عليه وسلم -، وما ورد في النهي عن سبهم، وغير هذا مما وردت فيه فضائلهم العامة، والخاصة.
قال ابن حبان (١): (كلهم أئمة، سادة، قادة، عدول، نزه الله أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن أن يلزق بهم الوهن. وفي قوله ﷺ : "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول، وليس فيهم مجروح، ولا ضعيف ... وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا) اهـ.
وقال الخطيب في ترجمة أحد أبواب الكفاية (٢): (باب ما جاء في تعديل الله، ورسوله ﷺ للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم)، ثم قال: (لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن). وقال ابن عبد البر (٣): (فهم خير القرون، وخير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم، وثناء رسوله ﷺ ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل
стр. 72
منها)، إلى أن قال (١): (إنما وضع الله في الموضع الذي وصفهم فيه بثنائه عليهم من العدالة، والدين، والأمانة؛ لتقوم الحجة على جميع أهل الملة بما أدوه عن نبيهم من فريضة وسنة). وقال ابن تيمية (٢): (الصحابة كلهم ثقات باتفاق أهل العلم بالحديث، والفقه). وقال ابن حجر (٣): (اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة) ا هـ (٤).
ومع ثبوت عدالة الصحابة الكرام ﵃ ثبوتًا قطعيًا فأهل السنة، والجماعة - بحمد الله - ليسوا ممن يغلون فيهم، ولا يدّعون لهم العصمة، بل هم بشر كسائر البشر، يجوز عليهم الذنب، والخطأ، والنسيان، والعصمة إنما هي للأنبياء والمرسلين - عليهم الصلاة، والسلام - ... وإن ثبت على أحد من الصحابة شيء من ذلك فهو مغمور في سعة رحمة الله بما ثبت لهم من الفضائل، والمحامد التي لا يسع صاحب دين، أو لبّ أن يكتمها، ويدفنها.
وهذا خلاف لمن تجاوزوا الحد، وكانوا على طرفي نقيض في أصحاب رسول الله ﷺ ... في أحدهما من يكفرهم، وبغير الحق يذكرهم، وفي الآخر من رفع بعضهم فوق المنزلة الي قررها لهم الكتاب،
стр. 73
والسنة الثابتة، فنقلوهم من حيز الصحبة إلى حيز الإلهية والربوبية، وادعو فيهم العصمة والحفظ، واتبعوا كل ما ورد عنهم من غير نظر وتمحيص، لم يراعوا الصحة من الخطأ، ولا الثابت عنهم من غير الثابت، وهذا حقيقته العبادة لهم من دون الله ، وإن لم يقربها من صنع ذلك - نسأل الله الهداية، ونعوذ به من الغواية -.
* المسألة الخامسة: القول في تفضيل بعضهم على بعض
قرر الله في كتابه، والنبي ﷺ في سنته التفاضل بين المخلوقات، وأنها على مراتب، وأقدار، بله كل جنس ونوع فيما بين عناصره، وأفراده، وأنهم على درجات بعضها فوق بعض ... وأصل التفضيل بين أصحاب النبي ﷺ ، كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . قال - تعالى - (١): ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وروى الشيخان (٢) وغيرهما من حديث أبي سعيد ﵁ قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : إلا كسبوا أحدًا
стр. 74
من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه). وفي هذا دليل على فضل السابقين الأولين على من جاء بعدهم. قال القرطبي في تفسيره (١) - وقد ذكر ما قيل في التفاضل بين الأنبياء -: (وهكذا القول في الصحابة - إن شاء الله تعالى - اشتركوا في الصحبة، ثم تباينوا في الفضائل، بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك، مع أن الكل شملتهم الصحبة، والعدالة، والثناء عليهم) اهـ. وذكر شيخ الإسلام (٢) أن التفضيل يثبت إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا، وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب التفضيل على الغير.
والسلف الصالح يقدمون المهاجرين على الأنصار، ولأهل العقبتين من الأنصار مزية عندهم، ويفضلون من أنفق قبل صلح الحديبية وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل. وأفضلهم من الرجال: الخلفاء الأربعة - وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة - (٣)، ثم سائر العشرة المبشرين بالجنة، ثم
стр. 75
البدريون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان ... هذا الصحيح المشهور عندهم (١).
قال أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري في قصيدة له في الآداب والسنة (٢):
وتولَّ أصحاب النَّبي وآله ... وأَذِع محاسنهم جميعًا وانشرِ
وامنحهمُ محض الوداد وقدم الـ ... ـعمرين في كلّ الفضائل وابدرِ
стр. 76
ويليهما عثمانُ ثم علي الـ ... بطل المسوّم في الحروب الشَّمري
خلفاء صدق وطّدوا دين الهدى ... وارَوا معالمه عيونَ النُّظَّرِ
والسّتّة الأعلام من شركائهم ... بحراء في اليومِّ الأغرِّ الأشهرِ
واذكرهمُ بالسبق واشهد فيهمُ ... ولهمْ بما شهد الرّسول وأخبرِ
واذكر سواهم بالجميل ولا تكن ... بمقدِّم فيهم ولا بمؤخرِ
فجميعهمْ للبرِّ أهلٌ والتقى ... قَمِنٌ بها وبكلّ صالحة حري
وقال ابن الجزري في الهداية (١):
وهمْ بالإجماع عدولٌ اجمع ... أفضلهم فالخلفء الأربع
فستَّة فأهل بدر فأحد ... فبيعة الرضوان .........
وأما أفضل نسائهم: فالتوقف في التفضيل المطلق بينهن أولى، وهو أعدل الأقوال؛ لأن الأفضلية على الإطلاق لا يعلمها إلّا الله، ولا نص، وكل واحدة ممن قيل إنها الأفضل، والأشرف باعتبار النظر في بعض الأدلة لها فضل تفوق به سائر النساء (٢).
стр. 77
* المسألة السادسة: جزاؤهم، وما أعده الله لهم
يقول الله - جل وعلا - (١): ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وعن حميد بن زياد قال (٢): قال يوما لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما كان بينهم؟ - وأردت الفتن -. فقال لي: (إن الله - تعالى - قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم، ومسيئهم). قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: (سبحان الله! ألا تقرأ قوله - تعالى -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى آخر الآية. فأوجب أن لجميع أصحاب النبي ﵇ الجنة، والرضوان ... ) اهـ، وتمام الآية: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣). قال أبو محمد اليمني (٤) - معلقًا، وقد ذكر الآية -: (فذكر الله أنه قد رضى عنهم، وأنه يدخلهم الجنة، ولا يكون ذلك إلا من بعد غفرانه لمسيئهم ومحسنهم، وبعلمه السابق بما يكون منهم) اهـ.
стр. 78
قال الآجري (١) - وقد ذكرهم -: (ووعدهم الجنة خالدين فيها أبدا. وأخبرنا أنه قد رضي عنهم، ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون). وقال ابن حزم (٢): (الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، قال الله - تعالى -: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. وقال - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
فثبت أن جميعهم من أهل الجنة، وأن لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية الأولى، التي أثبتت لكل منهم الحسنى - وهى: الجنة -. فلا يتوهم أن التقييد بالإنفاق، والقتال فيها، وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف منهم بذلك؛ لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب، فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة، أو العزم) اهـ، وذكره عنه: السخاوي في فتح المغيث (٣)، والسفاريني في لوامع الأنوار (٤)، ولوائح الأنوار (٥) ... وأقراه. وقال شيخ الإسلام (٦):
стр. 79
(نشهد لهم بالجنة) اهـ. وقال - مرة (١)، وقد سئل عما شجر بين الصحابة، وبيّن فيه مذهب أهل السنة والجماعة -: (وحينئذ فمن جزم في واحد من هولاء بأن له ذنبًا يدخل به النار قطعًا فهو كاذب مفتر. فإنه لو قال ما لا علم له به لكان مبطلًا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضة)؟ اهـ.
ولو تأمل الواحدُ ما ورد في الكتاب، والسنة من الشهادة لهم بالإيمان، والتصديق، والخيرية، والصلاح، والصدق، والنصرة، ورضى الله عنهم، والتوبة عليهم، والمغفرة لهم، ووعدهم سكنى الجنان لرأى أن ذلك حصل لجميع أصحاب رسول الله ﷺ ، المتقدمين منهم والمتأخرين - دون استثناء -، وأنه قد وقع في أزمنة متعددة إلى أن قُبض النبي ﷺ ... ومما ورد في ذلك - على سبيل المثال لا الحصر -:
في أهل بدر قوله ﷺ لعمر بن الخطاب: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد كفرت لكم) (٢).
وفي غزوة الأحزابِ قوله - تعالى -: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ
стр. 80
الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (١)، الآيات. وفي أهل الحديبية قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢)، الآيات. وقوله ﷺ : (لن يَلج النار أحد شَهد بدرًا، والحديِبية) (٣).
وفي من حضر غزوة حنين قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
وفي من حضر غزوة تبوك قوله - تعالى -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥). وفيمن حبسه العذر حديث أنس - رضى الله عنه - أنَّ رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: (إنَّ بِالمدِينةِ اقوامًا، ما سِرتمْ مسِيرًا، ولا قطعتُمْ وَاديًا
وقد قال ﷺ فيما تواتر عنه: (خير الناس قرني) (١). وقوله: (المرء مع من أحب) (٢) ... وقد كانوا - رضى الله عنهم - من أصدق الأمة حبًا لرسولها ﷺ .
ومع ورود هذا كله - وغيره كثير جدًّا في الكتاب والسنة - من النصوص القطعيّة يأتي أُناس من شر أهل الأرض، ومن أشقى الخوالف، أصحاب عقول وقلوب توالف، فيردون ما ورد في الكتاب والسنة فيهم، ويطعنون عليهم، ويتنقصون أعمالهم، والله منتقم لنفسمه، ولرسوله، ولأصحاب رسوله منهم؛ إنه يمهل ولا يهمل، قال الله - جل ثناؤه - (٣): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وأخرج ابن مردويه (٤) عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلا نال من عثمان - رضى الله عنه -، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ... ﴾، الآية (٥). قال: من هولاء أنت؟ قال: لا. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية (٦). قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجوا أن
стр. 85
أكون منهم. قال: لا، والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان لي قلبه الغل عليهم.
* المسألة السابعة: روايتهم عن رسول الله ﷺ -
تقدم في التعريف الاصطلاحى المختار للصحاب أنه: مَن لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك ردة. وتقدم - أيضا - في تعريفه اللغوي أنه ليس بمشتق من قدر مخصوص من الملازمة، واللقي، ومنهم من سمع قليلا، ومنهم من سمع كثرا من النبي ﷺ ، والصحابة ﵃ أعلم الناس بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وأكثرهم كان فقيهًا عالمًا؛ لنزول القرآن بلغتهم، ورسولهم ﷺ منهم، ولأنهم عاشروا رسول الله ﷺ ، ورأوا هديه، واهتدوا به، ونظروا قضاءه، وحكمه فيما اختلف الناس فيه. وشهدوا أخلاقه، وأدابه، وأحواله، وتصرفه في السلم والحرب، والمعاهدات وأمور الدنيا والآخرة. واستقى كل بقدر استعداده من ينبوع الفيض الرباني، وانعكس ذلك كله على عقولهم، وعلى أرواحهم، علمًا، وعملًا، وتبليغًا (١). وكل فضل، وخير، وعلم، وجهاد، ومعروف عمل في هذه
стр. 86
الشريعة إلى يوم القيامة فحظهم منه أجلّ، ونوالهم منه أجزل؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وفتحوا أبوابه، ونقلوا معالم الدين، وتفاصيل الشريعة إلى من بعدهم (١).
والناظر في كتب الحديث - على اختلاف أغراض وطرق تدوينها -، وما ذكره أهل العلم فيما لكل صحابي من الحديث عن رسول الله ﷺ ، يلحظ أن منهم المكثر، ومنهم المقل، ولهذا أسبابه، ومنها:
أولًا: تفاوتهم في مقدار ما تحملوه عن النبي ﷺ لتفاوتهم في مقدار صحبتهم له، وسماعهم منه، وحفظهم لحديثه. ثانيًا: تفاوت أعمارهم طولا، وقصرا. ثالثًا: خوف بعضهم من الغلط على رسول الله ﷺ ، واتهامهم لحفظهم الجيد عنه ... وهذا من تورعهم - رضى الله عنهم -. رابعًا: تولي بعضهم الخلافة، أو ولايات للمُسلِمين، وانشغالهم بتدبير أمور المُسلِمين، وتصريف أحوالهم، ورعاية شئونهم. خامسًا: اشتغال بعضهم بالعبادة، وانصرافهم إليها. سادسًا: اشتغال بعضهم بالجهاد في سبيل الله ... ولم يتفرغ هذان الصنفان للتحديث لعلمهم أن غيرهم قام مقامهم في تبليغ ما عندهم من علم (٢).
стр. 87
قال الإمام أحمد (١): (وأكثرهم رواية ستة: أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة)، وزاد ابن كثير (٢) عبد الله بن عمرو، وأبا سعيد، وابن مسعود. قال ابن الصلاح (٣): (أكثر الصحابة حديثًا عن رسول الله ﷺ : أبو هريرة. روي ذلك عن سعيد بن أبي الحسن، وأحمد بن حنبل) اهـ.
وذكر جماعة من المصنفين في الصحابة عدد ما لكل واحد من الحديث، وغالبهم اعتمد على ما ذكره ابن حزم في أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد، أو ابن الجوزي في تلقيح فهوم أهل الأثر، اعتمادا على ما وقع لكل منهم في مسند بقي بن مخلد (ت / ٢٧٦ هـ)؛ لأنه من أجمع المسانيد، ورتبه على طريقة مبنية على الإكثار، أو الإقلال في الرواية عن رسول الله ﷺ ، فذكر أولًا أصحاب الألوف، ثم أصحاب الألف، ثم أصحاب المئين، وهكذا إلى أن ذكر من
стр. 88
روى عنه حديثان، ثم من روي عنه حديث واحد - وهم الأغلب - (١).
ولبعضهم (٢):
صحب النبي ذو الآلاف عدتهم ... قل سبعة نجب بالفضل قد رأسوا
أبو هريرة عبد الله عائشة ... وجابر وابن عباس كذا أنس
وأبو سعيد روى ألفًا ويتبعها ... سبعون مع مئة يجلى بها الغلس
رذكر ابن حزم في كتابه المتقدم في أصحاب الآلاف (٣): أربعة. وفي أصحاب الألف (٤): ثلاثة. وفي أصحاب المئين (٥): أحد عشر. وفي أصحاب المئة (٦): عشرين. وفي أصحاب العشرات (٧): ثمانية وثمانين. وفي أصحاب التسعة عشر (٨): اثنين. وفي أصحاب الثمانية عشر (٩): ستة. وفي أصحاب السبعة عشر (١٠): ثلاثة. وفي أصحاب الستة عشر (١١): ثلاثة.
стр. 89
وفي أصحاب الخمسة عشر (١): أربعة. وفي أصحاب الأربعة عشر (٢): تسعة. وفي أصحاب الثلاثة عشر (٣): سبعة. وفي أصحاب الاثني عشر (٤): ثمانية. وفي أصحاب الأحد عشر (٥): تسعة. وفي أصحاب العشرة (٦): أربعة عشر. وفي أصحاب التسعة (٧): اثني عشر. وفي أصحاب الثمانية (٨): عشرين. وفي أصحاب السبعة (٩): ثمانية وعشرين. وفي أصحاب الستة (١٠): ستة وعشرين. وفي أصحاب الخمسة (١١): ثمانية وعشرين. وفي أصحاب الأربعة (١٢): تسعة وأربعين. وفي أصحاب الثلاثة (١٣): ثمانية وسبعين. وفي أصحاب الاثنين (١٤): ثلاثة وعشرين ومئة. وفي أصحاب الواحد (١٥): ثلاثة وستين وأربعمائة ... فهولاء: ثمانية عشر وألف صحابي.
стр. 90
قال الذهبي في التجريد (١): (ولعل الرواة عنه نحو الألف وخمس مئة، لا يبلغون ألفين أبدًا) اهـ.
* المسألة الثامنة: إفتاؤهم ﵃ (٢)
الافتاء إخبار عن الله ، وعن رسوله ﷺ في الحلال، والحرام، وأمره ليس بالأمر الهين ... يقول الشاطبي (٣): (المفتي قائم في الأمة مقام النبي ﷺ ... )، إلى قال: (وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي، ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي، ولذلك سموا أولى الأمر ... ) إلخ. والصحابة - رضى الله عنهم - تحقق عنهم بالتواتر الجدّ في الامتثال، والمتابعة، وكانوا مثالًا حيًا لاتباع العلمِ العملَ ... قال ابن مسعود - رضى الله عنه - (٤): (كنا إذا تعلمنا من النبي ﷺ عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه) - يعني: من العلم -. وحفظوا عن رسول الله ﷺ ، وبلغوا عنه، ما علموه، وحفظوه إلى من بعدهم. وكان الناس يتوجهون إليهم للتعلم منهم، وللأخذ عنهم، واستفتائهم ... وحُفظت
стр. 91
الفتوى عن سبعة وأربعين ومئة صحابي، المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة - أم المؤمنين -، وعبد الله بن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين -. ذكره ابن حزم في الإحكام (١)، وقال: (يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هولاء مجلد ضخم) اهـ. ثم قال (٢): (ويلي هؤلاء السبعة في الفتوى عشرون، وهم: أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة) اهـ. ثم قال: (ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير). ثم قال: (وفي الصحابة نحو من مئة وعشرين نفسًا مقلون في الفتيا جدًّا، لا تروى عن الواحد منه إلا المسألة، والمسألتان والثلاث كأُبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، والمقداد ... )، ثم سرد الباقين، وفي بعضهم نظر، قاله: السخاوي (٣). ثم قال ابن حزم بعد سرده لهم: (ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم بعد البحث جزء صغير) اهـ. وأكثرهم فتيا -
стр. 92
على الإطلاق -: عبد الله بن عباس ﵄، وكان كبار الصحابة يحيلون عليه فيها (١).
* المسألة التاسعة: ما له حكم الرفع من أحاديثهم
إذا ورد الحديث عن الصحابي فإما أن يكون رفعه إلى النبي ﷺ صريحًا، كان يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، أو يفعل. أو يقول: قال رسول الله ﷺ ، أو حدثنا، أو نهانا، ونحو ذلك. وهذا لا خلاف بين أهل العلم في إضافة ما ورد فيه إلى النبي ﷺ .
وإما أن يكون رفعه إلى النبي ﷺ غير صريح، كأن يقول: أمرنا بكذا، أو من السنة كذا، أو كنا نفعل كذا ونحو ذلك. أو مال التابعي عن الصحابي: ينمي الحديث، أو يبلغ به، أو نحو ذلك، ومثل هذه الألفظ بعضها محل خلاف عند أهل العلم: هل يحكم لها بالرفع إلى النبي ﷺ أم لا؟ والصواب: التفصيل، بناء على النظر في ألفُظ صيغ أداء هذه الأحاديث، ومدلولاتها ... والنظر يقتضي تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
стр. 93
القسم الأول: قولهم: (كنا نقول)، أو (نفعل) كذا، ونحوهما. سواء أضافه إلى زمن النبي ﷺ أم لا ... فإن أضافه إلى زمن النبي ﷺ فالجمهور على أنه مسند، خلافًا للإسماعيلي. وإن لم يضفه فمحل خلاف. والراجح أنه مسند - أيضا - (١).
والقسم الثاني: قولهم: (أُمرنا)، أو (من السنة) كذا، ونحوهما ... والراجح في هذا القسم: أن لهما حكم المرفوع، إذا صدرا من معروفي الصحبة (٢). ونفى البيهقي (٣) الخلاف فيه؛ فإنه قال: (لا خلاف بين أهل النقل أن الصحابي - رضي الله تعالى عنه - إذا قال: أمرنا، أو نهينا، أو من السنة كذا أنه يكون حديثًا مسندًا) اهـ. وقد خالف فيه فريق منهم: الإسماعيلي، وأبو الحسن الكرخي (٤). وحكى الحاكم (٥) الإجماع على أن قول الصحابي: "سُنّة" أنه حديث مسند.
стр. 94
والقسم الثالث: قول التابعي - وقد ذكر صحابي الحديث -: (ينميه)، أو (يرفعه)، أو (رواية)، أو نحوها، كله مرفوع متصل بلا خلاف (١).
ومن فروع هذه المسألة - أيضًا -: ما قاله الصحابي مما ليس للرأي، والاجتهاد مجال فيه ..... كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وقصص الأنبياء، أو عن الأمور الآتية من البعث، وصفة الجنة، أو عن ثواب الأعمال، وعقابها، أو عن ما يكفر به الإنسان، أو يفسق، أو نحو ذلك ... هذا له حكم المرفوع - على القول الصحيح - إن لم يعرف الصحابي بالأخذ عن الإسرائيليات، وأن هذا منها (٢).
ومن فروعها - أيضًا -: ما فسّر به الصحابي القرآن ... والصحيح فيها: أن ما كان مما لا مجال للاجتهاد فيه، ولا منقولًا عن لسان العرب، وسبب النزول، فهو تفسر مسند متصل. وما سواه لا يجزم برفعه؛ لقوة الاحتمال (٣). ومنها - كذلك - ما قاله في صفة النبي ﷺ على رأي بعض أهل العلم (٤). ومنها: ما شرح به حكمًا عن النبي ﷺ يحتاج إلى شرح، سواءً أكان من روايته أم لا ...
стр. 95
والتحقيق أنه لا يجزم بكون جميع ذلك يحكم برفعه، بل الاحتمال فيه واقع، فيحكم برفع ما قامت القرائن الدالة على رفعه، وإلا فلا (١).
* * *
* المسألة العاشرة: حكم رواية من لم يسم منهم
إذا لم يسم صحابي الحديث، فقيل في إسناده: (عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ أو: (عن رجل لقي النبي ﷺ )، أو: (عن رجل قال: سمعت رسول الله ﷺ )، أو نحو هذا من العبارات، كان خبره حجة، ولا يضره عدم التسمية، أو الجهالة بتعيينه؛ لأنهم مأمونون، عدول كلهم - كما تقدم - (٢).
ولا يُحتاج في معرفتهم تعدد الرواة عنهم، بخلاف سائر الرواة، فهم على الأصل الذي قدمته من حال العدالة، والرضا (٣).
* * *
стр. 96
* المسألة الحادية عشرة: أقوالهم وحكم الاحتجاج بها
قول الصحابي من الأدلة المختلف فيها عند الفقهاء والأصوليين (١)، ويسمونه - أيضًا -: مذهب الصحابي، أو فتوى الصحابي، أو تقليد الصحابي، أو سنة الصحابي (٢). وهو: ما نقل إلينا، وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله ﷺ من فتوى، أو قضاء، أو عمل، أو رأي، أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع (٣).
وقبل أن أذكر فروع الخلاف في هذه المسألة أنبّه على ما اتفق عليه أهل العلم في أقوال الصحابة ... فأولًا: أن أقوالهم فيما لا مجال للرأي فيه متصل، مرفوع - كما تقدم -. وثانيًا: أنها ليست حجة إذا رجعوا عنها، أو اختلفوا في مسائلها فيما بينهم (٤). وثالثًا: أنها إذا اشتهرت، ولم ينكرها
стр. 97
أحد، فإنها تدخل في الإجماع السكوتي - عند من يقول به - وله حكم الإجماع (١). ورابعًا: أنها حجة على العوام - مطلقًا - (٢).
هذه جملة ما اتفق عليه أهل العلم من فروع هذه المسألة - فيما أعلم - ... واختلفوا فيما إذا ثبت للصحابي قول، وعُلم اطلاع غيره من الصحابة عليه، أو انتشاره بين بعضهم، دون انتشاره بين الجميع، ولا يؤثر عن غيره مخالفة فيه، على أقوال، أصحها أنه حجة. واختار فخر الدين الرازي أنه إجماع إن كان ذلك مما تعم به البلوى، وتدعو الحاجة إليه (٣). واختلفوا - أيضًا - فيما إذا قال الصحابي قولًا، ولم يثبت فيه اشتهار، ولا يؤثر عن غيره من الصحابة مخالفة فيه - وهذا الفرع هو أكثر ما يوجد عنهم - على أقوال مختلفة، وتفصيلات متعددة، خلاصتها والراجح فيها فيما يلي:
أولًا: أن يتفق الخلفاء الأربعة ﵃ على حكم، أو فتوى، فهذا حجة، وليس بإجماع. وثانيًا: أن يتفق الشيخان - أبا بكر، وعمر ﵄ على حكم، أو فتوى. وثالثًا: أن ينفرد بذلك
стр. 98
أحد الخلفاء الأربعة ﵃، وكلاهما حجة. ورابعًا: أن ينفرد بذلك الواحد من الصحابة، غير الأربعة ﵃، وهو حجة إذا كان صادرًا من الفقهاء منهم، والمجتهدين. وخامسًا: أن ينفرد بذلك الواحد منهم، وخالف القياس، أو كان لا مجال للقياس فيه، فالأظهر أنه حجة. وأما إذا وافق القياس، فيذكر العلماء له صورتين، إحداهما: إذا تعارض قياسان، واعتضد أحدهما بقول الصحابي ... فمن يرى أن قول الصحابي حجة مقدمة على القياس يكون احتجاجه بقول الصحابي هنا بطريق الأولى - وهذا أشبه -. ولمن يرى أن قول الصحابي غير حجة تفصيلات تنظر في مظانها (١).
واختلفوا - أيضًا - في اختلاف الصحابة في مسألة اجتهادية على قولين فأكثر ... وعلى الصحيح أنه لا يؤخذ بقول أحدهما بدون دليل، ولكن يرجع إلى الترجيح بأحد المرجحات المتصلة، أو المنفصلة، وقرائنها (٢).
стр. 99
ويتفرع على اعتبار قول الصحابي حجة مسائل جرى فيها الخلاف بين أهل العلم، ومنها: إذا كان الخبر عامًا، فيخصه الصحابي بأحد أفراده، سواء أكان هو الراوي له أم لا، هل يخصص به العموم؟ اختلف العلماء ... والراجح أنه يخصصه، وتقييد الصحابي الخبر المطلق مثله. وإذا اختلف الصحابة، أو تعارضت أقوالهم فيبقى العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه (١). ومنها: إذا كان الخبر محتملًا لأمرين، وحمله الصحابي على أحدهما، فإنه يؤخذ بما حمله عليه؛ لأن ظاهر الحال أن تعيين الصحابي المشاهد للحال إنما يكون عن قرينة حالية، أو مقالية شاهدها. ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا عند قيام ما يرجح عليه (٢). ومنها: إذا كان الخبر ظاهرًا في شيء، وحمله الصحابي على غير ظاهره، إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو بغير ذلك من وجوه التأويل، فينظر ... فإن علم أنه لم يكن لمذهب الراوى وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي ﷺ لذلك التأويل وجب المصير إليه. وإن لم يعلم ذلك، بل جوّز أن يكون قد صار إليه لدليل، وجب النظر في هذا الدليل؛ فإن كان مقتضيًا لما ذهب إليه وجب المصير إليه، وإلّا عُمل بالخبر (٣). ولهذا الدليل، واختلاف أهل العلم فيه أثر بين في الاختلاف في عدد من الفروع
стр. 100
الفقهية، مثل لها: الدكتور مصطفى البغا في كتابه أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي بتسع عشرة مسألة (١). ومثل لها الدكتور شعبان في كتابه قول الصحابي بتسع مسائل (٢).
* * *
* المسألة الثانية عشرة: العبادلة منهم
المعتمد المشهور بين المحدثين، وغيرهم أن من يطلق عليهم العبادلة منهم دون سائر من اسمه عبد الله: عبد الله بن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو (٣). قال العراقي (٤): وروينا عن أحمد بن حنبل - أيضًا - أنه قيل له: من العبادلة؟ فقال: (عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو). قيل له: فابن مسعود؟ قال: (لا، ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة). قال العراقي: قال الحافظ أحمد البيهقي فيما رويناه عنه، وقرأته بخطه: (وهذا لأن ابن مسعود تقدم موته، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم. فإذا اجتمعوا على شيء قيل هذا قول العبادلة، أو هذا فعلهم) اهـ.
وقد نظمهم بعضهم (٥)، فقال:
стр. 101
إن العبادلة الأخيار أربعة ... مناهج العلم في الإسلام للناس
ابن الزبير مع ابن العاص وابن أبي ... حفص الخليفة والبحر ابن عباس
وقد يضاف ابن مسعود لهم بدلًا ... عن ابن عمرو لوهم أو لإلباس (١)
* * *
* المسألة الثالثة عشرة: عددهم
لم يكن الناس على عهد النبي ﷺ يحصون أنفسهم، ويعدونها، كما يوجد في بعض مجتمعات اليوم ... وقد دخل في الإسلام بعد فتح مكة خلق كثير، قال الله - تعالى -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ (٢). وقال كعب بن مالك (٣) ﵁ في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: (والمُسلِمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد: الديوان -) ا هـ. قال العراقي (٤): (هذا في غزوة خاصة، وهم مجتمعون، فكيف يُجمع من رآه مسلما)! وسئل أبو زرعة (٥) عن عدة من روى عن النبي - صلى الله عليه
стр. 102
وسلم -، فقال: (ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي ﷺ حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا)!
قال العسقلاني (١): (وأما عدة أصحابه ﷺ فمن رام حصر ذلك رام أمرا بعيدا، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله - تعالى -؛ لكثرة من أسلم من أول البعثه إلى أن مات النبي ﷺ ، وتفرقهم في البلدان والنوادي) اهـ.
ومع هذا، قال الشافعي (٢) ﵀: (قبض رسول الله ﷺ عن ستين ألفًا، ثلاثون ألفا بالمدينة، وثلاثون ألفًا في قبائل العرب، وغيرها) اهـ. وقال أبو زرعة الرازي (٣): (قبض رسول الله ﷺ عن مئة ألف، وأربعة عشر ألفا من الصحابة) اهـ.
قال العراقي (٤): (وفي هذا التحديد بهذا العدد المذكور نظر كبير، وكيف يمكن الاطلاع على تحرير ذلك، مع تفرق الصحابة في البوادي، والقرى. والموجود عن أبي زرعة بالأسانيد المتصلة إليه ترك التحديد في
стр. 103
ذلك، وأنهم يزيدون على مئة ألف) اهـ. ويروى أنه شهد معه حجة الوداع مئة ألف، وأربعة عشر ألفًا (١).
ولا شك أن أصحاب رسول الله ﷺ كان عددهم كثيرًا، لا سيما بعد أن دخلت قبائل الجزيزة العربية بعد الفتح في الإسلام.
ولكن كل ما تقدم من التحديد بأرقام معينة لا يمكن الجزم بشيء منه جزما قاطعًا، لأننا نعلم أنه لم يحص أحد أصحابَ النبي ﷺ عند وفاته؛ ولأن هذا من الأمور الصعبة ذلك الوقت؛ بعد انتشار الإسلام. وظهوره، وتفرق أهله في البوادي، والحواضر ... ومن ذكر شيئًا من ذلك إما أن يكون قوله اجتهادًا منه لتقدير أعدادهم، وإمّا أن يكون مبلغ علمه - ونحو ذلك - وفوق كل ذي علم عليم (٢).
وهذا الحافظ ابن حجر ﵀، ما ذكر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة - وهو أوسع الكتب المصنفة في بابه - سوى خمسة عشر ألفًا، واثنين وخمسين صحابيًا، وصحابية - بالمكرر - (٣) مع كونه يذكر من توفي في حياته ﷺ ، ومن عاصره وهو مسلم ولم يره، والمختلف في صحبتهم، ومن مات النبي ﷺ وهو صغير، وغير ذلك ممن قد تثبت صحبته، أو لا (٤)!
стр. 104
* المسألة الرابعة عشرة: طبقاتهم
الطبقات جمع طبقة، وهي في اللغة: المرتبة وَالمنزلة (١). وتطلق في الاصطلاح على الجماعة الذين تشاركوا في السن، أو تقاربوا فيها، أو اشتركوا في الأخذ عن مشايخهم، أو في وصف عام يشملهم. وإنما سموا طبقة لأن لهم من رتبة السبق، أو التوسط، أو التأخر ما يحدد وصفهم، ويعين مرتبتهم (٢). وإذا تميّز بعضهم عن بعض - مُيّزوا على طبقات فيما بينهم (٣). والصحابة على منازل وطبقات بالإجماع (٤)، واختلف أهل العلم في عدّ طبقاتهم وأصنافهم؛ لتعدد أنظارهم في الأسباب، والاعتبارات الداعية إلى جعلهم طبقة واحدة، أو أكثر.
فمن نظر إلى مطلق الصحبة، واللقي؛ لما حصل لهم بها من الشرف والفضل جعلهم طبقة واحدة كابن حبان (٥). ومن نظر إلى مشاهدهم مع رسول الله ﷺ ، وسبقهم إلى الإسلام، والهجرة
стр. 105
جعلهم أكثر من طبقة ... ومنهم ابن سعد، جعلهم خمس طبقات (١)، الأولى: البدريون. والثانية: من أسلم قديما ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة، وشهد أحدا فما بعدها. والثالثة: من شهد الخندق فما بعدها. والرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها. والأخيرة: الصبيان والأطفال الذين رأهم النبي ﷺ ممن لم يغز سواء حفظ عنه - وهم الأكثر - أم لا.
ومنهم: الحاكم (٢)، جعلهم اثنتي عشرة طبقة، الأولى: قوم أسلموا بمكة - كالخلفاء الأربعة -. والثانية: أصحاب دار الندوة. والثالثة: مهاجرة الحبشة. والرابعة: أصحاب العقبة الأولى. والخامسة: أصحاب العقبة الثانية. والسادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه بقباء، قبل أن يدخلوا المدينة. والسابعة: أهل بدر. والثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية. والتاسعة: أهل بيعة الرضوان. والعاشرة: من هاجر بين الحديبية، وفتح مكة. والحادية عضرة: مسلمة الفتح. والأخيرة: صبيان، وأطفال رأوه يوم الفتح في حجة الوداع، وغيرها (٣).
стр. 106
ومنهم: أبو منصور البغدادي (١)، جعلهم سبع عشرة طبقة، ذكرها. والمشهور عند أهل العلم في عد طبقات الصحابة: ما ذكره الحاكم في كتابه المتقدم (٢).
* * *
* المسألة الخامسة عشرة: أولهم إسلاما
اختلف في أول الصحابة إسلاما ... فقال العراقي (٣): (ينبغي أن يقال إن أول من أمن من الرجال: ورقة بن نوفل، لحديث الصحيحين (٤) في بدء الوحي. قال السفاريني (٥): (وأما ورقة فمعدود من الصحابة؛ لأنه أدرك النبوة وآمن حين جاءت خديجة بالنبي ﷺ إليه بعد البعثة، فآمن به، وصدقه، فهو من الصحابة، وذُكر من خبره ما هو مشهور في الصحيح) اهـ. وقيل: أولهم: أبو بكر الصديق ﵁، قاله: ابن عباس، وحسان، والشعبي، في آخرين. وقيل: علي بن أبى طالب -
стр. 107
رضى الله عنه -، وذكر الحاكم إجماع أهل العلم عليه، ونوزع في ذلك. وقيل: زيد بن حارثة ﵁، قاله: الزهري. وقيل: خديجة ﵂، ذكر ابن عبد البر، وغيره الإجماع عليه. وقيل: بلال. وقيل: خباب بن الأرتّ ... وقيل غير ذلك (١).
قال ابن الصلاح (٢): (والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار: أبو بكر. ومن الصبيان - أو الأحداث -: علي. ومن النساء: خديجة. ومن الموالي: زيد. ومن العبيد: بلال) ا هـ، وهذا جيّد، أورد شيخ الإسلام (٣) مثله دون ذكر بلال، ثم قال: (وهذا باتفاق أهل العلم) ا هـ ... وقال السيوطي (٤):
اختلفوا أولهم إسلاما ... وقد رأوا جمعهم انتظاما
أول من أسلم في الرجال ... صديقهم وزيد لي الموالي
وفي النساء خديجة وذي الصغر ... علي والرق بلالٌ اشتهر
* * *
стр. 108
* المسألة السادسة عشرة: آخرهم موتا
آخرهم موتًا على الإطلاق (١): أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة: عشر ومئة - على الصحيح - ... جزم به: مسلم، ومصعب الزبيري، وابن منده، والمزي في آخرين (٢). قال ابن الجزري في الهداية (٣):
آخرهم موتًا أبو الطفيل في ... مكة عام مئة فعرِّفِ
قال ابن الصلاح (٤): (وأما بالإضافة إلى النواحي: فآخر من مات منهم بالمدينة: جابر بن عبد الله .. وقيل: سهل بن سعد، وقيل: السائب بن يزيد. وآخر من مات منهم بمكة: عبد الله بن عمر، وقيل: جابر بن عبد الله، وذكر على بن المديني أن أبا الطفيل مات بمكة، فهو إذًا الآخر بها. وآخر من مات منهم بالبصرة: أنس بن مالك. قال أبو عمر بن عبد البر: "لا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله ﷺ إلّا أبا الطفيل"، وآخر من مات منهم بالكوفة: عبد الله بن أبي
стр. 109
أوفى. وبالشام: عبد الله بن بسر، وقيل: بل أبو أمامة. وتبسّط بعضهم، فقال: آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ بمصر: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي. وبفلسطين: أبو عُبيد بن أم حرام. وبدمشق: واثلة بن الأسقع. وبحمص: عبد الله بن بسر. وباليمامة: الهرماس بن زياد، وبالجزيرة: العرس بن عميرة. وبأفريقيا: رويفع بن ثابت. وبالبادية في الأعراب: سلمة بن الأكوع ﵃ أجمعين -) ا هـ، ثم قال: (وفي بعض ما ذكرناه خلاف لم نذكره. وقوله في رويفع بأفريقيا لا يصح، إنما مات في حاضرة برقة، وقبره بها. ونزل سلمة إلى المدينة قبل موته بليالٍ، فمات بها - والله أعلم -) ا هـ. قال السخاوي (١): (وأما آخر الصحابة موتًا بالإضافة إلى النواحي فقد أفردهم ابن منده في جزء سمعناه).
* * *
* المسألة السابعة عشرة: تحريم سبّهم، وإيذائهم
الكلام في هذه المسألة له فرعان:
- الفرع الأول: حكم سبهم، والطعن فيهم
تقدم أن من عقيدة السلف الصالح - رضى الله عنهم - اعتقاد أن الصحابة خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، والكف عما شحر بينهم، ولا يذكرونهم إلّا بالجميل، وينشرون فضائلهم، ولا يروون
стр. 110
ما ينقله المؤرخون مما ألصق بهم من المعائب ... فهم سليموا القلوب، والألسن لأصحاب رسول الله ﷺ .
ولا خلاف بين أهل العلم أن من قال غير ذلك فليس هو على الصراط المستقيم، والمنهج السليم في الاعتقاد الصحيح، المبني على الكتاب، والسنة، بل هو من أهل الهوى، الموغلين في الردى، عقله مطموس، وقلبه منكوس. ولذا فإن الطعن فيهم حرام بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف ... فأما من الكتاب فيقول الله - تعالى -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، ومن كانت هذه صفته من قول الله في كتابه كيف يُسب؟! ويقول - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٢)، في آيات أخر، فيها كثرة.
وأما من السنة: ما رواه البخاري في صحيحه (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي) ... في أحاديث أُخر، انظرها في الفصل الخامس، من الباب الأول، في هذا الكتاب. وأجمع السلف على هذا (٤).