← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 133415

طريقة الخلاف في الفقه بين الأئمة الأسلاف

العلاء الأسمندي

Полный текст (509 стр.). Показаны 491–509 · переход к 496.

стр. 491

ولكن القول بعدم وجوب القصاص سد لباب القصاص وفتح باب الظلم والعدوان ولأنهم أسقطوا عصمة المشهود عليه، فوجب أن تسقط عصمتهم تحقيقاً للمماثلة الجواب: قوله بأن فعل الشهود قتل معنى وتسبباً - قلنا عنه جوابان: أحدهما - لا نسلم/ بأنه قتل تسبباً، لأن القتل تسبباً ما يفضي إلى زهوق الروح غالباً كإلجاء المكره، وهنا لا يفضي غالباً، لأن القاضي غير مضطر في ذلك، وكذلك الولي لأن العفو مندوب، ووجوب الدية لا يختص بالقتل، بدليل أنه يجب الدية بقطع اليدين أو اللسان أو المارن وغيرها، والثاني - إن كان الموجود منه قتلاً تسبيباً، ولكن يماثله القتل بطريق المباشرة، على ما ذكرنا. والجواب عن اعتراضات المماثلة، ما مر في المسألة المتقدمة. قوله: يؤدي إلى فتح باب الظلم - قلنا: لا نسلم، وهذا لأنه لا يغلب وجود القتل بهذا الطريق، بل هو نادر جداً، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم. قوله: بأنهم أسقطوا عصمة المشهود عليه - قلنا: فعل الشهود أوجب سقوط العصمة بالوسائط، وقتلهم يوجب سقوط عصمتهم من غير واسطة اختيار القاضي. والله أعلم. ١٩٧ - مسألة: الجمل أو الصبي أو المجنون إذا صايل على إنسان فقتله المصول عليه: يضمن. وعنده: لا يضمن .

стр. 492

والوجه فيه - أنه أتلف مالاً متقوماً معصوماً حقاً لمالكه، فيجب عليه الضمان، قياساً على ما إذا أتلف قبل الصيال. وإنما قلنا ذلك - لأن المال هو المحل المعد لإقامة مصلحة الآدمي حقيقةً وشرعاً، وقد وجد. وأما كونه متقوماً معصوماً - فلما مر في مسألة إتلاف خمر الذمي. فلو سقطت العصمة إنما تسقط بجناية المالك ولم توجد، لأن الكلام فيه والتأثير ما مر في مسألة إتلاف خمر الذمي. فإن قيل: قولكم بأنه أتلق - قلنا: لا نسلم، وهذا لأن الإتلاف فعل يضاف إليه التلف - فلم قلتم بأن تلف الدابة يضاف إلى فعله. بيانه - أن التلف إنما يضاف/ إلى فعله إذا كان باختياره وهو مسلوب الاختيار من جهة غيره، لأنه مضطر في الدفع، فكان كالمكره، فكان كالآلة، فلا يكون متلفاً، فلا يجب عليه الضمان. وإذا سلمنا أنه أتلف - ولكن لم قلتم بأنه مال؟ قوله: المال هو المعد لإقامة المصالح - قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأن الجمل في هذه الحالة بقى مالاً على هذا التفسير، وهذا لأن الصيال يخرجه عن الانتفاع به والرغبة فيه، فلا يكون مالاً في هذه الحالة. ولئن سلمنا أنه مال، لكن لم قلتم بأنه معصوم، وظاهر أنه غير معصوم، لأنه لا يحرم تعرضه في هذه الحالة بالإجماع. ولئن سلمنا عصمة الصائل، ولكنها معارضة بعصمة المصول عليه ولا يجتمعان. ولئن سلمنا الأوصاف، لكن لم يجب الضمان؟

стр. 493

قوله: دفعاً لضرر المالك - قلنا: إنما يجب الضمان دفعاً لضرر الإتلاف إذا كان بغير رضا المالك. أما إذا كان برضا المالك، فلا يجب الضمان، وههنا الإتلاف برضا المالك، ولأن الظاهر من حال المسلم أن لا يرضى بهلاك المصول عليه، ولأنه مأذون من جهة الشرع في الإتلاف لتعيينه مدفعاً، فلا يجب الضمان، فصار كالحر إذا صال على إنسان، والعبد وصيد الحرم، فإنه يجب الضمان في هذه الصور، لما ذكرنا - كذا هنا. والله أعلم. الجواب: قوله: لم قلتم بأن تلف الدابة مضاف إلى فعله؟ - قلنا: لأنه ملازم لفعله، فيضاف إليه. قوله: إنما يضاف إليه إذا كان باختياره، وهو مسلوب الاختيار - قلنا: هو باختياره، لأنه قتلها بقصده واختياره، لقيام الداعي إليه، وهو صيانة نفسه. وأما المكره - قلنا: المكره يصلح آلة للمكره حقيقة/ أما المصول عليه، [فـ] لا يصلح آلة للدابة، في قتل تفسه. قوله: لم قتلم بأن الدابة في هذه الحالة بقيت مالاً -قلنا: لأنها صالحة للمصالح والصيال غير مانع لها، لأنه لا يدوم - دل عليه أنه لو قتله غير المصول عليه في هذه الحالة يضمن. وبه خرج الجواب عن سؤال العصمة. وأما المعارضة بعصمة المصول - قلنا: نحن علمنا بهما جميعاً، فقلنا برخصة الإتلاف دفعاً للهلاك عن المصول عليه رعاية لعصمته، وقلنا: يكون الإتلاف مقابلاً بالضمان رعاية لعصمة الدابة وحق المالك.

стр. 494

قوله: الإتلاف حصل برضا المالك، فلا يوجب الضمان - قلنا: لا نسلم بأنه وجد رضا المالك بل الظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بتلف ماله - غاية ما في الباب أنه مأذون شرعاً فيرضى به، ولكن الشرع أثبت رخصة الإتلاف بشرط الضمان، فالمالك يرضى على هذا الوجه. قوله: بأنه مأذون من جهة الشرع - قلنا: ولكن بشرط الضمان، رعاية للجانبين. واعتباراً للعصمتين، فيجب الضمان، كتناول مال الغير عند المخمصة: يجوز بشرط الضمان - كذا هذا. وأما الحر: إذا صال على إنسان، فقتله المصول عليه، إنما لا يضمن، لأن عصمته سقطت بالصيال، والصيال جناية منه. وكذلك العبد: سقطت عصمته. وأما صيد الحرم: فلأن عصمته إنما تثبت بالشرع لحرمته أو لحرمة الحرم. ولكن إنما أثبتها الشرع مؤقتاً إلى غاية الأذى من جهته، فلا يبقى معصوماً - أما ههنا بخلافه. ١٩٨ - مسألة: المسلم يقتل بالذمي قصاصاً، خلافاً له . والوجه- أن هذا قتل آدمي معصوم على جهة التعمد، فيكون سبباً لوجوب القصاص/ قياساً على قتل المسلم بالمسلم. وإنما قلنا ذلك - لأن دليل العصمة ثابت، وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ -إلى قوله- حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾: أثبت إباحة القتل ممدوداً إلى غاية قبول

стр. 495

الجزية، والحكم الممدود إلى غاية تنتهي بوجود تلك الغاية، فتنتهي الإباحة، فتثبت العصمة، فتكون سبباً لوجوب القصاص، بالنصوص. فإن قيل: تعليلكم باطل بالنصوص: منها - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. ولو قتل المسلم بالذمي، كالذمي بالمسلم، لثبت المساواة. ومنها - قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وفي إيجاب القصاص إثبات السبيل. ومنها - قوله ﵇: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" قولكم بأنه قتل آدمي معصوم - قلنا: لا نسلم بأن الذمي معصوم. وأما الآية - قلنا: انتهاء الغاية يوجب انتهاء الحكم الممدود إلى الغاية - فلم قلتم بأن الحكم الممدود إلى غاية قبول الجزية إباحة القتل، بل الحكم إيجاب القتل، لأنه أمر بالقتال، فإذا وجد قبول الجزية ينتهي وجوب القتل، أما لا تنتهي إباحة القتل. ثم الدليل على انتفاء العصمة قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى غيرها من النصوص. ولئن سلمنا أن الذمي معصوم، لكن مثل عصمة المسلم أم دونها؟ ع م - وهذا

стр. 496

لأن عصمة المسلم ثابتة بالإسلام، وعصمة الذمي ثابتة بعقد الذمة، فكان دونه، فلا يجب القصاص. لكن القصاص يقتضي المساواة بينهما: أما من حيث العصمة فلما ذكرنا. ومن حيث الشرف والفضيلة أيضاً. فصار كالمستأمن، فأنا أجمعنا على أن المسلم لا يقتل بالمستأمن/ وإن كان معصوماً، للتفاوت بين العصمتين - كذلك ههنا. الجواب: أما نصوص القرآن -[فـ] قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي. . . الآية﴾ - قلنا: وجوب القصاص لا يوجب المساواة بينهما، بدليل أن الله تعالى نفى المساواة بين العالم والجاهل بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ. . . الآية﴾، ومع هذا يقتل العالم بالجاهل، ولأنا أجمعنا على أن المساواة ثابتة بين المسلم والذمي في قتل الخطأ في حق حكم الدية، فعلم أن المراد نفي المساواة في حق أحكام الآخرة. وأما الحديث - قالوا: المراد منه الحربي أو هو عام خص منه البعض - لأنا أجمعنا على أن الذمي إذا قتل الذمي ثم أسلم، يقتل به، فيخص المتنازع فيه بما ذكرنا. على أن هذه النصوص: معارضة بما روى أن رسول الله ﷺ أقاد مسلماً يهودياً، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته".

стр. 497

ومعارضة بقوله: إذا قبلوا عقد الذمة فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. قوله: لم قلتم بأن الذمي معصوم - قلنا: لما تلونا من النص. قوله: لم قلتم بأن الحكم الممدود إلى غاية قبول الجزية إباحة القتل، بل وجوب القتل - قلنا: عنه جوابان: أحدهما - أن هذا الأمر يقتضي الإباحة دون الوجوب، لأن قتل جميع الكفرة غير ممكن. والثاني - أن قتلهم لم يكن مباحاً بل واجباً. فإذا انتهى الوجوب، لم تثبت الإباحة. على أن الإباحة ثابتة في ضمن الوجوب، فإذا انتهى الوجوب تنتهي الإباحة ضرورة. قوله: ههنا دليل العصمة ثابت - قلنا لا نسلم. وأما قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ - قلنا عام خص منه قتل الذمي بالإجماع، فإنه يحرم قتلهم بالإجماع. قوله: عصمة الذمي مثل عصمة المسلم أم دونها؟ قلنا: مثلها، لأن سبب العصمة الدار، ودليل العصمة التكليف. قوله: عصمة المسلم ثابتة بالإسلام - قلنا: لا نسلم أن الثابت بالإسلام فوق الثابت بعصمة الذمة. قوله: القصاص يقتضي التساوي، ولا مساواة بينهما - قلنا: القصاص يقتضي التساوي بين القتلين في وصف العصمة والحرمة الراجعة إلى الآدمية والحياة، وفضيلة الإسلام فصل فيما يرجع إلى العصمة، فصار كشرف العلم والجمال والصلاح والذكورة والعقل والبلوغ، فإن التفاوت فيها لا يمنع القصاص.

стр. 498

وأما المستامن - فلأن كفره باعث على الحراب، وهو قاصد اللحوق بدار الحرب وتوجيه الشر إلينا - أما ههنا بخلافه. والله أعلم. ١٩٩ - مسألة: الحر يقتل بالعبد قصاصاً. وعنده: لا يقتل . والوجه فيه - أن هذا قتل آدمي معصوم على جهة التعمد: فيكون سبباً لوجوب القصاص، قياساً على قتل الحر بالحر. وبيان الوصف والتأثير ما ذكرنا في المسألة المتقدمة. فإن قيل: قولكم إن هذا قتل آدمي معصوم - قلنا: هذا قتل آدمي من كل وجه، أو قتل آدمي من وجه، مال من وجه؟ ع م. وهذا لأن العبد مبتذل [وهو] محل لتصرف الغير، معرض للبيع والشراء كالبهائم، فلا يجب القصاص، لأن القصاص أمر يختص بالآدمي إظهاراً لخطره. ولئن سلمنا أنه آدمي، ولكن لم قلتم بأنه معصوم أو كان معصوماً، ولكن عصمته تثبت لحق المالك، فصار كعصمة البهائم، فلا يوجب القصاص. ولئن سلمنا أنه آدمي معصوم، ولكن لم قلتم بأنه يجب القصاص؟ وهذا لأن الداعي إلى إيجاب القصاص الزجر أو الجبر، وذلك يبتني على قصد الأولياء والمعاداة وطلب التشفي، وذلك منتف ههنا - دل عليه أن القصاص لا يتجزأ بين أطراف العبيد وأطراف الحر، بالإجماع.

стр. 499

ولئن سلمنا أنه وجد الداعي إلى إيجاب القصاص، ولكن إنما يجب إذا أمكن، وإنه لا يمكن استيفاء القصاص لاشتباه الولي، لكن المولى لا يصلح ولياً، لأن الدم حق العبد لا حق المولى، فصار كالمكاتب إذا قتله حر عمداً: لا يجب على الحر القصاص بالإجماع، لما ذكرنا من اشتباه الولي - كذا هذا. ثم هذا معارض بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. الجواب: قوله: هذا قتل آدمي من كل وجه أم آدمي من وجه مال من وجه؟ - قلنا: العبد آدمي من كل وجه، لوجود خصائص الآدمي وحد الآدمية، ووصف الملك لا يخل بوصف الآدمية، وليس من ضرورة كونه آدمياً كمال أوصافه، بدليل أن الطفل آدمي مع نقصان الأوصاف. قوله: لم قلتم بأنه معصوم؟ قلنا: لأن دليل العصمة قائم، وهو ما ذكرنا. قوله: عصمته ثبتت لحق المالك - قلنا: لا نسلم، بل تثبت لحقه ولحق المالك جميعاً، فذاك يؤكد العصمة. قوله: لم يجب القصاص؟ - قلنا: بالنصوص. وأما ما ذكر من الداعي - قلنا: ذاك حكمة شرع القصاص يراعي وجودها في الجنس دون الأفراد على ما عرف. وأما فصل الأطراف: قلنا: هذا باطل بالشلاء، فإن الصحيح لا يقطع بالشلاء، ومع هذا يقتل نفسه بنفسه.

стр. 500

على أنا نقول: طرف الغيد/ مال من كل وجه، بخلاف طرف الحر. قوله: لا يمكن استيفاء القصاص لاشتفاء الولي - قلنا: المولى وليه، بدليل أنه يملك إنكاحه. وقال ﵇: "لا نكاح إلا بولي". ولو قتل العبد خطأ، فالدية للمولى، ولا تجب الدية إلا للولي. والعبد إذا قتل العبد، فالمولى يستوفى القصاص، فدل أنه ولي، بخلاف المكاتب: إذا قتل عن وفاء، لاختلاف الصحابة في حربته، فيشتفيه الولي. وأما الآية - قلنا: ذاك لا ينفي القصاص بين الحر والعبد، بدليل أنه لا ينفى بين الذكر والأنثى. ٢٠٠ - مسألة: مباح الدم بأي سبب كان إذا التجأ إلى الحرم يصير آمناً عن القتل فيه والإخراج عنه للقتل. لكن يمنع عنه الطعام والشراب حتى يضطر إلى الخروج، فيخرج فيقتل . وعنده: لا يصير آمناً عن القتل والإخراج منه للقتل. والوجه فيه - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ وفي قراءة ﴿وَلَا تُقْتِلُوهُمْ﴾ نهى عن قتل الحربي بحضرة المسجد الحرام إلى أن يوجد منه القتل، لأن كلمة "عند" للحضرة، والنهي للتحريم، وحضرة المسجد الحرام هو الحرم.

стр. 501

فإن قيل: لا تسلم بأن هذه الآية تقتضي حرمة القتل في الحرم. قوله: بأنها تقتضي حرمة القتل بحضرة المسجد الحرام - قلنا: لا نسلم، بل تقتضي حرمة القتل في المسجد الحرام. ونحن نقول: القتل في المسجد الحرام وسائر المساجد حرام. قوله كلمة "عند" للحضرة - قلنا: لا نسلم، بل كلمة "عند" للقرب، إلا أن القرب قد يكون بالحضرة وقد يكون بالظرفية، وههنا القرب بطريق الظرفية - دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ أي في المسجد الحرام، فيكون معناه "ولا تقتلوهم في المسجد الحرام". ولئن سلمنا أن القتل عند المسجد الحرام حرام، لكن لم قلتم بأن القتل [في] جملة الحرم حرام، والخلاف فيه. ولئن سلمنا أن الآية تقتضي حرمة القتل في الحرم، لكن لم قلتم بأنهـ[ـا] تقتضي حرمة الإخراج عنه للقتل؟ . ثم نقول الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ وبما روى

стр. 502

عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المعفرة فلما نزعه جاءه رجل فقال: "ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه" - أخرجه البخاري ومسلم - وفي الحديث: "إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم ولا فاراً بجزية". الجواب: قوله: بأن كلمة "عند" للقرب - قلنا: بلى، ولكن لقرب مخصوص وهو القرب بطريق المجاورة، لا الظرفية يقال: رأيت فلاناً عند المسجد - يراد به ما ذكرنا، لا الظرفية. فأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ - قلنا: ظاهر النص يقتضي حرمة القتل في الحرم ممدوداً إلى غاية القتال في المسجد الحرام، وهذا يكفي. قوله: لم قلتم بأن القتل في جملة الحرم حرام - قلنا: لأن النص يقتضي تحريم القتل في الحرم، فيجب إجراؤه على إطلاقه.

стр. 503

قوله: لم قلتم بأنه يقتضي حرمة الإخراج قلنا: نحن نتعلق بهذا النص لحرمة القتل، وإنه مختلف فيه، فيصح التعلق به - على أنا نقول: حرمة القتل إنما كانت لتعظيم الحرم - هذا المعنى موجود في الإخراج. قوله: الآية منسوخة - قلنا: لا نسلم. وأما قوله: ﴿اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ - فذاك مخصوص بما يليه وهو قوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وأما الحديث - قلنا: كان ذلك يوم فتح مكة. وقد قال ﵇: "إنما أحلت لي ساعة من النهار ثم عادت حراماً". والحديث الثاني - هو قول عمرو بن سعيد بن العاص فلا يكون حجة. على أن المراد منه من أنشأ الجناية في الحرم، فإنه يقتل فيه بالإجماع. والله أعلم.

стр. 504

٢٠١ - مسألة: دية العبد المقتول خطأ لا يزاد على عشرة آلاف درهم، بل ينقص منها عشرة. وتتحملها العاقلة. وعنده: تبلغ إلى تمام قيمته، ولا تتحملها العاقلة، كضمان سائر الأموال . والوجه فيه - قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ - الله تعالى أوجب الدية بقتل المؤمن مطلقاً، والعبد مؤمن، فكان النص متناولاً له، والدية ما تجب بمقابلة الدم، لا ما تجب بمقابلة المال، لأن الواجب بدلاً عن المال يسمى ضماناً، لا دية، إلا أن عصمة الحر فوق عصمة العبد، وخطر الحر وشرفه أبلغ. ثم ضمان الحر لا يزاد على عشرة آلاف، فإذا كان التفاوت بين الحر والعبد في المعنى المستدعى للضمان وهو العصمة والشرف ثابتاً، [فـ] لابد من القول بنقصان ضمانه عن ضمان الحر، فقدرنا النقصان بعشرة دراهم، لأنه أدنى مال له خطر في الشرع، ولهذا توقف القطع في باب السرقة عليه، فنقضنا عن ضمانه عشرة، عملاً بانحطاط رتبته ودنو حاله. فإن قيل: قولكم بأن الدية ما يجب بمقابلة الدم - قلنا: دية الحر أم دية العبد؟ م ع - والواجب بمقابلة العبد/ هو القيمة لا الدية. والدليل على أن هذا الضمان وجب بمقابلة المال دون الآدمي - المعقول، والأحكام.

стр. 505

أما المعقول - فهو أنا لو أوجبنا هذا الضمان بمقابلة الآدمي، كان هذا الضمان مخالفاً لسائر الضمانات، لأنه لا يتقدر بقيمة المحل ولا يكون مثلاً له. ولو أوجبناه بمقابلة المال، كان موافقاً لسائر الضمانات، ولا شك أن الثاني أولى. وأما الأحكام: منها - أن الضمان وجب حقاً للمولى، والضمان إنما يجب حقاً لمن كان المضمون حقاً له، والعبد حق المولى من حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي. ومنها - أن حكم البيع يبقى في بدل العبد المقتول، حتى إن العبد المبيع إذا قتل قبل القبض يبقى العقد منعقداً على القيمة، والبيع إنما يبقى في بدل المبيع، والمبيع هو المال. ومنها - أن حكم الرهن يبقى في قيمة العبد. ومنها - أن الراهن لو قتل العبد المرهون، يجب عليه كمال قيمته، ويكون رهناً. ومنها - أن قيمة العبد إذا كان أقل من عشرة آلاف درهم، يتقدر ضمانه بقدر قيمته لا بالدية. ولئن سلمنا أن هذا الضمان وجب بمقابلة الآدمي، لكن لم قلتم بأنه ينقص عشرة؟ قوله - إظهاراً لخطر الحر ودناءة العبد - قلنا: إظهار نقصان العبد كما يكون بنقصان العشرة، كذلك يكون بجعل المالية معياراً له، إلحاقاً له بالبهائم، فلم كان ما ذكرتم أولى مما ذكرنا؟ بل ما ذكرناه أولى، لأن له نظيراً في الشرع، وهو قليل القيمة.

стр. 506

الجواب: قوله: الدية ما يجب بمقابلة الدم: دية الحر أم دية العبد؟ قلنا؟ لأن المنقول في اللغة أن الدية/ بدل الدم لا بدل المال، فإذا سمي دية [فإنها] تقع عن الدم لا عن المال. قوله: لو أوجبنا هذا الضمان بمقابلة الآدمي، كان هذا الضمان مخالفاً لسائر الضمانات - قلنا: بلى، ولكن إيجابه بمقابلة الآدمي أولى، لأن الآدمي أصل قائم بنفسه، والمالية تبع قائم به، ومعلوم أن تضمين الأصل أولى من تضمين التبع، لأن الأصل إذا صار منجبراً بالضمان، صار التبع منجبراً، ولا كذلك على العكس وأما الأحكام: قوله: بأن الضمان يجب للمولى - قلنا: بطريق الأصالة أم بطريق النيابة عن العبد؟ ع م - وهذا لا يدل على أنه بدل المال كالقصاص. وأما حكيم البيع والرهن -[فـ] إنما يبقى، لأن بقاء المبيع والرهن لا يستدعى قيام المحل لا محالة، بل يعتمد قيام فائدة ما - ألا ترى أن الشاة المرهونة إذا ماتت، بطلت ماليتها، ويبقى الرهن حتى لو دبغ جلدها كان رهناً عنده. وأما الراهن إذا قتل العبد المرهون - قلنا: دم العبد ليس بمضمون في حق المولى، فكان الواجب هو القيمة - أما ههنا بخلافه. وأما قليل القيمة - قلنا: ثمة الواجب بدل الآدمي، وهو ضمان الدم أيضاً، إلا أنا جعلنا المالية معياراً له، لأنه أمكن ومست الحاجة إليه، لأنه لا يؤدي إلى المساواة بين الحر والعبد أو الزيادة عليه.

стр. 507

قوله: لم قلتم بأن المالية لا تجعل معياراً لهذا الضمان؟ قلنا: لعدم الحاجة وعدم الإمكان. قوله: بجعل المالية معياراً يظهر انحطاط رتبته - قلنا: بلى، ولكن يؤدي إلى ارتفاع حاله وزيادة خطره بأن يزيد بدله على بدل الحر، فكان ما ذكرناه أولى. والله أعلم. ٢٠٢ - مسألة: القتل العمد لا يوجب الكفارة، خلافاً له . والوجه فيه - قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ - الله تعالى جعل الخلود في النار جزاء القتل العمد، والجزاء اسم لما يكون كافياً، وهذا ينفي وجوب شيء آخر، إذ لو وجب شيء آخر لم يبق هو كافياً. فإن قيل: لا يصح التمسك بهذه الآية في هذا الحكم، لأن الآية نزلت في الكافر، بقرينة ذكر الخلود واللعن والغضب. وقد قالوا: "متعمداً" معناه "مستحلاً" فلا تتناول محل النزاع، ولأن القصاص وحرمان الميراث أيضاً جزاء للقتل العمد بالإجماع، فبطل قولكم إن الجزاء اسم لما يكون كافياً. ثم نقول: أجمعنا على وجوب الكفارة في القتل الخطأ، فوجب أن يجب ههنا، لأن الكفارة إنما وجبت ثمة لجبر الفائت، وهو حق الله تعالى في النفس، وهذا المعنى موجود هنا. الجواب: قوله: الآية في حق الكافر - قلنا: لا نسلم

стр. 508

وأما الخلود - قلنا: الخلود قد يذكر ويراد به طول المكث لا التأبيد، إما بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز. وأما اللعن والغضب - فذاك عبارة عن الإبعاد من الرحمة، وقد يكون ذلك مؤقتاً، فيستحقه القاتل العامد. وأما وجوب القصاص وحرمان الميراث - قلنا: النص متى اقتضى كون النار جزاء للقتل، فلقد اقتضى كونه كافياً، وهذا يقتضي نفي ما سواه، إلا أن بعض الأشياء قد خص، وهو القصاص وحرمان الميراث، فبقى الباقي داخلاً تحت النص، فصار، النص مع دلالة الإجماع، مقتضياً كون النار مع القصاص وحرمان الميراث كل موجب القتل. وهذا ينفي وجوب الكفارة. قوله: الكفارة/ وجبت في الخطأ لجبر حق الله - قلنا: لا نسلم، فإن الواجب وهو الكفارة، شرع لرفع الذنب، لا للجبر، لأن الاسم ينبئ عن الستر لا عن الجبر. والمعنى المعقول في المسألة أن هذه جناية مكفرة بالتوبة، فلا يجب الإعتاق موجباً لها، قياساً على سائر الجنايات المكفرة بالتوبة. وبيان الوصف والتأثير والأسولة عليه والأجوبة عنها - ما ذكر في مسألة اليمين الغموس. والله أعلم بالصواب. انتهى بحمد الله

стр. 509

وافق الفراغ من هذا الكتاب في جمادي الآخرة ليلة الثلاثاء لثلاث ليال خلون منه سنة ثلاث وسبعين وستماية والحمد لله رب العالمين. قوبل وصحح بأصله المكتوب من أوله إلى آخره. الورق ١٨٥ المسطرة ٢١. تم بعون الله وتوفيقه نسخه ومراجعته والتقديم له وتحقيقه والتعليق عليه وتصحيح تجاربه على مدى سنتين من العمل الجاد المتصل ابتغاء خدمة الفقه الإسلامي رجاء رضوان الله ومغفرته. وإني لأشكر مطبعة المختار: صاحبها ومديرها وعمالها على ما بذلوا من جهد في سبيل إخراج هذا الكتاب على هذا الوجه من الإتقان. والله المسئول أن يوفقنا إلى مزيد من خدمة شريعة الله وأن يجعل ذلك في ميزاننا يوم القيامة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والعاملين بسنته إلى يوم الدين. الدكتور محمد زكي عبد البر ذو القعدة ١٤١٠ هـ - مايو ١٩٩٠ م ٤١ شارع العراق - مدينة المهندسين - الجيزة - مصر