Полный текст (509 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قوله: كونه مملوكاً للمولى ينفي المالكية - قلنا: كون العبد مملوكاً للمولى لو منع ثبوت المالكية، إنما يمنع لأن فيه تعطيل مصلحة المولى، وذلك بالإطلاق، وبثبوت موجب هذه التصرفات، لا بثبوت مالكية العبد.
قوله: التكليف يقتضي المالكية لغيرها، وهو حصول المال، ولم يحصل - قلنا: لا نسلم، بل يحصل ويصل إلى هذا الغرض بعد الإذن، إلا إذا كان عليه دين، فينتقل إلى المولى، أما ابتداء فلا.
قوله: بأن غرض المولى هو الربح - قلنا: الإذن ثبت مطلقاً غير مقيد، فوجب أن لا يقيد، كي لا يمتنع الناس عن المعاملة معه.
وأما الإذن في جنس - إنما لا يكون في الأجناس، لأن الغرض من الإذن استفادة موجب هذه التصرفات: إما للعبد أو لنفسه. والغرض من هذا الجنس غير الغرض من ذلك الجنس، فالرضا بهذا لا يدل على الرضا بغيره.
وأما إذا أذن له في شراء الطعام، فإن ذلك من باب الاستخدام، لا من باب الإذن.
١٨٤ - مسألة: المولى إذا رأى عبده يبيع ويشترى فسكت، يصير مأذوناً له في التجارة خلافاً له .
والوجه فيه - أن السكوت في هذه الحالة يدل على الإذن والرضا بالتصرف، فوجب أن تجرى عليه أحكام صريح الإذن، قياساً على الإشارات المعهودة من الأخرس.
وإنما قلنا ذلك - لأنا لو لم نجعل السكوت إذناً، لصار المولى / تاركاً للواجب، لأن اشتغال العبد بالتصرف من غير إذن المولى حرام، لما فيه من صرف منافع المولى إلى غير مصرفه، فوجب على المولى منعه ونهيه، لأن النهى عن المنكر واجب عند الإمكان،
стр. 457
فدل ترك النهى على أن تصرف العبد ليس بحرام، ولا يكون ذلك إلا برضاه، فكان السكوت دليل الرضا، فوجب أن تجرى عليه أحكام صريح الإذن، لأن الناس يظنونه مأذوناً في التجارة، بناء على هذه الدلالة، فيبايعونه ويعاملونه، فلو لم تجر عليه أحكام الإذن، يؤدى إلى إتواء حقوقهم، وذلك حرام.
فإن قيل: قولكم بأن اشتغال العبد بالتصرف من غير إذن المولى حرام، فوجب على المولى منعه - قلنا: هذه الحرمة تثبت حكماً للشرع أم حقاً للعبد؟ ع م - ولكن لم يجب على المولى المنع عن تصرف حرم لحقه، وهذا يؤدى بوجوب استيفاء حقه، وليس كذلك.
ولئن سلمنا أنه حرام، ولكن تزول هذه الحرمة بعفو المولى، فلا يجب عليه المنع لا محالة.
ولئن سلمنا أن نهى المنكر واجب، ولكنه واجب على الكفاية، فلا يأثم بتركه أو هو واجب موسعاً، فلا يأثم بتركه في الحال؟ .
ولئن سلمنا أنه واجب عيناً، ولكنه لم قلتم بأن السكون دليل الرضا، بل يحتمل الرضا والسخط، والظاهر هو السخط، وإن سكت؟
ولئن سلمنا أنه دليل الرضا، لكن لم قلتم بأنه يجرى عليه أحكام صريح الإذن؟ .
стр. 458
قوله: لو لم يجر يؤدى إلى الضرر بالناس - قلنا: يكفيكم هذا القدر في التعليل، فكان مستدركاً.
ثم نقول: لا نسلم بأنه يؤدى إلى الضرر بالناس، لأن الظاهر أنهم لا يعاملونه بهذا القدر، بل يراجعون إلى المولى فيستخبرونه.
ولئن سلمنا أن في أحكام الإذن دفع الضرر عن الناس - ولكن في الإذن / ضرر بالمولى فوقع التعارض.
والدليل على صحة ما ذكرنا - الأحكام:
منها - إذا رأى عبده يتزوج فسكت، لا يصير مأذوناً في التزويج.
ومنها - إذا رأى إنساناً يبيع ماله، فسكت - لا يصير مأذوناً.
ومنها - المرتهن إذا رأى الراهن يبيع المرهون والمستأجر، إذا رأى الآجر يبيع المستأجر، فسكت - لا يكون إذناً.
دل عليه: أنه لا يصير مأذوناً في التصرف الذي باشره، حتى لا ينفذ بالإجماع، ففي غيره أولى.
الجواب:
قوله: تصر العبد حرام حقاً للشرع أو حقاً للمولى؟ - قلنا: لا حاجة إلى التقسيم، بل إذا ثبت كونه حراماً، يجب على المولى المنع، لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ وقوله ﵇: "من رأى منكراً فليغيره بيده - الحديث".
قوله: تزول هذه الحرمة بعفو المولى - قلنا: أثر العفو في رفع الإثم بعد وجود القبيح، والواجب هو المنع عن القبيح حتى لا يوجد.
стр. 459
قوله: هو واجب على الكفاية - قلنا: لا نسلم، بل واجب على التعيين، لأن المولى وقف عليه وقد على منعه، فيتعين لذلك.
قوله: واجب موسع - قلنا: لا، بل مضيق، لأن الخير لا يؤخر.
قوله: بأن السكوت دليل السخط - قلنا: الواجب عليه المنع، لما مر. فإن عجز يكتفى بإظهار السخط، وهو لم يعجز.
قوله: لم يجرى عليه حكم صريح الإذن؟ قلنا: كي لا يؤدى إلى الضرر بالناس. وما ذكر من الاستدراك فمدفوع، لأن السكوت إذا لم يكن دليلاً على الإذن والرضا، فالناس لا يعاملونه. ولو فعلوا كان الضرر حاصلاً باختيارهم، فلا يجب دفعه. ولو كان السكوت إذناً، لا يكفي لإثبات حكم المسألة، لأنه دون صريح الإذن، فيكون دليلاً قاصراً، فلا يبنى عليه الحكم.
قوله: لا يعاملونه، بل يراجعون إلى المولى - قلنا: لا نسلم، بل يعاملونه / وليس كل أحد يمكنه المراجعة إلى المولى في الاستخبار.
وأما المعارضة - قلنا: دفع الضرر عن الناس أولى لوجهين: أحدهما - أن ضرر المولى مقابل بعوض وهو ملك المبيع. والثاني - أنه خاص وضررهم عام، فكان أولى بالدفع.
وأما إذا رآه يتزوج: [ف] فبه اختلاف المشايخ، فيمنع.
وأما إذا رأى غيره يبيع ماله - فلأن في نفاذه ضرر بالمالك قطعاً، لزوال ملكه.
وأما المرتهن والمستأجر - قلنا: لا يجب عليهما النهى، لعدم المنكر، لأن العين في أيديهما.
وأما التصرف المباشر - فهو على هذا الخلاف.
стр. 460
١٨٥ - مسألة: الصبى العاقل المأذون له في التجارة إذا باع أو اشترى أو آجر أو استأجر ينفذ تصرفه. وعنده لا ينفذ تصرفه. ولو تصرف قبل إذن المولى ينعقد عندنا، ولا ينعقد عنده .
والوجه فيه - أن هذا تصرف تمليك، في محل قابل للتمليك، فوجب أن يثبت الملك، قياساً على البالغ.
وإنما قلنا ذلك - لأنه قصد إيقاعه تمليكاً والشرع جعله بسبيل من ذلك، فيقع تمليكاً.
والدليل على القصد - الصيغة الموضوعة له.
والدليل على إذن الشرع - احتياجه لهذا المعنى، [ف] ثبت في حق البالغ.
فإن قيل: ما ذكرتم إن دل على جواز تصرف الصبى، ولكن هنا دليل يأبى ذلك. وذلك: [أولاً]- أن الشرع أسقط اعتبار عقل الصبى في حق التصرفات الضارة والدائرة بين الضرر والنفع، كالطلاق والعتاق والإقرار بالدين والهبة، نظراً له، والبيع تصرف دائر بين الضرر والنفع، لما فيه من زوال المبيع وملك الثمن، فلا يجعل للصبى إهلاكه. والثاني - أنا لو نفذنا تصرف الصبى امتنع تنفيذ تصرف الولى في هذا المحل، ومصلحة تصرف الولى أعظم، ففواتها يكون ضرراً - دل عليه أنه مولى عليه قبل الإذن وبعده، وذلك دليل العجز.
ولو تصرف / قبل الإذن - ثم بلغ فأجاز، لا ينفذ، ولو كان بسبيل منه نفذ، كالعبد إذا أعتق.
الجواب:
قوله: الشرع أسقط اعتبار تصرفات الصبى - قلنا: لا نسلم.
أما الطلاق - فالصبى لا يقف على تمام مصالحه، لأن بعض مصالح النكاح والطلاق يتعلق بقضاء الشهوة، والصبى لا يقف على ذلك، لأنه يشمل على ضرر ظاهر. ولهذا لو باشر الولى في حقه، لا ينفذ، بخلاف البيع.
стр. 461
وهو الجواب عن العتاق والإقرار بالدين والهبة.
قوله: بأن المصلحة المتعلقة بتصرف الولى أعظم - قلنا: لا نسلم، بل لا تفاوت بينهما، لأن الكلام في الصبى العاقل، على أن الولى إن كان أكمل منه عقلاً، فالصبى أوفر شفقة.
قوله: إنه مولى عليه قبل الإذن وبعده - قلنا: بل، ولكن ولاية الولى كما يجوز أن تبقى لعجز المولى عليه، يجوز أن تبقى لمعنى وهو تتميم النظر.
وأما إذا باشر التصرف قبل البلوغ وأجاز بعد البلوغ - فالصحيح أنه ينفذ، بخلاف العبد. والفرق أن تصرف العبد انعقد على وجه ينفذ على المولى بإجازته، وتصرف الصبى انعقد على وجه ينفذ عليه بإجازة الولى، فافترقا من هذا الوجه.
والله أعلم.
١٨٦ - مسألة: رقبة العبد المأذون تباع بدين التجارة. وعنده: لا تباع .
وعلى هذا الخلاف: أرش يد العبد، وما اكتسبه العبد من الصيد والحطب والحشيش - عندنا: يصرف إلى الدين. وعنده: لا يصرف.
والوجه فيه - أن القول بتعليق الدين برقبة العبد استيفاء دفع لأعلى الضررين بتحمل أدناهما، فوجب المصير إليه، قياساً على دين الاستهلاك.
وإنما قلنا ذلك - لأن فى تعليق الدين برقة العبد إن كان نوع ضرر بالمالك بإزالة مكله / عن الرقبة، لكن فى المنع عن التعليق ضرر بالبائع، بالامتناع عن إبقاء حقه فى الثمن، وضرر المالك دون ضرر البائع، لأن ضرر المالك يقابله نفع، وهو ملك المبيع، لأن المبيع يدخل فى ملكه، وضرر البائع لم يقابله هذا النوع من النفع، فكان أعلاهما، وكان أولى بالدفع، كما قلنا فى دين الاستهلاك، بل أولى لأن ثمة: ضرر المالك لم يقابله هذا النوع من النفع، فكان مثل ضرر المتلف عليه، فههنا أولى.
стр. 462
فإن قيل: قولكم بأن ضرر المالك دون ضرر البائع - قلنا: لا نسلم، بل ضرر البائع دون ضرر المالك - بيانه من وجهين: أحدهما - أن البائع متى أقدم على المبايعة مع العبد مع علمه بعجزه، فقد رضى به، والضرر المرضى به أخف. والثاني - أن ضرر البائع ضرر تأخير حقه، لأنه يصل إلى حقه في الثاني بكسب العبد، وضرر المالك ضرر فوات حقه عن رقبة العبد، وضرر التأخير دون ضرر الإبطال.
ولئن سلمنا أن هذا الضرر ليس دون ذلك الضرر، لكن لم قلتم بأن ضرر البائع فوق ضرر المالك؟
قوله: بأن ضرر المالك قابله نفع، وهو ملك المبيع - قلنا: لا نسلم بأن المبيع يدخل فى ملكه، وإنما يدخل المبيع فى ملكه إذا لم يكن على العبد دين، وهذا عليه دين، فلا يدخل فى ملكه.
والدليل على صحة ما ذكرنا - الأحكام:
منها - أنه لا يتعلق دين التجارة، قبل الإذن، برقبته، وإن صدقه المولى.
وكذا بعد الإذن، ما دام الكسب قائماً.
وكذا لو فضل الدين عن الكسب، لا يتعلق الفاضل برقبة العبد.
الجواب:
قوله: بأن ضرر البائع دون ضرر المالك - قلنا: لا نسلم.
قوله: بأنه رضى به - قلنا: لا نسلم، وكيف يجوز أن يدعى هذا وإنه باشر البيع ورضى / بزوال ملكه عن المبيع الذى تعلقت به مصلحة بقائه لمساس حاجته إلى الوصول إلى الثمن - فهذا يدل على أنه لا يرضى بزوال ملكه عن المبيع إلا بثمن يوفى من كل محل يمكن إيفاؤه منه، ورقبة العبد يمكن إيفاء دينه منه، فيتعلق به.
قوله: ضرر البائع ضرر التأخير - قلنا: ضرر التأخير دون ضرر الإبطال إذا لم يكن مقابلاً بعوض. أما ضرر التأخير، إذا لم يقابله عوض، [ف] فوق ضرر الإبطال إذا
стр. 463
قابله عوض، وهنا قابله نفع، وهو ملك المبيع.
قوله: المولى إنما يملك المبيع إذا لم يكن على العبد دين - قلنا: إنما لا يملك إذا كان عليه دين مستغرق للكسب والرقبة جميعاً، فنفرض الكلام فيما إذا لم يكن مستغرقاً.
وأما دين التجارة قبل الإذن - قلنا: شراء العبد قبل الإذن لا ينفذ فى حق المولى، ولا يوجب ملك المبيع له، فلا يوجب حقه فى الضرر.
وأما حال قيام الكسب - إنما لا يتعلق بالرقبة، لأنه أمكن دفع ضرر البائع بدون ضرر المولى.
وأما إذا فضل الدين - قلنا: الفضل لا يظهر فى الحال، لأن هذا القدر من الكسب يصلح لقضاء كل قدر من الدين على البدل.
والله أعلم.
стр. 464
كتاب الجنايات
١٨٧ - مسألة: موجب العمد هو القصاص عيناً. وليس للولى أخذ الدية بغير رضا القاتل. وله قولان: في قول: الواجب أحدهما لا بعينه والمولى خيار التعين. وفي قول: الواجب هو القصاص عيناً، كلن للولى، حق إسقاط القصاص وأخذ الدية بغير رضا القاتل .
وثمرة اختلاف قوليه تظهر في عفو الولى وموت القاتل: فعلى قول التخيير: يأخذ المال فى الموت لا في العفو. وعلى قول التعيين: يأخذ المال في العفو لا في الموت.
والوجه فيه - أن موجب القتل العمد شرع لإعدام الضرر الواقع بالقتل العمد، والقصاص أبلغ فى إعدام هذا الضرر، فتعين موجباً.
وإنما قلنا ذلك - لأن أخذ المال أو القصاص ضرر، والضرر لا يشرع إلا لدفع الضرر.
وإنما قلنا: إن القصاص أبلغ في إعدام الضرر - لأن الضرر الواقع بالقتل ضرر توجه الهلاك إلى الورثة، لأن من قتل الإنسان يقصد قتل أوليائه، لأنهم يقصدون قتله، طلباً للتشفى، فيقصد هو قتلهم، دفعاً للهلاك عن نفسه، فيتوجه سبب الهلاك نحو الأولياء، فيجب دفع هذا الضرر عنهم، والقصاص أبلغ فى إعدام هذا الضرر، لأنه متى قتل القاتل انقطع احتمال حصول القتل من جهته، وبالمال لا ينقطع، فكان أولى، فيتعين.
стр. 465
فإن قيل: هذا تعليل فى معرض النص، فيكون باطلاً. والنص ما روى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال فى حديث: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظريين: إما أن يقتل وإما أن يفدى" - أخرجه البخارى ومسلم في صحيحيهما.
ثم نقول: قولكم بأن القصاص أبلغ فى إعدام الضرر - قلنا: إعدام هذا الضرر واجب حقاً لولى القتيل أم حقاً عليه؟ م ع - بيانه: وهو أن القصاص وجب حقاً له، فيكون بسبيل من استيفائه وتركه، وبسبيل من دفع هذا الضرر من كل وجه أو من وجه.
ولئن سلمنا انه أبلغ في إعدام الضرر، ولكنه أبلغ فى كونه ضرراً، فوقع التعارض.
ولئن سلمنا أنه أبلغ، ولكن لم قلتم بأن الضرر هنا ضرر توجه القتل نحو الأولياء؟ .
قوله: لأن كلا يهم بقتل صاحبه - قلنا: الظاهر أنهم ينقادون للشرع، وإن لم ينقادوا، فالسلطان يدفعهم.
والدليل على أن القاتل لا يقصد قتل الأولياء أن / الكلام فيما إذا عفوا عن القتل، فلم يتوجه القتل نحوهم؟
ولئن سلمنا أن سبب الهلاك يندفع بالقصاص ولكن فى المال حياة المقتول معنى، لأنه ينفذ منه وصاياه ويقضى منه ديونه.
ثم التعليل معارض بالكتاب والسنة والمعقول والحكم:
أما الكتاب -[ف] قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ أثبت المصير إلى الدية عند العفو مطلقاً.
стр. 466
وأما المعقول - وهو أن فى بذل المال الصيانة عن الهلاك، فوجب أن يكون كل بسبيل منه.
وأما الحكم -[ف] أجمعنا على أن من قطع يد إنسان ويد القاطع أشلاء أو ناقصة الأصابع، كان له حق اختيار الدية من غير رضا القاطع.
الجواب:
أما الحديث: قالوا معناه - والله أعلم - إن شاءوا أخذوا الدية برضا القاتل، إلا أنه لم يذكر الرضا صريحاً، لثبوته عادة.
قوله: دفع الضرر واجب حقاً لولى القتيل أم عليه؟ قلنا: حقاً عليه، لأن دفع الضرر عن الغير كما هو واجب، فدفع الضرر عن نفسه، لا سيما ضرر الهلاك، واجب، ولا يباح له تحمله.
قوله: بأن القصاص إن كان أبلغ فى إعدام الضرر، لكنه أبلغ في كونه ضرراً - قلنا: بلى، ولكن ضرر القصاص لا يبالى به، لوجهين: أحدهما - أنه مشروع بالإجماع. والثاني - أن من عليه القصاص جان وظالم، فلا يبالى بالإضرار به.
قوله: الظاهر من حال القاتل أن لا يقصد قتل الأولياء - قلنا يقصد قتلهم، لأنه تعين مدفعاً للهلاك عنه، وليس له ظاهر حال.
وأما دفع السلطان - فالظاهر أن أمثال هؤلاء لا يبالون بخوف السلطان، بل يسعون فى دفع القتل عن أنفسهم فى الحال.
قوله: الكلام فيما إذا عفوا عن القتل، / فلا يتوجه الهلاك نحوهم - قلنا: عفوهم إن كان يدل على انعدام القتل، لكن امتناع القاتل من بذل المال وبذله لنفسه دليل على أنه عرف من حال الولى أنه يأخذ ماله ويقتله.
قوله: فى المال حياة المقتول معنى - قلنا: هذا أمر محتمل: وقد يكون للمقتول دين
стр. 467
[يوفي] وقد لا يكون، ودفع الهلاك عن الورثة بأبلغ الوجوه أهم، فيتعين القصاص.
وأما الآية - قالوا، والله أعلم - المراد منها القصاص بين شريكين عفا أحدهما - وبه نقول.
وأما الحديث - فالجواب عنه ما ذكرنا.
وأما المعقول - قلنا: أثر هذا في أن يجب البدل على القاتل، لا في حل الأخذ بدون رضاه.
وأما ما ذكر من الحكم - قلنا: يتعين القصاص به موجباً، لكن ثبت حق العدول إلى المال، لأن الأصل في اليد هو السلامة، فكان سلامة اليد مستحقة، ويظهر هذا الاستحقاق فى حق العدول إلى المال، فإذا عجز عن استيفاء اليد سالمة يتخير - أما ههنا بخلافه.
والله أعلم
١٨٨ - آلة: شريك الأب لا يجب عليه القصاص. وعنده: يجب. وأما شريك الخاطئ مش واضح السبع وشريك الصبي والمجنون وشريك نفسه - عندنا: لا يجب. وهو مش واضح من مذهب الشافعى. وبعضهم يمنعون .
والوجه فيه - أن الموجود من الشريك ليس بقتل، فلا يجب عليه القصاص، كشر مش واضح الخاطئ.
стр. 468
وإنما قلنا ذلك - لأن المقتول واحد، والمتقول الواحد لا ينفعل فيه إلا قتل واحد، لأن القتل اسم لمعنى يحل المحل، فيوجب كونه مقتولاً، كسائر الحوادث.
دل عليه - أن المحل يوصف بكونه مقتولاً، فلابد أن تكون هذه الصفة راجعة إلى معنى يحل المحل، لا [ن] موجب العلة يختص بمحل العلة، فثبت أن القتل معنى في المحل يوجب كونه مقتولاً، / وكزنه مقتولاً لا يتعدد، فالمعنى الموجب كذلك لا يتعدد أيضاً، فثبت أن القتل واحد، والقتل الواحد إذا جعل فعلاً لهذا، لا يمكن جعله فعلاً للآخر، لأن الفعل الواحد لا يكون فعلاً لفاعلين فى حالة واحدة بجهة واحدة، فلا يكون فعل الشريك وحده قتلاً، فلا يجب عليه القصاص، لقوله ﵇: "لا يحل دم امرئ مسلم (الحديث).
فإن قيل: قولكم بأن المقتول واحد، فلا ينفعل فيه إلا قتل واحد - قلنا: على سبيل المقارنة أم على سبيل التعاقب؟ ع م - ونحن نسلم أن الشخص إذا صار مقتولاً مرة، لا يصير مقتولاً ثانياً. ولكن الكلام في أنه هل يتصور أن يصير مقتولاً دفعة واحدة من جهة شخصين، فيكون كل واحد منهما قاتلاً على سبيل الكمال، وهذا لأن القتل فعل أجرى الله العادة بفوات الحياة عقيبه، فجاز أن يوجد من كل واحد منهما ذلك.
قوله: بأن القتل معنى يحل المحل - قلنا: لا نسلم، بل القتل فعل القاتل لا صفة المقتول.
والدليل على أن فعل كل واحد منهما قتل، أنا أجمعنا على أنه لو حلف لا يقتل فلانا، فقتله مع غيره يحنث في يمينه.
والدليل عليه فعل الأجنبيين: فإن فعل أحد الأجنبيين ألحق بالقتل، سداً لباب الظلم والعدوان - كذا هذا.
стр. 469
الجواب:
قوله: لا ينفعل في المحل إلا في واحد على المقارنة أم على التعاقب؟ قلنا: على المقارنة والتعاقب جميعا، لما ذكرنا: أن القتل صفة في المحل، وهي صفة الجملة لا الأبعاض، حتى لا يلزمنا الضرب والكسر: فكون الشخص؟ لا يتعدد. فكذا موجبة لا يتعدد، ل على المقارنة، ولا على التعاقب.
قوله: بأن القتل اسم لفعل القاتل - قلنا: لا نسلم، فإن القتل مما يوجب صفة/ المحل، وهو كونه مقتولا، وفعل القاتل قائم به، فكيف يوجب صفة في المحل؟ إلا أن فعل القاتل تحصيل لذلك المعنى، كالتحريك تحصيل الحركة التي تحل المحل- كذا هنا.
وأما إذا حلف لا يقتل، فقتل مع غيره- قلنا: هو غير قاتل حقيقة، إلا أنه قاتل عرفا، والمعتبر في باب الأيمان هو العرف.
وأما فعل الأجنبيين- قلنا: خص عن قضية النص لمعنى - لذلك المعنى لم يوجد هنا. بيانه- أن القتل بصفة الاجتماع من الأجانب يكثر وجوده- أما مثل هذا القتل [فـ] لا يكثر وجوده.
والله أعلم.
١٨٩ - مسألة: الواحد يقتل بالجماعة قصاصا اكتفاء. وعنده: لا يقتل اكتفاء، غير أنه إن قتلهم على التعاقب يقتل بالأول اكتفاء وتجب الديات للباقيين. وإن قتلهم على المقارنة: له فيه قولان- في قول: يقتل بالواحد غير عين، وتجب الديات للباقيين .
والوجه في ذلك- أن قتل الواحد بالجماعة في معنى قتل الواحد بالواحد، فوجب الاكتفاء به.
стр. 470
وإنما قلنا ذلك، لأن قتل الواحد بالواحد شرع لمعنى الزجر ولمعنى الجبر:
أما معنى الزجر- فهو أن يعلم أنه إذا قتل يقتل، للزجر عن القتل- وهذا المعنى موجود في الصورتين.
وأما معنى الجبر- فلأنه إذا قتل القاتل يندفع توجه الهلاك نحو الورثة، وهذا المعني أيضا موجود في الصورتين، فوجب أن لا يجب المال، لأنه لو جب لا يخلو: إما أن يجب لمصلحة شرع القتل لها، أو لمصلحة أخرى: لا وجه للأول - لن تلك المصلحة صارت مستوفاة بالقتل. ولا وجه للثاني - لأن الشرع لم يجمع بين / مصلحة أخرى وبين المصلحة المستوفاة بالقتل، بدليل أنه لم يجمع بينهما في قتل الواحد بالواحد والجماعة بالواحد.
فإن قيل: قولكم بأن معنى الزجر أن يعلم أنه إذا قتل يقتل، وهو موجود في الصورتين- قلنا: لا نسلم بأنه موجود في صورة النزاع، وهذا لأن الإنسان ما لم يقتل أحدا إذا تأمل أنه يقتل الواحد أو الجماعة، يقتل، يمتنع عن قتل الكل. أما إذا قتل الواحد واستحق قتله مرة لا يمتنع عن قتل غيره خوفا من استحقاق القتل لوقوع المحذور.
ولئن سلمنا أن القتل زاجر عن قتل الجماعة، لكن يتصور الزيادة عليه في الزجر، بضم المال إليه، فوجب ضم المال تحقيقا بألغ الوجوه.
ولئن سلمنا أنه لا يجب لمعنى الزجر، لم لا يجب المال لتحصيل معنى الجبر؟ . قوله: لأنه لو وجب: إما أن يجب لمصلحة شرع القتل لها، أو لمصلحة أخرى- قلنا: لم لا يجب لمصلحة أخرى؟ .
وقوله: لأن الشرع لم يجمع بين مصلحة القتل ومصلحة أخرى- قلنا: لا نسلم. وأما فصل: الواحد بالواحد والجماعة بالواحد- قلنا: ثمة وقع الاكتفاء بالقصاص
стр. 471
على خلاف قضية الدليل، لأن الدليل يقتضي شرع القصاص لمعنى الزجر، وشرع المال لمعنى الجبر بإعادة الحياة يعنى بواسطة المال، إلا أنا عدلنا عن قضية هذا الدليل عملاً بالنصوص المقتضية للمماثلة، أما ههنا [فـ] لا مماثلة من قتل الواحد وقتل الجماعة، فلا يدخل تحت النصوص، فيجب ضم المال إليه بقضية الدليل - دل عليه قطع يميني رجلين فإنه لا يكتفي بالقطع.
الجواب:
قوله: الإنسان ما لم يقتل، فإذا تأمل أنه بالقتل يقتل، ينزجر. أما إذا قتل واستحق قتله، لا ينزجر - قلنا: هذا خلا العادة، فإن العادة المستمرة أن من وتوجه نحوه الهلاك، بسبب يتكلف لدفع ذلك عن نفسه، لا أن يباشر/ أمثال ذلك، وهذا لأن قتله، وإن استحق، ولكن القتل ليس بمتيقن بل رجاء أعفو ثابت، ولا كذلك إذا كثرت الأسباب.
قوله: يتصور الزيادة عليه في الزجر بضم المال - قلنا: الزجر الحاصل بالقتل يبلغ مبلغا لا يظهر الزجر الحاصل بالمال في مقابلته، لأنه إن كان يمتنع بشرع القتل، فلا حاجة إلى شرع المال. وإن كان ل يمتنع بشرع القتل، فضم المال إليه لا يمتنع أيضا.
قوله: لم لا يجب المال لتحصيل الجبر؟ - قلنا: لأن الشرع لم يجمع بينهما في قتل الواحد بالواحد.
قوله: ثم وقع عللى خلاف قضية الدليل- قلنا: لا نسلم بأن الأصل أن يكون الحكم على وفاق الدليل والفقه فيه: وهو أنه لا يمكن دفع الضرر الحاصل بالقتل العمل العدوان من كل وجه، لأن إعادة حياته غير ممكن والمنافع المتعلقة بالحياة ليس لها حد مضبوط، والمنفعة المقدرة بالدية منفعة مقدرة معينة لا يهتدي إليهـ[ـا] بالرأي والقياس، فالنافي للدية هذا الوجه.
стр. 472
وأما فصل الأطراف- قلنا: حكم الأطراف خلاف حكم النفوس، لأن الأطراف يسلك فيها مسلك الأموال، لكونها وقاية للنفس، ولأنها تتجزأ، وقتل النفس لا يتجزأ، فافترقا.
وهذا أس مسألة الأيدي: لا تقطع بيد واحدة قصاصا.
والوجه فيه- أن الموجود من كل واحد منهم قطع بعض اليد، فلا يستحق على كل واحد منهم قطع كل اليد.
وإنما قلنا ذلك - لأن اليد في حق القطع التجزئة، لأن لها نصفا وربعا وثلثا وغير ذلك، وقد وجد منهم قطع اليد، فكان الحاصل بفعل كل واحد منهم قطع بعض اليد ضرورة، وإذا كان كذلك لا يجب على كل واحد منهم قطع اليد، لأن قطع كل اليد يزيد على قطع بعض/ اليد في الجناية، فلا يكون بينهما مماثلة، فلا يشرع عملا بالنصوص المقتضية للمماثلة.
فإن قيل: لا نسلم بأن اليد متجزئة في حق هذا القطع.
ولئن سلمنا أنها متجزئة، ولكن لم قلتم بأنه لم يوجد من كل واحد منها قطع كل اليد. وهذا لأن الكلام فيما إذا وجد من كل واحد منهما فعل صالح لإبانة كل اليد، لأن الكلام فيما إذا سكينا واحدا وأمرا معا.
والدليل على أن كل واحد منهما قاطع كل اليد أنا أجمعنا أن المحرمين إذا قطعا طرف صيد الحرم، فيجب على كل واحد منهما جزاء كامل، لوجود كل القطع من كل واحد منهما- كذا هذا.
ولئن سلمنا أن الموجود من كل واحد منهما قطع بعض اليد، لكن لم لا يستحق على كل واحد منهما قطع كل اليد.
стр. 473
قوله: المماثلة شرط - قلنا: ولم قلتم بأنه لا مماثلة بين الأطراف والطرف الواحد فيما يرجع إلى القصاص- بيانه أن بين الأنفس والنفس الواحدة مماثلة في حق القصاص، فيكون بين الأيدي واليد الواحدة مماثلة في حق القصاص، لأن التساوي في الأصل يقتضي التساوي في الفرع.
ولئن سلمنا أنه لا مماثلة بينهما، ولكن لو شرطنا المماثلة يؤدي إلى فتح باب الظلم والعدوان، فلا يشرط، كما في النفوس.
ولئن سلمنا أن المماثلة معينة، ولكن عندنا لا جزم يجب على كل واحد منهما قطع نصف اليد، إلا أنه لا يمكن، فيكمل، كما في سرقة العبد.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن اليد متجزئة في حق هذا القطع- قلنا: لأن المعنى به أنها بالقطع تنقطع جزءا فجزءاً.
قوله: لم قلتم بأنه لم يوجد من كل واحد منهما قطع كل اليد؟ - قلنا: لأن إضافة كل الفعل إلى كل واحد منهما والحالة هذه/ غير ممكن.
وأما المحرمان إذا قطعا طرف صيد الحرم - قلنا: كل واحد منهما قطع بعض اليد أيضا، إلا أنه يجب على كل واحد منهما جزاءً كاملا، لأن الجزاء موجب الجناية على الإحرام، وكل واحد منهما جان على الإحرام.
وقوله: لم يجب على كل واحد منهما قطع كل اليد- قلنا: لأن المماثلة شرط.
وقوله: لم قلتم بأنه لا مماثلة بين الأطراف والطرف الواحد - قلنا: لأن القطع كل الطرف في الأضرار فوق قطع بعض الطرف.
وقوله: بأن بين النفس والأنفس المماثلة - قلنا: لان المقصود من القصاص في الأطراف غير المقصود من القصاص في الأنفس، على أنا نقول: إزهاق الروح لا يتجزأ، أما قطع اليد [فـ] يتجزأ، فافترقا.
стр. 474
قوله: شرط المماثلة يؤدي إلى فتح باب الظلم والعدوان - قلنا: لا يؤدي، لأن القطع بصفة الاجتماع يندر وجوده، بخلاف القتل بصفة الاجتماع، فإنه يكثر وجوده.
قوله: عندنا يجب على كل واحد منهما قطع نصف اليد إلا أنه لا يمكن فيكمل - قلنا: يلزم من هذا أن يكون البعض تبعا للبعض في حق سقوط العصمة، وإنه لا يجوز، بخلاف البعد إذا سرق فإنه يده لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. الآية﴾.
١٩٠ - مسألة: إذا ضرب إنسانا بالسوط الصغير ووالى في الضربات، حتى مات، لا يجب عليه القصاص .
والوجه فيه - أن هذا قتل تمكن الخلل في عمديته، فلا يمكن سببا للقصاص، قياسا على ما إذا جرحه خطأ ثم عمدا.
وإنما قلنا -ذلك- لأن احتمال حصول القتل بالضربة الأولى والثانية قائم، لأن من الجائز أنه أصاب المقتل في الضربة الأولى والثانية، فأقضى إلى فوات الحياة. وعلى / هذا التقدير كان القتل لا بصفة العمدية، لأن الضربة والضربتين لا يدلان على القصد، إذ لا يقصد بهما القتل، بل التأديب وغيره. ومن الجائز أن القتل حصل بالموالاة.
стр. 475
وعلى هذا التقدير كان القتل بصفة العمدية، فاحتمل أنه عمد، واحتمل أنه ليس بعمد، فتمكن الخلل في العمدية، فتمكنت الشبهة، فلا يجب القصاص، لقوله ﵇ " ادرءوا الحدود بالشبهات".
فإن قيل: قولكم بأنه تمكن الخلل في عمدية هذا القتل - قلنا: لم قلتم بأن شرط وجوب القصاص القتل الذي تمحض عمداً، بل القتل الذي يثبت فيه أصل العمدية يصلح أن يكون سببا للقصاص بدليل النصوص والمعقول:
أما النصوص -[فـ] قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ إلى غيرها.
وأما المعقول - وهو أن مبنى القصاص على الحياة بطريق الزجر والجبر، وإنه موجود هنا.
ولئن سلمنا أن العمد بصفة الكمال شرط، لكن الشرط اقتران العمدية بما هو قتل غالبا أو بما هو قتل محتملا: الأول- مسلم، ولكن لم قلتم بأنه لم ويوجد. والثاني - ممنوع. بيانه: أن حصول القتل بالضربة والضربتين أمر نادر والموالاة في الضرب قتل غالبا، فيشترط وجود العمدية في هذه الحالة، وإنه موجود هنا، فقد وجد اقتران العمدية بما هو قتل غالبا إن لم يقترن بما هو قتل نادر، وذلك يكفى لوجوب
стр. 476
القصاص، بدليل أن من قطع يد إنسان ثم حزز رقبته عمدا، يجب عليه القصاص.
ولئن كان ما ذكرتم موجودا، لئن سلمنا أن اقتران/ العمدية بالضربات كلها شرط، لكن لم قلتم بأنه لم يوجد؟ .
قوله: لأن الضربة والضربتين يستعملان للتأديب لا للقتل- قلنا: نعم، إذا اقتصر عليهما، أما إذا والى فلا، والكلام فيما إذا أخذ في الضربات ووالى فيها حتى مات، فكان القتل موجودا من الأولى، فيجب القصاص.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن شرط وجوب القصاص القتل الذي تمحض عمدا؟ - قلنا: لأن القصاص من أعلى العقوبات في الدنيا، فلا يستحق إلا بجناية محضة، ولا تتمحض إلا بوصف العمدية.
وأما ما ذكره [من] النصوص-[فـ] عمومات خص منها القتل الخطأ، وقتل الصبي والمجنون وغير ذلك، فيخص المتنازع فيه، بما ذكرنا.
قوله: مبنى القصاص على الزجر والجبر- قلنا: بلى، ولكن كل واحد منهما يقف على العمدية.
قوله: الشرط اقتران العمدية لما هو قتل غالبا، أو بما هو قتل محتمل - قلنا: بما هو قتل غالبا أو قطعا ولم يوجد، لأن القتل قطعا أو غالبا إنما يحصل من الضربات لا بضربة أو ضربتين، وقد شككنا في وجود العمدية عند ذلك الجملة، فلا تثبت العمدية بالشك، بخلاف ما إذا قطع يده ثم جز رقبته، لأن حز الرقبة قتل
стр. 477
قطعا، وقد اقترنت به العمدية قطعا من غير احتمال.
وبه خرج الجواب عن بقية السؤال، لأنه وإن والى في الضربات، لا يتبين أنه قصد القتل من الابتداء، لاحتمال أنه قصد التأديب عند كل عدد ثم حدث له القصد إلى القتل بعد ذلك.
١٩١ - مسألة: من له القصاص في الطرف إذا استوفى الطرف وسرى إلى النفس ومات - يضمن دية النفس. وعندهم: لا يضمن .
والوجه فيه- أنه قتل آدميا معصوما بضمان معلوم، فيجب عليه ضمانه، قياسا على ما إذا قتله ابتداء خطأ.
وإنما قلنا إنه قتل- وذلك لأن القتل اسم لفعل يلازمه فوات الحياة عادة، والكلام في القطع الساري الذي به البرء حتى تزايد وأفضى إلى زهوق الروح وإنه قتل- بدليل أنه لو وجد هذا الفعل ابتداء، كان موجبا للقصاص.
وإنما قلنا: إنه معصوم، لأن سبب العصمة قائم، ودليلها قائم، وهو الدار والإسلام. فلو سقطت العصمة إنما تسقط بجنايته، وجنايته مقتضية لقطع اليد، لا القتل، فيكون معصوما في حق القتل.
وإنما قلنا إنه مضمون- لأن المعنى من ذلك أن له ضمانا معلوما، وهو الدية إذا امتنع القصاص.
стр. 478
فإن قيل: قولكم بأنه قتل آدميا - قلنا: لا نسلم بأنه قتل.
قوله: بأن القتل اسم لفعل يلازمه قوات الحياة عادة - قلنا: لا نسلم أن فوات الحياة ملازم لهذا الفعل عادة. وهذا لأنه محتمل: يحتمل أن فوات الحياة حصل لداء في باطنه، أو لشيء آخر نفق عند القطع، فلا يلازمه فوات الحياة عادة، بخلاف جز الرقبة، فإنه يلازمه فوات النفس والحياة عادة. ولهذا شرع قطع اليد حدا في باب السرقة، ولو كان فوات الحياة ملازما له عادة أو غالبا، لما شرع حدا.
ولئن سلمنا انه قتل، ولكنه قتل بطريق السراية لا بطريق البداية، وإنما يجعل قتلا موجبا للضمان إذا كانت السراية مضافة إلى البداية، وإنما تكون مضافة إذا كانت موافقة للبداية. وأما إذا كانت مخالفة فلا- /ألا ترى أن من حفر بئرا على قارعة الطريق، فوقع فيها إنسان ومات، يضاف إليه، حتى يضمن. ولو حفر في دار نفسه فتعدى إلى أرض جاره أو أوقد نارا في داره فتعدى إلى دار جاره لا يضمن، لأنه مخالفة للبداية كذا هذا، لأن ابتداءه مباح، لأنه حقه فلا يضمن- دل عليه أن الإمام إذا قطع يد السارق، أو المأمور إذا قطع [يدا لأحد] فسرى ومات لا يضمنان. وكذا الفصاد والبزاغ والحجام، لما قلنا - كذا هذا.
стр. 479
قوله: لو وجد هذا الفعل ابتداء، كان موجبا للقصاص- قلنا: الشرع ألحق غير القتل بالقتل في موضع الظلم، سدا لباب العدوان، فلا يدل على الإلحاق ههنا.
ولئن سلمنا أن قتل، ولكن لم قلتم بأنه قتل معصوما، وبطلانه ظاهر؟ لأن العصمة حرمة التعرض، ولم تثبت هنا، لأن القطع مطلق فيه، وعين هذا القطع قتل، والسراية ليست في وسعه، فلا يكون معصوما.
ولئن سلمنا بأنه قتل معصوما، لم يجب الضمان.
وأما القياس على القتل الخطأ- قلنا: وجوب الضمان ثمة ثبت على خلاف القياس، لانتفاء المماثلة، فلا يتعدى إلى موضع النزاع.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن هذا الفعل يلازمه فوات الحياة؟ قلنا: لأن الكلام في قطع لم يتصل به البرء وأفضي إلى خروج كل الدم وفوات الحياة.
قوله: محتمل - قلنا: ذلك احتمال موهوم، لا أمارة عليه - دل عليه: أن هذا الاحتمال قائم في قتل النفس، ومع هذا لم يعتبر، والقطع وإن كان مشروعا في باب السرقة، ولكن هذا لا ينفي كون الموت ملازما للقطع في البنية التي لا تحتمل ألمه.
قوله: قتل بطريق السراية لا بطريق/ البداية- قلنا: هذا الفعل قتل من الابتداء، لأن القتل فعل يؤثر في فوات الحياة عادة، والفعل إنما يعرف بأثره، فما لم يوجد تمام الأثر لا يعرف كونه قتلا أو كسرا، وزمان الأثر قد يمتد.
قوله: هذه مخالفة للبداية- قلنا: إذا كان قتلا من الابتداء كانت العاقبة موافقة للبداية. بخلاف سقى الأرض، وإيقاد النار في داره، لأن ابتداءه مصادف لملكه.
وأما الإمام والمأمور والفصاد والبزاغ- قلنا: فعل هؤلاء وقع قتلا من الابتداء
стр. 480
أيضا إلا أنهم لا يضمنون لأن النفس ليس بمعصومة في حق هذا القتل، أما هنا بخلافه.
قوله: لم قلتم بأنه معصوم- قلنا: لما ذكرنا.
قوله: العصمة عبارة عن حرمة التعرض- قلنا: ليس كذلك، فإن حرمة التعرض أثر العصمة، ويجوز أن يكون المحل معصوما ولا يحرم تعرضه كمال الغير عند المخمصة، بل العصمة معنى شرعي في المحل يقتضى كونه محرم التعرض ويقتضى وجوب الضمان بمقابلته، إلا أنه قد تمتنع هذه الأحكام لمانع. وإلا أن العصمة لها أثران: أحدهما- حرمة الفعل، وكونه بحال لو فعله يعاقب. والثاني- إيجاب الضمان بمقابلته إعداما للضرر، وههنا دل الدليل على انتفاء الأثر الأول تمكينا له من استيفاء القصاص فيبقى الأثر الثاني، بخلاف الإمام والمأمور، لأن الفعل واجب عليهما، فلا يتقيد بالضمان، والقصاص هنا ليس بواجب، بل العفو مندوب، فيجب الضمان.
قوله: وجوب الضمان في فعل الخطأ ثبت على خلاف القياس- قلنا: بلى، ولكنه دافع للضرر به بوجه/ من الوجوه، فوجب أن يجب ههنا أيضا دفعا للضرر بقدر الإمكان.
١٩٢ - مسألة: من له القصاص في النفس إذا قطع طرف من عليه القصاص، وبرأ، ثم عفا عن النفس، يضمن أرش اليد. وعندهم: لا يضمن .
والوجه فيه- أنه قطع طرفا معصوما مضمونا بضمان معلوم، فيجب عليه، قياسا
стр. 481
على ما إذا قطعه ابتداء خطأ، وبيان الأوصاف ما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فلو سقطت العصمة إنما تسقط وجنايته القتل، فيوجب سقوط عصمته في حق القصاص، فيبقى معصوما في حق القطع. وبيان التأثر ما مر في المسألة المتقدمة.
فإن قيل: لا نسلم بأن الطرف معصوم في حق القطع.
قوله: بأن جنايته أوجبت سقوط العصمة في حق القتل - قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأن سقوط العصمة في حق القتل لا يكون سقوط العصمة في حق القطع، وهذا لأن القتل ليس إلا إتلاف النفس، فإذا صار القتل حقا له صارت النفس في حق الإتلاف حقا له، والنفس ليست إلا جملة هذه الأجزاء، فتصير الجملة حقا له، فلا يكون معصوما في حق قطع الطرف.
والدليل على أن سقوط العصمة في النفس يوجب سقوطها في الطرف، أنا أجمعنا على أن الشهود إذا شهدوا على رجل بالقصاص في النفس، فقطع من له القصاص طرفه، ثم رجع الشهود، ضمنوا، والشهور إنما يضمنون ما تلف بشهادتهم، فلولا أن الشهادة على النفس توجب تلف الطرف، لما ضمنوا.
والدليل عليه أن من له القصاص في الطرف إذا/ استوفى الأصابع ثم عفا، لا يضمن أرش الأصابع، والأصابع من الطرف بمنزلة الطرف من النفس- دل عليه أنه لو قطع ثم قتل قبل البرء لا يضمن. وكذا لو قطع وما عفا وما سرى وما برأ لا يضمن.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن سقوط العصمة في حق القتل لا يكون سقوطا في حق القطع - قلنا: لأن القتل غير القطع ومحله غير محله، فسقوطه لا يوجب سقوطه.
قوله: القتل إتلاف النفس، فإذا صار القتل حقا له، صار محل القتل حقا له، وهي النفس بأجزائها- قلنا: عنه جوابان:
أحدهما - لا نسلم بأن كون القصاص حقا له يقتضى كون النفس حقا له، لأن القصاص فعل ضروري.
стр. 482
والثاني- إن كان النفس حقا له، لكن في حق فعل خاص، وهو القتل، لا في حق فعل آخر.
وأما مسألة الشهود- فهو على هذا الخلاف.
وأما مسألة الأصابع- قلنا: هو يستحق الكف والأصابع في الأصل، لأن الإتلاف ورد على الكل مقصودا، لأن الأصابع أصل لآلة البطش لا تبع- أما ههنا بخلافه.
وأما إذا قطع ثم قتله البرء، إنما لا يضمن لأن الطرف صار مستحقا في حق القتل، وهذا الفعل وقع أو هو من جملة القتل ههنا.
وأما إذا قطع وما عفا وما برأ وما سرى، لم يتبين أنه بغير حق، لأن ذلك إنما يتبين بالبرء.
١٩٣ - مسألة: المشجوج رأسه او المقطوعة يده إذا عفا عن الشجة والقطع ثم سرى إلى النفس ومات يضمن والقاطع دية النفس. وقالوا: لا يضمن .
والوجه فيه- أن هذا قتل آدمي معصوم مضمون بضمان معلوم، ولم يوجد العفو عنه/ فيوجب الضمان، قياسا على ما إذا انعدم العفو أصلا وكان القتل خطأ.
وبيان وجود القتل والعصمة والمضمونية وبيان التأثير ما مر في مسألة سراية القود.
стр. 483
وإنما قلنا: غنه لم يوجد العفو- لأن لم ينص على العفو عن القتل، بل عفا عن القطع أو عن الشجة، والقتل غير والشجة غير، والعفو عن فعل معين لا يكون عفوا عن غيره. وإذا انعدم العفو عن القتل يجب الدية.
فإن قيل: قولكم بأنه قتل - قلنا: الشجة والقطع قتل ابتداء أم بطريق السراية؟ الأول- ممنوع، ولا يمكن دعواه، لأن الشجة لا تكون قتلا. والثاني- مسلم، ولكن السراية مخالفة للبداية، لأن البداية وقعت هدرا لمكان العفو، فلا يضاف إليها- على ما مر.
ولئن سلمنا أن هذا الفعل قتل، ولكن لم قلتم بأنه لم يوجد العفو عنه؟
قوله: بأن العفو وجد عن القطع أو الشجة- قلنا: بلى، ولكن هذه الشجة بعينها هي القتل، لأنها سارية، والقتل ليس إلا الجرح الساري، فكان العفو عنه عفوا عن القتل، فصار كما إذا قال " عفوتك عن الجناية" ثم سرى ومات، لا يجب الضمان- كذا هذا.
ولئن سلمنا انه ليس بعفو عن القتل، ولكنه عفو عن سبب القتل، وهو القطع، فيكون عفوا عن سببه، فيكون عفوا عن حكمه، وهو الدية.
الجواب:
قوله: القطع قتل ابتداء أم بواسطة إضافة السري إليه؟ قلنا: القطع من حيث إنه أفضى إلى فوات الحياة، وبيان الكلام ما مر في مسألة سراية القود. وتمامه في مسألة شراء الأب ناويا عن الكفارة.
стр. 484
قوله: لم قلتم بأنه لم يوجد العفو عن القتل- لما مر: أنه لم ينص على العفو. قوله: عفا عن القطع، /والقطع عينه قتل هنا- قلنا: لا نسلم، بل هو غيره إلا أنهما قد يتجاوزان، فلا يكون العفو عن أحدهما عفوا عن الآخر، بخلاف ما إذا قال عفوتك عن الجناية، لأن الجناية أمر عام يتناول القتل والقطع، فكان عفوا عن القتل.
قوله: القطع سبب القتل- قلنا: لا نسلم.
ولئن سلمنا، ولكن العفو عن القطع إنما يكون عفوا عن القتل أن لو صح العفو عن القطع، ولم يصح، لان العفو عن القطع عفو من موجبه، لأن إسقاط القطع محال، فإذا سرى ومات تبين أن هذا القطع لم يكن له موجب أصلا. إنما الثابت موجب القتل، وهو كمال لدية، فكأنه عفا عن أرش اليد، والواجب دية النفس، فلا يصح العفو عن القطع، فلا يكون عفوا عن القتل.
والله أعلم.
١٩٤ - مسألة: القصاص إذا كان بين صغير وكبير يتفرد الكبير بالاستيفاء. وعندهم لا يتفرد .
والوجه فيه- أن ملك القصاص ثابت للكبير على سبيل الكمال، فوجب أن يتفرد بالاستيفاء، قياسا على القصاص بين الكبيرين.
وإنما قلنا ذلك- لأن ملك القصاص لا يتجزأ، وقد وجد سبب ثبوته لكل واحد منهما على الكمال.
وإنما قلنا: إن ملك لقصاص لا يتجزأ- لأن ملك القصاص معنى يقتضي إطلاق استيفاء القتل، والقتل لا يتجزأ، فملك القصاص لا يتجزأ، ضرورة.
стр. 485
وإنما قلنا: إنه وجد سبب ثبوته لكل واحد منهما على سبيل الكمال - لأن النبوة سبب لثبوت ملك القصاص على سبيل الكمال، بدليل أنه سبب عند الانفراد.
وإنما قلنا: إنه ثبت ملك القصاص للكبير، فإنا/ أجمعنا على انه يملك العفو والاعتياض، ووذلك يبتنى على الملك، فكان الملك ثابتا للكبير على سبيل الكمال، فينفرد الكبير بالاستيفاء.
فإن قيل: قولكم بأن ملك القصاص لا يتجزأ - قلنا: استيفاء أم استحقاقا؟ م ع - وهذا لأن استيفاءه إن كان لا يتجزأ، لأن له آثاراً متجزئة، وهي الإرث وانقلابه مالا وغير ذلك.
ولئن سلمنا أن ملك القصاص لا يتجزأ، ولكن لم قلتم بأنه وجد سبب ثبوته لكل واحد منهما على سبيل الكمال؟
قوله: النبوة سبب لئبوته على الكمال- قلنا: حالة الانفراد أم حالة الاجتماع؟ م ع. بيانه- أن النبوة جاز أن تكون سببا لاستحقاق الكل حالة الانفراد، ولا تكون سببا حالة الاجتماع، كما في الإرث، فإن الابن الواحد المنفرد يستحق كل الميراث، وإن كان معه ابن آخر يستحق النصف- كذا هذا.
ولئن سلمنا انه وجد سبب الثبوت لكل واحد على الكمال، ولكن لم قلتم بأنه أمكن إثباته؟ . وبيان أنه لا يمكن - أنه متى ثبت لأحدهما على الكمال، إما أن يثبت للآخر عين ما ثبت للأول أو غيره، لا وجه للأول- لأنه لا يتصور، لاستحالة أن يستوفى هذا على الكمال. ولا وجه الثاني- لأنه غير متعدد.
ولئن سلمنا أن أمكن إثبات الكل لكل واحد، ولكن أمكن أيضا أن يثبت الكل
стр. 486
للكل، ويجعل الكل كشخص واحد، فلم كان ما قلتم أولى مما قلنا؟ وصار كالقصاص بين الحاضر والغائب؟ .
الجواب:
قوله: ملك القصاص لا يتجزأ استيفاء أم استحقاقا؟ - قلنا: استحقاقا واستيفاء لأن ملك القصاص/ وصف في المحل يظهر في إطلاق الفعل، وذلك لا يتجزأ.
قوله: لم قلتم بأنه [وجد] السبب- قلنا: لأن السبب هو النبوة.
قوله: ليس بسبب حالة الاجتماع- قلنا: إذا كان ذات البنوة سببا، فذاك لا تتفاوت بين الاجتماع والانفراد. إلا أن في باب الإرث: المستحق متجزئ في نفسه، فأثبتنا النصف لهذا- أما ههنا [فـ] لا يمكن العمل بالسبب إلا بالطريق الذي قلنا.
قوله: لم قلتم بأنه أمكن إثباته لكل واحد على الكمال- قلنا: لأنه يمكن ذلك، بأن يجعل استحقاق أحدهما عدما في حق الآخر شرعا، وبهذا بطل ما ذكرتم من التقسيم، لأن استحقاق أحدهما لم يظهر في حق الآخر.
قوله: كما أمكن إثبات الكل لكل واحد، أمكن إثبات الكل للكل ويجعل الكل كشخص واحد- قلنا: بلى، ولكن ما قلنا أولى، لأنه أقل تغيرا ومخالفة للحقيقة، لأن ما قلناه جعل كل واحد منهما عدما في حق تصرف الآخر، وفيما قلتم
стр. 487
جعلهما شخصا واحدا وتعطيل احد السببين، فكان ما قلناه أولى. وأما القصاص بين الحاضر والغائب- قلنا: احتمال العفو من الغائب ثابت وعلى تقدير العفو لا يتمكن الآخر من الاستيفاء - أما هنا، [فـ] احتمال العفو من الصغير ليس بثابت فافترقا.
١٩٥ - مسألة: القتل بالمثقل دقا لا يوجب القصاص. وقالوا: يوجب.
والقتل بالمثقل جرحا: عن أبى حنيفة روايتان. والأصح أن يوجب .
والقتل بالحديد دقا: عن أبى حنيفة روايتان. والأصح أنه لا يوجب.
والوجبه فيه - أن القصاص لو وجب لا يخلو: إما أن يستوفى دقا، أو يستوفى حزا/. لا وجه للأول، لقوله ﵇: " لا قود إلا بالسيف" - نفى القصاص بدون السيف. ولا وجه للثاني، لأنه عدول عن المماثلة، لأن الأول لم يجرح والثاني يجرح، والمماثلة شرط لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ إلى غيرها من النصوص. وإذا انتفى الأمران، لا يجب القصاص.
فإن قيل: لم قلتم بأنه لا يستوفى القصاص دقا؟
وأما الحديث- قلنا: الباء كما تستعمل للآلة تستعمل للسببية، فيحتمل أن
стр. 488
يكون معناه: لا قصاص إلا بسبب القتل بالسيف.
ولئن سلمنا أنه لا يستوفى دقا - لم قلتم بأنه لا يستوفى جرحا؟
قوله: بأن ذلك عدول عن المماثلة المشروطة بالنصوص- قلنا: لا نسلم بأن النصوص تقتضي اشتراط المماثلة، وهذا لأن المماثلة هي المشاركة في جميع الأوصاف، وذلك يبتنى على المماثلة بين المحلين، وإنه غير متصور بين الفعل والثاني، فيحتمل على المشاركة في بعض الأوصاف، وقد وجد.
ولئن سلمنا أن هذه النصوص تقتضي اشتراط المماثلة، لكن في وصف السيئة والاعتداء، لا في أوصاف أخر. وهذا الفعل سيئة من حيث هو قتل، لا من حيث هو دق وكسر، والفعل يماثله من حيث القتل- دل عليه انه لا يعتبر المماثلة في عدد الجراحات وطول الجراحة وعرضها وبعدها وغورها وكونها بالسكين أو السيف أو المحدد من الخشب أو الحجر المحدد أو النار، بلى يجب القصاص في الكل، مع ما ذكرتم.
ولئن سلمنا أن المماثلة معتبرة، ولكن في موضع لا يؤدي إلى فتح باب الظلم، وههنا يؤدي إلى فتح باب الظلم والعدوان.
ثم التعليل معارض بما روى عن أنس بن مالك: أن جارية وجد رأسها مرضوخا بين حجرين/ فقيل/ من فعل هذا بك؟ فلان، فلان، حتى ذكر يهودي فأومت برأيها، فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين
стр. 489
حجرين. وفي رواية "أن يهودياً قتل جارية على أوضاح فأقاده رسول الله ﷺ بها" - أخرجه النسائي ومسلم في صحيحه.
الجواب:
قوله: الباء تستعمل للسببية أيضاً - قلنا: حمله على السببية يحتاج إلى إدراج لفظ القتل، وحمله على الآلة لا يحتاج، فكان حمله على الآلة أولى.
قوله: المماثلة غير ممكن في جميع الأوصاف - قلنا: المماثلة من جميع الوجوه ممكن أم غير ممكن؟ إن قال: ممكن، يجب رعايتها، عملاً بالنصوص. وإن قال: غير ممكن، كان المراد من النصوص المماثلة فيما يمكن، لأن الشرع لا يكلف نفساً إلا وسعها.
قوله: بأن هذه النصوص تقتضي اشتراط المماثلة في وصف السيئة لا في أوصاف أخر - قلنا: بلى، ولكن هذا الفعل سيئة من حيث إنه دق وكسر وإيلام، فيشترط المماثلة فيما يمكن، أما فيما لا يمكن فلا.
قوله: يؤدي إلى فتح باب الظلم وسد باب القصاص - قلنا: يسمى كذلك، لأن القتل بهذه الأدلة لا يغلب وجوده.
وأما الحديث - قالوا: المراد منه السباية إذ كان اليهودي ساعياً في الأرض بالفساد وكان يعتاد ذلك.
стр. 490
١٩٦ - مسألة: شهود القصاص إذا رجعوا بعد الاستيفاء أو جاء المشهود بقتله حياً والشهود أقروا بالتعمد - لا يجب عليهم القتل .
والوجه فيه - أن قتل الشهود لا يساوي الجناية الموجودة منهم، فلا يستحق عليهم.
وإنما قلنا ذلك - لأن فوات الحياة في حق الشهود / يتعلق بحز الرقبة، بطريق العلة والإيجاب، ولا يتوقف على اختيار أحد. وفوات الحياة في حق المشهود عليه يتعلق بوسائط وأفعال اختيارية: منها - حصول غلبة الظن للقاضي بصدقهم. ومنها - قضاء القاضي. ومنها - اختيار الولي القصاص دون الدية. ومنها - مباشرة حقيقة القتل. ولا يخفى على أحد أن الأول في كونه جناية أقوى، فلا يجب، لأنه خالف النصوص المقتضية للماثلة.
فإن قيل: ما ذكرتم إن دل على عدم وجوب القصاص، ولكن ههنا دليل يدل على وجوب القصاص، وذلك لأن الموجود من الشهود قتل تسبيباً، وإن لم يكن مباشرة، لأن فعلهم يقضي إلى زهوق الروح، بواسطة تغلب وجودها، لأنه يجب على القاضي القضاء، وذلك بحمل الولي على الاستيفاء، فيصير الشاهد قاتلاً، كالمكره، بل أولى، لأن إقدام المكره حرام، وقضاء القاضي واجب، فيكون الملازمة ههنا أكثر، فيكون قتلاً معنى وتسبباً. ولهذا تجب الدية عليهم، والدية حكم القتل، فيجب القصاص بالنصوص المقتضية للقصاص.
ولئن سلمنا أن الموجود منه ليس بقتل، لكن لم قلتم بأنه لا يجب القصاص؟ .
أما النصوص المقتضية للمماثلة، فالاعتراض عليها ما مر في المسألة المتقدمة.
стр. 491
ولكن القول بعدم وجوب القصاص سد لباب القصاص وفتح باب الظلم والعدوان ولأنهم أسقطوا عصمة المشهود عليه، فوجب أن تسقط عصمتهم تحقيقاً للمماثلة
الجواب:
قوله بأن فعل الشهود قتل معنى وتسبباً - قلنا عنه جوابان: أحدهما - لا نسلم/ بأنه قتل تسبباً، لأن القتل تسبباً ما يفضي إلى زهوق الروح غالباً كإلجاء المكره، وهنا لا يفضي غالباً، لأن القاضي غير مضطر في ذلك، وكذلك الولي لأن العفو مندوب، ووجوب الدية لا يختص بالقتل، بدليل أنه يجب الدية بقطع اليدين أو اللسان أو المارن وغيرها، والثاني - إن كان الموجود منه قتلاً تسبيباً، ولكن يماثله القتل بطريق المباشرة، على ما ذكرنا.
والجواب عن اعتراضات المماثلة، ما مر في المسألة المتقدمة.
قوله: يؤدي إلى فتح باب الظلم - قلنا: لا نسلم، وهذا لأنه لا يغلب وجود القتل بهذا الطريق، بل هو نادر جداً، فلا يؤدي إلى ما ذكرتم.
قوله: بأنهم أسقطوا عصمة المشهود عليه - قلنا: فعل الشهود أوجب سقوط العصمة بالوسائط، وقتلهم يوجب سقوط عصمتهم من غير واسطة اختيار القاضي.
والله أعلم.
١٩٧ - مسألة: الجمل أو الصبي أو المجنون إذا صايل على إنسان فقتله المصول عليه: يضمن. وعنده: لا يضمن .
стр. 492
والوجه فيه - أنه أتلف مالاً متقوماً معصوماً حقاً لمالكه، فيجب عليه الضمان، قياساً على ما إذا أتلف قبل الصيال.
وإنما قلنا ذلك - لأن المال هو المحل المعد لإقامة مصلحة الآدمي حقيقةً وشرعاً، وقد وجد.
وأما كونه متقوماً معصوماً - فلما مر في مسألة إتلاف خمر الذمي. فلو سقطت العصمة إنما تسقط بجناية المالك ولم توجد، لأن الكلام فيه والتأثير ما مر في مسألة إتلاف خمر الذمي.
فإن قيل: قولكم بأنه أتلق - قلنا: لا نسلم، وهذا لأن الإتلاف فعل يضاف إليه التلف - فلم قلتم بأن تلف الدابة يضاف إلى فعله. بيانه - أن التلف إنما يضاف/ إلى فعله إذا كان باختياره وهو مسلوب الاختيار من جهة غيره، لأنه مضطر في الدفع، فكان كالمكره، فكان كالآلة، فلا يكون متلفاً، فلا يجب عليه الضمان.
وإذا سلمنا أنه أتلف - ولكن لم قلتم بأنه مال؟
قوله: المال هو المعد لإقامة المصالح - قلنا: بلى، ولكن لم قلتم بأن الجمل في هذه الحالة بقى مالاً على هذا التفسير، وهذا لأن الصيال يخرجه عن الانتفاع به والرغبة فيه، فلا يكون مالاً في هذه الحالة.
ولئن سلمنا أنه مال، لكن لم قلتم بأنه معصوم، وظاهر أنه غير معصوم، لأنه لا يحرم تعرضه في هذه الحالة بالإجماع.
ولئن سلمنا عصمة الصائل، ولكنها معارضة بعصمة المصول عليه ولا يجتمعان.
ولئن سلمنا الأوصاف، لكن لم يجب الضمان؟
стр. 493
قوله: دفعاً لضرر المالك - قلنا: إنما يجب الضمان دفعاً لضرر الإتلاف إذا كان بغير رضا المالك. أما إذا كان برضا المالك، فلا يجب الضمان، وههنا الإتلاف برضا المالك، ولأن الظاهر من حال المسلم أن لا يرضى بهلاك المصول عليه، ولأنه مأذون من جهة الشرع في الإتلاف لتعيينه مدفعاً، فلا يجب الضمان، فصار كالحر إذا صال على إنسان، والعبد وصيد الحرم، فإنه يجب الضمان في هذه الصور، لما ذكرنا - كذا هنا.
والله أعلم.
الجواب:
قوله: لم قلتم بأن تلف الدابة مضاف إلى فعله؟ - قلنا: لأنه ملازم لفعله، فيضاف إليه.
قوله: إنما يضاف إليه إذا كان باختياره، وهو مسلوب الاختيار - قلنا: هو باختياره، لأنه قتلها بقصده واختياره، لقيام الداعي إليه، وهو صيانة نفسه.
وأما المكره - قلنا: المكره يصلح آلة للمكره حقيقة/ أما المصول عليه، [فـ] لا يصلح آلة للدابة، في قتل تفسه.
قوله: لم قتلم بأن الدابة في هذه الحالة بقيت مالاً -قلنا: لأنها صالحة للمصالح والصيال غير مانع لها، لأنه لا يدوم - دل عليه أنه لو قتله غير المصول عليه في هذه الحالة يضمن.
وبه خرج الجواب عن سؤال العصمة.
وأما المعارضة بعصمة المصول - قلنا: نحن علمنا بهما جميعاً، فقلنا برخصة الإتلاف دفعاً للهلاك عن المصول عليه رعاية لعصمته، وقلنا: يكون الإتلاف مقابلاً بالضمان رعاية لعصمة الدابة وحق المالك.
стр. 494
قوله: الإتلاف حصل برضا المالك، فلا يوجب الضمان - قلنا: لا نسلم بأنه وجد رضا المالك بل الظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بتلف ماله - غاية ما في الباب أنه مأذون شرعاً فيرضى به، ولكن الشرع أثبت رخصة الإتلاف بشرط الضمان، فالمالك يرضى على هذا الوجه.
قوله: بأنه مأذون من جهة الشرع - قلنا: ولكن بشرط الضمان، رعاية للجانبين. واعتباراً للعصمتين، فيجب الضمان، كتناول مال الغير عند المخمصة: يجوز بشرط الضمان - كذا هذا.
وأما الحر: إذا صال على إنسان، فقتله المصول عليه، إنما لا يضمن، لأن عصمته سقطت بالصيال، والصيال جناية منه.
وكذلك العبد: سقطت عصمته.
وأما صيد الحرم: فلأن عصمته إنما تثبت بالشرع لحرمته أو لحرمة الحرم. ولكن إنما أثبتها الشرع مؤقتاً إلى غاية الأذى من جهته، فلا يبقى معصوماً - أما ههنا بخلافه.
١٩٨ - مسألة: المسلم يقتل بالذمي قصاصاً، خلافاً له .
والوجه- أن هذا قتل آدمي معصوم على جهة التعمد، فيكون سبباً لوجوب القصاص/ قياساً على قتل المسلم بالمسلم.
وإنما قلنا ذلك - لأن دليل العصمة ثابت، وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ -إلى قوله- حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾: أثبت إباحة القتل ممدوداً إلى غاية قبول
стр. 495
الجزية، والحكم الممدود إلى غاية تنتهي بوجود تلك الغاية، فتنتهي الإباحة، فتثبت العصمة، فتكون سبباً لوجوب القصاص، بالنصوص.
فإن قيل: تعليلكم باطل بالنصوص:
منها - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. ولو قتل المسلم بالذمي، كالذمي بالمسلم، لثبت المساواة.
ومنها - قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وفي إيجاب القصاص إثبات السبيل.
ومنها - قوله ﵇: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" قولكم بأنه قتل آدمي معصوم - قلنا: لا نسلم بأن الذمي معصوم.
وأما الآية - قلنا: انتهاء الغاية يوجب انتهاء الحكم الممدود إلى الغاية - فلم قلتم بأن الحكم الممدود إلى غاية قبول الجزية إباحة القتل، بل الحكم إيجاب القتل، لأنه أمر بالقتال، فإذا وجد قبول الجزية ينتهي وجوب القتل، أما لا تنتهي إباحة القتل.
ثم الدليل على انتفاء العصمة قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إلى غيرها من النصوص.
ولئن سلمنا أن الذمي معصوم، لكن مثل عصمة المسلم أم دونها؟ ع م - وهذا
следующие страницы →