← Адаб

Адаб · id 1336

أمالي الزجاجي

أبو القاسم الزجاجي

Полный текст (248 стр.). Показаны 211–248 · переход к 216.

стр. 211

مِنْهَا أَن ترد الْوَصْل بيني وَبَينهَا فلئن فعلت لَا نقضته أبدا وَإِذا الَّذِي تكلمني امْرَأَة أَخِيهَا وَإِذا الساكتة أم جحدر. فَقَالَت امْرَأَة أَخِيهَا: ادخل مقدم الْبَيْت فَدخلت وَجَاءَت فَدخلت من مؤخره فدنت قَلِيلا ثمَّ إِذا هِيَ قد برزت فساعة برزت جَاءَ غراب فنعب على رَأس الأبرق فَنَظَرت إِلَيْهِ وشهقت وَتغَير وَجههَا فَقلت مَا شَأْنك قَالَت لَا شَيْء قلت بِاللَّه أَخْبِرِينِي قَالَت إِن هَذَا الْغُرَاب يُخْبِرنِي أَنا لَا نَجْتَمِع بعد هَذَا الْيَوْم إِلَّا بِبَلَد غير هَذَا فتقبضت نَفسِي وَقلت جَارِيَة وَالله مَا هِيَ فِي بَيت عيافة فأقمت عِنْدهَا ثمَّ تروحت إِلَى أَهلِي فَمَكثت عِنْدهم يَوْمَيْنِ ثمَّ أَصبَحت غادياً إِلَيْهَا فَقَالَت لي امْرَأَة أَخِيهَا وَيحك يَا رماح أَيْن تذْهب؟ فَقلت إِلَيْكُم فَقَالَت وَمَا تُرِيدُ قد وَالله زوجت أم جحدر البارحة فَقلت بِمن وَيحك فَقَالَت بِرَجُل من أهل الشَّام من أهل بَيتهَا جَاءَهُم من الشَّام فَخَطَبَهَا وَقد حولت إِلَيْهِ فمضيت إِلَيْهِم فَإِذا هُوَ قد ضرب سرادقا فَجَلَست إِلَيْهِ فَأَنْشَدته وغدوت إِلَيْهِ أَيَّامًا ثمَّ إِنَّه احتملها وَذهب فَقلت: أجارتنا إِن الخطوب تنوب ... علينا وَبَعض الْآمنينَ تصيب أجارتنا لست الْغَدَاة ببارح ... وَلَكِن مُقيم مَا أَقَامَ عسيب

стр. 212

فَإِن تسأليني هَل صبرت فإنني ... صبور على ريب الزَّمَان صَلِيب جرى بانبتات الْحَبل يَا أم جحدر ... ظباء وطير بالفراق نعوب نظرت فَلم أعيف وعافت وبينت ... لَهَا الطير قبلي واللبيب لَبِيب فَقَالَت حرَام أَن نرى بعد يَوْمنَا ... جمعين إِلَّا أَن يلم غَرِيب أجارتنا صبرا فيا رب هَالك ... تقطع من وجد عَلَيْهِ قُلُوب قَالَ أَبُو الْقَاسِم هَذِه الأبيات أغار عَلَيْهَا ابْن ميادة فَأَخذهَا بِأَعْيَانِهَا أما البيتان الْأَوَّلَانِ فهما لامرئ الْقَيْس قالهما لما احْتضرَ بأنقرة فِي بَيت وَاحِد وَهُوَ: أجارتنا أَن الخطوب تنوب ... وَإِنِّي مُقيم مَا أَقَامَ عسيب وَالْبَيْت الثَّالِث لرجل من شعراء الْجَاهِلِيَّة وتمثل بِهِ عَليّ بْن أبي طَالب ﵁ فِي رسَالَته إِلَى أَخِيه عقيل بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فنقله ابْن ميادة نقلا.

стр. 213

أخبرنَا أَبُو الْحسن الْبَصْرِيّ عَن أبي حَاتِم قَالَ أنشدت أَبَا زيد هَذَا الْبَيْت وَسَأَلته مَا يَقُول فِيهِ: أديسم يَا ابْن الذِّئْب من نسل زارع ... أتروي هجاء دارساً غير مقصر فَقَالَ لمن هَذَا الشّعْر؟ قلت لبشار فِي ديسم الْعَنزي قَالَ قَاتله اللَّه مَا أعلمهُ بِكَلَام الْعَرَب. ثمَّ قَالَ الديسم ولد الذِّئْب من الكلبة، وَيُقَال للكلاب أَوْلَاد زارع والعسبار ولد الضبع من الذِّئْب والسمع ولد الذِّئْب من الضبع وتزعم الْعَرَب أَن السّمع لَا يَمُوت حتف أَنفه وَأَنه أسْرع من الذيخ وَإِنَّمَا هَلَاكه بِعرْض من أَعْرَاض الدُّنْيَا. حَدثنَا أَبُو بكر بن مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حدثنَا يحيى بْن عَليّ وَالْحسن بن عَليّ وَمُحَمّد بن عمرَان الصَّيْرَفِي حدثنَا الْعَنزي قَالَ حَدثنِي جَعْفَر ابْن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ حَدثنَا مخلد أَبُو سُفْيَان قَالَ كَانَ جرير ابْن الْمُنْذر السدُوسِي يفاخر بشارًا فَقَالَ لَهُ بشار:

стр. 214

أمثل بني مُضر وَائِل ... فقدتك من فاخر مَا أجن أَفِي النّوم هَذَا أَبَا مُنْذر ... فخيرا رَأَيْت وَخيرا يكن رَأَيْتُك وَالْفَخْر فِي مثلهَا ... كعاجنة غير مَا تطحن وبإسناده قَالَ حدثنَا عصيم بن وهب الشَّاعِر البرجمي وَعِنْده رجل ينازعه فِي اليمانية والمضرية إِذْ أذن الْمُؤَذّن فَقَالَ بشار تفهم هَذَا الْكَلَام فَلَمَّا قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه قَالَ لَهُ بشار: رويدا هَذَا الَّذِي يُؤذن باسمه مَعَ اللَّه من مُضر هُوَ أَو من حمير؟ فَسكت الرجل. أخبرنَا هَاشم بْن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ قَالَ حدثنَا الرياشي قَالَ أنْشد بشار قَول الشَّاعِر

стр. 215

وَقد جعل الْأَعْدَاء ينتقصونها ... وتطمع فِينَا ألسن وعيون أَلا إِنَّمَا ليلى عَصا خيزرانة ... إِذا غمزوها بالأكف تلين فَقَالَ وَالله لَو زعم أَنَّهَا عَصا مخ أَو عَصا زبد لقد كَانَ جعلهَا جافية خشنة بعد أَن جعلهَا عَصا أَلا قَالَ كَمَا قلت: وحوراء المدامع من معد ... كَأَن حَدِيثهَا ثَمَر الْجنان إِذا قَامَت لسبحتها تثنت ... كَأَن عظامها من خيزران أخبرنَا حبيب بْن نصر قَالَ حَدثنِي عمر بْن شبة قَالَ أَخْبرنِي مُحَمَّد بْن الْحجَّاج قَالَ قلت لبشار إِنِّي أنشدت لإِنْسَان قَوْلك: إِذا أَنْت لم تشرب مرَارًا على القذى ... ظمئت وَأي النَّاس تصفو مشاربه

стр. 216

فَقَالَ: مَا كنت أَظُنهُ إِلَّا لرجل كَبِير فَقَالَ لي بشار وَيلك أَفلا قلت لَهُ هُوَ وَالله أكبر الْإِنْس وَالْجِنّ أخبرنَا: الْحسن بن عَليّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهرويه قَالَ حَدثنِي الْفضل بن سعيد قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ مر بشار بقاص فِي الْمَدِينَة فَسَمعهُ يَقُول فِي قصصه وَمن صَامَ رجباً وَشَعْبَان ورمضان بنى الله لَهُ قصراً فِي الْجنَّة صحنه ألف فَرسَخ فِي مثلهَا، فَالْتَفت بشار إِلَى قائده فَقَالَ لَهُ بئست الدَّار هَذِه الدَّار فِي كانون الثَّانِي. تمت أمالي الزجاجي، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى اللَّه على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين

стр. 217

القسم الأول: ما نص على أنه من الأمالي الصغرى فقط أو من الأمالي الصغرى وغيرها وروي الزجاجي فِي أماليه الصغرى قَالَ: ورد يزيد بْن الحكم الثقفي من الطائف، علي الحجاج بْن يوسف بالعراق , وكان شريفا شاعرا , فولاه الحجاج فارس , فلما جاء لأخذ عهده، قَالَ له: يا يزيد، أنشدنا من شعرك، يريد أنشدنا ينشده مديحا له، فأنشده: من يك سائلا عني فأني ... أنا ابن الصيد من سلفي ثقيف وفي وسط البطاح محل بيتي ... محل الليث من وسط الغريف وفي كعب , ومن كالحي كعب ... حللت ذؤابه الجبل المنيف حويت فحارها غورا ونجدا ... وذلك منتهى شرف الشريف نماني كل أصيد ولا ضعيف ... بحمل المعضلات ولا عنيف فوجم الحجاج وأطرق ساعة , ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله , أحمده وأشكره , إذ لم يأت علينا زمان إلا فينا أشعر العرب، ثم قَالَ: أنشدنا يا يزيد، فأنشأ يَقُولُ: وأبي الذي فتح البلاد بسيفه ... فأذلها لبني الزمان الغابر وأبي الذي سلب ابن كسرى راية ... فِي الملك تخفق كالعقاب الكاسر وإذا فخرت فخرت غير مكذب ... فخرا أدق به فخار الفاخر

стр. 218

فقام الحجاج مغضبا , ودخل القصر , وانصرف يزيد والعهد فِي يده , فقال الحجاج لخادمه: اتبعه وقل له: اردد علينا عهدنا، فإذا أخذته فقل له: هل ورثك أبوك مثل هذا العهد؟ ففعل الخادم وأبلغه الرسالة , فرد عليه العهد فقال: قل للحجاج: أورثني أبي مجده وفعاله , وأورثك أبوك أعنزا ترعاها! ثم سار تحت الليل فلحق بسليمان وهو ولي عهد الوليد , فضمه إليه وجعله فِي خاصته , ومدحه بقصائد , فقال له سليمان: كم كان أجري لك فِي عمالة فارس؟ قَالَ: عشرين ألفا، قَالَ: هي لك علي ما دمت حيا، والسليم: اللديغ، قَالَ الزجاجي فِي أماليه الصغرى: سمت العرب الملسوع سليما تفاؤلا , كما سموا المهلكة مفازة , من قولهم: فوز الرجل , إذا مات، كأنهما لفظتان لمعنى، وكان ينشد قول الشاعر: كأني من تذكر آل ليلى ... إذا ما أظلم الليل البهيم سليم بان عنه أقربوه ... وأسلمه المداوي والحميم ولو كان على ما ذهب إليه , في السليم لقيل لكل من به علة صعبة:

стр. 219

سليم، مثل المبرسم , والمجنون , والمفلوج , بل كان يلزم أن يقال للميت سليم. قَالَ البغدادي: وفيه أنشدنا المنقول عنه، أنه هو وابن الأعرابي، قالا: إن بني أسد تقول: إنما سمي السليم سليما لأنه أسلم لما به، على أنشدنا العلة لا يجب اطرادها، فتأمل، ثم أورد السيد جملا من أحواله , إلى أن أورد هذه الحكاية وأوردها الزجاجي فِي أماليه الصغرى , بسندها إلى سعيد بْن خالد الجدلي، أنه قَالَ: لما قدم عَبْد الملك بْن مروان الكوفة بعد قتل مصعب بْن الزبير , دعا الناس إلى فرائضهم , فأتيناه فقال: ممن القوم؟ فقلنا من بني جديلة، فقال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فتمثل عَبْد الملك: عذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض بغي بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادات ... والموفون بالقرض ثم أقبل على رجل كنا قدمناه أمامنا , جسيم وسيم , فقال: أيكم يَقُولُ هذا الشعر؟ فقال: لا أدري، فقلت من خلفه: يقوله ذو الإصبع، فتركني

стр. 220

وأقبل على ذلك الجسيم فقال: وما كان اسم ذي الإصبع؟ فقال: لا أدري. فقلت أنا من خلفه: اسمه حرثان، فأقبل عليه وتركني فقال: لم سمي ذا الإصبع؟ فقال: لا أدري فقلت أنا من خلفه: نهشته حية على أصبعه، فأقبل علي وتركني فقال: من أيكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلت أنا من خلفه: من بني ناج، فأقبل على الجسيم فقال: كم عطاؤك؟ فقال: سبعمائة درهم، فقال لكاتبه: حط من عطاءك هذا ثلثمائة وزدها فِي عطاء هذا، فرحت وعطائي سبعمائة، وعطاؤه أربعمائة. قَالَ أَبُو القاسم الزجاجي في أماليه الوسطى والصغرى: أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْيَزِيدِيُّ، قَالَ: أخبرنا أَبُو الْفَضْلِ الرِّيَاشِيُّ، عَنِ الأَصْمَعِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُؤْبَةَ الْعَجَّاجِ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: " أَنْشَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَصِيدَتِي الَّتِي أَوَّلُهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَقَلَّتْ،

стр. 221

حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهَا , فَقَالَ: أَشْهَدُ إِنَّكَ لَمُؤْمِنٌ "، انتهى وقد أورد أَبُو القاسم الزجاجي هذه الأبيات الثلاثة، فِي أماليه الصغرى والوسطى , وقال فيها: أما عصام فحاجب النعمان، يَقُولُ: لا ألومك إن منعتني من الوصل إليه , ولكن عرفني خبره، وكان الملك إذا مرض يجعل فِي سرير ويحمل على أكتاف الرجال , يعلل بذلك , ويقولون: هو أرفه له، وأما قوله: ونأخذ بعده، فيجوز فيه الرفع والنصب والجزم، أما الجزم فعلي العطف على قوله: يهلك ربيع الناس، والرفع على القطع والابتداء، وانصب بالصرف على إضمار أن، وكذلك كل معطوف بعد جواب الجزاء من الأفعال المستقبلة , تجوز فيه هذه الأوجه الثلاثة، وقوله: أجب الظهر يعني مقطوع الظهر , وهذا تشبيه تمثيل، ويروي: أجب الظهر بخفضهما

стр. 222

جميعا على إضافة أجب إلى الظهر، ويروي: أجب الظهر بفتح أجب ونصب أن يكون موضع أجب خفضا ولكن لا ينصرف , وينصب الظهر على التشبيه بالمفعول به ويضمر في أجب الفاعل , كأنه قَالَ: أجب الظهر بالتنوين , ثم منعه التنوين لأنه لا ينصرف، وهو فِي تقدير قولك: مررت برجل حسن الوجه , وكثير المال , وطيب العيش، ويروي: أجب الظهر أنه فِي موضع خفض ورفع الظهر به , كأنه قَالَ: أجب ظهره، فأهل الكوفة يجعلون الألف واللام عقيب الإضافة , وأهل البصرة يضمرون ما يعلق الذكر بالأول , وتقديره عندهم: أجب الظهر منه، انتهى، قَالَ البغدادي: وعذرهم فِي تقديم الجواب أن هذا البيت , ساقط فِي أكثر الروايات , وقد ذكره الزجاجي فِي أماليه الصغرى والكبرى فِي جملة أبيات ثمانية , رواها عَنِ المبرد , من قصيدة لأمرئ القيس , ورأينا أن نقتصر عليها , وهي: بعثت إليها والنجوم خواضع ... حذارا عليها آن تقوم فتسمعا

стр. 223

فجاءت قطوف المشي هائبة السرى ... يدافع ركناها كواعب أربعا يزجينها مشي النزيف وقد جرى ... صباب الكرى فِي مخها فتقطعا تقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحول المدامع أتلعا وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا إذن لرددناه ولو طال مكثه ... لدينا ولكن بحبك ولعا فبتنا نصد الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا

стр. 224

وفي أمالي الزجاجي الصغرى: أخبرنا أَبُو جعفر أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن رستم الطبري، قَالَ: أخبرنا أَبُو عثمان المازني، قَالَ: قرأ مُحَمَّد بْن سليمان الهاشمي , وهو أمير البصرة على المنبر «إن اللَّه وملائكته يصلون على النبي» بالرفع , فعلم أنه قد لحن , فبعث إلى النحويين وقال لهم: خرجوا لها وجها، فقالوا: نعطف به على موضع أن، لأنها داخلة على المبتدأ والخبر، فأحسن صلتهم , ولم يرجع عنها لئلا يقال لحن الأمير وأخبرنا أَبُو إسحاق الزجاج، قَالَ: أخبرنا أَبُو العباس المبرد , عَنِ المازني، قَالَ: حدثني الأخفش قَالَ: كان أمير فِي البصرة يقرأ على المنبر: «إن اللَّه وملائكته يصلون على النبي» بالرفع , فصرت إليه ناصحا ومنبها , فتهددني وأوعدني وقال: تلحنون أمراءكم , ثم عزل وتقلد مُحَمَّد بْن سليمان الهاشمي , فكأنه تلقنها من فِي المعزول , فقلت: هذا هاشمي نصيحته واجبة، فجبنت عنه وخشيت أن يتلقاني بمثل ما تلقاني به الأول , ثم حملت على نفسي فأتيته , فإذا هو فِي غرفة

стр. 225

له , وعنده أخوه , والغلمان على رأسه , فقلت: هذا، وأومأت إلى أخيه، فنهض أخوه وتفرق الغلمان , فقلت أصلح اللَّه الأمير , أنتم أهل بيت النبوة , ومعدن الرسالة والفصاحة , وتقرأ: إن اللَّه وملائكته , بالرفع , وهو لحن لا وجه له؟ فقال: جزاك اللَّه خيرا , قد نبهت ونصحت! فانصرف مشكورا. فانصرفت , فلما صرت فِي نصف الدرجة إذا قائل يَقُولُ لي: قف، فوقفت وخفت أن يكون أخوه أغراه بي , فإذا بغلة سفواء , وغلام , وبدرة , وتخت ثياب , وقائل يَقُولُ: هذا لك , قد أنر به الأمير، فانصرفت مغتبطا. انتهى كلامه

стр. 226

القسم الثاني ما نص على أنه من الأمالي الوسطى فقط أخبرنا ابن شقير، قَالَ: وقد سأله رجل حضرت المبرد عَن معنى قول الشاعر: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت فقال هذا كقول الآخر: وقافية قيلت فلم أستطع لها ... دفاعا إذا لم تضربوا بالمناصل فأدفع عَن حق بحق ولم يكن ... ليدفع عنكم قاله الحق باطلي قَالَ أَبُو القاسم: معني هذا الفصيل إذا لهج بالرضاع، جعلوا فِي أنفه خلالة محددة , فإذا جاء يرضع أمه نخستها تلك الخلالة فمنعته من الرضاع , فإن كف وإلا أجروه، والإجرار: إن يشق لسان الفصيل أو يقع طرفه , فيمتنع حينئذ من الرضاع ضرورة، فقال قائل البيت الأول: إن قومي لم عَن مدحهم كما يجر الفصيل عَنِ الرضاع، ففسره أَبُو العباس بالبيتين اللذين مضيا. وللإجراء موضع آخر , وهو أن يطعن الفارس فيمكن الرمح

стр. 227

فيه , ثم يتركه منهزمًا يجر الرمح , فذلك قاتل لا محالة. ومنه قول الشاعر: وأخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع وقول الآخر: ونقي بأفضل ما لنا أحسابنا ... ونجر فِي الهيجا الرماح وندعي انتهى. وهو نص ملفق من كتاب المحاسن والأضداد للجاحظ , ومن كتاب المغربين , لأبي الحسن علي بْن مُحَمَّد المدائني , والأمثال لحمزة الأصبهاني , والروض الأنف السهيلي , وغاية السائل إلى معرفة الأوائل لإسماعيل بْن هبة اللَّه الموصلي , والأمالي الوسطى للزجاجي، والنص يتعلق بالفريعة بنت همام , المعروفة بالمتمنية أم الحجاج بْن يوسف, وكانت تهوى نصر بْن حجاج. وقد وجدت من العسير أن أفصل نص الزجاجي من سائر النصوص

стр. 228

لاتصال معنيها وسياقها , ورأيت أن فِي نقلها إطالة يمكن الاستغناء عنها بالرجوع إليها فِي الخزانة. قَالَ البغدادي: وزعم الخطيب التبريزي فِي شرح ديوان أبي تمام، أن البيت الشاهد للعرجي المذكور آنفا , ولم يوجد فِي ديوانه، والذي رواه العلماء أنه لعمر بْن أبي ربيعة , وهو موجود فِي شعره، وسبب توهمه: أن للعرجي أبياتا على هذا النمط رواها الزجاجي فِي أماليه الوسطى، بسنده إلى إسحاق ابن سعيد بْن عمرو بْن سعيد بْن العاص , قَالَ: كان العرجي، وهو عَبْد اللَّه بْن عمر بْن عمرو بْن عثمان بْن عفان، يشبب بامرأة مُحَمَّد بْن هشام، وقال غيره: إنه يشبب بامرأته الحارثية: عوجي علينا ربة الهودج ... إنك إلا تفعلي تحرجي أيسر ما قَالَ محب لدي ... بين حبيب قوله: عرج

стр. 229

يفضي إليكم حاجة أو يقل ... هل لي مما بي من مخرج من حبكم بنتم ولم ينصرم ... وجد فؤادي الهائم المنضج فما استطاعت غير أن أومأت ... بطرف عيني شاد أدعج تذود بالبرد لها عبرة ... جادت بها العين ولم تنشج مخافة الواشين أن يفطنوا ... بشأنها والكاشح المزعج أقول لما فاتني منهم ... ما كنت من وصلهم أرتجي إني أتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحارث من مذحج نمكث حولا كاملا كله ... لا نلتقي إلا على منهج فِي الحج إن حجت وماذا مني ... وأهله إن هي لم تحجج فقال عطاء: الكثير الطيب يا خبيث.

стр. 230

ساق البغدادي الأبيات التالية لزيد بْن عمرو بْن نفيل: تلك عرساي تنطقان على عمد ... لي اليوم قول زور وهتر سالتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر فلعلي أن يكثر المال عندي ... ويعرى من المغارم ظهري وترى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف فِي خوادم عشر ونجر الأذيال فِي نعمة زول ... تقولان ضع عصاك لدهر وي كأن لم يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر ويحنب سر النجي ولكن ... أخا المال محضر كل سر ثم قَالَ: وروي الزجاجي فِي أماليه بدل نكر: مر من المرارة ضد الحلاوة، وروي أيضا: سالتاني الطلاق أن رأتاني ... قل مالي قد. . . . . . إلخ

стр. 231

وقال البغدادي أيضا: وهي لزيد بْن عمر بْن نفيل , كما فِي كتاب سيبويه وخدمته , وكذا فِي أمالي الزجاجي الوسطي، وأثبتها الجاحظ , لابنه سعيد بْن زيد , ونسبها الزبير بْن بكار , لنبيه بْن الحجاج. ورأيت فِي أمالي الزجاجي الوسطي قَالَ: أخبرنا الأشنانداني , عَنِ العتبي، عَن رجل من قريش، قَالَ: حضرت مجلس عَبْد الملك وعنده بطن من بني عامر بْن صعصعة , وكان رجل بينهم معه ابنتاه وذوده وهن ثلاث , فراح ذوده يوما , ففقد منها واحد فنشده، أي سأل عنه وطلبه، فلم ينشد , فأوفى على صخرة وأنشأ يَقُولُ: أذئب القفر أم ذئب أنيس ... سطا بالبكر أم صرف الليالي

стр. 232

وأنتم لو أراد الدهر عدوا ... عديد الترب من أهل ومال ونحن ثلاثة وثلاث ذود ... لقد جار الزمان على عيالي ولو مولي ضباب عال فيهم ... لجر الدهر على حال لحال ومولاهم أبي لا عيب فيه ... وفي مولاكم بعض المقال هلم براءة والحي ضاح ... وإلا بالوقوف على الإل دعا داعي القوص على ثبير ... ألا أين القوص بني قتال فطلبوا له ذوده فردها عليه , وغرموا له ذودًا وقالوا: اخرج عنا , انتهى. أورد البغدادي قول الراجز: إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل ثم ساق رأي سيبويه فيه ونصه: وقد يجوز أن تقول: بمن تر أمر , وعلى من تنزل أنزل , إذا أردت معني

стр. 233

عليه وبه , وليس بجد الكلام , وفيه ضعف، ومثل ذلك قول بعض الأعراب: إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل يريد: يتكل عليه , ولكنه حذف، وهذا قول الخليل. انتهى. قَالَ الزجاجي فِي أماليه الوسطى: زعم بعض الناس أن سيبويه غلط فيه , وتقديره عند سيبويه أن يكون يجد متعديا إلى من بعلي , وليس وجدت مما يتعدى بحرف خفض , فلهذا خالفوه، قَالَ: تقديره صحيح جيد , لأن الفعل المتعدي قد يجوز ألا يتعدى , فكأنه قصد ذلك ثم بدا له فعداه بعلي , كما قَالَ تعالى: عسى أن يكون ردف لكم وإنما جاز أن يحذف عليه لذكرها فِي أول الكلام. انتهى. أنشد البغدادي قول الراجز: تضحك مني أن رأتني أحترش ... ولو حرشت لكشفت عَن حرش ثم قَالَ ٢٥ ورواه الزجاجي فِي أماليه الوسطي:. تعجب لما أن رأتني أحترش

стр. 234

القسم الثالث ما نص على أنه من الأمالي الكبرى فقط , وهو نص واحد. أنشد قول الراجز: يا ابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا لنضربن بسيفنا قفيكا ثم قَالَ: هكذا أورده أَبُو زيد فِي نوادره , ونسبه لراجز من حمير , وتبعه صاحب الصحاح فِي مادة السين المهملة، وأما الزجاجي فإنه رواه فِي آخر أماليه الكبرى على خلاف هذه الرواية فقال: باب التاء، والكاف فِي المكني: يقال ما فعلت وما فعلك. قَالَ الراجز: يا ابن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيكنا إليكا لنصر بْن بسيفنا قفيكا يريد: عصيتا وعنيتنا. فروي عنيكنا بدل التاء كافا , ثم عصيكا وعنيتنا إليك بمعنى أتعبتنا بالمسير إليك.

стр. 235

القسم الرابع ما ورد منسوبا إلى الأمالي للزجاجي، هملا بدون قيد أورد قول الراجز: جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط ثم قَالَ: ورواه الدينوري فِي النبات , وابن قتيبة فِي أبيات المعاني , والزجاجي وابن الشجري فِي أماليهما، وروي الزجاجي فِي أماليه قَالَ: حدثنَا ابن دريد، قَالَ: أخبرنا أَبُو حاتم، قَالَ: أخبرنا أَبُو عبيده قَالَ: كتبت امرأة من العرب إلى طلحة الطلحات: يأيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا يثنون خيرا ويمجدونكا

стр. 236

فلما قرأ طلحة الكتاب أحب ألا يفطن الرسول فقال: ما أيسر ما سالت , إنما سألت جنبة، ثم أمر بجنبة عظيمة فقورت وملئت دنانير , وكتب إليها: إنا ملأناها تفيض فيضا ... فلن تخافي ما حييت غيضا خذي لك الجنب وعودي أيضا. قَالَ أَبُو القاسم الزجاجي فِي أماليه: حدثنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ رُسْتُمَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: حدثنَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ، حدثنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ , حدثنَا سَعِيدُ بْنُ سَلْمٍ الْبَاهِلِيُّ , حدثنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ , فَرَأَيْتُهُ مُطْرِقًا مُتَفَكِّرًا , فَقُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: " إِنِّي سمعتُ بِبَلَدِكُمْ هُنَا لَحْنًا , فَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ , فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أَحْيَيْتَنَا وَبَقِيتَ فِينَا هَذِهِ اللُّغَةُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلاثٍ فَأَلْقَى لِي صَحِيفَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْكَلامُ كُلُّهُ اسْمٌ، وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالاسْمُ: مَا أنبأ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أنبأ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أنبأ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلا فِعْلٍ، ثُمَّ قَالَ: تَتَبَّعْهُ وَزِدْ فِيهِ مَا وَقَعَ لَكَ، وَاعْلَمْ يَا أَبَا الأَسْوَدِ أَنَّ الأَسْمَاءَ

стр. 237

ثَلاثَةٌ: ظَاهِرٌ , وَمُضْمَرٌ , وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلا مُضْمَرٍ، قَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَجَمَعْتُ مِنْهُ أَشْيَاءَ وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ , فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ حُرُوفُ النَّصْبِ , فَذَكَرْتُ مِنْهَا , إِنَّ , وَأَنَّ , وَلَيْتَ , وَلَعَلَّ , وَكَأَنَّ، وَلَمْ أَذْكُرْ لَكِنَّ , فَقَالَ لِي: لِمَ تَرَكْتَهَا؟ فَقُلْتُ: لَمْ أَحْسِبْهَا مِنْهَا، فَقَالَ: بَلْ هِيَ مِنْهَا، فَزِدْهَا فِيهَا " أخبرنا أَبُو الحسن علي بْن سليمان الأخفش النحوي , حدثنَا أَبُو العباس أَحْمَد بْن يحيى ثعلب، قَالَ: حدثني سلمة، قَالَ: قَالَ الفراء: قدم سيبويه على البرامكة , فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي , فجعل لذلك يوما , فلما حضر تقدمت والأحمر فدخلنا , فإذا بمثال فِي صدر المجلس , فقعد عليه يحيى , ومعه إلى جانب المثال جعفر، والفضل، ومن حضر بحضورهم، فأقبل عليه الأحمر فسأله عَن مسألة فأجاب فيها سيبويه، وحضر سيبويه , فقال له: أخطأت، ثم سأل عَن ثانية فأجاب فقال له: أخطأت،

стр. 238

ثم سأله عَن ثالثة فأجاب , فقال له: أخطأت، فقال له سيبويه: هذا سوء أدب! قَالَ الفراء: فأقبلت عليه فقلت: إن فِي هذا الرجل حدة وعجلة , ولكن ما تقول فيمن قَالَ: هؤلاء أبون ومررت بأبين , كيف تقول مثال ذلك من وأيت وأويت؟ فقدر فأخطأ , فقلت: أعد النظر، فقدر وأخطأ ثلاث مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك قَالَ: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما حتى أناظره. قَالَ: فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: تسألني أو أسألك؟ قَالَ: لا , بل سلني أنت، فأقبل عليه الكسائي فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي , أو فإذا هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب، فقال له الكسائي: لحنت، ثم سأله عَن مسائل من هذا النحو: خرجت فإذا عَبْد اللَّه القائم , أو القائم؟ فقال سيبويه فِي ذلك كله بالرفع دون النصب، وقال له الكسائي: ليس هذا كلام العرب , العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع سيبوبه قوله , فقال يحيى بْن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلدكما , فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب , ووفدت عليك من كل صقع , وهم فصحاء الناس , وقد قنع بهم أهل المصريين , وسمع أهل الكوفة أهل البصرة منهم , فيحضرون ويسألون، فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، فأمر بإحضارهم فدخلوا , وفيهم أَبُو فقعس , وأبو زياد , وأبو الجراح , وأبو ثروان , فسئلوا عَنِ المسائل التي جرت بين الكسائي وسيبويه , فتابعوا الكسائي

стр. 239

وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل، فاستكان سيبويه , وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح اللَّه الوزير , إنه قد وفد إليك من بلده مؤملا , فإن رأيت ألا ترده خائبا! فأمر له بعشرة آلاف درهم , فخرج وصير وجهه إلى فارس , وأقام هناك ولم يعد إلى البصرة، ثم قَالَ السيوطي قَالَ السخاوي فِي سفر السعادة قَالَ لي شيخنا أَبُو اليمن الكندي: إن سيبويه إنما قَالَ ذلك لأن المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة، قَالَ السخاوي: لم أسمع فِي هذه المسألة أحسن من قول الكندي ولا أبلغ! أخبرنا أَبُو عَبْد اللَّه بْن اليزيدي , يرفعه إلى عمه , عَن جده أبي مُحَمَّد اليزيدي واسمه يحيى المبارك، قَالَ: كنا فِي مجلس أبي عمرو العلاء , فجاءه عيسى بْن عمر الثقفي فقال:

стр. 240

يا أبا عمرو , ما شيء بلغني أنك تجيزه؟ قَالَ: وما هو؟ قَالَ: بلغني أنك تجيز: ليس الطيب إلا المسك , بالرفع، فقال له أَبُو عمرو: هيهات , نمت وأدلج الناس! ليس فِي الأرض حجازي إلا وهو ينصب , ولا فِي الأرض تميمي إلا وهو يرفع، ثم قَالَ لي أَبُو عمرو: تعال أنت يا يحيى، وقال لخلف الأحمر: تعال أنت يا خلف، امضيا إلى أبي مهدية فلقناه الرفع , فإنه يأبى، وامضيا إلى المنتجع بْن نبهان التميمي , فلقناه النصب فإنه يأبى، قَالَ أَبُو مُحَمَّد: فمضينا إلى أبي مهدية فوجدناه قائما يصلي , فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: ما خطبكما؟ فقلت: جئناك لنسألك عَن شيء من كلام العرب، قَالَ: هاتياه، فقلنا: كيف تقول ليس الطيب إلا المسك؟ فقال: أتأمراني بالكذب على كبر سني , فأين الزعفران , وأين الجادي , وأين بنة الأبل الصادرة؟ فقال له خلف: ليس الشراب إلا العسل، قَالَ: فما تصنع سودان هجر , ما لهم غير هذا التمر، فلما رأيت ذلك قلت له: كيف تقول: ليس ملاك الأمر إلا طاعة اللَّه والعمل بها؟ فقال: هذا كلام لا دخل

стр. 241

فيه , ليس ملاك الأمر إلا طاعة اللَّه والعمل بها , فنصب فلقناه الرفع فأبى , فكتبنا ما سمعناه منه. ثم جئنا إلى المنتجع فقلنا له: كيف تقول: ليس الطيب إلا المسك؟ ونصبنا فقال: ليس الطيب إلا المسك , فرفع , وجهدنا به أن ينصب , فلم ينصب. فرجعنا إلى أبي عمرو، وعنده عيسى بْن عمر لم يبرح بعد , فأخبرناه بما سمعنا , فأخرج عيسى خاتمه من يده , فدفعه إلى أبي عمرو , وقال: بهذا سدت الناس يا أبا عمرو حضرت أبا إسحاق الزجاج يوم الجمعة، فِي مجلسه بالجامع الغربي، بمدينة السلام، بعد الصلاة , وقد دس إليه أَبُو موسى الحامض رجلا غريبا بمسائل , منها: كيف تجمع هبي وهبية جمع التكسير؟ فقال أَبُو إسحاق: أقول: هباي كما ترى , فأدغم , وأصل الياء الأولى عندي السكون , ولولا ذلك لأظهرتها، فقال له الرجل: فلم تصرفه إذا كان أصله عندك السكون كما تصرف حمارا؟ فقال: لأن حمارا غير مكسر , وإنما هو واحد , فلذلك صرفته ولم أصرف هباي، قَالَ: وما أنكرت من أن يكونوا أعلوا العين فِي هذا الباب وصححوا اللام , فشبهوا الياء التي ههنا هي لام بعين المعتل , ثم أعلوا العين بمثل رأيته؟ فقال: هذا مذهب , وهو عندي جائز،

стр. 242

ثم قَالَ أَبُو إسحاق: أراك تسأل سؤال فهم فكيف تصغر هبي؟ فقال أنا مستفهم والجواب منك أحسن، فقال أَبُو إسحاق: يقال فِي تصغيره هبيي , فتصحح الياء الثانية فِي الأصل وتدغم فيها الياء الأولى التي هي لام الفعل , وتأتي بياء التصغير ساكنة فلا يلزم حذف شيء. والهبي والهبية: الصبي قَالَ له الرجل: كيف تبني من قضيت مثل جحمرش؟ وهي العجوز، قَالَ أَبُو إسحاق: أما على مذهب المازني فيقال فيه قضي، لأن اللام الأولى بمنزلة غير المعتل لسكون ما قبلها , فأشبهت ياء ظبي , فكأن ليس فِي الكلام إلا ياءان , فصحت الأولى من الأخريين، وأعلت الآخرة. هذا مذهب أبي عثمان. والأخفش يَقُولُ فيها قضيا , قَالَ: وأقلب الوسطى ألفا أحذف الآخرة لانفتاح من قبلها. قَالَ له الرجل: فكيف تقول منها من قرأت؟ فقال له أَبُو إسحاق: يقال قرآء مثل قرقاع , وأصله قرأئئ وزنه قرقيع , فاجتمعت ثلاث همزات فقلبت الوسطى منهن ياء لاجتماع الهمزات , ثم قلبتها ألفا لاجتماع ما قبلها. فقال له: فما وزن كينونة عندك؟ قَالَ: فيعلولة , وأصلها كيونونة , ثم قلبت الواو ياء لسبق الياء لها ساكنة , وأدغمت الأولى فِي الثانية فصار كينونة , ثم خففت فقيل كينونة؟ كما قيل فِي ميت وهين وطيب: ميت وهين وطيب. قَالَ: ما الدليل على هذه الدعوى والفراء يزعم أنها فعلولة؟

стр. 243

قَالَ: الدليل عل ذلك ثبات الياء , لأنه لو كان أصلا لزمه الاعتلال , لأنه لا محالة من الكون , فكان يجب أن يقال كونونة , إن كان أصلها فعلولة بإسكان العين، وإن كان أصلها فعلولة بتحريك العين فواجب أن يقال كانونة. فقال له الرجل: فما تقول فِي امرأة سميت أريس، ثم خففت الهمزة , كيف تصغرها؟ قَالَ: أريس ولا أزيد الهاء. فقال له: ولم وقد صار ثلاثة أحرف , ألست تقول فِي تصغير هند هنيدة , وعين عيينة، فقال الزجاج: هذا مخالف لذلك، فغني لو خففت الهمزة فإنها مقدرة فِي الأصل , والتخفيف بعد التحقيق. قَالَ: فلم لا تلحقه بتصغير سماء إذا قلت سمية , أليس الأصل مقدرا؟ فقال: هذا لا يشبه تصغير سماء، لأن التخفيف فِي أرؤس عارض , والتحقيق فيه جائز، وأنت فِي تحقير سماء تكره الجمع بين ثلاث ياءات , وأنت لا تكره التحقيق فِي أرؤس , فلو حققته صار على أربعة أحرف وهو الأصل، وسماء الحذف لها لازم , فصار كأنه على ثلاثة أحرف , فلحقتها الهاء فِي التصغير. قَالَ أَبُو القاسم الزجاجي: ونظير كينونة فِي الوزن القيدودة , وهو الطول، والهيعوعة , وهو مصدر هاع , إذا جبن هيعوعة، الطيرورة من الطيران، كل هذا أصله عند البصريين فيعلولة , ثم لحقته ما ذكرته لك، وكان فِي

стр. 244

المجلس المشوق , فأخذ بياضا , وكتب من وقته: صبرا أبا إسحاق عَن قدرة ... فذو النهي يمتثل الصبرا واعجب من الدهر وأوغاده ... فإنهم قد فضحوا الدهرا لا ذنب للدهر ولكنهم ... يستحسنون الغدر المكرا نبئت بالجامع كلبا لهم ... ينبح منك الشمس والبدرا والعلم والحلم ومحض الحجا ... وشامخ الأطواد والبحرا والديمة الوطفاء فِي سحها ... إذا الربى أضحت به خضر فتلك أوصافك بين الورى ... يأبين والتيه لك الكبرا يظن جهلا والذي دسه ... أن يلمسوا العيون والغفرا فأرسلوا النزر إلى غامر ... وغمرنا يستوعب النزار فاله أبا إسحاق عَن خامل ... ولا تضق منك به صدرا وعن خشار عور فِي الورى ... خطيبهم من فمه يخرا قَالَ أَبُو إسحاق: فعقب هذا المجلي سألني مُحَمَّد بْن يزيد المبرد يوما، فقال: كيف تقول فِي تصغير أموي؟ فقلت له: أقول أمي، فقال لي: لم طرحت ياء التصغير من أموي وأثبتها فِي هذا؟ فقلت: تلك لغيره , تلك للجنس هذا

стр. 245

له فِي نفسه , فلا يطرح له ما فِي نفسه حملا على ما كان للجنس، فقال: أجدت يا أبا إسحاق. أخبرني بعض أصحابنا، قَالَ: حضرت مجلس أبي بكر بْن دريد وقد سأله بعض الناس عَن معني قول الشاعر: هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك فِي الصدود كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن النية فِي الورود تفيض نفوسها ظمأ وتخشي ... حماما فهي تنظر من بعيد قَالَ: الحائم: الذي يدور حول الماء ولا يصل إليه، يقال: حام يحوم حياما. معني الشعر أن الأيائل , تأكل الأفاعي فِي الصيف , فتحمي وتلهب لحرارتها , فتطلب الماء , فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه وحامت حوله تتنسمه، لأنها إن شربته فِي تلك الحال وصادف الماء السم الذي فِي أجوافها

стр. 246

تلفت , فلا تزال تدافع شرب الماء حتى يطول الزمان , فيسكن فوران السم , ثم تشربه فلا يضرها. فيقول هذا الشاعر: فأنا فِي تركي وصالك مع شدة حاجتي إليه إبقاء على ودك , بمنزلة هذه الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدة حاجتها إليه، إبقاء على حياتها أخبرنا أَبُو بكر بْن شقير، قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن القاسم بْن خلاد , عَن عَبْد اللَّه بْن بكر بْن حبيب السهمي , عَن أبيه، قَالَ: دخلت على عيسى بْن جعفر بْن المنصور , وهو أمير البصرة , أعزيه عَن طفل له مات , فبينا أنا عنده دخل عليه شبيب بْن شيبه المنقري , فقال: أبشر أيها الأمير , فإن الطفل لا يزال محنبظئا , بباب الجنة يَقُولُ: لا أدخل حتى يدخل

стр. 247

والدي! فقلت: يا أبا المعمر , دع عنك الظاء والزم الطاء. قَالَ: أولي تقول هذا وما بين لابتيها أفصح مني! فقلت: له هذا خطأ ثان , ومن أين للبصرة لابة , إنما البصرة الحجارة البيض الرخوة، واللابة: الحجارة السود. يقال لابة ولاب , ولوبة ولوب , ونوبة ونوب , لمعني واحد، فكان كلما انتعش انتكس قَالَ ثعلب فِي أماليه , ووكيع فِي الغرر: حدثني أَبُو سعيد عَبْد اللَّه بْن شبيب، حدثني هارون بْن أبي بكر أخو الزبير , حدثني مُحَمَّد بْن إبراهيم الليثي , حدثني مُحَمَّد بْن معن الغفاري، قَالَ: أقحمت السنة المدينة ناسا من الأعراب , فحل المزاد , منهم صرم من بني كلاب , فأبرقوا ليلة فِي النجد , وغدوت عليهم , فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما , ضيعة ومرضا وضمانة حب , وإذا هو رافع عقيرته بأبيات قالها من الليل:

стр. 248

ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم لمعت اقتذاء الطير والقوم هجع ... فهيجت أسقاما وأنت سليم فبت بجد المرفقين أشيمه ... كأني لبرق بالستار حميم فهل من معين طرف عين خلية ... فإنسان طرف العامري كليم رمي قلبه الرق الملألئ رمية ... بذكر الحمي وهنا فبات يهيم فقلت له: فِي دون ما بك ما يفحم عَنِ الشعر! فقال: صدقت ولكن البرق أنطقني. قَالَ: ثم والله ما لبث يومه حتى مات قبل الليل , ما يتهم عليه غير الوجد أخرجه الزجاجي فِي أماليه من وجه آخر , عَن محمد بن معن به نحوه