثبت بعد ذلك حقًا للشرع، فلا يكون حكمًا للنكاح.
ولئن سلمنا أنها أحكام النكاح، ولكن بقاء الحكم لا يدل على بقاء السبب.
ولئن سلمنا أن بقاء/ الحكم يدل على بقاء النكاح، ولكن القاطع للنكاح وهو الطلاق الثلاث يوجب انقطاع النكاح من كل وجه، لأن بقاء الشيء مع القاطع وفي غير محله، محال.
والدليل على أن النكاح ليس بقائم من وجه ولا من كل وجه، أنه لو وطئها في هذه الحالة يجب عليه الحد، فلو كان النكاح قائمًا من وجه لأورث شبهة.
الجواب:
قوله: الثابت بعد الطلاق غير الثابت قبله- قلنا: لا نسلم بل عينه، لأنه شرع لما شرع له الثابت قبله، وهو وثوق الزوج بالولد لو حصل.
قوله: الثابت بعد الطلاق ليس بحق الزوج- قلنا: ليس كذلك، بل هو حقه، وهو عين ذلك، إلا أنه لا يسقط بإسقاطه، لتعلق حق الشر عبه.
قوله: بقاء الحكم لا يدل على بقاء السبب- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن بقاء الحكم ههنا ثبت مع المنافي، فلولا السبب لما بقي الحكم عملًا بالمنافي.
قوله: القاطع للنكاح والمبطل للمحلية قد وجد- قلنا: نعم، ولكن لم يحصل الانقطاع والبطلان في الحال، بل أخر الشرع عمل الطلاق فيه إلى وقت انقضاء العدة.
стр. 92
وأما فصل وجوب الحد- قلنا: بعض المشايخ منعوا ذلك. والصحيح هو التسليم، ولكن وجوب الحد يفتقر إلى حرمة الوطء بصفة التمحض، وذلك يقف على ارتفاع النكاح في حق حل الوطء من كل وجه، والنكاح ههنا قد ارتفع في حق حل الوطء من كل وجه. أما بقي في حق أحكام أخر- على ما ذكرنا.
٤٠ - مسألة: إذا تزوج امرأة ولم يسمِّ لها مهرًا أو على أن لا مهر لها- يصح النكاح ، ويجب مهر المثل بنفس العقد، ويتأكد بالخلوة أو الدخول أو الموت. فلو طلقها قبل الدخول، تجب المتعة دون المهر.
وقال الشافعي: يصح النكاح ولا يجب المهر بنفس العقد، حتى لا يطالب به، ولا تملك المرأة حبس نفسها، ولا يورث بموتها، ولا يصير دينًا في تركة الزوج بموته، ولا يثبت لها/ حق المطالبة بالفرض في أحد قوليه. وفي أظهر قوليه يثبت لها حق المطالبة بالفرض. فإن دخل بها: يجب مهر المثل في قول، وفي قول لا يجب.
والوجه فيه- أن النكاح لم يشرع إلا معاوضة البضع بالمهر وقد انعقد، وأفاد الملك في أحد العوضين وهو البضع، فوجب أن يفيد في العوض الآخر ضرورة.
وإنما قلنا ذلك- لأن في النكاح رقًا وملكًا عليها، والحرية تنافيه، إلا أنا توافقنا على تحمل هذا النافي إذا كان العوض مالًا خطرًا، ففيما وراءه يتمسك بالدليل النافي.
فإن قيل: قولكم بأن النكاح لم يشرع إلا معاوضة- قلنا: لا نسلم بأن النكاح عقد معاوضة، بل النكاح ضم والتزويج تلفيق. ولئن سلمنا أن النكاح معاوضة، ولكن معاوضة النفس بالنفس، لا معاوضة البضع بالمهر.
стр. 93
ولئن سلمنا أن قضيته ما ذكرتم: وجوب المهر، ولكن المرأة هل تتمكن من استيفاء هذا المستحق بالعقد، أو [أنه] سقط، كما وجب، إذا رضيت بالنكاح بدون المهر- وهذا لأنها إذا رضيت بالنكاح بدون المهر صريحًا فقد رضيت بإسقاط حقها، كما إذا أسقطت: لا تتمكن من الاستيفاء- كذا هنا.
ولكن سلمنا أن ما ذكرتم يقتضي وجوب المهر، ولكن ههنا دليل آخر يأبي ذلك، وذلك:
- أنا أجمعنا على أنه لو طلقها قبل الدخول بها في صورة النزاع لا يجب نصف مهر المثل، فلو كان واجبًا بنفس العقد لوجب نصف المهر كما في المفروض.
- وكذلك لو ماتا معًا، ليس لورثة المرأة ولاية مطالبة ورثة الزوج بالمهر.
ومنها- المولى إذا زوج أمته من عبده، لا يجب المهر. فلو كان المهر ركنًا أصليًا للعقد لوجب.
ومنها- أن الذمي إذا تزوج ذمية بدون المهر لا يجب المهر.
стр. 94
الجواب: قوله: لم قلتم بأن هذا عقد معاوضة، بل هو ضم وازدواج- قلنا: لأن الحكم الأصلي لهذا العقد ملك المتعة وثبوت الانضمام بناء عليه، فيجب أن يكون مقابلًا بالمهر تحقيقًا للمعاوضة.
/قوله: إنه معاوضة النفس بالنفس- قلنا: لا نسلم. وظاهر أنه ليس كذلك، لأنه لو كان كذلك، لكان الملك لها ثابتًا في نفس الزوج، ولم يثبت بالإجماع.
قوله: لم قلتم بأنها تتمكن من الاستيفاء- قلنا: لأنه متى وجب ولم يوجد المسقط بعد الوجوب، كان بسبيل من الاستيفاء ضرورة.
قوله: بأنها رضيت بالسقوط- قلنا: لا نسلم، فإن السقوط يكون بعد الوجوب، وإنها منعت الوجوب ابتداء، وذا لا يدل على الرضا بالسقوط، لأن الوجوب ليس بحق لها، بل حق الشرع.
أما إذا طلقها قبل الدخول بها- قلنا: ع جوابان: أحدهما- أن بالطلاق قبل الدخول يعود المعقود عليه إليها سالمًا، وهذا يقتضي سقوط الكل كالمبيع. والثاني- أن نصف مهر المثل واجب ثمة، إلا أنا قدرنا ذلك بالمتعة.
فأما إذا مات الزوجان: فعند أبي يوسف ومحمد يستوفي مهر المثل. وعند أبي حنيفة لا يستوفي لوجهين: أحدهما- أن موتها غالبًاي كون بعد موت أقرانها فتعذر تقدير مهر مثلها. والثاني- أن الغالب هو الاستيفاء في حالة الحياة.
وأما إذا زوج أمته من عبده- اختلف المشايخ فيه: والصحيح أنه يجب حقًا لله ثم يسقط لعدم الفائدة في البقاء.
وأما الذمي إذا تزوج ذمية: [فـ] عندهما يجب مهر المثل. وعند أبي حنيفة: إذا اعتقدا ذلك لا يجب، لأنا أمرنا أن نتركهم وما يدينون.
стр. 95
٤١ - مسألة: الخلوة الصحيحة بحكم النكاح الصحيح توجب كمال المهر، خلافًا له .
والوجه فيه- أن المعقود عليه نفس المرأة، وقد سلمتها إلى العاقد، فوجب أن يجب العوض، قياسًا على إجارة الدار إذا سلمت ولم ينتفع بها المستأجر.
وإنما قلنا إن المعقود عليه نفس المرأة- لأن النكاح معاوضة البضع بالمهر، لأن الدليل يأبى الملك عليها بالعوض، وقد ورد العقد على نفس المرأة، بدليل أنه أضاف العقد إلى نفسها في قوله/ "تزوجتها".
وإما قلنا- إنها سلمتها إلى العاقد، لأن التسليم تفعيل من السلامة، والتمكين تفعيل من المكنة، وذلك بتقرب المحل وإزالة الموانع.
стр. 96
فإن قيل: قوله بأن المعقود عليه نفس المرأة –قلنا: لا نسلم، بل المعقود عليه منافع البضع المستوفاة في جميع العمر، ولا يمكن تسليمها في حالة واحدة. وهذا لأن المعقود عليه لو كان نفس المرأة لخلا الوطء الثاني والثالث عن الملك وعن العوض أصلًا، وذلك لا يجوز.
ولئن سلمنا أن المعقود عليه نفس المرأة، ولكن لم قلتم إنها سلمتها إلى العاقد. وهذا لأن قيام يد العاقد على المعقود عليه يمنع التسليم، ويد العاقد ههنا قائمة، لأن نفس المرأة ومنافع بضعها في يدها حقيقة، ولا يتحقق التسليم والقبض إلا بعد وجود الوطء حقيقة. وصار هذا كما إذا باع دابة هو راكبها أو ثوبًا هو لابسه: لا يتحقق التسليم بدون النزول والنزع- كذا ههنا.
ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وإن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾.
الجواب:
قوله بأن المعقود عليه منافع البضع –قلنا: لا نسلم، وهذا لأن المنافع في باب النكاح لم تملك مقصودة بالعقد، بل تبعًا وضرورة لملك النفس، كملك الانتفاع في باب البيع، بدليل أن العقد يضاف إلى الذات دون المنافع.
قوله: المعقود عليه لو كان نفس المرأة لخلا الوطئان عن العوض- قلنا: أجمعنا على أن قبض النفس حقيقة في حق الوطء مرة واحدة، قائم مقام جميع الوطئات في حق تأكيد المهر. كذلك تسليم النفس نظرًا للمرأة.
وأما قيام يد العاقد- قلنا: قيام يد العاقد لا يمنع التسليم لذاته، بل لأنه يعجز الآخذ عن القبض والانتفاع، كما في الدابة والثوب، وههنا قيام يد المرأة على نفسها لا يعجز عن الوطء عند ارتفاع الموانع، فافترقا من هذا/ الوجه.
стр. 97
وأما ما تلا من النص- قلنا: حقيقة المس ليس بمراد بالإجماع، لأنه لو وجد المس بدون الخلوة لا يتأكد المهر، فكان المراد هو المجاز، واسم المس كما يجوز جعله مجازًا عن الوطء، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، يجوز جعله مجازًا عن الخلوة بهذا الطريق.
والله أعلم.
стр. 98
[٥]
كتاب الطلاق
٤٢ - مسألة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: الزوج الثاني يهدم الطلقة والطلقتين وهو قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر .
وقال زفر والشافعي: لا يهدم. وهو مذهب عمر وعلي وأبي بن كعب وعمران بن الحُصين.
والمراد بقولنا يهدم الطلقة والطلقتين- أن المرأة بعده تصير بحالة لا تحرم حرمة غليظة إلا بالطلقات الثلاث.
والمراد بقولهم: لا يهدم- أنها تصير بحالة تحرم حرمة غ ليظة بما بقي من الطلقات الثلاث.
لنا: أن الزوج الثاني مثبت للحل، فتصير المرأة بعده بحالة لا تحرم حرمة غليظة إلا بالطلقات الثلاث، قياسًا على ما إذا وجد الزوج الثاني بعد الثلاث.
وإنما قلنا إن الزوج الثاني مثبت للحل، لأن النبي ﷺ سمى الزوج الثاني محللًا، بقوله ﵇: "لعن الله المحلل والمحلل له". ولا يثبت إثبات الحل المطلق
стр. 99
في المحل إلا بارتفاع ما بقي من الحل، لأن إثبات الحل في محل حلال لا يتحقق، فيرتفع ما بقي من الحل في المحل ويثبت حل آخر بصفة الكمال، والحل الثاني بصفة الكمال لا يرتفع إلا بالطلقات الثلاث.
فإن قيل: قولكم بأن الزوج الثاني مثبت للحل- قلنا: لا نسلم.
قوله: بأن النبي ﷺ سماه محللًا- قلنا: لا نسلم.
وأما الحديث- قلنا: لا نسلم بأن المراد منه الزوج الثاني.
والدليل على أن المراد منه ليس الزوج الثاني أنه ألحق اللعن به، والزوج الثاني ههنا لا يستحق اللعن.
ولئن سلمنا أن المراد من الحديث الزوج الثاني- لكن قبل الثلاث أو بعد الثلاث؟ ع م-. ولكن المراد هو الزوج الثاني بعد/ الثلاث لوجهين: أحدهما- اللعن. والثاني- أن الزوج الثاني في العرف يطلق على الزوج الثاني بعد الثلاث.
ولئن سلمنا أن المراد من الحديث الزوج الثاني مطلقًا- ولكن النبي ﷺ ألحق اللعن بالزوج الثاني بال حلل لا بمطلق الزوج الثاني- فلم قلتم بأن الزوج الثاني قبل الثلاث محلل حتى يتناوله الحديث؟
ولئن سلمنا أن الزوج الثاني مثبت للحل- ولكن إنما يثبت مقتضيًا إذا أمكن- فلم قلتم بأنه أمكن؟ بيانه- أن الحل إنما يثبت في محل حال عن الحل، والحل ههنا ثابت
стр. 100
الدور، لأن الحل القائم لا يرتفع إلا بثبوت حل آخر، ولا يثبت حل آخر إلا بعد ارتفاع ما بقي من الحل، فيؤدي إلى الدور، فيكون باطلًا.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن المراد من المحلل في الحديث الزوج الثاني- قلنا: لأن أهل الحديث أوردوه في باب الزوج الثاني.
قوله: المثبت للحل لا يستحقاللعن- قلنا: لا يستحق اللعن من حيث إنه مثبت للحل، ولكن قد يستحق اللعن من وجه آخر، وهو أن يقصد بالتزوج غير ما وضع له التزوج، وهو الإحلال على الزوج الأول.
قوله: المراد من الزوج الثاني قبل الثلاث أو بعد الثلاث؟ قلنا: المراد الزوج الثاني مطلقًا، لأنهم أوردوه في باب الزوج الثاني مطلقًا.
قوله: المستحق للعن هو الزوج الثاني بعد الثلاث- قلنا: لا لأنه بعد الثلاث، لكن لأنه قصد الإحلال على الأول، والزوج الثاني قبل الثلاث إذا قصد ذلك يستحق اللعن أيضًا.
قوله: المحلل في العرف هو الزوج الثاني بعد الثلاث- قلنا: ليس كذلك، لأن المحلل في العرف من يحلل قصدًا ويقصد بالنكاح الإحلال على الأول، لا المقاصد المطلوبة، إلا أن القصد إلا ذلك يكون بعد الثلاث غالبًا، بدليل أن الزوج الثاني بعد الثلاث إذ تزوجها لا على قصد منهما للإحلال وللرجوع/ إلى الأول، لا يسمى محللًا.
قوله: الحديث ألحق اللعن بالزوج الثاني المحلل- فلم قلتم بأنه محلل؟ قلنا: هذا تلبيس ومغالطة، لأنا لا نعني بقولنا المراد من الحديث الزوج الثاني أنه أطلق
стр. 101
اسم المحلل على الزوج الثاني بطريق إقامة اللفظ مقام اللفظ، لكنا نعني به وصف الزوج بأنه محلل، فألحق اللعن به، فصار كأنه قال: لعن الله المحلل، والمحلل الزوج الثاني.
قوله: يتعلق كل واحد منهما بالآخر فيؤدي إلى الدور -قلنا: لا نسلم. وبيانه- أنا لا نقول بارتفاع ما بقي من الحل حكمًا لثبوت حل آخر حتى يؤدي إلى الدور، ولكنا نقول: بأن ارتفاع الحل من المحل يقف على تصور ثبوت الحل، وتصور ثبوت الحل قائم بواسطة ارتفاع ما بقي من الحل
والله أعلم.
٤٣ - مسألة: إذا قال لها: أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك ونوى الثلاث أو الثنتين- لا تصح نيته، وتقع واحدة رجعية .
والوجه فيه- أنه لو صحت نيته الثلاث لا يخلو: إما أن تصح في الملفوظ أو في غير الملفوظ: لا وجه للثاني، لأن الطلاق لا يقع بمجرد النية بدون اللفظ. ولا وجه للأول، لأن الملفوظ لا يحتمل الثلاث، لأن قوله "أنت طالق" وصف لها بالانطلاق، وهو نعت فرد والفرد ضد الثلاث، والشيء لا يحتمل ما يضاده.
فإن قيل: قولكم بأنه نعت فرد فلا يحتمل الثلاث- قلنا: لغة وشرعًا أم هو نعت لغة إنشاء شرعًا؟ ع م. بيانه- أن هذا اللفظ إخبار لغة ولكنه إنشاء شرعًا، والإنشاء يحتمل العدد- دل عليه أن الثلاث عدد من حيث هي ثلاث، فرد من حيث الجنس، والجنس فرد بالإضافة إلى الأجناس. والدليل على أنه تصح نية الثلاث، أنه يصح تفسيره به، بأن يقول "أنت طالق" والشيء لا يفسر بما لا يحتمله.
стр. 102
ولئن سلمنا أنه لا يحتمله من حيث هو جنس، ولكن لم قلتم بأنه لا يحتمله من وجه آخر؟ بيانه أن قوله "طالق" ينبئ عن الانطلاق، والانطلاق حسًا وشرعًا متنوع، فيقبله من حيث النوع، وصار كما إذا قال: "أنت بائن" ونوى الثلاث/، فإنه يصح- كذا هنا. وصار أيضًا كما إذا قال: "أنت طلق للسنة" ونوى الثلاث: تصح نيته، أو قال: "طلقي نفسك" ونوى الثلاث تصح نيته، وإن كان ما ذكرتم موجودًا- كذا ههنا.
الجواب:
قوله: هذا نعت وإخبار لغة وشرعًا، أو نعت لغة وإنشاء شرعًا؟ قلنا: عنه جوابان:
أحدهما- أنه نعت لغة وشرعًا، لأن الأصل تقرير الأحكام على موضوع اللغة.
والثاني- أنه إنشاء شرعًا، ولكن هذا لا يصير الطلاق مذكورًا شرعًا، لأن المعني من كونه إنشاء وقوع الانطلاق من القيد الشرعي، وذلك لا يحتمل العدد.
قوله بأن فرد من حيث الجنس- قلنا: لا نسلم بأن الثلاث جنس أو هو جنس، ولكنه عدد في ذاته، فلا يحتمله نعت الفرد.
قوله: يصح تفسيره بالثلاث- قلنا: لا نسلم.
وقوله: "أنت طالق ثلاثًا- معناه أنت طالق طلاقًا ثالثًا.
قوله: لم لا يحتمله من حيث النوع؟ قلنا: لأن الانطلاق الشرعي والحسي لا يتنوع، لأنه لا يتفاوت من حيث كونه منطلقًا، بخلاف قوله: "أنت بائن" لأن البينونة متنوعة: بعيدة وقريبة. وبخلاف "أنت طالق للسنة" لأن الانطلاق لا يوصف بكونه سنيًا أو بدعيًا، فكان وصفًا لقول يوصف بذلك، وهو التطليق، فصار
стр. 103
الطلاق مدلول اللفظ. وبخلاف قوله "طلقي نفسك" لأنه دلالة على الانطلاق وصفًا، لأنه مختصر عن قوله: افعلي فعل الطلاق.
٤٤ - مسألة: إضافة الطلاق إلى البد أو إلى جزء معين لا يعبر به عن جميع البدن، لا يصح. وعنده يصح .
وعلى هذا الخلاف: العتاق والإيلاء والظهار والعفو عن القصاص.
وأجمعوا على أن إضافة الطلاق إلى الجزء الشائع كالثلث والربع، يجوز.
وأجمعوا على أن إضافة الطلاق إلى الوجه والفرج والرأس، يصح.
وفي الظهر والبطن اختلاف المشايخ.
والوجه/ فيه- أن حكم الطلاق لو ثبت في البدن لا يخلو: إما أن يثبت ابتداء، أو بناء على ثبوته في البدن. لا وجه للأول، لأنه ما أضاف الطلاق إلى البدن. ولا وجه للثاني، لن الحكم المختص بالطلاق ثبوت الانطلاق وزوال القيد، لأن الطلاق ينبئ عنه لغة، واليد ليس بمحل لقيد النكاح، ولهذا لا يصلح إضافة النكاح إلى اليد بالإجماع.
فإن قيل: قولكم بأن حكم الطلاق لو ثبت في البدن لا يخلو: إما أن يثبت ابتداء أو بناء- قلنا: لم قلتم بأنه لا يثبت ابتداء؟ .
قوله: ما أضاف الطلاق إلى البدن- قلنا: صريحًا أم دلالة؟ م ع- وهذا لأن قوله: "يدك طالق" يدل على إرادة ثبوت الطلاق في اليد، ولا تصور له إلا بالطلاق في البدن، فصار كما لو أضاف إلى الجزء الشائع.
ولئن سلمنا أنه لا يثبت الطلاق في البدن ابتداء -لم قلتم بأنه لا يثبت بناء؟ .
стр. 104
قوله بأن اليد ليست محل الطلاق- قلنا: لا نسلم.
قوله بأن حكم الطلاق زوال القيد- قلنا: كل حكم الطلاق أم بعضه؟ ع م. وهذا لأن زوال القيد كما هو حكم الطلاق، فزوال حل الاستمتاع أيضًا حكم الطلاق، واليد محل لحل الاستمتاع، فكانت محلًا لحكم النكاح من هذا الوجه.
ولئن سلمنا أن هذا كل حكم الطلاق، ولكن اليد ليست بمقيدة بانفرادها أو ليست من جملة المقيدة؟ م والثاني ع. وهذا لأن اليد وإن كانت لا توصف بالقيد، ولكنها من جملة البدن الموصوف بالقيد، فيصح كما في الجزء الشائع.
ولئن سلمنا أن اليد غير مقيدة، ولكن لم قلتم بأنها ليست بمحل للنكاح، وظاهر أنها محل للنكاح، لأنها محل لبعض أحكام النكاح.
ولئن سلمنا أن اليد غير مقيدة، ولكن لم قلتم بأنها ليست بمحل للنكاح، وظاهر، أنها محل للنكاح، لأنها محل لبعض أحكام النكاح.
ولئن سلمنا أنه لا يصح إضافة الطلاق إلى اليد حقيقة، ولكن لم قلتم بأنه لا يحق مجازًا؟ وهذا لأن اليد جاز أن تذكر ويراد بها البدن، كما في قوله تعالى .. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ... وقوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى ترد" والمراد البدن.
الجواب:
قوله: إنه أراد ثبوت حكم الطلاق في اليد، ولا يثبت إلا بثبوته في البدن- قلنا: هذا إشارة إلى الوجه الثاني، وقد بينا أنه لا يمكن ذلك.
стр. 105
وأما الجزء الشائع- قلنا: لا نسلم ثبوت حكم الطلاق في البدن بالإضافة إليه ابتداء، بل بناء، لأنه لا يتصور وجود البدن بدون الجزء الشائع.
قوله: زوال القيد كل حكم الطلاق أم بعضه؟ قلنا: كل الحكم الأصلي للطلاق، والاعتبار للحكم الأصلي المقصود.
قوله: اليد ليست بمقيدة بانفرادها أم ليست من جملة المقيدة؟ قلنا: ليست بمقيدة ولا من جملة المقيدة، لأنه لا يتعلق الطلاق ولا النكاح باليد، بدليل أنه يجوز نكاح مقطوعة اليد بخلاف الجزء الشائع، فإنه لا نكاح بدونه.
قوله: بأن البد محل بعض أحكام النكاح- قلنا: الجواب عنه ما ذكرنا.
وأما قوله: اليد يعبر بها عن البدن مجازًا- قلنا: لا نسلم بأنه يصلح لذلك مجازًا.
وأما قوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فهذا إضافة الكسب إلى اليد حقيقة، لأنها آلة الكسب، كما يقال: سيف قاطع.
وقوله ﵇: "على اليد ما أخذت" أضاف الأخذ والرد إلى اليد بطريق الحقيقة، لا بطريق المجاز.
ولئن سلمنا جواز المجاز، ولكن إنما يستعمل بالنية والإرادة، ونحن نقول: بأنه إذا ذكر اليد وأراد به البدن يصح، ولكن الكلام فيما إذا لم يرد.
والله أعلم.
стр. 106
٤٥ - مسألة: التنجيز يبطل التعليق .
وصورة المسألة: إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا- فطلقها قبل دخول الدار ثم تزوجت بزوج آخر وعادت إليه ودلت الدار لا يقع الطلاق.
والوجه فيه- أنه لا يلتزم بتصرفه طلاقًا يبطل حلًا سيحدث، / فلا يقع.
وإنما قلنا ذلك- لأنه إنما التزم بتصرفه طلاقًا يمنعه عن تحصيل الشرط أو يحمله على تحصيله، والمنع لا يحصل بطلاق يبطل حلًا سيحدث.
وإنما قلنا: إنه التزم بتصرفه طلاقًا يمنع عن الشرط، لأن غرضه في قوله: إن شربت فامرأتي طالق- منع النفس عن الشرب، لأنه لولا هذا الغرض لما أقدم على اليمين بالطلاق لحرمته، والطلاق الذي يبطل حلا سيحدث لا يمنعه، لأن المنع إنما يحصل بالخوف، والخوف إنما يكون ببطلان نعمة يغلب وجودها أو يحتمل وجودها، لا يبطلان نعمة نادر وجودها، والحل الذي سيحدث نادر الوجود، لأن ذلك يبتني على الطلقات والعدد وعلى التزويج بزوج آخر وعلى طلاق ذلك الزوج والعود إليه، وكل هذه المقدمات نادر [ة] الوجود.
فإن قيل: قولكم بأنه التزم طلاقًا يمنعه عن تحصيل الشرط أو لا يمنعه- قلنا: لا نسلم بل هو مطلق، لإطلاق اللفظ، فلا يجوز تقييده.
قوله: دل الدليل على التقييد- قلنا: لا نسلم.
قوله: لولا ذلك لما أقدم على اليمين- قلنا: لا نسلم بأن هذا يمين، بل هو تطليق عند الشرط. ولئن سلمنا أنه يمين، ولكن لم قلتم إن المنع لا يحصل بطلاق يبطل حلًا سيحدث؟
стр. 107
قوله: بأن المنع يحصل بالخوف عن زوال نعمة بغلب وجودها- قلنا: لا نسلم أن غلبة الوجود شرط، وهذا لأن المنع كما يحصل بنزول المكروه غالبًا وظاهرًا، يحصل بنزول المكروه على سبيل الاحتمال، لأن الإنسان كما يمتنع عن الضرر الغالب، يمتنع عن الضرر المحتمل- دلت عليه أنه لو أبانها ثم تزوجها ودخلت الدار يقع.
ولئن سلمنا أن غرضه الامتناع عن مطلق الضرر، ولكن في الحال فقط أم في الحال وثاني الحال؟ ع م. وهذا لأن الامتناع في الحال كما يصلح غرضًا، فكذلك الامتناع في الحال وثاني الحال يصلح غرضًا/.
ولئن سلمنا أن الغرض هو المنع مطلقًا، ولكن لم قلتم بأن الطلاق الذي يبطل حلًا سيحدث، لا يصلح مانعًا؟ .
والدليل على أنه يصلح مانعًا أنه لو قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت على [كـ] ظهر أمي" فطلقها ثلاثًا ثم تزوجت بزوج آخر وعادت إلى الأول ودخلت الدار، يلزمه الظهار.
ولئن سلمنا أنه لم يلتزم طلاقًا يبطل حلًا سيحدث، ولكن لم قلتم بأن هذا الحل غير ذلك الحل، بل هو عينة- لأنا أجمعنا على أنها لو ارتدت ثم عادت إليه بعد الإسلام تبقى اليمين وينزل الجزاء وإن بطل حل المحلية بالردة؟ .
الجواب:
قوله: بأنه مطلق لإطلاق اللفظ- قلنا: بلى، ولكن مطلق الكلام يجوز تقييده بدلالة الغرض. كما إذا اشترى عبدًا مطلقًا، ينصرف إلى المسلم.
قوله: لم قلتم بأنه يمين؟ - قلنا: لأن تعليق الطلاق يسمى يمينًا عرفًا وشرعًا.
стр. 108
قوله: لم قلتم بأن المنع لا يحصل بطلاق يبطل حلا سيحدث؟ قلنا: لما ذكرنا أن الإنسان لا يخاف زوال نعمة لا يغلب وجودها.
قوله: لم قلتم بأن الغلبة شرط؟ قلنا: لأن المانع إنما يمنعه إذا كان غالب الوجود.
وأما إذا أبانها- قلنا: لأن نزول الجزاء ليس بنادر الوجود ثمة. أما ههنا بخلافه.
قوله: غرضه الامتناع عن الضرر في الحال فقط أم في الحال وثاني الحال؟ - قلنا: غرضه المنع مطلقًا من غير تعرض للزمان، وهذا الغرض يحصل بطلاق يبطل حلا قائمًا للحال، لأن الحال القائم للحال، الظاهر دوامه إلى وقت وجود الشرط.
وأما مسألة الظهار فممنوع على رواية أبي طاهر الدباس عن أصحابنا: أنه لا [يلزمه] الظهار.
قوله: لم قلتم بأن الحل الذي يوجد بعد الزوج الثاني غير ذلك الحل- قلنا: لأن الزوج الثاني مثبت للحل ابتداء على ما مر في مسألة الهدم.
стр. 109
وأما إذا ارتدت المرأة/ قلنا: بالردة لا يزول حل المحلية، حتى لو اشترى أمة مرتدة ودخل بها لا يسقط إحصانه في القذف، ولو زال لسقط إحصانه، كما في الأمة المنكوحة إذا طلقها اثنتين ثم اشتراها ووطئها.
٤٦ - مسألة: إرسال الطلقات الثلاث جملة حرام .
والوجه- أن إرسال الطلقات الثلاث جملة إيقاع الطلاق من غير حاجة، فوجب أن يكون حرامًا، قياسًا على الطلاق في حالة الحيض.
وإنما قلنا ذلك- لأنا نعني بهذه الحاجة الخلاص عن عدة النكاح، وهذه الحاجة تندفع بالطلقة الواحدة، فإبقاع الثانية والثالثة يكون إبقاعًا من غير حاجة، فيكون حرامًا، لأن الدليل يقتضي حرمة الطلقات الثلاث جملة لما فيه من سد باب التدارك والوصول إليها بطريق الحلال، وربما يميل طبعه إليها على وجه لا يمكنه الصبر عنها، فيقع في الحرام، وما هذا حاله فهو حرام.
فإن قيل: قولكم الدليل يقتضي حرمة الطلقات الثلاث لما فيه من سد باب التدارك- قلنا: لا نسلم، وهذا لأن إمكان الوصول إليها بالحلال قائم، بأن تتزوج بزوج آخر ثم تعود إليه بالنكاح.
ولئن سلمنا أنه لا يمكن الوصول إليها بطريق الحلال، ولكن لم قلتم بأنه يقع في الحرام، وظاهر أنه لا يقع، لأن العقل والدين يمنعانه عن ذلك. وكذلك الإقدام على إرسال الطلقات الثلاث جملة دليل نفر الطبع عنها بأبلغ الوجوه، فلا يقدم على الحرام.
стр. 110
ولئن سلمنا أن احتمال هذا الضرر قائم- ولكن لم قلتم بأنه يوجب تحريم إرسال اثلاث؟ وهذا لأنه ليس يجب على الشرع أن يدفع الضرر عن العبد بدون اختياره بل يجعله بسبيل من اختيار الضرر والاحتراز عنه.
ولئن سلمنا أن ما ذكرتم يقتضي تحريم الإرسال/ ولكن ههنا دليل يأبى ذلك، وذلك لأنها أجمعنا على أن إيقاع الثلاث مباح، وإن كان فيه جميع ما ذكرتم. وكذلك أجمعنا على أن الطلقات الثلاث مملوكة للزوج، بدليل أنه لو أوقع يقعن، والملك لا يشرع إلا لإطلاق الاستبقاء شرعًا، ولأن الإقدام دليل الحاجة إلى سد باب الوصول إليها، لاحتمال أن يكون في نكاحها مفسدة ومضرة، وربما لا يمكنه الامتناع عنها ويحتاج إلى سد باب التدارك في الحال، دفعًا لهذه الحاجة.
الجواب:
قوله: إمكان الوصول إليها بالحلال ممكن- قلنا: لا نسلم. وهذا لأن الوصول موقوف على مقدمات كثيرة نادرة، والنادر ملحق بالعدم.
ولئن سلمنا إمكان الوصول ولكن بعد زمان طويل، يعرى عن احتمال ما ذكرنا من الضرر.
وأما قوله بأن العقل والدين يمنعانه- قلنا: بلى، ولكن ذاك لا يمنع احتمال الوقوع على ضرر الزنا، لمكان الهوى بالطبع.
следующие страницы →