← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 133

الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة

سعود بن عيد الصاعدي

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

* ثانيًا تراجم الرواة ١ - ترجمت للرواة المختلف فيهم، أو الضعفاء - على اختلاف مراتبهم - فقط، من الكتب الأصيلة في التاريخ، والجرح والتعديل. ٢ - اخترت في مراتبهم ما يناسب أحوالهم حرحًا، أو تعديلًا بناءً على ما يقتضيه النظر في ما سار عليه جمهور أهل الحديث في قواعد الجرح والتعديل، وضوابطهما. مع الاستئناس بأحكام الحافظَيْن: الذهبي، وابن حجر، في كتبهما. ٣ - ترجمت لهم في أول موضع وردوا فيه. وإذا تكرر أحدهم فأذكر مرتبته، ولا أحيل على مكان ترجته - اكتفاء بفهرس الأعلام؛ خشية التطويل -. ٤ - سميت من اتفقت مصادر الحديث على ذكره منهم بكنيته، أو لقبه. ونسبت من وقع اسمه مهملًا، جاعلًا ذلك بين قوسين.

стр. 37

* ثالثًا: التخريج، والحكم على الأحاديث ١ - بدأت في عزو الأحاديث بالكتب الستة - على وفق ترتيبها عند الجمهور -، ثم سائر الكتب على وفق ترتيب وفيات مولفيها. ٢ - خرجتها من الكتب نطاق البحث في متن البحث. وعزوتها إلى سائر كتب السنة في حاشيته، تخريجًا واحدًا، مؤتلفًا في الموضعين. ٣ - نبهت على اللفظ لمن هو إذا كان هناك اختلاف، أو تعدد في الألفاظ. ٤ - ذكرت الزيادات في المتون، أو اختلاف وتعدد الألفاظ - إذا دعت الحاجة إلى ذلك -. ٥ - اقتصرت على موضع الشاهد من الحديث إذا كان متنه فيه طول. وقد أسوق متنه كاملًا إذا كانت فيه قصة فيها عظة وعبرة، وتعليم وتربية. ٦ - ذكرت ما وقفت عليه من الطرق والمتابعات، وشواهد الأحاديث غير الثابتة في متن البحث، وخرجتها. وربما أوردت - حيانا - شيئًا من ذلك في الحاشية لسبب. ٧ - ذكرت اختلاف الطرق، والأسانيد، مع بيان الصحيح، أو الأشبه منها. ٨ - نقلت في التخريج أقوال النقاد، وأحكامهم على الأحاديث، أو بعض طرقها وأسانيدها - حسب القدرة، والامكان -.

стр. 38

٩ - ذكرت ما ترجح لدي في الحكم على أسانيد الأحاديث ومتونها؛ بناء على ما يقتضيه النظر فيما سار عليه جمهور أهل الحديث، واختاروه من القواعد، والضوابط ... وهذا فيما إذا كان الحديث ليس في الصحيحين، أو أحدهما؛ لأن مجرد العزو إليهما أو إلى أحدهما يكفي للدلالة على ثبوت الحديث. غير أن الحديث إذا كان فيهما، أو في أحدهما وقد تكلم فيه بعض أهل العلم فإني أذكر كلامه، والراجح في درجة الحديث إسنادًا، ومتنا. ١٠ - توقفت عن الحكم على بعض الأحاديث، أو أسانيدها؛ لأني لم أتوصل فيها إلى حكم مناسب؛ لبعض الأسباب المشروحة في دراستها. ١١ - جمعت بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، أو رجحت بعضها على بعض بقرائن الترجيح. وذكرت فيها ما وقفت عليه من كلام أهل العلم - سواء أكان في الجمع أم في الترجيح -. * رابعًا: تنظيم النّص ١ - نظّمت الأحاديث الواردة في موضوع البحث بعد نظر، وتأمل على خطة علمية مؤسسة على متون الأحاديث، يقل فيها التكرار؛ وذلك لأن عددًا جمًّا منها يقتضي المقام إعادته في أكثر من موضع ... وإذا اقتضى المقام تكراره ذكرته في أنسب موضع له في الخطة، ودرسته، ونبهت عليه في بقية المواضيع - مع الحوالة عليه -.

стр. 39

٢ - بدأت بما ورد من الأحاديث في فضائلهم على وجه الإجمال، ثم ما ورد في فضائلهم على وجه التخصيص. مع تقديم فضائل الرجال على فضائل النساء. ٣ - رتبت الأحاديث على أبواب، وفصول، ومباحث، ومطالب ذات عنوانات تميزها - على وفق ما تقدم توضيحه في الخطة -، وذكرت عقب كل منها خلاصة مختصرة. ٤ - رتبت الأحاديث الواردة في فضائلهم على الانفراد على أقسام مرقمة ومسلسلة، وكل فضائل صحابي منهم في قسم - مرتبون على حسب حروف المعجم -، ثم ذكرت من عُرف بكنيته ولم يُعرف اسمه، أو اختلف في اسمه اختلافًا شديدًا ولا مرجح، ثم ختمت بمن لم يسم منهم - كل في موضعه -، مرتبون على حسب حروف المعجم كذلك. ٥ - بدأت في فضائل الرجال منهم على الانفراد بالأحاديث الواردة في فضائل العشرة المبشرين بالجنة، على وفق ترتيبهم في أصح الأحاديث، وأشهرها. ٦ - بدأت في فضائل النساء على الانفراد بالأحاديث الواردة في فضائل أزواج النبي ﷺ ، على وفق ترتيبهن الراجح في الزواج منه ﷺ . ٧ - إذا كثرت الأحاديث في أي فصل، أو نحوه من فصول البحث فأفرّعها إلى عدّة فروع - على حسب ألفاظ متونها -.

стр. 40

٨ - بدأت في كل فصل - وما كان في معناه - بالأحاديث الصحيحة - مبتدئا بالأحاديث إلى اتفق على إخراجها البخاري ومسلم، فما انفرد به البخاري، فما انفرد به مسلم -. ثم عقبتها بالأحاديث الصحاح، فالحسان في غيرهما. فالضعيفة، فالموضوعة - إن وجدت -. وإذا كان الحديث غير الصحيح فيه متابعة، أو كان بلفظ الحديث الصحيح - أو الحسن - أو بنحوه، أو بمعناه فإني أقدمه معه؛ للعلاقة. ٩ - راعيت تقديم الفضائل التي ورد فيها أكثر من حديث على ما ورد فيه حديث واحد عن رسول الله ﷺ . ١٠ - إذا ورد متن الحديث الواحد، أو معناه عن أكثر من واحد عن النبي ﷺ فإني أذكر حديث كل واحد منهم على حده، وأجعله نصا مستقلًا. وقد أجمع بين حديثين - أو أكثر - لسبب يقتضيه التخريج. ١١ - رتبت المتابعات، والشواهد على حسب وفيات مخرجيها، خاتمًا بمن لم أقف على سنة وفاته منهم. مع تقديم الطرق، أو الشواهد التي في الصحيحين، ثم سائر الكتب الستة على غيرها. ١٢ - ذكرت متن الحديث بعد ذكر راويه - أو رواته - عن النبي ﷺ ، ثم ما يتبع ذلك من دراسته، وتخريجه، والحكم عليه.

стр. 41

* خامسًا: عزو المادّة العلمية ١ - عزوت إلى الكتب التسعة، ومسندي أبي بكر البزار، وأبي يعلى الموصلي بذكر أسماء أصحابها؛ لشهرة نسبتها إليهم، ومعرفة الصحاح من السنن من المسانيد وغير ذلك منها حميعًا عند أهل العلم. فأقول - مثلًا -: رواه البخاري، وأبو داود، والإمام مالك، والإمام أحمد، والبزار - وهكذا -. ٢ - عزوت إلى معاجم أبي القاسم الطبراني بذكر أسمائها حتى يتميز بعضها من بعض ... فأقول - مثلًا -: رواه الطبراني في الكبير، وفي الصغير - وهكذا -. ٣ - عزوت إلى الكتب الستة، وموطأ الامام مالك، وسنن الدارمى بذكر اسم الكتاب، وترجمة الباب، وأرقام: الأجزاء، والصحائف، والأحاديث. وهذا إذا كان الحديث على شرط البحث. وأما إذا لم يكن على شرطه فإني أعزو بذكر أرقام: الأجزاء، والصحائف، والأحاديث فحسب. ٤ - عزوت إلى سائر مصادر، ومراجع البحث بذكر أرقام: الأجزاء، والصحائف. وهذا إذا كان الكتاب متعدد الأجزاء، وإلّا فإني أعزو إلى أرقام الصحائف فحسب. وإذا رُقِمت نصوص أي منها سواء أكانت أحاديث أم تراجم أم نصوص فإني أذكر أرقامها.

стр. 42

٥ - عزوت الآيات الواردة في ثنايا البحث إلى مواضعها في القرآن الكريم، بذكر رقمها، واسم سورتها. ٦ - وتقدم في منهجي في التخريج، والحكم على الأحاديث: أني بدأت في عزو الأحاديث بالكتب الستة - على وفق ترتيبها عند الجمهور -، ثم سائر الكتب على وفق ترتيب وفيات مؤلفيها. ٧ - اختصرت أسماء بعض المصنفات المتداولة، المشهورة عند أهل العلم، أو ذكرتها باسم شهرتها من حيث موضوعها مع نسبتها لمصنفها اختصارًا، وذِكرًا لا يوقع القارئ في التباسها بغيرها - إن شاء الله تعالى - ... ومن ذلك: الإحسان (وهو: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لابن بلبان)، وتفسير الطبري (واسمه: جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، وشرح النووي لمسلم (واسمه: المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج)، وفوائد ابن القاسم بن الجراح (واسمها: الفوائد المنتقاة العوالي)، ومشيخة ابن عبد الدائم (واسمها: الأحاديث العوالي الصحاح والفوائد). وإذا أشكل شيء من ذلك على القارئ الكريم فليعد إلى فهرس المصادر، والمراجع؛ فإنه سيجد - إن شاء الله - ما يعالج ما استشكليه. * سادسًا: خدمة النَّص ١ - رقمت الأحاديث داخل فصولها، ومباحثها - ونحوهما - ترقيمًا يربط بعضها ببعض، ويسلسلها، وهو على ضربين: ترقيم عام للكتاب أجمع، وترقيم خاص لكل فصل، أو مبحث - أو نحوهما -.

стр. 43

٢ - ضبطت متونها بالشكل، وكتبتها بخط عريض. ٣ - وضعت علامات الترقيم المناسبة، واهتممت بها. ٤ - إذا تكرر الحديث رقمته، وخرجته في الموضع الأنسب له، وأحلت عليه في المواضع الأخرى من غير ترقيم، مع ذكر الشاهد فيه، وعزوه إلى بعض من رواه، ودرجته من حيث الثبوت وعدمه. ٥ - ضبطت الألفاظ المشكلة، وأسماء الرواة، وكناهم، وألقابهم المشتبهة، والأماكن، ونحوها، بالحروف - حسب الإمكان -. وذلك عند أول ورود لها، ثم إذا تكرر شئ منها فاضبطه بالحركات، ولا أحيل على الموضع الأول لأي منها - اكتفاء بالفهارس الخاصة بها في أواخر الرسالة -. ٦ - شرحت الألفاظ الغريبة من كتب غريب الحديثا، أو الشروح الحديثية، أو المعاجم اللغوية - على حسب ما يقتضيه المقام -. وذلك عند أول ورود لها، ثم إذا تكرر شئ منها فلا أشرحه، ولا أحيل على الموضع الأول لكل لفظ منها - اكتفاء بالفهارس الخاصة بها -. ٧ - عرّفت بالأماكن، والوقائع - غير المشهورة - من الكتب الأصيلة التي اعتنت ببيانها، والتعريف بها، سواء القديمة أم الحديثة. وذلك عند أول ورود لها، ثم إذا تكرر شئ من ذلك فلا أُعرف به، ولا أحيل على مكان التعريف به - اكتفاء بالفهارس الخاصة بها. وهذا المنهج في كل ما تكرر مما هو داخل في النقاط المتقدمة إنما وضعته، وسرت عليه خشية التكرار، والتطويل -.

стр. 44

* سابعًا: الخاتمة وذكرت فيها خلاصة موجزة عن البحث، وأهم النتائج، والتوصيات. * ثامنًا: الفهارس عملت عددًا من الفهارس التي تجلّى شيئًا من معارف البحث، وتكون دليلًا على ما فيه، وتبرز عنواناته الأساسية، وتحصر أطراف أحاديثه، وغير ذلك؛ وتمكن القارئ من الوصول إلى ما يبغيه منه بيسر، وسهولة ... وهى على هذا النحو: ١ - فهرس الآيات. ٢ - فهرس الأحاديث. ٣ - فهرس الآثار. ٤ - فهرس الأشعار. ٥ - فهرس الألفاظ الغريبة المفسرة. ٦ - فهرس الأعلام. ٧ - فهرس الأماكن، والبلدان. ٨ - فهرس الوقائع والأيام ٩ - فهرس القبائل، والطوائف. ١٠ - فهرس المصادر والمراجع. ١١ - فهرس الموضوعات. وعلى الله - وحده - أتوكل وأعتمد، وإليه أتوجه وأستند، وأسأله أن يقرن بالصواب تدبيري؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به، لا شريك له، ولا ند له، هو وليي وعصمتى من الزلل، في القول والعمل.

стр. 45

(شكر وتقدير) وقد نجز كتبي، وتخريجي للأحاديث الواردة في فضائل الصحابة - رضى الله عنهم - في كتب نطاق البحث، وشواهد الأحاديث الضعيفة منها، بعد خوضي للجتها الغامرة، واقتحامي لبحرها الزاخر، وتسورى لحوائطها العالية، مع ثقل الأمانة، وحزونة المسلك، وطول الكد، وصعوبة الجد، وشدة الاستمرار عليه، وإعرابي عن دواعي اختيار الكتابة في هذا الباب، وشرحي لخطته ومنهجه العلميين، ومن ثمَّ إيداع ذلك كله هذه البحث المبارك، وإعداده للطباعة، وما صاحب ذلك من قصور باعي، وقلة اطلاعى: أحمد الله ربي - جل وعلا - أن انتظم لي أمره، واستتب لي تدبيره، وأن وفقني للعمل بما رسمت، وللبناء على ما أسست حمدًا كثيرًا يرضيه، المتفضل عليّ بعبادته، وأثني عليه ثناءً يليق بحلاله، وعظيم سلطانه، طيبًا مباركًا، تختال بذكره أعطاف المؤلفات والدفاتر، وتتعطر به أقلام المصنفين والمحابر، فهو الإله المستحق للعبادة، وله خالص الثناء والشكر، لا شريك له. ثم أشكر من وصى الله بهما، وقرن في الأمر بشكره الأمر بشكرهما: والديّ - الكريمين - حفظهما الله، وأطال عمريهما، وأصلح عمليهما، وأسبغ عليهما رداء الصحة، وثوب السعادة، وأتمّ عليهما الفواضل والنعم، وأدام عليهما المواهب والقوى، ووصل سوالفها بعواطفها، وهيأ لي أسباب برهما، وأبواب الإحسان إليهما؛ إنه أكرم مسؤول.

стр. 46

وأتقدم شاكرًا، ومقدرًا إلى كل مَن حضّني وآزرني على الكتابة في هذا الموضوع القيّم، أو أعارني كتبًا ومؤلفات، أو أسدى إليّ توجيهات وإرشادات، كان لها في نفسى تأثر، وموقعها في البحث أثير، حتى راقت نضارته، وسطع نوره. وفي مقدّمتهم: المشرف، وسائر أعضاء لجنة مناقشة البحث. وأعضاء لجنة تقويمه ... مقدّرًا جهودهم المباركة في دراسته وتمحيصه، وما أنفقوه من أوقاتهم الثمينة في مطالعته وتقليبه؛ سدًا للخلل، وإكمالًا للعمل، وتعاونًا على البر والتقوى. وأسأل ربي الكريم أن يجزيهم خيرًا، وأن يرفع درجاتهم في أعلى الجنات، وأن يصل أيامهم بأكمل السعادات، وأجمل البركات، وأن يُعمَّر بطيب ذكرهم المجامع والمحافل، ويعطّ بأنبائهم المكاوم والفضائل. كما أتقدم بشكري - أيضًا - إلى مشايخي، وزملائي في كلية الحديث الشريف وفي غيرها؛ وإخواتي، وزوجتي أم عبد الله، وغيرهم ممن أعارني كتابًا، أو ساعد في مقابلة على الأصل المكتوب بخط يدي. وأسأل الله - الكريم - أن يجزي الجميع عني خير الجزاء وأتّمه، وأن يحسن إليهم غاية الإحسان وأسبغه، وأن يزيدهم من إنعامه وإكرامه وأن يمدهم من بره وإحسانه؛ على ما أرشدوا ونصحوا، وساعدوا وعضدوا. وأتقدم بشكري - أيضًا - إلى حكومة خادم الحرمين الشريفين لخدمتها المتواصلة للإسلام والمُسلِمين، ومن ذلك إنشاؤهم لهذه الجامعة الإسلامية، ورعايتهم لشؤونها. وإلى من نهضوا، وينهضون بخدمتها، فجعلوا منها منار

стр. 47

علم وهدى، وسبيل رشد وتقى، تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنى، على منهج السلف الصالح أصحاب الاتباع والنُهى. هذا، وإني لأعلم أن من ألف فقد استهدف، وقد جعلت بحثي هذا بإزاء عيون الناظرين، وبين أيديهم، وأنا لا أجهل قدرى، وأعلمهم بمقدار وزني، وأخبرهم بقلة علمي، وأعرف أنه لا يمكن أن أجمع أحاديث هذا الباب العظيم، وأدرسها، وأحكم عليها في بحث مثل هذا مع ما يصاحب كتابته من ظروف، وأوضاع، وأكون من النقد سالمًا، ومن الاستدراك بارئًا، ومن الاعتراض محترسًا، وإن اعتنيت، واجتهدت، وأنّ عليّ ضره وغرمه، ولمطالعه نفعه وغُنمه، وهو مكفي الجهد والمؤونة، وعن ذلك كله مبتعدًا ومحتجزا ... فلا يتعحب الناظر في بحثي هذا، لما فيه من وهمي وسهوي؛ فإنهما لا يسلم منهما أحد، ولا يستنكفهما بشر؛ لأن الضعف صفة من صفات بي آدم، ونعت من نعوتهم، وقد أبى الله - جل وعلا - أن يكون كتابًا صحيحًا غير كتابه ... قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢). قال ابن رجب (٣) ﵀: (يأبى الله العصمة لكتاب غير

стр. 48

كتابه. والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير من صوابه) اهـ. ورحم الله القائل: فالناس لم يصنفوا في العلم ... لكي يصيروا هدفا للذّم وأنا أعتذر للناظر في هذا البحث - مسبقًا - من الخلل الذي قد يقع عليه ناظراه، وحسبي أني أفرغت قصارى جهدي، وتوخيت إصابة الحق بكل طاقتي، واستنفذت غاية قدرتي ووسعي، ولا تعمدت نبوة أو هفوة، ولا أردت هوى أو ملت إليه، وحرصت وحاولت جُهد استطاعتي أن أعده، وأرتبه على أبرع سياق، وأبدع اتساق؛ ليظهر في أتم صورة، وأبهى حلية؛ نصحًا لله، ولرسوله ﷺ ، مع طول المادة العلمية فيه، وقلة في الوقت، ونزرة في العلم، وما صاحب هذا كله من كثرة الصوارف والشواغل، وعدم خلو البال. فإن وفقت فمن الله - وحده - الكريم الجواد، الموفق لسبيل الرشد والسداد، وله الفضل والمنة، وله حق النعم، ومفترض الآلاء. وإن اجتهدت فنبا فهمي، أو سها قلبي، أو زلّ قلمي، أو قصّرت عن التعبير عما في نفسي، فأستغفر الله منه، وأسأله الصفح والتحاوز عنه، والثواب عليه؛ إنه بر رحيم، وهو الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب. وفي الختام: أتضرع إلى الله ، وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وبحبي له، وبحبي لرسوله ﷺ ،

стр. 49

ولأصحاب رسوله ﷺ أن يجعلي وذريتي من المسلمين له، وأن يتقبل مني عملي هذا؛ إنه هو السميع العليم، وأن يجعله لوجهه خالصًا، ولمرضاته موجبًا، ولجنته سببًا، محصلًا به من خيراتها مرامًا وافرًا وأربًا، وأن يجعل منه للعقيدة مؤيدًا وناصرًا، موملًا أن يكون لمعلمة واسعة في الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة - رضى الله عنهم - بناء متينًا وهيكلًا، وأن لا تلحقني تبعة منه، ولا مضرة، وأن أكون بتأليفي له غانمًا غير خائب، وسالمًا غير غارم، وأن يجعل نفعه نفعًا متعديًا لا حد له. وأسأله - تعالى - أن ينفعني به في الدنيا والآخرة، ووالديّ، وقرابتي، ومَن أشرف على كتابته، وكل من قرأه ونظره وطالعه، ومَن استفاد منه، ومَن نبّه على ملحوظة فيه، من كل عالم راغب، أو متعلم طالب. كما أسأله أن يصلح العمل، وأن يتجاوز عن الزلل، وأن يحسن المآل والعاقبة؛ إنه هو الجواد الكريم، الرؤوف الحليم، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ (١)، ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾ (٢) وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وعلى أصحابه، وآخر دعواي: أن الحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 50

قيّدهُ العبدُ الفقيرُ إلى الله د. سُعُودُ بن عِيْدِ بنِ عُمَيْرٍ الجَربُوعِيّ الصَّاعِديّ عضو هيئة التّدريس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة لطف الله به وحماه، وأعلى منزلته في دار رضاه فارغًا منه مع بزوغ فجر يوم عيد الفطر المبارك، سنة: اثنتين وعشرين وأربع مئة بعد الألف من الهجرة المباركة - أحسن الله خاتمتها - (١) بطيبة مدينة رسول الله ﷺ حماها الله، وشرفها، وزادها تعظيمًا، وتكريمًا

стр. 51

تمهيد أفضل الناس وأنبلهم، وأنبههم ذِكرًا، وأظهرهم فضلًا، وأبعدهم صيتًا وغاية في مراتب الدين، وشرف الدنيا عند الله - تعالى - بعد أنبيائه، ورسله: أصحابُ رسول الله ﷺ ، اختارهم لصحبة نبيه، والاقتداء به، وضبط الشريعة، وحفظها، والصدق في تبليغها، والجهاد لإظهارها، ونشرها. نوّه بدرجاتهم الرفيعة، وأقدارهم الشريفة في القرآن، والتوراة، والإنجيل. وسبق لهم على لسان رسوله ﷺ من المزايا وَالرُّتب ما ليس لأحد بعدهم؛ لإخلاصهم، وقوة إيمانهم، ولسابقتهم الجليلة في الدين والهجرة، والجهاد والنصرة، والإبلاغ والمتابعة، وسلامة أحوالهم، وبراءتهم من المغامز، والمطاعن. يقول ابن عبد البر (١): (إنما وضع الله أصحاب رسوله ﷺ بالموضع الذي وضعهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة، لتقوم الحجة على أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة، وسنة، فصلى الله عليه، ورضي عنهم أجمعين، فنعم العون كانوا له على الدين، في تبليغهم عنه إلى من بعدهم من المُسلِمين) اهـ (٢). ويقول

стр. 52

ابن القيم (١) ﵀: (فلا ريب أنهم كانوا أبرّ قلوبًا، وأعمق علمًا، وأقل تكلفًا ... لما خصهم الله - تعالى - به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وسرعته .. وحسن القصد، وتقوى الرب - تعالى -) اهـ (٢). فمحبتهم، وتوقيرهم، ونشر مناقبهم، وبثّ محاسنهم، وإذاعة خصائصهم، وفضائلهم، وحميد سيرتهم، والتعريف بهم، وبحقوقهم، وما يجوز فيهم، وما لا يجوز، والحث على الاقتداء بهم دين، وإيمان، وعلامة من علامات أهل السنة والجماعة، المتمسكين بكتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ على وفق فهم السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -.

стр. 53

ولذا اتجه كثير من أهل العلم المتقدمين، والمتأخرين إلى الكتابة عن الصحابة ﵃ فكتبوا فيهم المؤلفات الدائرة، والتصانيف السائرة، وسلكوا لذلك سبلا متعددة، وأنتجت جهودهم عددًا من الكتابات، أو المؤلفات، والمصنفات - الكبيرة، والصغيرة - في حدهم ومعرفتهم، وعدالتهم. وما تعرف به صحبتهم، وطبقاتهم، وما ورد في فضائلهم الفاخرة، ومراتبهم السّنِيّة، وأقوال بعضهم في بعض، والرد على من طعن فيهم، أو في بعضهم، أو أبغضهم وشتمهم، وغير ذلك من الجوانب البحثية المتعلقة بهم (١). ولذا سوف أكتفي بهذه الورقات تمهيدًا مختصرًا عن الصحابة ﵃، ودراسة لبعض المسائل فيهم، أقدّم بها بين يدي ما ورد من فضائلهم على وجه الإجمال، أو التفصيل عن صاحبهم الذي اتبعوه، وحفظوه: النبي ﷺ ، في كتب نطاق البحث، إذ إن تفصيلها ليس هذا مكانه، ومن أراد الاستزادة والبسط، فليعد إلى مصادر، ومراجع ما قيدت. وبالله أستعين لما قصدت، ومنه العون، وإياه أسأل بلطفه ورأفته الإعانة والهداية والتوفيق والصون؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة والإسعاف جدير.

стр. 54

* المسألة الأولى: تعريف الصحابي ... وفيها ثلاثة فروع: - أَولها: تعريف الصحابي لغة الصحابي اللغة واحد الصحابة، منسوبا إليهم، مشتق من قولهم: (صحب)، واتفقت كلمة أهل اللغة على أنه أصل يدل على الاتباع، والملازمة، والمعاشرة، وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص، بل هو جار على كل من صحب غيره قليلا كان، أو كثيرًا، والدعاء إليها، والحفظ والمنع فيها (١) ... قال أبو عبيد (٢): (صحبتُ الرجل) من: الصحبة. (وأصحبت) أي: أنقدت له. وقال (بن فارس (٣): (الصاد، والحاء، والباء: أصل واحد، يدل على مقارنة شيء، ومقاربته. من ذلك: الصاحب، والجمع الصحب، كما يقال: راكب، وركب. ومن الباب: أصحب فلان، إذا انقاد ..... وكل شيء لاءم شيئا فقد اصطحبه) اهـ. والصحابي، والصاحب مشتقان من الصحبة، ويجمع الصاحب على: أصحاب، وأصاحيب، وصُحبان، وصحاب، وصَحْب، وصحابة،

стр. 55

وصِحابة (١). والصحبة، والصحب: اسمان للجمع (٢). ومؤنث الصحابي: صحابية، وجمعها: صحابيات. والصاحب: صاحبة، وجمعها: صاحبات، وصواحب، وربما أُنّث هذا، فقيل: صواحبات (٣). ويطلق لفظ الصحابة، والأصحاب على من تبعوا غيرهم، أو اعتنقوا رأيًا، أو طريقة، كما يقال: أصحاب الرسول ﷺ ، وأصحاب الحديث، وأصحاب الإمام أحمد، ونحو ذلك (٤)، وهو في الجملتين الأخيرتين، ونحوهما إطلاق مجازي (٥). - والثاني تعريفه في العُرف تقرر للأمة عرف في أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلّا فيمن كثرت صحبته، واتصل لقاؤه، ولا يجرون ذلك على من لقي المرء ساعة، ومشى معه خطى، وسمع منه حديثًا. فوجب لذلك أن لا يجري هذا الاسم في عرف الاستعمال إلّا على من هذه حاله. ومع هذا فإن خبر الثقة الأمين عنه مقبول، ومعمول به، وإن لم تطل صحبته، ولا سمع منه إلّا حديثا

стр. 56

واحدا ... قاله القاضي أبو بكر محمد بن الطيب، فيما رواه الخطيب في الكفاية (١) عن محمد بن عبيد الله المالكي عنه. وهذا هو المعنى العرفي للصحابي عند سائر أهل العلم (٢). - والثالث: تعريفه في الاصطلاح للصحابي في اصطلاح علماء الشريعة تعريف، ومفهوم يختلف باختلاف تخصصهم، ومجال بحثهم، فله تعريف عند أصحاب الحديث، وآخر عند الفقهاء، والأصوليين. وقد يختلف أصحاب هذه العلوم فيما بينهم، وقد تختلف عباراتهم، والمعنى واحد، وجملة الأقوال في تعريف الصحابي عندهم تعود إلى سبعة، أذكر أشهرها، وأصحها (٣). فالمشهور عند جمهور المحدثين أنه: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك ردة (٤) ... وهذا

стр. 57

شامل يدخل فيه الرجال، والنساء، الأحرار، والموالي، ومن صحبه قليلا، أو كثيرا، ومن رآه، ولم يجالسه، وغير ذلك، حتى من كان ضريرًا منهم (١) ... قال السيوطي في ألفيته (٢): حدّ الصحابي مسلما لاقى الرسول ... وإن بلا رواية عنه وطول وشرطه الموت على دين ولو ... تخلل الردة ....... والمشهور عند جمهور الفقهاء، والأصوليين أن تعريفه كتعريف جمهور المحدثين مع اشتراط كثرة اللقاء وطول الصحبة، على اختلاف بينهم في المدة المعتبرة قلة، وكثرة (٣).

стр. 58

والتعريف الأول هو الصحيح، المعول عليه (١)، يؤيده المعني اللغوي - المتقدم -، وهو ما دل عليه معني الصاحب في القرآن، كقوله - تعالى - في النبي ﷺ : ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٣). وصح عن النبي ﷺ قوله في عدة أحاديث: (طوبى لمن رآني)، وقوله: (لا تمس النار مسلمًا رآني) (٤) ... وهذه الأدلة في أدلة أخرى كلها تدل على مطلق الصحبة، والرؤية، ليست واردة في مقدار خاص منها - والله أعلم -. والتعريف الثاني للصحابي تعريف مرجوح، اعتمد أصحابه على الاستعمال، والمعنى العرفي للصاحب - فيما يظهر - (٥)، والله تعالى أعلم. قال الإمام أحمد ﵀ في عقيدته (٦): (كل من صحبه - سنة، أو شهرا، أو يوما، أو ساعة، أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه). ويقول شيخ الإسلام ابن تيميه (٧): (والصحبة اسم جنس،

стр. 59

تقع على من صحب النبي ﷺ قليلًا، أو كثرًا، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك .... ) اهـ، ثم استدل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه (١): (يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب النبي ﷺ )؟ وفي بعض ألفاظه الصحيحة: (هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ )، ثم قال: (فقد علّق النبي ﷺ الحكم بصحبته، وعلق برؤيته، وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به) ا هـ. وقال - مرة - (٢): (والنبي ﷺ لم يقيد الصحبة بقيد، ولا قدرها بقدر، بل علق الحكم بمطلقها، ولا مطلق لها إلا الرؤية ... )، إلى أن قال: (ولا ريب أن مجرد رؤية الإنسان لغيره لا توجب أن يقال قد صحبه، ولكن إذا رآه على وجه الاتباع له، والاقتداء به دون غيره، والاختصاص به. ولهذا لم يُعتد برؤية من رأى النبي ﷺ من الكفار والمنافقين .... ) ا هـ. واختلف العلماء: هل الخلاف في تعريف الصحابي خلاف لفظي لا أثر له، أم أنه معنوي، له أثر وثمرة؟ على قولين، الصحيح منهما: أنه معنوي، له أثر في الرواية، وإثبات فضل الصحبة والعدالة، وغير ذلك (٣). * * *

стр. 60

* المسألة الثانية: ما تُعرف به صحبة النبي ﷺ - كل من انطبق عليه التعريف المختار للصحابي يثبت له شرف صحبة رسول الله ﷺ ، وفضلها. ولأهل العلم سبلٌ عدة يسلكونها لإثبات الصحبة، ومعرفتها، وهم على أصناف شتى في إجمالها، وتفصيلها، واختلافهم في تعدادها، أو صحة الأخذ بها، وتقسيمها، والتمثيل عليها، وما يكون منها قطعيًا، أو ظنيًا، وما يكون شرطًا، وما لا يكون، ونحو ذلك ... وخلاصة النظر فيما ذكروه أن هذه السبل المثبتة للصحبة على نوعين: - الأول: إثباتها بالخبر، وذا على أقسام: أولها: أن يكون من القرآن الكريم، إما تصريحًا، وإما إبهامًا (١). والثاني: أن يكون من السنة، على تعدد أحوالها باعتبار وصولها إلينا (٢). والثالث: أن يكون الخبر فيما عداهما من قول الرجل عن نفسه أنه لقي النبي ﷺ ، أو صحبه، أو سأله، أو حدثه، أو استعمله، أو نحو ذلك، مع معرفة إسلامه، وإمكان ما حدث به (٣). ولم يرد، أو لم يثبت أنه

стр. 61

من التابعين، أو ممن دونهم (١). الرابع: أن يكون من خبر الصحابة بعضهم في بعض (٢). والخامس: أن يكون من خبر أحد التابعين - أو جماعة منهم - بما يدل على صحبة مَن روى عنه - أو من رووا عنهم - (٣)، على اختلاف أحوالها باعتبار وصولها إلينا. - والثاني: إثباتها بوصف، أو قرينة، أو نحو ذلك، وهذا على أقسام، أولها: أن يكون مهاجرًا، أو أن يكون من الأوس وَالخزرج، وكان بالمدينة في حياة النبي ﷺ (٤). والثاني: أن يكون من أهل مكة، أو الطائف سنة عشر من الهجرة؛ لأنه لم يبق بهما أحد في هذه السنة إلّا أسلم وشهد حجة الوداع (٥). والثالث: أن يكون قد أُمّر في معركة من معارك الردة والفتوح؛ لأنهم كانوا لا يؤمرون إلّا صحابي (٦). والرابع: أن يولد أو يولد له في عهد النبي ﷺ ؛ لأنه كان لا يولد لأحد منهم إلّا أتى به النبي ﷺ ؛

стр. 62

التماس بركته ودعائه، وهذا محمول على من كان بحضرة النبي ﷺ . فهذه سبل مهمة، ينبغي العناية بها، وإن كان اعتماد الناس اليوم في معرفة الصحبة في الغالب على النظر في كتب معرفة الصحابة التي اعتمد مؤلفوها هذه السبل لإثبات الصحبة، أو نفيها، أو ذكر اختلاف أهل العلم فيها، ومعرفة كون الراوي صحابيا، أو غير صحابي ذات فائدة مهمة؛ لما يترتب عليها من معرفة الإرسال، أو الاتصال، وضرورة البحث في العدالة، أو عدمهما (١)، فهو إن كان صحابيا ثبتت له العدالة من غير بحث، وثبت له فضل الصحبة التي لا يشارك الصحابة فيهما غيرهم - على هذا الوجه - (٢). قال السيوطي في ألفيته (٣): وتعرف الصحبة بالتواتر ... وشهرة وقول صحب آخر أو تابعي والأصح يقبل ... إذا ادعى معاصر معدّل

стр. 63

ومع هذه السبل والوسائل التي تعرف بها الصحبة هناك سبل لمعرفة عدم ثبوت الصحبة (١)، وأهلها هم الذين لا ينطبق عليهم التعريف المتقدم للصحابي - وبالله التوفيق -. * * * * المسألة الثالثة: منزلتهم في القرآن، والسنة الصحابة ﵃ من أعظم الناس عند الله ﵎، وعند رسوله ﷺ مرتبة، وأشرفهم حظوة، ومنزلة، أطنب الله ، ورسوله ﷺ في وصفهم، والثناء عليهم، ومدحهم ... فتواترت الآيات، والأحاديث بذكرهم الجميل، ونشرهم الطيب، ورفعتهم السامية في الدنيا والآخرة، وما خصوا به من الصفات الكريمة، والشيم العالية، والمواهب الجليلة الرفيعة. وما ورد فيهم في كتاب الله - جل وعلا - كثير، وبابه واسع ... سواء ما ورد من ذلك في فضائلهم، والثناء عليهم عامة، أو بخاصة. وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب (٢): (القرآن مشحون من مدح الصحابة ﵃) (٣). وجمعه الدكتور: محمد بن حميد القرشي، في رسالته العلمية: الصحابة ﵃ في القرآن الكريم.

стр. 64

ومن ذلك قول الله (١): ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾، وقوله (٢): ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾. وقوله (٣): ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾. وما ورد فيهم في سنة النبي ﷺ عدده جمّ، وكثير - أيضًا - ... فيه الثناء عليهم، ومدحهم على وجه الإجمال، أو التفصيل؛ لما خصوا به من صحبه رسول الله ﷺ والجهاد معه، ونشر دينه، والقتال عليه. وما فيه من أن قرنهم خير قرون الناس، وأن النبي ﷺ أمنة لهم، وهم أمنة لأمته،

стр. 65

ووصاته ﷺ بهم، ومعرفة حقهم، ونهيه عن سبهم والطعن فيهم، وغير هذا مما ستراه مبسوطا في مواضعه من هذا البحث. * * * * المسألة الرابعة: عقيدة السلف الصالح فيهم ... وفيها فرعان: - أولهما: عقيدتهم فيهم إجمالا عقيدة أهل السنة والجماعة وسط بين الإفراط، والتفريط، ووسط بين الغلو والجفاء في جميع مسائل الاعتقاد، ومن هذا عقيدتهم في أصحاب رسول الله ﷺ (١). وكل ما أثبته الله في كتابه - الكريم -، والنبي ﷺ في سنته المشرفة للصحابة حق يجب الأخذ به، وعدم العدول عنه عندهم ... من اعتقاد إخلاصهم في استحابتهم لله، ولرسوله ﷺ ، وإيمانهم، وعدالتهم، وشرائهم أنفسهم ابتغاء مرضات الله، ورجاء رحمته، وحسن ثوابه، وهجرتهم، وجهادهم بأنفسهم، وبأموالهم، ونصرتهم للنبي ﷺ وحمايتهم له. مع شدة بأسهم على أهل الكفر والزيغ والفساد، ولين جانبهم لأهل الإيمان والحق والرشاد. واعتقاد خوفهم من الله - جل وعلا -، ودعائهم، أن يتقبل الله - تعالى - منهم، وأن يغفر لهم. واعتقاد أن الله - جل وعلا - قد رضي عنهم، ورضوا عنه، وعدّهم من المحسنين، آتاهم ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، وبشرهم برحمة منه، ورضوان،

стр. 66

وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبدا. واعتقاد أنهم خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويعتمدون على الله - جل وعلا -. واعتقاد أن قرنهم خير قرون الناس أجمعين، وينزلونهم منازلهم بالعدل والإنصاف، ويحبونهم، ويوقرونهم، ويترضون عنهم، ويكفون عما شجر بينهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، وينشرون مناقبهم وفضائلهم، ولا يروون ما ينقل في معايبهم، وأخطائهم (١)، وأن لهم من السوابق، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر. قال الشيخ الطحاوي (٢): (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من حب أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وطغيان) اهـ. واعتقاد أن الطعن فيهم، أو سبهم منهي عنه لا يجوز، وأن من سبهم فهو من أهل الزيغ، والضلال، ولازم قوله: الطعن في هذا الدين ورسوله، لأنهم أتباعه، ونقلته، وناشروه. قال البربهاري (٣): (واعلم أنه من تناول أحدًا من

стр. 67

أصحاب محمد ﷺ فاعلم أنه إنما أراد محمدًا ﷺ ، وقد آذاه في قبره) ا هـ. وقال - أيضًا - (١): (وإذا رأيت الرجل يطعن علي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه صاحب قول سوء، وهوى، ولقول رسول الله ﷺ : "إذا ذكر اصحابي فأمسكوا" ... وقوله: "ذروا أصحابي، لا تقولوا فيهم إلّا خيرا". ولا تحدّث بشيء من زللهم، ولا حربهم، ولا ما غاب عنك علمه، ولا تسمعه من أحد يحدّث به؛ فإنه لا يسلم لك قلبك إن سمعت) اهـ. وقال ابن تيمية (٢): (من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ .. ويتبرؤن من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم. وطريقة النواصب الذين يوذون أهل البيت ... ويسكتون عما شجر بين الصحابة .. وقد ثبت بقول رسول الله أنهم خير القرون، وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم) (٣) ا هـ. واعتقاد فضائلهم، ومناقبهم الثابتة عن النبي ﷺ ، سواء ما ورد منها على وجه الإجمال، أو على وجه التفصيل، واعتقاد فضل الخلفاء الراشدين، وأنهم أفضل الخلق بعد النبيين، والمرسلين، وأن

стр. 68

ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة. واعتقاد فضل المهاجرين، والأنصار، وحقوقهم، وحفظ وصايا الرسول ﷺ فيهم. واعتقاد فضل أهل بيت رسول الله ﷺ ، والتقرب إلى الله بموالاتهم، ومحبتهم، وصلتهم، وحفظ وصايا رسول الله ﷺ فيهم. واعتقاد فضل أمهات المؤمنين، وتعظيم قدرهن، ومعرفة فضلهن، وطهرهن، وشرفهن، ولا تُذكر إحداهنّ إلّا بخير، مع الإيمان بأنهن أزواج النبي ﷺ في الآخرة. والتمسك بما كانوا عليه، والاقتداء بهم، واعتقاد أن من حقهم ﵃ أجمعين - على كل من جاء بعدهم من المؤمنين أن يدعو لهم، ويستغفر لهم، قال - تعالى - (١): ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ

стр. 69

بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. - والآخر: عقيدتهم في عدالتهم بخاصة العدالة مَلَكة تحمل المرء على ملازمة التقوى، والمروءة (١). والصحابة - رضوان الله عليهم - كلهم عدول، مأمونون بنص كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ، بما جاء فيهما من حسن الثناء عليهم، ووصفهم بأحسن الأوصاف، وما أعدّ لهم في الآخرة من الخير العظيم، والخلود المقيم في جنات النعيم ... هذا قول السلف، وأجمع عليه من يعتد به في الإجماع ممن بعدهم (٢) ... قال الله - عز رجل (٣) -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، وقال (٤): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ

стр. 70

أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقال (١): ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾، وقال (٢): ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال (٣): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾، وفي نصوص القرآن الشاهدة بذلك كثرة وعدد جمّ يكثر إيراده، ويطول تعداده. كما أن في النصوص الصحيحة المسندة إلى النبي ﷺ الدالة على عدالتهم كثرة متسعة، استفاضت، وتواترت في هذا المعنى، والسنة مبينة للقرآن، قال - تعالى - (٤): ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ....... وهذه النصوص مذكورة بأسانيدها، ومتونها في بحثي هذا، انظر فيه - مثلًا -: ما ورد في فضل مَن رأى النبي ﷺ وصحبه، وما ورد في أن خير الناس القرن الذي كان فيه النبي - صلى الله

стр. 71

عليه وسلم -، وما ورد في النهي عن سبهم، وغير هذا مما وردت فيه فضائلهم العامة، والخاصة. قال ابن حبان (١): (كلهم أئمة، سادة، قادة، عدول، نزه الله أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن أن يلزق بهم الوهن. وفي قوله ﷺ : "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول، وليس فيهم مجروح، ولا ضعيف ... وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا) اهـ. وقال الخطيب في ترجمة أحد أبواب الكفاية (٢): (باب ما جاء في تعديل الله، ورسوله ﷺ للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم)، ثم قال: (لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن). وقال ابن عبد البر (٣): (فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم، وثناء رسوله ﷺ ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل

стр. 72

منها)، إلى أن قال (١): (إنما وضع الله في الموضع الذي وصفهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة؛ لتقوم الحجة على جميع أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة وسنة). وقال ابن تيمية (٢): (الصحابة كلهم ثقات باتفاق أهل العلم بالحديث، والفقه). وقال ابن حجر (٣): (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة) ا هـ (٤). ومع ثبوت عدالة الصحابة الكرام ﵃ ثبوتًا قطعيًا فأهل السنة، والجماعة - بحمد الله - ليسوا ممن يغلون فيهم، ولا يدّعون لهم العصمة، بل هم بشر كسائر البشر، يجوز عليهم الذنب، والخطأ، والنسيان، والعصمة إنما هي للأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة، والسلام - ... وإن ثبت على أحد من الصحابة شيء من ذلك فهو مغمور في سعة رحمة الله بما ثبت لهم من الفضائل، والمحامد التي لا يسع صاحب دين، أو لبّ أن يكتمها، ويدفنها. وهذا خلاف لمن تجاوزوا الحد، وكانوا على طرفي نقيض في أصحاب رسول الله ﷺ ... في أحدهما من يكفرهم، وبغير الحق يذكرهم، وفي الآخر من رفع بعضهم فوق المنزلة الي قررها لهم الكتاب،

стр. 73

والسنة الثابتة، فنقلوهم من حيز الصحبة إلى حيز الإلهية والربوبية، وادعو فيهم العصمة والحفظ، واتبعوا كل ما ورد عنهم من غير نظر وتمحيص، لم يراعوا الصحة من الخطأ، ولا الثابت عنهم من غير الثابت، وهذا حقيقته العبادة لهم من دون الله ، وإن لم يقربها من صنع ذلك - نسأل الله الهداية، ونعوذ به من الغواية -. * المسألة الخامسة: القول في تفضيل بعضهم على بعض قرر الله في كتابه، والنبي ﷺ في سنته التفاضل بين المخلوقات، وأنها على مراتب، وأقدار، بله كل جنس ونوع فيما بين عناصره، وأفراده، وأنهم على درجات بعضها فوق بعض ... وأصل التفضيل بين أصحاب النبي ﷺ ، كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . قال - تعالى - (١): ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وروى الشيخان (٢) وغيرهما من حديث أبي سعيد ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : إلا كسبوا أحدًا

стр. 74

من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه). وفي هذا دليل على فضل السابقين الأولين على من جاء بعدهم. قال القرطبي في تفسيره (١) - وقد ذكر ما قيل في التفاضل بين الأنبياء -: (وهكذا القول في الصحابة - إن شاء الله تعالى - اشتركوا في الصحبة، ثم تباينوا في الفضائل، بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك، مع أن الكل شملتهم الصحبة، والعدالة، والثناء عليهم) اهـ. وذكر شيخ الإسلام (٢) أن التفضيل يثبت إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا، وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب التفضيل على الغير. والسلف الصالح يقدمون المهاجرين على الأنصار، ولأهل العقبتين من الأنصار مزية عندهم، ويفضلون من أنفق قبل صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل. وأفضلهم من الرجال: الخلفاء الأربعة - وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة - (٣)، ثم سائر العشرة المبشرين بالجنة، ثم

стр. 75

البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان ... هذا الصحيح المشهور عندهم (١). قال أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري في قصيدة له في الآداب والسنة (٢): وتولَّ أصحاب النَّبي وآله ... وأَذِع محاسنهم جميعًا وانشرِ وامنحهمُ محض الوداد وقدم الـ ... ـعمرين في كلّ الفضائل وابدرِ
следующие страницы →