Полный текст (271 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مقدمة المؤلف
الحمد لله الحكم الذي لا يجور، والمحيط علما بما تخفي الصدور، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آل محمد أجمعين ... وبعد:
فإن هذا كتاب جمعت فيه عيونا من مسائل الأقضيات والأحكام، استخرجتها من الأمهات، وانتخبتها حسانا جيادا؛ أردت بذلك النصيحة لمن كان من حكام المسلمين قد شغله ما قلده وعصب به عن درس كتب الفقه ومطالعتها والاستكثار من النظر فيها؛ ليستغني بما انتخبته من ذلك -إذا علمه- عن المشورة متى
стр. 2
نزل به شيء منه؛ فليس يستحسن من الحكم أن يشاور في كل ما يرفع إليه من أمر الخصوم، بل كل ما بعد مسرحه في علم القضاء كان أقبل له، وأحرز لدينه، ولا توفيق إلا بالله.
стр. 3
كتاب الدعوى
باب الحكم في رفع المدعى عليه
قال محمد بن عبد الله بن زمنين ﵁: من شأن حكام العدل، والمعروف من سيرتهم في رفع الخصوم، أنه إن كان المدعى عليه مع الحكم في مصره أو قريبا منه بالأميال اليسيرة، رفعه بطابع يدفعه إلى المدعي، وإن رأى أن يرسل فيه رسولا من أعوانه، فعل ما يحضره من الاجتهاد في ذلك. وإن كان موضع المدعى عليه بعيدا، كتب في رفعه.
وقد روى عبد الملك بن حبيب أنه قال: سمعت أصبغ بن
стр. 4
الفرج يقول: إذا استعدى الخصم القاضي على خصمه النائي عنه وسأله أن يكتبه له فيه، فلا يكتب إلا إلى أهل العدل والأمانة، يأمرهم أن يجمعوا بينهما، وأن يأمروهما بالتناصف، فإن أبيا فانظروا، فإن ثبت المدعي عندكم سببا لحقه ورأيتم وجه مطلبه ولم تروه –يريد تعنيته-، فارفعوه إلينا معه، وإلا فلا ترفعوه وهذا إذا كانا بالمكان الذي لا مؤنة فيه على المدعى عليه، ولا على المدعي، ولا على البينات، فأما المكان البعيد من موضع القاضي، أن انظر فيما يدعيه فلان قبل فلان، واسمع من بينته [وانظر] في منافعها وجميع أمرها، ثم اكتب إلينا بما ثبت عندك ورأيته في ذلك؛ لننظر فيه، فإذا نظر القاضي فيما جاءه من المكتوب إليه، ورأى أن يكتب إليه بإنفاد الحكم، فعل. وإن رأى حينئذ أن يرفع المدعى عليه والمدعى؛ [لينفذ بينهما ما قد] أثبتاه عند المكتوب إليه، فعل. ولا يشخص.
стр. 5
البينات والخصوم إذا بعد المكان.
وفي العتبية قيل لسحنون: أرأيت الشاهدين يكونان من أهل البادية فيقولان لصاحب الحق: الهبوط إلى الحاضر يشق علينا، أترى للقاضي أن يكتب إلى رجل يشهد عنده الشهود؟ فقال: إذا كان وافق موضع القاضي على مثل الساحل منا –وذلك نحوا من ستين ميلا -، فلا بأس بذلك.
وفي كتاب محمد بن سحنون، أن أباه سحنونا كان إذا كتب
стр. 6
إلى أحد من أمنائه برفع خصم، فكتب إليه الأمين أن المرفوع [عصى من] أن يرتفع، أو ألد كتب إليه أن يعقل عليه ضياعه ومنافعه، وأن يسد بابه حتى [يضطر بذلك إلى الارتفاع] /.
باب الحكم في أخذ المقالات في الدعوى
قال محمد: من شأن حكام العدل إذا وقف بأحدهم خصمان، أن يقول لهما: من المدعي منكما؟ فإن قال أحدهما: أنا المدعي، قال له: تكلم، وأر المدعى عليه بالسكوت حتى يفرغ المدعي من مقالته، وإن قال كل واحد منهما عن صاحبه [أنه] المدعي، أمرهما بالارتفاع عنه حتى يأتي أحدهما ويطلب الخصومة، فيكون هو المدعي، كذلك قال ابن حبيب، ورواه عن أصبغ.
قال محمد: وكان من شأن الحكام –أيضا، قديما –الطبع على كتب المقالات، وأن يؤرخوهما، ويشهدوا عليه عدولا، وأن يرفعوها عند أنفسهم، أو عند من يثقون به.
стр. 7
وروى أشهب، عن مالك أنه سئل عن القاضي يكتب شهادة القوم في كتاب أو لأمر يريده من أمر الخصمين، ثم يختم الكتاب، ويدفعه إلى صاحبه حتى يروى الكتاب ويعرفه بخاتمه، أترى أن يجيز ما فيه بغير بينة أنه خاتمه؟ أو الخواتم ربما عمل عليها؟ فقال: هو أعلم، وأحب أن يكون الكتاب عنده.
قال أصبغ: وأرى أن يجيزه إذا عرفه وعرف خاتمه.
[قال محمد: ومن شهد عليه بحق، فينبغي للقاضي أن يقول له: هل عندك مدفع فيما شهد عليك به؟ فإن قال: عندي، ضرب له أجلا بعد أجل بعد أجل، على قدر اجتهاده، ما لم يتبين له أنه ملد، فإذا انقضت الآجال تلوم عليه –أيضا- أياما قدر الجمعة
стр. 8
ونحوها، فإن أتى ببينة توجب له نظرا، وإلا ضرب له أجلا ثلاثة أيام، وأعلمه أنه حاكم عليه إن لم يأت بما يسقط عنه أمر الشهادة، على هذا تجري أحكام من أدركنا من القضاة].
ولعبد الملك عن مطرف وابن الماجشون، أنهما قالا: وإذا قال أحد الخصمين عند القاضي مقالة ينتفع بها [صاحبه]، فينبغي للقاضي أن يقول: هات قرطاسا أكتب لك فيه مقالته، وينبهه إلى ذلك إن غفل عنه، ولم يطلبه، قالا: ولا ينبغي للقاضي أن يترك ذلك، وليفعله بجميع الخصوم، ولا يفعله ببعض دون بعض.
باب الحكم بين المتداعيين في التوكيل على الخصومة
قال محمد: وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن وكلت وكيلا في خصومتي وأنا حاضر، فقال خصمي: لا أرضى؟ [قال]: ذلك جائز [عند مالك]، وإن لم يرض
стр. 9
خصمه، إلا أن يكون الذي توكل [إنما توكل] ليضر بهذا الخصم؛ لعداوة بينهما، فليس ذلك له.
قال سحنون: قلت له: فلو أن رجلا خاصم رجلا عند قاض ونظر فيها، ثم حلف أحدهما أن لا يخاصم صاحبه، وأراد أن يوكل. فقال: ليس ذلك له، إلا أن يكون له عذر، مثل أن يكون شتمه أو أسرع عليه، أو ما أشبه هذا، وهو قول مالك. قال ابن القاسم: وأنا أرى أنه إن مرض أو أراد سفرا أو غزوا أو حجا، ولم يكن ذلك منه إلدادا ولا قطعا له في خصومته، رأيت له أن يستخلف.
قال سحنون: قلت: فهل يكون هذا المستخلف على حجة الأول؟ قال: نعم، ويحدث مع الحجة ما شاء. قلت: وهذا الذي لم يوكل ما قام من بينته الذين يشهدون له على الذي وكل هذا التوكيل جائز؟ وكل ما كان أوقع من حجة على خصمه قبل أن يوكل هذا جائز على هذا الموكل عليه في قول مالك؟ قال: نعم.
قال محمد: وفي العتبية، سئل أصبغ عن الرجل يوكل وكيلا على مخاصمة، ويشهد أنه جعله فيما أقر به لخصمه كنفسه، فيقر
стр. 10
الوكيل بأشياء؟ فقال: إن كان وكله/ على خصومة ولم يفسر له شيئا، فهو وكيل على المرافعة وحدها، وليس له صلح ولا إقرار، وهو وجه الوكالة أبدا إذا أبهمت، حتى يستثنى فيها، وإذا استثنى أنه بمثابة نفسه في الصلح والإقرار، كان كذلك، وإلا لم تعد الخصومة إلى صلح ولا إلى إقرار، ولم يجز عليه ولا لزمه غير ذلك.
وفي سماع يحيى، سئل ابن القاسم عن ورثة رجل ادعوا منزلا في يد رجل، وهم جماعة، أيخاصمه كل رجل منهم لنفسه؟ قال: بل يرضون جميعا بمن يخاصمه ويدلي إليه بحجتهم، يخاصم عنهم أو يحضرون جميعا فيدلون بحجتهم، وأما أن يتعاوره هذا في يوم وهذا، في يوم فليس ذلك لهم.
стр. 11
قال عيسى: وسئل ابن القاسم عن الرجلين [يدعيان] قبل رجل شيئا، فيأمرهما القاضي أن يستخلفا أو يخاصم أحدهما يرضيان بذلك فيقولان من حضر منا فهو خليفة الغايب أينا حضر خاصم عن نفسه وعن صاحبه؟ فقال: لا يمكنا من ذلك.
باب الحكم في اعتقال الربع والعقار
وفي المدونة قال ابن القاسم: وسمعت مالكا، وقد اختصم إليه في أرض حفر رجل فيها عينا، فقام غيره فادعى فيها دعوى.
فقال الذي بيده الأرض: اتركوا عمالي يعملون، فإن استحق الأرض فاهدم عملي. قال مالك: لا أرى ذلك، وأرى أن يوقف، فإن استحق حقه [وإلا بنيت].
قال سحنون: قلت لابن القاسم: [وهل يكون هذا بغير
стр. 12
بينة] أو شيء يوجب توقيف هذه الأرض؟ قال: لا يكون ذلك إلا أن يكون لقول المدعي وجه توقيف.
قال محمد: ومن ادعى على رجل في دار أو أرض أو غير ذلك من الأصول الثابتة، وسأل أن توقف له، فقد ذكر سحنون في المدونة عن بعض الرواة أنه قال: إذا اتجه أمر الطالب، وقف توقيفا يمنع من الإحداث فيها. يريد أنه يمنع أن يحدث فيها بناء أو هدما أو غير ذلك مما يخرجها به عن حالتها. ومعنى قوله: إذا اتجه أمر الطالب. فذلك أن يأتي بشبهة بينة، أو بشاهد واحد عدل، وأما إذا شهد الشهود شهادة قاطعة، وحازوا ما شهدوا به، وجب ضرب الأجل على المشهود عليه في الربع، إن كان عنده أو أمر ينتفع به. فالذي عليه الفتيا أن المدعى إن كانت في دار اعتقلت بالفعل بعد أن يضرب له أجل في إخلائها بقدر ما يراه الحكم، وإن كانت في ارض منع من حرثها، وإن كانت مما له خراج كالفرن
стр. 13
والحانوت وما أشبه ذلك مما له خراج، وقف الخراج، وإن كانت في حصة أرض أو دار أو ما أشبه ذلك، اعتقل على المدعى عليه تلك الحصة فيه بالكراء ووقف الكراء كله، وقد قيل يوقف من الكراء قدر الحصة.
وروى عيسى، عن ابن القاسم، في العتبية: أنه سئل عن رجل ادعى في زيتون بيد رجل، وذكر أن له ثمرا، وأقام على ذلك شاهدا واحدا، وطلب أن يجعل وكيلا على الثمرة يحوزها في [الجني] والعصر حتى يستحق حقه، وطلب الذي هي في يده أن تباع، وجل الناس عندنا لا يبيعون، إنما شأنهم أن يعصروا. فقال: إن كان الشاهد عدلا، فينبغي للحكم أن يحلف الطالب، ويدفع الثمرة إليه. وإن كان الحكم ممن لا يقضي باليمين مع الشاهد. فإني أرى أن ينظر إلى ما فيه النماء والفضل في بيعه أو عصره، فيوكل رجلا يثق به فينظر في عصره أو بيعه ويوقفه، فإن أتى الطالب بشاهد واحد، دفعه إليه، وإلا حلف المطلوب أنه ما يعلم أن الذي ادعاه
стр. 14
الطالب حق فيدفعه إليه. فإن نكل، حلف الطالب، ودفع إليه.
قال محمد: ولم يبين عيسى في روايته هذه إن كانت الثمرة يوم ادعاها القائم فيها/ قد استجذت ويبست أو لا وقد بين ذلك أو زيد [روى] عن ابن القاسم أنه قال فيمن ابتاع حائطا فاستحق من يده وفيه ثمرة قد طابت واستجذت، فإن المستحق يأخذها ما لم تفارق الأصول، ويدفع إلى المبتاع قيمة ما سقى وعالج.
стр. 15
باب الحكم في توقيف ما لا يستحق من الحيوان
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن ادعى رجل قبل رجل عبدا، وقال ادفعوا إلى العبد، أذهب به إلى موضع بينتي، وأنا أضع قيمته، وادعى بينة قريبة مثل اليوم واليومين؟ قال مالك: ليس ذلك أمر، ولو جاز هذا للناس بغير بينة أو سماع، لاعترضوا أموال الناس. قلت له: وقفوا العبد حتى آتي ببينة يثبت بها حقي، أيكون له ذلك؟ فقال: لا، إلا أن يقول: بينتي حضور، فإن قال ذلك، وكل القاضي بالعبد، ووقفه فيما قرب من يومه، وما أشبهه، فإن أتى بشاهد واحد عدل أو بقوم يشهدون أنهم سمعوا أنه سرق له ما يدعي، فإنه يدفع إليه، وإن لم تكن شهادة قاطعة وأراد أن يدفع إليه العبد ليذهب إلى موضع بينته، وكان ذلك له، ووضع قيمته، وإن لم يرد أن يضع القيمة، وسأل أن يوقف له العبد حتى يأتي ببينة قاطعة [لم يدفع إليه]، فإن قال إن بينته تبعد، وكان توقيفه مضرة على المدعى عليه، لم يكن ذلك له، ويستحلف القاضي المدعى عليه، ويخلي سبيله، ولا يأخذ منه كفيلا، وإن قال المدعي: إن شهوده حضور، وقف له. قال سحنون: يوقف له ما بين خمسة أيام إلى الجمعة.
قال ابن القاسم: قلت لمالك: فإن وقفته، فعلى من النفقة؟
قال: على الذي يقضى له به.
стр. 16
وفي سماع عيسى، سألت ابن القاسم عن الرجل يدعي الغنم قبل رجل، ويوقفها القاضي حتى ينافذه، على من رعيها؟ فقال: على من تصير له. قلت له: فغلتها لمن تكون إلى أن يقضى بها؟
فقال: للذي هي في يده؛ لأن ضمانها منه. وقال عيسى: الرعي على من له الغلة.
باب الحكم في توقيف ما يسرع إليه الفساد
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من ادعى ما لا يبقى، ويسرع إليه الفساد، مثل الفاكهة الرطبة واللحم؟
فقال: إن شهد للمدعي شاهد واحد، وأبى أن يحلف وقال: عندي شاهد آخر، فإن القاضي يؤجل المدعي في إحضار شاهده، ما لم يخف الفساد على المدعى فيه، فإن أحضر ما يثق به، وإلا خلى بين المدعى عليه وبين متاعه.
وإن أقام المدعي لطخا يوجب به توقيف المدعى فيه، وقال: لي بينه حاضرة، فالحكم فيه –أيضا- على ما أعلمتك به إذا
стр. 17
أقام شاهدا واحدا وأبى أن يحلف.
وإن أقام المدعي شاهدين لا يعرفهما القاضي بعدالة، وخاف على المدعى فيه الفساد، أمر أمينا فباعه وقبض ثمنه ووضع الثمن على يد عدل، فإن زكيت البينة قضى بالثمن للمدعي.
وإن كان ادعى أنه اشتراه من المدعى عليه، أخذ منه الثمن الذي شهدت به البينة، فيدفع إلى البائع كان أقل أو أكثر، ويقال للبائع: أنت أعلم بما زاد ثمن المشتري الذي جحدته البيع على ثمن سلعتك التي بيعت.
وإن لم تزك البينة، دفع القاضي الثمن إلى المدعى عليه.
ولو تلف قبل أن يقضى به لواحد منهما، لكانت مصيبته من الذي يقضى له به، كان تلفه قبل الحكم أو بعده.
قال لمحمد: قوله في هذه المسألة: "ويقال له: أنت أعلم بما زاد ثمن المشتري الذي جحدته البيع"، معناه مثل أن تشهد البينة على البائع أنه باع باثني عشر درهما، وكان الثمن الذي باعها به القاضي عشرة دراهم، أنه يقال للبائع: ادفع إليه ثمن السلعة إن كنت تعلم أن البينه شهدت بزور، وأنك لم تبع سلعتك بشيء فينبغي لك أن تتورع/ عن أخذ الدرهمين.
стр. 18
باب الحكم في توقيف ما وقعت فيه دعوى وليس بيد أحد
(وفي المدونة قال) سحنون: قلت لابن القاسم: لو أن سلعة تداعى فيها رجلان، وليست بيد واحد منهما، وأقاما بينة عدل، فتكافأت البينتان في العدالة؟ فقال: إن كان المشهود فيه مثل الدور والأرضين وما لا يخاف عليه أن يتغير، منعهم منه الحكم حتى يأتوا ببينة هي أعدل من الأولى، إلا أن يطول زمان ذلك ولا يأتي واحد منهما بشيء غير ما أتى به، فإنه يقسم بينهما.
قال ابن القاسم: وإن كان مما يخاف عليه ويرى أنه لأحدهما (مثل الطعام والعروض والحيوان)، فإنه يستأنا به قليلا، فإن أتى أحدهما بأثبت مما أتى به صاحبه، وإلا قسمه بينهما بعد أيمانها كالشيء الذي لا شهادة لهما فيه. قال: وبلغني عن مالك أنه قال في القوم يتنازعون عفوا ن الأرض، فيأتي هؤلاء ببينة (ويأتي هؤلاء ببينة)، فتكافأت البينتان، أن تلك الأرض تكون كغيرها من عفو بلاد المسلمين حتى تستحق بأن يأتي أحدهما ببينة أعدل من الأولى
стр. 19
باب الحكم في توقيف الإباق وما يوجد بأيدي اللصوص
وفي المدونة قال ابن القاسم: وإذا رفع الآبق إلى السلطان فليحسن معيشته، فإن اعترفه صاحبه، وإلا أمر السلطان ببيعه. قلت له: فمن ينفق عليه؟ قال: السلطان، فإن أتى ربه أخذ منه ما أنفق، وإن لم يأت، باعه وأخذ من ثمنه ما أنفق وجعل لسيده ما بقي في بيت المال. قلت: فإن جاء سيده بعدما باعه السلطان، أيكون له أن ينقض البيع؟ قال: لا، وإنما له أخذ الثمن. قلت: فلو قال سيده: قد كنت دبرته أو أعتقته بعدما أبق، أيقبل ذلك؟ قال: لا يقبل قوله إلا ببينة.
قلت: فلو كانت أمه فقال: سيدها: قد كانت ولدت مني قبل أن تأبق؟ قال: ترد إليه إن كان ممن لا يتهم فيها.
قلت: فلو ادعى رجل الآبق ووصفه، إلا أنه لم يقم بينة على ملكه؟ قال: يتلوم السلطان في ذلك الموضع، وينظر في قول
стр. 20
العبد، فإن كان كما قال وإلا أسلمه إلى هذا القائم فيه وضمنه إياه.
قلت: فإن أقر بالعبودية، أيرجع إليه بلا بينة؟ قال: نعم.
وقال مالك في اللصوص إذا أخذوا وفي أيديهم الأمتعة، وأتى قوم يدعونها ولا يعلم ذلك إلا بقولهم. قال: يتلوم السلطان، فإن لم يأت غيرهم وإلا دفعت إليهم.
باب الحكم بالتوكيل على من ادعي عليه بحق
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من ادعى قبل رجل [حقا] كفالة أو دينا، كيف يعمل فيه؟ قال: يسأل القاضي المدعي، هل له بينة على مخالطة أو حق أو ظنة، فإن قال: نعم، وذكر أن بينته حضور، فإن القاضي يوكل بالمدعى عليه حتى يأتي المدعي بالبينة فيما قرب من يومه وما أشبهه، فإن أتى ببينة يستحق بها ما ذكر من المخالطة أو الظنة ودعى إلى أحلافه كان ذلك له، وغن ذكر أن له بينة يستحق بها حقه، وأنهم غيب غيبة قريبة أخذ له القاضي كفيلا بنفسه ما بينه وبين خمسة أيام إلى الجمعة ليحضر فيشهد [الشهود] على عينه إن كان يحتاج الشهود إلى حضوره ليشهدوا على عينه.
стр. 21
وإن ذكر أن غيبة شهوده تبعد وقال للقاضي: أحلفه لي، ثم إن قدمت بينتي فأنا على حقي، قال: ينظر القاضي في ذلك، فإن ادعى بينة بعيدة [رأيت أن يحلفه له ولا يأخذ منه كفيلا وهو على حقه إذا قدمت بينته، وإن كانت/ [البينة] على مسيرة اليومين والثلاثة، قيل: قرب بينتك وإلا فاستحلفه على ترك البينة.
قال سحنون: قلت له: أرأيت من ادعى قبل رجل حقا، وأثبت الخلطة، وقال للقاضي: أحلفه لي، فاستحلفه ثم وجد عليه بينة؟ فقال: قال مالك: إن كان لم يعلم بالبينة حتى أحلفه فله أن يطالبه بحقه، وإن كان استحلفه وهو عالم ببينته تاركا لها فلا حق له.
стр. 22
كتاب الشهادات والأيمان
باب ما تثبت به الخلطة، ومن يحلف بلا خلطة، ومن قال للمدعي اجمع مطالبك أحلف عليها يمينا واحدة
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت من ادعى على رجل أنه استهلك له متاعا بغضب أو جناية ودعى إلى إحلافه؟ فقال: لا تجب اليمين في مثل هذا بالخلطة إلا أن يقيم المدعي بينة أن المدعى عليه من أهل الطنة والتهمة بمثل ما ادعى عليه، ولا تثبت الخلطة بأقل من شاهدين، وفي سماع أصبغ قال: سمعت ابن القاسم وسئل عن المخالطة التي يستوجب بها [المدعي على] المدعى عليه اليمين ما هي؟ فقال: يسالفه ويبيع منه ويشتري، فقيل له أرأيت إن ادعى عليه وجاء بشهود يشهدون أنه باع منه أمس أو اشترى منه سلعة وقبضا وتفاصلا؟ فقال: لا أرى هذا مخالطة حتى يعامله مرارا. قال سحنون: ولو ادعاها أهل السوق بعضهم على بعض لم تكن مخالطة حتى يقع البيع بينهم، وكذلك إن
стр. 23
كانوا أهل مسجد واحد يجتمعون فيه للصلاة والحديث. وقال أصبغ خمسة تجب عليهم الأيمان بلا خلطة: الصانع، والمتهم بالسرقة، والرجل يقول عنه موته أن لي على فلان دينا، والرجل يمرض في الرفقة فيدعي أنه يؤتى بماله إلى رجل، وإن كان المدعى عليه عدلا غير متهم، وكذلك من ادعى عليه رجل غريب نزل في مدينته أنه استودعه مالا.
قال محمد: ومن وجبت له على رجل يمين لبعض ما جرا بينهما من المعاملات والملابسة فقال المدعى عليه للمدعي: اجمع مطالبك عن كنت تزعم لك عندي مطلبا غير الذي تريد إحلافي عليه الساعة؛ لأحلف لك في جميع ذلك يمينا واحدة، فهو من حق الدعى عليه، بخلاف من وجبت له على صاحبه يمين بسبب ميراث
стр. 24
فقال المدعى عليه للمدعي: اجمع مطالبك قبلي فيما بها جرا إليك هذا الميراث لأحلف على ذلك كله يمينا واحدة. فليس ذلك له؛ لأن الميراث لا يحاط بالحقوق فيه، وهذا الذي تعلمناه من بعض من أدركنا من المشايخ.
باب في اليمين التي لا ترد ومن أراد أن يلغز في يمينه
سئل مطرف بن عبد الله فيمن اتهم بسرقة، أترى أن يحلف فيها؟ فقال إن كان ممن يتهم أنه يرضى لنفسه بالسرقة وعارها حلف وإن أبى سجن حتى يرى السلطان رأيه. قيل له: فإن لم يكن مم يتهم بأنه يرضى بالسرقة وعارها ولكنه متهم بأنه لا يدع أن يأخذ متاع غيره إذا قدر عليه؟ فقال: لا أرى عليه يمينا إذا ادعي عليه بسرقة.
وفي سماع أشهب، سئل مالك عن رجلين ابتاعا طعاما، فحمل اليهما الحمالون طعاما، فوجد أحدهما طعامه ينقص
стр. 25
غرائر فذهب إلى الذي كان يحمل إليه الطعام معه، فقال: انظر أن لا يكون ذهب إلك من قمحي شيء، فكال الرجل قمحه فوجد فيه زياده فردها، فأراد الذي ذهب طعامه أن يستحلفه على باقي ما نقص من غرايره؟ فقال: ذلك له، وإن أبى المدعى عليه أن يحلف، حق عليه الحق، ولا أرى على لمدعي يمينا؛ لأنه لا يدري ما يحلف عليه.
وفي كتاب ابن حبيب قال عبد الملك: وسألت مطرف بن /عبد الله عن الرجل يدعي على الرجل أنه باعه بيعا، وأن ثمن ذلك باق عليه، فينكر ذلك المدعى عليه فيؤمر باليمين، بعد معرفة الخلطة بينهما، فيقول: أنا أحلف أنه لا حق لك قبلي، ويقول الطالب: بل تحلف لي أني ما بعتك سلعة كذا؟ . فقال: بل يحلف على ما ادعاه الطالب، وكذلك سمعت مالكا يقول في ذلك، وقال: هذا يريد أن يورك. فقلت له: وما التوريك؟ قال: الإلغاز في يمينه والتحريف، كأنه يريد أن يعني بيمينه قد ابتعت منك ما تقول، وقضيتك الثمن، فأنا أحلف أنه لا حق لك قبلي، فليس ذلك له؛ لأنه أذا أقر بأنه ابتاع منه وقضاه، كان الحق قد لزمه وصارت اليمين على الطالب أنه ما اقتضى شيئا ثم أخذ حقه، وما
стр. 26
كان مما يقع فيه الأيمان يشبه هذا فهو على هذا التعبير.
قال ابن حبيب وسألت عن ذلك ابن الماجشون فقال: إذا حلف بالله ما لك علي مما تدعيه قليل ولا كثير فقد برئ ولا ينظر إلى قول المدعي. قال ابن حبيب: وهذا أحب إلي إذا كان المدعى عليه ممن لا يتهم، وكان المدعي من أهل الظنة والطلب بالشبهة.
في إيقاع الشهادات والكشف عن الشهود
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت إن أقمت بينة على رجل غايب بحق لي فقدم، أيأمر القاضي بإعادة البينة؟ فقال: لا، ولكن يعلمه بمن شهد عليه، فإن كانت له حجة، وإلا حكم عليه.
стр. 27
وفي كتاب ابن حبيب قال: سألت ابن الماجشون: هل يجوز للقاضي أن يسمع من بينة الخصم ويوقعها بغير محضر الخصم؟
فقال ذلك العمل عندنا أن يسمع منه ويوقع شهادة الشهود، حضر الخصم أو لم يحضر، فإذا حضر الخصم قرأ عليه الشهادة وفيها أسماء الشهود، فإن كان عنده لشهادتهم دفع أو لعدالتهم مخرج، مكنه من ذلك، وإلا لزمه القضاء، إلا أن يخشى القاضي في ذلك دلسة أو استرابة ويرى أن اجتماعهما أبرأ من الدخل فلا يوقع الشهادة إلا بحضرتهما.
وفي المدونة قال سحنون: قال ابن القاسم: كان مالك يقول: لا يقضي القاضي بشهادة الشهود حتى يسأل عنهم في السر، ومن الناس من لا يسأل عنهم ولا يطلب فيهم التزكية بعدالتهم عند القاضي.
قال مالك: وإذا زكى الشهود في السر أو في العلانية، اكتفى بذلك القاضي.
стр. 28
وفي كتاب ابن حبيب قال: سمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: ينبغي للحكم أن يستكثر من المعدلين على الشاهد، وألا يكتفي في ذلك باثنين، إلا أن يكونا مبرزين في العدالة والمعرفة بالتعديل، وأن يكون التعديل عنه سرا وعلانية، وقد يجزئ تعديل السر من تعديل العلانية، ولا ينبغي أن يكتفي بتعديل العلانية دون تعديل السر، وقال أصبغ مثل قولهما.
قال ابن حبيب: فسألتهم عن تعديل السر، ما هو؟ فقالوا: ينبغي للحكم –وهو الشأن عندنا- أن يتخذ رجلا من أهل العدل والرضى مجتمعا عليه بذلك، فيوليه المسألة عن الشهود، فيسأل ذلك الرجل عن الشاهد من يثق به من أهل مسجده وعمله، ولا ينبغي لذلك الرجل أن يقتصر على سؤال واحد؛ خيفة أن يسأل أحدا بينه وبين الشاهد ضغن، ولكن يسأل الاثنين والثلاثة ويستسر بذلك، وينبغي للحكم –أيضا- ألا يشهر الذي اتخذه لهذا، وأن يكون ذلك فيما بينه وبينه، وينبغي للحكم –أيضا- إذا وثق بعدل الرجل وصلاحه ومعرفته بأهل مكانه وبوجوه العدالة، أن يسأله عن الناس، فيعرف به من يجهل عدالته أو جرحته فهذا كله من تعديل
стр. 29
السر.
باب في التزكية والجرحة ومن يقبل فيها /
وفي العتبية قيل لسحنون: كيف يعدل المعدلون الشاهد عند الحكم فقال: هو أن يقولوا: هو عندنا من أهل العدل والرضا.
قيل له: فإن لم يقولوا إلا هو عندنا عدل؟ فقال: وهذا تزكية –أيضا-.
стр. 30
قيل له: فكل من تجوز شهادته هل يجوز أن يزكي غيره؟
فقال: قد تجوز شهادة الرجل، ولا تجوز تزكيته، ولا يجوز في التزكية إلا المبرز النقاد الذي لا يخدع في عقله ولا يستنزل في رأيه، ولا ينبغي لأحد أن يزكي إلا رجلا قد خالطه في الأخذ والإعطاء، وسافر معه.
وفي المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: ويزكى الشاهد وهو غايب عن القاضي؟ قال: نعم.
قال محمد: هذا في الرجل الذي يعرفه القاضي، وأما من لا يعرفه فلا تكون التزكية إلا على عينه، وهذا من أصل قولهم.
стр. 31
وفي العتبية قيل لسحنون: أيمكن القاضي من شهد عليه من التجريح في كل الشهود إذا طلب منه الخصم ذلك؟ قال: نعم، وإن كان الشاهد باين الفضل مبرزا في العدالة.
وقال مطرف بن عبد الله: ولا يجوز في التجريح إلا كل عدل منقطع في العدالة، وليس كل من جازت شهادته يجوز تجريحه.
قال ابن حبيب: سألت مطرفا، وابن الماجشون عن التجريح، هل يجوز أن يكون ذلك سرا؟ فقالا: إن كان الحاكم هو الذي يسأل عن ذلك لنفسه، فجايز أن يكون ذلك سرا، ولكن لا يقبل ذلك إلا من العدل البين العدالة، العارف بوجوه الجرحة، وأما إذا أتى المشهود عليه بشهود بجرحون الشاهد سرا –لما تجر إليه الجرحة من العداوة بين الناس- لم يجز للحاكم أن يقبل ذلك إلا علانية، ويعرف بهم المشهود له الأول.
وفي العتبية قيل لسحنون: فالمجرحون للشاهد إذا قالوا للقاضي: نشهد أنه عندنا ليس بعدل ولا رضا، ولم يصفوه بزنا ولا ربا ولا بغير ذلك، هل يكون هذا تجريحا؟ قال: نعم، إذا كان
стр. 32
الشهود من أهل الانتباه، والمعرفة بما يجرح به الشاهد.
وقال أشهب: هذا إذا كان الشاهد إنما يستجاز بمن يعوله، وأما إذا كان مشهورا بالعدالة، لم يقبل حتى يبينوا جرحتهم إياه ما هي وينصوها.
قال ابن حبيب: وسمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان: إذا عرف القاضي من الشاهد الجرحة والفساد في دينه، فلا يقبله، وإن زكي عنده بجميع الناس، وليس عليه أن يرفع علمه به إلى أحد فوقه.
وفي سماع يحيى، سئل ابن القاسم عن الشاهد لا يعرفه
стр. 33
القاضي بعدالة منقطعة، ولا بحال فاسد، ممن يشهد الصلوات في المساجد، أيجيز شهادته؟ قال: لا ينبغي له أن يقبل إلا عدلا ثابت العدالة.
وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل قبلت شهادته في أمر ثم شهد بعد ذلك في أمر آخر، فطلب المشهود عليه أن يوضع العدالة فيه ثانية، فهل ترى ذلك؟ فقال: إن كان ذلك قريبا من شهادته الأولى وتعديله فيها، فلا أرى ذلك، وإن كان قد طال، رأيت أن يوضع فيه التعديل وأن يسأل عنه، طلب ذلك المشهود عليه أو لم يطلب، والسنة عندنا في هذا طول.
قال سحنون: وكلما شهد عنده طلب فيه التعديل حتى يشتهر تعديله.
стр. 34
وسئل عيسى عن الرجلين يدعيان الشيء ويأتي كل واحد منهما ببينة، لا يعرفهم الحكم إلا بالتعديل فيعدلون، أيقضي بذلك الشيء لمن هو أعدل المعدلين؟ فقال: ما علمت ذلك إلا في الشهود، ولا أراه في المعدلين.
وفي سماع عيسى قال ابن القاسم: لا يقبل من الرجل تعديل امرأته، كما لا يقبل شهادته لها. قيل له: فالأخ لأخته؟ قال ذلك جائز؛ لأن شهادته لها جائزة إذا كان عدلا [مرضيا] /.
باب ما لا تقبل فيه شهادة الشاهد وإن كان عدلا
وفي سماع يحيى: وسألت ابن القاسم عن الأخ المشهور بالعدالة، يقتل أخوه، وللمقتول أولاد هم ورثته، فيشهد الأخ على رجل أنه قتل أخاه ذلك، أتجوز شهادته؟ ؟ قال: لا، ولا تجوز شهادته له –أيضا- في الحدود إن قذف في بدنه أو قذفت أمه،
стр. 35
وإن كان ليس أخاه لأمه.
وفي المدونة قال: قال مالك: وإذا شهد الوصي بدين للميت على أحد، لم يجز شهادته، إلا أن يكون الورثة كلهم كبارا مرضيين [قد تولوا أنفسهم]، ولا تجر شهادته إلى نفسه شيئا.
قال مالك: وإذا شهد أولاد المتوفى لعبد أن أباهم أعتقه ومعهم أخوات، فإن كانوا يتهمون على جر ولائه دون أخواتهم ونساء أبيهم، لم تجز شهادتهم.
وفي سماع عيسى، سئل ابن القاسم عن شهادة الرجل لابن امرأته أو لامرأة أبيه أو لامرأة ابنه، فقال: لا تجوز.
قال محمد: وفي الذي ذكر عيسى تنازع.
وفي المدونة: إن شهد رجلان أن لهما ولفلان معهما على
стр. 36
فلان كذا، لم يجز شهادتهما لفلان بقدر حصته من ذلك.
وكذلك بلغني عن مالك أنه قال في رجل يشهد لرجل في ذكر حق له فيه: لم يجز شهادته لا له ولا لغيره، بخلاف الوصية، ولو شهد رجل على وصية قد أوصي لها فيها بشيء تافه، لكانت شهادته جايزة له ولغيره؛ لأنه لا ينبغي أن يجاز بعض الشهادة ويرد بعضها إذا دخلت فيه تهمة.
وفي كتاب ابن حبيب قال: سمعت مطرفا وابن الماجشون يقولان في شهادة الغريم لغريمه، أيهما شهد لصاحبه منهما والذي عليه الحق معدم فلا تجوز شهادته له؛ من قبل أنه لو شهد الذي عليه الحق، وهو معدم، للذي له الحق، وقعت عليه الظنة والتهمة بأن يكون إنما شهد له ليوسع عليه فيما عليه ويؤخره. قالا: وإذا شهد الذي له الحق للذي عليه الحق وهو معدم، فانظر، فإن كانت شهادته له في الأموال والحقوق التي تصير له مالا، فارددها؛ لأنه يتهم أن يكون إنما يشهد له بهذا المال ليتقاضى منه حقه، وإن كانت شهادته
стр. 37
في غير ذلك من الأمور، فهي جائزة.
وفي سماع عيسى، سئل ابن القاسم عن شاهد شهد على مال غير الفروج والحرية من حيوان أو عقار يعلمه لرجل ويرى الذي هو في يده يبيعه ويهبه ويحوله عن حاله فلا يقوم بعلمه، ثم يشهد عند القاضي أن هذه الدار والقرية يعرفها لفلان، فيقول له القاضي: ما منعك أن تقوم حين رأيت هذا المتاع يباع أو يحول عن حاله بهبة أو صدقة؟ فيقول الشاهد: لم يسألني أحد عن علمي، ولم أر فرجا يوطأ ولا حرا يستخدم؟ قال ابن القاسم: لا أرى شهادته مقبولة إذا كان حاضرا يرى الدار تباع والعقار، ولا يقوم بعلمه، وكذلك هذا –أيضا- في الفروج والحيوان وغير ذلك إذا كانت تلك الأشياء تحول عن حالها بعلمه.
وفي العتبية قال سحنون: سمعت ابن القاسم يقول في الرجلين يشهدان على حكم قاض، فيقول أحدهما بشهادتي حكم القاضي مع غيرها، فقال: لا تجوز شهادته؛ لأنه يريد إمضاء شهادته. قال ابن القاسم: ولو كان اللذان شهدا على الحكم قالا: بشهادتنا حكم القاضي عليه، وأشهدنا على حكمه هذا، رأيتها جايزة.
стр. 38
وفي سماع أصبغ، سمعت ابن القاسم وسئل عن رجل أوصى لفقراء أقاربه بحائط يغتلونه، فلم يشهد على تلك الوصية أغنياء بني عمه. فقال: لا تجوز شهادتهم؛ خوفا أن يحتاجوا إلى ذلك يوما ما، إلا أن يكون شيئا تافها يسيرا لا خطر فيه، ولا يتهمون في مثله؛ لغناهم، ولعلهم لا يدركون ذلك، فإذا كان/ الأمر الخفيف الذي لا يتهمون على جر ذلك لأنفسهم، رأيت ذلك لهم؛ وذلك أني سمعت مالكا وسئل عن ابني عم شهدا لابن عم لهما على ولاء موالي. قال: إن كانا قريبي القرابة يتهمان على جر الولاء لهما، فلا يجوز، وإن كانا [من الأباعد من الفخذ] لا يتهمان على جر ذلك لأنفسهم، رأيت شهادتهما جايزة، وإن كان الولاء يرجع إليهما يوما ما.
وسئل أصبغ عن رجل شهد أن هذه الدار لأبيه مات وأوصى بها لفلان، والدار بيد رجل ينكر ذلك، أترى أن تجوز شهادته، والدار تخرج من الثلث؟ قال أصبغ: لا أرى أن تجوز شهادته؛ مخافة أن يطرأ على أبيه دين، فيرجع في الدار، فيكون قد انتفع بذلك. قال: ولقد وقع في نفسي منها شيء، ثم تبين لي بعد ذلك أنه
стр. 39
لا تجوز شهادته في هذا.
وسئل أصبغ عن من شهد على شهادة أبيه، وأبوه عدل مرضي. فقال: لا تجوز شهادته على شهادة أبيه، ولا شهادة الأب على شهادة ابنه، وكل من لا يجوز لك أن تعدله فلا يجوز لك أن تشهد على شهادته، وإن كان عدلا [مبرزا].
قال محمد: وفي الذي قاله أصبغ تنازع.
قال سحنون: لا تجوز شهادة الأخ لأخيه في النكاح إذا كانت الشهادة على قوم هم أشرف منهم؛ لأنه إنما يريد أن يشرف نفسه بتزويج أخيه إليهم.
باب فيمن زاد في شهادته أو نقص أو سئل عنها فأنكرها
وفي سماع يحيى: وسألت ابن القاسم عن العدل يشهد عند
стр. 40
القاضي، ثم يعود فيزيد في شهادته أو ينقص. فقال: إن كان منقطع العدالة ممن لا يتهم في عقله فيما زاد أو نقص قبل أن يحكم الحكم بشهادته فهو مقبول منه، وأما ما رجع عنه أو نقص أو زاد كلاما فيه نقض الشهادة الأولى، وذلك بعد الحكم، فهو غير مقبول ولا يفسخ الحكم للذي كان من تحويله شهادته، ولا مما زاد أو نقص، وأما ما زاد بعد الحكم مما زعم أنه كان نسيه مثل أن يكون شهد لرجل على رجل بثلاثين دينارا، ثم تذكر أنها كانت أربعين، فيقبل منه.
وفي العتبية: قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول فيمن سئل عن شهادة عنده وهو مريض فأنكرها وقال: كل شهادة أشهد بهابين فلان وفلان فهي باطل، ثم شهد بها بعد ذلك. قال: يسأل: لم قال ذلك؟ فإن قال: كنت مريضا فخشيت أن أكون أتيت فيما أشهد به، وما أشبه هذا من القول الذي له وجه يعرف، فإني أرى أن تجوز شهادته، إن كان عدلا لا يتهم.
وفي كتاب ابن حبيب: قيل لابن القاسم: أرأيت من سئل وهو عند القاضي، فقيل له: إن فلانا قد ادعى عليك في ذكر حق هو له على فلان، فقال: ما أذكر أنه أشهدني عليه بشيء، وما له عندي
следующие страницы →